الرسالة اليمنية: النزعة الدينية والقومية للفيلسوف موسى بن ميمون
The Epistle to Yemen: The National and Religious Inclination of Maimonides
الملخّص
استناداً إلى تأثّر الطبيب والفيلسوف اليهودي موسى بن ميمون بالثقافة العربية وآراء الفلاسفة المسلمين، اعتبره عدد من المفكرين العرب فيلسوفاً إسلامياً، فهل كان ابن ميمون فيلسوفاً إسلامياً حقاً كغيره من غير المسلمين الذين اكتسبوا هذه الصفة؟ تهدف هذه المقالة إلى محاولة الإجابة عن هذا السؤال، عبر تسليط الضوء على أهم ما جاء في رسالته الشهيرة إلى يهود اليمن، والمعروفة بـ"الرسالة اليمنية"، وما تضمنته الرسالة من آراء حادة ومتعصبة تشي بنزعته الدينية والقومية المتطرفة، والتي تتناقض مع بعض آرائه الفلسفية، ومع قيم الاعتدال والتسامح الديني التي اشتهر بها.
Abstract
Abstract: This paper attempts to expound the national and religious inclination of Maimonides, which, to some extent, conflicts with what is known of him as an open and tolerant medieval philosopher. In addition, the paper aims to discuss whether he can be regarded as an Islamic thinker or philosopher - as claimed by many Arabic and Islamic scholars. This is achieved by highlighting some of his controversial opinions and statements which appeared in his letter to the Jewish community in Yemen, known as the «Epistle to Yemen». Despite being greatly influenced by the Arabic and Islamic culture and philosophy, Maimonides in this letter revealed a strong political and religious oriented stand against Arabs and Islam. We think this is worth underlining in order to allow a better understanding of the historical and political context of his thoughts and writings.
- ابن ميمون
- القومية
- التعصب
- يهود اليمن
- Maimonides
- Nationalism
- Radicalism
- Yemini Jews
The Epistle to Yemen: The National and
Religious Inclination of Maimonides
الف سفة المسلمين، عدَّه عدد من المفكرين العرب فيلسوفًا إس ماايًا. فهل كان ابن ميمون
كذلك حقًا كغيره من غير المسلمين الذين اكتسبوا هذه الصفة؟ تهدف هذه المقالة إلى محاولة الإجابة عن هذا السؤال، من خلال تسليط الضوء على أهمّ ما جاء في رسالته الشهيرة إلى يهود
اليمن، المعروفة ب « الرسالة اليمنية»، وما تضمنته من آراء حادّة ومتعصبة تَشي بنزعته الدينية
والقومية المتطرفة التي تتناقض مع بعض آرائه الفلسفية، ومع قيم لاعتدال والتسامح الديني التي اشتهر بها.
مقدمة
يُعَدّ موسى بن ميمون من أهمّ رواد الفكر والفلسفة والتشريع اليهودي في العصور
الوسطى، ويُعرف في الأدبيات بعدّة أسماء، منها ال «رامبام» Rambam، وهو اختصار
ل «الرابي موشيه بن ميمون». كما يُعرف في اللاتينية باسمه الشهير «ميموناديس» Maimonides.
وقد كتبَ معظم مؤلفاته باللغة العربية، وتأثر كثيرًا بالفلاسفة المسلمين، من أمثال الفارابي وابن
رشد. وكان من أهمّ المجددين في الشريعة اليهودية، وحاول في كتابه الشهير دلالة الحائرين،
التوفيق بين الدين والفلسفة، وإثبات استحالة التناقض بين الحقائق التي يتوصل إليها العقل البشري والحقائق التي يوحي بها الله. وكان طبيبًا أيضًا، فاستطاع بسبب قربه من صلاح الدين
الأيوبي أداء أدوارٍ سياسية، لحماية مصالح الطائفة اليهودية داخل مصر وخارجها. ولمَّا كان لتأثره بالفلسفة العربية الإس مااية انعكاس واضح ومباشر في أفكاره التجديدية في الفكر
والتشريع اليهودي، فقد عدَّه عددٌ من المفكرين العرب والمسلمين، من أمثال مصطفى عبد الرزاق
وحسين آتاي وآخرون، فيلسوفًا إس ماايًا على غرار المفكرين من غير المسلمين الذين اكتسبوا هذه
الصفة؛ من أمثال حنين بن إسحق، ويحي بن عدي، وجورجي زيدان، وغيرهم. على أنّ آراءه التي ظهرت في رسالته الشهيرة إلى يهود اليمن، والتي كتبها ردًا على استفساراتهم الدينية والسياسية في
ضوء ما يتعرضون له من اضطهاد، إلى جانب نزوع حركات ارتداد ديني بينهم، من شأنها أن تلقي الضوء على جوانب أخرى من شخصيته وأفكاره، وخصوصًا تلك التي يظهر من خلالها تعصبه القومي
والديني، وتجنّيه المبالغ فيه على العرب والمسلمين، ونبيهم ومعتقداتهم، وهي وإن جاءت متسقة مع دوره القيادي وطموحاته السياسية في ذلك الوقت، فإنّها تتعارض مع الكثير من القيم والآراء الفلسفية التي تبناها بنفسه، واشتهر بها؛ كالتسامح الديني والتقارب الفكري مع الثقافات الأخرى، ولا سيما
الثقافة العربية الإسلامية، وهو ما يثير التساؤل حول صحة ما اشتهر به كفيلسوفٍ إسلامي.
خلفية تاريخية
وُلد ابن ميمون في قرطبة سنة 8113، وكانت قرطبة في تلك الفترة حافلةً بالعلماء والفلاسفة اليهود
الذين وصلوا إلى أوج مجدهم، وكانوا يتلقَّون علومًا شتّى في المعاهد الإسلامية العليا. كان والده
قاضيًا في المحكمة الشرعية اليهودية في قرطبة، وعلى يديه تلقى موسى مبادئ الديانة اليهودية
والأدب التلمودي، كما أبدى في وقت مبكر اهتمامًا بالفلسفة الإسلامية، واليونانية، وبالعلوم الطبيعية،
التي قرأها كلّها باللغة العربية. عندما استولى الموحدون على قرطبة سنة 8114، فرضوا على اليهود اعتناق الإسلام أو النفي، ما اضطر أسرة ابن ميمون إلى الرحيل من قرطبة ولاستقرار في مدينة «الميرية» بجنوب الأندلس، ثمّ
الرحيل منها سنة 0116 ولاستقرار في مدينة فاس. استمر ابن ميمون خلال سنوات التنقل في تحصيل
(((إسرائيل ولفنسون، موسى بن ميمون: حياته ومصنفاته (القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 9361)، ص.4-1
العلوم الدينية. وواصل في فاس دراسة الطب والفلسفة بجامعة القرويين التي قام بالتدريس فيها لاحقًا، كما درسَ اللاهوت اليهودي على يد الحاخام الشهير يهودا بن شوشان. بعد سنوات؛ رحلت أسرة ابن ميمون من فاس وتوجهت إلى فلسطين، وذلك عندما ازداد اضطهاد اليهود في المغرب. وبعد مقتل الحاخام شوشان، بسبب رفضه لارتداد عن الدين اليهودي، ثمّ إثر
أشهر قليلة، هاجرت أُسرته إلى الإسكندرية، ومنها إلى «الفسطاط» (جنوب القاهرة)، واستقرت فيها سنة 8 611. وتشير معظم المصادر التاريخية إلى أنّ أسرة ابن ميمون، على غرار كثير من الأُسر اليهودية آنذاك، اعتنقت الإسلام تظاهرًا قبل مغادرتها فاس، بسبب التهديدات التي كانت تصل إلى اليهود
والمسيحيين، وهو ما أحدث جدلً بين اليهود، ما جعل ابن ميمون، وأباه من قبْله، يقللان من شأن
هذا الأمر في عدد من رسائلهما إلى أعضاء الطائفة اليهودية؛ إذ كتب ميمون إلى بعض اليهود المرتدين ما عُرف ب «رسالة التعزية»، مؤكدًا لهم أن من يؤدي صلواته وإن بأقصر صيغة، ويقوم
بأعمال صالحة، يظل يهوديًا حتى إن أعلن غير ذلك. أمّا موسى فقد كتَب - مبررًا - أنّ المرتدين لم
يكن عليهم أن يؤدّوا الشعائر الإسلامية، بل كل ما كان مطلوبًا منهم هو «أن يتلوا صيغةً لا يؤمنون
بها، وإنّ المسلمين أنفسهم يعرفون أنهم غير مخلصين في النطق بها، وإنما يفعلون ذلك ليخادعوا جماعةً من المتعصبين». أعلن ابن ميمون يهوديته – رسميًّا – مرةً أخرى، عندما استقر في الفسطاط. وتذكر بعض المصادر أن
القاضي عبد الرحيم البيساني (المعروف بالفاضل)، وزير صلاح الدين الأيوبي والحاكم الفعلي لمصر أثناء غياب صلاح الدين، رفض مطالبة بعض مناوئي ابن ميمون بتنفيذ حكم الردة عليه، موضحًا أنّ
«الرجل الذي أرغم على اعتناق الإسلام ليس بمسلم، وبالتالي لا يمكن أن يُعتبر مرتدًا». في سنواته الأولى بالفسطاط، بدأ ابن ميمون حياته العلمية بإلقاء محاضرات في الدين والرياضيات والفلسفة والفلك، والتفَّ حوله جمهور واسع من الشباب، وانتشر اسمه داخل الديار المصرية وخارجها، وبدأت الرسائل تصله من جميع البلدان، وفيها أسئلة في الدين والعلم والفلسفة. أدّى ابن
ميمون في تلك الفترة دورًا مهمًا في إنقاذ اليهود الذين تمّ أسرهم أثناء حصار الملك الصليبي عموري
الأول (أمالريك) لمدينة «بلبيس» غير البعيدة عن القاهرة. فقد بعث رسائل إلى الجاليات اليهودية في مصر وطلب منهم جمع الأموال لدفع فديات الأسرى، وبالفعل تمّ إرسال وفد من القضاة اليهود إلى
فلسطين ونجحوا في التفاوض مع الصليبيين بشأن الإفراج عن الأسرى اليهود.
(((المرجع نفسه، ص.9-8 (((ويل ديورانت، قصة الحضارة، عصر الإيمان، الحضارة اليهودية، عقل اليهودي وقلبه، ابن ميمون، ترجمة وتحقيق زكي نجيب محمود، ج 14 (بيروت: دار الجيل للطبع والنشر والتوزيع، 0102)، ص.120 (((المرجع نفسه، ص.121
(5) Mark R. Cohen, Poverty and Charity in the Jewish Community of Medieval Egypt (Princeton: Princeton University Press, 2005), pp. 115-156.
كان ابن ميمون، في تلك الفترة، يعيش مع أخيه الأصغر الذي كان تاجرًا وقائمًا على أمور الأسرة ماليًا،
في حين ظلّ ابن ميمون متفرغًا للعلم والتأليف، وإدارة شؤون الطائفة اليهودية. غرقت السفينة التي كانت تقل أخاه وتجارته، في طريقها إلى الهند سنة 70.11 أثر هذا الأمر في ابن ميمون كثيرًا، وظلَّ
حزينًا ومريضًا شهورًا عديدةً. وكان عليه أن يبحث عن مورد للعيش، فقرر مزاولة الطب، رافضًا أن يتكسب من عمله في تعليم التوراة. عندما عُيِّن رئيسًا للطائفة اليهودية في مصر سنة 7711، بدأ بالعمل على رفع مستوى اليهود دينيًا وعلميًا،
مُبطلً بعض العادات والتعويذات المنتشرة آنذاك، خصوصًا تلك التي كان يرى فيها نوعًا من الوثنية، فدأب في تنقية التصورات الدينية اليهودية من الخرافات، وصبغها بصبغة عقلانية، وهو أمر لاقى بسببه معارضةً شديدةً من رجال الدين اليهوديّ وعلمائه الذين عارضوا بشدَّة معظم أفكاره الإصلاحية. ولم تظهر شهرته كطبيب؛ إلا بعد أن أصبح طبيبًا للبلاط الملكي، وخصوصًا لدى الفاضل الذي قررّ
له راتبًا مقابل عمله في دار السلطان في القاهرة، حتى أصبح الطبيب الخاص بصلاح الدين ومَنْ ورث
العرش من بعده حتى وفاته. ومن الروايات، غير المؤكدة، أنّ ابن ميمون هو الطبيب الذي أرسله صلاح الدين لمعالجة ريتشارد «قلب الأسد»، ملك إنكلترا، أثناء الحروب الصليبية. ويذكر ويل ديورانت في كتاب قصة الحضارة أنّ ريتشارد طلب من ابن ميمون «أن يكون طبيبه الخاص»، لكن ابن ميمون «لم يستطع تلبية طلبه». كتب ابن ميمون معظم أعماله بلغة عربية وحرف عبري. وحاول بهذه الطريقة تَجنُّب الدخول في معارك مع العامة من اليهود المتعصِّبين الذين كانوا يجهلون العربية، وكذلك مع العلماء المتعصبين من المسلمين الذين كانوا يجهلون الحرف العبري؛ ذلك أنّ ابن ميمون كان قد أخضع – من خلال مؤلفاته - الدين اليهودي لمبادئ أرسطو وفلاسفة الإسلام (على غرار ابن طفيل، وابن رشد، مثلً)، كما انتقد فيها - في الوقت نفسه - آراء المتكلمين من المعتزلة والأشاعرة بحسب ما استلهمه من تراثه اليهودي. لاقت أفكاره اهتمامًا كبيرًا في الأوساط اليهودية، ومثَّلت اجتهاداته في التشريع اليهودي ثورةً فكريةً في
حياة اليهود خلال قرون، حتى ذاعت مقولة مشهورة لديهم، هي: «مِن موسى إلى موسى، لم يقم مثل موسى»، وهُم يشيرون بذلك إلى أنه منذ عهد النبي موسى إلى عهد موسى بن ميمون لم يكن هناك من هو مثل ابن ميمون. كما لاقت أفكاره الفلسفية اهتمامًا كبيرًا، أيضًا، من عدد من فلاسفة الغرب خلال القرون اللاحقة، منهم
(((همدان زيد دماج، «موسى بن ميمون: الفيلسوف اليهودي وطبيب صلاح الدين»، الرافد، العدد 236 (0172)، ص.38 (((ديورانت، ص.131 (((نبيل عبد العزيز، «التأثير الإسلامي في الفكر الديني اليهودي: موسى بن ميمون»، البيان، العدد 347 (0162)، ص.5
القديس توما الأكويني، وسبينوزا، وليو شتراوس، بل تأثر به بعض المفكرين الإسلاميين، مثل ابن تيمية الذي تشير بعض المصادر إلى اطلاعه على أفكار ابن ميمون، والأخذ ببعضها.
مؤلفات ابن ميمون وآراؤه الفلسفية
يمكن تقسيم مؤلفات ابن ميمون إلى ثلاثة أقسام: مؤلفاته في الطب، ومؤلفاته الخاصة بالشريعة اليهودية، ومؤلفاته في الفلسفة. ففي الطب؛ كتب ابن ميمون عددًا من الكتب، معظمها باللغة العربية، وفيها نقل آراء أبقراط، والرازي، وابن سينا. ويعدُّ اختصاره للكتب الستة عشر لجالينوس من أهمّ
مساهماته في هذا المجال. أمّا أهمّ مؤلفاته في ما يخص الشريعة اليهودية؛ فكتاباه السراجوالمشناه توراة. وقد تضمن كتاب السراج
(أنجز سنةُ 8116) بحثًا وافيًا عن تاريخ نشأة الرواية والإسناد عند اليهود، ووضع فيه طريقةً جديدةً
لدراسة المشناه، وقد كانت - حتى ذلك الوقت - لا تُدرَّس إلا بمعاونة التلمود. تضمن الكتاب، أيضًا، مبادئ الإيمان الثلاثة عشر الشهيرة التي وضعها ابن ميمون للديانة اليهودية، والتي بات لزامًا على كل يهودي أن يؤمن بها جميعًا، وهي:.1 الله موجود، وهو المدبر للمخلوقات كلّها، والصانع لكل شيء في ما مضى والآن وفي ما سيأتي..2 لا يشبه الله في وحدانيته شيء، وهو وحده الإله منذ الأزل وإلى الأبد..3 الله روح وليس جسمًا، ولا شبيه له على الإطلاق..4 الله أزلي، فهو الأول والآخر..5 الله وحده من ينبغي أن يُعبد، ولا جدير بالعبادة غيره..6 الوحي لا يأتي إلا عبر أنبياء الله، وكلامهم كلّه حق. 7. نبوة موسى حق، وهو أبو الأنبياء جميعًا، من جاء منهم قبله، ومَن جاء بعده. 8. التوراة التي بين أيدينا اليوم هي التي أوحى الله بها إلى موسى. 9. التوراة التي جاء بها موسى لا يمكن استبدالها ولا تغييرها، سواء كان ذلك بالإضافة أو الحذف. 0.1 معرفة الله بأفكار البشر وأفعالهم..11 يجزي الله الحافظين لوصاياه، ويعاقب مخالفيها..12 مجيء المسيح اليهودي (المشيح) مهما طال انتظاره..13 قيامة الموتى بإرادة الله. وتبيِّن هذه العقائد بوضوح تأثر ابن ميمون بعلم التوحيد، وعلوم الكلام، والمتصوفة المسلمين. وقد
(((حسن ظاظا، الفكر الديني الإسرائيلي: أطواره ومذاهبه (القاهرة: معهد البحوث والدراسات العربية، 9711)، ص.160-159
أثارت هذه المبادئ جدلً كثيرًا في الأوساط اليهودية عندما طُرحت للمرّة الأولى، واعترض عليها عدد
من الأحبار اليهود. وفي الحصيلة، تمّ تجاهلها عمليًّا من جهة كثيرٍ من أبناء الطائفة اليهودية في القرون
القليلة التي تلَت. غير أنّ هذه المبادئ أصبحت بعد ذلك معتمدةً على نحو واسع؛ إذ إنّها تُعدّ اليوم إجباريةً لدى اليهودية الأرثوذكسية. وجمع ابن ميمون في كتابه الثاني المشناه توراة الذي أنجزه سنة 8011، والذي يعدّه المؤرخون من أهمّ مؤلفاته الدينية على الإطلاق، التشريع اليهودي الشفهي من جميع مصادره على مدار التاريخ اليهودي بدقة ووضوح، وبنظام منطقي وإيجاز غير مسبوق. ويذكر إسرائيل ولفنسون أنّ ابن ميمون بلغ بهذا الكتاب مرتبةً لم يبلغها غيره من المفكرين اليهود في القرون الوسطى، وأدى إلى ثورة اجتماعية في حياة اليهود الدينية. وعلى الرغم من لانتقادات الكبيرة التي تعرض لها الكتاب، آنذاك، من علماء اليهود الذين اتهموا ابن ميمون بمحاولة إحلال كتابه محلّ التلمود وإلغاء كل التشريعات السابقة، فإنّ الكتاب أصبح من أكثر كتب الشريعة اليهودية تحقيقًا، سواء كان ذلك بواسطة الحاخامات التقليديين أو الباحثين المعاصرين، وقد كُتبت العديد من التحقيقات والدراسات والمؤلفات التعليمية عنه خلال قرون عديدة. أما آراء ابن ميمون الفلسفية، فقد وضع معظمها في كتابه الشهير دلالة الحائرين الذي يُعدُّ ذروة التفكير اليهودي الفلسفي في القرون الوسطى، والنموذج الأوضح لتأثير الفلسفة العربية الإسلامية في التفكير الفلسفي اليهودي. وقد وجّه ابن ميمون هذا الكتاب إلى من سمّاهم «الحائرين»، وهم العلماء
اليهود الذين أغوتهم الفلسفة وتأثروا بالآراء الفلسفية التجديدية والإلحادية في مصر وفلسطين وشمال أفريقيا، فحاروا بين ما تقرره الفلسفة بالعقل، وما تقرره الشريعة اليهودية بالنقل. اعتمد ابن ميمون في هذا الكتاب التأويل العقلاني بعيدًا عن هيمنة اللاهوت اليهودي، وتطرق إلى مفاهيم العدالة الإلهية وعلاقة الدين بالفلسفة، فضلً عمّا أفاده وتأثر به من آراء الفلاسفة وكتاباتهم والمتكلمين
المسلمين وأدبائهم، خصوصًا الفارابي وأبا بكر بن الصائغ، فحاول التوفيق بين الدين والمنطق، وإثبات استحالة التناقض بين الحقائق التي يتوصل إليها العقل البشري مع الحقائق التي يوحي بها الله. رفض ابن ميمون في هذا الكتاب التفسير الحرفي لنصوص التوراة، وحاول تأويل النص الديني المتعلق بالذات الإلهية ومعرفتها وصفاتها عن طريق المنطق والعقل، معتمدًا في ذلك على فلسفة أرسطو وغيره من فلاسفة المسلمين، مشيرًا إلى أنّ أيّ تعارض بين العقل والوحي الإلهي، إنما سببه
«أننا نأخذ العبارات بمعناها الحرفي لتتواءم مع العقلية التصويرية التي هي من خصائص السذّج غير المتعلمين».
1(((نبيل فياض، الرسالة اليمنية: شريعة اليهود وجدالهم مع الفرق الإس مااية ونبوءات آخر الزمان (بيروت: المركز الأكاديمي للأبحاث، 0152)، ص.10 (((1 موسى بن ميمون، دلالة الحائرين، ترجمة وتحقيق حسين آتاي (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 002.)2 (((1 ديورانت، ص 7.12
استلهم ابن ميمون مجمل أفكار الفارابي وابن سينا في ما يتعلق بالذات الإلهية، وتأثر بآراء ابن رشد في رفضه أن تكون الصفات مستقلةً عن الذات، وما ذهب إليه من نفي الصفات عن الذات لإثبات الكمال؛ إذ يرى ابن ميمون أنه عندما يطلق الناس على الله صفات بشرية «فهم لا يعبّرون عمّا يكونه الله، لأننا
لا نعرف أيّ شيء عن جوهر الله»، منبهًا إلى خطر وصف الله بأوصاف بشرية مباشرة، مخافةَ الوقوع
في التجسيم؛ وهو ما يلتقي بوضوح مع أفكار المعتزلة والظاهرية. وقد أحرز الكتاب شهرةً واسعةً، وأثار عاصفةً من أشد العواصف الذهنية في القرن الثالث عشر، وأثّر في العديد من عظماء الفلاسفة، من اليهود وغير اليهود؛ إلا أنه تعرّض، أيضًا، للانتقاد في الأوساط
اليهودية، إلى حدّ تمّ فيه - في سنوات لاحقة - حظره وإحراق نسخه. وقد كانت آراؤه الفلسفية (هذه
وغيرها) سببًا في اتهام رجال الدين اليهود له ببيعه الكتاب المقدس للإغريق، وأنه جعل أرسطو والنبي
موسى في مكانة واحدة، رافضين إحلال الفلسفة محلّ التلمود بحسب قولهم، منددين بتشكيك ابن ميمون في عقيدة الخلود. كما رفضوا فكرته عن الإله الذي «يصعب فهمه». لم تُقابل، أيضًا، آراء ابن ميمون بالترحاب من بعض علماء المسلمين الذين كانوا كذلك على خلاف حادّ مع الفلاسفة المسلمين وآرائهم، فاعترضوا لدى صلاح الدين الأيوبي متهمين ابن ميمون بهدم أركان جميع الأديان بالوسائل نفسها التي يُخيَّل إلى الناس أنه يدعمها بها.
ابن ميمون فيلسوف إسلامي؟
لا شك في أنّ البيئة العربية والإسلامية التي تربى فيها ابن ميمون، إلى جانب تأثره الكبير بآراء فلاسفة الإسلام آنذاك، وانعكاس هذا التأثر في كتاباته واجتهاداته التشريعية، هو ما جعل عددًا من المفكرين والكتاب العرب والمسلمين يعدونه فيلسوفًا إسلاميًا. فمثلً، يقول مصطفى عبد الرزاق، أستاذ الفلسفة
الإسلامية في الجامعة المصرية، في مقدمته لكتاب ولفنسون موسى بن ميمون: حياته ومصنفاته: إنّ ابن ميمون «فيلسوفٌ من فلاسفة الإسلام» حتى إن لم يكن مسلمًا، وإنّ فلسفته، وغيره من الفلاسفة
غير المسلمين، تُعدُّ فلسفةً إسلاميةً؛ لأنها «نبتت في بلاد الإسلام وفي ظل دولته، وتميزت ببعض الخصائص من غير نظرٍ إلى دين أصحابها ولا جنسهم ولا لغتهم»، مضيفًا أنه إذا كان الشهرستاني «قد عدَّ حنين بن إسحاق النصراني، فيلسوفًا إسلاميًا؛ فإنه لا وجه للتفرقة بينه وبين موسى بن ميمون
اليهودي»، مشيرًا إلى أنّ ابن ميمون «حتى في مناقشاته لنصوص التوراة، إنما يصدر عن فكرٍ وثقافةٍ
إسلاميين. فقد عاش طوال حياته بين المسلمين»، كما أنه «عندما ينتقد المتكلمين المسلمين يكون
نقدُه لهم بأسلوبٍخالٍمن الشدة التي ينتقد بها المتكلمون المسلمون بعضهم بعضًا، وأنه «ينقد بني دينه بشكلٍ أشدّ».
(((1 موسى بن ميمون، المقدمات الخمس والعشرون في إثبات وجود الله ووحدانيته وتنزهه من أن يكون جسمًا أو قوة في جسم،
تحقيق وتقديم محمد زاهر الكوثري (القاهرة: المكتبة الأزهرية للتراث، 9931)، ص.18-17 (((1 ديورانت، ص.121 (((1 ولفنسون، ص.9 (((1 المرجع نفسه.
ويشاطره هذا الرأي حسين آتاي الذي يبرر هذا الوصف في مقدمة تحقيقه لكتاب دلالة الحائرين قائلً: «وكما يعتبر الفلاسفة اليهود المشاركون في الفلسفة الغربية في بلاد الغرب فلاسفةً غربيين، فإن الفلاسفة اليهود والنصارى الذين شاركوا في الفلسفة الإسلامية وعاشوا في العالم الإسلامي آنذاك يُعتبرون فلاسفةً إسلاميين؛ فمحمد أبو بكر بن زكريا الرازي، مع أنه كان لا يعتنق دينًا ما، فقد اعتُبر من بين فلاسفة المسلمين». ويخلص آتاي إلى أنّ ابن ميمون «فيلسوف إسلامي من ناحية الشكل ومن ناحية الموضوع، لأنه نشأ في ذلك المناخ الفكري، فساهم فيه وأضاف إليه بقدر ما أخذ منه»، وأنّ «هذا ما يعتبره أيضًا المؤرخون الأوروبيين»، مضيفًا: «وقولنا إنه فيلسوفٌ إسلامي، لا يعنى أننا نرمي إلى القول بأنه مسلمٌ آمن بالإسلام دينًا، بل هو فيلسوفٌ إسلامي بالمعنى الثقافي الحضاري فحسب». أمّا عبد الوهاب المسيري، فيشير إلى محاولة ابن ميمون أسلمة اليهودية عبر اجتهاداته التجديدية في التشريع اليهودي، التي كانت نتاجًا لتأثره الشديد بالنسق الفكري الإسلامي، معرفًا ابن ميمون
بأنه «مفكر عربي إسلامي الحضارة والفكر، يؤمن باليهودية، وعضو في الجماعة اليهودية في إسبانيا الإسلامية».
الرسالة اليمنية
كتب ابن ميمون في سنة 7211، رسالةً طويلةً ومهمةً، عُرفت برسالة اليمن Yemen to Epistle، أو الرسالة اليمنية، ردًا على رسالة تلقاها من الحاخام يعقوب نتانئيل الفيومي، أحد زعماء الطائفة اليهودية في اليمن، الذي استنجد بابن ميمون لإبداء رأيه في قضايا دينية وسياسية مُلحة، شغلت بال يهود اليمن آنذاك. كان أهمّ هذه القضايا، لاضطهاد الذي مورس في حقهم من جهة الإمام عبد النبي علي بن مهدي، آخر أمراء الدولة المهدية. كان ابن مهدي، بحسب ما تشير إليه بعض المصادر، قد فرض على اليهود لاختيار بين التحول إلى الإسلام أو الموت. تزامن هذا مع ظهور مُبشِّر من يهود اليمن، ادّعى أنه المسيح المنتظر، كما ظهر مرتد يهودي حاول التوفيق بين اليهودية والإسلام، وبدأ ينشر دعوته
1(((ابن ميمون، دلالة الحائرين، ص.25 (1((المرجع نفسه. 1(((عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: الموسوعة الموجزة، مج 1، ط 3 (القاهرة: دار الشروق، 2006)، ص.343 2(((« الدولة المهدية »، أو «دولة بني مهدي » (74-1159 ميَري في تهامة (على أنقاض الدولة:)11 أسسها علي بن مهدي الحِ
النجاحية)، وفي إب (على أنقاض الدولة الصليحية)، وقد امتدت إلى تعز وأراضي السليمانيين في جيزان. آل الأمر بعد وفاة
مؤسسها إلى ابنه عبد النبي بن علي (المعروف أيضًا بالرعيني) الذي بدأت دعوته تأخذ أبعادًا سياسيةً ودينيةً جديدةً. فقد كان حنفيَّ
الفروع، خارجيَّ الأصول، «شديد البطش، يُكفِّر بالمعاصي، ويوجب القتل فيمن يخالف اعتقاده». وحين استتب له الأمر، اتّجه
جنوبًا وأخذ في مهاجمة عدن، فاستنجد صاحبها حاتم بن علي بصاحب صنعاء سبأ الزريعي، والتقى الطرفان في معركة «ذي عُدَينة»
التي هُزم فيها عبد النبي ورجع إلى زبيد. وفي ذلك الوقت، كان صلاح الدين الأيوبي قد تلقى مكتوبًا من الخليفة العباسي بخصوص
أطماع عبد النبي؛ فأرسل صلاح الدين أخاه توران شاه بجيش للقضاء على دولة بني مهدي. وفي سنة 7311، دخل توران شاه زبيد، وأسر عبد النبي وإخوته، ثم أمر بإعدامهم. وبموتهم، انتهت دولة بني مهدي في اليمن التي لم تستمر سوى خمسة عشر عامًا. انظر:
عبد الولي الشميري، «الرعيني»، موسوعة الأعلام. شوهد في، في:017/3/122 http://bit.ly/2qvM5aj
بين اليهود، مؤكدًا أن الإسلام هو الرسالة السماوية التي حلّت محلّ اليهودية، وأنّ الكتاب المقدس قد تنبأ بمجيء الرسول محمد. زادت هذه الأحداث كلّها من اضطراب المجتمع اليهودي في اليمن، وخصوصًا علماءهم الذين كانوا يخشون تزايد عدد اليهود المتحولين إلى الإسلام. ناقش ابن ميمون في رسالته هذه القضايا كلّها التي أثارها واستفسر عنها الفيومي، مبينًا موقف التوراة من مختلف المضايقات التي يتعرض لها اليهود على مرّ العصور، وموقف اليهودية من الدين الإسلامي
ونبيّه محمد، وكذلك قضية «المشيح» اليهودي، حاثًّا يهود اليمن على الصبر وتحمّل الشدائد. كانت آثار الرسالة كبيرةً. وظل ابن ميمون، قرونًا عديدةً، حاضرًا كمرجعية دينية ليهود اليمن الذين
شكّلت لهم هذه الرسالة، مصدرًا للقوة والعزاء في مواجهة لاضطهاد، والذين تأثروا كثيرًا بعدم استغلال
ابن ميمون لمكانته الدينية، ومطالبته لهم بأيّ مالٍ أو صدقات كما كان معتادًا، إلى جانب ما قام به من استغلال موقعه ونفوذه في بلاط صلاح الدين لمحاربة الإمام عبد النبي مهدي وتخفيف الضرائب الثقيلة عن كواهلهم. وعرفانًا منهم بالجميل أصبحت الجملة «لأجل نفس معلمنا موسى بن ميمون» جزءًا من دعائهم في الصلاة. كان ابن ميمون معتدًا برسالته، فطلب من يعقوب الفيومي أن يرسل نسخًا منها إلى يهود اليمن كلّهم، قائلً: «أرجو أن ترسل نسخة من هذا الكتاب إلى كل جماعة في المدن والبوادي، كي يقوّي إيمان
الشعب ويثبّت أقدامهم. اقرأه في لاجتماعات العامة والخاصة، وبذلك يصبح نافعًا للناس». نصح ابن ميمون - أيضًا - بأنْ يتم تداول رسالته بحذر، قائلً: «خُذْ إجراءات كافية حتى لا تتسلل محتوياته إلى الأغيار على يد شخص شرير فيأخذنا الحظ العاثر (عصمنا الله منه). حين بدأت أكتب هذه الرسالة انتابتني هواجس كثيرة بشأنها؛ لكنها نقضت خلال قناعتي الراسخة بأن الخير العام له أولوية على سلامة واحدنا الشخصية». توجه ابن ميمون برسالته إلى يهود اليمن، يحثهم فيها على نشر رسالته بينهم جميعًا، رجالً ونساءً
وأبناءً «كي يتقوّى إيمانهم الذي يضعُف ويفسُد، ويعاد ترسيخهم في اعتقاد غير متقطع، سائلًالرب أن
يخلِّصنا وإياكم من الشك الديني».
1. اللغة العربية
كتب ابن ميمون الرسالة باللغة العربية والحرف العبري، كما هي عادته، لكنّ مقدمتها ولاقتباسات الواردة فيها من التلمود والتوراة وردت باللغة العبرية. وقد هدف ابن ميمون من استخدامه اللغة العربية،
(21) Nissen Mangel, «Responsa,» chabad.org, accessed on 4/5/2017, at: http://bit.ly/2pIeKWB
(((2 دماج، ص.41 (((2 فياض، ص.64 (((2 المرجع نفسه، ص.65 (((2 المرجع نفسه، ص 8.1
هذه المرة، إلى أن تفهمها أغلبية يهود اليمن التي كانت، بحسب معرفته، تتحدث اللغة العربية بطلاقة، ربما أكثر من العبرية. فها هو يبرر الأمر للفيومي بقوله: «أمّا بالنسبة للمسائل الأخرى التي طلبتَ الإجابة عليها، فأعتقد أنّ من الأفضل أن أجيب باللسان واللغة العربيين؛ لأنه سيكون بمقدور الجميع عندئذ، نساءً وأولادًا، قراءتها بسهولة؛ لأنّ من الضروري أن يفهم كل عضو في جماعتك جوهر ردنا
بالكامل».
2. في مديح يهود اليمن
بدأ ابن ميمون رسالته بالمديح - قبل أن يتطرق إلى القضايا الشائكة - واصفًا والد يعقوب الفيومي ب «الأستاذ والمعلم الموقر، العظيم والتقي، نتانئيل الفيومي، أمير اليمن المتميز»، مبينًا أنّ رسالته هذه، إنما هي «من صديق مُحبّ لم يرَه قَطُّ، إنما يعرفه بالشهرة ليس إلا، موسى بن ميمون بن يوسف بن
إسحق بن عوبديا»، ومشجعًا يعقوب على اتباع خطى أبيه الذي وصل إليه خبر موته عندما كان ابن ميمون في القدس، قائلً: «أرجو أن تخلف والدك كقائد لشعبه، وأرجو أن يعطيك الله شهرةً أكبر من شهرته». كما مدح يهود اليمن، واصفًا اجتهادهم ومكارم أخلاقهم واشتهارهم بالكرم قائلً: «يقول كل أصحاب الأعمال والعاملين في النقل إلى جميع من يسألهم إنهم وجدوا في أرض اليمن زرعًا جميلً ومفرحًا، ومرعى غنيًّا مع رعاة مخلصين حيث كل شاة عجفاء تصبح سمينة. إنهم يقوون الفقراء بالخبز، ويحيُّون
الأغنياء بترحاب وكرم، بل تتطلع إلى كرمهم حتى القوافل السبئية، أيديهم تمتد إلى كل عابر سبيل، وبيوتهم مفتوحة لكل مسافر، معهم يجد الجميع السكينة، ويهرب الحزن والتنهد». غير أنّ ابن ميمون لم ينسَ أن يشير إلى ما هو أهمّ من هذه الفضائل؛ أي تمسّك يهود اليمن «بالدين
ودراستهم للشريعة»، مذكرًا إياهم بما للمعاناة من فضيلة، إذ يقول: «مباركٌ الرب الذي أخضع اليهود
للمعاناة فلا يبقى إلا الذي يحفظ التوراة ويطيع أوامرها في أقصى مناطق شبه الجزيرة، كما أكِّدَ لنا بكرم على لسان خادمه إشعيا».
3. عن اضطهاد يهود اليمن
كانت قضية اضطهاد اليهود وإجبارهم على الإسلام أو مغادرة اليمن، من جهة عبد النبي مهدي، هي أولى القضايا التي تطرق إليها ابن ميمون في رسالته الطويلة، معربًا عن حزنه الشديد لسماعه هذه الأخبار التي «كسرت ظهورنا، وصعقت كلّ جماعتنا وشدهتها»، مذكرًا بالشكوى الأبدية من
اضطهاد اليهود في العالم، قائلً: «والحقيقة أنّ قلوبنا متعبة، وعقولنا مشوشة، وقوى أجسادنا
(((2 المرجع نفسه، ص.16 (2((المرجع نفسه، ص.15 (2((المرجع نفسه. (2((المرجع نفسه.
مبددة؛ بسبب المصائب الرهيبة التي جلبت علينا لاضطهادات الدينية من طرفَي العالم، الشرق والغرب». أكد ابن ميمون ليهود اليمن أنهم لم يكونوا وحدهم من انتابتهم الشكوك وضعفت قناعتهم، بل فقدوا إيمانهم، وأنّ ذلك كلّه مذكور في نصوص الأنبياء الذين يخبرون بما للاضطهادات المتواصلة، وفترة الشتات الطويلة، من تأثير في التمسك بالعقيدة، مبينًا أنه حتى «الرجال العقلاء والأذكياء» سيصيبهم الشك حين تحل بهم المصائب، ولن ينجو من هذا الأمر إلا «قلة قليلة نقية الإيمان». الملاحظ أنّ ابن ميمون لم يتوقف، في مواضع متفرقة من الرسالة، عن تذكير يهود اليمن بأهمية اعتزازهم وافتخارهم بأنّ ديانتهم هي «ديانة الحق»، وهي الوحيدة الموثوق بأنّها «إلهية»، واصفًا موسى ب «سيد كل الأنبياء، السابقين منهم واللاحقين»، من دون أن ينسى تذكيرهم بأنّ بها «ميّزنا الله عن باقي الجنس
البشري». ويوضح ابن ميمون أنّ سبب عداء الأمم لليهود هو الحسد، قائلً إنه «بدافع من الجور والعداوة أخذ جميع ملوك الأرض على عاتقهم مهمة اضطهادنا»، مضيفًا: «لقد أرادوا مقاومة الله؛ لكن
الله لا يمكن أن يُقاوَم»، وأنّ اليهود، عبر الأزمان، مهما أجبروا على لارتداد عن دينهم فسوف ينصرهم الله بحسب «تأكيد إلهي منذ زمن سحيق بأنه كلما ظهر حكم ردة بحقنا، سوف ينهيه الله أخيرًا». وكان ابن ميمون حريصًا - حتى وهو يتنقل من موضوع إلى آخر - على رفع معنويات يهود اليمن وشدّ عزيمتهم، وحثّهم على الصبر، فيقول مثلً: «لا تجعلوا لاضطهادات المتعاقبة أو تسلط العدو عليكم أو ضعف شعبنا يرعبكم؛ فهذه التجارب مصممة لاختبارنا وتنقيتنا، بحيث لا يتمسك بديانتنا ويبقى ضمن القطيع غير القديسين والأتقياء الذين هم من نسل يعقوب». كما كان ينهاهم عن لارتداد عن دينهم، وأنه «حين يجد المرء أنّ من الصعب عليه أن يكسب عيشه في أحد البلدان»، أو أن يُقيد «في ممارسة ديانته»، فإنّ عليه «أن يهاجر إلى بلد آخر»، مضيفًا أنه إذا استحال الرحيل فعليه- وقد تصنَّع لارتداد - ألّ يتساهل في الفرائض الدينية التي سيعاقب على تركها.
4. رأيه المتطرِّف في عيسى ومحمد
لعل أشدَّ الأمور إثارةً في رسالة ابن ميمون إلى يهود اليمن، موقفه العدائي من النبيين عيسى ومحمد، واستخدامه ألفاظًا قاسيةً في وصفهما، وهو موقف غريب لا يختلف كثيرًا عن موقف المتعصبين
التقليديين من أحبار اليهود. يبدأ ابن ميمون رسالته بتوضيح أشدّ الطوائف عداوةً لليهودية وأشدّها خطرًا، فيصفها مبينًا أنها تلك
(3((المرجع نفسه، ص.16 (((3 المرجع نفسه، ص.17 (((3 المرجع نفسه، ص.24 (((3 المرجع نفسه، ص.26 (((3 المرجع نفسه، ص.31
التي تحاول «مسح كل أثرٍ لأمتنا وديانتنا اليهوديتين» عن طريق «ادّعاء النبوة وتأسيس ديانة جديدة» تدّعي أنها مُنزلة من عند الله، لكنها «تعاكس ديانتنا الإلهية». ويشرح ابن ميمون كيفية خلق هذا الأمر ل «الشكوك والتشويش»، وما سينتج منه في آخر المطاف من «تدمير الديانتين على حدّ سواء»، مؤكدًا أنّ هذه الخطة اخترعها أول مرة وتبناها «حسودٌ ونكد يُسمّى 'يسوع الناصري'، الذي أرجو أن تُسحق عظامه». يذكر ابن ميمون أنّ المسيح كان يهوديًا، على الرغم من أنّ أباه لم يكن يهوديًا «لأنّ أمه كانت يهوديةً»، وأنه يجب ألّ يقال عنه إنه «ابن حرام إلا على نحو رمزي»، مجادلً بأنه قد خدع الشعب اليهودي وجعله يؤمن بأنه «كان نبيًا مرسلً من الله لإيضاح لالتباسات في التوراة، وأنه كان المشيح الذي تنبأ به كل المتنبئين. وراح يفسر التوراة ووصاياها بطريقة تقود إلى إلغائها بالكامل، وإلى إبطال كل أوامرها وانتهاك محرماتها». لم يكتفِ ابن ميمون بهذا، بل ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ قام بمدح من سعى من اليهود آنذاك لقتل عيسى، قائلً: «طيَّبَ الله ذكراهم، قد أدركوا خططه قبل انطلاق شهرته بين الشعب»، مؤكدًا أنّه لم يكن سوى أحد «الأشرار من بين هراطقة اليهود»، وأنه قد حصل على «ما يليق به من العقاب»، مبينًا أنّ الديانة المسيحية لا علاقة لها بيسوع الناصري، واصفًا إياها ب «ديانة بولس» التي ظهرت بعد وقت طويل، والتي يدعي أبناؤها أنها تابعة ليسوع، مؤكدًا أن بولس «لم يكن مؤذيًا لإسرائيل، إذ لم يضطرب فردٌ ولا جماعة في اعتقاداتهم بسببه، لأن تناقضاته كانت مرئية للجميع». أمّا بشأن نبي الإسلام محمد، فلم يفتأ ابن ميمون، كلما ذكره في رسالته، يصفه ب «المجنون». ففي أول ذكر له في الرسالة، يشرح ابن ميمون أنه بعد يسوع الناصري «ظهر مجنون نافس سلفه؛ لأنّه مهَّد له الطريق، لكنّه أضاف غرضًا آخر تجلى في طلب المُلك والطاعة له، ولفَّقَ ديانته المعروفة جيدًا»، مؤكدًا، في موضع آخر من الرسالة، أن نبوءات النبي دانيال «الموحاة من الله» ذكرت «أنه سيظهر في أحد الأزمنة المستقبلية شخص بديانة جديدة تشبه الديانة الحقيقية، وكتابٌ يحتوي نصوصًا مقدسةً ورسائل شفهيةً، وسوف يدعي بعجرفة أنّ الله أعطاه وحيًا منزلً، وأنه يحادثه، وغير ذلك من المزاعم المبالغ فيها»، وأنّ دانيال قد لمّح إلى «ظهور المجنون وانتصاراته على الإمبراطوريات الرومانية، البيزنطية، والفارسية»، كما تنبأ أيضًا بأنّ هذا الشخص (أي محمد) سيُقضى عليه «رغم عظمته وبقائه زمنًا طويلً مع من تبقى من أسلافه».
(((3 المرجع نفسه. (((3 المرجع نفسه، ص 0.2 (3((القصد من ذلك هو القديس بولس، المعروف ب «بولس الرسول». وقد ساهم التأثير الذي خلّفه في المسيحية في جعْله أحدَ
أكبر القادة الدينيين في العالم على مرّ العصور.
(3((فياض، ص.21 (3((المرجع نفسه، ص.24
ويحاجّ ابن ميمون في رسالته بأنّه على الرغم من محاولة عيسى ومحمد وضع «تعاليمهما في مستوى ديانتنا الإلهية»، فإنّ المغفل وحده هو الذي يمكنه الخلط بين «الأعراف الإلهية» و«العادات البشرية»، مضيفًا أنّ العقائد التي جاءا بها، على الرغم من تشبهها بعقائد الكتاب المقدس، لا تمتلك «معنى عميقًا، بل هي تقليدٌ سطحي، وهي منسوخة عنها ومصنوعة على منوالها»، مبينًا أنّ نبيَّيْها إنما «شكّلَ ديانتيهما
وفق أنموذج ديانتنا كي يُمجِّدَا نفسيهما»، مؤكدًا أنّ تزييفهما هذا «سرٌّ مفتوح أمام المتعلمين»، وأنهما
«صارا هدفين للسخرية والهزء تمامًا كما يضحك المرء ويبتسم من قردٍ حين يقلد أفعال الإنسان».
5. الارتداد والاعتراف بمحمد
في مسألة اليهودي المرتد الذي بدأ يدعو يهود اليمن إلى الإيمان بأنّ محمدا نبيٌّ مُرسلٌ من عند الله،
وأنه مذكور في التوراة، ردّ ابن ميمون على يعقوب الفيومي قائلً: «تذكرُ في رسالتك بذل جهوده
وحججه على عدد من الناس كي يؤمنوا بأنّ آيات عديدةً من الكتاب المقدس تشير إلى المجنون [...] وهي الحجج التي تكررت على نحو مستمر إلى درجة أنها صارت تبعث على الغثيان. ويكفي الإعلان أنها واهية بالكامل»، مشيرًا إلى أنّ إيراد بعض الآيات من الكتاب المقدس كحجج هو «أمر سخيف
وغير عقلاني إلى أبعد حدٍّ». ويضيف أنّ «المرتدين أنفسهم» الذين يخدعون الآخرين بهذه الحجج لا يؤمنون بها، وأنهم إنما يفعلون ذلك «لكسب الحظوة في أعين الأغيار عن طريق البرهان بأنهم يؤمنون بعبارة القرآن القائلة إنّ محمدًا مذكورٌ في التوراة». ويذهب إلى أبعد من ذلك، فيؤكد أنّ «المسلمين أنفسهم لا يؤمنون بهذه الحجج، ولا يقبلون بها ولا يريدونها، لأنه من الواضح أنها تنطوي على مغالطة كبيرة»، مؤكدًا أنهم «لم يستطيعوا أن يجدوا
دليلً واحدًا في الكتاب المقدس كله» يشير «إلى نبيهم»، وهو أمرٌ بسببه «أجبروا على اتهامنا بأننا بدلنا
التوراة»، وبأنّنا شطَبنا منه آيةً تشير إلى اسم «محمد»، وهو لادعاء الذي يستطرد ابن ميمون في رسالته بتفنيده عن طريق استعراضه لتاريخ تدوين الكتاب المقدس وترجمته، وخلوّه من أيّ إشارة إلى اسم النبي «محمد».
6. المسيح الكاذب
إذا كان موقف ابن ميمون من اليهودي المرتد قد اقتصر على تفنيد ادعاءاته بأنّ محمدا هو نبيّ من عند
الله، فإنّ موقفه من ذلك الذي ادعى أنه المسيح المنتظر كان بالغ القسوة حتّى أنّه لم يكتفِ بالمطالبة
(4((المرجع نفسه، ص.23 (((4 المرجع نفسه، ص.32 (((4 المرجع نفسه. (((4 المرجع نفسه. (((4 المرجع نفسه، ص.33
بالتنكر له وعدم تصديقه، بل إنّه قال بجواز قتله: «أمّا بالنسبة لكم في هذا البلد البعيد، فرغم كونكم علماء، متفقهين في الشريعة، وأتقياء، إلا أنّ عددكم قليل، ونرجو من الله أن يزيد في عددكم ويعجّل زمن التئام شملكم. وحين يقوم أيّ من الهراطقة لإفساد الشعب فهُم إنما يقوّضون أسس إيمان الشبان فلا يجدون لهم مخلّصًا. احذروا منهم، واعرفوا أنه مباح قتلهم برأينا»، مستدلً بنص أورده من الكتاب المقدس كالآتي: «لأنّ أيّ نبي اعتدَّ بنفسه فقال باسمي قولً لم آمره أن يقوله، أو تكلم باسم آلهة أخرى، فليقتل ذلك النبي». وقد وجه ابن ميمون إلى يعقوب الفيومي عتابًا لميله إلى مدعي النبوة، قائلً: «لن أندهش منه، ما دمتُ حيًا، ولا من أتباعه؛ لأني لا أشك بأنه شخص مريض ومجنون يجب ألا نوبخه ولا نؤنبه على مرض
ليس خطأه، ولا أندهش من مريديه، لأنهم اقتنعوا به بسبب مأزقهم المؤسف، وجهلهم بأهمية المشيح ومكانته العالية؛ لكنني مندهش من ميلك، وأنت العالم الذي درس بحرص عقائد الحاخامات، إلى وضع ثقتك فيه»، محرضًا إياه بقوله: «ألا تعلم أنّ مدعي النبوة إذا كذب في دعوته يلزمه القتل؟!». إلا أننا نجد أنّ ابن ميمون - وربما كان ذلك بسبب إدراكه ما لمدعي النبوة من تأثير كبير في يهود اليمن - يتراجع عن دعوته إلى قتله، قائلً: «لو أنّ هذا الرجل يتصرف بوقاحة أو بازدراء لكنتُ ارتأيتُ أنه يستحق الموت»، واصفًا إياه بأنه «بلا عقل»، مُبديًا رأيه بأنّ «أفضل ما يمكن أن ننصح به، لصالحكم وصالحه على حدّ سواء، هو وضعه في قيود حديدية لفترة ما، حتى يعلم الأغيار أنه مجنون. وبعد أن تذيعوا وتشيعوا الوضع العقلي لهذا الرجل بين الناس من خارج الملة، يمكنكم إطلاق سراحه دون تعرض سلامته للخطر»، مبينًا أنّ هذا الأمر سيجنبهم غضب المسلمين ف «بعد أن تسجنوه، سيوبخونه بسخرية، ويقولون إنه بلا عقل».
7. رأيه في العرب والمسلمين
لم يكن رأي ابن ميمون وموقفه من العرب والمسلمين، أقلّ تطرفًا وقسوةً من موقفه من أنبياء الله عيسى ومحمد؛ إذ بالغ في ازدرائهم، وفي اتهامهم بعدائهم لليهود أكثر من عداء الأمم الأخرى لهم. فها هو يقول: «تذكروا، يا إخوتي في الدين، أنه بسبب كثرة آثامنا، رمانا الله وسط هذا الشعب [العرب] الذي اضطهدنا بشدة، وأصدر بحقنا قانونًا مهلكًا وتمييزيًا»، مضيفًا أنه «حين رأى داود، طيَّبَ الله ذكراه،
نكبات إسرائيل المستقبلية، لم يبكِ ولم ينُح إلا على مصيرهم في مملكة إسماعيل، فصلى لأجلهم، لأجل خلاصهم». ويضيف، في موضع آخر من الرسالة، أنّ النبي دانيال قد لمّح إلى «ذلنا وعارنا مثل الغبار في الدراسة تذروه أيدي العرب، أهلكهم الله سريعًا».
(((4 المرجع نفسه، ص.54 (((4 المرجع نفسه. (4((المرجع نفسه، ص 7.5 (4((المرجع نفسه، ص.58 (4((المرجع نفسه.
ويذهب في عدائه للعرب والمسلمين أبعد من هذا، فيؤكد أنه «لم تضايقنا أمّة قط، أو تهيننا، وتحط
من قدرنا، وتكرهنا، بقدر ما فعلوا هم»، وأنه على الرغم من «أنهم أذلونا فوق طاقة البشر، فإنّ علينا أن نتحمل تلفيقاتهم»، وأنّ على اليهودي أن يتصرف «كالأصم لا يسمع، وكالأخرس لا يفتح فاه».
نزعة قومية ودينية وتوظيف سياسي
لا شك في أنّ الآراء المتطرفة التي أظهرها ابن ميمون في رسالته إلى يهود اليمن تجاه النبي محمد، وقبله عيسى، إضافةً إلى موقفه العدائي من العرب والمسلمين، مقارنةً ببقية الأمم التي اضطهدت الشعب اليهودي، يجعل من الصعب التسليم بوصفه «فيلسوفًا إسلاميًا» كما عرضنا في موضع سابق
من هذه المقالة، حتى إن كان ذلك من المنظور الحضاري والثقافي أسوةً بالمفكرين والفلاسفة من غير المسلمين الذين اكتسبوا هذه الصفة. أضف إلى هذا أنّ كل من استخدم هذا الوصف لم يتطرق إلى
الرسالة اليمنية وما جاء فيها من آراءٍ متطرفة. وإذا تجاوزنا آراء بعض المدارس الفكرية الإسلامية التقليدية التي تناصب ابنَ ميمون العداءَ، مثله مثل
فلاسفة الإسلام المجددين من مجايليه، كابن رشد مثلً، فإننا نرى أنّ وصف بعضهم له بالفيلسوف الإسلامي لم يعتمد على حجج واضحة بقدر ما كان نتاجًا – تقريبًا – لإعجابهم بأفكاره المستمدة من
الثقافة العربية، والفلسفة الإسلامية، في ذلك الوقت، وهي الثقافة التي ترعرع فيها واستخدمها بشجاعة في تجديد الشرائع اليهودية التي كانت واقعةً في أسر لانغلاق والشعوذة والخرافات، وتعاطفه مع محاولاته الجريئة في التوفيق بين ما تقرره الفلسفة بالعقل، وما تقرره الشريعة بالنقل، من دون أن نغفل عن استخدامه اللغة العربية في أكثر مؤلفاته، وما يمكن أن يكون لهذا الأمر من دور في هذا الإعجاب والتعاطف. فكون ابن ميمون قد عاش طوال حياته بين المسلمين، بحسب قول بعضهم، لا يجعله بالضرورة فيلسوفًا إسلاميًا، وهو ما لم يقله المؤرخون الأوروبيون الذين لا يصفونه إلا بفيلسوف وعالم لاهوت
يهودي، تأثر بالثقافة العربية الإسلامية التي استمدها من حياته ودراساته الأولى في الأندلس، إضافةً إلى أنّ مقارنته بالرازي، أو غيره من الفلاسفة غير المتديِّنين، ليست دقيقةً على الإطلاق؛ ذلك
أنّ أكثر الفلاسفة العرب أو المسلمين انتقادًا للّهوت الإسلامي، أو للغيبيات التاريخية في الديانات الإبراهيمية، لا يمكن - بحسب اعتقادنا - أن يتّخذ موقفًا متطرفًا من عيسى ومحمد على هذا النحو، في الوقت نفسه الذي يبجل فيه موسى والعقائد التوراتية، كما فعل ابن ميمون. كما أننا لا نعتقد أنّ فيلسوفًا إسلاميًا يمكنه أن يتبنى أفكارًا دينيةً قوميةً معاديةً للمسلمين، تلغي الآخر وحريته في المعتقد، وفي
الوقت نفسه، تؤكد مثلًاستحالة زوال إسرائيل واقتران وجودها بوجود الله، وهو ما يقوله ابن ميمون الذي يؤكد ذلك في الرسالة اليمنية قائلً: «وكما يستحيل توقف الله عن الوجود، كذلك لا يمكن تخيل دمار إسرائيل واختفائها من العالم».
(5((المرجع نفسه، ص.58
(51) Ben Zion Bokser, «Moses Maimonides,» Britannica, accessed on 4/5/2017, at: http://bit.ly/2qC61oZ
(((5 فياض، ص.26
إنّ هذه الأفكار، مثلها كمثل أفكاره وآرائه الأخرى المتعلقة باضطهاد العرب لليهود خلال التاريخ مثلً، لا يمكن أن تكون حصيلة اجتهاد معرفي أو بحث تاريخي أو فلسفي، بقدر ما هي نتاج نزعة سياسية قومية ودينية، فهو نفسه كان ابن قرونٍ من التعايش السلمي والحضاري بين اليهود والمسلمين في الأندلس أو غيرها من الديار الإسلامية. وحتى إن كان قد شهد نهاية هذا التعايش على أيدي الموحدين في الأندلس، فإنّه كان - أثناء كتابة هذه الرسالة - ينعم بهذا التعايش في مصر التي عاش فيها بحُرّية دينية وفكرية كاملة، مقربًا من السلاطين والأمراء، بل حتى أثناء وجوده في
فاس قبل ذلك بسنوات، فهو قد قام بالتدريس في أهمّ صرح علمي آنذاك، كما ذكرنا ذلك سابقًا.
وليس أدل على هذا التعايش الذي حظيَ به ابن ميمون ما ذكره الباحث اليهودي حاييم زعفراني
الذي أوضح أنّ ابن ميمون كان «نتاج مجتمع وحضارة وثقافة متميزة ب لاندماج والتعايش بين مختلف مكوناتها»، مشيرًا إلى أنه «باستثناء المراحل التي شهدت عدم استقرار، وأعمال عُنف
مرتبطة بالنزاع على السلطة وتغيير الحكام وانتفاضات القصور، كانت السمة الغالبة هي العمل المشترك والتعايش في كنف الأمن والسلم». وها هو إسرائيل ولفنسون يقول أيضًا: «ولسنا نعلم رجلً آخر من أبناء جلدتنا غير ابن ميمون قد تأثر بالحضارة الإسلامية تأثرًا بالغ الحدّ، حتى بدت
آثاره وظهرت صبغته في مدوناته من مصنفات كبيرة ورسائل صغيرة». فإذا كان ابن ميمون على نحوٍ ما ذكروا، فلماذا حملت رسالته إلى أهل اليمن كل هذا التنكر للعرب والمسلمين؟ ولماذا وصفهم بأنهم أشد أهل الأرض عداوةً لليهود، متجاوزًا كلّ الحقائق التاريخية المعروفة، وكل قيم التسامح و لاندماج الثقافي التي عُرف بها؟ لقد كانت مجمل آراء ابن ميمون المتطرفة في رسالته إلى أهل اليمن هي التي جعلت بعض الباحثين يصفه بالفيلسوف العربي بدلً من الفيلسوف الإسلامي، كما ذهب إلى ذلك نبيل فياض، إذ وصفه بأنّه فيلسوف عربي الثقافة، مبررًا ذلك بأنه «من غير المقبول التخلّي عن ابن ميمون عربيًّا لأسباب دينية
ضيّقة»، مؤكدًا أنه وإن كان «يهودي الدين»، فإنّه «عربي اللغة والبيئة والتفكير»، وأنّ ما في نصوصه من
تعارض مع المسيحية أو الإسلام إنّما هو «خارج الفرع اليهودي للثقافة العربية»، مشيرًا إلى أنّ كتاب
دلالة الحائرينورسالة اليمنعلى سبيل المثال، حملَ الهوية العربية، لغةً وبيئةً، وإن كان لهما بعض الخصوصيّات الدينية التي يمكن أن تضفيَ على الثقافة العربية أحد أشكال الغنى والتعددية.
خاتمة
استعرضت هذه الورقة أهمّ ما جاء في رسالة ابن ميمون إلى أهل اليمن من الطائفة اليهودية، وما تضمنته
هذه الرسالة من أفكار وآراء دينية متطرفة تناقضت على نحو كبير مع ما اشتهر به في الوسط الثقافي
(((5 جمال الدين بن عبد الجليل، «ابن رشد وابن ميمون: مث لان أندلسيان لصيرورة العقلنة والعلاقة بين الدين والفلسفة»، جامعة فيينا، شوهد في:017/2/152، في
http://bit.ly/2qCYRAW
(((5 ولفنسون، ص.28 (((5 فياض، ص.2
العربي والإسلامي من تسامح ديني، واعتدال فكري، واندماج حضاري إلى حدّ عدَّه الكثيرون فيلسوفًا إسلاميًا. لا شك في أنّ ابن ميمون كان قد تأثر كثيرًا بالثقافة والفلسفة العربية الإسلامية، وخصوصًا أفكار المجددين من العلماء والفلاسفة، من أمثال ابن رشد والفارابي، وأنه استخدم مجمل هذه الأفكار في اجتهاداته المعرفية والفلسفية التجديدية للفكر والدين اليهوديّين، وقد كان بعضها يحمل قيم التسامح ولانفتاح الفكري والحضاري نفسها التي كان يدعو إليها بعض فلاسفة الإسلام آنذاك، أضف إلى ذلك، ما كان من التأثير الذي تركه ابن ميمون في بعض فلاسفة الغرب، كسبينوزا وليو شتراوس، فضلً عن بعض المفكرين الإسلاميين، مثل ابن تيمية الذي تشير بعض المصادر إلى تأثره بأفكار ابن ميمون، ولاقتباس من كتاباته. ومع ذلك، فإنّ مجمل آراء ابن ميمون المتعصبة للعرق اليهودي، والمعادية للقوميات الأخرى، وموقفه المتطرف من المسيحية والإسلام إلى حدّ العداء الواضح، ودعوته لقتل من يدعي النبوة من أبناء ديانته، إلى جانب آرائه المتعلقة باضطهاد العرب لليهود خلال التاريخ؛ كل ذلك لا يمكن أن يكون حصيلة اجتهاد معرفي أو بحث تاريخي أو فلسفي، بقدر ما هو نتاج نزعة سياسية قومية ودينية خالصة كانت انعكاسًا لخصوصيته وغرائبيته الفكرية والشخصية، مثله مثل بعض الفلاسفة خلال الأزمان. وإذا كانت هذه الخصوصية لا تقلل من شأنه كأحد أهمّ رواد الفلسفة واللاهوت اليهودي في العصور الوسطى، ولا من تأثره بالثقافة العربية والإسلامية التي عاش في كنفها، فمن المؤكّد أنّها تناقض تمامًا ما اشتهر به من قيم التسامح الديني والحضاري، والقبول بحرية المعتقد. كما أنها لا تؤيد القول المتعارف عليه بأنه فيلسوف إسلامي أسوةً بالمفكرين والفلاسفة من غير المسلمين، حتى إنْ كان هذا القول من المنظور الحضاري التاريخي والثقافي.
References
المراجع
العربية
ابن ميمون، موسى. المقدمات الخمس والعشرون في إثبات وجود الله ووحدانيته وتنزهه من أن يكون جسمًا أو قوّةً في جسم. تحقيق وتقديم محمد زاهر الكوثري. القاهرة: المكتبة الأزهرية للتراث،.1993 _________. دلالة الحائرين. ترجمة وتحقيق حسين آتاي. القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 002.2 دماج، همدان زيد. «موسى بن ميمون: الفيلسوف اليهودي وطبيب صلاح الدين». الرافد. العدد 236
(((5 أحمد راسم النفيس، «في بحث العلاقة بين ابن تيميه وابن ميمون»، موقع النفيس، شوهد في 017/1/22:2، في
http://bit.ly/2pItNkR
ديورانت، ويل. قصة الحضارة، عصر الإيمان، الحضارة اليهودية، عقل اليهودي وقلبه، ابن ميمون. ترجمة وتحقيق زكي نجيب محمود. بيروت: دار الجيل للطبع والنشر والتوزيع، 010.2 ظاظا، حسن. الفكر الديني الإسرائيلي: أطواره ومذاهبه. القاهرة: معهد البحوث والدراسات العربية،
عبد العزيز، نبيل. «التأثير الإسلامي في الفكر الديني اليهودي: موسى بن ميمون». البيان. العدد 347
فياض، نبيل. الرسالة اليمنية: شريعة اليهود وجدالهم مع الفرق الإسلامية ونبوءات آخر الزمان. بيروت: المركز الأكاديمي للأبحاث، 015.2 المسيري، عبد الوهاب. موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: الموسوعة الموجزة. القاهرة: دار الشروق، 006.2 ولفنسون، إسرائيل. موسى بن ميمون: حياته ومصنفاته. القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 936.1
الأجنبية
Cohen, Mark R. Poverty and Charity in the Jewish Community of Medieval Egypt. Princeton: Princeton University Press, 2005.