Return to Article Details Literary Texts in Light of the Transformations of Contemporary Literary Theory: Interpretative Strategies and the Promise of

النص الأدبي في ضوء إبدالات النظرية الأدبية المعاصرة إستراتيجيات التأويل،ورهانات الدراسات الثقافية.

Literary Texts in Light of the Transformations of Contemporary Literary Theory: Interpretative Strategies and the Promise of Cultural Studies

أحمد الجرطي

Ahmed el-Garti

الملخّص

يسعى هذا البحث لمتابعة أهم إبدالات تأويل النص الأدبي من الوضعية النقدية التي قاربت النصوص الأدبية؛ بوصفها حاملة لدلالة أحادية جاهزة هي وليدة تمثيل سياقاتها الخارجية، وبوصف مهمة المؤول تتحدد في اكتشافها، مرورًا بسلطة النصية مع البنيوية بسبب رهنها لنجاعة الممارسة النقدية وإنتاجيتها بتوصيف شعرية النصوص، وتحليل مظاهر أدبيتها ووحدتها الفنية المتجانسة، فضلًا عن خطاب ما بعد البنيوية الذي غالى في متاهة التأويل ولانهائيته من جراء تركيزه على مظاهر الانفتاح الدلالي في النصوص الأدبية، ووصولًا إلى الدراسات الثقافية التي حاولت تجاوز إغراق النظرية الأدبية في النصية ومتاهة التأويل؛ انطلاقًا من المناداة بتجذر النصوص والخطابات في سياقاتها الدنيوية والتاريخية، وتدثرها بأنساق ثقافية مضمرة تشي بالتشابك الوطيد بين المعرفة والسلطة.

Abstract

Abstract: This study is an attempt to approach the transformations of the interpretation of the literary text from Critical Positivism into Cultural Studies which reject the over interpretation of poststructuralism and adopt the concept of worldliness in the interpretation of the literary text. This means that the text is a cultural practice represents the relations between the knowledge and power.

الكلمات المفتاحية:
  • التأويل المطابق
  • النصية
  • التأويل المفارق
  • الدنيوية
Keywords:
  • Literary Criticism
  • Literary Theory
  • Interpretation
  • Cultural Studies

مقدمة

مثَّلت هوية النص الأدبي وإستراتيجيات تأويل أبعاده الجمالية والمرجعية مثار خلاف بين النظريات الأدبية، وما تفرع منها من اتجاهات نقدية شغلت المشهد النقدي الأدبي طوال القرن العشرين، ويعود سر هذا الاختلاف بين النظريات الأدبية والنقدية في توصيف طرائق تكوّن النص الأدبي واكتناه دلالاته، إلى تباين الخلفيات الفلسفية التي استرفدت منها هذه النظريات الأدبية منطلقاتها التصورية في فهم النص الأدبي وتأويله، وساهمت في تعضيد عملياتها الإجرائية وتنسيب رهاناتها المعرفية، فضلً عن اضطلاع السياق الأدبي الذي تتفاعل معه النظريات الأدبية بدور خلاق في تحفيز المنظرين لمساءلة المنجز النقدي السائد، واجتراح إبدالات ومنظورات نقدية وتأويلية مغايرة في مقاربة النص الأدبي، تجدد آليات الدرس النقدي، وتستجيب لخصوصية الحساسيات والمنعطفات الجديدة الحاصلة في سيرورة العملية الإبداعية. ومن هذا المنظور لا يمكن عزل احتفاء النقد الأدبي بشخصية الفرد المبدع خلال القرن التاسع عشر، واتخاذه مدخلً أساسًا لتفسير النص الأدبي عن نشوء نظرية التعبير التي ازدهرت في القرن نفسه، وتصدت لنظرية المحاكاة التي سادت الحقل الإبداعي لقرون طويلة، مشددة على أن التجربة الأدبية هي حصيلة لما تجيش به الذات المبدعة من عواطف وإحساسات، ونوازع داخلية1. كما لا يمكن تفسير تصاعد الاهتمام في النظرية الأدبية الحديثة منذ أواخر القرن التاسع عشر بالسياق الاجتماعي، وما يمور به من صراعات طبقية ومادية لتحليل الدلالات الاجتماعية للنص الأدبي بمعزل عن ازدهار الواقعية الأدبية بمختلف تياراتها، وجمالياتها الانعكاسية التمثيلية التي ناهضت نظرية التعبير والخلق2. وفي السياق ذاته لا يتهيّأ لنا استيعاب الاهتمام الكبير في حقل النظرية الأدبية منذ العقود الأولى من القرن المنصرم، بخصوصية الكتابة الأدبية وشعريتها، من دون استحضار ازدهار تيار الحداثة الأدبية مع مارسيل بروست، وما صاحبها من تحرر من الجمالية الانعكاسية التمثيلية للواقعية، ونزوع نحو التشديد على استقلالية الفن الأدبي، وترهين شعريته بجمالية اللغة، والتكثيف الاستعاري للكتابة، وانزياح عوالمها التخييلية عما ما هو معطى ومنوالي وناجز3. وتأسيسًا على هذا التعالق الشديد بين إبدالات التأويل النقدي للنص الأدبي، وكشوفات المعرفة المتجددة في حقل العلوم الإنسانية، وانتهاك التجارب الأدبية لما هو سائد من تقاليد وسنن أدبية مكرسة، سنحرص في دراستنا النقدية هذه، المعنية بكيفية تغير زوايا تأويل النص الأدبي في ضوء إبدالات النظرية الأدبية المعاصرة، على استكشاف أهم القطائع النقدية التي عرفها الفكر الأدبي في فهم شروط إنتاج النص الأدبي، وتأويل دلالاته، فضلً عن استبطان ما تتشربه هذه القطائع

  1. صالح زياد، آفاق النظرية الأدبية من المحاكاة إلى التفكيكية (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 2016)، ص.24
  2. جابر عصفور، تحديات الناقد المعاصر (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 2014)، ص.30
  3. بيير ف. زيما، النص والمجتمع: آفاق علم اجتماع النقد، ترجمة أنطوان أبو زيد (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2013)، ص.226-225

من مرجعيات فلسفية وإبستيمولوجية، وما تتصادى معه من انزياحات جديدة في أساليب العملية الإبداعية، وطرائقها الأسلوبية والتعبيرية تترك انعكاساتها المباشرة على بنية النص الأدبي وأنظمته الإشارية والدلالية. وانطلاقًا من التمعن في كيفية حضور هوية النص الأدبي في مسار النظرية الأدبية منذ الوضعية النقدية خلال القرن التاسع عشر، ووصولً إلى مد الدراسات الثقافية المهيمن حاليًا على المشهد النقدي العالمي، يمكننا الوقوف، بحسب تصورنا الخاص، عند أربعة إبدالات أساسية جرى من خلالها تقديم منظورات جديدة وفارقة في تأويل النص الأدبي، تنزاح عما هو سائد ومكرس من تصورات ومفاهيم نقدية، وهي الإبدالات التي سنناقشها في المباحث الآتية في هذه الدراسة.

أولا: النص الأدبي وإستراتيجيات التأويل المطابق

المقصود بالتأويل المطابق للنص الأدبي هو تسليم المنظر أو المؤول عوالمه التخييلية والإنسانية على توفره على دلالة أحادية هي التي «قصدها المؤلف بحيث يُختزل رهان القارئ في العثور عليها»4، وهو ما يترتب عنه على صعيد الممارسة النقدية الاهتمام بمدلول النص الأدبي التعييني المباشر، وتهميش غنى عوالمه التخييلية التي ينظر إليها في ظل هذا التصور النقدي بوصفها وسائط أو قنوات جاهزة فحسب، يتبارى في ابتكارها المبدعون لتوصيل مقاصدهم الناجزة الموجودة في أذهانهم، وعلى الرغم من أن جذور هذا التفكير النقدي جذورٌ راسخة في القدم، فإنه يمكن عدُّ فترة القرن التاسع عشر بمنزلة الحقبة النقدية التي سادت خلالها هذه القراءة الخطية التعيينية المتمسكة باختزال هوية النص الأدبي في دلالة أحادية مباشرة، وهي القراءة التعيينية التي ارتبطت بتيار الوضعية النقدية من سانت بوف إلى غوستاف لانسون، ويمكن تفسير دواعي اهتمامه أثناء تفسير النص الأدبي بعلل تكوّنه وشروط إنتاجه، وظروف حياة مبدعه، وقصديته المباشرة بعاملين أساسين: يتجلى أولهما، كما يشدد آن جفرسون وديفيد روبي، في ازدهار العلوم الطبيعية، ونزعتها الجبرية في تفسير ظواهر الكون وأسبابه، ونشأة تيار الوضعية في الفلسفة مع أوغست كونت الذي دعا إلى ضرورة نبذ كل ما له علاقة بالتأمل المجرد والتفكير النظري الخالص، والاهتمام فقط ب «الحقائق المدركة حسيًا»5. ومن امتدادات هذه النزعات العلمية للنقد الأدبي طموح جملة من النقاد إلى نقل مفاهيمها إلى ميدان الممارسة النقدية لإكسابها الروح العلمية، وهو ما تجلّى مع سانت بوف من خلال مناداته بضرورة تصنيف الأدباء في فصائل لالتقاط ملامحهم الخاصة والمشتركة، كما يصنف عالم النباتات نباتاته في عينات وفصائل للتمييز بينها، هذا فضلً عن هيبوليت تين الذي حاول استنطاق النص الأدبي، وتفسير محدداته ومصادره تفسيرًا جبريًّا وآليًّا في ضوء ثلاثة عناصر متضافرة، هي: العرق والبيئة والعصر، ويضاف إلى هذين الناقدين فريديناند برونتيير الذي صب

  1. محمد بوعزة، استراتيجية التأويل من النصية إلى التفكيكية (الرباط: منشورات الاختلاف، دار الأمان، 2011)، ص.90
  2. آن جيفرسون وديفيد روبي، النظرية الأدبية الحديثة تقديم مقارن، ترجمة سمير مسعود (دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1992)، ص.9

جل عنايته على تفسير قوانين تطور النوع الأدبي في ضوء النزعة الداروينية القائلة بالنشوء والارتقاء للجنس البشري6. أما العامل الثاني الكامن وراء اهتمام تيار الوضعية الذي أسس لاتجاه الدراسة التاريخية للأدب بالمعنى الجاهز المرتبط بالقصدية المباشرة للفرد المبدع، فيعود إلى ازدهار المذهب الرومانسي الذي ناهض نظرية المحاكاة المرهنة شروط الإبداع الجيد وإنتاجيته باتباع نموذج القدماء، والامتثال لتقاليدهم المكرسة، مؤسسًا بالمقابل لنظرية التعبير التي أعلت من شأن الفرد بوصفها العملية الإبداعية عصارة لوجدان المبدع، وما يعتمل بداخله من إحساسات ومشاعر ذاتية. وتأسيسًا على هذه المعطيات اختُزلت هوية النص الأدبي مع هذا الإبدال النقدي، في كونه حاملً ل «مضمون ثابت في مواجهة قراء متعاقبين عليهم دائمًا أن يصلوا إليه باعتباره عين الحقيقة في كل الظروف والأحوال»7. لكن ما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق، أنّه على الرغم من تطور النظريات الأدبية التي انطلقت من السياق الخارجي لفهم النص الأدبي، وتفسير دلالاته، فإنها لم تتجاوز في تأويلها النص الأدبي هذه النزعة التأويلية المطابقة الحريصة على الإمساك بدلالة النص الأدبي التعيينية المباشرة، وهكذا لو توقفنا عند نظرية سوسيولوجيا الأدب التي تمثلت المنجز النقدي للدراسات التاريخية للأدب، وتجاوزته إلى تخليص الممارسة النقدية من المقاربة التبسيطية الاختزالية للنص الأدبي، فالملاحظ أنها على الرغم من تنوع طرائقها ومناهجها النقدية في تحليل شروط إنتاج النص الأدبي وتأويله، ظلت مشدودة إلى هذه النزعة التأويلية المسكونة في تمرسها بالأعمال الأدبية بهاجس الوحدة والثبات والمطابقة. ويكفي أن نستعرض في عجالةٍ إستراتيجيات فهم النص الأدبي وتأويله عند أربعة أعلام بارزين من منظري سوسيولوجيا الأدب، ليتضح لنا مدى انغراس هذه النظرية الأدبية في النزعة التأويلية المطابقة. يعد الناقد المجري جورج لوكاتش في طليعة هؤلاء المنظرين الذين يعود إليهم الفضل في تطوير سوسيولوجيا الأدب بسبب تخليصها من مرحلة سوسيولوجيا المضامين التي أغرقت، مع جورج بليخانوف، في البحث خلال تفسير مرجعيات النصوص الأدبية عن معادلها الاجتماعي المباشر الموجود في الواقع الخارجي، منبهًا عن طريق مفهومه المعروف ب «الانعكاس» إلى ما للشكل الأدبي من دور خلاق ومميز في تخصيص علاقة النص الأدبي بالواقع الاجتماعي، والانزياح بها عن إسار الحرفية والمطابقة؛ لكون الشكل الأدبي، بحسب لوكاتش، يشمل جملة من الوسائط التي بفضلها لا يعكس النص الأدبي الواقع الخارجي مباشرةً، بل يعيد صوغه من جديد، وتشمل رؤية الكاتب، وطريقة تضفيرها وتجديلها مع مكونات النص الفنية، وهو ما أشار إليه الناقد ديفيد فورتماكس حين شدد على

  1. أحمد يوسف، القراءة النسقية سلطة البنية ووهم المحايثة (الجزائر: الدار العربية للعلوم ناشرون، منشورات الاختلاف، 2007)، ص.58-57
  2. حميد لحمداني، القراءة وتوليد الدلالة تغيير عاداتنا في قراءة النص الأدبي (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2003)، ص.5

أن الشكل الأدبي عند لوكاتش «ليس شيئًا تقنيًا لغويًا كما هو لدى الشكلانيين ومن بعدهم البنيويين. إنه بالأحرى القالب الجمالي المعطى للمضمون، ويتجلى في معالم تقنية كالزمن السردي والعلاقة المتبادلة بين الشخصيات، والمواقف ضمن العمل»8. إلا أنه، على الرغم من جهود لوكاتش النقدية الكشافة في إخصاب سوسيولوجيا الأدب بمنظورات جديدة للشكل الأدبي، تحتفي بفاعليته المنتجة في تخصيص وعي المبدع بقضايا مجتمعه، يمكن في هذا الاتجاه تأكيد أن تشبع لوكاتش بالفلسفة المثالية الهيغلية المسكونة باستكناه الجوهر المحتجب خلف تناقضات الواقع الخارجي السطحية، قاده إلى التركيز خلال مقاربته للنصوص في استكشاف مظاهر وحدتها وانسجامها، مغفلً بذلك ما تنضح به من ثراء وتعدد دلالي، وهو ما يبرز من خلال مفهومه الشهير «الكلية» الذي يحدد مهمة الفن الروائي الأصيل في «مقاومة ما ولده النظام الرأسمالي من اغتراب للإنسان وتجزيء لذاته بإعادة الوصل بين المتناقضات، وخلق وحدة شاملة بين العناصر المنقسمة تجمع بين العام والخاص التصوري والحسي، السطحي والجوهري»9. ولعل هذا التأويل المطابق للنصوص الإبداعية والذي تميّزت به الجمالية اللوكاتشية، هو ما مضى الناقد الفرنسي لوسيان غولدمان في ترسيخه في بنيويته التكوينية بسبب استمراره بدوره في الامتياح من الرافد المعرفي نفسه الذي استرفده أستاذه جورج لوكاتش المتمظهر في الجمالية المثالية الهيغلية، ومن تجليات ذلك عند لوسيان غولدمان أنه على الرغم من استضاءته بمد البنيوية الذي غمر الفكر النقدي العالمي منتصف الخمسينيات من القرن المنصرم، للوقوف عند الخصوصية النوعية للنص الأدبي قبل تفسير رؤيته للعالم، فإن غولدمان بدوره، ظل منحازًا في ممارسته النقدية إلى مظاهر الوحدة والانسجام في النصوص الأدبية، وليس إلى مظاهر الصراع والتعدد، ويتجلى ذلك من خلال رهنه نجاعة القراءة النقدية باستكشاف بنى النصوص الدالة، وما يسكنها من انسجام داخلي محايث بعيدًا عن أيّ صراع في الرؤى، وازدواجية في الدلالات، وفي هذا النطاق يقول بيير زيما منتقدًا تجذر هذه النزعة التأويلية المطابقة عند لوسيان غولدمان من خلال مفهومه المعروف ب «البنية الدالة»: «وهكذا فإن المفهوم المركزي للبنية الدلالية يفسح المجال لبعض الأسئلة مثل ما هو بالتحديد معنى البنية الدلالية في نص أدبي أو فلسفي، وكيف يختزل النص المتعدد المعنى إلى بنية مفهومية واحدة، أليس من الأفضل التوصل إلى بنية دلالية متعددة مع القراءات المختلفة للنص والتي لا تكف عن التناقض والتنافس»10. استنادًا إلى هذه المعطيات، يعكس لوكاتش وغولدمان في انحيازهما إلى مظاهر التطابق والتماثل في النصوص الإبداعية، طغيان التفكير الفلسفي على الممارسة النقدية، ما جعلهما لا يقدمان داخل أبحاثهما التطبيقية إلماعات نفاذة في تشريح دور البنى اللغوية والتركيبية التي تزدان بها النصوص

  1. جيفرسون وروبي، ص.253
  2. أحمد الجرطي، تمثلات النظرية الأدبية الحديثة في النقد الروائي المعاصر (دمشق: دار النايا، 2014)، ص.32
  3. بيير زيما، النقد الاجتماعي نحو علم اجتماع النص الأدبي، ترجمة عايدة لطفي، مراجعة أمينة رشيد وسيد البحراوي (القاهرة: دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، 1991)، ص.21

الإبداعية، في تشعيب منظوراتها الدلالية للعالم، واجتراح منافذة ثرة أمام المتلقي للتدليل، إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح في هذا النطاق هو: هل استطاعت سوسيولوجيا الأدب في نزوعها، منذ فترة الستينيّات من القرن المنصرم إلى تجديد إوالاتها النقدية، تجاوز هذه النزعة التأويلية المطابقة للنصوص الأدبية بفضل استدعاء مقولات وإستراتيجيات نقدية، أشدّ إجرائية وملموسية، مستوحاة من المناهج النصيّة التي عنيت بشعرية الخطاب الأدبي وتشريح بنيته النصيّة الداخلية؟ وإجابة عن هذا الإشكال الجوهري يمكننا أن نؤكد أنه على الرغم من الاجتهادات النوعية التي قدمها اتجاه سوسيولوجيا النص في تعميق التحليل النقدي لمسألة التضافر بين الاجتماعي والأدبي في نسيج النصوص الإبداعية انطلاقًا من تبئيره لآليات الممارسة النقدية على تحليل كيفية تمظهر وتبنين حمولات النص الاجتماعية عبر مكوناته اللغوية والمعجمية والخطابية11، وعلى الرغم من عدم معالجة هذا التيار للنصوص الأدبية بوصفها بنية منسجمة حاملة لرؤية مركزية متسيدة، مشددة على ما تلتحف به من تعدد وازدواج دلالي، فإن المتمعن في الدراسات التطبيقية التي قدمها منظرو سوسيولوجيا النص البارزون نحو: بيير ماشيري، وتيري إيغلتون، وبيير زيما، يلاحظ تجذر إستراتيجياتهم التحليلية في هذه النزعة التأويلية المطابقة، وهو ما يلوح، مثلً، مع الناقد الفرنسي ماشيري الذي على الرغم من تشديده في كتابه من أجل نظرية في الإنتاج الأدبي على الدور الفائق الذي تضطلع به اللغة في تفكيك أيديولوجيا الكاتب القبلية المتماسكة وتحريفها، فإنّ رهنه نجاعة الممارسة النقدية بتأويل تلك البياضات والفراغات التي تترتب عن تفكيك اللغة للأيديولوجيا داخل النص، للوصول إلى الأيديولوجيا الغائبة النقيض، لا يجعل ماشيري ينداح عن دائرة التأويل المطابق المتشبث في تحليله للنصوص الأدبية بتوفرها على دلالة أحادية مستترة، ولذلك يشبه ماشيري مهمة الناقد في استبطان هذه الدلالة المضمرة خلف فجوات النص وجوانبه الصامتة ب «مهمة المحلل النفسي الذي عليه أن يركز اهتمامه على لاشعور النص أي على ما لا يقال وما هو مكبوت بالضرورة»12. وفضلً عن ماشيري، لا يختلف الأمر مع زيما، أحد أبرز أعلام اتجاه سوسيولوجيا النص، ومن ساهموا باقتدار نقدي نفّاذ في تخصيب سوسيولوجيا الأدب وتطويرها انطلاقًا من انفتاحه على كشوفات المناهج النقدية الأخرى، واستثمارها في استبطان كيفية تكوّن النص الأدبي وتعالق نمطه وبنياته النصية مع الأنساق الاجتماعية والمادية للواقع الخارجي، وقد راوحت هذه الكشوفات بين الحوارية الباختينية، والبنيوية التكوينية، والنظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، والشعرية البنيوية والسيميائيّات، وهكذا بفضل استدعاء زيما هذه المرجعيات النقدية كلّها للوقوف عند مظاهر تعدد النص الدلالي، اتجهت مفاهيمه النقدية كلّها إلى تحليل تجليات تمفصل هذا التعدد الدلالي، والتنافر في المواقف والصراعات الطبقية عبر المستويات اللغوية والتركيبية للنص الأدبي، وتمايزها على صعيد بنياته المعجمية، وهو ما يبرز في مفاهيمه الأساسية المركزية المشكلة لجهازه النقدي، نحو: «اللغات

  1. Pierre Zima, Manuel de Sociocritique  (Paris: Publié avec le concours du centre national des lettres, 1985), p. 125.
  2. رامان سلدن، النظرية الأدبية المعاصرة، ترجمة جابر عصفور (القاهرة: دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، 1991)، ص.40

الاجتماعية» و«الوضعية الاجتماعية اللسانية» و«التناص كمقولة إنتاجية». إلا أن المتفحص في طريقة تفعيل زيما هذه الإوالات النقدية في تمرسه بالنصوص الأدبية، وتأويل أنساقها المرجعية المتناسجة مع بنياتها التركيبية والخطابية، يلاحظ اختزال نتائج تأويلات ممارسته النقدية في دائرة التأويل المطابق. ويكفي الوقوف عند مفهوم زيما النقدي التصوري والإجرائي الموسوم داخل جهازه المفاهيمي ب «التناص كمقولة إنتاجية» الحاضن لإستراتيجياته التحليلية، والناظم لاتساقها المنهجي حتى نلمس إلحاح زيما على ضرورة انتهاء القراءة النقدية والتأويلية للنصوص إلى استكشاف دلالاتها الحاسمة التي تشي من خلالها بانحيازها لوجهة نظر أيديولوجية محددة متصارعة مع أيديولوجيات أخرى في الواقع الخارجي، منتقدًا في هذا التوجه ميخائيل باختين الذي على الرغم من ريادته في إبراز الطابع التناصي والحواري الذي يميِّز الفن الروائي عن باقي الأنواع الأدبية الأخرى، فإنّ انحيازه للرواية الحوارية التي تمتاز بتفرد أوعاء الشخصيات، وتنسيب منظوراتها للعالم بعيدًا عن سلطة الكاتب وتوجهاته الأيديولوجية المسبقة13، جعل باختين لا يولي أهمية كبرى لموقف الرواية الحاسم تجاه قضايا عصرها واشتراطاته المادية والمجتمعية، يقول بيير زيما في هذا السياق: «من الواضح أن الكتابة التخييلية بعيدة عن أن تكون ذات صلة بلغة محايدة تستخدمها أثناء ابتكار تقنيات جديدة، فإنها عكس ذلك تتطور داخل وضعية سوسيولسانية متخذة موقفًا مع أو ضد بعض السوسيولهجات [...] هكذا تكتسب كل فعالية تناصية، كذلك خاصية تذاوتية بمعنى أنها مرتبطة دومًا بالفواعل الجماعية وأيديولوجياتها كما تظهر على المستوى النصي»14. وفي ضوء هذه المعطيات، يتضح لنا أنه على الرغم من التطور الهائل الذي عرفته سوسيولوجيا الأدب في مسارها التنظيري والتحليلي للأدب، وعلى الرغم من تجدد مناهجها النقدية وتشعبها في التمرس بالنصوص الإبداعية بسبب انفتاحها على كشوفات المناهج النقدية الأخرى لتخصيب منطلقاتها التصورية والإجرائية فإنها لم تتجاوز هذه النزعة الحدية الحاسمة في تأويلها للأدب، الحريصة على استبطان دلالاته النهائية التي تنحاز من خلالها إلى مصالح طبقية وفكرية معينة متصارعة في الواقع الاجتماعي.

ثانيًا: النص الأدبي من سلطة النصية إلى ميتافيزيقا النسق

إذا كانت هوية النص الأدبي تحدد بتأثير من هيمنة سوسيولوجيا الأدب على المشهد النقدي العالمي فيما تحيل عليه مكوناته الفنية من مضامين ومدلولات مباشرة، فيمكن عدُّ فترة الخمسينيات من القرن المنصرم بمنزلة نقلة نوعية في فهم الأدب، وتأويله داخل مسار النظرية الأدبية المعاصرة، وقد ارتبطت هذه النقلة النوعية باتجاه البنيوية التي شددت على أن خصوصية النص الأدبي لا تنبجس

  1. ميخائيل باختين، شعرية دوستويفسكي، ترجمة جميل نصيف التكريتي، مراجعة حياة شرارة (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1986)، ص.47
  2. بيير زيما، سوسيولوجيا النص بين الإنتاج والتلقي، ترجمة عبد الحق بيتكمنتي، مراجعة أحمد الدويري (فاس: مطبعة إنفوبرانت فاس، د.ت.)، ص.49

عن طريق ما يتدثر به من مرجعيات ودلالات متواشجة مع أسئلة الواقع الاجتماعي، وإنما عن طريق تضافر مكوناته الفنية الداخلية التي تحقق أدبيته. وإذا كانت البنيوية في نزوعها نحو الاهتمام بشعرية النصوص وقوانينها الداخلية قد استثمرت جهودًا نقديةً سابقة عنيت بتحليل البنية النصية المحايثة للنص الأدبي بعيدًا عن القصدية المباشرة للمبدعين، كما هو الحال مع الشكلانية الروسية والنقد الجديد، فإن اللسانيات السوسيرية تعد هي الرافد المعرفي الأساس الذي وجه البنيوية إلى رفض المقاربات الخارجية للأدب، وترهين علمية الممارسة النقدية وإنتاجيتها بتوصيف ميكانزماته الداخلية، متأثرة بنزوعها نحو دراسة اللغة دراسة سانكرونية بعيدًا عما أطلق عليه اسم الدراسات التعاقبية، ويمكن تحديد أهم المرتكزات النقدية التي قامت عليها الشعرية البنيوية في تحليل النص الأدبي من خلال هذه الرؤية التي يقدمها أحد أبرز أعلامها في الستينيات وهو تيزيفتان تودوروف يقول: «إن الشعرية في اختلافها عن تفسير الأعمال الفردية لا تحاول تسمية معنى، لكنها تهدف إلى الوصول إلى القوانين التي تحكم ميلاد كل عمل، لكنها وهي تختلف في ذلك عن علوم مثل علم النفس وعلم الاجتماع تبحث عن تلك القوانين داخل الأدب نفسه، ومن ثمَّ فإن الشعرية منهج تعامل مع الأدب يجمع بين كونه مجردًا وكونه داخليًا»15. من هذا المنطلق، يمكن عدّ طرائق اشتغال الشعرية البنيوية في فهم هوية النص الأدبي واستنطاق أنظمته الداخلية طرائق تتحدد، كما يكشف تودوروف، في مستويين أساسيْن متضافرين: يتمثل المستوى الأول في إقصاء مدلول النصوص الأدبية، وتبئير آليات الممارسة النقدية على تشريح قوانينها الداخلية وتوصيفها بهدف الوصول إلى أدبيتها، وقد كشف هذا المستوى الأول في مشروع الشعرية البنيوية عن هشاشته؛ لأنه لا يمكن «تقليص دينامية النص في المستوى اللغوي»16، نظرًا إلى ما تتشربه اللغة نفسها من حمولات اجتماعية وثقافية وتاريخية متجذرة في الواقع الخارجي، وهو ما استشعره تودوروف في كتابه «نقد النقد» حين نادى، متأثرًا بباختين، بما أطلق عليه اسم النقد الحواري لتجاوز انغلاق الشعرية البنيوية، والتشديد على الطابع الحواري والتناصي للُّغة. أما المستوى الثاني من آليات اشتغال الشعرية البنيوية في تحليل النصوص الأدبية الذي اكتسى أهمية بالغة في أبحاثها التطبيقية للاستدلال على علميتها ومعياريتها التحليلية، فيتجلى في محاولة نمذجة الأعمال الأدبية في قوانين كلية تجريدية ومتعالية، وقد اصطدم هذا الطموح لدى الشعرية البنيوية في تشييد نسق كوني افتراضي تقاس في ضوء هياكله الناجزة شعرية النصوص وأدبيتها بعائق منهجي؛ وهو أن النصوص الإبداعية لا تظل دائمًا خاضعة لما هو قار من سنن وأعراف أدبية مكرسة، بل سرعان ما تنزاح عن المعيار مؤسسة لتقاليد جديدة في الكتابة الأدبية، وهو ما يُجهضُ محاولات المشروع البنيوي كلها التي تسعى لتنميط الأعمال الأدبية في قوانين كلية ثابتة ونهائية.

  1. Tzvetan Todorov, Introduction to Poetics , Richard Howard (trans.), (Brighton: Harvester Press, 1981(, p. 6.
  2. محمد بوعزة، سرديات ثقافية من سياسات الهوية إلى سياسات الاختلاف (بيروت: منشورات ضفاف، دار الأمان، منشورات الاختلاف، 2014)، ص.33

وتأسيسًا على هذه العوائق المنهجية التي واجهتها البنيوية في تفعيلٍ واستزراع لمفاهيمها في ميدان الممارسة النقدية، انبرت من داخلها أصوات نقدية تنشد تجاوز نزعتها النصية الخالصة والحصرية، مشددة على انفتاح النصوص الأدبية وتعددها الدلالي، ومشروطية إنتاجيتها بالنشاط التأويلي للقارئ كما هو الحال مع رولان بارت، وهو ما أعد لإبدال ثالث في حقل النظرية الأدبية المعاصرة يحتفي بالتأويل المفارق للنص الأدبي.

ثالثًا: النص الأدبي وإستراتيجيات التأويل المفارق

عرفت هوية النص الأدبي وإستراتيجيات تأويله تحولً نوعيًا بعد انحسار المشروع البنيوي، وما تميز به من نزعة نصية خالصة، وظهور اتجاهات خطاب ما بعد البنيوية التي شددت على انفتاح النصوص الأدبية، وتعددها الدلالي، بسبب ما ترشح به من بياضات وفراغات تفترع أمام المتلقي منافذ ثرة للتدليل، وقد تفاوتت هذه الاتجاهات التي مثَّلت خطاب ما بعد البنيوية في إطلاقها عنان التأويل ومساحاته أمام القارئ نتيجة لاختلافها في منطلقاتها الفلسفية ورهاناتها النقدية، وعلى هذا الأساس تحتل تفكيكية جاك دريدا موقعًا لافتًا داخل خطاب ما بعد البنيوية؛ بسبب ما قدمته من منظور جديد لهوية النص الأدبي، يشدد على تعدد مداخله القرائية، ومراوغة دلالاته المستمرة للمتلقي بسبب ما تتميز به دواله من مراوحة لمدلولاتها، وهو ما يبقي الدلالة في إرجاء متجدد يستعصي على التثبيت ويشرع منافذ التأويل على إمكانات لا محدودة. وفي هذا السياق يقول دريدا مضيئًا هذا التصور الجديد للنص الأدبي في ضوء التفكيكية المنادية بانفتاحه الدائم وتدمير طابعه التناصي لكل مركز أو أصل متعالٍ: «ما حدث هو عملية اجتياح [...] أبطلت كل الحدود والتقسيمات، وأرغمتنا على توسيع المفهوم المتفق عليه لما ظل يسمى نصًا لأسباب إستراتيجية [...] نصًا لم يعد منذ الآن جسمًا كتابيًا مكتملً أو مضمونًا يحده كتاب أو هوامشه، بل شبكة من الاختلافات، نسيج من الآثار التي تشير بصورة لا نهائية إلى أشياء ما غير نفسها، إلى آثار اختلافات أخرى»17. واستنادًا إلى هذا الطرح الذي يقدمه دريدا للنص الأدبي المشدد على كونه مجرة من العلامات العائمة، ونسيجًا من الدوال المفارقة لمدلولاتها، ما يجعل الدلالة أثرًا لأثر غائب ومن دون حدود فحسب، يتميز التأويل عند دريدا باللانهائية ولا يخضع لأيّ شروط تقننه وتلْجِمُ لا نفاذيته. لكن ما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق، ونحن نقدم ماهية النص الأدبي في ضوء إستراتيجيات التأويل المفارق عند خطاب ما بعد البنيوية، أنه إذا كان جاك دريدا - وتساوقًا مع رهان التفكيك الرافض لتثبيت أي معنى خوفا من الوقوع في التمركز من جديد - يلغي سلطة النص تمامًا في الإحالة على دلالات وأنساق مادية موجودة في الواقع الخارجي، فيمكن النظر إلى المشروع التأويلي عند الناقد الألماني فولفانغ إيزر المندرج ضمن نظرية التلقي، بوصفه ممثلً لتوجهٍ مخالفٍ لتفكيكية دريدا على الرغم من التقائهما في الإيمان بالتعدد الدلالي للنصوص الأدبية، ومرد ذلك أن إيزر، على الرغم من

  1. Jacques Derrida, «Living On: Borderlines,» in Harold Bloom, Deconstruction and Criticism)New York: Seabury Press, 1979(, pp. 83-84.

دفاعه المستميت عن كون المعنى في النص الأدبي لا يتسم بالجاهزية، بل هو حصيلة لسيرورة القراءة، ونتاجًا للتفاعل بين قطبين: قطب فني مرتبط بالنص، وقطب جمالي مرتبط بالمتلقي18، لا يلغي سلطة النص تمامًا من التوفر على قرائن نصية داخلية ترشد عملية القراءة، وتضمن انسجامها وتماسكها، بل يلح على أن النص الأدبي نص متدثر بجملة من الإستراتيجيات النصية التي توجه القارئ أو المؤول في التفاعل مع النص الأدبي، والمشاركة في توليد دلالاته. يقول إيزر: «يستمد العمل طبيعته الدينامية من وجوده الفعلي، وهذا في الحقيقة شرط مسبق لما يترتب عن العمل من تأثير. فعندما يستعمل القارئ المنظورات المتنوعة التي يقدمها إليه النص كي يصل النماذج والنظرات التخطيطية أحدهما بالآخر، فإنه يجعل العمل في حالة حركة، وهذه العملية نفسها تفضي أساسًا إلى استيقاظ الاستجابات في نفسه، وهكذا فإن القراءة تجعل العمل الأدبي يتكشف عن طبيعته الدينامية المتأصلة»19. ومن بين هذه المنظورات أو الإستراتيجيات النصية التي استفاض إيزر في استقصائها بكتابة «فعل القراءة» وتؤشر على أن انبناء الموضوع الجمالي لا يخضع للذاتية والاعتباطية، نجد مفهوم الواجهة الخلفية الذي يشير إلى عناصر الواقع الخارجي التي يسترفدها النص الأدبي لتشييد مضمونه، ومفهوم الواجهة الأمامية الذي يؤشر على الجهد الذي يبذله المتلقي في متابعة عمليات التحويل التي تخضع لها العناصر الخارجية المنتقاة داخل النص الأدبي20، كما يضاف إلى هذه الإستراتيجيات النصية التي تنظم عملية التأويل، وتحد من متاهته بنية الموضوع والأفق التي تعني عند إيزر «أن واقع الشيء الجمالي الذي يقدمه النص لا يتكون إلا من خلال الربط بين هذه الرؤى المختلفة، وهناك بوجه عام أربع رؤى يظهر من خلالها نمط الرصيد لأول مرة، وهي: رؤى الراوي والشخصيات والحبكة والرؤى المتروكة للقارئ»21. والواقع أنه، على الرغم من الجهد الذي اضطلع به إيزر في الحد من فوضى التأويل، ولانهائيته، وجعله «مرجعية النص الروائي مبنية ومعروضة وفق جمالية إعادة الإنتاج وهي الجمالية التي تقتضي مراعاة التخييل السردي ومكونات النص الروائي السردية والخطابية والفنية»22، فينبغي الإقرار في هذا الاتجاه بأن إفراط خطاب ما بعد البنيوية في التنظير لإشكالية القراءة والتأويل، وتبئير آليات الممارسة النقدية على استكشاف مناطق التدليل في النصوص الإبداعية، جعل اتجاهات هذا الخطاب تُهمِّش السياقات الخارجية للنصوص، وما تمور به من صراعات مادية وأيديولوجية تتخلل عوالمها الفنية، وتتألّف في أنساق وصور وتمثيلات متواشجة مع الهوية والسلطة والماضي والتاريخ، وهو ما كان حافزًا لظهور إبدال رابع في استنطاق ماهية النص الأدبي، وهو إبدال الدراسات الثقافية الذي أعاد

  1. فولفانغ إيزر، فعل القراءة نظرية الاستجابة الجمالية، ترجمة عبد الوهاب علوب (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2000)، ص.28
  2. فولفانغ إيزر، «عملية القراءة: مقترب ظاهراتي»، في: جين ب. تومبكنز، نقد استجابة القارئ من الشكلانية إلى ما بعد البنيوية (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 1999)، ص.114-113
  3. المرجع نفسه، ص.103
  4. المرجع نفسه، ص.104
  5. عبد الرحمن التمارة، مرجعيات بناء النص الروائي (عمان: دار ورد الأردنية للنشر والتوزيع، 2013)، ص.79

من جديد ربط النصوص بسياقاتها الخارجية، ولكن من منظور مغاير يختلف عن الدراسات التاريخية والسوسيولوجية للأدب.

رابعًا: الدراسات الثقافية والتأويلية الدنيوية للنص الأدبي

1. المنطلقات التصورية والإستراتيجيات التحليلية

تتمثل الإضافة النوعية التي قدمها اتجاه الدراسات الثقافية في مسار النظرية الأدبية المعاصرة للقراءة النقدية في تشديده على أن كينونة النص الأدبي لا تتحدد فيما ينضح به من قيم فنية آسرة منبجسة من طاقاته اللغوية والتعبيرية والاستعارية فحسب، وإنما تتحدد هذه الكينونة من طبيعة الأنساق المضمرة داخل النص التي يشيد من خلالها منظوراته للهوية والآخر والسلطة؛ لأنّه كثيرًا ما اندست أنساق وتمثيلات شائنة، باسم هذه الجمالية للأدب، تكرس قيم التناحر والصراع والتعصب العرقي والحضاري، وهو ما أوضحه إدوارد سعيد، أحد أهم منظري هذا الإبدال النقدي الجديد، حينما كشف في تأويلاته الثقافية اللماحة للرواية الغربية عن تواطؤ سردياتها مع الإمبريالية، بسبب تبطنها العديد من التقسيمات الناجزة التي قوامها الإعلاء من شأن كل ما هو غربي؛ لتبرير التوسع الإمبراطوري الأوروبي في أقاصي العالم وترسيخ نموذجيته الحضارية، وفي المقابل، تبخيس كل ما هو لاغربي، لتسويره في دائرة الدوني والمنحط لشرعنة تبعيته واسترقاقه23، ويعد مفهوم «التمثيل»، من هذا المنظور، العصب الجوهري للدراسات الثقافية؛ كونه هو المدخل الأساس لإعادة مساءلة هوية النص الأدبي وتأويل ما يتوارى خلف مستوياته التخييلية من أنساقٍ ورؤى تتشابك وراءها علائق وشيجة بين المعرفة والسلطة، وبسبب هذه الرؤية الجديدة للنص الأدبي المشدد على بعده المادي والدنيوي الذي يسائل من خلاله النص الشروط التاريخية والدنيوية للحظته الحضارية، ويكشف عن صراعاتها الطبقية والأيديولوجية، ناهض إدوارد سعيد اتجاه خطابات ما بعد البنيوية بسبب متاهاتها في التأويل، وتجريدها للنصوص الإبداعية من الإحالة على تجارب مادية معيشة ومستزرعة في العالم الخارجي، بدعوى انفتاحها وقابلية بنياتها التشفيرية والإيحائية لتفجير دلالات لانهائية تستعصي على التثبيت، وذلك لقناعة إدوارد سعيد بأن النصوص هي كيانات موجودة في العالم وممهورة بأسئلة محاضنها التاريخية، ومتورطة في صراعاتها الطبقية والفكرية والسياسية. يقول إدوارد سعيد: «أنا لا أؤمن بأن المؤلفين يتحددون بصورة آلية بالعقائدية (الأيديولوجية) أو الطبقة أو التاريخ الاقتصادي، بيد أن المؤلفين كائنون إلى حد بعيد في تاريخ مجتمعاتهم، يشكلون ويتشكلون بذلك التاريخ وبتجربتهم الاجتماعية بدرجات متفاوتة، إن الثقافة والأشكال الجمالية التي تنطوي عليها لتشتق من التجربة التاريخية»24. ولا تقف الإبدالات النقدية التي أخصب بها اتجاه الدراسات الثقافية الممارسة النقدية عند حدود تأكيد تعالق النصوص مع عوالمها المادية والدنيوية، بل يمكن إضافة مغايرات منهجية وإستراتيجيات تأويلية أخرى أفردت حضور هذا المنهج ومنطلقاته في فهم النص الأدبي وتأويله، وتتجلى في استدعاء

  1. إدوارد سعيد، الثقافة والإمبريالية، ترجمة كمال أبو ديب، ط 3 (بيروت: دار الآداب، 2004)، ص.138
  2. سعيد، ص.66

باردايمات مختلفة عدّة، تنهل من حقول معرفية عدّة؛ كالتاريخ وعلم الاجتماع والتحليل النفسي والأنثروبولوجيا والفلسفة وسوسيولوجيا الأدب، لتقديم قراءة نقدية للنص الأدبي تراعي تعدد الأنظمة البانية لكينونته التي يتداخل من خلالها الجمالي بالتاريخي والسياسي والثقافي، كما يُضاف إلى هذه الكشوفات المغنية التي صاحبت صعود الدراسات الثقافية في الحقل النقدي، رفض أصحابها مبدأ التراتبية الذي كرس طويلً في النقد الأدبي بين «نصوص تعد راقية وأخرى توصف بأنها دونية»25، ومرد ذلك إلى أن الدراسات الثقافية تعدّ النصوص كلّها، سواءٌ أكانت من إبداع ثقافة النخبة أم ثقافة العامة، حاملة لأنساق ثقافية تنتج معرفة بالهوية والآخر والتاريخ، كما أن كثيرًا من النصوص التي كرست طويلً في تاريخ الأدب بوصفها نصوصًا راقية ونموذجًا للفن الأصيل، كشف النقد الثقافي لاحقًا عن تبطّنها بأنساق وتمثيلات بغيضة موغلة في العنصرية وممالأة الاستعمار، كما هو الحال في نصوص شكسبير المسرحية على سبيل المثال، في حين أن كثيرًا من نصوص الثقافة الشعبية التي نظر إليها النقاد بازدراء وتعالٍ؛ كونها نابعة من إبداع العامة وحضيض المجتمع، استطاع النقد الثقافي أن ينفذ إلى ما يتوارى خلف مناطقها المسكوت عنها من مقاومة للقمع والتسلط، ومنافحة عن قيم الحرية والعدالة والتشارك الإنساني. ونظرًا إلى هذه المكتسبات الجديدة التي يوفرها الدرس الثقافي أمام الناقد لمقاربة النص الأدبي في تعدد مستوياته التي يتواشج نسيجها الفني بالتاريخي والثقافي، واستنادًا إلى إمكاناته النقدية والتحليلية النفاذة في استبطان أنساق النصوص والخطابات المضمرة، ومساءلة ما تنتجه من مرجعيات قد تروج قيم التسلط والتنابذ والتمركز الهوياتي والعرقي، أو تخايل فضاءً إنسانيًا مترعًا بقيم التعايش وتمجيد الاختلاف، فقد امتدت مفاهيمه إلى النقد العربي، واستثمره مجموعة من النقاد العرب في استشراف آفاق جديدة للنقد العربي تتجاوز ما هو مكرس من ممارسات نقدية ظلت تنوس بين مقاربات شكلانية وبنيوية حصرية، ترهن نجاعة التحليل النقدي وعلميته بتوصيف شعرية النصوص وأدبيتها، وبين مقاربات سوسيولوجية غالت في التمسك بالطابع الانعكاسي والمِرآوي للأدب، مهمشة بذلك خصوصيته الفنية والتخييلية.

2. النقد العربي المعاصر وإبدال الدراسات الثقافية

تعد فترة أواخر التسعينيات من القرن العشرين البداية الحقيقية لامتداد كشوفات الدراسات الثقافية للنقد العربي المعاصر، فقد تبدت طلائعها النقدية مع الناقد السعودي عبد الله الغذامي الذي نادى في كتابه البارز النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية بضرورة خلخلة المنجز النقدي العربي، وإعادة تفكيك مقاييسه ومقولاته في تحليل الخطابات والظواهر الأدبية، وتقويم مكامن جودتها وتميزها، وذلك عن طريق الانفتاح على كشوفات النقد الثقافي، واستجلاب إوالاته التحليلية، ومرد ذلك، من منظور الغذامي، أن النقد العربي القديم الذي نشأ وتربى في حضن البلاغة ومعيارية مقاييسها الفنية والنقدية، ظل مشدودًا في تقويمه للنصوص الشعرية العربية القديمة لما تنضح به من صور فنية آسرة،

  1. إدريس الخضراوي، الأدب موضوعًا للدراسات الثقافية (الرباط: جذور للنشر، 2007)، ص.38

وما تزدان به من لغة شعرية موغلة في التكثيف والترميز الاستعاري، غافلً عما يندس وراءها من أنساق ثقافية مضمرة مترعة بالعديد من القيم الشائنة والمعيبة التي ترسخ قيم الأنانية، والفحولة والغطرسة، وهي أنساق ثقافية جوهرية انغرست في الوجدان الجمعي والتكوين الحضاري للأمة العربية، ومثَّلت منظورها للذات، وللمجتمع والآخر، وقد تسربت إلى تاريخ الشعر العربي وصيرورته، وتبطنت العديد من التجارب الشعرية الحديثة، كتجربتي أدونيس ونزار قباني اللتين تدثرتا بقيم التعالي والتفرد وتضخيم الذات، وتبخيس الآخرين26. ومن هذا المنظور يشدد الغذامي على أن الوظيفة الجديدة للممارسة النقدية في ظل إبدال الدراسات الثقافية، ستنداح عن هذه المقومات الجمالية التي تحكمت في مسارها، وستفتح منافذ جديدة تبتغي «كشف حيل الثقافة في تمرير أنساقها تحت أقنعة ووسائل خافية [...] وأمر كشف هذه الحيل يصبح مشروعًا في نقد الثقافة، وهذا لن يتسنى إلا عبر ملاحقة الأنساق المضمرة ورفع الأغطية عنها»27. وفضلً عن هذا الجهد المعرفي اللماح الذي اضطلع به الغذامي في استزراع كشوفات الدرس الثقافي في الحقل النقدي العربي، واصل اتجاه الدراسات الثقافية امتداده في النقد العربي المعاصر بداية الألفية الثالثة، إذ نلمس مفاهيمه حاضرة في المشروع النقدي للباحثة المصرية ماري تريز عبد المسيح وتحديدًا من خلال كتابها قراءة الأدب عبر الثقافات الذي دعت من خلاله إلى ضرورة تجاوز تقاليد مناهج الدراسات الأدبية الغربية المقارنة السائدة، كونها ظلت منحازة للثقافة الغربية ومروجة لاستعلائها وتفوقها، مسيجة، في المقابل، بحضور الثقافات الأخرى اللاغربية ومنجزها في خانة الدوني والهامشي والتابع، والانفتاح على الإبدال الجديد للدراسات الثقافية؛ من أجل اجتراح توجه جديد في النقد المقارن يؤمن بهجنة الثقافة الإنسانية وتمازج روافدها، وانبنائها على التفاعل والتشارك البشري، وليس الصفاء والنقاء، وفي هذا السياق تقول ماري تيريز عبد المسيح: «من هذا المنطلق جاءت دراساتي الأدبية المقارنة. فالقراءة عبر الثقافات كشفت لي أن الثقافة العالمية لم تكن من صنع الشمال بمفرده، بل شاركت في صناعتها الجماعات الثقافية المتنوعة، ومقاومة المركز لا ينبغي أن تضعنا في موقع دفاعي يغفلنا عن الدور الذي لعبه الأدب العربي في الثقافة العالمية، وهو ما زال قادرًا على الإضافة. والمتتبع الخريطة الثقافية العالمية يلحظ تبادل الأدوار بين الثقافات على مدار التاريخ»28. ولم تقف استفادة ماري تريز عبد المسيح من كشوفات الدراسات الثقافية عند حدود تجاوز نزعة التمركز الغربي التي هيمنت على مسار الدراسات الأدبية المقارنة، وتوجيهها نحو منعطف جديد يحتفي بقيم التلاقح والتناسج الثقافي، بل تَبْرزُ مفاهيم الدراسات الثقافية واضحة في كتابها المذكور سابقًا، من خلال سعيها لإبراز كيفية نجاح الرواية العربية في تحبيك سرد مضاد مقاوم لأنماط الهيمنة والتسلط التي التحفت بها العديد من السرديات الشمولية المغرقة في التمركز الهويّاتي والثقافي، سواءٌ أتعلق

  1. عبد الله الغذامي، النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية، ط 4 (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2008)، ص.246
  2. المرجع نفسه، ص.77
  3. ماري تريز عبد المسيح، قراءة الأدب عبر الثقافات، ط 2 (الأردن: أزمنة للنشر والتوزيع، 2005)، ص.15

الأمر بالسرديات المنحدرة من الغرب والمشبعة بالتعالي والإقصاء والتبخيس لكل ما هو لاغربي لتأبيد هامشيته، أم بالسرديات المنبعثة من الداخل كما هو الحال مع بعض الخطابات القومية الكليّة التي حاولت تسييد أطروحاتها عن طريق العنف والقمع، وإجهاض روح التنوع والتعدد، وهو ما يعكسه، من منظور ماري تريز عبد المسيح، بعض الأعمال الروائية التي تسكنها نزعة المقاومة، لاقتلاع الهوية من منابتها المنسوبة إلى تفردها واختلافها، كما هو الحال في رواية زهر الليمون للكاتب المصري علاء الديب، ورواية دنقلة للكاتب المصري النوبي إدريس علي، إذ يتبأر السرد على استعادة التضاريس والأمكنة المفقودة، والحنين إلى البدايات المطموسة من أجل لأم شروخ الكينونة المتصدعة، والتشبث بخصوصيتها التاريخية29. فضلً عن مشروع ماري تريز عبد المسيح، يُعدُّ المشروع الفكري والنقدي للباحث العراقي عبد الله إبراهيم من أهم المشاريع النقدية في المشهد الثقافي العربي تمثلً لأطروحات الدراسات الثقافية، وتبنيًا لمفاهيمها وإستراتيجياتها في تحليل العديد من الظواهر الأدبية والفكرية، ويؤشر على ذلك التراكم الذي حققه في هذا المجال على صعيد الإنتاج المعرفي والنقدي من جهة، وتجانس إستراتيجيات الآليات التحليلية المتمفصلة في المشروع الثقافي لعبد الله إبراهيم مع الخلفية الفكرية الناظمة لتوجهات هذا المشروع وأبعاده الإبستيمولوجية من جهة ثانية، وهي الخلفية المتمثلة في خطاب ما بعد الكولونيالية الذي يُعدُّ أحد فروع النقد الثقافي. وقد بدت مقولاته واضحة عند عبد الله إبراهيم من خلال تركيز اهتماماته في استبطان كيفية تكوّن المركزيات الضيقة، ونقد ما تتغذى به من مرويات ترسخ بواسطتها نقاءها وصفاءها وسموها، وتنسج، في المقابل، للآخر نقيضها صورًا نمطية مترعة بالتصغير والتبخيس، كما هو الحال في كتابه المركزية الغربية الذي تتبَّع من خلاله مخايلات الاستعلاء الراسخة في مخيلة التفكير الغربي، وما توشحت به في صيرورتها من تقسيمات ناجزة بين غرب سامٍ ومتمدن، وشرق وضيع موغل في التوحش والبدائية لشرعنة استرقاقه، واستيطانه وتغليفه بطابع تمديني وتنويري، وهو ما بدت تداعياته وانعكاساته سافرة في المشروع الإمبريالي، وما قام عليه من توسع إمبراطوري في مناطق شاسعة من العالم30. وما ضاعف من وجاهة مشروع عبد الله إبراهيم في تفكيك المركزيات الضيقة، وتعرية أوهامها عن التصور الناجز للهوية، عدم اكتفائه بنقد المركزية الغربية فحسب، حتى لا يكون البديل المنشود هو التمركز على الذات، والاعتقاد بنقاء تاريخها من التصورات والأنساق والسرود المعززة لتفوقها الأخلاقي والحضاري، والمسيجة للآخر الغربي في دائرة ما هو همجي وبهيمي، بل إن عبد الله إبراهيم قابل نقده لنزعات التمركز الغربي الدينية والعرقية والثقافية بنقد مناهض للمركزية الإسلامية، وما كرسته من رؤية لاهوتية للتاريخ، انقسم العالم وفقها إلى عالمين متضادين: «دار الإسلام حيث صهرت القيم الإسلامية جوهر الجماعة المؤمنة بها، وصاغت رؤيتها لنفسها، ولغيرها، ودار الحرب التي افتُرض أنها تعيش فوضى بدائية، واضطرابًا دائمًا، وقد التبست طقوسها الوثنية بتقاليدها الاجتماعية، وتخيلاتها

  1. المرجع نفسه، ص.17-16
  2. 3عبد الله إبراهيم، المركزية الغربية (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، دار الأمان، 2010)، ص.19

بعقائدها، فأصبحت الحاجة ملحة لإزالة الجهل المخيم فيها، وتصحيح الأخطاء التي ورثتها عن الأمم الغابرة، وتشبعت بها، وتوهمتها حقائق كاملة»31. ومن هذا المنظور؛ إذا كان عبد الله إبراهيم قد استرشد بمفاهيم خطاب ما بعد الكولونيالية في نقد الهويات الجامدة والمتصلبة، واكتناه ما تسترفده من أنساق وصور جاهزة مُفَخِّمَة للأنا، ومسترخصة للآخرين، تقود إلى التنابذ والصراع، وتئد أنواع التكافل والتساكن كلّها، فإنه حاول أيضًا وبتأثير من منطلقات خطاب ما بعد الكولونيالية المشددة على المقاومة، والمناهضة لآليات التسلط والهيمنة كلّها، إعادة مساءلة العديد من الأحكام والتصورات التي ترسخت لدى المثقفين والنقاد العرب كحقائق ناجزة في قراءاتهم لتواريخهم الثقافية والأدبية، ويتعلق الأمر بإشكالية نشأة الرواية العربية خلال مطلع عصر النهضة، فقد شدد عبد الله إبراهيم على أن النقاد والدارسين العرب الذين تشبثوا بفاعلية المؤثر الغربي في ظهور الرواية العربية الحديثة، واستماتوا في عدّ رواية زينب رائدة لها، إنما ينصاعون في أحكامهم هذه لمصادرات الخطاب الاستعماري، ومعيارية تنظيراته الأدبية، ويفسرون حيثيات تكوّن الرواية العربية بمعزل عن مخاضاتها التاريخية والاجتماعية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ووفق مبدأ المقايسة مع ظهور النوع الروائي في الغرب وتطوُّره. وفي هذا الاتجاه، يقول عبد الله إبراهيم: «انتقى لنا الفكر الاستعماري نمطًا من الأدب يستجيب للمفهوم الغربي للأدب. وكل ظاهرة أدبية لا تمتثل لهذا المفهوم، تعتبر بدائية ومعيبة وليس لها أهمية. وطبقًا للأخذ بهذا المفهوم، فكل ظاهرة لا تنطبق عليها قواعد الرواية الغربية ليست سردًا وينبغي أن تُستبعد»32. وفي ضوء هذه المعطيات، يعيد عبد الله إبراهيم تفسير نشأة الرواية العربية في تشابكها مع محاضنها التاريخية والثقافية والأدبية خلال عصر النهضة، وبعيدًا عن موجهات النظريات الروائية الغربية33، ليخلص إلى تأكيد أن تفكك المرويات السردية العربية القديمة خلال القرن التاسع عشر، قد خلف وراءه رصيدًا سرديًا مبهمًا هو بمنزلة الأرضية الخصبة التي انبجست من منابعها بواكير الرواية العربية34، التي تفتقت طلائعها عند بعض الرواد من جيل التنوير كفرانسيس المراش، في سرديته غابة الحق وخليل الخوري في سرديته وي إذن لست بإفرنجي التي يعدّها عبد الله إبراهيم رائدة الرواية العربية الحقيقية، ومبتدئة هذا الفن في الأدب العربي الحديث35. ويلتقي مع عبد الله إبراهيم في استثمار منطلقات خطاب ما بعد الكولونيالية في نقد المركزيات الضيقة، وتفكيك مخايلات الاستعلاء المنغرسة في سردياتها، الناقد البحريني نادر كاظم الذي تنبع أهمية كتابه

  1. 3عبد الله إبراهيم، المركزية الإسلامية (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، دار الأمان، 2010)، ص.15
  2. 3عبد الله إبراهيم، المحاورات السردية (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2012)، ص.42
  3. أحمد الجرطي، أسئلة نشأة السردية العربية الحديثة بين سوسيولوجيا الأدب وخطاب ما بعد الكولونيالية (عمان: دار فضاءات 2016)، ص.253
  4. عبد الله إبراهيم، السردية العربية الحديثة: تفكيك الخطاب الاستعماري وإعادة تفسير النشأة، ج 1 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2013)، ص.106
  5. المرجع نفسه، ص.221

تمثيلات الآخر من كونه محاولة جادة لاكتناه العلاقة بين الثقافة والهوية، تستند إلى «الحضور التمثيلي للآخر بواسطة المكونات الخطابية والإنشائية ومساءلتها من حيث التحيزات الثقافية، متجاوزة القيد الجمالي، لصالح النسق الثقافي»36. ومن تجليات ذلك عند نادر كاظم نحته في دراسته لصورة السود في المتخيل العربي الوسيط لمفهوم جديد، هو مفهوم الاستفراق الذي يدرس كيفية تمثيل الإنسان الأفريقي الأسود في مخيال الثقافة العربية الإسلامية، وهو بذلك يتصادم مع خطاب الاستشراق في كونه خطابًا متخيلً «تشكلت ضمنه صور وتمثيلات وتحيزات اكتسبت طبيعتها البديهية المزعومة من سياقات القوة التي تحصن الذات وتشكل خطوطًا متشيئة تفصل الذات النقية الصافية عن الأعراق والثقافات الأخرى الملوثة»37. يرى كاظم، بموازاة ما تميزت به الذات الغربية من تحبيك لجملة من التمثيلات والأنساق الجوهرانية المعززة لنقاء هويتها وتفوقها، والمبخسة، في المقابل، لنقيضها، لتسوير كينونته في دائرة ما هو منحط ودوني، أن الثقافة العربية الإسلامية لم تسلم بدورها في نظرتها إلى السود من الاستعلاء الهوياتي والعرقي، لأنه على الرغم مما حمله الإسلام من قيم مجيدة تحث على التكافل والتعايش والمساواة، وتناهض قيم العنصرية والتفاخر بالأنساب والألقاب، فمبادئ الإسلام السمحة هذه لم تكن كفيلة باجتثاث أوار هذه النزعات العرقية والعصبية من داخل الإنسان العربي المسلم، بل ظلت سارية حتى في عهد الرسول الكريم، وتأججت بعده، تعكسها جملة من الصور والتمثيلات التي نسجتها الثقافة العربية الإسلامية للسود، وملؤها التحقير والتصغير، ونعتهم بالسلوكيات وبالصفات المشينة كلّها؛ كالخيانة والهمجية والشراهة الجنسية المفرطة. وتأسيسًا على هذه الحقائق، يمكننا التأكيد أن القيمة الفكرية والنقدية اللماحة لكتابه المذكور تكمن في التصادي مع مؤلف عبد الله إبراهيم المركزية الإسلامية في التشديد على أن الطريق المنتج لتشييد فضاء إنساني مجبول بقيم التعايش والتشارك والتنوع البشري الخلاق، لا يتحقق عن طريق نقد المركزية الغربية، وتعرية مزاعمها وادعاءاتها عن تفوقها الثقافي والعرقي فحسب، بل يظل مشروطًا أيضًا بنقد الذات العربية وخلخلة ما تتمسك به أيضًا من صور إقصائية للآخر، تضاعف من توسيع هوة التناحر والتنازع والصراع. واستنادًا إلى هذه الفعالية المنتجة التي يمتلكها النقد الثقافي، وخطاب ما بعد الكولونيالية المتفرع عنه، في التعامل مع الخطابات الأدبية وغير الأدبية بوصفها منتجًا ثقافيًا، واستبطان أنساقها المضمرة، وبموازاة نجاعته المثمرة في نقد التشابك الوطيد بين المعرفة والسلطة، وتفكيك آلياتهما المبرمجة في تثبيت ركائز الهيمنة، تمهيدًا للمقاومة، وإعادة التقدير للهامشي والمغيب، واصل النقد الثقافي امتداده

  1. رامي أبو شهاب، الرسيس والمخاتلة: خطاب ما بعد الكولونيالية في النقد العربي المعاصر النظرية والتطبيق (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2013)، ص.220
  2. نادر كاظم، تمثيلات الآخر: صورة السود في المتخيل العربي الوسيط (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2004)، ص.45

في النقد العربي سواء مع النقاد السابقين الذين توقفنا عند مشاريعهم بعجالة، أو مع جيل جديد من الباحثين الذين انطلقوا من المنجز النقدي السابق، وواصلوا تخصيب طروحاته باسترفاد مقولات ومفاهيم جديدة تمتح من اتجاهات الدراسات الثقافية وما بعد الحداثة، كالتفكيكية، والنقد النسوي، والتاريخانية الجديدة، ودراسات التابع، ونقد الزنوجة، وهو ما كان حافزًا لهؤلاء النقاد الجدد المتأثرين بكشوفات النقد الثقافي إلى تبئير ممارساتهم النقدية، على مساءلة مدى نجاح الرواية العربية المنتجة في سياق ما بعد الاستعمار في تفكيك مخايلات الاستعلاء الكولونيالي، ونزعاته الشوفينية الضيقة، وإعادة تبئير السرد حول صوت الجماعات المهمشة والمغمورة التي صودرت أصواتها، وحرمت من تمثيل نفسها، لفضح ما اكتنفها من قمع وقهر وتحقير في ظل تسلط الإمبريالية الغربية وسطوتها، فضلً عن استدعاء التاريخ ومركزته داخل السرد، وإعادة تأويل جوانبه المطموسة والمغيبة؛ للاحتفاء بما هو هامشي وأصلاني يُجَذِّر انتماء الشعوب التي ظل الميتروبول الغربي يعدّها دونية وتابعة، لسياقها الاجتماعي الخاص، المؤشر على تاريخيتها وتمايزها، ويمكن التمثيل لهذا الجيل الجديد الذي يواصل تخصيب طروحات الدراسات الثقافية وخطاب ما بعد الكولونيالية وتطويرها في الحقل النقدي العربي المعاصر، بالعديد من الأسماء البارزة، نحو: نادر كاظم، وسعد البازعي، ومعجب الزهراني، وهويدا صالح، ومحمد الشحات، وشهلا العجيلي، وإدريس الخضراوي ومحمد بوعزة، ويحيى بن الوليد.

المراجع

References

العربية

إبراهيم، عبد الله. السردية العربية الحديثة: تفكيك الخطاب الاستعماري وإعادة تفسير النشأة. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.2013

________. المحاورات السردية. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.2012

________. المركزية الإسلامية. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، دار الأمان،.2010

________. المركزية الغربية. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، دار الأمان، 2010.

أبو شهاب، رامي. الرسيس والمخاتلة خطاب ما بعد الكولونيالية في النقد العربي المعاصر النظرية والتطبيق. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.2013

إيزر، فولفانغ. فعل القراءة نظرية الاستجابة الجمالية. ترجمة عبد الوهاب علوب. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2000

باختين، ميخائيل. شعرية دوستويفسكي. ترجمة جميل نصيف التكريتي. مراجعة حياة شرارة. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.1986

بوعزة، محمد. استراتيجية التأويل من النصية إلى التفكيكية. الرباط: منشورات الاختلاف، دار الأمان، ________. سرديات ثقافية من سياسات الهوية إلى سياسات الاختلاف. بيروت: منشورات ضفاف، دار الأمان، منشورات الاختلاف،.2014

التمارة، عبد الرحمن. مرجعيات بناء النص الروائي. عمان: دار ورد الأردنية للنشر والتوزيع،.2013 تومبكنز، جين ب. نقد استجابة القارئ من الشكلانية إلى ما بعد البنيوية. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.1999

الجرطي، أحمد. أسئلة نشأة السردية العربية الحديثة بين سوسيولوجيا الأدب وخطاب ما بعد الكولونيالية. عمان: دار فضاءات،.2016

________. تمثلات النظرية الأدبية الحديثة في النقد الروائي المعاصر. دمشق: دار النايا،.2014

جيفرسون آن، وديفيد روبي. النظرية الأدبية الحديثة تقديم مقارن. ترجمة سمير مسعود. دمشق: منشورات وزارة الثقافة،.1992

الخضراوي، إدريس. الأدب موضوعًا للدراسات الثقافية. الرباط: جذور للنشر،.2007

زياد، صالح. آفاق النظرية الأدبية من المحاكاة إلى التفكيكية. بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، زيما، بيير. النص والمجتمع: آفاق علم اجتماع النقد. ترجمة أنطوان أبو زيد. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2013.

________. النقد الاجتماعي نحو علم اجتماع النص الأدبي. ترجمة عايدة لطفي. مراجعة أمينة رشيد وسيد البحراوي. القاهرة: دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع،.1991

________. سوسيولوجيا النص بين الإنتاج والتلقي. ترجمة عبد الحق بيتكمنتي. مراجعة أحمد الدويري. فاس: مطبعة إنفوبرانت فاس، د.ت.

سعيد، إدوارد. الثقافة والإمبريالية. ترجمة كمال أبو ديب. ط.3 بيروت: دار الآداب،.2004

سلدن، رامان. النظرية الأدبية المعاصرة. ترجمة جابر عصفور. القاهرة: دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع،.1991

عبد المسيح، ماري تريز. قراءة الأدب عبر الثقافات. ط 2. الأردن: أزمنة للنشر والتوزيع، عصفور، جابر. تحديات الناقد المعاصر. بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر،.2014

الغذامي، عبد الله. النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية. ط.4 بيروت: المركز الثقافي العربي، 2008.

كاظم، نادر. تمثيلات الآخر: صورة السود في المتخيل العربي الوسيط. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.2004

لحمداني، حميد. القراءة وتوليد الدلالة تغيير عاداتنا في قراءة النص الأدبي. بيروت: المركز الثقافي العربي،.2003

الأجنبية

Bloom, Harold. Deconstruction and Criticism. New York: Seabury Press, 1979.

Todorov, Tzvetan. Introduction to Poetics. Richard Howard (trans.). Brighton: Harvester

Press, 1981.

Zima, Pierre. Manuel de Sociocritique.Paris: Publié avec le concours du centre national

des lettres, 1985.