نقد الاستبداد المتطابق الكواكبي وعبد الرازق نموذجًا
The Congruent Critique of Despotism
الملخّص
حاولت هذه الدراسة البحث في مسألة الاستبداد السياسي والاستبداد الديني، من خلال رصد أهم تجليات نقدهما المتطابق لدى علمين من أعلام الفكر العربي الحديث (الكواكبي، وعبد الرازق). كان المبتغى هو استجلاء الميسم النقدي المتطابق لديهما على عدة أوجه على الرغم من التباينات بينهما، إذ كان الهدف من نقد الاستبداد بصورتيه هو نقد السياسة من داخل مجالها وبآلياتها من جهة، ومن جهة ثانية، كان سعيهما حثيثًا لزرع بذور فكر متحرر إلى حدٍ كبير، بغية فك الارتباط الماهوي والمصالحي بين المجالين: السياسي والديني، في أفق إعادة التأسيس للعلاقة بينهما وفقًا لتصور عقلاني حديث.
Abstract
Abstract: The question of political and religious despotism is examined here through examining the most important manifestations of the congruent critique of two prominent modern Arab thinkers al-Kawakibi and Abdel-Raziq. The aim of this study is to reveal their shared critical features in a number of aspects despite the differences between them, since the goal of the critique of despotism, whether political or religious, is the critique of politics from inside using its own tools. The two Arab thinkers ceaselessly attempted to sow the seeds of enlightened thinking with the aim of breaking the essentialist and interest-based links between the political and religious domains in the context of re-establishing the relationship between them according to a modern, and rational understanding.
- الاستبداد
- النقد المتطابق
- السياسي
- الديني
- Politics
- Despotism
- l-Kawakibi
- Abdel-Raziq
الكواكبي وعبد الرازق نموذجًا
Al-Kawakibi and Abdel-Raziq as Examples
فكر متحرر إلى حدٍ كبير، بغية فك الارتباط الماهوي والمصالحي بين المجالين: السياسي والديني، في أفق إعادة التأسيس للعلاقة بينهما وفقًا لتصور عقلاني حديث.
نروم في هذه الدراسة التطرّق إلى مسألتَي الاستبداد السياسي والاستبداد الديني في الفكر
النهضوي، للوقوف على مدى اهتمام رواد النهضة بالمسألة، من خ لاا النظر في طبيعة
الع ئااق الموجودة والممكنة بينهما، وانط قااًا من تمث ت الفاعلين السياسيين في التراث العربي الإسلامي لمسألة الدين والسلطة الدينية، وطبيعة الآثار السياسية والفكرية المترتبة على ذلك، محاولين معرفة مدى تأثير ذلك في حلم النهضة في الفكر العربي الحديث. تأخذ هذه المحاولة مرجعيةً فكريةً تتمثل بتجربة رائدين من رواد حركة النهضة العربية في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين؛ نعني بهما عبد الرحمن الكواكبي (المحور الأول)، والشيخ علي عبد الرازق (المحور الثاني). ونقصد بفرضية التطابق في نقد الاستبداد السياسي والاستبداد الديني أنّ صاحبينا يتقاطعان كثيرًا
في نقدهما، سواء من ناحية الهمّ النهضوي المحرك لهما بوصفهما إصلاحيَين بارزين، أم من ناحية
تجليات ذلك الهم في فكرهما وخطابهما على السواء. بيد أننا لا نقصد بالتطابق في هذا البحث التماهي بين الكواكبي وعبد الرازق في كلّ أقوالهما أو أفعالهما، بل المقصود أنّه بما أنهما ينطلقان من هم نهضوي وإصلاحي موحد من خلال وعيهما المتقد بفداحة الفارق بين واقعهما وواقع الأمم
الأخرى المتقدمة في كل أمور الاجتماع والسياسة والدين، تولّد لديهما وتقاطع العديد من الإشكاليات
على رأسها نقد الاستبداد السياسي والديني بوصفه مدخلً لازمًا لكل نهضة منشودة.
المحور الأول: نقد الكواكبي السياسة بالسياسة
يتناول هذا المحور بعض جوانب نقد عبد الرحمن الكواكبي (902-18541) الاستبداد، فعلى الرغم من معالجته له من عدة جوانب بربط الاستبداد بحقول أخرى: الدين، والعلم، والمال، والتربية، والمجد، والترقي، فإننا نتوخى الوقوف عند إشكالية علاقة الاستبداد السياسي بهذه الحقول ومدى استثماره لها، وخصوصًا الدين منها، على أساس أنّ الحكام في عصره وما قبله، كانوا يستثمرون باقي تلك
الحقول لتدعيم سلطانهم السياسي وتقويته، وفي الوقت نفسه يوظفون هذا السلطان لبناء مساراتهم وصورهم في باقي المجالات المذكورة.
الفقرة الأولى: الكواكبي مفكرًا في السياسة
تحاول هذه الفقرة تحليل التصور السياسي الذي يرتكز عليه عبد الرحمن الكواكبي، بوصفه رائدًا من رواد عصر النهضة العربية، ذلك أنّ رؤيته للسياسة وكيفية اشتغالها، والآليات التي يتعين على الساسة
مباشرة أمور الحكم في إطارها، كانت شيئًا جديدًا على أدبيات النهضة العربية انطلاقًا من منتصف القرن التاسع عشر، الأمر الذي يجعلنا أمام مفكر وممارس للسياسة من طراز حديث منفتح على رؤى حديثة لمعنى السياسة. يبادر الكواكبي إلى التصريح بأنّ السبب الرئيس في أحوال الفتور الذي تعيشه الأمة الإس مااية هو
طريقة تدبير السياسة والحكم، قائلً: «لقد تمحص عندي أن أصل الداء هو الاستبداد السياسي».
(((عبد الرحمن الكواكبي، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، تحقيق وتقديم محمد عمارة، ط 2 (القاهرة: دار الشروق، 2009)، ص.15
يجب أن نفهم هذا الحكم في ع قااة مع طبيعة المسار الشخصي للرجل، ذلك أنّه ليس حكمًا
صادرًا عن مفكر متأمل في السياسة من بعيد، بل ينبغي ربطه بما عاشه الكواكبي في الشام في ظل
سلطان العثمانيين من أشكال العسف والقهر، علمًا أنّه اشتغل في مجالاتٍ عدة كالتجارة والإدارة
والصحافة، خصوصًا في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، حيث «دخل في وظائف الدولة رسميًا
في الثامنة والعشرين من عمره [...] فعين محررًا للجريدة الرسمية [...] وكاتبًا فخريًا للجنة المعارف
[...] ومأمورًا للأجراء في ولاية حلب [...] ثم عضوًا في محكمة التجارة بولاية حلب» وغيرها من
المسؤوليات الرسمية. إنّ مدار بحث الكواكبي كلّه يبدأ وينتهي بالسياسة وشكل ممارسة السلطة كما عايشها ولاحظها عن
قرب، وإن كان كما أسلفنا يستدعي حقولً أخرى أيضًا، بحيث إنّ «القائل مثلً أن أصل الداء التهاون في الدين، لا يلبث أن يقف حائرًا عندما يسأل نفسه: لماذا تهاون الناس في الدين؟ والقائل إن الداء
اختلاف الآراء، يقف مبهوتًا عند تعليل سبب الاختلاف [...] وهكذا، يجد نفسه في حلقة مفرغة لا مبدأ لها». ما يورده الكواكبي هنا ليس على سبيل الإثبات وإنما على صعيد النفي، لا ينبغي أن يكون الدين الإسلامي أصل الداء، بوصف أنّ الدين، أيّ دين، إنما هو في اعتقاد معتنقيه هو سبيل السعادة
في الدنيا والجزاء الحسن في الآخرة. كما أنّه لا يكمن في الاخت ف في الآراء، نظرًا إلى أنّ أصل
الاجتماع البشري مؤسس على الاختلاف والتعدد، وإنما الداء كامن في طبيعة الحكم السياسي الذي يؤمّ وجهه نحو الاستبداد وشكله. أما الحل في نظره، فيتمثل باتّباع أصول «العلم السياسي» كما هو
متقدم في البلاد الأوروبية. أضف إلى ذلك، نلاحظ أنّ الكواكبي يدخل السياسة في باب العلوم جريًا على عادة الفلاسفة القدامى،
بل هي عنده علم واسع ومتفرع بعد أن استقلت عن الفلسفة، وتلقى عبارة «العلماء السياسيون» على من عرض للسياسة من داخل حقول معرفية أخرى كالفلسفة والتاريخ والأخلاق، مثل أفلاطون وأرسطو وابن المقفع وابن خلدون. ويعرّف هذا العلم بأنّه «إدارة الشؤون المشتركة على مقتضى الحكمة»،
ونقيضه هو التصرف في الشؤون المشتركة بمقتضى الهوى. نستخلص من ذلك أمرين: الأول ذو طابع منهجي، مفاده أنّ الكواكبي قد أخّر تقديم تعريف السياسة
وقدّم عليه الحديث عنها بوصفها علمًا له تفريعات، يبدو هذا التأخير منطقيًا، بحكم أنّه يتبع طريقةً
وصفيةً وليس طريقةً منهجيةً. ثم إنّه لا يعرّف السياسة لينطلق مباشرةً إلى البحث فيها، بل إلى البحث
في ما ليست هي، بمعنى أننا بصدد التعريف سلبيًا للسياسة. والأمر الثاني ذو طابع موضوعي، متعلق
بطبيعة المصطلحات التي ينتقيها الكواكبي ويوظفها، بحيث نجده يقابل بين نقيضين: الحكمة والهوى لإثبات التناقض الجوهري بين السياسة بوصفها علمًا مؤسسًا على العقل والأخ ق، والاستبداد
بوصفه ممارسةً فاجرةً لا يمكن أن تصدر سوى عن ذوات معلولة وبغيضة.
(((سعد زغلول الكواكبي، عبد الرحمن الكواكبي: السيرة الذاتية (بيروت: بيسان للنشر والتوزيع، 9981)، ص.19-18 (((الكواكبي، طبائع الاستبداد، ص.16-15 (((جورج كتورة، طبائع الكواكبي في طبائع الاستبداد (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 9871)، ص.29
فالسياسة سلطة تكون بيد حكومة؛ فإما أن تدبّر هذه الحكومة الشؤون العامة وفقًا لمنهج مقتبس من
الدول الرائدة في هذا المجال (كالنموذج السياسي البريطاني) بناءً على عهود ومواثيق وإرادة واعية
وفاعلة ل مأأة ولممثليها، وإما أن تكون هذه «الحكومة مطلقة العنان تتصرف بشؤون الرعية كما تشاء»، وتلك حال الواقع الذي عاشه الكواكبي ويقوم بنقده؛ حال الاستبداد الذي لا يرفع ما لم يكن هناك ارتباط بين تحمّل المسؤولية والمراقبة والمحاسبة، وبناءً عليه يكون دواء هذا الداء «هو
الشورى الدستورية». فالكواكبي عندما يستحضر معطيات الفكر السياسي الغربي نجده يلتمس بعض العذر، ظنًا منه أنّ أوروبا إنما عاشت فترات من الاستبداد تبعتها ثورات عليه وديمقراطية فيما بعد،
فالمستبد الغربي لما تتمّ إطاحته، تحل محلّه حكومة عادلة تقيم ما ساعدت الأوضاع أن تقيم، أما
المستبد الشرقي فعندما يطاح لا يخلفه سوى استبداد أشرّ منه، «فهذه الرومان واليونان والأمريكان
والطليان واليابان وغيرها، كلها أمم أمثالنا استرجعت نشأتها بعد تمام الضعف وفقد كل اللوازم الأدبية للحياة السياسية». ويربط الكواكبي بين استبداد المستبد وإذعان الرعية وما يترتب على ذلك من ظلم وقهر وخضوع. وهو على غرار أغلب رواد النهضة - وإن كان محمد عبده قد أشار باحتشام إلى المواطنة - لم يتحدث عن المواطن بل عن الرعية. فإذا كان المستبد لا حول له ولا قوة إلا بالمتمجدين من حوله من بطانته، فهو يتحكم في شؤون الناس «بإرادته لا بإرادتهم، ويحاكمهم بهواه لا بشريعتهم». فهو لم
يكن كذلك إلا لأنّه استطاع كسب ولاء الأغنياء والأشراف، وتقريب «الأسافل فضلً وأخلاقًا وعلمًا،
وتحكيمهم في الرقاب الحرة، وتسليطهم على أصحاب المزايا» حتى يجعلهم في خدمته. وهكذا، يصبح الاستبداد نتيجة للخوف الناجم عن جهل العامة، إذ عندما يرفع الجهل يزول الخوف، وبناءً
عليه، ينقلب الوضع ويُرفع الاستبداد. إنّ قارئ الكواكبي في هذه النقطة بالخصوص، نقطة اقتران الاستبداد بالخوف، لا بد من أن يستحضر رجل سياسة آخر، هو الفرنسي إيتيان دو لابويسي (563-15301)، وكيف كان يندد بالداء الذي تستسلم له الشعوب تحت تسلّط الأسيادLes Seigneurs ويتساءل عن العلاج الذي من شأنه إيقاف مثل تلك
العلل، محللً عبودية الشعوب ومقدمًا نوعًا من التفسير يقوم على النوازع البشرية، كما يقوم على
دور الطغاة وأنظمتهم وطرق حكمهم. يقول في هذا السياق: «أود الآن أن أدرك فقط كيف أن عددًا
من الناس، وعددا من البلدان وعددًا من المدن وعددًا من الأمم، تعاني الأمرّين أحيانًا على يد طاغية
واحد، لا يملك من قوة سوى تلك التي يمنحونه إياها، والذي ما من قدرة لديه على الإضرار بهم إلا بمقدار ما يريدون هم أن يقاسوا منه، والذي ما كان بوسعه إلحاق الأذى بهم لولا أنهم يفضلون تقبّل
(((الكواكبي، طبائع الاستبداد، ص.24-23 (((المرجع نفسه، ص.15 (((عبد الرحمن الكواكبي (السيد الفراتي)، أم القرى، وهو ضبط مفاوضات ومقررات مؤتمر النهضة الإسلامية المنعقد في مكة المكرمة عام 3161 ه، تقديم فاطمة حافظ (القاهرة: مكتبة الإسكندرية، 2014)، ص.96 (((الكواكبي، طبائع الاستبداد، ص.26 (((الكواكبي، أم القرى، ص.231
كل شيء منه بدلً من معارضته [...] وليسوا مرغمين بفعل قوة قاهرة، لكنهم (على ما يبدو) مفتونين ومسحورين بفعل اسم فرد واحد، ليس عليهم أن يخشوا قدرته، لأنه وحيد، ولا أن يحبوا مناقبه لأنه عديم الرأفة بهم ومتوحش». فالكواكبي ودو لابويسي لا يلتقيان في عدّ الخوف سببًا في انتشار الاستبداد فحسب - كيف وأنّ عموم
الناس تستمرئه وتألفه؟ - بل يلتقيان حتى في طريقة عرض آرائهما وأفكارهما وأسلوبها. فإذا صح أنّ أسلوب الكواكبي «وصفي وتقريري»، لا يسعى إلى البرهنة والاستدلال، فمن باب التهور عدّ مقالة
دو لابويسي مقالةً مؤسسةً على «برهنة تتقدم تقدمًا عقلانيا بطريقة الاستنتاج»، والسبب في ذلك
كونها تتحرك في إطار الخطابة والكلمة الساحرة. تبقى الإشارة إلى أنّ أسلوب الكواكبي يغلب عليه التشاؤم والحسرة، وهو ما قد يتفهمه الباحث جراء ما عانى الرجل من وي ت الطغيان من جهة، وجراء غايته من وراء نقده الاستبداد، بإشاعة مظاهر الإصلاح والنهضة، لا سيما أنّه كباقي رواد الإصلاح، يكون مراوحًا في فكره ووجدانه بين واقعه الذي
يعيشه بكامل مظاهر الفتور والتأخر والجمود، و«نموذج مثال» يأمل أن يحققه على أنقاض واقعه الحقيقي. يستحضر هذا «النموذج المثال» بعد اطّلاعه على واقع البلاد المتمدنة وفكرها ومعرفته بهما، وهي في الوقت نفسه بلاد غاصبة ومستعمرة. وعكس ما ذهب إليه حسن حنفي من أنّ طبائع الاستبداد ليست سوى «بحث في الماهيات والجذور والطبائع أكثر منه بحثًا في الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وهو بحث فلسفي وليس بحثًا اجتماعيًا». نعتقد أنّ قسوة الواقع وضغطه هما ما أدى بالكواكبي
كغيره من زعماء النهضة إلى الكتابة وفقًا لما كتب، بأسلوب مشحون بالحمية، إنها كتابة في السياسة بالسياسة.
الفقرة الثانية: في نقد الاستبداد المتطابق
نتساءل هنا على غرار العديد من الباحثين عن السر في جرأة كتابة الكواكبي وزخمها في ظل واقعٍ كابح ومانع للحريات، منها حرية الكتابة والنشر. هل الأمر يتعلق بطبيعة شخصية الكواكبي؟ أم أنّ للأمر علاقةً بسعة اطّلاعه ومقارنته أوضاع بلاده بالأوضاع في البلدان المتمدنة في زمنه، علمًا أنّه لم
يكن يتقن لغةً أخرى غير لغته الأم؟ أم أنّ حدّة وعيه نتيجة غزارة تجاربه في الحياة، هي ما دفعه لسلك ذلك الطريق الوعر؟ ولعل الأمر كذلك «فهو حادّ، وجارح، ورافض لكل لون من ألوان الاستبداد،
1(((إيتيان دو لابويسي، مقالة العبودية الطوعية، ترجمة عبود كاسوحة (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008)، ص.147-146 (((1 كتورة، ص.35 (1((دو لابويسي، ص.93 (1((حسن حنفي، «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد لعبد الرحمن الكواكبي قراءة جديدة»، في: أحمد عرفات القاضي وآخرون،
فلسفة الحرية، أعمال الندوة الفلسفية السابعة عشرة التي نظمتها الجمعية الفلسفية المصرية بجامعة القاهرة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009)، ص.177
سواء أكان هذا الاستبداد سياسيًا أم دينيًا». ويعتقد فهمي جدعان أنّ «من المؤكد أن الكواكبي كان
أول عربي يتصدى للاستبداد بالتحليل والدراسة الجادة، مع أنّه قد استقى عددًا من أفكاره من كتاب
الإيطالي فيتوريو ألفيري (Vittorio Alferi, 1749-1803) عن الاستبداد». ونحن نفترض أنّ الكواكبي ربما يكون قد اطّلع على كتابات ألفيري، سواء بطريقة مباشرة أم غير مباشرة، خصوصًا إذا علمنا أنّه كان على ع قااة وثيقة بالجالية الإيطالية في مدينة حلب في سورية
وقتئذ، حيث تعمّق حسّه التنويري من خلال «احتكاكه الوثيق بالجالية الإيطالية الواسعة المقيمة في
حلب وفي حي الجلوم بالتحديد (وهو الحي الذي ولد فيه الكواكبي وعاش»). وبالعودة إلى كتاب ألفيري عن الاستبداد، يتبين لنا أنّه يتقاطع مع كتاب الكواكبي في حدة النقد وصرامته وإفراده بالبحث لمجموعة من الإشكالات المتداخلة والمترابطة: الاستبداد والمستبد والحرية والخوف، وغيرها، في
قالب تحليلي ونقدي لاذع، بحيث نجده يعرّف الاستبداد قائلً «يتعين علينا ودون تردد أن نطلق اسم
الاستبداد على كل حكومة تضم شخصًا مكلفًا بتطبيق القوانين، حيث يمكنه إما تنفيذها، أو العبث
بها، أو اغتصابها، أو تأويلها، أو عدم تنفيذها، أو التماطل في ذلك، أو التهرب من تطبيقها بالمرة ضامنا عدم تعرضه للعقاب». كان داعي السؤال عن خلفيات جرأة الكواكبي ومدى اطّلاعه ضروريًا، لأنّ أيّ ربط بين عامل الخوف
وعدّه السبب الرئيس في الاستكانة ل ستبداد السياسي ثم الديني، لم يتم من فراغ، بل عن اطّعاا
على تجارب فكرية وسياسية أجنبية، فضلً عن استخلاص ذلك من التجربة المعيشة في ظل التجربة التاريخية للمسلمين عمومًا والسلطنة العثمانية خصوصًا؛ فإذا ثبت «أن السياسيين يبنون استبدادهم
على أساس من هذا القبيل، فهم يسترهبون الناس بالتعالي الشخصي، والتسامح الحسي، ويذلونهم بالقهر والقوة وسلب الأموال حتى يجعلوهم خاضعين لهم عاملين لأجلهم»، فمن الثابت أيضًا أنّ آراء العديد من المحللين السياسيين الغربيين قد تظافرت لعدّ الاستبداد السياسي ناتجًا من الاستبداد
الديني، بينما يذهب آخرون منهم إلى أنّه إن لم يكن هناك توليد بينهما، فلا شك في أنّ بينهما رابطة المصلحة في إذلال الإنسان، والمشاكلة بينهما ظاهرة من حيث أنّ أحدهما حاكم على عالم الأرواح، والثاني متحكم في عالم الأجساد. يرى الكواكبي أنّ الحكام يستغلون خوف العامة وجهلهم ورهبتهم من أمور الدين المتعلقة بالدار الآخرة، لذلك فهم (الحكام) يتقمصون دور الإله على الأرض مروّجين لصورة مفادها أنّ رضا الله
(((1 سمير أبو حمدان، عبد الرحمن الكواكبي وفلسفة الاستبداد (بيروت: الشركة العالمية للكتاب، 9921)، ص.9 1(((فهمي جدعان، أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث، ط 4 (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2010)، ص 292؛ ويذهب إلى الأمر نفسه: حنفي، الهامش (5)، ص.177 1(((محمد جمال باروت، حركة التنوير العربية في القرن التاسع عشر: حلقة حلب دراسة ومختارات (دمشق: منشورات وزارة الثقافة السورية، 9941)، ص.128
(17) Alfieri Vittorio, De la tyrannie , M. Merget (trad.), (Paris: Molini libraire, 1802), p. 10;
قارن بما أورده الكواكبي من تعريف للاستبداد في: الكواكبي، طبائع الاستبداد، ص 23 وما بعدها. (1((المرجع نفسه، ص.30
مشروط بالامتثال لخليفته والقائم بأمره في الدار الدنيا. تلتقي إرادة المستبد في إخضاع الرعية بجهلها وخنوعها، بحيث إنّ الحكم كثيرًا ما يتشبه بالإله حتى يستشري الخوف بين العامة من
الناس، فيصبح وعيد الحاكم وعذابه مقيمًا وعذاب الله مؤجً: «والحاصل أن العوام يذبحون
أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل والغباوة، فإذا ارتفع الجهل وتنور العقل زال الخوف». فض عن أنّ ما من مستبد سياسي إلا واتخذ له صفةً قدسيةً، يشارك بها الله تعالى ويتماهى معه، ويتخذ بطانةً من أهل الدين المستبدين يعينونه على ظلم الناس واستعبادهم باسم الله تعالى. إنّ الدولة والمجتمع كما لاحظهما وتصوّرهما الكواكبي في واقعه الشخصي وتاريخ أمته، كانا واقعَين
تحت منظومة من القيم ترى أنّ الملك هو من استرعاه الله أمر عباده وقلّده أمورهم، والنتيجة من ذلك هي حالة «النكوص في مجال القيم، وهيمنة القيم الكسروية، قيم الطاعة وتوظيف الدين لفرضها»، وإحلال «أساطير الأوّلين» محل العقل العملي، عقل الروية والخبرة والاعتبار، في تأسيس «السعادة
وتعيين شروط تحصيلها في الدنيا قبل الأخرى»، إنّها القيم التي استلهمها كتاب الآداب السلطانية من الموروث القيمي والثقافي الفارسي عند تداخله مع الموروث العربي والإس مااي؛ قيم الطاعة العمياء وقيم المماثلة بين الحاكم والإله. في السياق نفسه؛ سياق البحث في أسباب تفشي الاستبداد الديني وع قااته بالاستبداد السياسي، ينهل الكواكبي في دراسته من التجربة التاريخية لهذه العلاقة في أوروبا، ثم يربط ذلك بواقعه. وقد
اتخذ في سبيل ذلك طريقةً متدرجةً في التقصي التاريخي مستدلً بأنّ «كل المدققين السياسيين
يرون أن السياسة والدين يمشيان متكافئين، ويعتبرون أن إص ح الدين أسهل مثالً، وأقوى وأقرب طريقًا ل صإإ ح السياسي ». كما أنّهم يحكمون بأنّ بين الاستبدادين السياسي والديني مقارنة لا
تنفك، متى وجد أحدهما في أمة جرّ الآخر إليه، أو متى زال زال رفيقه، وإن ضعُف أو صَلُحَ أحدهما
صلح الثاني. ويعتمد الكواكبي على وقائع كثيرة معروفة في التاريخ السياسي اليوناني في أثينا. كما يعتمد الإص ح البروتستانتي الأوروبي في العصر الحديث وينتصر له. ويعتقد أنّ البروتستانتية كانت مؤثّرةً بوضوح في الإص ح السياسي، أكثر من تأثير الحرية السياسية في الإص ح عند الكاثوليك، وكلها تحتج (من الحجة) بأنّ الدين أقوى تأثيرًا من السياسة، بحيث إنّ «شواهد ذلك كثيرة جدًا،
لا يخلو منها زمان ولا مكان»، وفي الوقت نفسه فهي تعمل بالاحتيال لاستغ لااه وتوظيفه لتحقيق مآربها.
1(((الكواكبي، طبائع الاستبداد، ص 74؛ الجرأة النقدية نفسها نجدها لدى الشيخ علي عبد الرازق (انظر المحور الثاني.) (2((محمد عابد الجابري، نقد العقل العربي (4): العقل الأخلاقي العربي، دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي/ دار النشر المغربية، 2001)، ص.629 (2((الكواكبي، طبائع الاستبداد، ص.32 ((2(المرجع نفسه، ص.31
يذهب هذا التقصي التاريخي الذي يعتمده الكواكبي إلى بحث هذه المسألة في الديانة اليهودية والديانة المسيحية على السواء، لكن دون البحث في إشكالية قيام الدولة في إطارهما. وإن كانت عودته إلى التاريخ واستدعاؤه يعطيان موضوع بحثه قيمةً معرفيةً مهمةً، يعتقد بعض الباحثين أنّه كثيرًا «ما شط عن الموضوع، فبدل أن يتابع البحث في الإشكالية الأساسية التي يبدأ منها، وبدل
أن يظهر ترابط الحقبة الزمانية بحقبة زمانية أخرى مع مراعاة تولد التفكير التابع لتلك الفترة، سرعان ما ينتقل إلى نتائج دينية ليست مترابطة بالضرورة مع السياق الذي أتت فيه». ذلك ما وقع فيه خصوصًا عندما تطرّق إلى الاستبداد الديني في ع قااته بالديانة المسيحية وفي علاقته
بالديانة اليهودية. ونعتقد أنّه على الرغم من وجاهة نقد كتورة من ناحية بناء النص منهجيًا، تبقى غاية الكواكبي في
نقد الاستبداد باسم الدين مشروعةً ومطلوبةً سياسيًا وأخ قاايًا، بل حتى وجوديًا ما دام الأمر يتعلق
بأعز قيمة تطلب لدى الإنسان: قيمة الحرية والتحرر؛ ذلك أنّ «الدعوة إلى التحرر من أغ لاا القوة الاستبدادية أمر حيوي، وهو مرتبط تماما ببقاء الفرد، فالفرد لا يستغني عن حريته لأنها قوام حياته»، كما أنّ «وجود طوبى الحرية في مجتمع ما مهم جدًا لأنّه يدل على أنّ المجتمع مستعد لقبول دعوى الحرية». وهي عند الكواكبي أمّ البشر لأنّ الحقّ أبوهم. لذلك كانت الغاية من نقد الاستبداد المتطابق، كما نفضّل دعوته، عند الكواكبي بين الديني والسياسي، غايةً ذات ص حية أبدية ومتعالية عن الزمكان، لأنّها تمس كيان الإنسان أينما كان وتمس أبسط حقوقه وأوّلها، الحق في العيش بكرامة. وللمفارقة، جاء كل الأديان وكل النظريات السياسية للحثّ
على تحقيقها وصيانتها. بعبارة وجيزة، نعتقد أنّ هذا الاستبداد المتطابق هو عينه «الشر المحض» Radical mal le الذي تحدّث عنه االفيلسوف إيمانويل كانط.
المحور الثاني: علي عبد الرازق وبذور الفكر العلماني
كانت القضية المباشرة التي فكّر فيها الشيخ علي عبد الرازق (966-18881) هي مسألة الخلافة في الإس ماا، بينما كانت المسألة الرئيسة الثاوية خلف الأولى هي مسألة العلاقة بين الديني والسياسي في الإس ماا، بحيث عمل على استئناف القول فيها بعد الشيخ محمد عبده. غير أنّه نظر إليها نظرةً مغايرةً وأكثر جرأةً، فتطرق إلى نظام الخ فااة في الإس ماا استجابةً للواقع السياسي والاجتماعي الذي نشأ فيه في ظل آخر سنوات دولة التنظيمات العثمانية، وكان ذلك مدخً للحديث عن ع قااة الديني بالسياسي في الإس ماا، نصًا وتاريخًا، بالاستناد إلى الحقبة النبوية بوصفها محطةً
تاريخيةً تأسيسيةً.
((2(كتورة، ص.31
(24) John Locke, Traité Du Gouvernement Civil , Edition revue et corrigée sur la dernière de Londres (Paris: Libraire Calixte Volland, 1802), p. 64.
(2((عبد الله العروي، مفهوم الحرية، ط 4 (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2008)، ص.30
الفقرة الأولى: في أنّ الخلافة مقام سياسي بامتياز
برز كتاب الشيخ علي عبد الرازق الإس ماا وأصول الحكممباشرةً بعد الجدل الواسع الذي خلفه قرار الجمعية الوطنية التركية، بإع ن إلغاء نظام السلطنة والخ فااة، استنادًا إلى قرار الزعيم التركي
مصطفى كمال أتاتورك الذي عرف استياءً ورفضًا حادَّين من جانب المؤسسات التقليدية المرتبطة
به. في ظل هذا الجدل انبرى علي عبد الرازق إلى الرد على مناصري ضرورة بقاء نظام الخ فااة، زاعمين أنّه من مقتضيات الدين بالتأصيل. وبما أنّه يعدّ سليل الإصلاحية الإسلامية، فقد وجد أنّ هذا الانتصار لفكرة الخلافة غير ذي موضوع، ولا يمكن إيجاد أيّ دليل دامغ يزكيه في النصوص المؤسسة
للدين الإسلامي. طرح علي عبد الرازق سؤالً أوليًا مركبًا من شقين مفاده: «هل الخ فااة ضرورية حقًا؟ [...] وهل
هناك نظام إس مااي للحكم ». وقد مثّل هذا الأمر حدثًا مدويًا وقتئذ، لا من حيث جرأة السؤال
المطروح وقوته بل من حيث هوية صاحبه أيضًا؛ إذ كان من الممكن حسبانه أمرًا «عاديًا»، إذا
ما صدر عن رجل فكر معروف بانتمائه للتيار السياسي الليبرالي مثً، غير أنّ مأتى الصدمة عند المنتسبين إلى المؤسسات التقليدية، كان يتمثّل بأنّ الطارح هو من زمرتهم، فقيه مصري أزهري التكوين والنشأة. إنّ قارئ نصّه من حيث حمولته الاصط حية، ومن جهة تعريفه الخ فااة، يجد أنّه لا يخرج كثيرًا
عن اصط ح فقه السياسة الشرعية التقليدي كما عُرف لدى الماوردي وابن تيمية؛ إذ يستعمل
عبارات من قبيل: الطاعة العامة، والولاية العامة، وإقامة الحدود، وتنفيذ الشرائع، وغيرها. غير أنّه، إذ يورد ذلك التعريف التقليدي للخلافة، بما يفيده من جمع لسلطتَي الدين والدنيا، إنما يكون قد
بسط نظرةً معينةً وسائدةً ل مأأر، بحيث «إذا رجعت إلى كثير مما ألف العلماء، خصوصا بعد القرن الخامس الهجري، وجدتهم إذا ذكروا في أول كتبهم أحد الملوك أو الس طين رفعوه فوق صف
البشر، ووضعوه غير بعيد من مقام العزة الإلهية». فيكون ذلك الخليفة أو السلطان في مرتبةٍ تحميه من أي نوع من المراقبة أو المحاسبة أو النقد بخصوص أقواله وأفعاله في الدين أو في السياسة؛ ف «استمداد الخلافة لسلطانه من الله تعالى جارٍ على الألسنة، فاشٍ بين المسلمين». وكان طبيعيًا
أن تنفي هذه الدرجة من التعالي عن الخليفة أيّ تفكير في أن يشرك معه أحدًا في سلطانه، فهو
لم يكن يحب الشرك في ولايته، وليس لغيره ولاية على المسلمين، والنتيجة أنه لا يسأل عمّا يفعل
وهم يسألون. نلاحظ كيف أنّ هذا السمو بالمقام كان ضروريًا حتى يولَد مقام أعلى وأشمل وهو مقام الوحدانية،
مقام يستبطن نظرةً إلهيةً ميتافيزيقيةً ومفارقةً ويوظفها لمصلحة أغراض دنيوية وإنسانية. أو بعبارة
(2((ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة (1798-1939)، (بيروت: دار النهار للنشر، د.ت.)، ص.226 (2((علي عبد الرازق، الإس ماا وأصول الحكم، دراسة ووثائق بقلم محمد عمارة، ط 2 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 9881)، ص.128 ((2(المرجع نفسه، ص.129
واحدة يمكننا القول إنّنا بصدد حاكم «وحداني التسلط» كما قال أف طون في تمييزه الشهير بين أنظمة الحكم. يدحض علي عبد الرازق مناصري الخلافة وما يقدمونه من تبريرات للزعم بأنّ الخليفة دائمًا ما كان
مقيدًا في سلطانه بحدود الشرع، وأنّ الانضباط والتقييد كافيان في تقويم ميله إذا خيف أن ينحرف بسلطانه، معلنًا أنّ الأمر ادعاءات لا تصمد أمام صريح النصوص وتاريخية الأحداث، ذلك أنّنا «لم نجد فيما مرّ بنا من مباحث العلماء الذين زعموا أن إقامة الإمام فرض، من حاول أن يقيم الدليل على
فرضيته بآية من كتاب الله الكريم، ولعمري لو كان في الكتاب دليل واحد لما تردد العلماء في التنويه والإشادة به». ف مجال للقول بأنّ تنصيب الخليفة واجب شرعًا، ويترتب عليه إثم الأمة بأكملها إذا لم يتم، ولا يتوقف الأمر عند القرآن الكريم، على الرغم من حجيته البالغة بالنسبة إلى المسلمين، بل يتعداه إلى الحديث النبوي، ف «السنّة كالقرآن أيضًا، قد تركتها [الخلافة] ولم تتعرض لها، يدلّك ذلك على
أنّ العلماء لم يستطيعوا أن يستدلّوا في هذا الباب بشيء من الحديث»، إذ لو كان قد توافر لهم أي شيء من ذلك، ما كانوا فوّتوا تلك الفرصة في عدّه دليً على إجماعٍ ما على ضرورة الخلافة
وشرعيتها. ما جعل بعض الفقهاء يردّ بأنّ عبد الرازق هو من «لا يرجع إلى القرآن في بدء الأمر عند
تحديد طبيعة الإسلام، واقتنع من قبل الدخول في البحث بما حدده به مصدر أجنبي عنه». ويجرّنا هذا إلى نفي علي عبد الرازق حصول أيّ إجماع بهذا الخصوص، على الرغم من أنّ الاتجاه
المدّعي للإجماع يستند إلى «إجماع الصحابة والتابعين» من جهة أولى، وعلى أنّ ذلك الأمر (السياسة) لا بد له من الإجماع على سلطان أو خليفة لصلاح الرعية من جهة ثانية؛ ف «دعوى الإجماع في هذه المسألة لا نجد مساغًا لقبولها على أي حال، ومحال إذا طالبناهم بالدليل أن يظفروا بدليل [...] سواء أرادوا بها إجماع الصحابة وحدهم، أم الصحابة والتابعين، أم علماء المسلمين، أم المسلمين كلهم». لا ينفي صاحبنا شرعية هذا الأصل في الفقه الإسلامي، فعلى الرغم من أنّه يسلّم بشرعية الإجماع، فقد بحث عن إقامة الدليل على توافره في هذه المسألة ولم يجده. وكيف يتسنى له ذلك وهو بصدد مسألة في غاية الحساسية والحرج على امتداد التاريخ السياسي للمسلمين؟ فهو يعتقد أنّه باستثناء فترة الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدين الثلاثة الأوائل، لم يعتلِ حاكمٌ
عرش الخلافة إلا تحت ظلال السيوف وعلى أسنة الرماح. بَحْثُ الشيخ عبد الرازق عن حجةٍ فعلية لحصول الإجماع على إقامة نظام الخلافة في الإسلام، حال
دونه إحجام النصوص. ومن هنا، فإنّ ذلك البحث سينكبّ على إقامة الدليل على عوامل أخرى
((2(المرجع نفسه، ص.132 ((3(المرجع نفسه، ص.133 (3((محمد البهي، الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، ط 4 (القاهرة: مكتبة وهبة، د.ت.)، ص.252 ((3(عبد الرازق، ص 37 1؛ أمّا مسألة الإجماع فقد فصل فيها في كتابه: الإجماع في الشريعة الإسلامية.
ذات حامل تاريخي. في هذا السياق يوجّه ك مااه إلى دعاة الخ فااة، فيرى أنّ عليهم إذا أفاضوا
على الخليفة كل تلك القوة، ورفعوه إلى ذلك المقام، وخصّوه بكل ذلك السلطان، أن يذكروا لنا
مصدر تلك القوة التي زعموها له، وبما أنّه يعلم أنّ الحجج التي يقدمونها لإثبات شرعية الخلافة «فاسدة»، على حدّ تعبير ابن رشد، فإنّه يقدّم ما به يثبت دعواه استنادًا إلى التجربة التاريخية للأمة.
فهو «لا يشك مطلقًا في أن الغلبة كانت دائمًا عماد الخ فااة، ولا يذكر التاريخ لنا خليفةً إلا اقترن
في أذهاننا بتلك الرهبة المسلحة التي تحوطه، والقوة القاهرة التي تظلّه، والسيوف المتصلة التي تذود عنه». إننا هنا بصدد مجموعة مفاهيم تمتح من الفكر الخلدوني بوضوح، وهي الغلبة، والرهبة، والقوة القاهرة، وغيرها. أكثر من ذلك فهو مقتنع بأنّ «ذلك الذي يسمى عرشًا لا يرتفع إلا على رؤوس البشر، ولا يستقر إلا فوق أعناقهم، وأنّ ذلك الذي يسمى تاجًا لا حياة له إلا بما يأخذ من حياة البشر، ولا
قوة إلا بما يغتال من قوتهم، ولا عظمة له ولا كرامة إلا بما يسلب من عظمتهم وكرامتهم – كالليل إن
طال غال الصبح بالقِصَر - وإن بريقه هو من بريق السيوف ولهيب الحروب». من هنا كانت وجاهة
المقارنة بالكواكبي، سواء من حيث الإشكالية أو من حيث الخطاب والغاية. الحاصل أنّ نظام الخلافة الإس مااية لا يحوز أيّ شرعية من جهة الدين، وإنما شرعيته مستمدة من
شكل ممارسة السياسة في الواقع، بحيث اتخذت أنماطًا شتى من القهر والغلبة والطغيان المادي والمعنوي. غير أنّ ذلك في نظر بلقزيز، كان أدعى لطرح سؤال كبير بخصوص إسقاط الشيخ عبد الرازق الصلة بين الخلافة والدين، مفاده: «هل يمثّل نقض الخلافة بوصفها مؤسسة دينية - سياسية
في عرف منظريها، نقضًا لمبدأ الحكومة جملةً وتفصيلً، في تجربة الإسلام على نحو خاص؟ ». نعتقد أنّ نص صاحبنا حافل بالشواهد والأفكار الدالة على الإجابة بالنفي؛ ذلك أنّه لم يتوخَّ من خلال دحضه شرعية الخلافة، دحض شرعية السياسة سواء في الإسلام أم في غيره. بل كان نقاشه محصورًا
في نظام الخ فااة الإس مااية التي جادل في شرعيتها ومشروعيتها؛ «فالواقع المحسوس الذي يؤيده العقل، ويشهد به التاريخ قديمًا وحديثًا أن شعائر الله تعالى ومظاهر دينه الكريم لا تتوقف على ذلك
النوع من الحكومة الذي يسميه الفقهاء خ فااة [...] فليس بنا حاجة إلى تلك الخ فااة لأمور ديننا ولا لأمور دنيانا. ولو شئنا لقلنا أكثر من ذلك، فإنما كانت الخلافة ولم تزل نكبة على الإسلام وعلى المسلمين وينبوع شر وفساد». في حين لم يجد الفقهاء المدافعون عنها سوى وسم فكر عبد الرازق بالاضطراب في أحسن الأحوال، «ومرد هذا الاضطراب، وسبب هذا الاضطراب [...] هو في قبول
فكرة الغرب أولً، ثم محاولة إخضاع الإسلام لها ».
((3(عبد الرازق، ص.139 ((3(المرجع نفسه. (3((عبد الإله بلقزيز، العرب والحداثة، دراسة في مقالات الحداثيين (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2007)، ص.133 ((3(عبد الرازق، ص.146 ((3(البهي، ص.255
واضح إذًا كيف أنّ عبد الرازق يدحض أي صلة لنظام الخ فااة بنصوص الدين الصريحة، ويربطها بأسبابها الحقيقية في واقع الممارسة السياسية كما تجلّت في التجربة التاريخية للمسلمين من جهة، ويزيد على ذلك، بأنّها ليست ضروريةً لإقامة أمور الدين، بل على العكس إنما هي مصدر العلة والانحطاط. ويعني كون أمور الدين والدنيا ليست في حاجة إلى نظام الخ فااة، أنّه يمكن مقاربتها من منظور حديث؛ منظور إعادة ترتيب الع قااة بين المجالين الديني والسياسي.
الفقرة الثانية: إعادة ترتيب العلاقة بين المجالين الديني والسياسي
للعمل على تقديم رؤية جديدة تمكّن من تجاوز ما خلفه نظام الخلافة الإسلامية من محن وصراعات وقمع باسم الدين، ولإعادة قراءة الشأن السياسي في ع قااته بالمتعالي، يقوم الشيخ عبد الرازق بالرجوع إلى فترة مؤسسة وذات حساسية وجاذبية في التاريخ الإس مااي، وهي فترة النبوة و«دولة المدينة». بحيث كان سؤاله الرئيس بهذا الخصوص: هل تمكّن النبي محمد من تأسيس دولة؟ وهل مارس سلطةً سياسيةً في فترة المدينة؟ أو بصياغة أخرى: كيف كانت العلاقة بين الرسالة والسياسة المحمديتين؟ ذلك أنّ «المهم أن نعرف هل كانت زعامة النبي (ص) في قومه زعامة رسالة أم زعامة ملك؟ وهل كانت مظاهر الولاية التي نراها أحيانًا في سيرة النبي عليه السلام مظاهر دولة سياسية أم مظاهر دولة دينية؟». غير أننا تصيبنا الحيرة أحيانًا عندما نلمس بعض التضارب في أقوال صاحبنا بخصوص طبيعتها وكيفية حضور المعطى السياسي في تجربة صاحب الرسالة. فهو من جهة، لا يشك «في أن الحكومة النبوية كان فيها بعض ما يشبه أن يكون من مظاهر الحكومة السياسية وآثار السلطنة والملك»، ومن جهة ثانية، نلفيه يتساءل إذا كان الرسول قد أسس دولةً سياسيةً «فلماذا خلت دولته إذًا، من كثير من أركان الدولة ودعائم الحكم؟ ولماذا لم يعرف نظامه في تعيين القضاة والولاة؟ ولماذا لم يتحدث إلى رعيته في نظام الملك وفي قواعد الشورى؟». يتبدى مرد ذلك التردد في حديثه عن جهاز القضاء؛ فهو إذ ينكر خلوّ دولة الرسول من الأركان
والدعائم، يعود ليتحدث عن تعيين الرسول بعض صحبه قضاةً على بعض الأمصار. كما أننا نلاحظ أنّ خطابه في السياسة والدولة في حقبة النبوة يوظف بعض المفاهيم ذات الحمولة المعاصرة، من قبيل حديثه عن «الحكومة النبوية»، فكأننا بالرجل يصادر على مطلوبه الذي يبحث فيه بالنفي وليس بالإيجاب؛ بمعنى آخر، كيف تسنّى له وصف شكل الحكم النبوي وهو لا يزال بصدد التساؤل عنه، ويبحث في طبيعته وكيفية حضوره.
((3(عبد الرازق، ص.168 ((3(المرجع نفسه، ص 56 1؛ لمزيد من التفصيل، انظر: عبد الإله بلقزيز، تكوين المجال السياسي الإس مااي: النبوة والسياسة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2005)، ص 38 وما بعدها. (4((عبد الرازق، ص.160
بيد أنّه يوضح مقصده أكثر عندما يميز بين طبيعة الرسالة المحمدية وطبيعة الملك السياسي. فيقول في هذا الصدد: «أنت تعلم أن الرسالة غير الملك، وأنه ليس بينهما شيء من التلازم بوجه من الوجوه،
وأن الرسالة مقام والملك مقام آخر، فكم من ملك ليس نبيًا ولا رسولً، وكم بعث جل شأنه من رسل
لم يكونوا ملوكًا، بل إن أكثر من عرفنا من الرسل إنما كانوا رسً فحسب». نحن إذًا، أمام إرادة واضحة لإعادة ترتيب الع قااة بين المجال السياسي الذي مناطه الملك من جهة، والمجال الديني الذي مناطه الرسالة الدينية من جهة أخرى؛ مجال الأول مجال للصراع والتدافع والنسبي والوضعي، إنّه مجال «الإنسان المحض»، بينما مجال الثاني هو مجال المطلق والمتعالي والمثل وما يجب أن يكون، إنّه مجال «الإنسان الكامل». فالقرآن من منظور صاحبنا كان صريحًا في كون «محمدًا (ص) لم يكن له من الحق على أمته غير حق
الرسالة، ولو كان (ص) ملكًا لكان له من على أمته حق الملك أيضًا، وأن للملك حقًا غير حق الرسالة، وفضلً غير فضلها، وأثرًا غير أثرها». كما أنّه كان صريحًا وواضحًا في أنّ زعامة الرسول في أمته كانت
«زعامة دينية لا مدنية، وكان خضوعهم له خضوع عقيدة وإيمان، لا خضوع حكومة وسلطان». إنّ خطاب عبد الرازق خطاب مباشر وقوي يحاول «الفصل الإجرائي» بين الديني والسياسي بتحديد مقام كل منهما على حدة، ونفي أيّ شبهة للوصل بينهما. خطاب يقطع الطريق على ما ساد في الثقافة العربية
الإسلامية من ثقافة الترسل ومرايا الملوك وثقافة الإجماع الذي بينت الدراسات في الفكر الإسلامي المعاصر كيف أنّه «كان أصلً نظريًا أكثر مما كان حقيقة تاريخية ملموسة». ومن مفارقات التاريخ
أنّنا لا نزال نعيش العديد من تلك التجليات والوقائع على صعيد الخطاب كما على صعيد الواقع في فضائنا العربي الإسلامي، على الرغم من كل مظاهر التحديث الحاصلة.
خلاصة
خلاصة القول عن الكواكبي وعبد الرازق، إننا أمام أطروحتين قويتين وجسورتين من جهة خطابهما وأدلوجتهما، ومن حيث البناء المعرفي والحجاجي الذي تقدمانه للدفاع عن ذينك الأطروحتين اللتين حاولنا تبيان مدى تطابق طابعهما النقدي على عدة مستويات على الرغم من الاخت فااات بينهما، سواء من حيث الأسلوب أو تقنيات البحث ومجاله أو غيرها، وعلى الرغم من ذلك كانت الغاية من نقدهما الاستبداد بصورتيه متطابقة وموحدة بينهما، نتيجة واضحة لنزعتهما (أدلوجتهما) النهضوية والإصلاحية. نقول ذلك بالنظر إلى عدة معطيات تتعلق بالوضع السياسي والاجتماعي والثقافي في محيطهما وقتئذ؛ ذلك أننا من حيث الخطاب وقفنا على سيولة لغوية وبلاغية، تتوسل بناء مرجعية إقناعية من
(((4 المرجع نفسه. (4((المرجع نفسه، ص.155 (4((المرجع نفسه، ص.181 (((4 عبد المجيد الشرفي، الإسلام والحداثة، ط 2 (تونس: الدار التونسية للنشر، 9911)، ص.164
داخل السياق الثقافي للتجربة العربية الإسلامية في الحقلين الديني والسياسي، لتقديم الحجج تلو الأخرى على سلامة الأطروحة الجديدة، أطروحة التفكير سياسيًا في السياسة وفقًا لآلياتها ومنطقها،
واستبعاد كل محاولات الأطاريح المضادة، للتشويش واستثمار معطيات الحقل الديني لفرض نمط معين من الحكم السياسي وتقديم كل التسويغات الممكنة لطلب مشروعيته. لقد تبين لنا مع صاحبينا أنّ السياسة وأنماط الحكم والتدبير في المرجعية العربية الإسلامية، لم تكن في يوم من الأيام شأنًا دينيًا أو شأنًا للدين به صلة مباشرة، وإنما هي غرض دنيوي صرف موكل للفرد
والجماعة للتفكير فيه، والعمل على إيجاد الصيغ والأشكال والنظريات القمينة بتحقيق الكرامة والسعادة الإنسانيتين للأفراد والجماعات، بناءً على الاجتهاد العقلي والاستفادة من تجارب الأمم المتقدمة في
هذا المجال، أخذًا في الحسبان معطيَي الزمان والمكان، واستحضارًا للمصلحة العامة غايةً أسمى. نحن إذًا، بصدد رؤية متجانسة تتوخى القيام بما سميناه هنا نقدًا للاستبداد المتطابق، من خلال نقد
الفكر والفعل السياسيَين كما كانا رائجين، ومن خلال دحض نظام الخلافة بوصفه مشتلً للاستبداد،
وما يترتب عنه من محاولة لإعادة بناء الع قااة بين المجالين الديني والسياسي وفقًا لترتيب جديد،
تجعلنا نغامر بالقول إنّهما كانا يفكران بمنطق علماني في فضاءٍ كل ما فيه ومن فيه كان يفكر بمنطق يختلط فيه الديني بالسياسي ويتبادلان المنافع على حساب كرامة الإنسان وحريته. ويمكننا تكثيف أبرز ملامح التطابق في النقاط التالية: الهم النهضوي بوصفه غايةً موجهةً للتفكير. نقد الاستبدادين السياسي والديني انطلاقًا من تجارب حية (دولة التنظيمات العثمانية.) الاستناد إلى النصوص الدينية المؤسسة: القرآن والسنة النبوية. توظيف التاريخ والتراث في الجدال والإقناع. حدة الوعي بالفوارق بين بلدانهم وغيرها من البلدان المتقدمة. يحمل خطابهما كثيرًا من ملامح التفكير العلماني في قضايا الدين والدولة. References
المراجع
العربية
أبو حمدان، سمير. عبد الرحمن الكواكبي وفلسفة الاستبداد. بيروت: الشركة العالمية للكتاب،.1992 باروت، محمد جمال. حركة التنوير العربية في القرن التاسع عشر: حلقة حلب دراسة ومختارات. دمشق: منشورات وزارة الثقافة السورية،.1994 بلقزيز، عبد الإله. العرب والحداثة، دراسة في مقالات الحداثيين. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2007
__________. تكوين المجال السياسي الإس مااي: النبوة والسياسة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2005 البهي، محمد. الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي. ط.4 القاهرة: مكتبة وهبة، د.ت. الجابري، محمد عابد. نقد العقل العربي (4): العقل الأخ قااي العربي، دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي/ دار النشر المغربية،.2001 جدعان، فهمي. أسس التقدم عند مفكري الإس ماا في العالم العربي الحديث. ط.4 بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2010 حوراني، ألبرت. الفكر العربي في عصر النهضة (1798-1939). بيروت: دار النهار للنشر، د.ت. دو لابويسي، إيتيان. مقالة العبودية الطوعية، ترجمة عبود كاسوحة. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،
الشرفي، عبد المجيد. الإسلام والحداثة. ط 2. تونس: الدار التونسية للنشر،.1991 عبد الرازق، علي. الإس ماا وأصول الحكم، مع دراسة ووثائق بقلم محمد عمارة. ط 2. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.1988 العروي، عبد الله. مفهوم الحرية. ط.4 الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.2008 القاضي أحمد عرفات، وآخرون. فلسفة الحرية. أعمال الندوة الفلسفية السابعة عشرة التي نظمتها الجمعية الفلسفية المصرية بجامعة القاهرة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2009 كتورة، جورج. طبائع الكواكبي في طبائع الاستبداد. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،.1987 الكواكبي، سعد زغلول. عبد الرحمن الكواكبي: السيرة الذاتية. بيروت: بيسان للنشر والتوزيع،.1998 الكواكبي، عبد الرحمن. أم القرى (وهو ضبط مفاوضات ومقررات مؤتمر النهضة الإسلامية المنعقد في مكة المكرمة سنة 3161 ه). تقديم فاطمة حافظ. القاهرة: مكتبة الإسكندرية،.2014 ___________. طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد. تحقيق وتقديم محمد عمارة. ط 2. القاهرة: دار الشروق،.2009
الأجنبية
Locke, John. Traité Du Gouvernement Civil. Edition revue et corrigée sur la dernière de Londres. Paris: Libraire Calixte Volland, 1802. Vittorio, Alfieri. De la tyrannie. M. Merget (trad.) Paris: Molini libraire, 1802.