Return to Article Details Book Review Archipelagos Postmodern Human Self-Bets: From Intellectual Isolation to Emancipation By Mohamed Bekkai

مراجعة في كتاب : أرخبيلات ما بعد الحداثة رهانات الذات الإنسانية: من سطوة الانغلاق إلى إقرار الانعتاق لمحمد بكاي

Book Review Archipelagos of the Post-Modern: Trusting Humanity to Choose Emancipation By Mohamed Bekkai

نيروز ساتيك *

Nerouz Satik *

((6(

الملخّص

الجديد الذي يقدمه المؤلف في هذا الكتاب هو مناقشة ابتكار الآخر والغيرية، حيث يعالج إشكالياتها السياسية وقضاياها الأخلاقية والجندرية، وفحص أساليبها في الفكر والفن والكتابة. فقد أضحى الآخر الغريب لازمة فكرية في عصر الاختلاف. هي نظرات ما بعد حداثية ثائرة على مركزيات الذات وأساطير الأنا، لتحقق نوعًا من المقاومة لهذه الثقافة الأحادية وتشتغل كعقل مضاد لهذه الهيمنة والمركزية.

Abstract

The author presents a new look at the debate surrounding the concept of the Other and Otherness. He addresses the associated political problems and issues of ethics and gender, and examines their methods of thought, art and writing. These are post-modernist views that revolve around the centrality of self and the myths of the ego, to achieve a kind of resistance to this monolithic culture and act as a counterpoint to this dominance and centralism.

الكلمات المفتاحية:
  • مابعد الحداثة
  • الذات الإنسانية
  • الغيرية
  • المركزية
Keywords:
  • Postmodernism
  • The Self
  • The Other
  • Centralism

الكتاب: الانغلاق إلى إقرار الانعتاق. الكاتب: محمد بكاي. مكان النشر: بيروت. الناشر: إدار مكتبة الرافدين. عدد الصفحات: 139 صفحة.

أرخبيلات ما بعد الحداثة، رهانات الذات الإنسانية: من سطوة

من الإنسان؟ وما الإنساني؟ وما الذات الإنسانية؟ هي التساؤلات التي يطرحها هذا الكتاب في عصر ما بعد الحداثة. نسبية المعرفة، والبحث عن مزيد من الأسئلة التي لا تتوقف عن تفريخ أصوات لانهائية من الأسئلة المتجددة، غاية المؤلف من هذا الكتاب، كما شأن عالم ما بعد الحداثة. فلا الكاتب يدعي تقديم نزعة علمية ذات حقيقة مطلقة أو غاية نسقية وانتظامية، بقدر ما يفاجئ القارئ بلا استقراريته ووعورة جغرافيته وتنوعاتها عبر الثقافة وإنتاجها. ولذلك، يستند الباحث إلى أفكار المفكر الفرنسي ميشال فوكو في نقد الحداثة وأوهامها في تقديم إجابات خالصة، وتصورات جوليا كريستيفا في إعادة تفكيك التصور الأنثروبولوجي للإنسان، قبل أن يشرح فكر جاك دريدا، ليوضح أن الحقيقة ليست أصلية وليست واحدة وحيدة، بقدر ما هي ديناميكية، متعددة، ولانهائية، وغير قابلة للوصول الحتمي. الجديد الذي يقدمه المؤلف في هذا الكتاب هو ابتكار الآخر والغيرية؛ بحيث يعالج إشكالياتها السياسية وقضاياها الأخلاقية والجندرية، ويفحص أساليبها في الفكر والفن والكتابة. فقد أضحى الآخر الغريب لازمة فكرية في عصر الاختلاف الذي لا يبحث أو يؤسس للواحد بقدر ما يحاول أن يتعامل مع الواحد المزدوج. هي نظرات ما بعد حداثية ثائرة مركزيات الذات وأساطير الأنا، لتحقق نوعًا من المقاومة لهذه الثقافة الأحادية وتشتغل عقلً مضادًا لهذه الهيمنة والمركزية.

منطق التفكيك وحفريات المعنى

يركز الفصل الأول من الكتاب على فكر جاك دريدا بنقاش مفهومَي التفكيك والشبحية وتوضيحهما. وإذ يعترف الباحث بصعوبة تقديم شرح وافٍ للمفهومَين، فإنه يمضي في شرحهما، مرتكزًا على كتب دريدا ذاته، وهو المترجم الماهر، وكتابات أخرى عن دريدا باللغة العربية أضخم من مؤلفات دريدا ذاته. وقد يعزى ذلك إلى صعوبة فهم فكر دريدا؛ ما اضطر الباحث إلى الاستعانة باللغة العربية. يوضح الباحث أن المقصود بالتفكيك؛ الكشف عن المعضلات الداخلية والتناقضات الضمنية للنص، وهذه الوظيفة تبين أن كل حقيقة ليست بيقينيات مطلقة أو بديهيات صافية وإنما هي تقابلات وعلاقات مبهمة في القوة (ص. 29). أما الشبحية في الكتابة، فهي الظلال الخفية المعتمة والشفافة التي لا يمكن رؤيتها، هي ظلال المعاني التي تنعكس في تلافيف العمق. فينكشف الشبح ويتجلى عند تفكيك النص مثلما ينتج الظل من الشخص بفعل أشعة الشمس. وبالتأويل وتقويل الحروف، تتبدى أطياف النصوص من عتمات الذاكرة وسحيق النسيان. فتقرأ إستراتيجية التفكيك كلام المسكوت وصراخ المكبوت، ويتمثل لنا الطيف بعد خفاء وفناء. ومنه يكون التفكيك آلية لتحرير الأطياف المحبوسة في سجن منسوج (ص. 0)3 الشبحية هي البحث عن هوية «اللاشيء» اللامستقر، الوهمي واللايقيني، ذلك التائه المفقود الذي يوجد من دون حضور، ويحل من دون زمان أو مكان، ويفنى في خلود (ص. 43) ينتقل المؤلف ليمارس التفكيك إمبريقيًا، فيقدم قراءة لسانية ويحفر في معنى النص القرآني عند محمد أركون، في محاولة منه لتفكيك العقلانية الدوغمائية (ص. 0-458)؛ إذ يجد أن أركون اجتهد في تصميمٍ وصبر في تحليل القرآن برؤى جديدة

علمية وعقلانية، لكنه خلط بين المقاربات، بسبب التناقض في استعمال المناهج والاختلاف المعرفي فيما بينها، إضافةً إلى الهواجس السياسية. بعد أن أخضع الباحث أدبيات أركون للتفكيك، يضع دريدا ذاته وبأدواته على مشرح التفكيك والنقد (ص-8199) بارتكازه على كتاب المفكر الإسلامي عبد الوهاب المسيري دريدا في القاهرة: التفكيكية والجنون. تتلخص انتقاداته في أن المسيري يرى في الخطاب التفكيكي الحر غير المشروط إعادة إنتاج للنظام الاستعماري العام؛ إذ يلغي هذا الخطاب الحدود القومية ويكرس الهيمنة الإمبريالية ويمحو التراث والذاكرة التاريخية. والغائب في هذا الجزء أن المؤلف بكاي لا يفكك تفكيك المسيري لدريدا، بحيث يكتفي بنقل الانتقادات، من دون أن يقحم ذاته في النص أو يعالج الاشتباك المعرفي بين دريدا والمسيري.

في مدار السرديات السياسية

يضم الفصل الثاني سرديات سياسية تعالج مسائل الدين والأيديولوجيات الكبرى في الغرب والشرق؛ إذ يفرد الباحث الجزء الأول من هذا الفصل لنقاش المسألة اليهودية في كتابات حنة أرندت الفلسفية والسياسية. وذلك بطرح سؤالين أساسيين هما: ماذا تعني المسألة اليهودية بالنسبة إلى أرندت؟ وما مدى تأثير ذلك في كتاباتها السياسية والفلسفية؟ استعارت أرندت مفهوم «المنبوذ» من برنارد لازار، لتصف واقع اليهود في أوروبا من خلاله، فعندما يدخل/ تدخل المنبوذ/ المنبوذة السياسة، يصبح/ تصبح متمردًا أو عاصيًا (ص). 115 فتطلبت من «الشعب اليهودي» النضال للتخلص من الاضطهاد، وهو ما لا يتجزأ من التحرر الاجتماعي والقومي. قدمت أرندت نفسها بوصفها يهودية، وأيدت تسيّس الهوية الدينية اليهودية، لتشكيل شعب قومي يتخيل نفسه من منظور الدين، ودعمت الحركة الصهيونية، وانخرطت في نشاطاتها، بوصفها حركة سياسية تهدف إلى تحرير اليهود، لكنها عارضت تحول الصهيونية إلى حركة كولونيالية (ص. 116). تؤكد نظرية أرندت السياسية، أن التنوع الهوياتي على المستوى الاجتماعي ينبغي تشجيعه من طرف الكل واحترامه، وليس توصيفه بأنه اختلاف بين البشر، والوقوف ضده. كما أن التمييز يرحب بحرية الفرد في تحالفه مع الآخرين. بالنسبة إلى فينومينولوجيا أرندت، تنكشف وتتجلى الفردية الإنسانية من خلال الكلام والخطاب، من أجل «تأكيد رأي المرء الواحد». ومن ثم تؤكد أرندت أنّ الفعل هو النشاط الذي يقوم فيه الأفراد بصورة أكثر إنسانية. لأنه يمثل منطقة من الحياة، أين نجدهم قادرين على كشف طابعهم الإنساني المتميز، هوياتهم، وتنميته من خلال الكلام والخطاب والأفعال الفردية (ص. 136-137) يقع موقف أرندت هنا على قناعة أن الإنسانية متعددة وجماعية، لكن الأنظمة الكليانية تعمل على استئصال الاختلاف الهوياتي ومحاربته بأشكال مختلفة. وهكذا، فالموقف المتناقض لأرندت حول المسألة الهوية يتعلق بمسألتَي الوصل والفصل أو الاتصال والانفصال؛ من جهة تسعى نحو التمييز، ومن جهة أخرى تعتمد على البعد التفاعلي (ص. 138) يكمل المؤلف سرد السياسي الفكري في جزء من هذا الفصل مقولة نهاية التاريخ عند فرانسيس فوكوياما، ليقرأ المفاهيم والرهانات فيها

(ص. 139-166). يعيد الباحث شرح مقولة نهاية التاريخ، ويقدم روافدها المعرفية، والانتقادات الموجهة إليها. ومن ثم يوضح أن ما قصده فوكوياما باستعمال كلمة التاريخ بالمعنى الهيغلي الماركسي، أي التطور التاريخي التدرجي للمؤسسات الإنسانية والسياسية والاقتصادية. فنهاية التاريخ لا تعني نهاية أحداث العالم، ولكن نهاية زمن الأيديولوجيات. الإضافة المهمة التي يقدمها الباحث في هذا الجزء هي الأسئلة التي يطرحها لمزيد من النقاش للأطروحة. ولكنه يؤكد أنها دعوة متجددة للمركزية الغربية ذات الأهداف الإمبريالية. شغفُ المؤلف بفلسفة دريدا، جعله يعود إليه مرة أخرى في الجزء الثالث من الفصل الثاني ليناقش العلاقة بين الإسلام والغرب (ص. 168-200)؛ إذ ينطلق دريدا في نقاشه للإسلام بأدواته التفكيكية؛ فهو لا يناقش الإسلام بوصفه أيديولوجيا دينية، لكنه يضعه مثله مثل غيره من الأيديولوجيات على مشرح التفكيك. ينطلق دريدا من أنه لا يوجد إسلام واحد كما تقول الأدبيات الإسلامية التقليدية، بقدر ما توجد إسلامات بصيغة الجمع. وهو نداء لقبول الإسلام وتقبّله كآخر في تعدديته ولا تجانسيته. يعرف مفهوم الأصولية عمومًا بالتدين الغريب أو المتطرف. ويستثمر دريدا في بحوث هايدغر في العلاقة بين الآلة ومعنى الفكرة. إذ يجد أن الطفرة التكنولوجية والعلمية منحتا التطرف الديني شكلً جديدًا يتماشى مع العولمة. فالتفاعل التلقائي بين الإرهاب والآلة أو الجهاز أمره غريب؛ فهو نوع من الرغبة المكبوتة لتعويض أشكال الملكية. كما ينقل المؤلف بكاي حوارًا بين دريدا ومصطفى شريف عن العلاقة بين الإسلام والغرب، فحواه الاستفسار عن فائدة وخصوصية هذا النموذج الأوروبي الذي يتجاهل كل ما هو ديني أو كل ما له صلة بين الروحي والزمني، أو يهمشه وينتقده. ومن هنا يختتم هذا الجزء بموقف دريدا (الفرنسي اليهودي ذي الأصل الجزائري) من القضية الفلسطينية، بحيث يتجلى موقفه الفلسفي والسياسي في تآزره مع الفلسطينيين بوصفهم «آخرين» مهمشين، لا يسمع لهم صوت.

المنحى التفاعلي وتجليات العقل التداولي

يخصص المؤلف الفصل الثالث لنقاش التواصل في زمن ما بعد الحداثة. فيبدأ القسم بجزء عن الفكر والفعل في التصور السوسيولوجي عند ميشال دو سارتو، وهي دراسة للباحث محمد شوقي الزين، قام مؤلف الكتاب محمد بكاي بترجمتها من الفرنسية إلى العربية (ص -203 232). يركز دو سارتو في تنظيره على مقاربة أنثروبولوجية للواقع اليومي، حيث يترابط الفكر والفعل. مشروع دو سارتو ليس الكشف عن المعنى، وإنما المعاينة المدققة لكل ما يتم فعله وردة فعله في الممارسات اليومية. يجد دو سارتو أن التفكير البشري لا ينأى عن منطق الحركة (الفعل) الذي يتميز بالبصيرة. الحركة البشرية هي تغيير بسيط في منحى النظام الاجتماعي. هذا الفعل تملؤه الرغبة الملحة للاختراق، وللحصول على حريته، يبتكر الفرد مجموعة من الطرق للكلام، للفعل وللتفكير أو الحلم. يستكمل المؤلف البحث في حقل التواصل، ويرتكز هذه المرة على الجيل الثاني عند مدرسة فرانكفورت، وبالتحديد فلسفة كارل أوتو آبل (ص. 233-271)، ويورغان هابرماس (ص. 272-285)اللذين)، هجرا فلسفة التاريخ والوعي به إلى فلسفة اللغة، بنقدهما نموذج الإنتاج في المرحلة الرأسمالية

الصناعية، واستبدلاه بنموذج التواصل كإحدى سمات الرأسمالية المتقدمة. وهو براديغم تداولي قوامه البرهان اللغوي والتفاعل الخطابي لمواجهة المستقبل المظلم والمسدود. وفي حين ركز هابرماس على التفاهم والتواصل اللساني لوصل الأفراد في نسيج اجتماعي متفاعل، نزع آبل إلى التيار التأسيسي بدل إعادة البناء والتشييد عند هابرماس، إذ انخرط في إطار المقاربة الترنسنتندالية الهادفة إلى إبراز الافتراضات النظرية النهائية للتأمثلات الضرورية للممارسة المفترضة. وبهذا يرجو هابرماس تحقيق التفاهم المتبادل والتفاعل الحواري المرجو بين الأفراد، وإعادة ربط النسيج الاجتماعي المتشظي والمبعثر. منح هابرماس منطق الخطاب بين المتواصلين بعدًا أخلاقيًا ويقيم عبر العقلانية التواصلية جسورًا للتفاهم والتحاور ويخلق أرضية للاختلاف لا الخلاف في الآراء وتداول الحقائق. وحينها تكون الحقيقة ثمرة حوار بين المعقولية والعقلانية. وهذا لا يعني أن الحقيقة تتخلى عن شروطها المنهجية عندما تتصف بالتسامح، بل يعني فسح المجال لتكون للحقيقة عدة أصوات، وتسهيل الفرص للإنصات إليها والحوار معها.

الآخر والغيرية

في الفصل الأخير من الكتاب «إتيقا الاختلاف وموجات النقد النسوي»، يتناول المؤلف فكر إيمانويل ليفيناس ولويس إيريغاراي وجوليا كريستيفا. في الجزء الأول (ص. 3) 20-289 يباحث المؤلف فكر ليفيناس الذي أسس فلسفته الأخلاقية على مبادرة الآخر، مبرزًا العلاقة بين الأنا والهو في الصداقة والمحبة وعطاء إنساني ملؤه الخير والطيبة والسلام. فلسفة ليفيناس شبيهة بالفلسفة اليهودية المناهضة للكليانية والأحادية. ولذلك ناهض الحرب والظلم وناصر السلم والعدل، وهذه القيم بالنسبة إليه هي كل الأخلاق والحكمة. وإذا كان الموت ممكنًا فإن القتل يستعصي على الإمكان، هو مستحيل أخلاقيًا. يتخذ الوجه عند ليفيناس دلالة وبعدًا جديدَين في إدراك الوجود. تمنح الغيرية للوجود معانيَ ودلالات، وتمثل مقولة الوجه مرآة عاكسة لكينونة الأنا، فيبرز الآخر وينعكس من خلال الوجه. إن الوجه هو المعنى في حد ذاته، فالعلاقة بالوجه هي على الفور أخلاقية، ففي وقت لقاء الأنا بالغير يتم اكتشاف الوجه في عريه وغرابته ويتبدى لنا من خلال عطبه وفقره ويتجلى في سلامه واستسلامه. يدعو ليفيناس إلى الحوار بين الأنا والآخر والحوار فقط، وهو السبيل الوحيدة لتجنب العنف. في الجزأين الثاني والثالث يستمر المؤلف في دراسة الاختلاف، لينقل زاوية النقاش إلى موضوع الجندر. فيتناول فكر لوس إيريغاراي (ص -321 354) في الهوية النسوية وتفكيك الجينالوجيات الذكورية نحو أنطولوجيا جديدة. تتبنى إيريغاراي التحليل النفسي بغية مناقشة المسائل النسوية وإثارة القضايا التي تؤكد عبرها الاختلاف الجندري والهوياتي والجنساني. وتبين أن الوعي أو الأنا، ليس مركز الذاتية، ويتحدى التحيز المتعلق بالجندر أو الجنس في اللغة والقانون والفلسفة، ويحاجّ بأنه لا ينبغي للنساء ألا يهدفن إلى أن يصبحن مثل الرجال، بل ينبغي لهن تطوير نوع جديد من اللغة والقانون والأساطير، الذي يتصف بكونه نسويًا/ أنثويًا بصور محددة. فعندما تكتسب اللغة تتشكل الذاتية. تؤمن إيريغاراي بأن الاختلاف الجنسي هو نتاج اللغة واللسانيات، وتشكيل هوية الطفل يأتي من تأويل وجود جسم وهمي متخيل وتفسيره، ويتم تعيين دور الجنسين

من خلال اللغة لا علم التشريح. تدعو إلى إحلال الواحد محل اثنين في الاختلاف الجنسي، بحيث يتخلى الواحد عن ذات صبغة المفرد أو صيغة الجمع، من أجل أن تصبح ذاتًا مزدوجة. هذا هو الأساس الضروري لأنطولوجيا جديدة، لأخلاقيات وسياسات جديدة، حيث سيسلمون بالآخر ويعترفون به كآخر، وليس الذات عينها. أما جوليا كريستيفا (ص. 2-35438)، فقد قدمت تنظيرات لسانية وتحليلً نفسيًا لعملية التدليل. فالهوية تنبني أو تتأسس من طرف الرغبة، تعتمد بدورها على نسق ثقافي ولساني يسمى الرمزي. ومن ثم يقارن مؤلف الكتاب بين كريستيفا وجوديث باتلر في سياسات الجسد. ويجد أن الاختلاف بينهما ليس هائلً، فوفقًا لباتلر إن افتراض قانون رمزي الدستور لهوية لا يمكن الدفاع عنها، لأن ذلك يعني أن نقبل الغيرية/ المغايرة الجنسية والنظام الأبوي، وقبول أن هذا النظام غير قابل للتغيير. أما بحسب كريستيفا فإن القانون الرمزي هو شرط كل ذات متحدثة، لتفردها وفردانيتها وقدرتها على التغيير. ففي نظرها لا يتطابق الاجتماعي مع النظام الرمزي، فالهوية لا تختزل في أي نظام. بحيث يمكن النظام الرمزي أن يتغير بطبيعة الحال، إذا لم يكن يأخذ بنبضات الضغط والرغبات ولا أي تخريب اجتماعي. قدّم الكتاب فكرًا نظريًا متميزًا على المستوى الفلسفي والثقافي، فليس من السهل تقديم هذه الكثافة الفكرية من جانب باحث عادي، وهو ما يكشف عن احترافية مؤلف الكتاب وشجاعته. لكن الإسهامات السوسيولوجية بقيت دون المستوى الفلسفي والثقافي في الكتاب. وربما يعود ذلك إلى أن الكتاب هو تجميع لدراسات وترجمات أعدها الباحث في مناسبات مختلفة. وهذه جزئية لا بد من أنها انعكست على الكتاب، إذ بدت أسئلة البحث غاية في العمومية، لكي تتلاءم مع مجموع الدراسات، بدلً من أن تكون محددة ومركزة في جوانب معينة في الذات الإنسانية؛ فالكتاب لم يكتب لمشروع بحثي واحد. أغفل المؤلف، وهو يتنقل بين جزر الفكر والفلسفة، ذاته الإنسانية، إذ قلما أقحم نفسه ومواقفه في النص، واكتفى بالتنقيب عن الكنوز المعرفية، ليقدمها للباحثين العرب، من دون أن يستثمرها بلمساته المعرفية.