Return to Article Details Kuwait Symposium on Dialogue Between Religions

ندوة الكويت في حوار الأديان

Kuwait Symposium on Dialogue Between Religions

فريدريك معتوق

الملخّص

كثيرة هي الندوات التي عُقدت حول الأديان خلال العقدين الأخيرين. والواقع أنها أضافت، لبنة بعد لبنة، ومدماكًا بعد مدماك، شيئًا مفيدًا إلى فهم الظاهرة الدينية كما هي معيشة في الكتب السماوية (وهذا هو الأسهل) وعلى أرض الواقع (فيما هذا هو الأصعب)؛ حيث إن الذين يشاركون في هذه الندوات باتوا ينقسمون، من حيث لا يدرون، إلى فئتين: فئة سعيدة ومبتهلة، تجول وتسرح في ما ورد في الكتب المقدسة، وفئة قلقة وشكاكة، تبحث في الأرض عن مآل المتديّنين. وبين ما تقوله هذه الفئة، وما يصدر عن تلك، يتوزّع الحضور على نحو تدريجي.

Abstract

Many symposia concerning religions have been convened over the last two decades. Each has contributed a building block to build an understanding of the phenomenon of religion as lived in religious scriptures (comparatively easier) and in reality (which is more difficult). Participants in these seminars have become unconsciously divided into two groups: one content and pious, involved in the content of scripture; and the other anxious and skeptical, seeking the practical results of religion. Participants of the seminar held in Kuwait in November, 2016 were likewise divided into these two groups.

الكلمات المفتاحية:
  • حوار الأديان
  • الكتب المقدسة
  • الظاهرة الدينية
  • المتدينين.
Keywords:
  • Religious Dialogue
  • Scripture
  • , Religious Phenomenon
  • Believers

Reports

من أعمال الفنان السوري حمود شنتوت، الأمومة.2017

فردريك معتوق | Frederic Maatouk *

ندوة الكويت في حوار الأديان **

Kuwait Symposium on Interfaith Dialogue

كثيرة هي الندوات التي عُقدت حول الأديان خلال العقدين الأخيرين. والواقع أنها أضافت لبنة بعد لبنة، ومدماكًا بعد مدماك، وشيئًا مفيدًا إلى فهم الظاهرة الدينية كما هي معيشة في الكتب السماوية (وهذا هو الأسهل) وعلى أرض الواقع (وهذا هو الأصعب)؛ ذلك أن الذين يشاركون في هذه الندوات باتوا ينقسمون، من حيث لا يدرون، إلى فئتين: فئة سعيدة ومبتهلة تجول وتسرح في ما ورد في الكتب المقدسة، وفئة قلقة وشكاكة تبحث في الأرض عن مآل المتديّنين. وبين ما تقوله هذه الفئة وما يصدر عن تلك، يتوزّع الحضور على نحو متدرج. العملية في حدّ ذاتها سليمة؛ لأنها تأتي تحت سقف جدليّة الحوار، لا الحوار لمجرّد الحوار، خصوصًا أنك عندما تدخل إلى موضوع واسع كهذا تحتاج إلى تبريره، لكي تبرر حضورك في ضوئه. فما معنى حوار الأديان؟ هل هو حوار بين الأديان؟ ومَن هو المعني به أساسًا؟ وهل أن الأديان على استعداد حقًا للدخول في حوار، وهي التي تمترست وتخندقت منذ عشرات القرون في مواقف ومكتسبات وسلطات لا مصلحة لها في التخلّي عنها؟ وإذا كان الناس معنيين بالأمر، فمَن منهم المعنيّ؟ أهو المتديّن فقط، أم المتديّن وغير المتديّن؟ ومن ثمّ مَن ذا الذي سيشارك في الحوار؟ ولمصلحة مَن؟ ولأي فائدة؟ استهل الجلسةَ الأولى، المخصصة لتحديد مفهوم حوار الأديان، اللبناني – الأميركي ميشال متياس الذي قال إن الحوار لا مبرّر له إن لم يحصل تحت سقف العقل والعقلانية. كما أنه حدّد الفئات المعنية به على النحو الآتي: · الفلاسفة والمفكرون. · علماء الدين من الانتماءات كافة. · المربّون (وقد سقطت منه الإشارة إلى الإعلاميين). أما سليمان الشطي، فتناول الموضوع من زاوية منطلقاته الأساسية، فرأى أن من أجل تأسيس حوار ينبغي لنا الانطلاق من مسبّقات معرفية هي: · الإقرار بحقيقة أننا مختلفون. · تجاوز ثنائيات التوزيع المبرم. · الاعتماد على منجزات الحضارة العربية لحلّ جميع المعضلات. لذلك، ينبغي لنا الإقلاع عن اعتبار الآخر عدوًا بالضرورة، على الرغم من أن تنشئتنا قامت على فكرة العداء. ومن هنا نمدّ الجسور مع الآخر، وندخل في عملية أولى تتمحور حول ضرورة فهم هذا الآخر، كما هو، ثم في عملية ثانية نتفاهم مع هذا الآخر على مساحة مشتركة للعيش معًا. في الجلسة الثانية، شدّدت رندى أبي عاد على تقاطع السياسات الثقافية راهنًا، وهو التقاطع المبني على تلاقح حضاري طويل بين الإسلام والمسيحية واليهودية؛ ذلك أن الاختلاف كان محرّك التاريخ

الفعلي، الأمر الذي يعني أن دور الاختلاف كان بناءً، لا سلبيًا ولا معطّلً، فالمشكلة كانت تأتي دومًا من التضاد لا من الاختلاف. من هنا، رأت أبي عاد أن الحوار (الذي يختلف جوهرًا عن مفهوم التفاوض) هو دومًا تأسيسي في مجال العلاقات الإنسانية، مع أنه مجاني، لا يبغي الربح المادي بل التواصل مع الآخر. وبهذا المعنى لا يقوم بالضرورة على إستراتيجية معيّنة. تميّزت مداخلة فهد المطيري من ناحيتها بالشفافية النظرية، فقد انطلقت، منذ البداية، من تشكيك في حوار الأديان كما هو مطروح حاليًا في العالم، لكونه يقوم دومًا على طرح أفكار انفتاحية في الخطب، والتمسك بالممارسات المنغلقة في الواقع المعيش. لذلك، أكدّ المطيري أن الحوار الحقيقي لا يقوم على تسوية أو تلاعب، بل ينبغي له أن يعتمد مبادئ لأي حوار حقيقي تكون على النحو الآتي: · ضرورة الاتفاق بين الأطراف المتحاورة على الانطلاق من صلب الموضوع، لا من أطرافه. · اعتماد ثنائية الإقناع والانفتاح، لا ثنائيات تخاصمية مغلقة. · الاحتكام الدائم إلى العقل، بما في ذلك قبول التشكيك في «الحقائق» الموروثة؛ إذ لماذا يُعتبر الشك أداة مفيدة في العلم ولا يُعتبر أداةً مفيدة في الدين؟ وخلص المطيري في النهاية الى أن حوار الأديان، كما هو مطروح حاليًا، يقوم على أهداف مستحيلة ويدور في فلك الخطاب ليس إلّ. أما طارق زيادة (الذي فاجأ الحضور بأن في إمكان القاضي أن يكون مفكرًا أيضًا)، فقد ركّز كلامه على التجربة التعدّدية اللبنانية، بصفتها تجربة معيشة بين المسلمين والمسيحيين في بلد عربي؛ فبعد توصيف المشهد اللبناني، في صيغته الميثاقية وتوزيعه الطائفي، خلص إلى وجود شعب لبناني واحد، لا إلى وجود إثنيّات وقوميّات وأقليّات؛ ذلك أن الصيغة اللبنانية برمّتها تقوم على قيمة عليا هي العيش المشترك، وهي قيمة يكرّسها الدستور. وعلى هذا الأساس، أكد الملاحظات الآتية: · العيش المشترك في لبنان، إذ تؤكد علاقات الجيرة والتربية اعتماد الانفتاح على الداخل والخارج. كما أن عيد البشارة، والذي غدا عيدًا وطنيًا – دينيًا مشتركًا، يؤكد أن الصيغة ناجحة وممكنة. · لا تلُاحَظ عند أي طرف من اللبنانيين رغبة في تغيير الآخر؛ فالاعتدال الديني يسود جميع المكوّنات المحليّة التي يقبل بعضها بعضًا كما هو. · ثمة إضافة لبنانية حقيقية في مجال حوار الأديان، وهي تقوم على تفاهمات عقلانية ووطنية وثقافية على حدّ سواء. في اليوم الثاني من الندوة، تناول علي بكر الموضوع من زاوية أن حوار الأديان، كيفما حصل، يقوم على توسيع وجود مساحة بشرية واحدة، غير أن هذه المساحة البشرية المشتركة عرضة لعمليات طعن

وتعويق، تقودها الجماعات المتطرفة كافة، شرقًا وغربًا. أما الجماعات المحلية المتطرفة، فإنها بنَت أيديولوجيا تطرّفها على مفاهيم أساسية، خاصة بها وببنيانها الفكري التفسيري المنحاز، وهي: الحاكميّة والتكفير والولاء والبراء، وخاصة، في نهاية التجربة الأصولية المصرية، مفهوم حتميّة المواجهة، علمًا أن هذه المفاهيم كلها مدمِّرة للعلاقة مع الآخر. لذلك، دعا بكر إلى اعتماد موقف داعم لحوار الأديان على قاعدة: · اعتماد إستراتيجيا مشتركة لمجابهة مفاهيم التطرف في الأديان، في موازاة بلورة مفاهيم التلاقي والتعاون والتسامح. · تفعيل دور المؤسسات الدينية الرسمية التي تقوم على مفاهيم دينية معتدلة ووسطية. · تفعيل دور المراكز البحثية المسؤولة عن إنتاج الدراسات والأبحاث القائمة على المقاربة العقلانية. انطلق فردريك معتوقمن ملاحظة ابن خلدون، والتي كتبها قبل ستة قرون ونيّف، وهي أن «الدعوة الدينية بدون عصبيّة لا تتم»، فتساءل: كيف أن العصبية، والتي هي في الأساس رابطة رحم ودم، قبليّة الطابع، أضحت اليوم رابطة دم ودين، بل رابطة دم ومذهب؟ كيف حصل هذا التداخل؟ ومَن الذي دخل على من؟ هذه التساؤلات الإشكالية استدعته إلى الحقل الإبستيمولوجي، فقام بتأصيلٍ تاريخي – معرفي لمفهوم العصبيّة الذي ظهر منذ فجر البشرية، مع القطيع البشري الأول. ثم بيّن كيف أن القطيعة المعرفية الثانية حصلت مع ظهور مفهوم الدين السماوي. لكنّ شيئًا غريبًا قد حصل في الديانات السماوية الثلاث؛ إذ على الرغم من طبيعة الدين المعرفية المختلفة عن طبيعة العصبيّة (ذلك أن بنيان العصبية أرضي ومادي وبنيان الإيمان روحاني وسماوي)، فإن تداخلً ما قد حصل في الحالات كافة، مع تعرّض الأديان للاضطهاد (اليهودية على يد الآشوريين والبابليين ثم الرومان، والمسيحية علي يد الرومان، والإسلام على يد القبائل الوثنية)؛ الأمر الذي دفع الأديان السماوية، تباعًا، إلى الاحتماء بعصبيّات مسلحة. غير أن دخول العصبيّات إلى داخل الأديان سرعان ما أدخل العنف وشرّعه باسم الإيمان، فظهرت مفاهيم دينية عند الجميع، تكفّر الآخر وتسمح باستخدام العنف ضدّه، فتشوّهت الأديان إستراتيجيًا وتغيّرت طبيعتها بتحوّلها، تحت تسميات وتبريرات مختلفة، من حقل الدين كإيمان إلى حقل الدين كعصبيّة، وبرَّرت العنف والدم والسلطة والملكيّة الأرضية. أما الباحثة المحامية الهولندية جوديت سبيغل، فحاولت أن تجيب عن السؤال التالي: كيف يدخل القانون على الدين، في الأحكام المدنية في البلدان الغربية؟ لاحظت سبيغل بدايةً أن العلاقة بين القانون والشأن الديني علاقة معقّدة؛ إذ إنها تقف على الدوام على خط تماس بين الشأن العام والشأن الخاص. فالدساتير كلها تؤكد اعتماد الحرية الشخصية مبدأ أساسيًا، غير أن تطبيق هذا المبدأ العام الجوهري يخضع، في كل بلد كما في كل ظرف، لتمايزات في

الأحكام؛ ذلك أن الحكم في شؤون الممارسات والمواقف الدينية في الغرب (من مسألة الصلاة ومكان العبادة إلى مسألة «البوركيني»؛ أي لباس البحر للنساء المسلمات) يمرّ تحت قوس مزدوج: القانون والأخلاقيات العامة morality. وإذا كان العنصر الأول واضحًا، فإنّ الثاني ملتبس، كما أنه لا يخضع لمعايير موحّدة بين البلدان الغربية المختلفة ولا ضمن البلد الغربي الواحد؛ الأمر الذي يعيدنا إلى مسألة تعقيد الموضوع واستحالة تقديم إجابة واضحة ونهائية عنه. بهذا التواضع العلمي والبحثي اللافت، انتهت هذه الندوة الكويتية الشائقة حول حوار الأديان. وهي ندوة كان قد أشرف على تنظيمها ومتابعتها عبد الله الجسمي، رئيس قسم الفلسفة في كلية الآداب في جامعة الكويت الذي قال، عند افتتاحها: «اتسمت العودة إلى الأديان (غداة انتهاء الحرب الباردة) بمظاهر إيجابية وأخرى سلبية. ولربما وقفت المظاهر الإيجابية خارج منطقتنا، فيما جاءت المظاهر السلبية في واقعنا الذي نعيشه، حيث تعمقت الطائفية، وتجذّرت في مناطق لم تألف الصراع الطائفي من قبل». صحيح أن المفاجأة كانت كبيرة، بل صادمة، غير أن ما يطمئن اليوم هو دخولنا في طور الرد على هذه الصدمة. وندوة الكويت تشكّل، بلا شك، برهانًا ملموسًا على تبلور إرادة عربية جديدة في مواجهة الثور الأسود الهائج... والإمساك بقرنيه.