الحداثة الغربية وأنماط الوعي بها في الفكر العربي المعاصر: دراسة مقارنة بين عبد الله العروي وطه عبد الرحمن
Contemporary Arab Awareness of the Modes of Western Modernity:
الملخّص
تهدف هذه الورقة العلمية إلى تبيان أنماط الوعي بالحداثة الغربية في الفكر العربي المعاصر، انطلاقا من فرضية ضمنية مفادها؛ أن هذا الوعي تقلب في أطوار عديدة، واخترنا لاختبار هذه الفرضية البحثية نصوص فكرية لباحثين عربيين هما: عبد الله العروي، وطه عبد الرحمن، فتناولنا النقد الذي قدمه كل منهما إلى الوعي بالحداثة الغربية في الفكر العربي، وقارنا بين الأدوات المعرفية والمنهجية التي وظفها كل مفكر في صياغة الوعي بالحداثة الغربية، كما وضحنا الإسهام الفلسفي لكل مفكر في التأسيس لحداثة عربية أو إسلامية.
Abstract
Abstract: This paper seeks to demonstrate patterns of conceptualizing of Western modernity in contemporary Arab thought, based on the hypothesis that this consciousness is not static. In order to test this hypothesis, this study will be investigated in the texts by two Arab intellectuals, Abdullah al-Arawi and Taha Abdel Rahman. The paper discussed the critiques presented by each of these scholars regarding the conceptualizations of Western modernity in Arab thought. Then the study compared the cognitive and methodological tools employed by each thinker in formulating the various conceptualizations of Western modernity, as well as the philosophical contribution of each thinker to the establishment of an Arab or Islamic modernity.
- الحداثة
- الوعي
- الفكر العربي
- عبد الله العروي
- طه عبد الرحمن
- Modern Arabic
- Conceptualization
- Arab Thought
- Islamic modernity
دراسة مقارنة بين عبد ال العروي وطه عبد الرحمن
Contemporary Arab Awareness of the Modes of
Western Modernity:
A Comparative Study of Abdullah Al-Arwi and Taha Abdulrahman
مقدمة
شغلت الحداثة، ولا تزال، مساحات واسعة في خطابات الفكر العربي المعاصر، فأعطيت دلالاتٍ ومعانيَ للمفهوم، يصل التداخل والتناقض بينها إلى الحد الذي يجعل كل فهم
معرفي لها ملغيًا الفهوم الأخرى، نظرًا إلى جملة من العوامل والأسباب التي أسهمت في بلورة وعي
العقل العربي بهذا المفهوم، كغلبة المنزع النضالي والاصطفاف الأيديولوجي على التفهم المعرفي والفلسفي للحداثة، بوصفها مفهومًا تشكل في سياقات تاريخية مرتبطة بالمجتمعات الغربية؛ الأمر
الذي أدخل العقل العربي في نوع من السجال السلبي، والذي لم يفضِ إلى فهم معرفي للحداثة الغربية ومنجزاتها السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية. منذ عصر ما اصطلح عليه مؤرخو الأفكار بالنهضة العربية في نهايات القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع العشر، والعقل العربي يحاول بشتى الوسائل المعرفية والأدوات المنهجية التعرف إلى العقل الغربي وتفكيك مقولاته، والسعي لهضمها واستيعابها وتجاوزها، وهذا كله لتحقيق الغاية المنشودة؛ الولوج إلى الأزمنة الحداثية على شاكلة المجتمعات الغربية، إلا أن هذا التفهم وهذا الاستيعاب للحداثة الغربية، رافقتهما مجموعة من التحولات البنيوية في صيرورة الوعي بها. ونعتقد أن الوعي بالحداثة الغربية في الفكر العربي، تقلّب في أطوار ثلاثة؛ انتقل فيها الوعي بها من نمط الصد الكلي للحداثة لعدم تطابقها مع النموذج المثالي التاريخي، إلى نمط الاستيعاب الإسقاطي للحداثة على الواقع العربي، وصولً إلى نمط الوعي النقدي بالحداثة الغربية. انشطر الوعي النقدي بالحداثة إلى تيارين فكريين؛ أحدهما دعا إلى الأخذ بالشروط التاريخية والمقدمات الفلسفية التي قامت عليها الحداثة الغربية، لولوج المجتمعات العربية إلى الأزمنة الحداثية، وتيار فكري آخر؛ فصل بين روح الحداثة وتطبيقاتها بوصفها تجربة تاريخية في المجتمعات الغربية، ودعا إلى طرح بديل منها، نظرًا إلى استحالة استنساخ التجارب الحداثية، مع إمكان الإفادة منها في
عملية ولوج المجتمعات العربية إلى أزمنة حداثية مخصوصة. ومن هذا المنطلق، انخرط الفكر العربي المعاصر في مساءلة نقدية للحداثة الغربية، ونتلمس ذلك في عدد من النصوص الفكرية. وفي هذه الورقة نقتصر على النصوص الفكرية للمؤلفَين: عبد الله العروي، وطه عبد الرحمن. ومبرراتنا المعرفية في اختيارهما أن نصوصهما تنتمي إلى نمط من الوعي النقدي بمفهوم الحداثة، وتكشف عن وعي منهجي نقدي بالآليات والشرائط التي انبثقت منها الحداثة الغربية، وتنم عن تبلور وعي؛ انتقل من نمط الصد والانبهار بالحداثة إلى نمط من الوعي الذاتي والنقدي بها، والسمة البارزة لهذا الوعي النقدي، تحوّله من وعي تجزيئي بظاهريات
الحداثة إلى نمط من الوعي التركيبي بها، وانطلاقًا من هذا التأسيس الإشكالي للموضوع، نسعى للإجابة عن التساؤلات الآتية: ما أنماط الوعي بالحداثة الغربية في الفكر العربي المعاصر؟ ما النقد الذي وجهه عبد الله العروي إلى أنماط الوعي بالحداثة الغربية في الفكر العربي المعاصر؟ وما البدائل المعرفية والمنهجية التي دعا
إلى توظيفها في عملية الوعي العقلاني بالحداثة الغربية؟ وما الانتقادات التي وجهها طه عبد الرحمن إلى الوعي بمفهوم الحداثة الغربية في الفكر العربي المعاصر؟ وما طبيعة الوعي البديل الذي اقترحه لاستيعاب الحداثة الغربية وكل منجزاتها الفلسفية والعلمية؟
أهمية الدراسة
تأتي أهمية دراسة الحداثة الغربية وأنماط الوعي بها في الفكر العربي، من كون سؤال الحداثة لا يزال يشغل مساحات واسعة في المدونة الفكرية العربية، ولا تزال الأجوبة تتعدد حوله، وتتناقض الأطروحات والمقاربات التي تتناوله. ويكتسي موضوع الوعي بالحداثة الغربية في الفكر العربي أهمية معرفية؛ لأنه يمكننا من رسم خريطة ذهنية لتحولات وعي العقل العربي بهذا المفهوم، ويسهم في الكشف عن العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي ساعدت في تشكل هذا الوعي. كما تكمن أهمية دراسة وعي العقل العربي بالمنجز الحداثي الغربي في الكشف عن الطرائق المنهجية والأساليب الفكرية التي وظفها في التعرف إلى الغرب وإلى منجزاته الفكرية والعلمية.
أهداف الدراسة
تسعى هذه الدراسة للتعرف إلى الأنماط المختلفة لوعي العقل العربي بالحداثة الغربية، من خلال تحليل الأدوات المفهومية والمنهجية التي وظفها في صياغة هذا الوعي. وتهدف إلى تعرف أنماط وعي العقل العربي بالحداثة الغربية في أطروحة عبد الله العروي والنقد الذي وجهه إليها، ودور التاريخانية في صياغة الوعي بالحداثة الغربية، وطبيعة المقدمات الواجب توافرها لتأسيس حداثة عربية. كما تهدف إلى الكشف عن طبيعة الوعي النقدي بالحداثة الغربية في المدونة الفكرية لطه عبد الرحمن، وبيان البديل الذي اقترحه في التأسيس لحداثة إسلامية.
ضبط مفاهيم الدراسة
ترتكز هذه الدراسة على مفهومين مركزيين، يُعَدّ التأسيس النظري لهما خطوة منهجية مهمة في الولوج إلى موضوع الدراسة، نبسط الكلام فيها، كما يلي:
1. مفهوم الوعي
يقف الباحث عند عديد من الدلالات التي أعطيت لمفهوم الوعي، والتي تكاثرت إلى درجة غياب المعنى الحقيقي للمفهوم. لذا، لا بأس في أن نبدأ من الدلالة السيكولوجية، على اعتبار أن المفهوم وظف بكثافة في التعبير عن عوالم النفس الباطنية، فنجد في هذا المقام استعمالين مختلفين لكلمة الوعي؛ «أولً، الوعي بوصفه معطى قديمًا، لا تمايزًا، يستعمل مادة لكل حياة
نفسية، ومن ثم يوضع من بعض الجوانب، فوق كل سجال، ثانيًا، الوعي بوصفه مبينًا، مصنوعًا
من تعارض الموضوع والذات، ومنحصرًا عندئذ في هذا الأخير، مقابل الموضوع»، ويشغلنا في
هذه الدراسة الدلالة الثانية في منطوق هذا التعريف؛ أي الوعي باعتباره حلقة وصل بين الذات وموضوعها. لكن هذه الصلة بين الذات والموضوع، عبر مجرى الوعي، تسحب معها عديدًا من الاستشكالات، فهل يعبر الوعي عن الواقع العيني الحسي؟ وهل الوعي حصيلة تأويل للعالم الخارجي؟ ف «يوجد يقين للوعي المباشر ولكن هذا اليقين ليس معرفة حقيقية عن الذات. ثانيًا، يحيل كل فكر إلى غير
مفكر فيه، وكأنه هروب مقصود من الذات، ولكن هذا غير المفكر فيه هو أيضًا ليس معرفة حقيقية عن اللاوعي»، ومن هذا المنطلق، هناك انقسامية في بنية الوعي؛ الوعي اليقيني، واللاوعي، والإشكال أن اللاوعي يسهم في بلورة الوعي بالمادة المفكر فيها. ومن زاوية نظر أخرى، يسهم الوجود الاجتماعي في بلورة الوعي الإنساني، بمعنى أن الوعي ليس مفهومًا سيكولوجيًا خالصًا، يرتبط فقط بالأبعاد النفسية - الجوانية، وإنما هناك محددات خارجية تسهم
في بلورته، «فحياة الوعي بوصفها حياة يقظة للأنا، إنجاز متواصل للأفعال ودائمًا لأفعال جديدة، في تأثير الغرائز والاهتمامات الاعتيادية التي لا يتوفر فيها الأنا على نوعيته الشخصية. إنه يتأثر باستمرار بموضوعات معيشة. يلتفت تارة نحو هذه وتارة نحو تلك، يشتغل عليها، يكون منشغلً بها بكيفية ما». ووفق جدلية الوعي الذاتي والوعي الموضوعي، يصبح المعيار الوحيد لتحديد مفهوم الوعي؛ يرتكز على الذات نفسها، فما تراه الذات وعيًا خاصًا بها، فهو كذلك، وما تقوم بنفيه، يعدّ منفيًا «ما دمنا
قد وجدنا معيار الحقيقة في الواقع المحض للوعي، لا في طبيعة المضمون، فلن يكون لأي حقيقة مزعومة أساس آخر سوى اليقين الذاتي، وتأكيد أننا اكتشفنا واقعة معينة في وعينا، وهكذا فإن ما أكتشفه أنا في وعيي يبالغ فيه بحيث يصبح واقعة موجودة في كل وعي، ثم يطلق على طبيعة الوعي ذاتها». وعلى هذا الأساس، إن الوعي بالأفكار والمفاهيم يسنده الوجود الاجتماعي للإنسان، فليست كل أفكارنا نابعة من وعينا الذاتي، بل يكون كثير من الأفكار استجابة للمثيرات المادية الخارجية، ف «إنتاج الأفكار والتصورات والوعي مختلط بادئ الأمر بصورة مباشرة ووثيقة بالنشاط المادي والتعامل بين البشر، فهو لغة الحياة الواقعية، إن التصورات والفكر والتعامل الذهني بين البشر، تبدو هنا أيضًا على
(((أندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، تعريب خليل أحمد خليل، ج 1 (بيروت: منشورات عويدات، 2001)، ص.212 (((بول ريكور، محاضرات في الأيديولوجيا واليوتوبيا، ترجمة فلاح رحيم (القاهرة: دار التنوير، 2002)، ص.139 (((إدموند هوسرل، أزمة العلوم الأوروبية والفنومينولوجيا الترنسندنتالية، ترجمة إسماعيل المصدق (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008)، ص.459 (((هيغل، موسوعة العلوم الفلسفية، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام (القاهرة: دار التنوير، 200)، ص.202
اعتبارها إصدارًا مباشرًا لسلوكهم المادي، ينطبق الأمر نفسه على الإنتاج الفكري كما يتمثل في لغة
السياسة والقوانين والأخلاق والدين والميتافيزيقيا». وكذلك، يعدّ الوعي من أدوات الإدراك الإنساني الأساسية، ف «الوعي هو الوجه الذاتي للعمليات الإدراكية التي تستوعب ما يصل إلى الذهن من المثيرات الخارجية والداخلية. ويعمل على إدراك الصفات والخصائص التي تعين الشيء المدرك وتصنفه، أو تعطيه قيمته من خلال نشاط العمليات العقلية العليا»، لنشير في هذا المقام إلى دور العوامل النفسية والعقلية في صياغة وعي المفكر بالحداثة الغربية، من دون أن نغفل مجموعة العوامل الخارجية الموضوعية المؤسِسة لهذا الوعي لديه، ودورها في تمثله واستيعابه لمفهوم الحداثة الغربية.
2. مفهوم الحداثة
ننطلق في تحديد الدلالة الأولى لمفهوم الحداثة من البعد التاريخي، فالحداثة هي مرحلة تاريخية بلغتها مجتمعات إنسانية في مسارها التاريخي، و«الحداثة هي ظهور ملامح المجتمع الحديث المتميز بدرجة معينة من التقنية والعقلانية والتفتح. والحداثة كونيًا هي ظهور المجتمع البرجوازي الغربي
الحديث في إطار ما يسمى بالنهضة الغربية أو الأوربية، هذه النهضة التي جعلت المجتمعات المتطورة صناعيًا تحقق مستوى عاليًا من التطور، مكنها ودفعها إلى غزو وترويض المجتمعات الأخرى». وعبر هيغل عن هذه الحداثة بمفهوم الأزمنة الحديثة، ف «يبدأ هيغل باستخدام مفهوم الحداثة، في سياق تاريخي ليشير إلى عصر: ‘الأزمنة الجديدة’ أو ‘الأزمنة الحديثة’، ويقابلها بالإنكليزية والفرنسية (في حوالي عام 1800)، ألفاظ ‘ Times Modern ’ أو ‘ Moderne Temps ’، وتشير إلى القرون الثلاثة السابقة، اكتشاف ‘العالم الجديد’، وعصر النهضة، والإصلاح، هذه الأحداث الثلاثة الهامة التي حدثت حوالي عام 1500، تشكل العتبة التاريخية بين العصور الوسيطة والأزمنة الحديثة». أما الدلالة الفكرية التي أعطيت لمفهوم الحداثة، فتشير إلى حركة الاستنارة الفكرية التي عرفتها المجتمعات الغربية، و«ثمة ما يشبه الإجماع على أن الحداثة مرتبطة تمامًا بفكر حركة الاستنارة الذي ينطلق من فكرة أن الإنسان هو مركز الكون وسيده، وأنه لا يحتاج إلا إلى عقله سواء في دراسة الواقع أو إدارة المجتمع أو للتمييز بين الصالح والطالح، وفي هذا الإطار يصبح العلم هو أساس الفكر، مصدر المعنى والقيمة، والتكنولوجيا هي الآلية الأساسية في محاولة تسخير الطبيعة وإعادة صياغتها ليحقق الإنسان سعادته ومنفعته، والعقل هو الآلية الوحيدة للوصول إلى المعرفة».
(((كارل ماركس وفرديريك إنجلز، الأيديولوجيا الألمانية، ترجمة فؤاد أيوب (دمشق: دار دمشق، 1976)، ص.30 (((مصطفى حجازي، الإنسان المهدور: دراسة تحليلية نفسية اجتماعية (الرباط: المركز الثقافي العربي، 2006)، ص.227 (((محمد سبيلا، مدارات الحداثة (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2009)، ص.123 (((يورغن هابرماس، القول الفلسفي للحداثة، ترجمة فاطمة الجيوشي (دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1995)، ص.13 (((عبد الوهاب المسيري، دراسات معرفية في الحداثة الغربية (القاهرة: دار الشروق، 2006)، ص.34
أما الدلالة الأخرى التي أعطيت للحداثة، فهي ترتبط بنموذج التحديث الاجتماعي الذي قامت الحداثة بإحلاله بديلً من النموذج الاجتماعي التقليدي؛ ذلك أنّ النموذج الاجتماعي الغربي «مستمد من مبادئ الحداثة لأنه ينتظم حول فكرة مجتمع يصنع ذاته، إنه حركة، تحول ذاتي، تدمير للذات تمهيدًا لإعادة بنائها. وبكلام أوضح، إنه يؤمن باستعمال العقل ويحترم الحقيقة القابلة للإثبات النقل والتطبيق، لذا كان همه لا أن يحسن درجة تكامله، بل حظوظ الحياة والعمل، ويلبي حاجات أعضاء المجتمع كافة». وفي الأخير، الحداثة قول فلسفي مرتبط بالفعل، بمعنى أنه ليس كلامًا نظريًا تجريديًا، وإنما مجموعة من الممارسات الإنسانية التي انتقلت معها المجتمعات الغربية من أزمنة ساكنة إلى أزمنة سائلة، «والحداثة تبدأ حالما ينفصل المكان والزمان عن التجربة المعيشة، وحالما ينفصلان عن بعضهما البعض؛ إذ يسهل التنظير لهما باعتبارهما مقولتين مستقلتين ومتباينتين للإستراتيجية الفعل. وهي تبدأ حالما يتوقف الزمان والمكان عن الوجود على الحالة التي كان عليها على مدار قرون عديدة في أزمنة ما قبل الحداثة، عندما كانا يتلاحمان ويتشابكان بحيث يتعذر التمييز والفصل بينهما داخل التجربة المعيشة».
الحداثة الغربية وأنماط الوعي بها في الفكر العربي المعاصر
تناول عديد من الدراسات الفكرية العربية الحداثة الغربية بالتحليل والنقد، وسعت في أغلبها إلى صياغة وعي معرفي ومفهومي بها، فوظف العقل العربي منذ عصر النهضة عديدًا من الوسائل المنهجية والأدوات المعرفية للتعرف إلى الحداثة الغربية، وسعى لاستيعاب منجزاتها العلمية والسياسية والاقتصادية والثقافية. وانبثق في رحلة الوعي بالحداثة الغربية عديد من الأطروحات والمقاربات، وتشكل عديد من أنماط الوعي بهذا المفهوم، فمنها ما وعى الغرب في جانبه الليبرالي السياسي، ومنها ما وعاه في جانبه الاقتصادي - التقني، ومنها ما وعاه في جانبه الفلسفي والعلمي. وهنا، يرتبط الإشكال بطبيعة وعي العقل العربي بالحداثة الغربية، والسؤال ليس من طبيعة ماهوية، بمعنى السؤال عن العناصر التركيبية لمفهوم الحداثة، وإلا أتت الأجوبة أحادية وبسيطة. يأتي الإشكال عندما يتداخل المفهوم مع السياقات التاريخية التي تتولد منها، فالحداثة ليست مفهومًا فلسفيًا خالصًا،
بل هي أزمنة حديثة ولجتها المجتمعات الغربية، وبناءً عليه؛ تقيم رؤيتها إلى بقية المجتمعات الإنسانية
الأخرى. وتطرح القيم الحداثية تحديًا صارخًا أمام منظومات القيم الحضارية المغايرة لها، ولا تترك لها في عديد من حالات الاشتباك الحرية في الاختيار، بل تجبرها في الغالب الأعم على التساوق والاندماج مع رؤيتها، وفق عمليات قسرية عنيفة في مرات، وناعمة في مرات أخرى.
(1((آلان تورين، براديغما جديدة لفهم عالم اليوم، ترجمة جورج سليمان (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2012)، ص.135 (1((زيغمونت باومان، الحداثة السائلة، ترجمة حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2016)، ص.50
وبناء على هذا، نرصد عديدًا من المقاربات التي تناولت أنماط الوعي بالحداثة الغربية في الفكر العربي عمومًا، ولكل مقاربة مقولاتها ومفاهيمها. والثابت أن كل تحديد لنمط معين من الوعي يحمل
في طياته بالضرورة نوعًا من النفي لبقية الأنماط، وكل نمط إيجابي يختزن نمطًا سلبيًا، وهكذا دواليك.
ينطلق الجابري في رصده لهذه الأنماط، بتحديده أولً لمفهوم الحداثة الغربية، فيرى أن النهضة والأنوار والحداثة لا تشكل مراحل متعاقبة، يتجاوز اللاحق منها السابق، «بل هي عندنا متداخلة متشابكة متزامنة ضمن المرحلة المعاصرة التي تمتد بداياتها إلى ما يزيد على مئة عام، وبالتالي فنحن عندما نتحدث عن الحداثة، فيجب أن لا نفهم منها ما يفهمه أدباء أوروبا ومفكروها، أعني أنها مرحلة تجاوزت مرحلة الأنوار ومرحلة النهضة التي تقوم أساسًا على الإحياء، إحياء التراث والانتظام فيه
نوعًا من الانتظام». وعلى هذا الأساس، يعدّ وعي العقل العربي بالحداثة الغربية المدخل الرئيس في فهم تطور الفكر العربي المعاصر، والذي حكم عليه الجابري بأنه فكر سلفي بالمعنى الحرفي للكلمة، سواء الفكر الذي يرى أن نموذج الماضي هو الذي سيدخلنا إلى عالم الأزمنة الحديثة، أو الفكر الذي يرى أن النموذج الغربي هو الذي سيدخلنا إلى الأزمنة الحديثة، «واللاتاريخية والافتقاد إلى الموضوعية ظاهرتان متداخلتان تلازمان كل فكر يئن تحت ثقل أحد أطراف المعادلة التي يحاول تركيبها، الفكر الذي لا يستطيع الاستقلال بنفسه، فيلجأ إلى تعويض هذا النقص بجعل موضوعاته تنوب عنه في الحكم على بعضها [...] والفكر العربي الحديث والمعاصر من هذا القبيل، ولذلك كان معظمه سلفي النزعة والميول، وإنما الفرق بين اتجاهاته وتياراته هو في نوع السلف الذي يتحصن به كل منها». بناءً عليه، يرتبط السجال الأيديولوجي بين التيارات الفكرية العربية على أساس الوعي بالحداثة
الغربية، وبإمكان تحويل الحداثة إلى نموذج في عملية الانتقال الحضاري، فترى تيارات فكرية أن الأيديولوجيا الحداثية إذا ما تم تبنيها ستدخلنا إلى الأزمنة الحديثة، في حين ترى تيارات فكرية أخرى، أن النموذج الحداثي الغربي يقوض الذات الحضارية العربية، ويسهم في تقهقرنا وتخلفنا، و«الخطاب العربي الحديث والمعاصر هو في الحقيقة سجال مستمر بين اتجاهات لا تختلف في آفاقها الأيديولوجية وحسب، بل أيضًا، ولربما كان هذا هو السبب في ذلك، تختلف في أطرها المرجعية، وبكيفية عامة في النموذج الأيديولوجي الذي تستوحيه أو تستند إليه»، ومن هذا المنطلق، يعد النمط الأيديولوجي أول أنماط الوعي بالحداثة الغربية، وهو نقيض التفهم المعرفي والمنهجي لمفهوم الحداثة الغربية، وكما نعلم، فالأيديولوجيا جملة من الأفكار والمفاهيم المسبقة التي تستخدم في رؤية العالم والوقائع والأحداث، لذلك، لا تمكننا الرؤية الأيديولوجية إلى الحداثة الغربية من بناء وعي عقلاني رصين بها، وجل ما تمدنا به قوة فكرية سجالية، تعمل على تعميم وعي سلبي بالحداثة الغربية، أكثر من تقديم فهم عميق بالعناصر الداخلية المشكلة لها،
(1((محمد عابد الجابري، نحن والتراث (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1982)، ص.16 ((1(المرجع نفسه. (1((محمد عابد الجابري، الخطاب العربي المعاصر: دراسة تحليلية نقدية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1995)، ص.25
وبكيفية تحولها إلى مشروع حضاري، انتقلت معه المجتمعات الغربية من عصور الانحطاط إلى عصور النهوض. ومن زاوية أخرى، لا يمكننا حصر وعي العقل العربي بالحداثة الغربية في المتغير الأيديولوجي على وجاهته، فهناك التحولات الاقتصادية والسياسية التي خبرتها المجتمعات العربية، ودورها في تأثيث الوعي بالحداثة في الفكر العربي، فلو ألقينا نظرة سريعة على عديد النصوص الفكرية، لوجدنا أن لكل مرحلة تاريخية نصوصها، لكن ليس شرطًا أن يتماهى الفكر كليًا مع الواقع،
ف «الفكر، في مستويات معينة، إذ يعكس الواقع حتى في أدنى درجات استقلاله النسبي لا يعكسه كما تفعل المرآة التي يرى فيها الشخص وجهه بكل قسماته وتجاعيده، بل غالبًا ما تكون الصورة
المنعكسة متموجة متداخلة الأجزاء كالصورة التي تعكسها المرآة المهشمة». لذلك، نلاحظ نوعًا من التحول والتعاقب في الوعي بمفهوم الحداثة الغربية لدى المفكرين العرب، فالموقف الفكري من الحداثة الغربية في مرحلة الاستقلال الوطني، وما فرضته من تحديات تاريخية نحو بناء الدولة الوطنية، والاستقلال الاقتصادي والثقافي، لا نجده في النصوص السابقة التي ولدت في الحقبة الكولونيالية التي كانت تناضل ضد الاستعمار، وهكذا، في زمن العولمة والانهيارات المتتالية في العالم العربي. لذلك، ظل لدى المعطى التاريخي دور في بلورة الوعي بمفهوم الحداثة الغربية. ويعدّ نمط الوعي بالحداثة الغربية أحد المعايير التي تصنف على أساسها تيارات الفكر العربي، وتنقسم إلى «مواقف عصرانية تدعو إلى تبني النموذج الغربي المعاصر بوصفه نموذجًا للعصر كله [...] مواقف سلفية تدعو إلى استعادة النموذج العربي الإسلامي كما كان قبل الانحراف والانحطاط [...] ومواقف انتقائية تدعو إلى الأخذ بأحسن ما في النموذجين معًا والتوفيق بينهما في صيغة واحدة تتوافر لها الأصالة والمعاصرة معا»، ونعتقد أن هذه المواقف الفكرية الثلاثة من الحداثة، لا يزال الفكر العربي المعاصر يخبر بها، لذلك، تعدّ الحداثة الغربية من أبرز المتغيرات التي نلج بواسطتها إلى فهم النصوص الفكرية العربية. وفي المقابل، يرى بعض الباحثين العرب أن الإشكالية لا تتعلق بالخيارات على المستوى النظري للفكر العربي المعاصر، وموقف العقل العربي من الحداثة الغربية ومدى وعيه بها، وإنما ترتبط بمدى وعي العقل العربي بالحداثة بغية اختراق الواقع الوجودي الذي يعيشه الإنسان العربي. ف «الواقع فكر، أو الاتحاد بالواقع والعيش معه والحديث بلغته وعلى مستواه. الواقع بطبيعته حركة، والفكر هو التعبير عن حركة الواقع. الواقع حركة مستمرة، يتجاوز حاضره إلى مستقبله، والتجاوز هنا إلى الأمام، في حركة التاريخ»، لذلك يعدّ الواقع المرتكز المحوري في عملية وعي العقل
(1((محمد عابد الجابري، إشكاليات الفكر العربي المعاصر (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1990)، ص.14 ((1(المرجع نفسه، ص.16-15 (1((حسن حنفي، في فكرنا المعاصر (بيروت: دار التنوير، 1981)، ص.15
العربي بالحداثة الغربية، و«الواقع هو مصدر الفكر سواء الفكر المصاغ سلفًا أو الفكر الجديد الذي ما زال يبحث عن صياغة. الواقع هو مصداق النظرية ومحك علميتها، ومن ثم كان النقاش حول أي النظريات نأخذ نقاشًا زائفًا لأن الواقع يفرض نظريته». وانطلاقًا من هذا الوعي البراغماتي بالحداثة الغربية، نتجاوز ثنائية الأصالة والمعاصرة في الفكر العربي المعاصر، وتعبر الأصالة والمعاصرة «عن الصلة بين الفكر والواقع، فالأصالة هي الفكر على مستوى التاريخ، والمعاصرة هي الواقع على مستوى السلوك. الأصالة أساس الفكر والمعاصرة إحساس بالواقع، والمشكلتان وجهتان لمنطق واحد وهو منطق التجديد الذي تعرضه الأصالة والمعاصرة على المستوى الأفقي والذي يعرضه الفكر والواقع على المستوى الرأسي». في حين، يرى الباحث بلقزيز، في دراسته للفكر العربي، أن الوعي بالحداثة الغربية تشكَّل عبر عديد المراحل التاريخية، وفي إمكاننا أن نؤرخ لهذا الوعي عبر ثلاثة أجيال فكرية، وقد أعطى مفهومه للحداثة، بقوله: «الحداثة بما هي ظاهرة في تاريخ الفكر الإنساني حملت معنى محددًا في وعي من استقر رأيهم على نعتها بالحداثة، وأنه حصل تمييز في ذلك الوعي بين منظومتها الفكرية وما سبقها من لحظات فكرية، مثل الإصلاح والنهوض، وبات العرف جاريًا على تعيين سماتها نحوًا من التعيين،
وبات العرف جاريًا على تعيين تخرج به من دائرة الاشتراك في وجوه الشبه مع ما يمكن وصفه بما قبل
الحداثة وبما بعد الحداثة». وبناءً على هذا المفهوم للحداثة، يرى الباحث بلقزيز أن كل حداثة في العالم تنهل من الحداثة
الغربية، بوصفها المصدر الأول والنموذج الملهم، و«من الثابت أن كل حداثة تنهل بالضرورة من الحداثة الأوربية بوصفها المصدر والأصل. لكن أيًا منها يتلون بلون المجتمع الخاص - الذي تنبع منه أفكار الحداثة - ويتكيف مع معطيات تاريخه ومواريثه»، لذلك، يرى أن الحداثة الفكرية العربية أتت نتاجًا للتواصل والاحتكاك مع الحداثة الغربية، ف «الحداثة الفكرية العربية
نجمت عن اتصال فكر عربي لم ينقطع بمصادر الفكر الغربي منذ قرن ونصف قرن، تخلله التقليد والاقتباس والتأويل والحوار والنقد، أي جميع أنواع الصلة التي يمكن أن ينسجها فكر مع آخر يؤثر فيه، لكنها في الوقت عينه نشأت كي تجيب عن أسئلة خاصة بالمجتمع العربي والثقافة العربية». ومر العقل العربي في رحلة الوعي بالحداثة الغربية بلحظتين، لحظة الإعجاب والتماهي بالحداثة الغربية وبكل منجزاتها، أطلق عليها بلقزيز لحظة النهضة، ثم تلتها بعدها لحظة الوعي بالحداثة الغربية، أولاهما، وتمتد حتى منتصف القرن العشرين، كان فيها نهضويًا، أي كان خطابًا في
((1(المرجع نفسه، ص.28 ((1(المرجع نفسه، ص.50 (2((عبد الإله بلقزيز، من النهضة إلى الحداثة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009)، ص.9 ((2(المرجع نفسه، ص.11 ((2(المرجع نفسه، ص.12
النهضة، وثانيهما، تبدأ من عقد الخمسينيات من القرن الماضي، كان فيها حداثيًا، أي خطابًا في
الحداثة. وصل في منظور بلقزيز الفكر العربي المعاصر إلى نوع من الوعي النقدي بالحداثة الغربية، ف «حرر الوعي العربي المعاصر من ثقل ذلك التجاذب الحاد، الذي أزمن فيه، بين تيارين أصالي وعصراني تبادلا الانتصار - كل من موقعه - لمنظومة فكرية ضد أخرى، أو في مقابلها، وتبادلا بالتبعية الجهل بغير ما انتصر له. ولقد كان تحرير العقل من هذه التقاطبية الحادة فيه يشكل بحد ذاته ثورة»، فلم تعد الثنائية تخترق الفكر العربي المعاصر، بل أصبح على وعي بالمنجز الحداثي، وبدأ يتعامل معها بأدوات تحليلية وتركيبية، تمكنه من الكشف عن مدلولاته بعيدًا عن التحيزات الأيديولوجية. ولا يختلف الباحث كمال عبد اللطيف مع بلقزيز في التأريخ لوعي العقل العربي بالحداثة الغربية، ويقصد بالحداثة تجديد منظومة القيم، بغية تحقيق الاندفاع والانطلاق نحو المستقبل، و«قوة الموقف الفلسفي الحداثي كما نفهمه تتمثل أولً وقبل كل شيء في وعي مبدأ المخاطرة الإنسانية الساعية إلى التغيير استنادًا إلى قيم جديدة، قيم بديلة لقيم التقليد المتوارثة وقيم العقل النصي»، لذلك، غلب على وعي العقل العربي في بداياته الأولى بالحداثة الغربية النزعة الانتقائية، فيأخذ المفاهيم التي تتجاوب معه، ويصد عن المفاهيم التي تتنافى مع تراثه الديني والحضاري، بينما وظيفة الفكر، «لا تتمثل في قدرته على التبرير والتكريس، بقدر ما تتمثل في جرأته وإقدامه في مجال بلورة الحدوس والتصورات القادرة على استباق ومغالبة ضغوط الواقع. حيث تساهم المواقف النقدية في تعزيز ممكنات التغير والتحول في التاريخ». ومن هذا المنطلق، يرى عبد اللطيف أن الوعي بالحداثة الغربية في الفكر العربي تدرج عبر لحظتين، اللحظة الأولى لحظة إدراك الفارق، والتي «لا تختفي أو تنقطع، إنها تنسى لتقدم علامة كبرى في طريق مفتوح، وقد استعملنا في نعتها مصطلحًا سيكولوجيًا ومفردة تستوعب طرفين، نقصد بذلك
فعل الإدراك، وعملية الإدراك الآخر». وتعد هذه الخطوة الأولى في مرحلة الوعي بالحداثة الغربية، ثم انتقل بعدها العقل العربي إلى لحظة وعي الذات، ف «وعي الذات الذي ننظر إليه اليوم كأفق صانع لكثير من مظاهر الإبداع في فكرنا المعاصر [...] يستند إلى قيم التاريخ التي تتردد في النظر إلى القطائع باعتبارها استمراريات مبدعة»، وفي هذه اللحظة بدأ العقل العربي المعاصر
((2(المرجع نفسه. ((2(المرجع نفسه، ص.15 (2((كمال عبد اللطيف، أسئلة الحداثة في الفكر العربي: من إدراك الفارق إلى وعي الذات (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2009)، ص.17 ((2(المرجع نفسه، ص.44 ((2(المرجع نفسه. ((2(المرجع نفسه، ص.11
يعي الحداثة الغربية من منظور ذاتي، من خلال قدرته الذاتية على المحاجّة والتفكير والنقد، ف «لا
شك أن المفكرين العرب المعاصرين، وربما انطلاقًا من العروي، شرعوا في انتهاج منحى جديد في التفكير، هو منحى نقدي في أدواته وإستراتيجيته، سواء تعلق الأمر بالإنتاج العربي القديم، أو بمنجزات الحداثة الغربية». توحي هذه التحليلات المعرفية بقوة صدمة الحداثة الغربية، وارتداداتها على وعي العقل العربي، فلا يزال العرب يفكرون إلى اليوم وينتجون خطاباتهم، وقلق الحداثة الغربية ينتابهم، ويتسرب لاشعوريًا إلى معظم نصوصهم الفكرية، ولن نجد أحسن من تعبير فتحي المسكيني الذي وصف
هذه الحالة السيكولوجية بالدهشة، ف «دهشة العرب من الحداثة هي أهم حدث روحي في تاريخهم المعاصر. وإن على من يدعي مهنة التفكير أن يشرع في التاريخ لذلك على نحو جذري. إن حب الاطلاع المتأصل في ثقافتهم الأولى قد اندثر فجأة، وأصاب وعيهم بالتاريخ انكسار عجيب؛ فالعلاقة بالحداثة ليست علاقة تقليدية بأمة أخرى، بل هي اصطدام روحي بأفق تاريخي لم يقع التهيؤ له أصلً». من هذا المنطلق، اخترنا شخصيتين فكريتين في هذه الدراسة هما: عبد الله العروي، وطه عبد الرحمن، تنتمي أعمالهما إلى الفكر العربي المعاصر. ومبررنا المنهجي في اختيارهما؛ الاختلاف في الأدوات المنهجية التي استخدمها كلاهما في صوغ مسألة الوعي بالحداثة، ونظرتهما إلى ظاهرة الحداثة الغربية، فقد شغل المفكرَين، إلى جانب الفهم المعرفي للحداثة، السعي لصوغ مقولات
حداثية، تنتقل معها المجتمعات العربية من وضع حضاري إلى آخر. ولا تكون قراءتنا لنصوصهما إلا بالاستئناس بالمنهجية التأويلية في قراءة النصوص، فمنهجية قراءة النصوص تكشف عن الوعي بالخلفية الأيديولوجية والمرجعية الثقافية والسياقات التاريخية التي كتبت فيها هذه النصوص؛ إذ «علينا أن ننظر إلى القراءة بوصفها اختلافًا عن النص لا تماهيًا معه، وأن نهتم بما تظهره قراءة النص من
التعدد والتنوع، والتفاضل والترجح، والاختلاف والتعارض، والتراتب والتنضيد، والتراكم والترسب. فالنص هو حقًا حيز كلامي أو مقالي يتعدد معناه، وتتفاضل دلالاته، وتتنوع مقاماته، وتختلف سياقاته».
نقد الوعي التجزيئي بالحداثة الغربية والتأسيس للحداثة العربية عند عبد الله العروي
استهل عبد الله العروي مشروعه الفكري بنقد أنماط وعي العقل العربي بالحداثة الغربية، ويأتي في مقدمتها نمط الوعي الديني بالحداثة الغربية، ذلك الوعي الذي تشكله مرجعية نصية دينية، ترى نفسها تمتلك الحقيقة المطلقة، فيرى العقل الديني أن أساس تقدم الغرب العقل والحرية،
(2((علي حرب، الفكر والحدث: حوارات ومحاور (بيروت: دار الكنوز الأدبية، 1997)، ص.34 3(((فتحي المسكيني، الهوية والزمان: تأويلات فينومينولوجية لمسألة النحن (بيروت: دار الطليعة، 2001)، ص.56 3(((علي حرب، النص والحقيقة: نقد الحقيقة (الرباط: المركز الثقافي العربي، 1993)، ص.18
ويعود الشيخ إلى الكتب «فيعثر وبدون تكلف على مرامه فيما سطره أعداء الكنسية المسيحية من الأحرار، يكتشف عندهم أن غاليلو قد امتحن وسجن، وأن ديكارت أهين [...] يستنكر هذه الفظائع ويذكر ما جاء في القرآن على لسان إبراهيم، الذي فند عبادة الكواكب وأرسى قواعد التوحيدية اعتمادًا على النظر»، يتصور العقل الديني باستخدام المنهج المقارن؛ أن الإسلام لا تتنافى مبادئه مع الأسس التي نهضت عليها الحداثة الغربية، وإذًا، يمكننا عن طريق التفاعل الحضاري من الولوج إلى الأزمنة الحديثة، من دون المرور بطريق النزعة اللادينية التي عرفتها المجتمعات الغربية. وتتمثل مشكلة الوعي الديني بالحداثة الغربية في مسألة المفاضلة بين النصوص والشخوص واللحظات التاريخية، بالنسبة إلى العروي لا يتم الحديث عن الغرب في جانبه التنويري بالتوفيق مع أطروحات بعض الشخصيات في نقد الديانة المسيحية، و«ما دمنا نقرأ كتاب القرن 18 هل نستطيع أن نتعرف على روسو ونتجاهل مونتسكيو؟ هل يمكن إلى ما لا نهاية استخدام أفكارهم ضد الكنسية المسيحية وحدها؟ يأتي وقت ندرك فيه أن فلسفة التنوير تمثل نسقًا فكريًا يحاكم نظامًا معينًا أينما وجد وتصرفًا معينًا أينما شوهد، وأن أوروبا لم تكن مملكة يحكمها البابا والقس وحدهما، بل كان يحكمهما كذلك الإمبراطور وخادمه النبيل الإقطاعي»، ومن ثم، يؤسس الوعي الديني لوعي تجزيئي بالحداثة الغربية، ويتحول معها كل فهم للغرب إلى نوع من التعامل البراغماتي مع منجزاتها، ومن المحال أن يسهم هذا الوعي في بلورة رؤية كلية للظاهرة الحداثية. يأتي النمط الثاني من أنماط الوعي بالحداثة الغربية ممثلً بالوعي السياسي، فيرى أصحاب هذا النمط من الوعي أن الحداثة هي الليبرالية السياسية، انتقلت معها المجتمعات الغربية من حكم الإمبراطوريات إلى حكم الجمهوريات، وأنشأت الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، وشيدت الدساتير ومنحت الحريات للأفراد، و«هكذا، يتصور التاريخ الزعيم الجديد وهو رجل قانون وسياسة، يمزج دعوة روسو بدعوة مونتسكيو. يفهم مثال الديمقراطية على شاكلة النظام البرلماني الإنكليزي، حيث تتمايز السلطات كما تتواسى أجزاءه المتجانسة»، ويرى العروي أن الإشكالية ليست في الدعوة الليبرالية التي يطرحها السياسي العربي، إنما في سطحية إدراكه لليبرالية الغربية، أين يقتلعها من جذورها التاريخية، ويحاول إسقاطها على الواقع العربي، متوهمًا أن الغرب تطور في الحقل السياسي دون غيره من الحقول الثقافية والاجتماعية الأخرى، فيتساءل العروي قائلً: «كيف يمكن للفكر العربي أن يستوعب مكتسبات الليبرالية قبل وبدون أن يعيش حالة ليبرالية؟».
3(((عبد الله العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة (الرباط: المركز الثقافي العربي، 1995)، ص.40 (((3 المرجع نفسه، ص.43 (((3 المرجع نفسه، ص.44 (((3 عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي (الرباط: المركز الثقافي العربي، 2006)، ص.174
لذلك، لا يعلن الليبرالي السياسي العربي الحرب على القيم الثقافية التقليدية، بل يدعو إلى المحافظة عليها، لأنها لا تتنافى في تصوره مع الليبرالية الغربية، بينما يرى العروي أن الليبرالية: «النظام الفكري المتكامل الذي تكون في القرنين السابع عشر والثامن عشر، والذي حاربت به الطبقة البرجوازية الفتية الأفكار والأنظمة الإقطاعية»، وبناءً عليه، لا يسهم هذا الوعي السياسي الليبرالي في فهم ظاهرة
الحداثة الغربية في أبعادها الشاملة. يمثل نمط الوعي الاقتصادي بالحداثة الغربية أحد أنماط الوعي التي عرفها العقل العربي، والتي لا تزال مستمرة إلى يومنا هذا، بالنسبة إلى هذا النمط من الوعي؛ الحداثة الغربية مشروع اقتصادي وظف العلم والتقنية في عملية التحول الحضاري، «وليس الغرب دينًا بدون خرافة ولا دولة بدون استبداد. الغرب بكل بساطة قوة مادية أصلها العمل الموجه المفيد والعلم التطبيقي. هذا ما يقرره بعنف الزعيم الجديد ساخرًا من أوهام الشيخ والسياسي الليبرالي»، ويتناسى أصحاب
الوعي الاقتصادي بالحداثة الغربية في العالم العربي كل العوامل الأخرى التي شكلت الحداثة، ليصوبهم العروي قائلً: «قام الغرب في بداية النهضة باكتشافات جغرافية كبرى، وبإصلاح ديني، وبإرساء قواعد علم طبيعي مبتكر. فلم ير وهو في عنفوان وجرأة الشباب، من ذاته إلا ذلك العقل المغامر المتحرر من كل قيد وذلك النشاط الدائب المتنوع. كان هذا الوعي الجديد يعادي الكنيسة ويتنافى مع الوعي التقليدي المرتبط بها، لكنه كان هو نفسه ذا طابع ديني، أو على الأقل كان يرتكز على قوة الوجدان الفردي»، وبناءً عليه، لا نختزل الحداثة الغربية في حزمة من
الإجراءات الاقتصادية التي انتقلت معها أوروبا من العصور الوسيطة إلى الأزمنة الحديثة، وإنما الحداثة مجموعة من التحولات الكبرى التي مست مختلف مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمعات الغربية. يرى العروي أن هذه الأنماط الثلاثة من الوعي قد تتساكن في لحظة تاريخية واحدة، كما يمكن أن نؤرخ لها عبر فترات تاريخية عديدة، فيحاول كل نمط أن يعلي من فهمه للحداثة الغربية ملغيًا
الفهوم المغايرة له. إلا أن هذه الأنماط الثلاثة ما هي إلا امتداد لحالة السجال، من جهة، مع الآخر (الغرب) الذي يعكسنا على الدوام، وحالة الانسداد على أرض الواقع من جهة أخرى، فتعبر، بلغة العروي، هذه الأنماط الثلاثة عن وعي مرتبط بفئات اجتماعية محدودة، لكنها لا تعبر عن وعي مجتمعي كلياني، و«توجد علاقة حقيقية بين أشكال الوعي عند الشيخ والزعيم والمهندس الداعي إلى التقنية والفئات الاجتماعية المقترنة بها، لكنها علاقة غير مباشرة، تكاد تكون خارجية عن المجتمع العربي». يؤدي هذا الوعي التجزيئي بالحداثة الغربية إلى تشكيل وعي مزدوج بها، ف «يقدم لنا الغرب وجهين،
(((3 المرجع نفسه، ص.175 (((3 العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة، ص.47 (((3 المرجع نفسه، ص.54 (((3 المرجع نفسه، ص.60
وجه حقيقته الواقعة (غرب الظاهر)، ووجه آماله وأهدافه (غرب الحلم)، يطمح دائمًا غرب الظاهر إلى أن يفرض نفسه علينا كوحدة متماسكة متعالية. حاربناه دائمًا باسم ماضينا الحافل وباسم العدل والروح. لكن غرب الحلم، غرب القيم العليا والآمال العريضة، تلك التي توحي بها علومه وفنونه، ترى هل أصغينا إلى ندائه؟»، لذلك، تغلب النزعة الانتقائية على وعي العقل العربي بالحداثة الغربية، والإشكال أن هذه الأنماط الثلاثة التي ينفي بعضها بعضًا لم تفضِ إلى فهم عقلاني بالحداثة الغربية، بل ظلت وميضًا فكريًا يتوهج في لحظة تاريخية ما ليخفت في لحظة تاريخية أخرى، «وما من مذهب عندنا إلا وهو مزيج من أصول مختلفة، ينتقي من ذخائر الإنسانية ما يفيده في الحين، فينشأ عن ذلك الانتقاء تداخل وتشابك واهتزاز يعجب له كل من تعود على إعطاء التاريخ اتجاهًا واضحًا ثابتًا». إذا أردنا أن نؤسس وعيًا عميقًا بالحداثة الغربية، علينا المرور حتميًا عبر مسلك التاريخية، فكل
الأنماط الثلاثة السابقة الذكر، تسقط من وعيها بالحداثة الغربية المسألة التاريخية، بينما يرى العروي أن فهم الحداثة يقتضي عدّها ظاهرة تاريخية بامتياز، وليست حدثًا منفصلً عن مسار التاريخ الإنساني وتطوراته، ف «الحاجة إلى الاحتماء بالتاريخ لا تهم كل الأطراف في نفس الوقت، فالسياسي الليبرالي مثلً، عندما يكون في قمة قوته ونفوذه لا يعبأ بالماضي، وكذلك داعية التقنية أو ما يتسلم مهام القيادة، المفتون بالتاريخ، إنما هو الشيخ، يهتم به ويستغل معطياته يقوى بها في بداية عمله، عندما يكون يقود المقاومة ضد المستعمر الغازي، ثم في مرحلة لاحقة عندما يتحالف داخل الدولة القومية المقيتة بعينه مع كل من تحمس للأصالة من برجوازيين مهزومين ومثقفين يائسين». ومن هذا المنطلق، يرى العروي أن الماركسية في صورتها الأيديولوجية الأداة المثلى التي نشغلها في عملية الوعي بالحداثة الغربية، لكن شرط فهم الماركسية كما في كتاب الأيديولوجيا الألمانية لماركس، وليست الماركسية التي تنتقد الليبرالية ممثلة في حاملها الاجتماعي (البرجوازية)، ذاك أن الأيديولوجيين العرب «قد عثروا بذلك على الطريق التاريخانية: وكما أن ماركس خدمهم كموجز قياسي للبرجوازية، فإن لينين قد اختصر لهم حبل الهيمنة الإمبريالية وماو تسي تونغ الثورة الديمقراطية القومية»، ومفاد هذا التصور؛ تمثل الحداثة نقطة من نقاط التاريخ الكوني الذي بلغته المجتمعات الغربية، وكذلك، تمثل الحداثة اللحظة التاريخية التي تغلبت فيها الطبقة البرجوازية على الطبقة الإقطاعية، وكل فكر هو تجلٍّ لهذا الوجود الاجتماعي الحديث، فعلى العقل العربي أن يستوعب هذه الحقيقة، فلا يعي الحداثة من خلال النصوص الفلسفية، بل يتم وعيها من خلال تحليل حركة الواقع الاجتماعي الغربي.
(4((المرجع نفسه، ص.83 (4((المرجع نفسه، ص.90 (4((المرجع نفسه، ص.97 (((4 عبد الله العروي، أزمة المثقفين العرب تقليدية أم تاريخانية؟ ترجمة ذوقان قرقوط (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1978)، ص.95
بناءً عليه، تكسبنا الماركسية في بعدها الأيديولوجي وعيًا نقديًا بتجليات الحداثة الغربية في
سياق تاريخي كوني، كما تسهم في بناء هذا الوعي عبر مسلك نقد اللحظة التاريخية الراهنة، ف «الماركسية تزود بأيديولوجية قادرة على رفض التقليدي دون أن تبدو خاضعة لأوروبا، على رفض شكل خاص من المجتمع الأوربي دون أن يكون مضطرًا للرجوع إلى التقليدي. فضلً على أن
الفرد الذي يتبناها لا يكون مدعوًا كالمفكر الليبرالي إلى وجوب الاختيار بين حقيقة ذاتية واعتقاد
شعبي، وإنما تكون له إمكانية العمل على مطابقة الاثنين بوسيلة التطبيق العلمي لملكية وسائل الإنتاج». كذلك، يعثر المثقف العربي على ماركس في طريقه لاستيعاب التأخر التاريخي، وفي الحصيلة، تشكل الماركسية مدخلً مفهوميًا في الوعي بأوضاع العالم العربي، «والمفهوم المركزي الذي سيلعب دورًا
كبيرًا في اللقاء بين مفكري العالم الثالث وماركس سيكون مفهوم التأخر التاريخي الذي يكاد يكون في
حقيقة الأمر، حصيلة تجربة ولا يحتاج البتة لأن يبعد أو ينتقد»، فالمثقف العربي مفكر لا تاريخي، يسقط التاريخ من حساباته الواقعية، بينما التاريخ بالنسبة إلى العروي هو المدخل المركزي لتأسيس الحداثة العربية، «والتاريخ من حيث هو بنية ماضية - حاضرة يشكل الشرط الحالي للعرب تمامًا
بمقدار ما يشكل خصومهم. ذلك أن الفكر اللاتاريخي يؤول إلى نتيجة واحدة: عدم رؤية الواقع». وللتغلب على الفكر العربي السلفي أو الانتقائي يجدر بنا الاحتكام إلى التاريخ، «والوسيلة الوحيدة للتغلب على هذين النمطين من الفكر نجدها في الانقياد الدقيق لنظام الفكر التاريخي، مع تقبل جميع افتراضاته [...] وجود قوانين التطور التاريخي، وحدانية اتجاه التاريخ، قابلية نقل المكتسبات، فعالية دور المثقف والسياسي». تعدّ التاريخانية في نظر العروي الأداة المنهجية المثلى التي تمكننا من الوعي باللحظة التاريخية التي تعيشها المجتمعات العربية، ف «الفكر التاريخي أو التاريخانية وحده يضع في حوزة المثقف العربي إمكانية وعي التأخر التاريخي في نظر عبد الله العروي. والماركسية عنده هي مدرسة الفكر التاريخي. لكنه لا يأخذها بإطلاق مميزًا فيها بين ماركسية ماركس الصناعي، وماركسية ماركس الأيديولوجية الألمانية». على هذا الأساس، يرى عبد الله العروي لتأسيس الحداثة العربية أن علينا أولً أن نصحح سؤال الانطلاق، والسؤال الصائب في رأيه: نحن متأخرون بالنسبة إلى ماذا؟ ف «يضع مفهوم التأخر التاريخي مفهوم التبعية في حدوده الموضوعية ويكشف عن تواضعها: يكشف عن قصوره في إدراك منظومة العوامل المختلفة الكامنة وراء التخلف، بما فيها العوامل غير الاقتصادية، ومنها العوامل الأيديولوجية
(((4 المرجع نفسه، ص.160 (((4 المرجع نفسه، ص.129 (((4 المرجع نفسه، ص.152 (((4 المرجع نفسه. (((4 بلقزيز، ص.150
والثقافية، ويكشف عن نمطيته الذهنية التي تردد مقولاتها في مختلف الأوضاع والظروف دون أن تعي شروط الواقع التاريخي». والإجابة عن هذا السؤال، تمكننا من بناء وعي نقدي بأوضاعنا التاريخية الراهنة، ونتمكن من تحديد تخلفنا بالنسبة إلى المجتمعات الغربية، ونكف عن استخدام المنهج الانتقائي والبراغماتي في التفاعل مع المنجزات الحداثية. وجماع القول في هذا، إن التاريخية تعد هي المحدد الأساسي في الوعي بالحداثة الغربية، وهي في بعدها الأيديولوجي الأداة المنهجية المركزية في الوعي بالأوضاع التاريخية العربية. ويكف العقل العربي عن استخدام منهج المقارنات في عملية الوعي بالحداثة الغربية، كما أن خصوصية التاريخ العربي لا أساس منهجيًا يدعمها، فما وصلت إليه المجتمعات الغربية يسير إليه باقي المجتمعات
الإنسانية، لذلك، تبقى الحداثة المشروع الوحيد الذي علينا أن ننخرط فيه، إذا ما أردنا التأسيس لحداثة عربية.
نقد الوعي المقلد والتأسيس للحداثة الإسلامية عند طه عبد الرحمن
استهل طه عبد الرحمن مشروعه الفكري بنقد ظاهرة الوعي المقلد في الفكر العربي، فيرى أن الفكر العربي في معظمه فكر مقلد لا صلة له بعالم الإبداع، يردد مقولات ومفاهيم صيغت في سياقات تداولية وتاريخية مغايرة، ويسقطها على الواقع الذي يحياه الإنسان العربي، فلا يثمر الفكر المقلد علميًا، ولا يسهم في تحقيق النقلة الحضارية عمليًا، ف «المرء ليعجب أشد العجب من بعض
المثقفين من بني جلداتنا الذين لا يجدون مذلة، ولا شناعة، ولا حتى حرجًا في تقليد الآخرين
فيما استحدثوه من أنماط تفكيرهم [...] جاعلين من تقليدهم عين اجتهادهم ومن جمودهم عين إبداعهم؛ فحسبهم من الحداثة أن ينقلوا عن غيرهم الفكرة تلو الفكرة والعبارة تلو العبارة». وينقسم المقلدة في الفكر العربي إلى: مقلدة المتقدمين، ومقلدة المتأخرين، «وكلا النوعين من المقلدة لا إبداع عنده، إذ مقلدة المتقدمين يتبعون ما أبدعه السلف من غير تحصيل الأسباب التي جعلتهم يبدعون؛ ومقلدة المتأخرين يتعبون ما أبدعه الغرب من غير تحصيل الأسباب التي جعلتهم يبدعون ما أبدعوه». وعلى هذا الأساس، تعامل العقل العربي مع مفهوم الحداثة الغربية، فجرى تعويم المفهوم إلى أن أصبح مفهومًا هلاميًا لا يمكن القبض عليه، وخصت به المجتمعات الغربية دون غيرها من
المجتمعات، ويرى طه عبد الرحمن أن هذا التسطيح مردّه الوعي التجزيئي بالحداثة الغربية، بحيث فصل بين روح الحداثة وواقعها، و«الرأي الذي نرتضيه هو أن الحداثة عبارة عن إمكانات متعددة،
(((4 المرجع نفسه، ص.148 5(((طه عبد الرحمن، بؤس الدهرانية: النقد الائتماني لفصل الأخلاق عن الدين (بيروت: الشبكة العربية الأبحاث والنشر، 2016)، ص.131 5(((طه عبد الرحمن، روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية (المغرب: المركز الثقافي العربي، 2006 ص)،.12
وليست كما رسخ في الأذهان، إمكانًا واحدًا. وينهض دليلنا على ذلك أن المشهد الحداثي الغربي ليس بالتجانس المضمون، بل فيه من التنوع ما يجوز معه الكلام عن حداثات كثيرة، لا حداثة واحدة». انطلاقًا من الرؤية التعددية إلى ظاهرة الحداثة، يرى طه عبد الرحمن أن هناك حداثات تعكس إمكانات وخيارات تتبناها كل جماعة حضارية، «كما أن للحداثة الغربية أشكالً مختلفة، فكذلك ينبغي أن تكون للحداثة الإسلامية أشكالٌ مختلفة؛ لذا، فإن مقاربتنا للحداثة الإسلامية هي، على الحقيقة، مقاربة لواحد من الأشكال التي يجوز أن تتخذها الحداثة الإسلامية»، فليس شرطًا أن نستنسخ التجربة الحداثية الغربية، على ما حققته من مكاسب للإنسانية. في طريق التأسيس لمفهوم مخصوص بالحداثة، علينا أن ننطلق من نقد الوعي بالحداثة الغربية في الفكر العربي، فانتقد طه عبد الرحمن الرؤى العديدة لمفهوم الحداثة، وهاله مقدار التحريف والتزييف الذي نال المفهوم، والرؤى التجزيئية له، فمنهم من نظر إليها على أنها ظاهرة سياسية، والبعض عدّها فترة تاريخية عرفتها المجتمعات الغربية، والبعض الآخر أكد أنها العلم والتقنية، ف «الملاحظ على هذه التعاريف على اختلاف قوة إحاطتها بمفهوم الحداثة تقع في تهويل هذا المفهوم حتى بدو الحداثة وكأنها كائن تاريخي عجيب يتصرف في الأحياء والأشياء كلها تصرف الإله القادر، الذي لا راد لقدره؛ والحال أن هذا التصور للحداثة تصور غير حداثي، لأنه ينقل الحداثة من رتبة مفهوم عقلي إجرائي إلى رتبة شيء وهمي مقدس». في المقابل، يسهم الوعي المركب بالحداثة الغربية في بيان أن الحداثة تنقسم إلى روح وواقع، فوعي العقل العربي بالحداثة الغربية هو وعي واقعها، فلم يرتق بعد إلى الوعي بمبادئ الحداثة أو روحها. وعلينا الفصل في تصور طه عبد الرحمن بين الحداثة وروحها، تجاوزًا لهذه المفاهيم المتكاثرة حول الحداثة، و«لا خلاف في أن الخصائص التي تميز روح الحداثة يجدر طلبها في جملة المبادئ التي يفترض أن الواقع الحداثي يحققها أو قل يطبقها؛ ويبدو أن خصائص هذه الروح تقوم في مبادئ ثلاثة أساسية هي: مبدأ الرشد، مبدأ النقد، ومبدأ الشمول». لذلك، الوعي العقلاني بالحداثة الغربية يقصد به الوعي بالمبادئ التي تتأسس عليها أي حداثة في العالم، وليس القصد منها الحداثة التي عرفتها المجتمعات الغربية، فأول هذه المبادئ؛ مبدأ الرشد، ومقتضى هذا المبدأ «أن الأصل في الحداثة الانتقال من حالة القصور إلى حالة الرشد، إن القصور هو اختيار التبعية للغير، وتتخذ التبعية أشكال مختلفة: أحدها، التبعية الاتباعية؛ وهي أن يسلم القاصر قياده عن طواعية لغيره ليفكر مكانه حيث كان يجب أن يفكر هو بنسفه [...] والتبعية الاستنساخية، وهي
(5((المرجع نفسه، ص.13 (((5 المرجع نفسه، ص.18 (((5 المرجع نفسه، ص.24 (((5 المرجع نفسه.
أن يختار القاصر بمحض إرادته أن ينقل طرائق ونتائج تفكير غيره وينزلها بصورتها الأصلية على واقعه وأفقه [...] والتبعية الآلية؛ وهي أن ينساق القاصر، من حيث لا يشعر، إلى تقليد غيره في مناهج تفكيره ونتائجه لشدة تماهيه مع هذا الغير». يسهم وعي العقل العربي بمبدأ الرشد في الخروج من حالة القصور المعرفي والعجز الفكري، وفي هدم فكرة الاتباع الطوعي لما ينتجه العقل الغربي، كما أنه نقد ضمني لأطروحة عبد الله العروي في أن الحداثة الغربية نستوعبها بأدواتها الداخلية ممثلة في الأيديولوجيا الماركسية، فيعني مبدأ الرشد أن نفكر في أوضاعنا الحضارية من دون أن يفكر الآخر بدلً منّا. إن الوعي بمبدأ النقد، و«مقتضى هذا المبدأ هو أن الأصل في الحداثة هو الانتقال من حالة الاعتقاد إلى حالة الانتقاد، والمراد بالاعتقاد هنا هو التسليم بالشيء من غير وجود دليل عليه؛ ومقابله هو الانتقاد فيكون حده هو المطالبة بالدليل على الشيء كي يحصل التسليم به»، يسهم في إخضاع كل المنظومات الفكرية والثقافية إلى عملية النقد والتمحيص، وليس النقد في اتجاه التراث الإسلامي فقط، بحجة أن الحداثة الغربية بدأت بنقد التراث المسيحي وتجاوزته، بل تعني أن نبدأ أولً بنقد التراث الحداثي ذاته. إن الوعي بمبدأ الشمول الذي مقتضاه، «أن الأصل في الحداثة الإخراج من حالة الخصوص إلى حالة الشمول؛ والمراد بالخصوص وهنا شيئين هما: وجود الشيء في دائرة محدودة، ووجود الشيء بصفات محددة»، ويسهم الوعي بهذا المبدأ في التأسيس لرؤية شاملة في النظر إلى الأشياء والعالم، ويقضي بالتوسع في كل مجالات الحياة الإنسانية، والتعميم على باقي المجتمعات. تأسيسًا على الوعي بالمبادئ الثلاثة للحداثة، خلص طه عبد الرحمن إلى مجموعة الأفكار الآتية: • بلورة وعي بتعدد تطبيقات مبادئ الحداثة، فإذا وعينا أن للحداثة روحًا خالصة، أو مجموعة من المبادئ التي تنهض عليها، يجب أن يمتد هذا الوعي إلى أن تكون تطبيقات هذه المبادئ متعددة، فيطبق كل مجتمع حضاري هذه المبادئ كيفما يشاء، وفق خياراته الحضارية والثقافية والفكرية، «ذلك أن روح الشيء تختص بكونها تقدر التجلي في أكثر من مظهر واحد، فكذلك، روح الحداثة؛ فهذه الروح ما تقدم عبارة عن جملة من المبادئ: ومعلوم أن المبدأ لا يستنفده أبدًا تطبيق واحد». ومن هذا التصور، لا يصبح الواقع الحداثي الغربي إلا أحد الممكنات التي تجلت فيها هذه المبادئ، فلئن أخذت المجتمعات العربية بهذه المبادئ، فلا يعني أن نستنسخ التجربة الغربية في المجال التطبيقي، بل عليها أن تنتج واقعًا حداثيًا مخصوصًا بها.
(((5 المرجع نفسه، ص.25 (((5 المرجع نفسه، ص.26 (((5 المرجع نفسه، ص.28 (((5 المرجع نفسه، ص.30
• يسهم الوعي بخصوصية واقع الحداثة الغربية في الكف عن استيراد منتجات الواقع الحداثي الغربي؛ بغية تحقيق التحول الحضاري المنشود، فالأصل أن نبدأ من روح الحداثة لا من تطبيقاتها. فالواقع الحداثي هو مخصوص بالمجتمعات الغربية، صنعته مجموعة عوامل سياسية ودينية وثقافية لا يمكن تكراراها في مجتمعات أخرى، وإلا نفينا مبدأ التحولات التاريخية، وسلمنا بالأطروحات التي تؤكد نهاية التاريخ، ولقد اتضح «أن واقع الحداثة في مجتمعات الغرب لا يعدو أن يكون واحدًا من الإمكانات التطبيقية المتعددة والمختلفة التي تحملها روحها كما حددتها المبادئ الثلاثة السالفة الذكر». • ضرورة الوعي بأصالة روح الحداثة، فيدعي بعض الكتاب العرب أن روح الحداثة روح غربية خالصة، بينما تكشف الدراسات التاريخية أن هذه المبادئ الثلاثة طبقتها كل المجتمعات التي أسست حضارات عبر التاريخ الإنساني، «وليست روح الحداثة، كما غلب على الأذهان، من صنع المجتمع الغربي الخاص، حتى كأنه أنشأها من عدم، وإنما هي من صنع المجتمع الإنساني في مختلف أطواره، إذ إن أسبابها تمتد بعيدًا في التاريخ الإنساني الطويل». ومرد الاختلاف بين
المجتمعات الحضارية يعود إلى تطبيقات هذه المبادئ لا إلى المبادئ أصالةً، وإذًا، يسهم الوعي بأصالة روح الحداثة في إمكانية التأسيس لحداثة عربية، لا تنطلق من التطبيق الحداثي الغربي،
وإنما تنطلق من خصوصيتها الثقافية والسياسية والدينية، ف «ليست روح الحداثة ملكًا لأمة بعينها غربية كانت أو شرقية، وإنما هي ملك لكل أمة متحضرة، أي نهضت بالفعلين المقومين لكل تحضر، وهما الفعل العمراني، وهو الجانب المادي من هذا التحضر، والفعل التاريخي الذي هو الجانب المعنوي منه». • الحداثة هي الوعي بالقيام بمجموعة من المتطلبات والواجبات التي يفرضها الزمن التاريخي، وبناءً عليه»، فالحداثة عبارة عن نهوض الأمة - كائنة ما كانت - بواجبات واحد من أزمنة التاريخ
الإنساني بما يجعلها تختص بهذا الزمن من دون غيرها وتتحمل مسؤولية المضي به إلى غايته في تكميل الإنسانية». ومن هذا المنطلق، يرى طه عبد الرحمن أنه لتأسيس حداثة إسلامية علينا الأخذ بمجموعة النقاط التالية: - إن العقل العربي مطالب بوعي نقدي بالمآلات التي انتهت إليها تطبيقات روح الحداثة في المجتمعات الغربية، ف «هذا التطبيق قد دخلت عليه آفات مختلفة جعلته يبدو وكأنه محكوم بقانون عام قد نسميه بقانون انقلاب المقصود إلى ضده: ومقتضاه أن هذا التطبيق توصل في كثير من الحالات إلى نتائج مضادة للنتائج التي كان يتوخاها أصحابه أو يتوقعونها أو يراهنون عليها».
(6((المرجع نفسه. (6((المرجع نفسه. (6((المرجع نفسه، ص.31 (((6 طه عبد الرحمن، الحداثة والمقاومة (بيروت: معهد المعارف الحكمية، 2007)، ص.20 (((6 عبد الرحمن، روح الحداثة، ص 3.2
ويتقاطع طه عبد الرحمن مع عديد من التيارات الفلسفية الغربية التي تنتقد الآفات الخلقية التي جلبتها الحداثة. - تأسيس وعي نقدي في الفكر العربي بأن الحداثة هي حداثة جوانية، فتكون «الحداثة تطبيقًا داخليًا، لا تطبيقًا خارجيًا. إن الدعوى القائلة بأن هناك حداثتين اثنتين: حداثة من الداخل أو
باصطلاح بعضهم حداثة جوانية، وحداثة من الخارج باصطلاح هؤلاء حداثة برانية دعوى باطلة»، وبطلان هذه الدعوى مرده إلى أن عمليات التحديث التي فرضت على المجتمعات غير الغربية في الحقبة الكولونيالية لم تؤدِّ إلى حداثتها، بقدر ما أدت إلى تفكيك بناها الاجتماعية التقليدية من دون المقدرة على تأسيس بدائل حداثية لها. لذلك، تنبع الحداثة من الذات المجتمعية وإلا لا تكون حداثة. - ضرورة الوعي بالمحدد الإبداعي في الحداثة في المجال التداولي العربي، بأن تكون «الحداثة تطبيقًا إبداعيًا، لا تطبيقًا اتباعيًا؛ فالحداثة لا تنال إلا بطريق الإبداع، بمعنى أنه على الحداثي أن
يبدع في تحقيق جميع أركانها السالفة الذكر؛ فينبغي أن يبدع في تعقيله الأشياء وتفصيله بينها، وأن يبدع في استقلاله عن غيره، بل أن يبدع في إبداعه؛ كما ينبغي أن يبدع في توسيع أفعاله إلى مختلف المجالات وتعميم مبدعاته على ما عاداه، فليس الإبداع وجهًا واحدًا يقف عنده، وإنما وجوه عدة يخير بينها». عملية التقليد لا تثمر ولا تؤتي أكلها الحضاري، وجل ما تنتجه عمليات التقليد الذي مارسته المجتمعات العربية لعقود زمنية تكوين بنى اجتماعية وثقافية هجينة، فلا هي مجتمعات حداثية على النمط الغربي، ولا هي مجتمعات تقليدية ما قبل حداثية، وتكرس هذه الثنائية مزيدًا من التشظي والانقسام الاجتماعي، وهدرًا للطاقات الاجتماعية بدلً من النهوض
الحضاري.
خاتمة
إن أهم النتائج التي توصلنا إليها في هذه الدراسة، نجملها في مجموعة النقاط الآتية: • تقلب وعي العقل العربي بالحداثة الغربية في أطوار عديدة، ظل الثابت في كل طور فيها؛ يبرز مفهوم محدد للحداثة الغربية، وينقلب الوعي بهذا المفهوم رأسًا على عقب في كل طور، فمن
التماهي الكلي مع المبادئ التي نهضت عليها الحداثة الغربية إلى الصد الكلي عنها. وظف العقل العربي في هذه الأطوار العديد من الأدوات المنهجية والمعرفية لاستيعابها، وحاول جاهدًا التعرف إلى السر الخفي الذي نقل المجتمعات الغربية من مرحلة الانحطاط إلى مرحلة الإنجاز الحضاري.
(((6 المرجع نفسه، ص.34 (((6 المرجع نفسه.
• أسس الفكر العربي المعاصر لوعي نقدي بالحداثة الغربية، على عكس الوعي الإعجابي الذي سقط فيه الفكر العربي الكلاسيكي. فيكشف عديد من الأعمال الفكرية العربية المعاصرة التي تناولت الحداثة الغربية عن وعي نقدي لدى كتابها بالآليات والأدوات التي وظفتها الحداثة الغربية، وساجلتها من منطلق ذاتي مستفيدة من أدواتها الفكرية والمنهجية، وسعت إلى تفهمها واستيعابها انطلاقًا من خصوصية المجال التداولي العربي، فأعطى هذا الوعي دفعة قوية في مسار استيعاب المنجزات الحداثية الغربية. • انتقد عبد الله العروي الوعي التجزيئي للعقل العربي بالحداثة الغربية، وحاول التأسيس لوعي كلي بها، فعدّ الأيديولوجيا الماركسية الأداة الفكرية والمنهجية الذي يستخدمها المثقف العربي في عملية الوعي النقدي بالحداثة الغربية، وأن التاريخانية تكسبنا وعيًا بالتأخر التاريخي المزمن
الذي تعانيه المجتمعات العربية. وعلى وجاهة ما طرحه العروي، فإن فكرته عن الماركسية لم تسلم من النقد، فمحاولة فهم ظاهرة الحداثة عبر مسار الماركسية، أبان عديد من الدراسات الفلسفية والثقافية المعاصرة عن تهافته، وتهافت أطروحة اختزال التاريخ الحداثي في المتغير الاقتصادي، وأكدت تلك الدراسات البعد التكاملي للعناصر المشكلة لحركة التاريخ الإنساني، كما أن فكرة وحدة التاريخ أو التاريخ الكوني لم يعد لها ما يسندها في الواقع الحضاري المعاصر. • انتقد طه عبد الرحمن الوعي المقلد للحداثة الغربية لدى المفكرين العرب، بحيث جعل البعض الحداثة بمرتبة المتعالي الذي لا يدرك جوهره، بينما يكشف الوعي النقدي بالمفهوم أن هناك فرقًا بين روح الحداثة ممثلة بمبادئها الثلاثة: مبدأ الرشد، ومبدأ النقد، ومبدأ الشمول، وبين واقعها التطبيقي؛ كما يتجلى في المجتمعات الغربية، ويرى طه أن الوعي بهذا الفصل بين روح الحداثة وواقعها، يسهم في التأسيس لحداثة إسلامية مخصوصة بالمجتمعات العربية. ويعدّ هذا المفهوم للحداثة نقدًا ضمنيًا لأطروحة عبد الله العروي؛ إذ انتقد العروي وعي العقل العربي بالبعد التطبيقي
للحداثة ممثلً بالليبرالية السياسية والاقتصادية، لكنه جعل من الأيديولوجيا الماركسية أحد تطبيقات مبدأ الرشد في الحداثة الغربية إلى روحها؛ ما أوقع خطابه في التناقض المعرفي في فهم ظاهرة الحداثة الغربية، على الرغم من الصلابة المعرفية لمفهوم التأخر التاريخي الذي سكه في فهم تخلف المجتمعات العربية.
المراجع
References
باومان، زيغمونت. الحداثة السائلة. ترجمة حجاج أبو جبر. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،
بلقزيز، عبد الإله. من النهضة إلى الحداثة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2009 تورين، آلان. براديغما جديدة لفهم عالم اليوم. ترجمة جورج سليمان. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2012
حرب، علي. الفكر والحدث: حوارات ومحاور. بيروت: دار الكنوز الأدبية،.1997 ---. النص والحقيقة: نقد الحقيقة. الرباط: المركز الثقافي العربي، 1993. حنفي، حسن. في فكرنا المعاصر. بيروت: دار التنوير،.1981 ريكور، بول. محاضرات في الأيديولوجيا واليوتوبيا، ترجمة فلاح رحيم. القاهرة: دار التنوير،.2002 سبيلا، محمد. مدارات الحداثة. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2009 الجابري، محمد عابد. نحن والتراث. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1982 ---. إشكاليات الفكر العربي المعاصر. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1990 ---. الخطاب العربي المعاصر: دراسة تحليلية نقدية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،
عبد الرحمن، طه. روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية. المغرب: المركز الثقافي العربي،.2006 ---. الحداثة والمقاومة. بيروت: معهد المعارف الحكمية،.2007 ---. بؤس الدهرانية: النقد الائتماني لفصل الأخلاق عن الدين. بيروت: الشبكة العربية الأبحاث والنشر،.2016 العروي، عبد الله. أزمة المثقفين العرب تقليدية أم تاريخانية؟ ترجمة ذوقان قرقوط. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.1978 ---. الأيديولوجيا العربية المعاصرة، الرباط: المركز الثقافي العربي،.1995 ---. العرب والفكر التاريخي، الرباط: المركز الثقافي العربي،.2006 لالاند، أندريه. موسوعة لالاند الفلسفية. تعريب خليل أحمد خليل. بيروت: منشورات عويدات،
ماركس، كارل وفرديريك إنجلز. الأيديولوجيا الألمانية، ترجمة فؤاد أيوب. دمشق: دار دمشق،.1976 المسكيني، فتحي. الهوية والزمان: تأويلات فينومينولوجية لمسألة النحن. بيروت: دار الطليعة، 2001. المسيري، عبد الوهاب. دراسات معرفية في الحداثة الغربية. القاهرة: دار الشروق،.2006 حجازي، مصطفى. الإنسان المهدور: دراسة تحليلية نفسية اجتماعية. الرباط: المركز الثقافي العربي،
بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2008 هيغل. موسوعة العلوم الفلسفية. ترجمة إمام عبد الفتاح إمام. مصر: دار التنوير،.2000
هابرماس، يورغن. القول الفلسفي للحداثة. ترجمة فاطمة الجيوشي. دمشق: منشورات وزارة الثقافة،
هوسرل، إدموند. أزمة العلوم الأوروبية والفنومينولوجيا الترنسندنتالية. ترجمة إسماعيل المصدق.