Return to Article Details Ethics in Modernity from a Secondary to a Central Domain: Wael Hallaq's Approach

الأخلاق في الحداثة من النطاق الثانوي إلى النطاق المركزي : مقاربة وائل حلاّق

Ethics in Modernity: From a Secondary to a Central Domain, in Wael Hallaq's Approach

محمّد بوهلال *

Mohamed Bouhlel *

الملخّص

الفرضيّة الأساسيّة التي نحاول اختبارها في المقال من خلال آخر إصدارات وائل حلاّق «الدولة المستحيلة» هي الإقرار بوقوع الحداثة في أزمة أخلاقيّة مدمّرة زمن العولمة ناجمة في التحليل الأخير عن المنطلقات الفلسفيّة والأخلاقيّة التي انبنى عليها المشروع التنويري الأوروبّي؛ وبأنّه ليس هناك مخرج من هذه الأزمة إلاّ بنقد مشروع الأنوار والاعتراف بالأخلاق الدينيّة ومنحها وضع النطاق المركزي في النظام.

Abstract

Abstract: This paper explores the primary hypothesis tested in Wael Hallaq’s latest book The Impossible State. It postulates that modernity, in the age of globalization, is endangered by an ethical crisis. Hallaq traces the roots of this crisis to the European Enlightenment and the philosophical premises which underpin it. According to Hallaq, the only way in which the present crisis can be addressed is through the restoration of religious values to a position of centrality within the world system.

الكلمات المفتاحية:
  • أخلاق
  • شريعة
  • نطاق مركزي
  • ما بعد التنوير.
Keywords:
  • Ethics
  • Islamic Law
  • Central Domain
  • Post-Modernity

Ethics in Modernity:

From a Secondary to a Central Domain,

in Wael Hallaq's Approach

وائل حلّق الدولة المستحيلة، هي الإقرار بوقوع الحداثة في أزمة أخلاقيّة مدمّرة زمن العولمة،

ناجمة في التحليل الأخير عن المنطلقات الفلسفيّة والأخ قاايّة التي انبنى عليها المشروع

التنويري الأوروبي؛ وبأنّه ليس هناك مخرج من هذه الأزمة إلا بنقد مشروع الأنوار، والاعتراف بالأخلاق الدينيّة، ومنحها وضع النطاق المركزي في النظام.

مقدّمة

لا تزال الدول التي أنتجت الحداثة في صدارة البلدان القويّة في العالم المسيطِرة عليه والمتحكّمة في مساراته. وعلى الرغم من أنّ معظم الحروب والأزمات السياسيّة والاجتماعيّة

التي يعرفها العالم تظهر في الدول الضعيفة والمتخلّفة، فإنّ ذلك لا يمنعنا من ملاحظة أزمة تعيشها المجتمعات المصنِّعة والتكنولوجيّة أيضًا بسبب سياساتها الداخليّة والخارجيّة؛ أزمة لم تَبْقَ حبيسةَ تلك

الدولِ، بل انتقلَتْ بِصُوَرٍ متعدّدةٍ إلى جميع دول العالم في ظلّ العولمة الضاغطة. فبعد فشل الاحتلالات المباشرة في ترويض الشعوب المحتلّة، واشتعال ثورات التحرير في العالم المستعمَر، ونشوب الحرب العالميّة الثانية، وصعود النازية وانحدارها، واطلّاع العالم على جرائمها

المروّعة، وبروز مخاطر استخدام تقنيات تحسين النسل والتدخّل البيولوجي، وظهور الأضرار الواسعة للأشكال المتوحّشة من الرأسماليّة في الطبيعة وحياة المجتمعات؛ ما فتئ الوعي بأزمة النموذج

الحداثي لدى جمهور من الناس يتّسع، واتّخذ أشكالً وصيغًا متعدّدة، دينيّة وفلسفيّة واحتجاجيّة،

وعبَّرَ عنه بنظريّاتٍ وأعمالٍ نقديّةٍ مختلفةٍ عدَدٌ واسعٌ من الفلاسفة والعلماء ورجال الدين والفنّانين

والناشطين الاجتماعيّين. ولئن كانت الانتقادات الراديكاليّة التي ترى في الحداثة تجربةً كارثيّةً على كلّ الصُّعُدِ يجب تخطّيها

مهما كان الثمن والعَوْدُ بالإنسانيّةِ إلى ما قبلَ الحداثةِ، حالمةً وهامشيّةً لا حظَّ لها في التحقُّقِ في

مستوى الواقع ومضادّةً لمصالحِ عمومِ البشرِ؛ فإنّ ضربًا آخرَ من الانتقادِ نجح في فَرْضِ نفسهِ بديلً

محتمَلً من الحداثة في صيغتها الكلاسيكيّة أو نموذجًا مطوَّرًا منها، وأثبت أنّ الإنسانيّة تتّجه فعلً إلى

حقبة جديدة ما بعد حداثيّة تكمّل الحداثة في نظر البعض وتتجاوزها في نظر البعض الآخر. شَمِلَ هذا

النقدُ الواقعي جوانبَ متعدّدةً من الحداثة ومن النموذج النظري الذي انبنت عليه؛ العقلانيّة الأداتيّة،

والفصل الجذري بين المعرفة والإيمان، وهشاشة الديمقراطيّة، والمظالم الاجتماعيّة، واختلال موازين

العدل في المجتمعات الحديثة، وتوحّش النظام الاقتصادي العولمي، والسياسة الأيكولوجيّة الكارثيّة،

وطغيان المجتمع الاستهلاكي وما قاد إليه من تذبذب في غائيّات الحياة. إنّ الفرضيّة الأساسيّة التي نحاول اختبارها في هذه الورقة هي عدُّ المطلب الأخلاقي هو المسألةَ

الجوهريّةَ في نقدِ الحداثةِ وتشخيصِ أزمتها، وحجرَ الزاويةِ في مشاريعِ إعادةِ تأسيسِهَا، وعدُّ الدينِ حين

يتمّ الاضطلاع به فلسفيًّا، وليس فقهيًّا، هو الفاعليّة الأكفأ في تقديم الجواب الأخلاقي عن إخلالات

الحداثة. تنبني هذه الفرضيّة على الإقرار بأطروحتين مترابطتين: الأولى ترى أنّ فشل الحداثة النسبي هو قبل كلّ

شيء فشل أخلاقي، إذْ أخفق مشروع التنوير الذي قامت عليه في تأسيسِ أخلاقٍ دنيويّة مستقلّة عن

فرضيّات الدين والميتافيزيقا، تتمتّع بالنجاعة المعقودة عليها، والثانية تقرّ بأنّ تخليق الحداثة بالأخلاق

الدينيّة - بمعنى إدراج الأخلاق الدينيّة في عمق النسيج الهيكلي للحداثة على قاعدة الوصل لا الفصل

بين المعرفة والقيم - يمثّل، إلى جانب مشاركة الشعوب كافّةً في الحياة الحديثة مشاركةً فعّالةً، الأفُقَ

الأشدَّ واقعيّةً ومعقوليّةً لإعادة تأهيل الحداثة حتّى تصبح مشروعًا كونيًّا، لا عولميًّا منحازًا إلى مصالح

بعض الدول على حساب البعض الآخر على نَحْوِ ما هي عليه الآن. تهدف الفرضيّة المذكورة إلى إنهاء أسطورة الحداثة التي تروّجها الدعاية الأيديولوجيّة الغربيّة بوصفها

صيغة عليا ونهائيّة لتطوّر البشريّة، وإثبات أنّ الحداثة، إذا لم تَأخُذْ في الاعتبار العُمْقَ الأخلاقي للدين

وتنَوُّعَ عَالَمِنَا الروحي، ولم تَنْفَتِحْ إيجابيًّا على كلّ العالم، بحيث تتمكّن كلّ المجتمعات من المساهمة

الفعالة في بناء الحياة المعاصرة بكلّ أوْجُهِهَا؛ لن تكونَ - أي الحداثة - أبدًا ظاهرةً كونيّةً محقِّقَةً لتطلّعات

الإنسانيّة كافّة. وهذا هو بالضبط مشروع ما بعد الحداثة الأخلاقي. عبّرت عن هذه الفرضيّة في العقود الأخيرة مقارباتٌ عديدةٌ وضعَتْهَا شخصيّاتٌ فلسفيّة وأكاديميّة ودينيّة

متنوّعة المشارب، اخترنا إحداها موضوعًا لمقالنا، وهي مقاربة الباحث في الإسلاميّات، الفلسطيني

الأصل الكندي الجنسيّة؛ وائل بهجت حلّق، كما تتجلّى في كتابه الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة

ومأزق الحداثة الأخلاقي. ومن أجل التعريف بهذه المقاربة تعريفا تحليليًّا نقديًّا، قسّمنا الدراسة إلى ثلاثة أقسام؛ خصّصنا أوّلها

لتحليل مقاربة حلّق لأزمة النموذج الحداثي وبيان موقع الأخلاق منها، وخصَّصْنَا ثانِيهَا لتحليل فلسفة

الأخلاق البديلة التي اقترحها حلّق؛ وثالثَها لنقد مقاربة حلّق نقدًا يفتح الأفقَ على مقاربةٍ قد تكون أقدرَ على تمَثُّلِ المشكلة وتجاوزها.

أولا: أزمة النموذج الحداثي

مشروع نقدي جذري

في طَرْقِ سؤال الأخلاق في الحداثة من وِجْهَةِ نظرٍ نقديّةٍ، كان يمكننا أن نختار شخصيّة عربيّة أخرى

تملك رصيدًا فكريًّا نقديًّا وتنظيريًّا لا يُستهان به، مثل المفكّر المغربي طه عبد الرحمان. فعبدُ الرحمان

مُطَّلِعٌ بعمقٍ على نوَاحٍ أساسيّةٍ من الفلسفة الغربيّة، مرتبطٌ وثيقَ الارتباط بالتراث الروحي والثقافي

الإسلامي، منظِّرٌ لفكرة الحداثة الجوهريّة أو الحداثة البديلة، مقتنعٌ بالقيمة الجوهريّة للأخلاق الدينيّة

والروحانيّة في حياة الإنسان. غير أنّنا اخترنا وائل حلّق موضوعًا للدراسة لعدّة اعتبارات؛ لم نختره لأنّه صاحبُ مساهمة مُهِمّةٍ في

مجال الفكر الأخلاقي فحسب، بل لأنَّ له – مع ذلك - موقعًا فكريًّا وثقافيًّا متميّزًا في نطاق الدراسات

الإسلاميّة والقانونيّة، ولأنّه أيضًا أكاديمي ومفكّرٌ عربي مسيحي، غائصٌ في البحث الاستشراقي منهجًا،

نَقْدِيٌّ تُجاهَهُ في مستوى المبادئ والأطروحات والأهداف. ومع أنّه ينتمي فعليًّا ومهنيًّا إلى الحداثة

وإلى المجتمع الغربي، فإنّه عُرِف بكونه ناقدًا جذريًّا لهما، مجادلًالنموذج السياسي والأخلاقي

الغربي، ملتقيًا في ذلك بعديد المفكّرين الغربيّين. وعُرِف أيضًا بحرصهِ على بناء خطابٍ يتوجَّهُ في

آنٍ إلى النُّخْبتَيْنِ الغربيّة والعربيّة الإسلاميّة، عبَّرَ من خلاله عن إيمانه العميق بإمكان إنشاءِ تيّارٍ فكري

وروحي عالمي من كلّ الثقافات، يلتقي على نقد الحداثة ويحمل مشروعا تجَاوُزِيًّا لها، يستعمل لغة

حديثة يتقاسمها الجميع، ليست كاللغة الشخصيّة المتكلَّفَة التي استوحى طه عبد الرحمان مفرداتها

الغريبة من التراث الديني القديم. نمَتْ رُؤْيَةُ حلّق الأخلاقيّةُ والأنثروبولوجيّةُ عَبْرَ كتاباتهِ المختلفةِ، حتّى بلغَتْ ذرْوتهَا نُضْجًا وَوضُوحًا

في كتابهِ الأخيرِ الدولة المستحيلة الذي يَعْنِينَا حَصْرًا هنا. مثَّلَ هذا الكتابُ حينَ صدورهِ أوّلَ مرّةٍ

بالإنكليزيّة سنة 2012 حدَثًا معرفيًّا وثقافيًّا، فوقع تعريبهُ ونشرهُ بسرعةٍ اعترافًا بِأهَمِّيَّتهِ وبحاجةِ الساحةِ

الثقافيّة العربيّة إليه. فهو يأتي في سياقٍ يتَّسِمُ بالصراع العالمي المحتدِّ، وَبِتذَبْذُبٍ وَانقسامٍ عربيَّيْنِ

يُنْذِرانِ بخطرٍ مُسْتَطِيرٍ. يَظْهَرُ بجلاءٍ من الكِتابِ أنَّ حلّق يَقِفُ من الحداثةِ موقفًا نقديًّا، وينخرِطُ في تيّارٍ نقدي عامٍّ، لأصحابهِ

دوافعُ مختلفةٌ، لاهوتيّةٌ وأخلاقيّةٌ بالنسبة إلى البعض، وإنسانويّةٌ وما بَعْدَ استعماريّةٍ بالنسبة إلى البعض

الآخر. ويبدو أنّ حلّق يجمع بين الاعتبارين، ويضيف إليهما اعتباراتٍ ذاتيّةً أخرى نتَبيَّنُهَا خلالَ

التحليل. أدرك حلّق أنّ النقد الإسلامي وحدَهُ لا يَفِي بالغرض، وربّما لا تتجاوز آثارهُ بعضَ الدوائرِ الإسلاميّةِ

المحدودة. فحرص على إبراز نقاط الاتّفاق المنهجي والإستراتيجي بينه وبين التيّارات النقديّة الغربيّة،

ودعا إلى الْتِحامِ الجميعِ في مشروعٍ نقدي واحدٍ، مُطَالِبًا بتجاوز النزعات النرجسيّة والخصوصيّات

الضيّقة، والتحرّر من سطوة فلسفة التنوير والعقلانيّة الأداتيّة، والقبول بمبدأ التنوّع والاختلاف. فالأزمة

ليست أزمة المسلمين وحدهم، بل هي أزمة العالم بكلّ مكوّناته. غير أنّ المسلمين، لأسباب تاريخيّة

وثقافيّة، مدعوّون في رأيه إلى أن يكون لهم دور ريادي في اقتراح البدائل. ومن أجل الوفاء بذلك

عليهم الدخولُ في حوارٍ تفاعلي بنَّاءٍ مع غيرهِمْ، وأن لا يَرْضَخُوا للنزعة العالميّة، ولا يتنازلوا للنظام

العالمي عن حقوقهم. لم يكن غريبًا في سياقنا العالمي المضطرب أن يَعُدَّ حلّق إخضاعَ الحداثةِ للنقد الأخلاقي بهدفِ إعادةِ

هيكلتِهَا على نحوٍ مختلفٍ حاجةً ماسّةً للإنسانيّةِ عامّةً، وليس فقط للمجتمعاتِ المتضرّرةِ منها. فقد

بدا له أنّ استمرارَ البشريّةِ المادّي والروحي، وخروجَ المجتمعاتِ الحديثةِ من أزمتها العامّة يتوقّفان على هذا النقد، وما يستتبعه من تعديلات جوهريّة في النظام الاجتماعي والحياتي الراهن. لذلك مثَّلَ

نقدُ الحداثةِ الملْمحَ العامَّ لمشروعه كُلِّهِ، وظهر منذ عتبة الكتاب الأولى، نعني عنوان الكتاب؛ الدولة

المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي. وبشّر بهذا المنزع النقدي في الصفحات الأولى من المقدّمة، ولم يتوقّفْ النقدُ حتّى آخرِ صفحةٍ من الكتاب.

(1) Wael B. Hallaq, The Impossible State: Islam Politics and Modernity's Moral Predicament (Columbia: Columbia University Press, 2012), p. 272.

(((صدر مترجمًا إلى العربيّة في طبعة أولى سنة 2014، وفي طبعة ثانية سنة 2015، انظر: وائل حلّق، الدولة المستحيلة: الإسلام

والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي، ترجمة عمرو عثمان، ط 2 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2015 (((المرجع نفسه، ص 295-294، 297.

إنّ ميزة الموقف النقدي لحلّق أنّه - في إطارِ بحثٍ مفتوحٍ يَعدّهُ صاحبهُ مشروعًا نقديًّا بنائيًّا في آن -

يتّهم النموذجَ الحداثي في جملته، ويسلّط الضوء على نتائجه المدمّرة للحياة والكون، ويربط هذه

النتائج بنظامٍ سياسي اقتصادي يجد بِدَوْرهِ جذُورَهُ في مفاهيمَ ونظريّاتٍ تَأسَّسَتْ في إطارِ مشروعِ

التنويرِ الغربي، ويَردُّ موضعَ الخللِ الرئيسَ في هذا البناء إلى الوضع الهامشي للأخلاق في الحداثة.

لذلك كان كتاب حلّق مشروعًا نقديًا أخلاقيًا يستهدف الحداثةَ أسُسًا ونظامًا ونتائجَ؛ بهدف الوصول

إلى بناءٍ نفسي اجتماعي سياسي اقتصادي جديدٍ، يكون أشدّ أخلاقيّةً وإنسانيّةً وتلَاؤُمًا مع الطبيعة

والعالم. قد تُشْعِرُنَا بعض الأفكار والأحكام النقديّة التي بلورها حلّق بأنّه يَقِفُ مَوْقِفَ الرافضِ المُقَوِّضِ

للمشروعِ الحداثي بِرُمَّتهِ. لكنَّ الحقيقةَ غيرُ ذلك، ويتضح هذا في مواضِعَ عديدةٍ ومِفْصَلِيَّةٍ من الكتاب.

ونحن نقرّ بأنّ خطاب حلّق في هذا الموضع يَلفُّهُ الكثيرُ من الغموض والالتباس؛ بسبب كثرة إحالته

على مفكّرين غربيّين ناقمين على وجوهٍ عدّوها عدميّةً في الحداثة، وبسبب جذريّة النقد الذي وجّهه

هو نفسه إليها وإلى التنوير، وعدمِ وضوحِ العلاقة بين فكرتَيِ الحداثةِ وما بعد الحداثة عنده، وضبابيّةِ

موقفهِ ممّا سمّاه بالحكم الإسلامي. غير أنّ الصورة تزداد وضوحًا عندما نتقدّم في التحليل. من الناحية التقنية، وفَّرَ حلّق كلَّ ما يَلْزَمُ لإكسابِ مشروعهِ النقدي كفاءةً منهجيَّةً محترمَةً وقدرةً واسعةً

على التفكيك. فاستند إلى شبكةٍ من المفاهيمِ النقديّة ذاتِ العمقِ الفلسفي، استقى مُعْظمهَا من فلاسفة أوروبّا وعلماء اجتماعها وقانونها. لعلّ أبرزها: «النموذج» Paradigm، و«ما بعد - التنوير» Post- Enlightenment، و«ما بعد - الحداثة» Post-Modernity، و«النطاق المركزي» Domain Central، و«النطاق الهامشي أو الثانوي»؛ و«تقنيات النفس أو الذات» Self the of Technologies؛ و«فن العيش». وظّفها في إيصال نقده الأخلاقي للحداثة إلى أبعدِ مَدى مُمْكِنٍ: الركائزِ التأسيسيّةِ لنموذجها

المجتمعي، وهي التنويرُ والعقلانيّةُ الأداتيّةُ وأخلاقُ القوّةِ والذاتُ المتحرّرةُ مِنْ كُلِّ التزامٍ مُتعَالٍ. يمكن التمييزُ بين ثلاثِ بنى في الحداثةِ انْصبَّ عليها نقدُ حلّق: البنية السياسيّة والاقتصاديّة، والبنية

الفلسفيّة، والبنية الأخلاقيّة.

نقد البنية السياسيّة والاقتصاديّة للحداثة

ذهب حلّق في نقده لهذه البنية إلى حَدِّ وَسْمِ الحداثة ب «مشروع الدمار» لكونها المسؤولَ عن الكوارث

الثلاث الكبرى التي حاقَتْ بالعالم؛ تدمير البيئة الطبيعيّة بفعل «النزعة التصنيعيّة» وأسطورةِ «التقدّم»،

وتفكيك الروابط الاجتماعيّة والأسريّة وخلق فرد «مغترب متشظّ ونرجسي» في ظلّ سيادة رأسماليّة

الدولة، والتبعات الأخلاقيّة والتداعيات المعرفيّة للمشروع الحداثي التي تنعكس بالسلب والتدمير

على كلّ وجوه الحياة الاجتماعيّة والطبيعيّة.

(((انظر تعريفًا مختصرًا لها في: المرجع نفسه، ص 302-299، إضافة إلى مواضع عديدة مبثوثة في سياقات مختلفة من الكتاب. (((المرجع نفسه، ص.35-34

وقد تأتَّى للحداثةِ إلحاقُ هذا الضررِ البليغِ بالعالم لأنّ مقاليدها آلت على نحو طبيعي إلى الدولة الليبراليّة التي باتت منذ عقود تهيمن على العالم من دون مُنَازِعٍ تقريبًا. تمكَنَّ هذا النموذج السياسي

الاقتصادي من فرض سيادته ونظامه وقيمه على الجميع بفضل ثلاثةِ أعمدةٍ شكَّلَتْ مصدرَ قُوَّتهِ

وجبروتهِ: «الطبيعة العسكريّة للدول الإمبراطوريّة القويّة، والتغولّات الثقافيّة الخارجيّة، والسوق

العالميّة الرأسماليّة - الليبراليّة الهائلة». هذه الأعمدة مترابطةٌ متلازمةٌ يُدَعِّمُ بَعْضُهَا بَعْضًا ويوجِّهُهَا

شعارٌ واحدٌ: مزيدًا من القوّة من أجل مزيدٍ من الهيمنة والربح. للتمكّن من تحقيق هذا الهدف على أوسع نطاقٍ، فرضَ النظام الليبرالي على جميع الدول وَضْعًا جديدًا

يُعرَف بالعولمة التي هي ليست سوى «خلق سوق عالمي واحِد وموحَّد يعمل بحسب قواعدَ قانونيّةٍ

مشتركة وعامّة، بل متطابقة» تخدم مصالحَ الدولِ الرأسماليّة القويّة لا غير. وكان من مستلزمات هذا

النموذج إنشاء «إنسان اقتصادي هدفه الحصري والأساسي هو الربح المادّي». بناءً على هذا التشخيص، نَفْهَمُ لِمَ تركَزَّ نقدُ حلّق للعولمة على النموذج الرأسمالي. فالنماذجُ غيرُ

الرأسماليّة - في نظره - ذاتُ دَوْرٍ ثانوي على الصعيد العالمي، وهي حتّى في حالِ وجودِها مفروضٌ

عليها انتهاجُ قواعدِ العلاقاتِ الرأسماليّة في معاملاتها بقطع النظر عن استحسانها لها أو امتعاضها

منها.

نقد البنية الفلسفيّة للحداثة

لم يكن الوجه السابق من النقد المنصرف إلى التجلّي السياسي والاقتصادي الهيمني للحداثة نهايةَ المطافِ في مشروع حلّق النقدي؛ فهذا النقد لا ينال سوى المظهر الخارجي من الحداثة ومن النظام العولمي المعبِّر عنها حاليًّا. لاحظَ حلّق أنّه توجد وراء هذه البنية السياسيّة والاقتصاديّة للحداثة بنيةٌ

أعمقُ يجب أن تُسْتَهْدفَ، هي بنيتها الفلسفيّة التي تُحِيلُنَا مباشرةً على فكر التنوير ومبادئه ومقولاته.

إنّ ما يهمّ حلّق أكثرَ، هو تأكيدُ كَوْنِ النظامِ السياسي والاقتصادي العالمي المنبثقِ من الحداثة يستندُ

إلى أساسٍ فلسفي قيمي يجعله، على الرغم من وحشيّته ومخَاطرهِ التي تهدّد الطبيعة والإنسان معًا،

مشروعًا تقدّميًّا في نظر المستفيدين منه. هذا الأساس الفلسفي القيمي سليلُ الحداثةِ، معبِّرٌ عنها، ولا

قيمة ولا صدقيّة له خارجها.

(((المرجع نفسه، ص.270 (((المرجع نفسه، ص 283، 297-296. ولتأكيد محوريّة قيمة المال في نموذج الحداثة ودورها في الحط من القيمة الذاتيّة للعالم

ول نإإسان نفسه، صدّر حّق الفصل السادس «عولمة متحرّشة واقتصاد أخ قااي» من كتابه بشاهد دالّلغيورغ شيمل Simmel

Georg، من كتابه فلسفة المال The Philosophy of Money يقول فيه: «يُنظر إلى المال في كلّ مكان على أنّه هدف، وهو ما يؤدّي

إلى الحطّ من قدر أشياء لا تُعدّ ولا تُحصى، واعتبارِها مجرّدَ وسائلَمع أنّها في الحقيقة غاياتٌ بحدّ ذاتها»، انظر: المرجع نفسه،

ص 249. (((«إنّ الأسواق والاقتصادات التي تتحكّم في هذه الحركة الهائلة نحو العولمة وتوجّهها هي أسواق واقتصادات رأسماليّة وليست

اشتراكيّة أو مساواتيّة أو شعبويّة. فالعولمة هي على نحو واضح مشروع الدولة الثريّة القويّة والشركات العملاقة التي تديرها ظاهريًّا

هذه الدول. وهذا مشروع مفروض عمومًا على الدول الضعيفة. وقد صادف أن كان النموذج السياسي - الاقتصادي لهذه الدول

القويّة هو المشروع الليبرالي، حيث لا يمكن العثور على أيّة قوّة اقتصاديّة - سياسيّة مهمّة أخرى»، انظر: المرجع نفسه، ص 252.

بهذا الاعتبار ينصبّ نقد حلّق في هذا المستوى من التحليل على الحداثة ذاتِهَا وأسُسِهَا ومنطلقاتِهَا،

لا على ثمارِهَا ونتائجِهَا الاقتصاديّة والسياسيّة. إنّ مزيّةَ الذهابِ في النقد من القريب إلى البعيد هي

أنّه يُجَلِّي صُورَ تشابُكِ البنيةِ السياسيّة والاقتصاديّة للحداثة ببِنْيَتِهَا الفلسفيّةِ القيميّة، ويكشفُ الكيفيَّةَ

التي تَصْنَعُ بها الأولى نَمُوذجهَا القِيمِيَّ الخاصَّ المعبِّرَ عن فلسفتِهَا وأهدافِهَا وتطلّعاتِهَا، ويوضّحُ لماذا

تفرضه على الجميع باسم الكونيّة Universalism والإنسانويّة Humanism. بِفَضْلِ هذا الربطِ، يُحيلُ نقدُ قيمةِ المالِ في النظام الليبرالي مباشرة على مفهوم العقل المنفصل عن القيمة والأخلاق الذي يمثّل أحد أبرز أعمدة المشروع التنويري الغربي. ويستنتج حلّق من ذلك - مُتَّبِعًا خُطَى جون غراي Gray John - أنّه ليس في الإمكان تجاوزُ التنوير الليبرالي، والمرورُ إلى مجتمع

ما بعد التنوير، من دون نقدٍ معمَّقٍ للحداثة والفلسفة الليبراليّة وتقاليد الحضارة الغربيّة، ومن دون

التخلّي عن عدد من التصوّرات الفلسفيّة والالتزامات الجوهريّة والمحوريّة المؤسِّسة لها. يشمل ذلك

بعبارات غراي التخلّيَ عن «تصوّرات معيّنة عن العلم والأخلاق»، وعن ضروبٍ راسخة وعريقة في

التقاليد الغربيّة في فهم الدين، وعن «التصوّر الإنسانوي للبشريّة على أنّها محلُّ الحقيقةِ المميَّزُ، ذلك

التصوّرُ الذي يعبّر عنه البحث السقراطي والوحي المسيحي، والذي يعاود الظهور في شكلٍ علماني

وطبيعاني في مشروع التنوير الخاصّ بالانعتاق الذاتي الإنساني من خلال تنامي المعرفة». فليست

الأنوار في جوهرها سِوَى مَنْحِ العقلِ كاملَ الثقةِ والاستقلالِ، وعدّه كفيلً بِنَقْلِ الإنسانِ إلى الرشد التامّ،

وتحريرهِ من كلّ أنواع الوصاية والخضوعِ للقوانين التي لا تنبع من وعيه وضميره؛ وهو ما يجعل العقلَ في النهاية هو المنشِئَ الوحيدَ للأخلاق. تَرْجِعُ إلى حدٍّ بعيدٍ جملةُ التصوّراتِ المعبّرةِ عن النظرةِ الحداثيّةِ الليبراليّةِ إلى العالم، إلى العقلانيّة

التنويريّة التي جرّدت العالَم تجريدًا تامًّا من القيمة عبر تمييزها الجذري بين «ما هو كائن» و«ما ينبغي

أن يكون»، أو بين الحقيقة والقيمة؛ ما أدّى إلى نزع القيمة من العالم الطبيعي الذي صار يُنظَر إليه بفعل ذلك - بحسب عبارات حلّق - «على أنّه ‘متوحّش’ و‘بليد’»، وأنّه في جوهره ليس «سوى المادّة في حالة حركة [...] بكماء» عارية من كلّ ما يمكن أن يوجِّهَ سلوكنا حيالها. والأثر الأخلاقي المدمّر لهذه النظرة واضح ومباشر بحسب حلّق؛ ف «عندما تُجرَّد المادّة من كلّ قيمة، فإنّها لا تظلّ جزءًا من الروح

الكونيّة، وهذا يسمح لنا بالتعامل معها كشيء ودراستها وإخضاعها لتحليلنا العقلاني المستقلّ في مدَاهُ

الكاملِ من دون أن تترتّب لها علينا حقوق أخلاقيّة». وتفضي هذه النظرة التشييئيّة إلى العالم، والقائمة

على الفصل بين العقل والأسباب، إلى نتيجةٍ أخلاقيّة عمليّة خطرة، تسمح بكل ضروب الانحراف

المميِّزة للتصنيع الرأسمالي في مرحلته المستهترة بالطبيعة، وللنظام العولمي غيرِ الآبهِ بالشعوب

الضعيفة؛ تتمثّل هذه النتيجة في اضطلاع العقل العملي «المستقلّ» بمهمّة التشريع للأخلاق، من دون

(((المرجع نفسه، ص.297-296

(10) Antoine Tine, «Jürgen Habermas: entre pluralisme et consensus. La réinvention de la modernité?» Ethiopiques (Revue négro-africaine de littérature et de philosophie), no. 64-65 (1 er et 2 ème trimestre, 2000), p. 8, accessed on 2/1/2017, at: http://ow.ly/bfaF30e6gWK

حاجته إلى مراعاة أيِّ اعتبارٍ خارجَه. وهذا ينقلنا إلى نقد البنية الثالثة الأعمقِ والأوْكَدِ للحداثة، وهي

بنيتُهَا الأخلاقيّة.

نقد البنية الأخلاقيّة للحداثة

أدرج حلّق كتابَه - مِنْ جهات المنهج والمضمون والغاية - في جهد النقد الأخلاقي العالمي للحداثة. فوصفه في المقدّمة بأنّه «مقالة في الفكر الأخلاقي أكثر من كونه تعليقا على النواحي السياسيّة أو

القانونيّة». وأعلن في موضع آخر أنّه «مشروع أخلاقي من الطراز الأوّل، ومحاولة للبناء على الذات

التاريخيّة من أجل التوجيه الأخلاقي»، وأنّه «مشروع للنقد الأخلاقي [...] والبديل الأخلاقي». ولم

يكن الرجل في هذه التقريرات بعيدًا من الصواب، فقد حضر الانهمام الأخلاقي في مجمل الكتاب، وبصورة شديدة التركيز في الفصلين الأخيرين منه. أرجع حلّق نشوء أخلاق الحداثة إلى الفلسفة الكانطيّة التي عدّها المؤسِّسَ الحقيقي لنموذج

الفصل بين المعرفة والقيمة، وهو ما أدّى إلى فقدان الأخلاق دورَها في توجيه النظام والسلوك، وفسحَ المجال لظهور كثير من الشرور والمظالم. كان حكم حلّق في هذه المسألة شديد الوضوح

والقطع: «إنّ تقهقر الأمر الأخلاقي إلى مرتبة ثانويّة وفصله بصورة عامّة عن العلم والاقتصاد والقانون وما إلى ذلك كان في جوهر المشروع الحديث، وهو ما أدّى بنا إلى تشجيع أو إهمال الفقر والتفكّك الاجتماعي والدمار البغيض للأرض نفسها التي تغذّي البشريّة وتوفّر لها كلاّ من الاستغلال المادّي والقيمة». يمثّل هذا النقد استهدافًا مباشرًا لفلسفة الأخلاق الليبراليّة؛ إذ يقودنا الربط الجدلي بين النظرة المعرفيّة

الأداتيّة إلى العالم والتعامل الليبرالي النفعي المحض والمشيّئ للطبيعة، إلى نتيجة تقوّض مزاعم

التعالي عن الأخلاق في المعرفة الحديثة. فالتصوّر المجرّد من الأخلاق والقيمة للعالم هو في نهاية

المطاف تصوّر أخلاقي آخر، يفضي إلى أخلاق القوّة والسيطرة والمنفعة والفرديّة والاستغلال؛ وليس -

كما تدّعي «النظرة الكانطيّة التي تهيمن على النموذج الأخلاقي الحديث» بعبارات حلّق - تصوّرًا

خاليًا من البعد المعياري الأخلاقي. على أنّ الربط الذي يصرّ عليه حلّق بين الحقيقة والقيمة يجب أن لا يجرّنا إلى إطاحة استقلاليّة العقل

الإبستمولوجيّة وبمقولة العقل المحض، لأنّ ذلك قد يقود إلى انهيار المعرفة العلميّة برمّتها. يظلّ هذا

التخوّف إشكالً قائمًا يتحدّى مشروع حلّق، ولا مناص لمن يتّفق معه في المقاربة من أن يتصدّى له

(1((حلّق، ص.288-286 ((1(المرجع نفسه، ص.24 ((1(المرجع نفسه، ص.49 ((1(هما الفصل السادس، وعنوانه «عولمة متحرّشة واقتصاد أخلاقي»، ص 273-249؛ والفصل السابع، وعنوانه «النطاق المركزي

للأخلاق»، المرجع نفسه، ص.297-275 ((1(المرجع نفسه، ص 36.

بالعمق الإبستمولوجي المستحَقّ، إذ لا يكفي نقدُ فلسفةِ الأنوار وإعلانُ مَوْتِهَا. يجب اقتراحُ تصوّراتٍ

فلسفيّةٍ بديلةٍ منها تتمثّلها ثمّ تتجاوزها. وما لم يحصل ذلك سيظلّ التنوير أفُقًا لا مَحُِيصَ عنه للعقل

الحديث، وهو ما نراه قائمًا إلى الآن. بناءً على نقدٍ ثلاثي الخُطى قمنا بإبرازه، توصّل حلّق إلى تحديد موضع الداء الأساسي في النموذج

الحداثي، ويتمثّل في المنزلة الهامشيّة المفروضة على الأخلاق. إنّ أعمّ ما يميّز الدولة الغربيّة الحديثة

في نظره هو أنّها أنزلت الأخلاقَ «إلى منزلة النطاق الثانوي». وفي المقابل - وهذه نتيجة منطقيّة جدليّة

من تلك - جعلت نطاقها المركزي «هو الاقتصادي والسياسي وليس الأخلاقي». وهذه الحقيقة تنطبق على مجمل «الحداثة وعولمتها المتزايدة». وقد نبع هذا الاختيار المجحف من المشروع المركزي للتنوير الذي يقوم على «استبدال الأخلاق المحليّة والعرفيّة والتقليديّة وكلّ أشكال الإيمان المتعالي

بأخلاق نقديّة وعقلانيّة قُدّمت كأساس لحضارة كونيّة [...] تحت إمرة العقل البشري الذي انفصل

أخيرًا عن المبادئ الأخلاقيّة التقليديّة». ثمّة، إذًا، خلل أصلي في منظومة الحداثة يتّصل بالأخلاق، يفسّر جدليًّا سائر الإخلالات الأخرى

الملحوظة في المستويات الأيكولوجيّة والاقتصاديّة والسياسيّة وفي علاقة الدول والشعوب بعضها

ببعض. وهذا يفرض أن يكون مُبتدَأ إصلاحِ الحداثةِ ومركزهُ هو فلسفة الأخلاق، ويقتضي إعادة النظر

الجوهريّة في مسألة الفصل بينها وبين المعرفة. غير أنّ ذلك سيكون بالضرورة مشروطًا بمراجعة فلسفة

الأنوار التي تمثّل أساس التصوّر الأخلاقي في الحداثة، وبتغيير نمط عيشنا بأسره. وهذا لعمري

مشروع معرفي ومجتمعي ضخم لم يتخطَّ عند حلّق وعند غيره إلاّ بقدْرٍ ضئيلٍ حدَّ النيّات وإبانةِ

مشاعرِ الامتعاضِ، إلى شِعابِ التفكيرِ والإنجاز.

ثانيًا: فلسفة أخلاق بديلة

بين الكونيّة والخصوصيّة

يتّسم مشروع حلّق كما أسلفنا بطابعه النقدي الشامل. غير أنّ النقد عنده يستلزم بالضرورة تفكيرًا جدّيًّا

في البدائل، لأنّه لا فائدة تُرْتجَى من نقدٍ لا يُفضي إلى أفكار تساعد في تجاوز الأزمة التي سلّطنا الضوء

عليها عبر ذلك النقد. ولم يكن لديه أيّ تردّد في الاعتراف بأهليّة الخزّان الديني والثقافي الإسلامي لأنْ

يكون المنبعَ الرئيسَ للقيم الأخلاقيّة التي على أساسها يمكن إعادة النظر في بنَى الحداثة. ما الدلالة الثقافيّة لهذا الاعتراف بالمرجعيّة الإسلاميّة للأخلاق؟ هل يروم حلّق من خلاله تجاوزَ

نموذجِ الحداثةِ جذريًا، وإحلالَ نموذجٍ اجتماعي سياسي اقتصادي ثقافي جاهزٍ محلَّهُ، كما يسعى

له كثير من دعاة الإسلام السياسي؟ أم يرمي إلى الإبقاء على المكوّنات الأساسيّة للنموذج الحداثي،

((1(المرجع نفسه، ص.293 ((1(المرجع نفسه، ص.40 ((1(المرجع نفسه، ص.297

مع إعادة هيكلته على قاعدة فلسفة أخلاقيّة جديدة من شأنها إحداث التغييرات المطلوبة في بنَاه

المختلفةِ؟ لا يبدو الجواب عن هذا السؤال بديهيًّا. فحلّق، من جهةٍ أولى، ينتقد الحداثة نقدًا جذريًا ويحذّر

المجتمعات الإسلاميّة وغير الإسلاميّة من تضييع خصوصيّاتها والانسياق وراء وَهْمِ اللحاق

بركب الحضارة. وهو، من جهة أخرى، لا يقترح أطروحات جديدة تُذْكَر في مستوى النظريّات

والمؤسّسات السياسيّة والمعرفيّة والتربويّة. لقد نُظِرَ إلى واقعةِ عدَمِ تحوُّلِ كثيرٍ من المجتمعات

إلى مجتمعات حداثيّة على الطراز الغربي، على أنّها فشلٌ ناجمٌ عن ضعفٍ في الاستعداد لدى هذه

المجتمعات، إذْ استعصَتْ عليها الحداثة بكلّ ما تحمله من معاني التقدّم وقيم التحرّر والعقلانيّة

والتنظيم البراغماتي والديمقراطيّة، وهو ما منح التفسيراتِ العنصريّةَ لدى البعض صدقيّةً مغلوطةً.

أمّا حلّق فرأى في هذا الفشل فرصةً لهذه المجتمعات لا يَجْدرُ بها هدرُها كيْ تتمكّنَ من تطويرِ

نماذجَ أخرى قادرةٍ على أن تكونَ أفضلَ وأرقى من النموذجِ الذي وفَّرَتْهُ الحداثة، وذلك بالإقبالِ

الجدّي على استثمارِ المواردِ الذاتيّة الثقافيّة والروحيّة والاجتماعيّة والطبيعيّة، وتثمينِهَا والبناءِ

عليها. هل تَعني هذه الدعوةُ تغذيةَ النزعات الخصوصيّة والمحليّة وإقرارَها فلسفيًّا، وهو ما يوحِي به رفض

حلّق الصريح للنزعتين العالميّة والإنسانويّة؟ أم تعني الإقرارَ بكونيّةٍ أخلاقيّة جديدة قد يمثّل

الإسلام في المستوى المعياري لُحْمتهَا وسدَاهَا؟ وهل توجد صيغة وُسْطَى تتلاءم مع هاتين النزعتين

المتناقضتين؟ يبدو موقف حلّق من هذه المسألة جدليًّا. فهو لا يدعو العالمَ إلى الأخْذِ بما يسمِّيهِ نظامَ الأخلاقِ

في الإسلام، ويبدو أقرب إلى ترك كلّ شعب يطوّر فلسفته الأخلاقيّة الخاصّة به المتلائمة مع ثقافته

وشخصيّته. لكنّه يدعو الجميع إلى التفاعل وتبادل التجربة، ويحرّض المسلمين بصفة خاصّة على

ذلك في علاقتهم بالغرب. في إطار هذه الرؤية التركيبيّة المفعِّلة للذات، المجذِّرة لها في التاريخ القريب والبعيد، لَمْ يرَ حلّق أيَّ

((1(«إنّ أفريقيا وآسيا في أغلب الأحوال مستمرّتان في كفاحهما من أجل اللحاق بالغرب، وفي أثناء هذه العمليّة لا تكتفيان

بالتخلّي عن مزايا البناء على تقاليدهما وتجاربهما التاريخيّة التي شكّلت هويّتهما وكيف صارتا جزئيّا إلى ما صارتا إليه، بل تتركان

نفسيهما تنجرّان أيضا إلى حروب مدمّرة وفقر ومرض وتدمير لبيئتهما الطبيعيّتين. إنّ الحداثة التي تحدّد المؤسّسات والتي يحدّد

مفكّرو الغرب الحديث القوي خطابَها المهيمن، قد أجحفت بحقّ ثلثي سكّان العالم الذين فقدوا تاريخهم، وفقدوا معه طرائق

وجودهم العضويّة»، انظر: المرجع نفسه، ص 33.

(2((«يمكن للمسلمين ونخبهم الفكريّة والسياسيّة، خ لاا عمليّة بناء المؤسّسات الجديدة التي تتطلّب إعادة صياغة قواعد

الشريعة وتقديم تصوّر جديد للمجتمع السياسي، أن يتفاعلوا، ويجب أن يتفاعلوا مع نظرائهم الغربيّين في ما يخصّ ضرورة جعل

الأخ قااي النطاق المركزي. وهذا يتطلّب من المسلمين تطوير مفردات يمكن لهؤلاء النظراء المحاورين أن يفهموها، مفردات

تهتمّ ضمن ما تهتمّ بمفهوم الحقوق في سياق ضرورة بناء تنويعات للنظام الأخ قااي تناسب كلّ مجتمع. هنا يجب أن يكون

المسلمون المشتركون في هذه العمليّة مقتنعين وأن يبذلوا قصارى جهدهم الفكري لإقناع الآخرين -بما في ذلك المسلمون

الليبراليّون- بأنّ النزعة العالميّة (Universalism) وأيّ نظريّة حقوق ذات طبيعة عالميّة لا مصير لها إلاّ الفشل». انظر: المرجع

نفسه، ص 295-294، 296.

وجه من وجوه الشذوذ في أن يعتمد المسلمون على مصادرهم الأخلاقيّة التاريخيّة. فالغرب الحديث

نفسه «عوّل وما يزال على خمسة قرون من التجارب والتراث، وعلى عصرَيِ النهضة والتنوير والفكر

الليبرالي». وبعضُ النقّاد الغربيّين للحداثة يسعَوْنَ لإحياء النموذج الأخلاقي الأفلاطوني والأرسطي

والطومائي. ومن الطبيعي - تبَعًا لذلك - أنْ يكون للمسلمين الحقّ في أن يرجعوا إلى تراثهم، ويتحدَّوْا

«تلك السرديّة التقليديّة [الغربيّة]، ويطوّروا بصورة متزايدة تاريخهم الخاصّ»، ولا سيما أنّ التراث

الخاصّ بهم «تراثٌ ضخم وثري يضرب بجذوره في قرون من الإنجازات الثقافيّة». غير أنّ المسلمين لن يفعلوا ذلك تكريسًا لنرجسيّة ثقافيّة أو قوميّة، بل سيفعلونه لفائدة الحداثة والعالَمِ

كلِّه. ليس في ذلك - بحسب حلّق - ادّعاء ولا مبالغة، ف «ثمّة الكثير ممّا يمكن للمسلمين أن يفعلوه

كي يسهموا في إعادة تشكيل الأخلاقيّات الحديثة». يساعدهم في ذلك كون «النطاق المركزي في

عصر الدين التقليدي هو التنشئة الأخلاقيّة والتعليم الأخلاقي والتطلّعات الدنيويّة الأخلاقيّة». كما

تساعدهُمْ حقيقةُ كَوْنِ مَوْرُوثهِمْ الأخلاقي يعكس تجربةً تاريخيّة معيشة، لا أفكارًا نظريّة عن مجتمعٍ

«لم يعش فيه أحد». هنا تنقلب نظرة حلّق الإيجابيّة إلى التاريخ والمجتمع الإسلاميّين إلى ضرب من الإعلاء والتمجيد

والحلم بالريادة لا نجد تفسيرًا لها إلا كونها ردَّة فِعْلٍ مُوَازٍ على ما تمارسه العديد من دوائر الغرب

ضدّ المسلمين من تهميش وتحقير. إنّ هذا الموقف التمجيدي لحلّق ليَقُومُ دليلً على أنّ اليوتوبيا

ليست دائمًا مصنوعةً من أحلام خياليّة، بل قد تكون شيئًا يضرب بجذوره في وقائع التاريخ ومعطيات

المعرفة.

مظانّ فلسفة الأخلاق الإسلاميّة

إذا كان الموروث الأخلاقي الإسلامي بهذا الحجم وهذه الأهميّة، فأين نجده؟ وكيف يُمْكِنُ عمليًّا

تسديدُ السلوكِ الفردي والجماعي الحديث استنادًا إليه؟ يتجلّى هذا الموروث - بحسب حلّق - في أربعة مصادر تتمتّع بمكانة مرموقة في الثقافة الإسلاميّة، هي: النصّ المؤسِّس وهو القرآن، ومنظومة

الأركان الخمسة، ومنظومة الكليّات الخمس أو مقاصد الشريعة، والشريعة. في التعريف بفلسفة القرآن الأخلاقيّة، اكتفى حلّق بإشارات مقتضبَةٍ؛ ففي معرض التصدير للفصل

السادس «عولمة متحرّشة واقتصاد أخلاقي»، استشهد بمجموعة من الآيات رأى فيها نقيضًا أخلاقيًّا

لتوجّهات الحداثة الغربيّة في المجال المالي، من حيث إنّ القرآن يربط كسب المال واستعماله ربطًا

عضويًّا بالأخلاق، ويشرط الإيمان والسعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة بالاعتراف بحقّ الفقير

والضعيف والجار والغريب والأجير في جزءٍ ممّا نملك، خلافًا للنموذج الليبرالي المتوحّش المتغلّب

((2(المرجع نفسه، ص 36-37،.48 ((2(المرجع نفسه، ص.295 ((2(المرجع نفسه، ص.39 ((2(المرجع نفسه، ص 38-37،.271

على العالم الذي لا يأبه للآخرين إلا ليأخذ منهم المزيد، ويجعل لصاحب المال سيادة مطلقة على ما يملك. في هذا السياق ألحّ حلّق بصفة خاصّة على أنّ ملكيّتنا للمال وللأشياء بصفة عامّة ليست ملكيّة

حقيقيّة، بل مجازيّة؛ إذ الله وحده هو المالك بحقٍّ لكلّ شيء، وهو وحده المتصف بما يسمّيه حلّق

«الملكيّة الأصليّة ذات السيادة». يترتّب على هذا الأصل أنّ ما يتخلّى الأغنياء عنه من المال - على

وجه الزكاة أو الإحسان - لفائدة الفقراء إنّما هو «حقّ لهم»، وليس مِنَّةً أو عطاءً من مِلْكٍ شخصي يأخذه

الفقير من موقع الذلّ والصغار. وفي ما يخصّ المصدرَ الثاني للأخلاق الإسلاميّة، بيّن حلّق أنّ أركان الإسلام الخمسة الاعتقاديّة

والعمليّة (الشهادتان، الصلاة، الزكاة، الصوم، الحجّ)، تحمل برنامجًا يجسّد قيم الدين الأخلاقيّة،

ويضمن للمؤمن حياة روحيّة إيجابيّة مع نفسه ومع الآخرين، ويوصل إليه رسالة بسيطة ودقيقة تعكس

فلسفة القرآن الأخلاقيّة والوجوديّة، مؤدّاها: «اعْرِفْ مكانكَ في العالم، واعرف طبيعتك الزمنيّة، واعرف

أنّك مخلوق كجزء من مجتمع وأسْرة يغذّيان روحك كما تغذّي الزروع والحبوب جسدك، وافهم أنّ

كلّ ذلك هِبَةٌ تأتي مصحوبة بمسؤوليّة تجاه كلّ ما حولك؛ وافهم أنّك لا تملك شيئًا في الحقيقة، وأنّك

ستواجه قضاءك حتمًا، ولن تأخذ معك إلى القبر إلا عملك الصالح وحسن سيرتك؛ وافهم أنّ عليك

واجبات تجاه العالم الذي خُلِقت فيه، وتجاه المجتمع الذي خُلِق من أجلك، وأنّ هذا هو مرتكزك؛ ولا تعتبرْ شيئًا مضمونًا وحقًّا مكتسبًا». إنَّ تمَثُّلَ هذه الرسالةِ بعمقٍ كفيلٌ بتأطير السلوك المالي والاجتماعي للأفراد والجماعات تأطيرًا أخلاقيًّا

يحول بصفة ذاتيّة بينهم وبين أنماط السلوك الرأسمالي، القائمة على الاستغلال والجشع ومراكمة

الثروة بلا حدٍّ. هذه هي النتيجة التي يوحي بها كلام حلّق، وهي نتيجة صحيحة في المستوى النظري

المجرّد. لكنّ السلوك المالي والاجتماعي للأفراد يَتِمَّان في إطار أوضاع وأحكام وإكراهات متنوّعة

ليست الأخلاق إلا إحداها. ولا ريب أنّ عدم أخذِنَا كُلَّ هذه المعطيات في الحسبان يجعل تقديرنا للنتائج المنتظرة مغلوطًا. المصدر الثالث للأخلاق الإسلاميّة هو الكليّات الخمس، أو ما يُعرَف على نطاق أوسع بمقاصد

الشريعة الإسلاميّة (حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل) التي تحدّد في نظر حلّق اتّجاهاتِ

القانونِ الأخلاقي في الإسلامِ وأهدافَهُ، وتلخِّص معنَى الإسلامِ العامَّ من نصوصه وتعاليمه. ولئن جاء

(2((استشهد بالآيات التالية: ﴿فأمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى. وصدَقَّ بِالحُسْنَى. فسَنُيَسِّرهُ للْيُسْرَى. وأمَّ ا مَنْ بَخِلوَاسْتَغْنَى. وكَ ذَّبَ

بِالحُسْنَى. فسَنُيَسِّرهُ ل لْعُسْرَى. ومَا يُغْنِي عَنْهُ مَالِهُ إِذَا تردَّى. إِنَّ علَيْنَا لَلْهُدَى. وَإِنَّ لنَا لَلْخِرةَ وَالأُولَى. فأَنْذَرْتكُمْ نَارًا تلظَّى. لاَ يَصلْاهَا

إلِاَّ الأشْقَى. الَّذِي كذَّبَ وتَولَّى. وسَيُجنَّبُهَا الأَتْقَى. الَّذِي يُؤْتي مَالَِهُ يتَزكَّى﴾ (الليل: 18-5 ينَ)؛ ﴿إِنَّ المُتَّقِينَ فِي جنَّاتٍ وَعيُونٍ. آخذِ

مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلذَلكَِ مُحْسِنينَ. كَانُوا قَلِيلً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ. وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفَِرُونَ. وَفِي أَمْوَالهِمْ حَقٌّ لِلسَّائلِ

وَالمَحْرُومِ﴾ (الذاريات: 19-15)؛ ﴿وأمَّا السَّائلَِفلاَ تَنْهَرْ﴾ (الضحى: 10)، انظر: المرجع نفسه، ص 249.

(2((لدعم هذا الرأي، أحال حلّق على دُفعة أخرى من الآيات القرآنيّة، انظر: المرجع نفسه، ص. 109

((2(المرجع نفسه، ص.282

اكتشافها ثمرة من ثمار العقل الفقهي الحيّ، فإنّ ظهورها صار ممكنًا بفضل «مشروع استقرائي» أنجزه

الفقهاء في مرحلة اكتمال الفقه وبلوغه أعلى درجات النضج. ولا شك - بحسب حلّق - أنّ كلّ كليّة

من الكليّات الخمس ذات أهميّة في حدّ ذاتها، إلا أنّ جدواها وفاعليّتها لا تتحقّقان على الوجه الذي

ترمي إليه فلسفة الإسلام الأخلاقيّة إلا حين ينضمّ بعضُها إلى بعض، وتأخذ كلّ واحدة منها موقعها

ورتبتها ضمن المجموع، فيكتسب النظام الأخلاقي في عمومه معناه الكامل الذي لا تقدر كلّ كليّة

بمفردها على الوفاء به؛ إذ «لا بدّ لكلّ منها أن تتّكئ على الكليّات الأخرى وتتداخل معها، محافِظة على

علاقة اعتماد متبادل في ما بينها». المصدر الرابع هو الشريعة، وقد ذهب حلّق في فهمها مذهبًا يقوم على عدّها أخلاقًا بالدرجة الأولى.

لم يرَ فيها أحكامًا وقوانينَ فقط - كما دأب على إبرازه مؤرّخو الفقه - بل عدّها ذاتَ معنى مُزْدَوِجٍ. فهي

تفيد مِنْ وجهٍ القوانينَ المنظِّمةَ للحياة العامّة والخاصّة - وهذا هو المعنى الثانوي للشريعة - وتفيد من

وجه آخر المبادئَ الأخلاقيّةَ التي تستند إليها تلك القوانين، وهذا هو معناها الجوهري. فليست الشريعة

في الجوهر - بحسب حلّق - سوى «مجموعة مبادئ أخلاقيّة مدعومة بمفاهيم قانونيّة». هكذا ترتدّ الشريعة إلى معنيين مترابطين عضويًّا لكنّهما غيرُ مُتسَاوِيَيِ الأهميّة؛ أحدهما هو الأحكام

الفقهيّة التقنيّة الماليّة والاجتماعيّة وغيرها، وهو المكوّن الثانوي للشريعة، وخاصيّته أنّه ذو طابع

إجرائي محدود. والآخر هو القانون الأخلاقي الكلّي الذي تهدف تلك الأحكام إلى تحقيقه وتجسيده، وهو المعبّر عن الوضع النموذجي للشريعة من حيث هي «نظام أخلاقي يشكّل فيه

القانون أداة وطريقة خاضعتين للمنظومة الأخلاقيّة العامّة ومنشبكتين فيها»، من دون أن يصبح

ذلك القانون هو الغاية الأخيرة. ف «القانون في الشريعة أداة للأخلاقي، وليس العكس». هذه الطبيعة الأخلاقيّة المتعالية للشريعة هي بالذات ما يؤهّلها لأن تكون المنطلق لمراجعة المشروع الحداثي

وإعادة بنائه.

نموذج تطبيقي

من مزايا المنظومة الأخلاقيّة في الإسلام التي دأب حلّق على لفت الانتباه إليها بوصفها ليست منظومة

نظريّة مجرّدة، بل منظومة مبدئيّة وتطبيقيّة في آن، جرى العمل بها مدّة طويلة وعلى نطاق واسع في

التاريخ. وهذا يعني أنّها منظومة عمليّة ذات فاعليّة حقيقيّة مجرَّبة في مجالات عديدة، من أهمّها المجال

الاقتصادي. كان هذا المجال يشتغل في المجتمع الإسلامي القديم وفق قواعد الشريعة «لأنّ المجتمع - وهو موضوع الشريعة وغايتها وأساسها - كان شرعيًّا». وحتّى نظام الحكم السياسي الميّال إلى

(2((تمثيل على هذا التكامل، يوضّح حلّق أنّ مجموع الكليّات الثلاث الأولى «تمثّل السياق الذي يمكن من خلاله لكليّة المال

أن تتحقّق وتصبح بنّاءة؛ كما تشترك كليّة المال في جدليّة مع كلّ واحدة من الثلاث الأخريات لتعزيز الكليّة الخامسة». انظر: المرجع

نفسه، ص 264-263. ((2(المرجع نفسه، ص 106-105. ((3(المرجع نفسه، ص.44-43

الاستقلاليّة والغطرسة، كبحَتْ في التجربة الإسلاميّة جِمَاحَهُ «ثقافةٌ ومجتمعٌ لم يعرفا أو يقبلا بصفة

عامّة أيّ شيء غير الشريعة ومنظومتها الأخلاقيّة». ولتأكيد فاعليّة الأخلاق الإسلاميّة، استحضر حلّق نموذجًا تطبيقيًّا في مجالٍ شديدِ الأهميّةِ في العصر

الحديث، وبالغِ الحساسيّة الأخلاقيّة لِكَوْنهِ مُفْعَمًا بالأسباب الداعية إلى الانحراف، هو المجال المالي. بيّن حلّق أنّ الشريعة تُمَكِّنُ النموذجَ الاقتصادي الذي يستند إليها من تجنّب الكثير من وجوه الفساد

المحتملة بفضل توجيهها سلوكَ الإنسان في المعاملات الماليّة توجيهًا أخلاقيًّا متوازنًا. فَمِنْ أجْلِ

دَرْءِ «ممارسات السوق اللاأخلاقيّة»، وضعت الشريعة «آليّات قانونيّة وأخلاقيّة» هدفها «تزكية» المال.

والتزكية مفهومٌ روحي أخلاقي صِرْفٌ ترمي الشريعة إلى تحقيقه عبر آليّات «إيتاء الزكاة والمشاركة في

الأعمال الخيريّة المتعدّدة كالصدقة والوَقْفِ» وغيرِها. وتُعَلِّلُ الشريعة هذه الآليّات بافتراضِهَا وجودَ

إثْمٍ محتمَلٍ في كلِّ عمليّةٍ ماليّةٍ، لأنّ المرْءَ مهما اجتهد لا يمكنه التأكُّدُ مِنْ كوْنِ جميعِ مصادرهِ حلاَلً

والإثمُ يقتضي مسؤوليّةً أخلاقيّةً تُقَابِلُهَا الشريعةُ بالزكاة والصدقة والإحسان. فليس هذا الإثم المحتمل

في العمليّات الماليّة عند المؤمن هَيِّنًا، بل هو «مِنْ الكِبْرِ بحيث يُعتبر باعثًا على غضب الربّ». والطريقة

الدينيّة الناجعة «لتخفيف هذا الغضب هي الاشتراك في الأعمال الخيريّة لمصلحة الفقراء وحتّى عابري

السبيل». لم يكتف حلّق بهذا النموذج التمثيلي الخاصّ، بل سعى لاستخلاص مبادئَ توجيهيّةٍ عامّة من أحكام

الشريعة في مسألة تنظيم اكتساب المال، رآها (بمعيّة شروط أخرى) كفيلة - بفضل ما تفرضه على

المستعملِ من قيودٍ نوعيّة - بِدَرْءِ نوازعِ الفساد المالي لدى الأفراد، ومنعِ اختلال التوازن الاجتماعي

والطبقي. هذه المبادئ ثلاثة، هي: - ردّ الفضل في كلّ كسب أو نجاح نحقّقه إلى الله. - اتّخاذ الغِنَى الروحي والأخلاقي - وليس المالَ والقوّة - هدفًا أسمى في الحياة. - انتهاج منهج متوازن في التنظيم الاجتماعي يراعي مصلحة كلّ الأطراف ولا ينحاز إلى طرف على حساب طرف آخر.

ثالثًا: نقد مقاربة حلّاق الأخلاقيّة

إنّ هذه الصورة الجميلة عن دور الأخلاق الإسلاميّة في تصحيح مسارات الحداثة تصطدم بِشكُوكٍ

واعتراضاتٍ جدِّيَّةٍ تتعلّق بِنوَاحٍ ثلاثٍ في مقاربة حلّق: وجاهة قراءته للشريعة ولأخلاق الشريعة

من حيث هي تجربة متحقّقة في التاريخ؛ ثقته اللامحدودة بقدرة الأخلاق الدينيّة على تأطيرِ الحياة

((3(المرجع نفسه، ص.45 ((3(المرجع نفسه، ص.267 ((3(المرجع نفسه، ص.269

الاجتماعيّة والاقتصاديّة المعاصرة ومنعِهَا من الانحراف؛ الأحكام الجذريّة السلبيّة العامّة التي أطلقها

في شأن الحداثة.

مقاربة مثاليّة لأخلاق الشريعة في التاريخ

الاعتراض الأوّل الذي يمكن أن تواجَه به مقاربة حلّق لأزمة الأخلاق في الحداثة هو طابعها المثالي، وهذا ما اعترف به صراحة ولم يرَ فيه أيّ خلل. فأقرّ بكون الشريعة في خطابه هي فكرة نموذجيّة

مثاليّة يتمثّلها المسلم في اعتقاده ووجدانه، وليست بالضرورة واقعًا مطبَّقًا. بل ذهب إلى أنّ مشكلة

اللاواقعيّة كامنة أيضًا في مفهومَيِ النموذج Paradigm والنطاق المركزي Domain Central المعتمدَيْن

في مقاربته بصورة أساسيّة. فالأوّل يشير إلى نموذج نظري عامّ متحقِّقٍ بصورة ضمنيّة، والثاني يشير

إلى منظومة لم تتحقّق إلاّ بصورة جزئيّة. ونموذجيّة النظام تستمدّ معناها بالذات من كونه يفشل حينًا

وينجح أحيانًا. لذلك لم يرَ حلّق غضَاضَةً في الاعتراف بأنّ الوضع النموذجي للشريعة لا يضمن حياة مثاليّة؛

إذ كلّ المجتمعات تتداخل فيها النطاقات المركزيّة والنطاقات الثانويّة وتتصارع، والشريعة لا

تمثّل في هذا الباب استثناء. لكنّه لاحظ أنّ الشريعة الإسلاميّة بالذات قد لَقِيَتْ، على الرغم

من طابعها المثالي، درجة عالية من التحقّق في الواقع لم تَحْظَ بها المنظومات الأخلاقيّة اليونانيّة

والمسيحيّة التي يعمل كثير من نقّاد الحداثة الغربيّين على استعادتها. وخلاصة الرأي عنده أنّ

النظام الأخلاقي للشريعة لم يكن ناجحًا على الدوام؛ إذ «النجاح الكامل ليس من حظّ أيّ مجتمع في الماضي أو في الحاضر». ولم يكن فاشلً على نحو خاصّ، وهذا يضع «الفاعليّة الأخلاقيّة لهذا

النظام» خارج مجال الشكّ. إنّ هذا الوصف الإيجابي لتأثير أخلاق الشريعة، والزعم بأنّه كان تأثيرًا حاسمًا، لا يمكن تقريره باطمئنان

في حقّ مجمل التاريخ الإسلامي المتميّز بالتنوّع والتفاوت والتقلّب والتناقض والصراع والحروب.

فمن الناحية التاريخيّة، وبحسب ما يتوافر لنا من وثائق، نستطيع أن نتعرّف إلى الفترات والمواضع التي

((3(المرجع نفسه، ص.32 (3((«إنّ طرحنا للنموذج يؤكّد مركزيّة القيم التي يعتبرها هذا النطاق قيمًا مثاليّة تظلّ أهدافًا مرجوّة مميَّزة ومح لأفعال هادفة

حتّى لو لم يَجْرِ التوصّل إلى تطبيقها وتحقيقها، أو حتّى عندما تقوّض القوى المتنافسة في النطاقات المكوّنة للنموذج ذلك التطبيق

والتحقّق»، انظر: المرجع نفسه، ص 42. ((3(المرجع نفسه، ص 46-45. ((3(المرجع نفسه، ص.36 (3((فسّر حلّ ق هذا الوضع المتناقض للشريعة بالقول: «فقد اضطُرّت [الشريعة] للعيش في مجتمع مضطرب كان بحاجة دائمة

لأشكال معيّنة من النظام والتنظيم، شأنه شأن أيّ مجتمع آخر. وقد عرف هذا المجتمع الفلاّح المرهق بالضرائب والمجرم المرابي

الوقح والزوجة التعيسة المهانة. وكأيّ مجتمع آخر [...] كان للمجتمع الإسلامي من شمال أفريقيا والأندلس إلى جاوة وسمرقند

نصيب من البؤس. فقد كان له مَنْ غزَوْهُ واحتلُّوهُ، كما كان له متمرّدوه ونشّالوه ولصوصه وقطّاع طرقه، بل وقضاته الفاسدون أحيانًا.

لكنّ القانون الأخلاقي كان مهيمنًا دائمًا بلا منازع، كما سنرى، واستمرّت خطاباته وممارساته النموذجيّة في تأكيد نفسها بالإنتاج

المستمرّ لنظام معيّن»، انظر: المرجع نفسه، ص 46-45.

ساد فيها نظام الشريعة بما هي قوانين وأحكام يعتقد الملتزمون بها أنّها ذات مصدر إلهي. لكن من الصعب جدًّا أن نعرف بدقّة حجم تأثير الأخلاق المستمدّة من الشريعة في حياة المسلمين في تلك الفترات والمواضع. ذلك أنّه تتوافر لنا مصادر تَنِدُّ عن الحصر متخصّصة في عرض تفاصيل أحكام

الشريعة وشرح قواعدها المنهجيّة (كتب الفقه وأصول الفقه). أمّا ما يتعلّق بتطبيقات الشريعة والتزام

أفراد المجتمع بمعانيها الأخلاقيّة كما بيّنها حلّق فلا يعدو الشذرات والأخبار والحوادث المبثوثة في

مصادر متعدّدة تاريخيّة وأدبيّة وصوفيّة وغيرها. لئن كان للأخلاق الدينيّة عند المسلمين موقع اعتباري كبير وحضور مهمّ في بعض جوانب الحياة

تشهد به مواقف ووقائع كثيرة ذكر حلّق بعضها، فإنّ ذلك لا يعني أنّ كلّ شيء كان محكومًا بالأخلاق، وأنّ الأخلاق كانت لها في معظم الأحيان الكلمة العليا. ليس لهذا الزعم ما يؤيّده في مجال التجربة السياسيّة للمسلمين إلاّ قليلٌ. وقد تكون المجالات الأخرى أفضل حالً من المجال السياسي، لكنّها

لم تكن مختلفة عنه بصورة جذريّة لأنّ مجالات الحياة الاجتماعيّة تخضع عمومًا للانسجام والتناسب.

وحين يختلّ التوازن تحدث انقلابات وثورات تُنْشِئُ توازنًا وانسجامًا جديدين، وهذا ما لم يحصل في

التاريخ الإسلامي إلاّ مرّات قليلة.

قدرة أخلاق الشريعة على منع الطغيان الاجتماعي والاقتصادي في المجتمع المعاصر

بناءً على منطق حلّق؛ فإن فلسفة الإسلام الأخلاقيّة التي لقيت طريقها تاريخيًّا إلى التطبيق – على

الرغم من بعض التعثّر - عبر قوّة النصّ الديني وطاقات الشريعة ومنظومتَيِ الأركان والمقاصد

الخمسة، تستطيع اليوم بناء «إنسان الإسلام الاقتصادي المكوَّن أخلاقيًّا»، والذي يشكّل الركيزة

الجوهريّة ل «الحكم الإسلامي». وهي أيضًا كفيلة - حين تُفهَم وتُطبَّق جيّدًا - ب «صوغ الذات

المسلمة أو المكلَّفِ المسلم وتحقيق أغراض الشريعة والحكم الإسلامي، وبالنهاية تحقيق أغراض فنّ العيش نفسه». ينبني هذا المنطق على الاعتقاد بأنّ الأخلاق يمكنها أن تكون أقوى من القانون ومن النظام السياسي ومن المصالح والغرائز، ومن ثمّ يمكن جعلها النطاق المركزي للنظام، وتأسيس كلّ شيء عليها.

وهذه مبالغة يكذّبها الواقع الإنساني في مجمل المجتمعات قديمًا وحديثًا. فلئن كان للأخلاق مثل

هذا الدور المركزي لدى بعض الأفراد وبعض الأوساط الاجتماعيّة المتديّنة مثل الزهّاد، فإنّه من

الصعب جدًّا أن يكون لها كلّ هذا الدور وهذه القوّة وهذا التأثير لدى عموم الناس في المجتمع، لأنّ

الأخلاق قائمة على الحريّة والالتزام الذاتي التلقائي، ولا يمكن فرضها بالقانون وضغط المؤسّسات

الجبريّة. ولو وقع فرضها بالقوّة لكفّت عن كونها أخلاقًا، ولصارت امتثالً إكراهيًّا لا يحقّق الأغراض

المرجوّة من الالتزام الأخلاقي الإرادي والتلقائي. وبسبب هذا الخلل التجأ حلّق إلى استعمال

عبارات عامّة ومبهمة، وفي أفضل الأحوال أدبيّة، تؤكّد الطابع المثالي لمقاربته ولا تُزيله، من نوع

((3(المرجع نفسه، ص.283-281

«طاقات الشريعة»، و«إنسان الإسلام الاقتصادي»، و«الحكم الإسلامي»، و«صوغ الذات المسلمة»، و«أغراض فنّ العيش». إنّ التوصيف الإيجابي جدًّا لأخلاق الشريعة في التاريخ الإسلامي - حتّى لو صحّ واستقام - لا يدلّ على قابليّة تلك الأخلاق للتطبيق في الزمن الحاضر أو المستقبل حتّى بالصيغة المعدّلة التي اقترحها حلّق. فلئن كان عموم المسلمين يسلّمون اعتقاديًّا بالأركان الخمسة وينطقون طواعية بالشهادتين، فإنّ جزءًا منهم فقط لا نعرف نسبته من المجموع يؤدّي باقي الشعائر من صلاة وزكاة وصوم وحجّ. وفي ما يخصّ هؤلاء، لا نملك المعطيات الكافية التي تسمح لنا بتحليل تأثير الشعائر الدينيّة في سلوكهم

الاقتصادي والسياسي والاجتماعي كمًّا ونوعًا. كما أنّ للمجتمعات الإسلاميّة المعاصرة حظَّها من الشرور التي قد تفوق ما يوجد منها في المجتمعات الغربيّة. ولذلك فإنّ التعويلَ على أخلاق جُرّبت في حقبة سابقة، واستدعاءَها إلى بيئة مختلفة عنها جذريًّا لتكون العامل الرئيس في إصلاح مسارات الحداثة، يُعدّ مجازفة نظريّة غير مأمونة. لعلّه يحسن التخلّص من فكرة العامل الرئيس وإن كان يحيل على الأخلاق، واستبدالها بفكرة العوامل المتعّددة المتضافرة. من الناحية العمليّة، لم يبيّنْ حلّق كيف يمكن للشريعة وأخلاقها أن تشتغل اليوم، سواء أكان ذلك في ظلّ الحداثة أو ما بعد الحداثة، أم كان في ظلّ ما يسمّيه بالحكم الإسلامي. كلّ ما لمسناه منه هو نقدٌ صارم للتطبيق المعاصر للشريعة وللإسلام السياسي وللحداثة، وقولٌ باستحالة الدولة الإسلاميّة على قاعدة الحداثة وقيمها ومؤسّساتها. ففي أيّ بيئة وفي أيّ عالم ستشتغل الشريعة الإسلاميّة إذًا؟ ليس يكفي أن توجد الأخلاق الجميلة في الكتب أو أن تكون قد وُجدت في حياة أناس مضَوْا. بل يجب أن تكون اليوم قادرة على مخاطبتهم وإقناعهم والدخول الفعلي في حياتهم وممارساتهم الاجتماعيّة المختلفة. يتطلب هذا وضع نظريّة في الأخلاق في تناسق مع الثقافة الحديثة، ويتطلّب توافر إطار ثقافي اجتماعي تقدر تلك الأخلاق على التفاعل معه، أي يتطلّب مقبوليّة واسعة من المجتمع، وهو ما لا يتحقّق إلاّ عند وجود أرضيّة ثقافيّة عميقة ملائمة. فهل هذه الأرضيّة متوافرة؟ والمقبوليّة ليست مبدئيّة فحسب، بل تعني الجاهزيّة للتصرّف وفق هذه الأخلاق؛ إذ قد نؤمن من حيث المبدأ بشيء، لكنّنا لا نملك الاستعداد والجاهزيّة والكفاءة الفعليّة لتحقيقه، كإيمان كثيرين منّا بالحداثة والعقلانيّة والديمقراطيّة من دون أن يكونوا قادرين على الانخراط الفعلي فيها. من هذه

الجهة، وفي أحسن الأحوال، يمثّل خطاب حلّق منبّهًا للوعي، أكثر من كونه ممثلً فلسفةً تقترح الرؤى والبدائل.

(4((نبّه حلّ ق إلى أنّ استعادة الأساس الأخلاقي الذي أخذ به المسلمون في الماضي لا تعني «استعادة ممارسات ومؤسّسات ما

قبل الحداثة، بل تعني البناء على تصوّر للعالم يؤكّد قيم الإرشاد الأخلاقي». فالمطلوب هو «محاولة استعادة القيم العليا والشاملة

التي حدّدت الإس ماا وطرائق حياته على مدار ألف عام بشكل نموذجي»، باعتبار أنّ تلك القيم الدينيّة «ما تزال توفّر إجابات

للمشكلات البيئيّة والاجتماعيّة والنفسيّة - الروحيّة التي خلقتها الحداثة». ومن يرفض ذلك هو شخص تحرّكه عقليّة متعنّتة ترفض

التعلّم من الآخرين إمّا بهدف «تحجيم الذات» أو بدافع «النرجسيّة المستكبرة»، انظر: المرجع نفسه، ص 50.

أحكام جذريّة متحاملة على الحداثة

لا يمكنُ أنْ نَعُدَّ اتّخاذَ موقِفٍ أخلاقي نقدي من الحداثة أمرًا شاذًّا في العقود الأخيرة؛ فقد تعالت

أصوات النقد لهذا المشروع من كلّ حدَبٍ. لكنّ النقدَ يَفْقِدُ الكثيرَ من صدقيّته وفاعليّته إذا كان له

طابع انفعالي أو راديكالي أو مثالي. وهذا - في رأينا - مطَبٌّ لم ينجحْ حلّق في الإفلات منه. فهو لم

يتوَانَ عن تحميلِ الحداثةِ المسؤوليّةَ عن جملة الشرور التي تردّى فيها الوضع الإنساني المعاصر؛ فهي

المسؤولة عن «تشجيع أو إهمال الفقر والتفكّك الاجتماعي والدمار البغيض للأرض». ومشروعها «ثبت فشله حتّى في حلّ المشكلات التي صنعها بنفسه». و«آثاره الكارثيّة على العالم الطبيعي»

بادية للعيان. وربما «لا يكون هناك ما هو أضرّ للرجل والمرأة في العصر الحديث من مشروع الدمار

هذا». وفي إطار خلخلة الأسس الأخلاقيّة للحداثة، ردَّ حلّق رَفْضَ الحداثيّين استجلابَ أخلاقِ الشريعةِ

إلى الزمن الحاضر إلى عقدة متمكّنة منهم هي «عقيدةَ التقدّم» التي رأى فيها صورة من تمركز أوروبّا على ذاتها وموقفًا مجحفًا بالثقافات غير الأوروبيّة؛ إذْ تفترض - كما قال كوندورسيه

Condorcet - أنّ «كلّ مجتمعات الماضي، بِغَضِّ النظر عن الجغرافيا والزمن، عاشت واندثرت من أجل أوروبّا الحديثةِ وفي إطار التحضير لها». غير أنّ هذا السلوك الأوروبّي المتمركز على

الذات لا يبرّر في نظرنا هجوم حلّق على فكرة التقدّم ذاتِها وتحقيرهَا؛ فهي من الأفكار البانية

والدافعة نحو الأفضل. بالطبع، في الإمكانِ الحديثُ عن تجاوزاتٍ في فَهْمِهَا وتطبيقِهَا أبْرزَ حلّق

بعضَ الوجوهِ البغيضةِ منها. لكنْ أنْ نَرْفُضهَا مبدئيًّا على هذا النحو، ونَعدّها فِكرةً سلبيّةً في حدِّ

ذاتِها، فذلك سقوطٌ في المنزعِ الأيديولوجي المضادِّ، وإصرارٌ على البقاءِ خارجَ دائرةِ الحضارةِ

العالميّةِ الراهنة. بسبب هذه النظرة السلبيّة القاتمة، بدا حلّق غَيْرَ آبِهٍ للحداثة ومصيرها، غَيْرَ حريصٍ على التمييز بين

ما حقّقته للبشريّة من مكاسبَ تُمَثِّلُ رصيدًا إنسانيًّا عامًّا لا يجوز التفريط فيه، وما وقعَتْ وأوْقعَتْ

العالمَ فيه مِنْ مطبَّاتٍ بسبب الاختيارات السياسيّة والثقافيّة المنحازة، الناتجة من ظهورها وترعرعها في

محضن أوروبّي مسيحي ذي تطلّعات استعماريّة. ولئن سعى في بعض المواضع لتعديل هذه الصورة، فإنّ اقتضاب تحليلاته وغموض عبارته لم يتيحا بناء رؤية يطمئنّ إليها العقل؛ فقد وصف كتابه بكونه «مشروعًا حداثيًّا بقدر الحداثة نفسها». وبما أنّ الحداثة «كمشروع حديث، ما بعد-حداثيّة أيضًا حتّى

النخاع»، فإنّ «ما بعد-الحداثة تفترض الحداثة وتحاول أن تتجاوزها، لكنّها تظلّ حداثة على الرغم من ذلك».

((4(المرجع نفسه، ص.36 ((4(المرجع نفسه، ص.48 ((4(المرجع نفسه، ص.35-34 ((4(المرجع نفسه، ص.55-54 ((4(المرجع نفسه، ص.49

يبدو مشروع حلّق من خلال هذا الوصف حداثيًّا وما بعد حداثيّ وما قبل حداثي في آن واحد. هذا

اللعب اللفظي - المفهومي، على الرغم من ذكائه، ينطوي على قدر غير قليل من الالتباس وربّما من التناقض أيضًا. وهو ما لاحظه سكوت موريسون Morrison Scott في مراجعته لكتاب حلّق، وعبّر

عن شكوكه المنطقيّة المبرَّرة تُجَاهَه. إنّ النقد النسقي للحداثة لا يُفضي إلا إلى مواقف نسقيّة وجذريّة مضادّة تكرّس انشطار العالَم إلى

عوالم متنافرة. ولا تخدم هذه النتيجة مشروع إصلاح الحداثة، ولا تفتح طريق التحرّر والنهوض أمام

الشعوب المهمّشة عالميًّا، وإنّما تغذّي الصراع والحرب. إنّ أزمة الحداثة الأخلاقيّة تتطلّب مقاربةً

تتمتّع بِقَدْرٍ من الواقعيّة والبنائيّة أكبر ممّا وفّرته مقاربة حلّق، وترتكز على مفهوم الوصل الإيجابي -

لا الفصل السلبي - بين أجزاء العالم من حيث كون ذلك شرطًا لاستمرار الحضارة الحديثة ووحدتها وكونيّتها.

خاتمة وآفاق مختلفة

كانت الاعتبارات والمنطلقات الموجِّهة إلى رؤية حلّق النقديّة متأتّيةً من تخصّصه العميق والطويل

زمنيًّا في حقل الدراسات الإسلاميّة القانونيّة والسياسيّة والأخلاقيّة التي مثّلت الشريعةُ بُؤْرتهَا الرئيسة،

ومن إحساسه الذي لا يتزعزع بالانتساب الشخصي إلى الثقافة العربيّة الإسلاميّة، ومن انتسابه عمليًّا

إلى الفضاء الغربي ولكن في الهامش النفسي والاعتباري منه، ومن عدم رضاه عن اختلال موازين القوى العالمي وشعورهِ الحادِّ بِهَيْمنَةِ الليبراليّة في نسختها المتوحّشة على الإنسان والعالم، حتّى إنّه

لم يَكْتُمْ حديثَهُ عن حالة الاغتراب التي يَعْتَقِدُ أنّ المسلمين وغيرَ المسلمين يعيشونها بسبب تلك

الهيمنة. فكان من الطبيعي مع هذا الإحساس بانسداد الآفاق في ظلّ الحداثة أن لا يَأسفَ كثيرًا على فشل هذا

النموذج، بل على فقدانه، وأن يَنْعَاهُ بنفسه ويبحثَ عن مسالكِ إنقاذٍ في النموذج الأخلاقي الإسلامي الذي خبرَهُ بعمق في المستوى النظري والشعوري، ولا سيما أنّ هذا النموذج تعامل تاريخيّا مع إنسانٍ

كاملِ المشاغلِ والاهتماماتِ، إنسانٍ اهتمّ بالعبادة وبأسئلة الوجود وما وراء الوجود، كما اهتمّ بالمال والاقتصاد والحرب والجَمال والزواج وسائر العلاقات الاجتماعيّة والسياسيّة، ونجح نسبيًّا في تأطيرها

وتوجيهها روحيًّا. رأى حلّق في الحداثة نظامًا مَريضًا أصابَ بِدائهِ الكَوْنَ كُلَّهُ. ووجدَ أنّ الأخلاق الدينيّةَ هي

علاجهُ، لا عَبْرَ جرْعَةٍ محدودةٍ تُضافُ إلى البناء القائم، بل بتأسيسٍ جديدٍ للحداثة تحتلُّ فيه

الأخلاقُ الدينيّةُ قاعدةَ النظامِ السياسي والاجتماعي الصُّلْبةَ. وعدّ ذلك كفيلً بنقلنا إلى ما بعد

الحداثة.

(46) Scott Morrison, «Book Reviews,» The Cambridge Law Journal , vol. 75, no. 1 (March 2016), p. 163.

(4((حلّق، ص.49

غير أنّ أطروحته عن تخليق الحداثة وما بعد الحداثة بفلسفة الأخلاق الإسلاميّة الرائعة، بسبب

طابعها المثالي، ربما لا تتجاوز حظوظُها في النجاح النطاقَ الإسلامي في أحسن الأحوال. وهذا النطاق - كما هو معلوم وكما يعلم حلّق جيّدًا - يعيشُ وضعًا مُلْتَبِسًا وإشكاليًّا بَالِغَ التعقيدِ في

علاقته بالحداثة وبما بعد الحداثة وبالشريعة ذاتِهَا. وليس من الواضح كيف ستباشر هذه الفلسفة

الأخلاقيّة عمَلهَا وتأثيرَها في ظلِّ موقفٍ سلبي لحلّق مِنْ مُجْمَلِ القُوَى والمؤسّساتِ السياسيّة

والاقتصاديّة والثقافيّة السائدةِ في العالمَيْنِ العربي والإسلامي؛ يَشْمَلُ ذلك المؤسّساتِ الحكوميّةَ

والمؤسّساتِ المستقلَّةَ والمعارِضةَ على السواء، بما فيها تجربةُ الثورةِ الإيرانيّة وحركاتُ الإسلامِ

السياسي والنُّخَبُ المحدَّثة. لا شكّ أنّ لَفْتَ حلّق الانتباهَ إلى نقائصِ النموذج الحداثي وأهميّةِ الأخلاق الدينيّة في المجتمع

ما بعد الحداثي، له ما يبرّره في البيئات التقليديّة والحداثيّة على السواء. غير أنّ اعتماده على

نظريّة النطاقات المركزيّة والنطاقات الثانويّة من شأنه أن يُفضي إلى تكريس نموذج هيمني غَيْرِ

متوازِنٍ في مكوّناته الذاتيّة، وفي علاقاته بالطبيعة والإنسان. كما أنّ التلويح بنموذج جديد تقوم

فيه العلاقة بين المعرفة والقيمة على الوصل لا على القطيعةِ والفصلِ المُفْضِيَيْنِ إلى التنابُذِ

والهَدْرِ ونفي الآخر، من دون بلورة رؤية إبستمولوجيّة بديلة وكُفْء تتّسق مع نموذج الوصل،

يبقى صرخةً في وَادٍ لا تُجدي نفعًا. نضيف إلى ذلك أنّ وضعَ الأخلاقِ الدينيّة - التي تجسَّدَتْ

تاريخيًّا في نظام الشريعة - في قلبِ مشروعِ مجاوزةِ الحداثةِ، والدعوةَ إلى تشييدِ نظامِ المجتمعِ

ما بعد العلماني على أساسها، فكرةٌ قد تكون جذّابةً لعدد من المسلمين، لكنْ من المستبعَدِ أنْ ينخرطَ فيها غَيْرُ المسلمين؛ ويَصْعبُ أيضًا على كثيرٍ من العرب والمسلمين تقَبُلُّها ما لم

تُقدَّمْ لهم في صيغةٍ عقلانيّة تُوَحِّدُ فلسفيًّا - وليس شِعَارَاتِيًّا فقط - بين مُنْجَزات الإيمان الديني

ومنجزات الحضارة، وتُجَانِبُ بصراحةٍ وجزمٍ المشروعات اليوتوبيّةَ الفاسدةَ عقليًّا لإقامة الدولة

الدينيّة. إنّ النظرة الجدليّة المُقِرَّةَ بتاريخيّة الأشكال والمفاهيم الثقافيّة والاجتماعيّة من جهة، وبضرورة البناء

على تاريخ الذات من جهة أخرى، نظرة واقعيّة ومجدية في الآن نفسه. إلاّ أنّها لكي تُحَقِّقَ الثمارَ

المأمولةَ منها تتَطلَّبُ عقلً حُرًّا مُسْتَنِيرًا وقدرةً ذهنيّةً على توسيع النظر باستمرارٍ وتمَثُّلِ الواقعِ في أوسعِ

أبعادهِ. ويقتضي ذلك في الحالة الإسلاميّة - مِنْ ضمن ما يقتضي - مراجعةَ أسُسِ تقَبُّلِ الدينِ في ضوءِ

اعتباراتِ العصرِ وتعقيداتهِ وتحدّياتهِ. الأمرُ الذي يَصْعبُ أنْ نُجَادِلَ بشأنه في هذا السياقِ هو أنَّ معضلاتِ الحياةِ المعاصرةِ لا تفرض علينا

مراجعةَ مشروعِ الحداثةِ فحسب، بل مراجعةَ فهمِنَا للدينِ أيضًا. وأيُّ مشروع نظري أو سياسي في

العالم الإسلامي لا يأخذ بالمطلبَيْنِ معًا في إطارِ وَحْدَةٍ تصَوُّرِيَّةٍ لا يُمْكِنهُ أنْ يذهبَ بعيدًا. وهذا ما أثْبتَتْهُ

كلُّ التجاربِ العربيّةِ والإسلاميّةِ السابقة، بَدْءًا بمشروعِ الدولةِ القُطْرِيَّةِ الحديثةِ، ووصولً إلى مشاريعِ

إقامةِ الخلافةِ مِنْ جديدٍ.

لقد كانت صِيغةُ التجاوزِ التي اقْترَحهَا حلّق، على الرغم من طابَعِهَا التحفيزي، قطاعيّةً، في

حينِ تحتاجُ أزمةُ الحداثةِ الأخلاقيّةُ إلى بناءِ وحدةٍ عضويّةٍ بين الفكر الديني المستنير والفكر

الحداثي وما بعد الحداثي في إطار رؤية تجمع بينها، وهو ما يقتضي مراجعةَ العلاقة بين هذه الفعاليّات، لا تعديلَ بعضِها لِيلُائِمَ البعضَ الآخرَ ويَخْدمَهُ وِفْقَ نظريّة النطاقات المركزيّة والنطاقات الثانويّة. إنّ الصيغةَ التي تبدو لنا أقدرَ على تحقيق وحدة الحضارة المعاصرة، وتخطّي أزمة الأخلاق المتفاقمة؛ هي الصيغة التي تُعيدُ التفكيرَ في الوضعيّة العربيّة الإسلاميّة والوضعيّة الغربيّة وسائرِ الوضعيّاتِ

السياسيّة والثقافيّة الراهنة من حيث كونها حالاتٍ متداخلةً متفاوتةً متناقضةً، لكنّها تنتمي جميعًا إلى

حضارة واحدة وإلى أفق إنساني واحد، هو الأفق الحضاري الحديث، وأنّها، مِنْ ثمَّ، مدعوّة إلى التقارب وطلب التجانس، والتخلّي عن عقليّة القلاع المغلقة والأسوار الفاصلة. كان هذا هو النهج

الفكري الذي ابتدأه محمّد إقبال وخطَا على دَرْبهِ خطواتٍ مهمّةً يُمْكِنُنا الاستنارة بها ومواصلةُ البناءِ

عليها. وقد عبَّرَتْ عنها مجملُ أعماله الشعريّة والنثريّة، ونطقَ بِهَا بصِفَةٍ متميّزةٍ كتابهُ المحوري تجديد

التفكير الديني في الإسلام. كان إقبال يحتلُّ موقعًا مُنفتِحًا بين «الغرب» و«الشرق» يختلف عن الموقع الذي اتّخذه حلّق. وكان

يعيش وضعَهُ ذاك في أرْيحيّةٍ فكريّة ونفسيّة تامّة. كان، تُجَاهَ «الذات» وتجاه «الآخَر» نقديَّ النزعة

وإيجابيًّا فيِ الوقت ذاته. ولم يكن في تناقضٍ أو في حرب مع أحد. ولم يُحِسَّ بِغُرْبَةٍ تجاه ذاتهِ أو مجتمعه أو تجاه أوروبّا. كان مجالهُ الروحي والأخلاقي وحتّى الفلسفي موصولً عُضْوِيًّا بالإسلام وبثقافته المتنوّعة وبالكتاب الوحيد المعبِّر عنه تعبيرًا كاملً: القرآن. وكان موصولً كذلك بفكر الحداثة وفلسفتها وعلومها وفنونها من خلال مصادرها المتنوّعة. كان يقوم بالذهاب والإياب في الاتّجاهَيْنِ

من دون حواجز نفسيّة أو معرفيّة، ومن دون أن تكون خلفيّتهُ هي خدمةَ أحدهِمَا على حساب الآخَرِ. وكان يشتغل على نموذجَيِ التناهي-اللاتناهي والفصل-الوصل، فاتحًا بفضلهما آفاقًا نظريّة وعمليّة

واعدة، متجنّبًا أن يرى في أحَدِ طرفَيِ النموذجَيْنِ مُطْلَقًا أو نقيضًا نافِيًا للآخَرِ. ولئن صار حضورُ الدين في المجتمع اليومَ أشدَّ التباسًا وتعقيدًا ممّا كان عليه الحال في عصر إقبال، فإنّ معنى ذلك أنّ الدين أيضًا - وليس الحداثة فقط - يحتاج إلى مراجعة وإصلاح جذري في إطار نظرة عضويّة واحدة. وهذا هو بالضبط مغزى مشروع إقبال الفلسفي.

المراجع

References

العربية

حلاق، وائل. الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي. ترجمة عمرو عثمان. ط 2. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015

الأجنبية

Hallaq, Wael B. The Impossible State Islam Politics and Modernity's Moral Predicament.

Morrison, Scott. «Book Reviews.» The Cambridge Law Journal. vol. 75. no. 1 (March

Tine, Antoine. «Jürgen Habermas: entre pluralisme et consensus. La réinvention de la modernité?» Ethiopiques (Revue négro-africaine de littérature et de philosophie),

Columbia: Columbia University Press, 2012.

no. 64-65 (1 er et 2 ème trimestre, 2000).