Return to Article Details A New Ethical Synthesis for the Arab future

مُركَّب أخلاقي حديث للمستقبل العربي

A New Ethical Synthesis for the Arab future

فهمي جدعان

Fahmy Gedaan

الملخّص

إلى عهد غير بعيد، لم تكن مقاربة السؤال الأخلاقي ممكنة بدون العودة إلى الإغريق. وعلى وجه التحديد إلى أفلاطون وأرسطو والرواقيين والإبيقوريين. أي إلى منظورات تحتل فيها قيمة السعادة قُطبَ الرَّحى، على الرغم من أن هذه السعادة، هنا وهناك، لم تتقوّم بالمعنى نفسه. فهي "تَطَهّرٌ" وحياة تأملية ومدينة عادلة عند أفلاطون. وهي تَعَقّلٌ وحياة فكرية وخيرٌ ضارب في المشخَّص عند أرسطو. وهي القوة والسلطة والمنفعة والنجاح عند السوفسطائييْن ترازيماخس وكاليكليس. وهي اللذة عند إبيقور. وهي الحياة الموافقة للعقل والقَدَر –(اللوغوس) و (الهيمرمينيه)-، عند الرواقيين كريزيبس وزينون وإيبكتاتوس. وعلى الرغم، كذلك، من التفاوت والتضارب والتباعد بين هذه المعاني، إلا أنها جميعاً تتمثل السعادة بما هي الخير الأسمى والفضيلة الحقيقية.

Abstract

Until relatively recently it was not possible to approach the question of ethics without recourse to the Greeks, and in particular Plato, Aristotle, the Cynics, and the Epicureans. Happiness occupies a central place in each of these philosophical works, even though this happiness is not understood in the same sense within each. For Plato it is "purification," the contemplative life, and the city of justice; for Aristotle it is reason and the intellectual life; for the Sophists, Thrasymachus and Callicles it is might, power, utility, and success; for Epicurus it is pleasure; and for the Cynics Chrysippus, Zeno, and Epictetus, it is life in harmony with reason, fate and logos. Despite variation between these meanings, all of these approaches regard happiness as the higher good, virtue, and truth.

الكلمات المفتاحية:
  • فلسفة الإغريق
  • السؤال الأخلاقي
  • السعادة
  • مركب أخلاقي حديث
  • المستقبل العربي.
Keywords:
  • Greek Philosophy
  • Ethical Question
  • Happiness
  • New Ethical Synthesis
  • Arab Future.

إلى عهد غير بعيد، لم تكن مقاربة السؤال الأخلاقي ممكنةً، من دون العودة إلى الإغريق. وعلى وجه التحديد إلى أفلاطون وأرسطو والرواقيين والإبيقوريين؛ أي إلى منظورات تحتل فيها قيمة السعادة «قُطب الرَّحى»، على الرغم من أنّ هذه السعادة، هنا وهناك، لم تتقوّم بالمعنى نفسه. فهي «تطَهّرٌ» وحياة تأملية ومدينة عادلة عند أفلاطون. وهي تعَقّلٌ وحياة فكرية وخيرٌ ضارب في المشخَّص عند أرسطو. وهي القوة والسلطة والمنفعة والنجاح عند السفسطائيَين ترازيماخس وكاليكليس. وهي اللذة عند إبيقور. وهي الحياة الموافقة للعقل والقدَر – «اللوغوس» و«الهيمرمينيه» - عند الرواقيين كريزيبس وزينون وإبكتاتوس. وعلى الرغم، كذلك، من التفاوت والتضارب والتباعد بين هذه المعاني، فإنّها جميعًا تتمثل السعادة بما هي الخير الأسمى والفضيلة الحقيقية. عبرت هذه الأفهام الفضاءات اللاتينية وعصر النهضة، وامتدت في الفلسفات الحديثة، حيث طالتها عمليات حذف واصطفاء وتجاوز تقدمت فيها أخلاق المنفعة والعقل والواجب والمتعة و«الأصالة» والخير العامّ، وجملة المعاني التي ألحقها تشارلز تايلور بما سمّاه «العصر الدنيائي» Age Secular. وفي الفضاءات نفسها، ظلت الأخلاق الدينية – المسيحية – ثابتةً في الدفاع عن قيمها: الكاثوليكية التقليدية، والبروتستانتية الإصلاحية... المحبة هناك... والعمل هنا، مع اجتهادات هنا وهناك. لقد تمَثّل فلاسفة الإسلام المنظورات الأخلاقية المنحدرة من العصرين الهليني والهلنستي، وأعملوا النظر فيها. وقدّم أول هؤلاء الفلاسفة، الكندي، في رسالة «فذّة» وسَمها ب الحيلة لدفع الأحزان، تركيبًا أخلاقيًا – أنطولوجيًا إنسانيًا مستلهمًا من «الزهد السقراطي» و«التأمل العقلي» الأفلاطوني الماثلين في فيدون، ومن إِنْخرِيدْيُونإلى إبكتاتوس الرواقي، ضاربًا بقوة في تصوف القرن الثالث الهجري. «الألم النفساني»، الوجداني، الحزن، يشخص مبدأ لنظر أخلاقي – طبيّ ذي نزعة عقلية إنسانية تمتد عند تابعه الطبيب الفيلسوف أبي بكر الرازي، حيث تتسع ساحة «أمراض النفس»، و«مداواة النفوس» بحسب تعبير ابن حزم، وتصبح موضوعًا لطب روحاني يقابل الطب الجسدي أو الجسماني: المنصوري في الطبيكمله الطب الروحاني. ففي هذا النوع من الطب يضرب الطب في نزعة فلسفية إنسانية تمتد على محور أوّله الهوى والعشق والعُجب، وآخره الحزن والغمّ والخوف من الموت. أمّا الآخرون: يحيى بن عدي، والفارابي، وابن سينا، والسجستاني، ومسكويه – في القسم الأعظم من تهذيب الأخلاق  - فظلوا، في أغلب الأحيان، يتقلبون بين مِثال الجمهورية وبين مُشخَّص الأخلاق إلى نيقوماخس، وأمشاج من إنخريديون، مع تلوينات من جالينوس وأبقراط والأطباء. لم تخلُص الأخلاق النظرية في الإسلام للفلاسفة؛ لأنّ أطرافًا وفرقًا أخرى جعلتها وجهًا أساسيًا من وجوه نُظمها. فالمتكلمون من المعتزلة والأشاعرة وقفوا، في مبدأ العدل، عند مشكلة تأسيس الخير والشر، أو الحسن والقبح؛ أي «القيمة الأخلاقية» للأفعال الإنسانية: العقل أم الوضع الإلهي؟ والفقهاء، وعلماء الدين (من أمثال الغزالي، والطبرسي، والبيهقي، والباهلي، وابن الجوزي، وكثيرون آخرون) وضعوا سلالم أخلاقيةً مسهبةً اختلطت فيها «شُعَب الإيمان»، المقرونة بالعقائد الدينية، بالمعاني الأخلاقية الطبيعية، أو «الإنسانية»، غير آبهين بالإحراج الذي أثاره سقراط في أوطيفرون، متمثلين

المذهب الأشعري الذي يعلّق «القيمة الأخلاقية» ب »الوضع الشرعي». ووقف الزهاد والمتصوفة عند الأحوال والمقاماتالتي تنصرف إليها النفس في سلوكها وفي فعلها الروحي الذي يتردد بين التقوى وبين السلوك في طريق الفناء بأشكاله المختلفة. ويظل مصطلحهم الأخلاقي الضارب في أعماق النفس، المتقلب في أعطاف الوجود الأنطولوجي – اللاهوتي – النفسي، أكثر المصطلحات غورًا وعمقًا واستغراقًا للمعنيين الإنساني والديني في الحياة الروحية في الإسلام. ثم إنه ينبغي أن يكون في الحسبان دومًا أنه منذ العصر العباسي الأول قد شرعت في التبلور والتشكّل، إلى جانب الأخلاق الفلسفية والكلامية والفقهية والصوفية، أخلاق عملية تمدّ جذورها في عهد أردشير والتقليد الأخلاقي – السياسي الفارسي، وتذهب إلى الجمع بين المُلك والدين، جاعلةً هذا في خدمة ذاك، أو مقيّدةً ذاك بهذا، ومؤسِّسةً لأخلاق خاصة بالملوك والأمراء والوزراء، ومعززةً أدبًا للدنيا وللدين، بانيةً السلطة السياسية على مبادئ النصح والعدل والطاعة، التي ستصبح بعض معالم الفكر السياسي الرئيسة لدى «أهل السنة والجماعة». وعلى طريق هذه الأخلاق العملية نشهد حشدًا واسعًا من المصنفات، من رؤوسها: التاج في أخلاق الملوك، المنسوب إلى الجاحظ، والتبر المسبوك في نصيحة الملوكالمنسوب إلى الغزالي، ونصيحة الملوكالمنسوب إلى أبي الحسن الماوردي، وقوانين الوزارة وسياسة الملكوأدب الدنيا والدينالمنسوب إلى الماوردي أيضًا. ومعلوم أنّ هذه الأخلاق العملية ستقترن بالفكر السياسي العملي الذي بلوره الماوردي نفسه في الأحكام السلطانية والولايات الدينية وبلغ أوجه وغايته في الإسلام السُنّي في القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، عند ابن تيمية في السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، حيث تتجذر نظرية الإمارة أو الدولة المؤسسة على الشريعة. ولم يحظَ الفكر الأخلاقي في العصر الحديث باهتمام خاصّ إلا في عمل تربوي لعبد القادر المغربي متمثّل بكتاب الأخلاق والواجبات، عام 1952. وفي الفترة نفسها، قدّم محمد عبد الله دراز أطروحةً جامعيةً بجامعة باريس، عام 1950، بعنوان La morale du Coran» «، تمّ نقلها إلى العربية، عام 1973، بعنوان دستور الأخلاق في القرآن. لكن المسألة لم تتخذ سمة السجال الحادّ إلا مع عادل ضاهر في جدلياته الراديكالية المتعلقة ب «أوّلِية العقل» وبالتسويغ العقلاني للأخلاق (نقد الفلسفة الغربية: الأخلاق والعقل، عام  1990)، وطه عبد الرحمن الذي جنح لراديكالية مماثلة – مضادة – ذهبت، في أطروحته في الجمع بين الأخلاق والدين، إلى حدود القول الخارق إنه «لا أخلاق بلا دين، ولا دين بلا أخلاق»! (سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، عام 2000). إنّها مجابهة جذرية لا ينعقد معها توافق، في أجواء تظل المواعظ الدينية والدعوية التي ينشرها الأئمة والدعاة في شتى الوسائل والمنابر هي الأكثر تداولً وانتشارًا وتأثيرًا. ذلك هو، على وجه العموم والاختزال والضغط والانتقاء الذي لا يخلو من القصور، مُحصَّل الفكر الأخلاقي العربي في تجربته التاريخية الممتدة فينا، مُحَصّل، أنعته ب «الكلاسيكي»، وأكثّف مُشْكِلَته في التمييز الأنثرو - أنطولوجي الذي يتبيّنه مسكويه، بإزاء السعادة والخير، في استحضار الثنائية الضدية المتقابلة الأفلاطونية – الأرسطية، حيث تنظر «عين الروح» إلى السماء والمثال، في حين تنظر

«عين الجسد» إلى الأرض والمشخص. تمثّلٌ سيصوّر رافاييلو سانتي، ما يحاكيه، في فلورنسة بعد خمسة قرون، في لوحته المشهورة «مدرسة أثينا». وهو تضادّ قدّر مسكويه أنه يستطيع تجاوزه في أطروحة تركيبية جدليّة يشبه أن تكون هيغليةً؛ تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق. يتقلب الفكر الأخلاقي العربي الكلاسيكي في حدود فلسفة في الأخلاق نظريةً يتقابل فيها الدينيّ والإنسانيّ. ومثلما هي الحال في كل القضايا الفكرية والفلسفية، لن ينعقد الإجماع في هذه المسألة، ولن تتحقق إلا «خيارات» لاعقلية، بمعنى أنه، وفق الاستخدام الأرسطي – الرشدي، لا مدخل للعقل البرهاني فيها. هي اجتهادات لأصحابها، لا أقول «عِندِيّة» أو ذاتية، إنما أقول «مشخصة»، أيْ إنّ لها مسوغاتها ومظانها المتعلقة بشروطها الوضعية. بيد أنّ ما يتجاوز هذه الوجوه من النظر هو أنّ التطورات الكونية، في هذه العقود المتأخرة من الأزمنة الحديثة قد أحدثت عالمًا جديدًا، وأنّ أفعالنا باتت متعلقةً، على نحوٍ أو آخر، بمظاهر هذا العالم وتجلياته. ونحن نتفق – خلا الأشرار منا – على أنّ أفعالنا في قبالة هذه المظاهر ينبغي أن تكون «أخلاقية»؛ وليس ذلك لأنها مرغوب فيها وجوهرية فقط، إنما، أيضًا، لأنها «يجب» أن تكون كذلك. وهي واجبة كذلك، لا لذاتها فحسب، إنما لما تنطوي عليه من خير ومصلحة أيضًا، لا للأفراد في ذواتهم الخاصة فحسب، إنما لهم وللمجتمعات التي ينتمون إليها ولكل الإنسانية أيضًا. نحن اليوم مستغرقون في العلم الذي تحوّل من مطلق المعرفة الموضوعية المنزهة التي يلهج بها أرسطو والقدماء، إلى المعرفة العلمية الذرائعية، الأدائية، التقنية ومنتجاتها الجارفة. والبيئة التي نعيش فيها وتحيط بنا وتسيّجنا تخضع لتطورات وتغيّرات عميقة. والقوة الاقتصادية وما يرتبط بها من تنمية ونموّ وإنتاج وتبادل تجاري، وغير ذلك، تستبد بنا. والبيولوجيا، بهندستها الوراثية، تطلّ برأسها وتنذر بتغيير الإنسان، بل بخلقه؛ أيْ إنّها تَعِدُ وتتوعد. والسياسيّ لا يتنكب عن الكذب والخداع وعن الغطرسة والتدخل والقوة والهيمنة وتغيير مصائر الشعوب. ووسائل الإعلام والاتصال تُنفذ من الظواهر والآثار وتشكيل العقول والنفوس والأفكار والتوجهات والأفعال ما لم تشهده كل القرون التي عرفها البشر؛ وهي تصدق قليلً وتكذب كثيرًا. والفنون تضرب بعمق في الذائقة البشرية وتذهب حرية الخلق والإبداع فيها كل مذهب. وفي قبالة هذا كلّه، تشخص بقوة وبمقاصد فاعلة متعاظمة قيم جديدة، أو مفاهيم – قيم، هي طِلباتٌ جوهرية، حيوية، ضرورية، لا سبيل إلى تجاهلها أو قهرها أو وأدها: الحرية، والعدالة، والمساواة، والكرامة الإنسانية، والمسؤولية، والنزاهة، وجودة الحياة، واحترام الحياة، والمشاركة، والديمقراطية، والمواطنة، والاعتراف، والإنصاف، والجمال والمتعة... إلخ، وجملة ما ينطوي عليه «إعلان ريو.»1992 في أعطاف الوجوه المشخصة، العملية، المادية، التي سقتها: العلم والتكنولوجيا، والبيئة، والإعلام، والسياسة، والمشاريع (التجارية)، والبيولوجيا والطب، والصناعة والتنمية، والفن... إلخ، التي لا تقترن جميعها بالتحديث وحده، بل بالحداثة أيضًا، يثور السؤال الأخلاقي بقوة، في إهابٍ جديد، ومن دون أن يقطع مع معاني الخير والشر والسعادة التي ظلّت الموضوع الرئيس للأخلاق النظرية.

مثلما أسلفت، بما أنّ العلم ما عاد يطلب مطلق الموضوعية المنزهة، إذ وجّه المعرفة إلى طلب المنفعة المادية المدججة بالتقنية المتعاظمة، وبما أنّ هذه التقنية لم تعُد مطلوبةً من أجل الخير النزيه وحده، إنما من أجل القوة والسيطرة والهيمنة والاستغلال والمنفعة والفائدة أيضًا، وبما أنّ التقدم الصناعي ومتطلبات التنمية والنمو تلقي بظلالها على جودة الحياة وعلى الصحة البشرية وعلى نقاء الجو والبيئة والأرض، فضلً عن ارتباطها بالعدل أو قطع العلائق معه، وبما أنّ الإعلام المقترن بالأيديولوجيات وبالهيمنة والسلطة وكل أشكال الحكم الممكنة، خيرها وشرها، يحكم العقول والنفوس والأفعال والسياسات... يصدق ويكذب... يحقق ويموّه؛ وبما أنّ السلطات السياسية تستبد وتضطهد، وتنشد النجاح الطيب والرديء، وبما أنّ البيولوجيا وهندستها العصبية والوراثية تسبر أغوار الدماغ والبدن، وتتدخل في كامل الكينونة الإنسانية حاملةً الوعود الطيبة ومتوعدةً بالمخاطر الكارثية... أقول بما أنّ هذه الحقول جميعها هي كذلك، أيْ إنّها متورطة في السؤال الأخلاقي، إذ هي جميعها تضع الإنسان والبشر على تخوم الخير والشر على حدّ سواء، فإنها تجعل «الآمر الأخلاقي» آمرًا قطعيًا، وتجعل الجهاز الأكسيولوجي حاكمًا في تقييم هذه القطاعات وتوجيهها في مسارات جديدة. ما الذي يعنيه هذا في حدود السؤال الأخلاقي اليوم؟ إنه يعني أنّ الفلسفة الأخلاقية النظرية الكلاسيكية، التي كانت تنحصر في «تحديد القيم» وفي الإبانة عن ماهياتها وطبائعها ومتعلقاتها المعرفية، وتضطرب في أمر إنفاذها وفي تحويلها من مطلق النظر إلى مشخص الفعل، الفلسفة باتت اليوم، في حدود إلزامات وشروط وفواعل الحقول الجديدة، مدعوةً إلى توسيع آفاقها وإشراع البوابات لما يسمى «الأخلاق المطبقة» Ethics Applied، أو الأخلاق الديؤنطولوجية أو «الوجوبية»، التي تتسلح ب «مدونة أخلاق» سلوكية «يجب» الالتزام بها وتطبيقها، لا مطلق معرفتها والاعتراف بها فحسب. يصوّب فقهاء القانون وفلاسفة الأخلاق والمجتمع والسياسة اليوم، في فضاءات العالم الجديد، النظر إلى هذه القضايا، ويجعلونها موضوعًا للبحث والسؤال والتداول والاقتراح والقرار. ويشدّد فلاسفة الأخلاق على وجه الخصوص على جسامة المخاطر المقترنة بالبيولوجيا الحديثة والهندسة الوراثية والتكنولوجيا، وبالنوازل والمخاطر التي تصل إلى البيئة ومستقبل الكوكب، وبالمشكلة الأخلاقية والاجتماعية التي تثيرها التنمية المقترنة بالرأسمالية المتوحشة، وبالصناعة والإنتاج والمسارات الليبرالية والليبرالية الجديدة، فضلً عن المخاطر التي تتهدد الإنسان في أنثروبولوجي «النفس – الجسد»، وقضايا كثيرة أخرى. ويتفق هؤلاء الأخلاقيون على أنّ مبدأ «المسؤولية» الذي شدد هانس يوناس على أهميته (آمر المسؤولية: في البحث عن أخلاق للعصر التكنولوجي، عام 1979، The Imperative of الرحى في الممارسات التي يجب الالتزام بها في جميع مناشط الحياة الجديدة وفي «مدونة السلوك» الأخلاقية التي ينبغي أن تتبع وتحترم. والحقيقة أنّ يوناس ومن ذهب مذهبه لم يبتدعوا أمرًا خارقًا في تشديدهم على مبدأ «المسؤولية» في جملة حقول «الأخلاق المطبقة»، لأننا نعلم حقّ العلم أنّ هذا المبدأ كان الموجّه الرئيس إلى الممارسة الطبية منذ أبقراط، وأنّ إسحاق بن علي الرهاوي، في مطلع القرن الرابع الهجري/ العاشر

الميلادي، قد توسع في شأنه وجعله، في أدب الطبيب، رأسًا للقيم التي «يجب» على الطبيب التقيد بها في مهنته. هذا الشمول لمبدأ المسؤولية لا يصل إلى «الحقول الدقيقة الحرجة» من النشاط الإنساني الحديث فحسب (أعني حقول التكنولوجيا والبيئة والبيولوجيا الحديثة)، إنما يتسع ليبلغ جميع الحقول الأخرى. وفي فضاءاتنا العربية التي لا تشخص فيها مسائل هذه الحقول وعقابيلها - حيث إنّ جميع أقطارنا تظل في أمرها «خارج السياق» - تثور أسئلة «الأخلاق المطبقة» في مجالات الحياة والاقتصاد والتنمية والسياسة والإعلام والفن وحقوق الإنسان. والأسئلة كثيرة: إلى أيّ مدى يخضع الممارس الطبي العربي لمبدأ المساءلة الحقيقية في الأخطاء الطبية الراجعة إلى الجهل، أو سوء الممارسة، أو الإهمال، أو القصور في متابعة التقدم العلمي في الحقل؟ وهل تتمّ المحاسبة في الأمور المتعلقة بالإساءات الأخلاقية التي تحاصرها «الاعتبارات» الاجتماعية أو الدينية؟ وماذا عن «الاستغلال» المهني والوظيفي في علاقة الرؤساء بمرؤوسيهم، وفي التمييز بين الجنسين؟ وهل يلتزم الإعلام والسياسة بقيم الصدق والشفافية والنزاهة؟ وماذا عن الإثراء «الفلكي» الفاحش لدى رموز الفن، بخاصة السمعي، والبصري الليبيدي التافه والمنفلت من كل المعايير والضوابط الأخلاقية؟ وعلى وجه العموم، هل ثمة التزام بأخلاق مهنية وبمدونة سلوك في جملة الحقول والميادين الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؟ وماذا عن «التنمية» التي هي طِلبة كل المجتمعات العربية من أجل التقدم؟ قد يكون ثمة ما يسوّغ ههنا، لحسابنا الخاص، إثارة السؤال الجوهري: إلى أيّ مدى يجري في هذا الحقل إنفاذ مبدأ «المسؤولية الشاملة»، أو «الممارسة المسؤولة» المقترنة بالخير والعدالة؟ وهل يتنبّه الفاعلون في هذا الحقل للقيمة الركنية التي ينبغي طلبها في الفاعلية التنموية، وتفرضها الأخلاق الديؤنطولوجية في عالم «المشاريع»؟ بتعبير آخر: أتطلب التنمية والمشاريع، في الممارسات العملية، قيمة «الخير» – خير المشروع وخير المشاركين فيه وخير المجتمع – أم تذهب إلى التعلق بمطلق مبدأ «الربح» وتغضّ الطرف عن «استشراء الفساد والثراء الفاحش والاستغلال والغش؟ والسؤال نفسه يرِد في شأن العدالة والمساواة. الأساس الأخلاقي لهذه الأسئلة صريح. و«الصعوبة» Aporia فيها تكمن في حلّ مشكلة التقابل الراديكالية، في مطلب التنمية وفي غائيتها، بين «أولية الاقتصادي» ومبدأ الربح المحرك له وبين «أوّلية الأخلاقيّ» وقيم الخير والعدل المجتمعية؛ بين الاستجابة لمتطلبات السوق ومنطقها الرأسمالي الذي يزداد توحشًا، وبين القيم الأخلاقية السامية: قيم الخير والعدل والمساواة والمصلحة والخير العامّ. نعلم أننا، هنا، نقف في قلب التقابل بين «الليبرالية الاجتماعية» التي تتعلق بالمجتمعيّ والعدل والخير العامّ، وبين «الليبرتارية» أو «النيوليبرالية» التي تطلق الحرية الاقتصادية، من دون حدود أو قيود وتتنكب وتعدِل صراحةً عن طريق العدل. ولست أشك في أنّ المنظور الأول هو الذي يتعين الأخذ به عربيًا. وثمة أيضًا سؤالٌ آخر مركزي ينبغي ألَّ يُغفل البتة: كيف يمكن للأخلاق المطبَّقة، في حدود الاجتماع العربي، ألّ تصوّب النظر بحدّة إلى ما يصل إلى «قيمة الإنسان العربي» وحقوقه الطبيعية من شرور وآثام وتعديات كارثية؟ لا تنحصر هذه الأفعال الخارقة والاختلالات الجذرية في العنف الذي يصاحب

الصراع السياسي الاقتتالي المادي الشرس، والذي ينخرط فيه الفاعلون من كل الأطراف والأطياف والمظان والأهواء والمنافع والمصالح، ولا في مصادرة الحريات الأساسية واحتقار الدولة لها، إنما تذهب أيضًا إلى النيل من مركّب «النفس – الجسد» نيلً يتقلب بين العنف المادي الجذري والعنف الوجداني الجذري أيضًا. في «منظومة» هذه التعديات والاختلالات تشخص وقائع صارخة منها التعذيب، والتشويه، والتنكيل، والاختطاف والسبي، والإعدام للمعارضين والمختلفين في غياهب السجون وفي العلانية، واستغلال اللاجئين الفارين – والفارات! - من ميادين الصراع، وزواج القاصرات، والإساءة إلى العمالة المنزلية والوافدة، وجرائم الشرف، والبغاء. يفرض هذا كلّه وسواه، على نحوٍ قاطع، إنفاذ مدونة سلوك أخلاقية صريحة معززة بالقانون وبسياسات حقيقية مشخصة في الدفاع الاجتماعي. ولا يكفي أن يقال إنّ الضمير المسيّج والمقود بالعقل أو الدين يمنعان من هذه الإساءات؛ ذلك أنّ الحقيقة هي أنهما لا يمنعان منها في أغلب الأحوال، وأنّ الله يزَع بالسلطان السياسيّ والمجتمعيّ ما لا يزَع بالقرآن. وكذلك لا يستقيم القول إنّ منظومة «الأخلاق المطبّقة» ليست إلا إحدى «بدع الحداثة» البشرية، أي الإنسانية، العقلية، وإنّ الأجدى والأقطع للمجتمعات العربية والأحق، هو العودة إلى «الشريعة» واستنطاق النصوص الدينية والأخلاق الدينية؛ حيث تجد كل هذه الاختلالات أحكامها المطابقة في «النصوص». والقول عندي، في هذا السياق، أنّ المسألة لا تحتاج إلى تعليق الأمر بالقضية «العويصة»، الماثلة في أمر تطبيق الشريعة والعودة إلى «أبوريا الدولة الدينية»، لأنّ نظامًا أخلاقيًا مطبّقًا، متسقًا مع منطق العصر واشتراطاته، رؤوسُه: المسؤولية، والتضامن، والعدل، والنزاهة، والصدق، والمشاركة، والالتزام، والرحمة، والنظام، والحرية، والكرامة الإنسانية، واحترام النفس – الجسد، والخير العامّ.. لا يمكن إلا أن يكون، من حيث المبدأ، متضافرًا مع «النصوص المُحكمة» ومع «الرؤية المقاصدية» ل «الكتاب». من المؤكد أنّ رؤوس بعض الشياطين يمكن أن تطلّ من بين ثنايا هذا الحقل أو ذاك وبنياته، وتثير الجدل. لكنّ ذلك، في حدود هذه «الأخلاق المطبّقة» العملية، لا يسوّغ إثارة التقابل بين «أخلاق دينية» إلهية، وبين «أخلاق عقلية»، إنسانية، ولا العودة من جديد إلى «إحراج أوطيفرون». هل تمثّل الأخلاق المطبقة جُبًّا للأخلاق النظرية؟ وهل يعني المركّب الأخلاقي الحديث الذي وسمت هذا القول به أنّ المنظور الأخلاقي الكلاسيكي قد أصبح من الماضي ولم يعُد ذا قيمة؟ ثمّ هل يعني، تبعًا لذلك، أنّ الكلام على أخلاق الخير والفضيلة والسعادة وجملة الفضائل الفكرية والعقلية والروحية ينبغي أن يُغَضّ الطرف عنه؟ أم هل ينبغي أن يُترك أمره للوعاظ والدعاة الدينيين وخطباء المساجد والكنائس، ورجال الإصلاح في أحسن الأحوال؟ لا، بكل تأكيد. فواقع الأمر هو أنّ عالم التحديث والحداثة قد أوجب النظر في ظواهره النابتة، من جهة ما هي منبع لمجالات جديدة من الأخلاق، ومن حيث إنّ القيم التي تحكم هذه الظواهر تمثّل توسيعًا وتتميمًا للآفاق الأخلاقية ولقواعد السلوك الإنسانية، وإنّ السؤال الأخلاقي يظل سؤالً جوهريًا لا يقلّ أهمية وخطرًا عن السؤال السياسي الذي

خصصناه بأقدار عظيمة من النظر والتحليل والاقتراح وانتهينا في شأنه إلى سلّم صريح من القيم والمبادئ السياسية التي أصبحت بديهيةً وباتت معقد إجماع لا تخرقه إلا نُظم الاستبداد والنزعات العدمية. وما نشهده اليوم في مجتمعاتنا العربية من فوضى وانحلال في القيم الأخلاقية ومن غياب كامل لسلّم من القيم المرتضاة الحاكمة يحتّمان سَبْر واقعنا الأخلاقي سبرًا «خلدونيًا»، أي واقعيًا، عقليًا، وضعيًا، مشخصًا، واستشراف منظومة أخلاقية ضابطة، لكنها مرنة، رحيمة، منفتحة، موافقة لطلبات هذا الزمن، ومعبِّرة في رؤوسها الكبرى عن «المعنى» و«القيمة» والفاعلية، التي نريد أن تكون دالةً على حضورنا الذاتي التاريخي المقبل، المصاب اليوم في القيمة، وفي المعنى، وفي الوجود.