Return to Article Details Encouraging Work Ethic: Popular Proverbs in Tunisia

حجاجية الترغيب في العمل و التحضيض عليه: المثل الشعبي التونسي أنموذجًا

Encouraging Work Ethic: Popular Proverbs in Tunisia

عبد الوهاب سويسي

Abdelwaheb Souissi

الملخّص

تنطلق هذه الدراسة من رؤية قوامها أنَّ التراث بما يشتمل عليه من فلكلور وعادات وتقاليد، وغير ذلك من الموروث الشعبي، ظاهرة تاريخية يلتقي فيها الحاضر والماضي، ومن أنَّ مقاربة التعبير الثقافيِّ للشعوب من شأنها أن تزيدنا معرفةً بوعيها الجماعيّ؛ بالنظر إلى أنَّ كثيرًا من تمثّلاتها ومبادئها وقيمها ثاوية في العامية التي تتداولها. وتبحث الدراسة في ظاهرة من الظواهر الثقافية اللامادية مدارها على الأمثال الشعبية التونسية وما تعلَّق بها من أنواع أدبية أخرى؛ من قبيل "الشعر الشعبيّ" و"الأغنية" و"الحكاية"، في موضوع الترغيب في العمل والتحضيض عليه من منظور حجاجيٍّ. وفي أثناء ذلك تُعنى الدراسة ببعض النواحي الأدبية في الثقافة الشعبية، وتسعى لتحليل ما اشتهرت به هذه الثقافة من أقوال سائرة متعلقة بموضوع العمل، محاوِلةً تعرُّفَ خصائص البيئة الاجتماعية التي نشأت فيها هذه الأقوال، وما تضمَّنته من قيم اجتماعية وإشارات تاريخية متعلقة بزمن القول، واستجلاءَ ما فيها من علامات دالة على امتثال التقاليد الثقافية من جهة، وإرهاصات تغيّر هذه التقاليد في المجتمع التونسيِّ، أو تغييرها، من جهة أخرى.

Abstract

Abstract: This paper studies the folklore, customs, traditions, and other manifestations of popular heritage. Through these expressions many patterns, principles and values are manifested in an understandable vernacular. The study takes an argumentative perspective to examine the abstract cultural phenomena that are based on popular Tunisian proverbs and other popular literary and cultural forms such as poetry, song and storytelling that encourage a strong work ethic. At the same time, the study is concerned with some literary aspects of popular culture and seeks to analyze Tunisian aphorisms that relate to work in order to better understand the social environment, values and heritage of the society that produced them. It investigates the signals compliance with cultural traditions on the one hand, and the implications of changing traditions in Tunisian society.

الكلمات المفتاحية:
  • تونس
  • مَثَل
  • عمل
  • بطالة
  • ثقافة شعبية
  • عامية
Keywords:
  • Proverb
  • Employment
  • Unemployment
  • Culture
  • Popular Culture
  • Colloquialism
  • Tunisia

وعادات وتقاليد، وغير ذلك من الموروث، ظاهرة تاريخية يلتقي فيها الحاضر والماضي،

ومن أنَّ مقاربة التعبير الثقافيِّ الشعبيِّ من شأنها أن تزيدنا معرفةً بالوعي الجماعيِّ لذوي هذا

التعبير؛ بالنظر إلى أنَّ كثيرًا من تمثلاتهم ومبادئهم وقيمهم ثاوية في العامية التي يتداولونها،

وفي ذلك ما يزيدنا وعيًا بأنفسنا أيضًا. وتبحث الدراسة – من خ لاا منظور حجاجيٍّ – في

ظاهرة ثقافية لامادية موضوعها الترغيب في العمل والتحضيض عليه، استنادًا إلى أمثال شعبية

تونسية وما تعلّق بها من تعبير فنيّ آخر؛ من قبيل «الشعر الشعبيّ»، و«الأغنية»، و«الحكاية».

وفي أثناء ذلك تُعنى الدراسة ببعض النواحي الأدبية في الثقافة الشعبية، وتسعى إلى تحليل

ما اشتهرت به هذه الثقافة من أقوال سائرة مرتبطة بموضوع العمل، محاولة تبين خصائص

البيئة الاجتماعية التي نشأت فيها هذه الأقوال وما اختزنته من قيمٍ أخلاقية وإشارات تاريخية

متصلة بزمن القول، بحسب ما يُسفر عنه زمن الخطاب من هذه التمثلات، مستهدفةً استجلاءَ

ما تضمّنته الأمثال من علامات دالة على امتثال التقاليد الثقافية من جهة، وإرهاصات تغيير هذه

التقاليد في المجتمع التونسيِّ، أو محاولة تغييرها، من جهة أخرى.

الآداب والعلوم الإنسانية، صفاقس، تونس.

Arabic editor at the ACRPS. Holds a master’s degree in Arabic Language, Literature and Civilization from the Faculty of Arts and Humanities, Sfax University, Tunisia.

مقدمة

تُعدّ الأمثال الشعبية السائرة، على غرار العادات والتقاليد الشائعة، من أبرز الدلائل على أنَّ التاريخ لا يتحدّد بوصفه زمنًا ماضيًا منقطعًا عن الحاضر، أو مستقلًّ عنه، وأنَّ الماضي

نفسَه عاملٌ مُؤثّر في الحاضر والمستقبل. ومن هذا الوجه، فإنّ كل ماضٍ نُقاربه، أو نحاول مقاربته،

لا يكون إلَّ بمنزلة «كائن حيّ» كلما تمثله الوعي أو اقتضاه، وهذا يعني أنَّ الماضي إذا استُحضر،

من خلال الأقوال أو الأفعال أو الأحوال، غدَا حاضرًا معاصرًا لزمن استحضاره، حتى في حال تعلقه

بوقائع تالدة أو أحداث غابرة؛ ومن ثمَّة نذهب إلى القول إنَّ المادة التاريخية التي تكون في صيغة

أمثال سائرة وعادات وتقاليد شائعة، على سبيل المثال، ليست قيدَ ماضٍ أفَل وانقضى ما دامت بين حين وآخر تُستحضر في الأذهان وتجري على اللسان. وفي هذا المعنى يقول روبن جورج كولينغوود Collingwood George Robin: «إنَّ التاريخ هو الماضي الذي يقوم المؤرخ بدراسته، لكنّ هذا

الماضي ليس ميتًا؛ إنه بمعنى ما ماضٍ لا يزال يعيش في الحاضر». بناءً على هذا القول، من الممكن أن تكون دراسة الأمثال الشعبية مدخلً إلى تعرّف ذهنية مجتمع ما

وسيكولوجيته. فما يكثر تداوله في اللسان لا يبعُد أن يكون راسخًا في الأنفس والأذهان، وما يُحتذَى

من الأقوال حريٌّ أن يكون له وجود متمكِّن في الواقع في أغلب الأحوال، خصوصًا أنَّ الأمثال – من

خلال منظور أنثروبولوجيٍّ – لا تُعَدّ من الظواهر الفردية أو الخاصة، بل هي تعبير ثقافيّ داخل الظاهرة

الاجتماعية برمّتها، ومِثل هذا الأمر مؤكدٌ لأهمية البحث في مجال الأمثال وما كان منها بسبيل ما. وفي هذا السياق القائم على التعالق ما بين المكوّن الثقافي والمكوّن الاجتماعي، نخصص القول

فَنُشير إلى علم الأنثروبولوجيا الثقافية، وإلى توجّه هذا العلم بعد الحرب العالمية الثانية إلى دراسة

المجتمعات الريفية والحضرية. فبعد أن كانت الأنثروبولوجيا تهتمّ بدراسة الإنسان البدائي على نحوٍ

خاص، نشأت علوم موضوعها دراسة الشعوب. ونتيجةً لذلك، تنبَّه الوعيُ الثقافيّ والجماليّ،

لوجود «فرائدَ» أدبية لدى الشعوب غير مستكنّة في المظانِّ المعرَّفة والمعلَّمة من أمّهات الكتب وعيون

الدواوين، بل مبثوثة في النسيج المجتمعيّ العامّ وتضاعيف مكوِّناته المتنوعة.

(((يرى فريدريش هيغل أنَّ التاريخ عملية خلّ قة تظهر من خلالها قيم جديدة؛ فهو «ليس الماضي والحاضر فقط، بل إنه المستقبل

أيضًا»، انظر: فيصل عباس، الفلسفة والإنسان: جدلية العلاقة بين الإنسان والحضارة (بيروت: دار الفكر العربي، 1996)، ص.202 (((إنّ التاريخ بأجمعه، في نظر بنديتو كروتشه  Benedetto Croce، تاريخٌ معاصر؛ بمعنى أنَّه يتألف من رؤية الماضي من خلال

«عيون» الحاضر، وفي ضوء مشكلاته، انظر: كريستين نصار، الإنسان والتاريخ (لبنان: جروس برس، 1991)، ص.161 (((المرجع نفسه. (((تُعرّف الأنثروبولوجيا بأنّها «علم دراسة الإنسان طبيعيًّا واجتماعيًّا وحضاريًّا»، ومن ثمّة فإنّها لا تدرس الإنسان بوصفه فردًا، بل

على أساس أنه «كائن اجتماعيّ»، انظر: شاكر مصطفى سليم، قاموس الأنثروبولوجيا (الكويت: جامعة الكويت، 1981)، ص 56.

بناءً على ذلك، ليست الأمثال من الظواهر الفردية حتى في حال افتراض قائلٍ أوّل لمثل من الأمثال، بل إنّها نسيج اجتماعي tissu

social تتعالق مع أنسجة أخرى داخل الظاهرة الاجتماعية. (((تُعرّف الأنثروبولوجيا الثقافية بأنها العلم الذي يهتمّ بدراسة الثقافة الإنسانية، ويُعنى بدراسة أساليب حياة الإنسان وسلوكه النابع

من ثقافته. وتدرس هذه الأنثروبولوجيا الشعوب القديمة والشعوب المعاصرة أيضًا، انظر: رالف بيلز وهاري هويجرا، مقدمة في

الأنثروبولوجيا العامة، ترجمة محمد الجوهري (القاهرة: دار النهضة المصرية، 1977)، ص.21 (((شاكر مصطفى سليم، المدخل إلى الأنثروبولوجيا (بغداد: مطبعة العاني، 1975)، ص.18–17

غير أنَّ العرب، مقارنةً بشعوب أخرى كثيرة، تأخّرت كثيرًا في الإفادة من دراسة ثقافتها الشعبية وفولكلورها الزاخر بالكثرة والتنوّع. ولعل من أسباب رغبة كثير من المثقفين العرب عن «اكتشاف» مدوناتهم الشعبية استشراء التقابل بين «الشعبيّ» و«الرسميّ»، وكفى بهذا الفهم دليلً على أنَّ العامية

لا تُقارب استنادًا إلى ماهيتها في حدِّ ذاتها، بل بوصفها مقابلةً لغيرها؛ فكأنَّ كينونتها المُمْكنة لا تكون إلَّ في وجود ذاك المقابِل «الرسميّ»، ثمَّ إنَّ «الشعبيّ» صنوٌ للمدنس في حين أنَّ «الرسميّ» صنوٌ

ل «الأصيل» وال «نقيّ»؛ على الأقل من خلال وجهة نظر تفرضها السلطة الاجتماعية أو السياسية. ولقد

كان التوجس بالعامية شديدًا، إلى حدِّ عَدّها خطرًا على اللغة العربية الفصيحة، ووقَر في أفهامٍ كثيرة أنَّ إيلاء الثقافة الشعبية أيَّ أهمية لا بدَّ أن يعنيَ غبْنًا ما للثقافة الرسمية قلَّ أو كثُر. وممَّا يزيد العلاقة بين اللغة الفصيحة والعامية اختلافًا وتقابلً أنَّ التدوين في أوضاع الواقع اللغويّ يكاد

يكون مقصورًا على استعمال اللغة الفصيحة، وأنَّ العامية لا تكاد تُستعمل في شؤون التدوين إلَّ لِمامًا، وبما أنّ الكلام المدوَّن تربو قيمته – بحسب مألوف الناس وعوائدهم – على الكلام الشفهي، فقد أدّى هذا الأمر إلى تداعي منزلة العامية في الوعي الاجتماعي السائد. غير أنَّ العامية نفسها، من الناحية الشفهية تحديدًا، هي المتمكّنة في الواقع اللغوي المعيش. وهكذا نكون بإزاء مفارقة جليَّة مفادها أننا،

في أغلب الأحيان، نتكلّم بغير ما نكتب ونكتب بغير ما نتكلّم؛ ومن ثمَّة ينشأ سؤال عن تبعات هذه المفارقة المُترَعة ب «الازدواج» والتناقض، وعن نتائجها من الناحيتين النفسية والاجتماعية. لا ريب في أنَّ العامية أكثر تداولً في الحياة اليومية من اللغة الفصيحة. وبناءً على هذه الحقيقة المعيشة

لا يكون إقصاءُ الثقافة العامية من الدراسة العلمية إلَّ إقصاءً لمكونات نفسية واجتماعية كثيرة خاصةٍ

بالمنتمين إلى هذه الثقافة، ولا سيما أنَّ تعلّم اللغة الفصيحة يكون من الناحية الزمنية أمرًا معاقبًا لتعلّم

العامية. فهذه هي «اللغة الأمّ»، أمَّا تلك فهي «لغة ثانية». ومن خلال هذا المنظور تزداد أهمية إيلاء

الثقافة الشعبية مكانةً خاصةً، ومن خلال المنظور نفسِه تأتي هذه الدراسة بوصفها محاولةً لمقاربة الوعي واللاوعي القائمين اللذين يحكمان أفراد المجتمع التونسي وجماعاته ويعملان في توجيه هؤلاء إلى التزام أشياء وترك أشياء أخرى؛ وذلك من خلال أمثال شعبية تونسية متعلقة بالعمل أساسًا، فالإنسان حيثما كان لا يمكن إلَّ أن يكون بسبيل من العمل أو بسبب منه.

(((رأينا أن نستعمل كلمة «الفصيحة» بدل من «الفصحى»؛ لأنّ تلك الكلمة – على خلاف هذه – لا تشتمل على دلالة ذات قيمة تفضيلية. (((يُعدّ العمل ضرورةً بيولوجيّةً متعدّدة الوظائف؛ فالإنسان – لا محالة – يحتاج إليه في معيشته، وفي حفظ بقائه. فضلً عن ذلك،

ليس العمل أداةً للعيش فحسب؛ بل إنَّه، في حدّ ذاته، لا يكون بمعزل عن الضرورة الحيوية. ومن هذا الوجه، يُعدّ مقتضى من

مقتضيات الوجود نفسِه، انظر:

Karl Marx & Friedrich Engels, Critique des programmes de Gotha et d’Erfurt (Paris: Éditions sociales, 1950), p. 23

ثمّ إنَّ في العمل جانبًا أخلاقيًّا؛ من قبيل بذل الجهد في إتقانه، وفيه أيضًا جانب «وجوديّ» مجاوز للوظيفة الأداتية؛ على غرار تحقيق

الذات أثناء أدائه، وطرح أسئلة «كبرى» متعلّقة به. ومثل هذه الجوانب إنّما هي من ضرورات الإنسان الحيوية. للاستزادة في هذا

الشأن، انظر:

Nadia Taïbi, «Le temps de travail,» Sens-Dessous , no. 3 (Février 2008).

إنَّ العمل من أهمِّ الظواهر التي يحتاج إليها الإنسان في وجوده الاجتماعي والنفسي. وقد تكفي

الإشارة إلى أهمية هذه الحاجة من خلال السمة الاجتماعية لظاهرة العمل، فالأعمال كلّها – على اختلافها – ترتبط في النهاية بعلاقات إنتاجية معبِّرةً عن وقائع وأحوال متداولة في المجتمع، وعن عادات

وتقاليد تحكمه؛ صريحةً كانت أو ضمنية، إضافةً إلى تعبيرها عن قيمٍ سوسيولوجية وأكسيولوجية. بناءً على ما تقدّم، لنا أن نُيمّم شطر الأمثال الشعبية التونسية عسى أن نتعرَّف من خلالها الشخصيةَ

التونسية الجماعية، وما تتلبّس به ذهنيتها من قيمٍ ورؤى متعلقة بالعمل، على أنَّ السبيل التي ننتهجها

في ذلك ليست تمجيديةً ولا استهجانيةً؛ إنها سبيلٌ تحاول أن تكشف خصائص ثقافية عامَّة يتَّسم بها

المجتمع التونسي من خلال أمثاله خاصةً. وإذا كان المَثل هو «القول الوجيز المرسل ليُعمل عليه»،

فما هي العوامل الحجاجية التي من شأنها أن تنقل الأمثال من «أقوال» إلى «أعمال»، ومن «الوجود بالقوة» إلى «الوجود بالفعل»؟ وكيف تشتغل هذه العوامل فتثبِّت نوعًا من السلوك وترسِّخه، أو تعمل

في نفيه وإفنائه؟

حجة الأغلبية

كثيرًا ما يتردد في الثقافة الشعبية التونسية مَثل هو «الناسْ الكُلْ تِجْرِي وْرَا الخُبْزَة». ومن خلال

المكونات المعجمية التي تدل على الشمول (الناس، الكلّ، الخبزة)، واستنادًا إلى أنَّ هذه الأسماء قيدَ التعريف، يصير هذا المثل بمنزلة حقيقة تقريرية لا تقبل استدراكًا ولا استثناءً؛ ومن ثمَّة يمكن

القول إنَّ حجة الأغلبية التي تحضّ على العمل تتجاوز «الأغلبية المطلقة» إلى «الأغلبية الكلّية». وبناءً

على هذا المثل السائر بين الناس المنتمين إلى أوساط اجتماعية مختلفة، لنا أن نرى في شموليته نوعًا من الإجماع الاجتماعيِّ الذي يوجب العمل على كل امرئ قادرٍ عليه. فكأنَّ الانبتات عن العمل،

في حال القدرة عليه، يُفضي إلى الخروج من الحال الإنسية إلى حالٍ أخرى دونها، وكأنَّ «العضوية الاجتماعية» لا تكون إلَّ بالعمل. ومن المهمّ أن نشير في هذا المقام إلى اشتمال المثل المذكور على «قيمة إخبارية» تستدعي عملً إنجازيًا يضطلع من خلاله المثل بدور اجتماعي «إيجابيّ»؛ ذلك أنَّه

يستند إلى وجهة نظرٍ تعليمية من شأنها أن ترسِّخ قيمة العمل في المجتمع كلما تداولته الأجيال بملفوظ

اللسان أو لسان الحال.

(((ضياء الدين بن الأثير، المثل السائر فِي أدب الكاتب والشاعر، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، ج  1 (بيروت: المكتبة العصرية، 1995)، ص.42 (1((لا تقتصر وظيفة الأدوات اللغوية في الخطاب على إيقاع الاتساق بين الوحدات الدلالية، بل إنها تضطلع في الآن نفسِه بدور حجاجيّ؛ ومن ثمّ تُوسم هذه الأدوات بأنها ذات «وظيفة مزدوجة»، انظر:

Dominique Maingueneau, Pragmatique pour le discours littéraire (Paris: Nathan, 2001), p. 54.

((1(يمكن التمثيل ل «القيمة الإخبارية» التي يكتسب من خلالها المثل «قيمة تعليمية» ب «الخبر الابتدائيّ» عند البلاغيين، ويكون

هذا الخبر خاليًا من أيِّ مؤكِّد؛ سواء كان مُثبتًا أو منفيًّا، وتُعَدّ «الإخبارية» شرطًا أساسيًّا يجري بمقتضاه الكلام؛ إذ يُفترض – عادةً–

أن يُعرِّف الباثُّ المتلقي أمرًا لم يكن يعلمه من قبلُ، انظر: محمد بن عبد الرحمن القزويني، الإيضاح في علوم البلاغة (بيروت: دار

الجيل، 2010)، ج 1، ص 76؛ وانظر أيضًا:

Oswald Ducrot, Dire et ne pas dire: Principes de sémantique linguistique (Paris: Hermann, 1980), p. 133.

الحجة الدينية

ربما يزداد معنى المثل «الناسْ الكُلْ تِجْرِي وْرَا الخُبْزَة» بيانًا من خلال تمثّل صورة تشخيصية له يُؤخذ

فيها بالحسبان فعلُ جريِ الناس – وهم كثُر – وراء «الخبزة» التي وردت في صيغة المفرد. وفي مثل هذا المقام يمكن استحضار الآية ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيتنَافَسِ الْمُتنَافِسُونَ﴾ (المطففين: 26)، كلما تعلق

الأمر بعمل صالح. يُضاف إلى ذلك أنَّه في الإمكان إجمال ما أولاه الإسلام من قيمة للعمل في الصلة

المنعقدة بين العمل والجزاء في الدنيا وفي الآخرة، وفي هذا المعنى يمكن الاستدلال بالآية ﴿مَنْ عَمِلَ

صَالِحًا مِنْ ذكَرٍ أوْ أَنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فلَنُحْيِينَّهُ حيَاةً طَيِّبَةً ولنَجْزِينَّهُمْ أُجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

(النحل: 97). وفي السياق المَثليّ، كثيرًا ما تُعقد في الأمثال صلة بين العمل والجزاء الناجم عنه. ومن أمثلة

ذلك المثل الشعبي «الله يِجْعَلْ كل من زرَعْ يَحصدْ»، والمثل الفصيح «لكلّ عمل ثوابٌ». ومن خلال أسلوب الدعاء الوارد في المَثل الشعبي المذكور آنفًا نتبين أنَّ العامل يحظى، من الناحية الاجتماعية، بنوع من ال «رضا» وال «تزكية»، وب «مقبولية» اجتماعية – دينية، على خلاف العاطل من العمل وهو قادر عليه؛ لذا يوسم ذاك العامل، بحسب التعبير المجتمعيّ الذائع، بأنّه «مواطن

صالح». ثمّ إنَّ مدار الدعاء الذي يعقد صلة بين «الزراعة» و«الحصاد» في المثل المذكور، إنما هو على إرادة تَمتين الصلة بين العمل وجزائه، خصوصًا أنَّ القوَّة التي يُتوجَّه إليها في تحقيقه هي القوَّة الإلهية. وفي المعنى نفسه، تقريبًا، نُلفي المثل «اعمل الخير تلقى الخير»؛ بوصفه مؤكدًا للصلة بين

العمل والجزاء. وفي مثل هذا المقام يمكن استحضار آيات عديدة يجري فيها عطف العمل الصالح على الإيمان، من بينها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأقَامُوا الصّلةَ وَآتَوُا الزّكَاةَ لَهُمْ أَجْرهُمْ

عِنْدَ رَبّهِمْ ولَ خَوْفٌ علَيْهِمْ ولَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 277)، و﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا النْهَارُ خَالدِينَ فِيهَا نِعْمَ أ جْرُ الْعَاملِينَ﴾ (العنكبوتَ: 58)،

و﴿أمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فلَهُمْ جَنَّاتُ الْمأوَى نزُلً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (السجدةْ). 19: ومن أمثلة مقابلة عمل الخير بالخير ما ورد في الحديث النبوي: «لا يَغرسُ مسلمٌ غرسًا، ولا يزرع زرعًا، فيأكل منه إنسانٌ ولا طائر إلَّ كان له أجر»ٌ. ومن وجوه التعالق بين الأمثال والدين، في موضوع العمل، المثل القائل: «كولْ بِعْرَقْ جْبِينكْ، خِير من

اللِّي تبيعْ دِينك». ويدل هذا المثل على أنَّ المرء لا يستفيد من عوائد عمله على سبيل الإضافة والزيادة فحسب، بل إنَّ من وجوه إفادته أيضًا أنّ عمله يُجنِّبه مساوئ كثيرة من الممكن أن تتلبَّس به، أو يتلبس

بها، في حال التزامه حال البطالة؛ من بينها التسوّل والكدية، وفي هذا المعنى يمكن أن نذكر الحديث

النبوي: «لَنْ يأخذ أحدكم أحبله فيأتي الجبل، فيجيء بحزمة حطب على ظهره، فيبيعها فيستغني

(1((أحمد بن محمد الميدانيّ، مجمع الأمثال (طرابلس – لبنان: دار الشمال للطباعة والنشر والتوزبع، 1990)، ص.656

(1((عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح، تحقيق عبد السلام محمد أمين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي (بيروت، دار الكتب العلمية، [د.ت.])، ص.118

بثمنها، خيرٌ له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه». وفي هذا السياق أيضًا يمكن الاستدلال

بالحثّ على العمل والنهي عن التواكل بالحديث: «المسألة كَدٌّ يكدُّ بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه، ومن شاء ترك، إلَّ أن يسأل ذا سلطان أو يَنزل به أمرٌ لا يجد منه بدًّا»، والحديث:

«ما يزال الرجل يسأل الناس، حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مُزعة لحمٍ». وقيل في المقارنة بين هذه الحال وتلك: «اليد العليا خير من اليد السفلى». وهذا القول الكنائيّ ذائعٌ في المجتمع التونسيّ. ومن دلائل حثّ الدين على السعي في طلب الرزق والتزام التعفف، أيضًا، الحديث الآتي: «مَرّ

على النبي صلى الله عليه وسلّم رجل، فرأى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من جلَده ونشاطه ما أعجبهم، فقالوا: يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ‘إن كان خرج يسعى على ولده صغارًا فهو في سبيل الله، وإن خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى على نفسه يَعفّها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج رياءً وتفاخرًا فهو في

سبيل الشيطان»’، وممّا ورد في الحديث في شأن الحث على العمل والتعفّف أيضًا: «ما أكل أحدٌ

طعامًا قطُّ، خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده».

ثمّ إنّ الحثّ على العمل يكون حتى في المظانّ الزمنية التي لا يُتوقّع فيها أيّ التفات إلى عمل. فالحديث النبويّ: «لو قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أحدكم أنْ لا تقوم حتى يغرسها فليفعل»، يحضّ على العمل من وجوه شتَّى؛ من بينها أنّ العمل إذا كان مطلوبًا والساعة قائمة، فإنه من دون شك – بحسب قياس الأولى – لا يكون حكمه أدنى من المطلوب في سائر الأحوال، ويزداد هذا المعنى بيانًا من خلال تمثيل العمل في الحديث بغراسة «فسيلة»، ومعلوم أنّ الفسيلة لا بدّ أن يمرّ عليها زمن حتى تنموَ ثمّ تثمر، وأنّه ليس كلّ فسيلة تُغرس تبلغ هذا المبلغ. ومن الأمثال الشعبية التي يُستحضر فيها الدين في سياق التحضيض على العمل «اعمِلْ الفرض وانقب

الأرض» و«أدِّ الفرض وانقب الأرض»، وفي هذا المقام يمكن أن نذكر الآية ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصّلَةُ

فَانْتَشِرُوا فِي الرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكرُوا اللّهَ كَثِيرًا لعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الجمعة: 10)؛ فالعمل

من هذا الوجه ليس مقصورًا على التعبد في مفهومه الخاص، بل إنّه يشمل الكسب الدنيويّ في نطاق ما يوجبه ذكر الله المقترن بالفلاح مع اجتناب ما نهى عنه.

(1((سنن ابن ماجة، حققه شعيب الأرنؤوط وآخرون (دمشق: دار الرسالة العالمية، 2009)، ج 3، ص.46 (1((انظر: صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، تحقيق شعيب الأرنؤوط (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1988)، ج 8، ص.181 (1((انظر: محمد بن إسماعيل البخاريّ، صحيح البخاريّ(بيروت: دار طوق النجاة، 2001)، ج 2، ص.123 (1((سليمان بن أحمد الطبراني، المعجم الأوسط، تحقيق طارق بن عوض الله بن محمد وعبد المحسن بن إبراهيم الحسيني (القاهرة: دار الحرمين، [د.ت])، ج 7، ص.56 ((1(البخاري، ج 3، ص.57 (1((محمد بن عبد الواحد المقدسي، الأحاديث المختارة أو المستخرج من الأحاديث المختارة مما لم يخرجه البخاري ومسلم في

صحيحيهما، تحقيق عبد الملك بن عبد الله بن دهيش (بيروت: دار خضر للطباعة والنشر، 2000)، ج 7، ص.264 (2((الفَسِيلة: النخلة الصغيرة، انظر القول: «البتلة من النخل الوَدِيَّة، وقال الأصمعي: هي الفسيلة التي بانت عن أمّها»،

محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، ط 3 (بيروت: دار صادر للطباعة والنشر، 1994)، ج 11، ص.42

حجة الحماسة الشعبية

ليس الدين وحده، في معناه الخاص، هو الموجِّه لانتهاج العمل شِرعةً. ف «الحماسة» الاجتماعية –

ولا سيما الشعبية – ذات سلطان في هذا الشأن. وقد ورد في الأمثال «الخيلْ إذا تلجّمِتْ، والرّجَالْ

إذا تْحَزّمتْ»، ويمكن أن نتبين بعض ما في هذا المثل من استحثاثٍ للمرء على التزام العمل منهاجًا

استنادًا إلى قيمة «الفتوّة الاجتماعية». ففي المَثل: تعبير جليّ عن هذه القيمة من جهة ارتباطها

ب «الفروسية» وعلوّ المكانة؛ ذلك أنَّ المشابهة بين حال الخيل وحال الرجال تُضفي وجاهةً ومهابةً

على أصحاب العمل وأهله. ولئن كانت مثل هذه المنزلة مطلقةً؛ بالنظر إلى حذف جواب الشرط في هذه الحال وتلك، حتى أنَّ ترجمان لسان حال المخاطَب ربما يكون: «ماذا سيحدث إذا تلجّمِتْ؟

ماذا سيحدث إذا تْحَزّمتْ؟»، استعظامًا وإكبارًا، فإنَّ حال الخيل وحال الرجال مقيدتان؛ والقيد في

هذا السياق إمّا لجامٌ وإمّا حزامٌ، ومن وجوه هذا التقييد في الحالَين اشتراكهما في أداء ما هو «نافع»

من منظور براغماتيّ. فكما أنه لا يُنتفع بفرسٍ من غير لجامٍ، لا يكون انتفاعٌ برَجلٍ من غير حزامٍ؛

كناية بالحزام عن العمل، وعن أنَّ العمل من مقتضيات الرجال القادرين عليه. ثمّ إنَّ قيد الرجل

في هذا المقام معبِّر عن احتفاءٍ به من وجهين؛ أحدهما أنَّ الخيل لا تبلغ ما يليق بها من الجمال

والكمال، من منظور الذائقة الفنية الاجتماعية الماتحة من قيم «الفروسية»، إلَّ في حال كونها ذات لجامٍ. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الرجال؛ إذ إنهم من المنظور الاجتماعيِّ نفسِه لا يكونون كذلك

(أي رجالً) بمعزل عن العمل. ثمّ إنَّ المشابهة بين قيد الخيل (اللجام) وقيد الرجال (العمل) تنجلي بناءً على أنَّ القيد في كلتا الحالتين يُثقل صاحبه، إلَّ أنه يُعلي من شأنه من جهة المنزلة والمكانة.

أمَّا وجه الاحتفاء الآخر فهو يمتح من اقتران الحزام بفنون قتالية معروفة في الوعي المجتمعيّ الذي

يُتداول فيه المثل، موسومة بالقوّة والفتوّة. يمكن أن يكون الحزام، أيضًا، كنايةً عن التفرغ لعمل ما وصَرْف الجهد إليه وقَصْره عليه؛ على غرار المثل

«شمّر على ذراعك» الذي يدل على بلوغ المطلوب بالعمل الدؤوب، مع توكيد سجيَّة الاعتماد على

النفس سلوكًا ومنهاجًا. ويمكن أن نلاحظ، من خلال دلالة المثلين على العمل، أنَّ الحزام والتشمير

كلاهما متعلق باللباس، فكيف جاز اشتراكهما في الحث على العمل على الرغم ممَّا يبدو بينهما من

تباين؛ بالنظر إلى أنَّ كنائية الحزام في تعلقها باللباس «إضافية» وكنائية التشمير في تعلقها به «إزاحية»؟ إذا كان التشمير عن الذراع تخليصًا لها ممَّا قد يعوقها من لباس أثناء عملها على جهة التفرّغ له وصرف

النظر بجملته إليه، فإنَّ الحزام – وإن كان أداةً مضافةً إلى اللباس – يؤدّي هذه الوظيفة أيضًا، ووجه ذلك أنَّ اتخاذ حزام يترتّب عليه تشميرٌ ما عن القدمين؛ ومن ثمَّة تنطلق اليدان والرجلان في العمل

من دون معوّقٍ ولا معطّل. وعلى سبيل توضيح ذلك، يكفي أن نتمثَّل مُزارعًا يحفر في الأرض لغراسة

شجرة وقد شمّر عن ذراعيه، وعن قدميه بعَقد حزامه أو إزاره. وهكذا، يتكامل المثلان في الدلالة على

(2((تُعرّف الكناية بأنّها «كلّ لفظة دلت على معنى يجوز حمله على جانبَي الحقيقة والمجاز، بوصفٍ جامعٍ بين الحقيقة والمجاز،

والدليل على ذلك أن الكناية في أصل الوضع أن تتكلم بشيء وتريد غيره، يقال كنّيت بكذا عن كذا. فهي تدل على ما تكلمت به

وعلى ما أردته في غيره»، انظر: ابن الأثير، ج 2، ص.182

التجرّد للعمل، وفي الدلالة على «العمل اليدويّ» وعلى بيئة في طور البداوة، ولا سيما في المثل الذي

استُحضرت فيه الخيل، وجرى فيه تخصيص الرجال بالعمل من دون النساء. ومن الأمثال المتعلقة بالحماسة والجَلد والبسالة والهمّة في أداء العمل، قولهم: «يَحْفرْ فِي الحِيطْ

بْظَفْرهْ»، كناية عن «شدَّة المكابدة والعناد»، وقولهم: «عِينْ فِي المَخْلة وْعِينْ فِي النَّادِر»ْ، كنايةً عن

الانتباه إلى جميع جوانب العمل، أو كنايةً عن تعدّد الأعمال. وربما يجري التحضيض على العمل من

خلال ظرف زمانيٍّ مخصوص، إذ يُقال: «اللِّي يْحِبّ الللُّو يِسْهَر الليلْ بْكلّو»؛ فمعنى هذه الأمثال

معقود بالمبالغة في العمل وفي أدائه، ومعقود أيضًا بالحرص على تحصيل الفائدة في أيّ وقت، ليلً

كان أو نهارًا. ومن الأمثال التي تحثّ على تحمّل المشقة في أداء الأعمال والصبر على ما فيها من عناءٍ

ومشقة «كلّ شَيْء دْوَاه الصبْر إلَّ قِلّة الصبْر». وتجري أمثال كثيرة في التحضيض على العمل باكرًا، استنادًا إلى الحماسة قيمةً أخلاقيةً، منها

«بكّرْ تاكل السّفَنْج»ْ، و«الجَرْي يْعَلّمْ السّبقْ»؛ على سبيل إذكاء المنافسة. وفي المثلين يُعَدّ زمن بدء

العمل في حدّ ذاته من دلائل إيلائه قيمةً خاصةً. وفي مثل هذا المعنى قيل: «القُومان [النهوض] بِكري بالذهب مِشري»، وقيل أيضًا: «اللِّي ضَاعْ صْباحُو ضَاعْ رباحو»، و«اللِّي ضَاعْ صُبحُه ضَاعْ ربحُه»،

وهذه الأمثال لا تؤدي وظيفة الحث على العمل فحسب، بل إنها تحض على ذلك من خلال ابتدائه باكرًا؛ سواء كان تحضيضها من خلال الإغراء بفوائده، أو من خلال التحذير من نتائج المخالفة عن

ذلك في حال الركون إلى الكسل والخمول. وكثيرًا ما يُستحضر المثل «ذرَاعِكْ يَا علَّفْ»؛ بوصفه مثلً باثًا للحماسة في النفس، حافزًا لها على الإقبال

(2((استنادًا إلى طاقة المثل الشعبيّ الكنائية على نحوٍ خاصّ، يلُاحَظ ارتباطه الوثيق بسياقه التاريخي – الاجتماعي. غير أنّه في

ارتهانه بالكنائية التي يستمدّ منها دلالته التفسيرية يقتضي – بوصفه مثلً – أن يكون مُرسلً، وهذا يعني أن يتحوّل التفسير نفسُه إلى

طاقة تأويلية تُتيح له حضورًا في سياقات مختلفة عن مِهاده الذي نشأ فيه أو موئله الذي يحيل عليه.

(2((«المخلة»: الجراب. والنّادِر، أو المندرة: مكان درْس الحبوب، وربما كانت «المندرة» مستعارة من النُّدرة في اللغة الفصيحة؛

ولا سيما أنّ الأمر يتعلّق بحدث موسميّ ذي شأن حيويّ.

((2(في السياق نفسه نُلفي قول الشافعي: ومن طلب العلُا سَهِر الليالي

بقَدْر الكدِّ تُكتسب المعالي ومَن رامَ العلُا مِن غير كَدٍّ

أضاع العُمر في طلب المُحال

تَرُوم العزّ ثم تنام لَيل

يغوص البحرَ مَن طلب اللآلي

انظر: محمد بن إدريس الشافعيّ، ديوان الشافعي، تحقيق محمد عبد المنعم خفاجي (القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية، 1985)، ص

108. ويمكن عَدّ التعالق الدلالي بين المثل التونسي وقول الشافعي من دلائل فاعلية المكوّن الديني في المجتمع التونسي؛ كما

تقدّمت الإشارة إلى ذلك في الكلام على الحجة الدينية خاصة.ً ((2(«السّفنج» هو «الفطائر».

((2(نشير، في هذا المقام، إلى أنّ «التبكير» قيمة تالدة محمودة في الثقافة العربية. يقول امرئ القيس مفتخرًا:

بِمُنجَرِدٍ قَيدِ الأَوابدِ هَيكَلِ

وقَد أَغتَدي وَالطَيرُ في وكُناتها

مِكَرّ مِفَرّ مُقبِلٍ مُدبِرٍ مَعًا

كَجُلمودِ صَخرٍ حَطّهُ السَيلُ مِن عَلِ انظر: ديوان امرئ القيس بن حجر الكندي، تحقيق محمد عبد المنعم خفاجي (عمّان: دار عمّار، 1991)، ص.74

على العمل والاستغراق في أدائه. وفي هذا المثل ترتبط كلمة «علَّفْ» الواردة في صيغة المبالغة – في اللغة الفصيحة وفي العامية أيضًا – ارتباطًا شَرطيًا بكلمة «ذرَاعِكْ». وعلى سبيل التمثيل لهذا المعنى،

يمكن القول إنَّ هذا المثل بمنزلة جملة نحوية مشتملة على تركيب شرطي في العربية الفصيحة. وفي هذه الحال تكون عبارة «ذرَاعِكْ» بمنزلة فعل الشرط. أمَّا عبارة «يَا علَّفْ» فتكون بمنزلة جواب الشرط الذي لا يتحقّق إلَّ بتحقّق فعله؛ بمعنى أنَّ المخاطَب في المثل لا يكون «علَّفًا» إلَّ بقدر ما يكون عاملً. وفي المثل جرَت التكنية بال «ذراع» عن العمل ضِمن خطاب إغرائيٍّ يحث على العمل من جهة ما يقوم مقام

الفعل الشرطيّ ونتيجته؛ ذلك أنَّ الذراع تدل في الآن نفسه على إنجاز العمل وعلى اجتناء ثماره أيضًا.

فمثلما تكون الذراع أداةً للعمل، تكون كذلك أداةً لتناول ما عذُب وطاب من حصيلته ونتيجته، ولعل من وجوه المواءمة بين هذا المعنى وذاك، من الناحية الدلالية، أنَّ الذراع تشتمل على معنى القوة في العامية، فضلً عن أنها أداة قياسية، وهكذا يكون اجتناء ثمر العمل بمقدار قوة العمل ومداه؛ ذراعًا أو باعًا، أو أدنى أو أكثر، ﴿فمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يرَهُ ومَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يرَهُ﴾ (الزلزلة 8–7). ومن وجوه الطرافة في ذلك المثل أنَّ صاحب الذراع لا يُنادى باسمه، بل بمنادى آخر مُستعار له

(«علَّفْ»)، فكأنَّ المخاطبَ قد غلبت عليه صفة العمل الدؤوب إلى حدّ أنه لم يعُد يُعرف إلَّ بها صفةً،

بل إلى حدِّ غلبة الصفة على الموصوف؛ على سبيل الدلالة على المبالغة في نتائج العمل. ومثل هذه المكارم لا تأتي إلَّ على قدر أهل العزم من العاملين المميَّزين. ومن وجوه الطرافة في المثل المذكور، أيضًا، أنه يعتمد في مخاطبة العامل نتيجة العمل بدلً من سببه؛ فالنداء هو « يا علَّف»، وليس «يا صاحب الذراع» مثلً. وهكذا تكون المبالغة في ادعاء معنى الكثرة والوفرة ضربًا من التكثيف الدلاليّ والإيغال في المعنى، فكأنَّ الأمر لا يرتكز على الذراع مقدّمةً

وال «علَّفْ» نتيجةً، بل على ال «علَّفْ» مقدّمةً والذراع نتيجةً؛ ووجه ذلك أنَّ المخاطب صار ينادى بنتيجة عمله حتى أنه لم يعد يُنظر إلى عمله. فكونه دائب العمل بمنزلة الأمر المحصَّل بالنسبة إليه، ومن ثمَّة حلّت كلمة «علَّفْ» محلَّ اسم علم المُخاطب. ولهذا الأمر وظائف عديدة في سياق القول المثليِّ؛ من بينها أنه ينبغي ألَّ يُنظر إلى ما كان قد سُمّيَ به المرء، بل إلى ما يكون من عمله وكسبه، وفي

هذه الحال يكون هو الذي ينحت اسمه بنفسه. يُضاف إلى ذلك اتسام المثل المذكور بالسَّعة والشمول، من جهة أنه غير مقيَّد باسمٍ معيَّن، ومن ثَمّ يكون كل مخاطب معنيًّا به. يمكن أن ينتظم هذا المثلَ الوجيز («ذرَاعِكْ يَا علَّفْ») – من جهة التحضيض على التزام العمل التزامًا دؤوبًا لاجتناء منافع كثيرة منه – سُلَّمٌ حجاجيٌّ ذو ثلاث درجات على الأقل. ولعل ترتيبها اصِّعاديًّا

(2((ذلك لا يعني أنّ الأمثال تخلو من ذ كر أسماء بعينها، أو أمكنة محدّدة أيضًا. وكيفما كانت الحال، لا تكون وجهة المثل نحو

ما هو خاصّ وفرديّ، بل إنّه ينزع إلى ما هو عامّ وجماعيّ.

((2(يمكن أن يشتمل القول على أكثر من حجّة. وقد بيّن أنسكمبر وديكرو أنّ الحجج تتفاوت من حيث قوّتها؛ ومن ثمّ يمكن

إدراجها في «سلالم حجاجيّة» Echelles argumentatives معبّرة عن تفاوت قوّتها، انظر في هذا الشأن:

Jean-Claude Anscombre & Oswald Ducrot, L’argumentation dans la langue, Coll. Philosophie et Langage , 3 ème ed. (Bruxelles: Mardaga, 1995), p. 54.

شطرَ أعلى درجاته يكون بدْءًا من درجته الأولى القائمة على كلمة «علَّفْ » في صيغة المبالغة، تليها

الدرجة الثانية المبنيَّة على دلالته الكنائية، ثمّ الدرجة الثالثة المؤسّسة على إجراء النتيجة عُمدةً بدلً

من السبب. ومن الأمثال الحاضة على العمل، المشتملة على لفظ «الذراع» وما هو أخصّ منه، وبسبيل منه أيضًا،

في الآن نفسه، المثل القائل: «مَا يْوكلِك العِيشْ كَان صْبَاعِكْ، ومَا يْطلعكْ مِالضيمْ كَانْ ذْرَاعِكْ».

وفي هذا المثل يجري التحضيض على ضرورة التزام العمل والاعتماد على النفس بناءً على حجة قريبة

المأخذ في الواقع المشهود. وفي السياق نفسه قيل: «اخْدِمْ عْلَى رُوحِكْ ودَبّرْ عِيشَة، لَ تِنْفعِكْ فَاطْمَة

وْلَ عِيشَة». وفي هذا المثل يؤدِّي الجِناس التامّ بين كلمة «عِيشَة» الواردة في فاصلة المثل الأولى

ومثيلتها في فاصلته الثانية وظيفة دلالية قائمة على أنَّ العيشة الحقّ لا تتحقق إلَّ في حال اتخاذ المرء عملً يعتمد فيه على نفسه. ونُلفي هذا المعنى في فاصلة المثل الأولى التي اقترنت فيها كلمة «عيشة»

بفعل الأمر «اخْدِمْ» الوارد في صدارة المثل، في حين اقترنت مثيلتها («عيشة») بالنفي في فاصلته

الثانية، فضلً عن تذيّلها كلمات المثل. ومن مقتضيات الجِناس بين الكلمتين أنَّ العمل يفضي إلى

عيشة حقّ حتى إنْ لم يطلق عليها «عيشة»، وأنَّ الإعراض عن العمل لا يفضي إلى عيشة حقّ حتى إنْ

أطلق عليها اسم «عيشة». وفي هذا المعنى دلالة على أنَّ الإنسان ينحت اسمًا لنفسه من خلال عمله،

ممدوحًا كان أو مذمومًا. وهكذا لا تكون عروة الأمر بالاسم، بل إنّ الشأن إنما هو بالمسمَّى الذي ترتفع

مكانته أو تتدنى بحسب مكانته التي يوجبها العمل نفسُه. وفي مقام التحضيض على العمل يُذكر المثل «يُوفَى مَال الجدّين وتبقى صنعة اليدين» في

التحضيض على الاعتماد على النفس، حتى لو كان الشخص المساعد من أولي القربى وأخَصِّهم. وإذا

نظرنا في هذا المثل استنادًا إلى الناحية القصصية التي يتسم بها، أمكن القول إنَّ زمن حكايته مطابق لزمن خطابه؛ فنفاد مال الجدَّين مقدَّم على صنعة اليدَين، ولا شكَّ في أنَّ هذه المطابقة من العوامل الحجاجية الإقناعية؛ من جهة أنَّ صدقيَّتها تمتح من واقعيَّتها التي أخذت منطق الزمن والترتيب الحدثيَّ

بحسبان. ومن العوامل التي تزيد هذا المثل درجةً حجاجية، استنادًا إلى أنسكمبر وديكرو، أنه ينتهي بما يقتضي بقاؤه؛ أي صنعة اليدَين. ولو كان المثل «تبقى صنعة اليدين ويُوفَى مَال الجدّين» – وإن

((2(يمكن أن نلاحظ نوعًا من التعالق الدلالي بين المثل المذكور وقول الشافعي: فتولّأنت جميع أمرك »

«ما حكّ جلدك مثل ظفرك ويُعدّ هذا التعالق من دلائل فاعلية المكوّن الديني في الشخصية الجماعية التونسية، انظر: الشافعي، ص. 77

3(((يلُاحظ في المثل ذِكرٌ لاسمين من أسماء الأعلام. وعلى الرغم من ذلك فإنَّ المثل ذو دلالة شمولية؛ فهو بمنزلة «مفرد بصيغة

الجمع» على حدّ تعبير آدونيس الشائع. (3((يُروى المثل بصيغة أخرى هي: «يُوفَى مال الجدّين ويِبْقَى كَدّ اليدين». بشأن قصة هذا المثل، انظر: «حكاية يوفى مال

الجدين»، موقع يوتيوب، 2015/8/12، شوهد في 2018/9/20، في: https://bit.ly/2NQdsIv (3((ميّز الشكلانيّ الروسيّ بوريس توماشفسكي  Boris Tomashevsky بين «المتن الحكائي» و«المبنى الحكائي»؛ ذلك أنّ

الحكاية يمكن أن تُروى بحسب السيرورة الزمنية؛ على نحو ما هي في الواقع الطبيعي، ويمكن أن تُروى بطريقة لا تلتزم فيها السيرورة الكرونولوجيّة الموسومة بالتتابع أو النسقيّة الخطيّة، انظر:

Théorie de la littérature: Textes des formalistes russes réunis , Tzvetan Todorov (trans.), (Le Seuil: Paris, 1965), p 268.

كان مقتضى القول القَضوي هو نفسه – لقَصر عن تأدية هذا المعنى تحديدًا؛ ففي هذه الحال يُتجاوز ملفوظه الذي يشتمل على الاحتفاء بالعمل إلى ملفوظ ينتهي بدلالة الفَناء. ومن الأمثال التي توافق ذلك المثل، المذكور آنفًا، حكايةً وخطابًا «اخْدِم عْلى رُوحِكْ، تغْنِي لوحِكْ»، وقد شرح محيي الدين خريّف كلمة «اللوح» بقوله: «هو مجمع اليدين، وقد يُستعمل للكيل»، غير أنّنا نرى في استعارة «اللوح» لمجمع اليديْن، أو الكفَّين، دلالةً أخرى يمكن أن تكون تأويلً لهذا الشرح، فكأنَّ الوفرة المادية التي يجتنيها العامل إنما هي بسبب كَدْحه وعمله الدائبَين، وحينئذ يمكن

أن نتبين فائدةً بلاغية في التمثيل لخشونة اليدين باللوح، على أنَّ مكابدة مشقة العمل ترتدّ استجمامًا وهناءً؛ ففي الإمكان أن نتبين في هذا المَثل فائدةً معنوية قيِّمة إذا نظرنا في فاصلته الأولى التي تحدّها

كلمة «روحكْ»، وفي فاصلته الثانية التي تحدّها كلمة «لوحكْ»، فكأنَّ ظاهرة السجع البلاغية ضربٌ من التغني بالكسْب، وكأنَّ في «كاف الخطاب» في الفاصلتين ما يؤكد أنَّ العامل هو نفسه الذي يجني فائدة عمله. وما هذا المعنى ببعيد عن ذلك السجع الذي يدل في جرْسه ومعناه على الترديد والتكرار؛ بمعنى

أنه كلما كان من المرء عملٌ، كان له منه اغتناء وزيادة في الفضل يغنمها منه، وآنئذٍ ربما يكون من الطرافة أن يَصدق المَثل الساخر «قال له: عْلَشْ تَاكُلْ فِي السّفَنجْ، وحَنْكِكْ مْعَوّجْ. قال له: يِحْرِزْ عْلى

فْلوسِي» في حقّ العامل الذي فاض «لوحه» مالً، أو في حقّ آكل السفنج نفسِه ذي الحنك المعوجِّ. ومن وجوه الطرافة الأسلوبية في هذا المثل أنّه، على إيجازه، يشتمل على قصة تامَّة البناء زمانًا ومكانًا

وشخصياتٍ وأحداثًا وحبكةً؛ صريحة كانت أو ضمنية. ويمكن أن نلاحظ أنَّ دلالة هذا المَثل الشعبيّ

مرتبطة بمعنى المَثل الفصيح «مَنْ عَمِلَ دائمًا أكلَ نَائِمًا». وإذا أمعنَّا النظر في المثل المذكور آنفًا، وجدنا أنَّ طرفَي الحوار فيه شخصيتان ساخرتان متهكّمتان، وأنّ التهكُّم متعلّق بأكل غنيٍّ معوجَّ الحنك «السّفَنجْ» (الفطائر). وإذا علمنا أنّ «السّفَنْج» الممزوج

بعسلٍ يكون مميَّزا، فإنّ بيانيّة الكلام تزداد في هذه الحال فيكون المثل أكثر استطرافًا؛ ووجه ذلك أنّه

ثمّة مفارقة بين طرفَي الحوار قامت سرديّتها على «المذمّة» وعلى «ردّ المذمّة». وهكذا من الممكن أن يكون الردّ «مُحلًّى»؛ بمعنى أنه مشابه للفطائر المحلَّة بالعسل. أمّا مكمن «التحلية» في الردّ، فيكون

مردّه إلى أنّ قول المتكلّم يتضمّن أنّه ذو مالٍ؛ بالنظر إلى أنّ الفطائر الممزوجة بالعسل تكون أغلى

ثمنًا. لكنْ ثمّة مكمنٌ آخر لهذه التحلية نُجمله في تعريض المتكلم بالسائل؛ فكأنّه يعيِّره بنقصٍ مِن

(((3 محيي الدين خريّف، الأمثال الشعبية التونسية (سوسة – تونس: دار المعارف للطباعة والنشر، 2003)، ص.68 (((3 يُعرّف ابن المعتز الاستعارة بقوله إنّها «استعارة الكلمة لشيء لم يُعرف بها من شيء قد عُرف بها، مثل أم الكتاب، ومثل جناح

الذُّ ل، ومثل قول القائل الفكرة مُخّ العمل. فلو كان قال: لبّ العمل لم يكن بديعًا»، انظر: عبد الله بن المعتز، كتاب البديع، تحقيق

أغناطيوس كراتشكوفسكي، ط 3 (بيروت: دار المسيرة، 1982)، ص 2. 3(((في هذا السياق، نُلفي مثلً عربيًّا فصيحًا هو «مَنْ احْترفَ اعْتَلفَ»، وهو مثل يشتمل على فاصلتين لفعلين تنتظمهما صيغة

«افتعل» الدالة على معنى الاجتهاد والمبالغة في الفعل، ثمّ إنّ الفعلين يشتركان في الحرف الأخير، إضافة إلى ما يوازيهما من تكرار

دلالي تُعقد فيه الصلة بين الاحتراف والاعتلاف، أو العمل واجتناء ثماره، فكأنَّ الجزاء من جنس العمل ماثلٌ في المعنى وفي اللفظ أيضًا، انظر: الميدانيّ، ص 721.

(3((الميداني، ص 723، والنوم في المثل كناية عن الاغتناء والتنعّم بأسباب الراحة بعد العمل.

المال، وكأنّ مَن ليس له مالٌ ينبغي ألَّ يكون منه كلامٌ، وأنَّ من كان غنيًّا يمكن يظلّ قرير العين؛ ذلك

أنّ مالُه يجادل عنه بنحو القول «يِحْرِزْ عْلى فْلوسِي». وبناءً على هذا التحليل، لا يكون الأمر متعلقًا بردّ

المذمّة فحسب، بل إنّه يجاوز ذلك إلى ذمِّ الذَّامِّ نفسِه. وأمّا كلمة «يِحْرِز»، فهي مرادفة للعبارة الفصيحة

«بفضل كذا»، وتبدو هذه الكلمة بمنزلة التميمة أو «الحرز»؛ فكأنّ المتكلّم يقولها لإبعاد الحسد عنه، أو كأنّ المال ذو قدرة عجيبة على إخفاء عيوب الأغنياء ومساوئهم حتى إنْ كانت بغيضةً نابيةً هوجاءَ،

وقد قيل في ذلك أمثال كثيرة؛ من بينها: «اللِّي عندو لِكْعبْ، يِلْعبْ كيفْ ما يْحِبْ»، و«الفلُوسْ تْرُد

الشايبْ عروسْ [عريس]»، و«الفلُوسْ تغيّر النفُوسْ»، و«الفلُوسْ حُطّها على فمّ الميت يضحكْ». وفي سياق الترغيب في عوائد العمل سبيلً إلى التحضيض عليه، نُلفي المثل «اللِّي عِنْده الصّوفْ،

يْبَاتْ دَافِي». ويتجاوز معنى هذا القول الدلالة الظاهرة المباشرة المتمثلة في حاجة الرجل إلى غطاء

صُوفيٍّ يدفع به عن نفسه بَرْدَ الشتاء، ويمكن أن نُمثّل لدلالته الخفية بقول شعريٍّ لعمر بن أبي ربيعة،

متغزّلً ب «هند»، مفتخرًا بفتوَّته: تَحْتَ لَيْلٍ حِينَ يَغْشَاهُ الصّرَد»ْ

«سُخْنَةُ المَشْتَى لِحَافٌ لِلفتَى وإذا أضفنا إلى المَثل السابق مثلً آخر هو «المرا مَرْمرَة، يحِب لهَا القَمْح مِن المَنْدرَة»، أدركنا أنَّ المرأة

في حدِّ ذاتها، يمكن أن تكون دافعةً إلى العمل، فكأنه ليس للفتى أن يتقدم إليها إلَّ إذا كان من أصحاب المال، وإنما الأموال بالأعمال. ومن الممكن أن نلاحظ أنَّ هذا المثل يمتح، على نحوٍ خاصٍّ، من ثقافة

زراعية، وأنَّ المثل السابق (اللِّي عِنْده الصّوف، يْبَات دَافِي) يرتبط في منشئه بثقافة رعوية، وفي كلتا

الحالتين يُزجِّي كلاهما معنى الترغيب في العمل من خلال الترغيب في الحظوة بالمرأة، وهذا يعني

وجود تشابه في القيم الاجتماعية – بغضِّ النظر عن نوع الثقافة رعويةً كانت أو زراعيةً – مجمله ارتباط خَطيٌّ زمنيٌّ بين ثلاثة عناصر من الناحية البنيوية؛ أوَّلها العمل، وثانيها الثروة، وثالثها المرأة. وعلى هذا

الأساس ينال العاطلَ من العمل ازدراءٌ اجتماعيٌّ لاذعٌ خصوصًا إنْ كان متزوجًا؛ فكأنّه تخطَّى مرحلة

كان يجب عليه أن يمشيَ خطاها بحسب منظور النظام الاجتماعي الذي يسري على غرار القانون من

حيث قوَّته التأثيرية.

حجة المحافظة على العمل

رأينا في ما تقدَّم من هذه الدراسة أمثالً كثيرة توجب اجتناب الكسل والتواني والتقاعس من جهة، وانتهاج العمل سواءَ سبيلٍ من جهة أخرى. ولكن يظلّ ثمَّة سؤال متعلق بالعامل نفسِه في موضوع

العمل. فهل خصَّته الأمثال الشعبية، ونحوها، بأقوال إرشادية أو توجيهية لئلَّ يتداعى أمره تداعيًا متمثلً

في الانتقال من حالة العمل إلى حالة البطالة؟

3(((لعلّ أصل التكنية عن المال والممتلكات بال «كعبْ»، بوجه عامٍّ، أنّ تعداد الأشياء كثيرًا ما يبدأ في العاميّة التونسية بالقول:

«كعبة، اثنين، ثلاثة... إلخ»؛ ومن ثمّ فإنّ الكلمة تدلّعلى التكثير من خلال صيغة الجمع.

3(((انظر: ديوان عمر بن أبي ربيعة، ط  2 (بيروت: دار صادر للطباعة والنشر، 1998)، ص.101

في الثقافة الشعبية التونسية أمثال كثيرة سائرة تدعو العامل إلى المحافظة على عمله. وينضوي هذا الأمر إلى الترغيب في العمل والتحضيض عليه. ومن الأمثال التي تجري هذا المجرى وترسِّخ في

أذهان العمال وفي نفوسهم أمرَ المحافظة على أعمالهم «لَ تْسَيّبْ من إيْدِكْ، وْلَ تِنْدِمْ عْلى مَا فَاتْ».

فمن مقتضيات هذا المثل ألَّ يسارع العامل إلى تقديم استقالته رغبةً في وظيفة أخرى. فربما لا يتأتَّى له هذا الأمر ويقع في الخسران المبين: المهنيِّ والماليِّ والنفسيِّ والاجتماعيِّ، وفي مثل هذا المعنى يُقال

«عصفور في اليد ولا عشرة فوق الشجرة»، ويُقال أيضًا «اللِّي يبدَّل لحية بلحية يشتاقهم الاثنين»، وقد قيل شعرًا في معنى هذا المثل: لِثْنِينْ رَاحُو رْزية»

«مَنْ بَاعْ لحية بْلِحْية ومن خلال هذا البيت والأمثال السابقة، نرى أنَّ التونسيَّ يعترف بوجود فوائد كثيرة في عمله، مهما

بلغ به الطموح إلى الظفر بعمل أفضل من عمله، ومهما بلغ تذمّره من عمله الراهن، ولا سيما في

حال انتباهه إلى أنَّ غيره يتمنى أن يحظى بمِثْل عمله، وقديمًا قالت العرب: «مَنْ تركَ حِرفته تركَ بَخْتَه»ُ. وفي مقام الحث على محافظة المرء على عمله، نُلفي مثلً متداولً في المملكة المغربية هو «اللِّي فرَّطْ يْكرّطْ». وفي هذا المثل، جرى اشتقاق الفعل «يْكرّطْ» من ال «كريطة»، على سبيل توعُّد من فرَّط في عمله، أو أيّ أمر من الأمور التي يستفيد منها خيرًا ما، بالاضطرار إلى مهنة موصومة بالنَّصب

والشقاء، إضافةً إلى أنَّ المجتمع يَعُدّها «وضيعة»؛ ومن ثَمّ يناله منها ضرَّاءٌ من ناحيتين، إحداهما مادية والأخرى معنوية. وممَّا جاء في الشكوى من هذه الحال أغنية «الكريطة» لمحمد الجراري». ومن الأمثال التي تُزجِّي المحافظة على العمل «لَ تْفَكّرْ فِي المفْقُود حتى لَ تْفقد الموجُودْ»، فهذا المثل ينبِّه العامل إلى أنه ربما يكون غافلً عمّا هو فيه من فوائد ناجمة عن عمله، بسبب اعتياده إيَّاها، إلى حدّ أنه قد يراها – لا محالة – أمرًا مُحصّلً، ومن ثمَّة يأتي هذا المثل على سبيل إيقاظه من غفلته؛ فتلك الفوائد التي يجتنيها من عمله ستصير في حُكم المفقود إنْ هو ترك عمله الراهن.

(3((«يشتاق»: بمعنى يفقد. ويُعبّر هذا المثل عن الحسرة والأسف، وكثيرًا ما يرد في ذمّ المتقلّب أو الخائن على سبيل التعريض به.

4(((البيت منسوب إلى ملّك، انظر: خريّف، ص.181 (4((الميدانيّ، ص.721

4(((تدلّكلمة «كريطة » carreta – وهي من أصلٍ أسبانيّ – في المغرب العربي على عربة ذات عجلتين لنقل البضائع. وفي هذا

السياق نجد كلمة «كارّو» carro التي تعني عربةً ذات أربع عجلات مخصصة إمّا لنقل الأشخاص وإمّا لنقل البضائع. وأمَّا كلمة

carreta في اللغة الإسبانية، فهي تصغير لكلمة carro، انظر: بشير الأمين، «جولة لغوية على ضفاف البحر الأبيض المتوسط»، هجرة الكلمات، شوهد في 2018/9/20، في: https://bit.ly/2K50BfZ (((4 من أسباب المعاناة النفسية التي يعيشها مَن يشتغل بال «كريطة» أنّها عربة يجرّها – عادةً – بغل أو حمار؛ بناءً على ما بين

«الكرارطي» والدابة والعربة من دلالة التزامٍ. (((4 تدلّعبارة «القسم على الله» في العامية التونسية على التأفف والتذمر والشكوى، انظر: «القسم على الله من الكريطة»، مقطع يوتيوب، 2012/1/9، شوهد في 2018/9/20، في: https://bit.ly/2qLtwNx

نتبين أنَّ لهذا المثل قيمة إرشادية مؤكِّدة للاستقرار المهني والاجتماعي بوجه عامّ. فاشتماله على أسلوب النهي في بدايته من ناحية، وعلى النتيجة المترتبة على المخالفة عن النهي من ناحية أخرى، يوجهان المخاطَب إلى النظر في أهمية عمله من منظور الترغيب فيه وكشف مزاياه. ثمّ إنَّ هذا المثل يشترك مع المثل «لَ تْسَيّبْ من ايْدِكْ، وْلَ تِنْدِمْ عْلى مَا فَاتْ» من جهة المعنى المُزجَّى، ومن جهة أسلوبه أيضًا المتمثل في الابتداء بالنهي والانتهاء بذكر النتيجة في حال انعدام العمل بمقتضى المثل. أمَّا المثل «عصفور في اليد ولا عشرة فوق الشجرة»، فهو يشترك مع المثل «لَ تْفَكّرْ فِي المفْقُود حتى لَ تْفقد الموجُودْ» في معنى التوجيه إلى المحافظة على العمل، وفي اشتمال كليهما على أسلوب النفي (ولا عشرة فوق الشجرة/  لَ تْفقد الموجُودْ). وإذا كانت كلمة «الموجُودْ» تجنح بالمثل إلى التعميم والتجريد، فإنَّ عبارة «عشرة فوق الشجرة» تنزع به إلى التخصيص والتشخيص، وفي ذلك دلالة على تنوُّع الحجّة رغبةً في إحكام الإقناع بأكثر من سبيل. لعلَّ المثلين السابقين يتكاملان في أداء المعنى المراد تحقيقه بحسب الإمكانات الذهنية التي تكون أقرب إلى أن يأخذ بها شخص أو آخر، وبحسب مقامات الخطاب أيضًا، فعلى سبيل المثال يبدأ المثل «لَ تْفَكّرْ فِي المفْقُود...» بخطاب مباشر مبنيٍّ على النهي. ولعله يكون من الفظاظة أن يُوجَّه مثل هذا المثل من الأدنى إلى الأعلى في المنزلة الاجتماعية. وأمّا المثل «عصفور في اليد...»، فلا غضاضة في إرساله في مثل هذا المقام؛ ذلك أنه خطاب غير مباشر قائم على التمثيل، على أنَّ هذا المثال متعلق بالممكن القوليِّ للمثل بحسب المقام التواصليِّ الذي تتداخل في أدائه عدة عناصر من بينها أطراف الخطاب وأوضاع المقام وأحواله، فضلً عن زمن القول ومكانه، وغير ذلك من مقتضيات المقام التخاطبيّ التي يكون من بينها أسلوب القول وطريقة التلفظ به أيضًا. لكنّ ذلك لا يعني وجود عنصر معيَّن من تلك العناصر يضطلع بوظيفة المحدِّد الرئيس في القول، فربما آل الأمر في هذا الشأن

إلى عنصر أو آخر، أو عنصرين مجتمعين أو أكثر. وإذا كنَّا قد رأينا أنَّ الأسلوب قد يولَى أهميةً خاصةً؛ كأنْ تكون له الصدارة في تخيُّر بنائه على الأمر أو النهي، أو في انتهاج خطاب مباشر أو غير مباشر، فإنَّ ذلك لا يُفضي إلى القول بوجود صيغ مُثلى، أو «نماذج» ملائمة لجميع الأوضاع التخاطبية. وعلى سبيل بيان ذلك، نطرح السؤال: هل يُعدّ انتهاج أسلوب التمثيل في مقامٍ خطابيٍّ من الأدنى إلى الأعلى أمرًا ملائمًا؟ لعل الجواب الأمثل أن نقول إنَّ ذلك لا يكون أمرًا سواءً دائمًا. وعلى سبيل المثال، يُستبعد

من مِثل هذا المقام القول المَثليّ التمثيليّ «اللِّي يبدّل لحية بلحية يشتاقهم الاثنين» بالنظر إلى ما فيه

من غلظة وفظاظة يضطلع بأدائهما أسلوب التمثيل نفسه. وهكذا ليس للمثل – خاصةً – أن يُلقى على عواهنه أو رُسيلاته.

4(((كثيرًا ما يُعتمد التشخيص سبيل إلى الإقناع من خلال رؤية مستندة إلى أوضاع المخاطب النفسية والاجتماعية والذهنية. وفي

هذا الشأن يقول شاييم بيرلمان Chaïm Perelman: «ليس الح جاج في النهاية سوى دراسة لطبيعة العقول، ثم اختيار أحسن السُبل

لمحاورتها، والإصغاء إليها ثم محاولة حيازة انسجامها الإيجابيّ والتحامها مع الطرح المقدّم. فإذا لم توضع هذه الأمور النفسية

والاجتماعية في الحسبان فإنَّ الحِجاج يكون بلا غاية وبلا تأثير»، انظر: محمد سالم ولد محمد الأمين، «مفهوم الحجاج عند بيرلمان

وتطوره في البلاغة المعاصرة»، عالم الفكر، مج، 28، العدد 3 (كانون الثاني/ يناير – آذار/ مارس 2000)، ص.68

حجة المقارنة بين حال العامل وحال العاطل

1. فضل العامل على العاطل

يمكن أن يكون المثل «اللِّي مَا يِشْقَى، مَا يِلقَى» امتداحًا للعامل وذمًّا للخامل في الآن نفسه؛ من جهة

ما بين النفي والإثبات من اقتضاء جدليٍّ، ومن جهة أنَّ الأمثال، على نحو ما تقدَّم القول، تتسع لمقامات

يعسر تحديدها وضبطها، وليس هذا المثل بمثلٍ شاردٍ في هذا الشأن، بل هو مُثبِت لتقابل ضروريٍّ بين

العمل الخصيب والكسل القاحل، استنادًا إلى ما يشتمل عليه من مقتضى حجاجيٍّ ماثلٍ في الشرط

وجوابه. وإذا ما قارنَّا بين الشرط الوارد في هذا المثل والشرط الذي تضمَّنه المثل «ذرَاعِكْ يَا علَّفْ»،

تبينَّا أنَّ القضية الشرطية في الحث على العمل تُبنى على أسلوب النفي حينًا، وعلى أسلوب الإثبات

حينًا آخر. فكلِا المَثلين يُكمِّل أحدهما الآخر، على نحوٍ يُبرز أنَّ المؤسسة الاجتماعية تحرص على

ترسيخ قيمة العمل في نفوس أفرادها حرصًا شديدًا، ومن ثمَّة يجري استعمال أساليب متقابلة في توكيد

القضية نفسها؛ فربما تكون صيغة الإثبات أولى بالإقناع بالنسبة إلى بعض الناس مثلما تكون صيغة النفي أولى بذلك بالنسبة إلى بعضهم الآخر. وقد ورد في الأمثال التونسية ما يربأ بالعامل عن حصر اهتمامه كلِّه في المال الذي يصيبه من عمله، وممَّا قيل في ذلك «اخْدِمْ القِرْدَاشْ، ولوْ بْلَشْ»، و«اخدم بصوردي وحاسب البطال »، وتدل كلمة

«صوردي» الواردة في هذا المثل على أنه مثلٌ تالدٌ. فبم نفسِّر استرسال هذا المثل في الزمن حتى

يومنا هذا، على الرغم من أنَّ عُملة الصوردي التي يرتكز عليها غير متداولة في المجتمع التونسي؟ لعل ذلك يرجع إلى بعض المكونات المثلية الفاعلة في والحؤول دون فنائه. ومن بين هذه المكونات الانزياحُ بكلمة «صوردي» من دلالتها المادية إلى دلالة معنوية معبِّرة عن انفعال إنسانيٍّ لا يتحدَّد بآنٍ

ولا بزمانٍ، وهذا يعني أنَّ المجاز بمنزلة «الطاقة المتجددة» التي يجوز بها المثل مِهاده القوليّ، والتي

تتيح له امتدادًا يحرره من قيده التاريخيِّ الذي نشأ فيه. ومثل هذا الاستنتاج لا يختصّ بهذا المثل،

فعلى سبيل المثال نُلفي، في السياق نفسِه، المثل «اخْدِمْ بْقَفْصِي وْحَاسِبْ البَطّالْ»؛ ذلك أنَّ هذا المثل

لا يزال قيدَ التدوال، على الرغم من أُفول عملة «القفصي». في كلا المثلين نتبين تفضيلً لحال العامل على حال العاطل من العمل. ولئن كان المال المكتسب

(4((«القرداش»: أداة تقليديّة مكوّنة من لوحين دُقّت فيهما مسامير، وهي تُستعمل لتمشيط الصّوف. وأمّا كلمة «بلاش»، فلعل

أصلها «بلا شيء»؛ أي من دون مقابل. (4((بشأن كلمة «صوردي»، نُلفي القول: «والأرجح أننا أخذنا هذه الكلمة من اللغة الإيطالية، أو بالأحرى من إحدى اللهجات الإيطالية المحلية. يستعمل الإيطاليون اليوم كلمة soldi للدلالة على المال أو النقود ومفردها soldo، وهي قطعة نقدية صغيرة تعود إلى أواخر القرن الثامن عشر (وهي جزء من عشرين من الليرة). أمّا في مدينة نابولي فكانت الكلمة تُنطق sordo وجمعها sordi،

ويرجّح أن هذا هو أصل الكلمة عندنا»، انظر: بشير الأمين، «جولة لغوية على ضفاف البحر الأبيض المتوسط»، هجرة الكلمات،

شوهد في 2018/9/20، في: https://bit.ly/2HfcGNV (4 ((انظر القول: «في تونس، نستعملها عادةً للتعبير عن مبلغ زهيد (عندي زوز صوردي)، أو للتحقير من شأن شخص ما (صوردي منقوب)»، المرجع نفسه. (4((القفصي: «عملة معدنيّة كانت تطبع في مدينة قفصة»، انظر: خريّف، ص 70.

حجةً ماديةً فارقةً بين هذه الحال وتلك، فإنَّ الشأن يكون – بدايةً – في العمل حتى إنْ كان واردُه الماديّ قليلً، وكفى بعملتَي «الصوردي» و«القفصي» دليلَين على ذلك؛ ما يعني أنَّ المال، في الذهنية التونسية، لا يستغرق جميع أهداف العمل، وأنه لا يعدو أن يكون هدفًا من جملة أهداف أخرى حريٌّ أن يوسَم بعضها بأنه لامادي، أليست الأمثال في حدّ ذاتها من القيم اللامادية التي أنتجتها الثقافة الاجتماعية؟ تؤكّد أمثال تونسية كثيرة أنَّ عائد المال المادي – وإن قلَّ – يمكن أنْ يتضاعف، من بينها المثل «فليِّسْ عْلى فليّسْ، يْوَليوْ كْدَيّسْ». ففي صيغة التصغير لكلمة «فليِّسْ» (تصغير لكلمة «فِلس») ما يؤكد

أنَّ وجود المال يعني إمكانًا لزيادته، وهذا بعكس الحالة الصِفرية المطابقة لحال البطالة التي لا نماءَ

فيها لأيِّ مالٍ. ويمكن أن نلاحظ أنَّ في التكرار اللفظيّ لكلمة «فليِّسْ» دلالة على زيادة مالية فعلية

مترتبة على العمل. وللمثل المذكور صيغة أخرى هي «فليِّسْ مع فليِّسْ، يْوَليوْ كْدَيِّسْ»، وربما كانت

تلك الصيغة المثلية أبلغَ في التشخيص والاستعلاء من هذه الصيغة. لقد جرت أمثال أخرى على المعنى السابق المتعلق بنماء المال، وإن اختلف لفظها، فقيل: «حبَّة معَ حبَّة تْوَلي قْفِيز»ْ، وقيل أيضًا: «كْعِيبَة معَ كعِيبَة، تْحَصّلْ وِيبَة ». ولئن كان هذان المَثلان

مشاركَين للمثل السابق من جهة الدلالة على أنَّ القليل متى جُمع مع القليل صار كثيرًا، فربما كانَا

يتصفان – من الناحية المُعجمية – بإشارات خاصّة متعلقة بالبيئة التي صدرَا عنها، فكأنَّ الذاكرة الجماعية تستحضر نتائج العمل، في بيئة زراعية، وقد أضحى أكداسًا من الحبوب والبقول تُكال

ب «الويبة» أو ال «قْفِيزْ». وإذا استحضرنا القول: «قفيزْ من اللويز»ْ، أمكن أن نتبيَّن من خلاله سجعًا

يحتفي بوفرة المحصول الزراعيّ، على نحو صيَّره المخيال الشعبيّ الحالِم محصولً من الذهب.

2. العمل درجةً اجتماعيةً

تدل «الدرجة» في الوضع اللغوي على «المنزلة» و«المِرقاة»؛ ومن ثمَّة من الممكن أن يدل التعالق بين العمل والحال الاجتماعية على أنَّ العمل بمنزلة «رافعة» لمكانة العامل الاجتماعية؛ بحسب جودة

((5(قيل في المثل «المال يغدَا والرجال تجيبو»؛ بمعنى أنّ المال يميل ويذهب. وبغضّ النظر عن تخصيص الرجال بالمديح في

هذا المثل فإنَّ معناه العامّ يدلّعلى أنّ المنزلة الاجتماعية لا تتحدّد بالمال وحده. وفي التعبير عن أنّ هذه المنزلة ليست مرتهنة

بالمال، قيل أيضًا: «الطّلْبة [أي سؤال الناس] تْعَيّشْ، أمَا تْخَلّفْ العار»، وهذا يعني أنّ المال لا يصنع المروءة، وقد قيل في المثل

. Bonne renommée vaut mieux que ceinture dorée »ّالفرنسيّ «سمعة حسنة خيرٌ من حزام ذهبي

(5((«القْفِيز»: من المكاييل الفلاحية التقليدية التونسية. وعلى سبيل المثال، يساوي قْفِيز الزيتون 23 «قلبة»، وتُساوي ال «قلبة» 14

أو 15  كيلوغرامًا تقريبًا؛ فيكون مقدار قْفِيز الزيتون 504 كيلوغرامًا تقريبًا. للاستزادة، انظر: «القلبة، الويبة، القفيز.. مكاييل فلاحية

تعرف عليها»، خيراتنا: الموسوعة الفلاحية، شوهد في 2018/9/20، في: https://bit.ly/2r15iQ6 ((5(تعني كلمة «كعيبة» في العامية التونسية كل ما كان من الشيء مفردًا، وأمّا ال «ويبة» فهي مكيال مقداره ضعف ال «قلْبة». ((5(يقول بشير الأمين في اللويز: «هو قطعة نقدية فرنسية من الذهب بِاسم ملوكهم Louis وهي من المكونات الأساسية للمصوغ التونسي»، هجرة الكلمات، شوهد في 20/9/2018، في: https://bit.ly/2JwUZKj ((5(انظر القول: «الدرجة: الرفعة في المنزلة. والدرجة: المرقاة. والدرجة واحدة الدرجات، وهي الطبقات من المراتب. والدرجة:

المنزلة، والجمع درَجٌ. ودرجات الجنة: منازلُأرفع من منازل»، ابن منظور، ج  2، ص.266

عمله، أو مدته، أو مجاله، ونحو ذلك. وفي هذه الحال يكون العامل ذاتًا فاعلةً، في حين يكون العمل أداةً مُسخرة في تحقيق ذاته، ولا سيما أنّ في العمل غنى عن الناس واعتمادًا على النفس. ومن النوادر التي تُبيّن فضل العمل وفضيلة التعفف عن سؤال الناس قصة الأصمعي والكنَّاس، وقد جاء فيها ما يلي: «قال الأصمعي: مررت بكنّاسٍ بالبصرة يكنس كنيفًا وهو يغني ويقول: ليوم كريهةٍ وسداد ثغر

أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا فقلت له: أما سداد الثغر فلا عِلم لنا كيف أنت فيه، وأما سداد الكنُف فمعلوم. قال الأصمعي: وكنتُ

حديث السِنّ فأردتُ العبث به، فأعرض عني مليًّا ثم أقبل عليَّ وأنشد: وأكرمُ نفسي إنني إنْ أهنتها

وحقك لم تُكرمْ على أحدٍ بعدي فقلت وأيّ كرامة حصَلتْ لها منك وما يكون من الهوان أكثر مما أهنتها به؟ فقال: بل لا والله من الهوان ما هو أكثر وأعظم ممَّا أنا فيه، فقلت له: وما هو؟ فقال الحاجة إليك وإلى أمثالك، فقال [الأصمعي]: فانصرفت وأنا أخزى الناس». يبدو، من خلال هذه النادرة، أنَّ الكنَّاس يستنكف من الحاجة إلى الناس استنكافًا لا يُدانيه حتى

الاستنكاف من كَنْس الكنُف، وفي ذلك ما يدل على أنَّ سؤال الناس أشدُّ مضاضةً على ذي المروءة من معالجة بيوت الخلاء وأدرانها. وممّا يدلّ على أنّ للعمل تحقيقًا لذات العامل وتوكيدها أنّ ما كان يجده الرجل من ميزات اجتماعية،

مقارنةً بالمرأة، إنما كان بسبب العمل، ولعل من مؤكدات ذلك، في أيامنا هذه، أنَّ المرأة التي تعمل في المجال العامّ تحظى، عادةً، بمكانة اجتماعية أكبر من المرأة التي لا تعمل في هذا المجال.

ولكن مِن النساء، قديمًا، مَن كُنَّ يُحققنَ ذواتِهن من خلال عملهن في بيوتهن؛ ذلك أنهن وجدن في

بعض الصناعات التقليدية سُبلً يُبْدِين فيها مِنْ ذوقِهنَّ ومهارة أيديهنَّ ما يُبدين. وفي مثل هذه الحال،

لا عجبَ أنْ يَلهَجُ لسان الرجل بالمَثل «صْبَاعْهَا حْرِيرْ». وفي السياق نفسِه نُلفي مثلً آخر يمتدح المرأة

التي تُحسن التدبير المنزليّ الاقتصاديّ هو «المرَا الزعيمة تنحِّي مِالكانون فحيمة ومِالطنجرة لحيمة»،

وربما دلَّ هذا المثل على نوع من التواشج بين العامية واللغة الفصيحة إنْ كان مأخوذًا من قصة مريم الصّناع التي سردها الجاحظ. ثمّ إنه قيل في الثناء على المرأة التي تُحسن تدبير مختلف الشؤون؛ حتى في الأحوال التي تعدم فيها الأدوات اللازمة في إنجاز العمل «الفالحة تَغزل حتى بِرْجِل بغلة»؛

((5(البيت للشاعر الجاهلي طرفة بن العبد – وهو شاعر نبذته قبيلته – وفيه يفتخر بفتوّته مستعظمًا شأنه في ردّ الأعداء عن الثغور

(الحدود) يومَ الكريهة؛ أي حين اشتداد الحرب. ويُعدّ هذا السياق مرجعيًا في فهم سخرية الأصمعي من الكنّاس، وفي بناء النادرة

على المفارقة إجمالً. (5((ابن حجة الحموي، ثمرات الأوراق، تحقيق وتعليق محمد أبو الفضل إبراهيم (صيدا/ بيروت: المكتبة العصرية، 2005)، ص.35 ((5(انظر قول السارد: «زوجت ابنتها وهى بنت اثنتَي عشرة، فحلّتها الذهب والفضة وكستها المرويّ والوشيَ والقز والخز، وعلّقت

المعصفر ودقّت الطيب وعظّمت أمرها فى عين الختَن [قالت] منذ يوم ولدتُها إلى أن زوجتُها كنتُ أرفع من دقيق كل عجنة حفنة

[...] فإذا اجتمع من ذلك مكوك بِعته». عمرو بن بحر الجاحظ، البخلاء، تحقيق طه الحاجري، ط 5 (القاهرة: دار المعارف، [د.ت.])، ص.30

ومن معاني هذا المثل أنّ حذق الصناعة يمكن أن يُغنيَ عن جودة الأداة، في حين أنّ جودة الأداة

لا يمكنها أن تغنيَ عن الحذق أو حسن الأداء. إنَّ حُسن تدبير المرأة لشؤون البيت يُكسبها احترام الرجل – اختيارًا أو اضطرارًا – ويذود عنها تقلباته،

ويصرف عنها صروف الزمان؛ من أجل ذلك ونحوه تغنَّى بها أحد الشعراء الشعبيين في إحدى ملزوماته، عادًّا إيَّاها أساسًا ل «العمران»: «يَا عْجِيبْ اعرفْ كَارِ النّسْوَانْ

رَاهُمْ هُومَا سَاسْ العُمْرَان»ْ هكذا يعدِل الشاعر الشعبيُّ عن «العدْل» الخلدونيِّ بوصفه أساسًا ل «العمران»، جاعلًالمرأة أساسًا

ل «العمران أو «المُلك» أنفسِهما. ويمكن تفسير هذه النِظرة بأنَّ المرأة إذا كانت ذات عمل فاعل في

العمران، أمكنها أن تتخذ من عملها «مرقاةً» تحظى من خلالها بمكانة اجتماعية رضيَّة. وإذا كان ابن

خلدون قد بيّن أنَّ عوائد الناس تخضع للتغير والتبدل، فإنَّ عمل المرأة خارج البيت (في المجال

العامّ)، أثناء سعيها إلى تغيير أوضاعها، كان عاملً مُغيِّرًا لأوضاع وأحوال كثيرة في المجتمع. يُقال إنَّ المرأة تصل دائمًا إلى بُغيتها، ولعل هذا القول أولى أن يكون سويًّا حينما يتعلق الأمر بذات

المرأة؛ وبيان ذلك أنَّ المرأة التونسية لمَّا أدركت قيمة العمل داخل بيتها التمست، في مرحلة لاحقة،

إدراك منزلة أخرى لها خارجه، فكان ما اصطُلح عليه ب «خروج المرأة للعمل»، وحَسْبنا في هذا المقام

أن نورد قولً من الشعر الشعبي لمحمد الغربي في إنصاف المرأة من ظلم الرجل، وفي الشهادة لها بتحمُّل أعباء الحياة داخل البيت وخارجه، إذ يقول: «رَاجِلْهَا مَا عْرَفْتِشْ وِينُو لا يَخْجلْ لا يْوطِّي عِينُو يِمْشِي يُقْعُدْ فِي الكَازِينُو من الصبحية لِلْعشْوِية وْهِيَّ تْقَاسي هَمُّو وْبِينُو تِخْدِمْ وِتْجيبْ الشهرية» بناءً على هذا القول الشعريِّ، نتبين تجاوزًا لحال معهودة في المجتمع التونسي. فمقتضى القول أنّ المرأة

بسبيل من العمل في المجال العامّ وأنّ الرجل منه خالٍ. فضلً عن ذلك، ثمّة تجاوز لحال اجتماعية أخرى

(5((عثمان الغربي، جريدة الزهو (تونس)، العدد 1142،.1951/1/6 (5((«إنَّ أحوال العالم والأمم وعوائدهم ون حلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقرّ، وإنّما هو اختلاف على الأيام والأزمنةِ

وانتقال من حالٍإلى حالٍ. وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول »،

انظر: عبد الرحمن بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، اعتناء هيثم جمعة هلال (بيروت: مؤسسة المعارف، 2007)، ص.44 ((6(يستند القول إلى المثل الفرنسي Ce que femme veut, Dieu le veut» «؛ فما دامت إرادة المرأة من قبيل الإرادة الإلهية بحسب

هذا المثل، فإنَّ إرادتها نفسَها تكون – لا محالة – نافذة.ً (6((عثمان الغربي، الزهو، العدد 1181، 1951/1/6. وتعني كلمة «بينو» مصائبه؛ فالرجل في هذا السياق لا يولي واجباته أيَّ أهمية،

في حين تكابد المرأة مشقّةً مضاعفةً بنيابتها عنه في ذلك. وأمّا كلمة «الشهريّة»، فهي تعني الراتب الشهري.

مقتضاها أنّ كلِا الزوجين يعمل في المجال العامّ. فمقتضى الحال، الواردة في قول الشاعر، أنَّ المرأة هي التي تعمل خارج البيت، في حين أنّ الرجل عاطلٌ من العمل، منصرفٌ إلى اللهو. وهذه الحال تعكس اختلافًا عن الأوضاع الاجتماعية المعهودة، على نحو يتيح للمرأة إمكانًا لتوكيد ذاتها من خلال العمل. أمّا

توكيد ذاتها بالعمل نفسِه فلا يبدو أنّه، من خلال ذلك القول الشعريّ التسجيليّ في الآن نفسه، بمعزل عن

سلبيات كثيرة و«تشوُّهات» عميقة تجترح ذاتها. فالمرأة العاملة التي يذكرها الشاعر هي التي تُعيل أسرتها،

أمَّا الزوج فهو ينفق من كَسْبها في لهوه؛ وهكذا يصحُّ المثل في شأن هذه المرأة «اخدِمْ يَا تَاعِسْ علَى هَاك

الرَّاقد النَاعِسْ». لكنَّ المفارقة في هذه الحالة لا تتعلق بالتقابل بين المرأة العاملة والرجل اللاهي فحسب،

بل باغتراب المرأة عن عملِها أيضًا؛ فهي لا تسيطر على ناتج عملها، بل يسيطر عليه ذلك اللاهي الخامل؛ ومن هذا الوجه يمكن أن يوصف عمل المرأة في المجال العامّ، من خلال المرحلة التي مثّلها الشاعر، بأنه «مُبتسرٌ» ما دام قيدَ الاستغلال والتسلط والقهر.

3. اضطراب الأحوال وتداعيها في حال التقاعس عن العمل

لا شكّ في أنّ التأثير في المخاطَب وحمْله على الاقتناع بقضيّة ما يُعدَّان من أهداف الخطاب الحجاجي،

على أنّ هذا الشأن لا يكون بإثبات قضية فحسب، بل يمكن أن يكون من خلال نقض قضية مقابلة لها أيضًا، فضلً عن إمكان الإقناع من خلال التكامل بين هذه الطريقة وتلك. ولعل ما يتميَّز به هذا القسم من الدراسة، مقارنةً بالأقسام التي سبقته، أنه لا يُعنى – من الناحية

المنهجية – بالأمثال المؤدية إلى الترغيب في العمل على نحو مباشر، وأنَّه يقوم على افتراض وجود عدة حالات يكون فيها الشخص عاطلً من العمل، ومن ثَمّ يمكن الإسفار عن المساوئ المترتبة على هذه الحالات. وهكذا تكون هذه المساوئ، في نهاية الأمر، بمنزلة حجج مؤكِّدة لفضل العمل على الكسل؛ ما يقتضي إيجاب العمل على الإنسان التماسًا للنجاة من تلك المساوئ. في هذا السياق، يمكن أن نتبين ضروبًا من «الآفات» الناجمة عن حالات ركون الرجل إلى البطالة، وسنتّخذ «الأسرة» مرتكزًا في بيان هذا الأمر؛ بالنظر إلى خطورة شأنها في المجتمع؛ فإن كانت

((6(في هذا الشأن، انظر:

Jean-Michel Adam, Les textes types et prototypes: Récit, description, argumentation, explication et dialogue (Paris: Nathan, 1992).

((6(يقول فولتير: «إنَّ العمل يجنّبنا شرورًا عظيمةً ثلاثةً: الملل والرذيلة والحاجة»، انظر:

Voltaire, François-Marie Arouet, Candide ou L’optimisme (Paris: Bibliothèque de la Pléiade, 1972), p. 232.

((6(في موضوع علاقات التأثير المتبادل بين الأسرة والمجتمع، وأهمية الأسرة بوصفها من أبرز العوامل الفاعلة في تكوين سمات المجتمع وصفاته، يصف أحمد زكي بدوي الأسرة بأنّها «نواة المجتمع»، و«الوحدة الاجتماعية الأولى التي تهدف إلى المحافظة

على النوع الإنساني»، وبأنّها «تقوم على المقتضيات التي يرتضيها العقل الجماعي والقواعد التي تقررها المجتمعات المختلفة»،

انظر: أحمد زكي بدوي، معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية (بيروت: مكتبة لبنان، 1983)، ص 152. وفي السياق نفسه يقول السيد محمد بدوي إنَّ الأسرة هي «مجموعة من الأفراد يتفاعلون في ما بينهم، وإذا كان التحليل في علم الحياة يقف على الخلية،

ففي علم الإجماع يقف على الأسرة باعتبارها الخلية الأولى للمجتمع»، انظر: السيد محمد بدوي، المجتمع والمشكلات الاجتماعية (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1988)، ص.182

أوضاعها سويةً كان ذلك من أكبر العوامل المحققة للسوية الاجتماعية، وإنْ تداعت تداعى المجتمع برمَّته. وفي ما يتعلق بالموضوع الذي نحن بصدده، يكون حبّ العمل أو النفور منه، في أغلب الأحيان، بحسب الأوضاع التربوية والنفسية والاجتماعية التي تعيشها الأسرة. رأينا، من قبلُ، أنَّ المرأة تُعَدّ حافزًا من الحوافز الموجبة لعمل الرجل. غير أنّه، في بعض الأحيان، يُعقَد الزواج، ويحظى بعضهم بمن «تعلقت» بها نفسُه، ولا تكاد تمرُّ بعض الأعوام حتى يخفت الشوق

أو يتلاشى، وآنئذٍ لا تكون المرأة بالنسبة إلى الزوج مرغِّبةً في «العمل» إلَّ من جهة استحواذه على مَصُوغها وبيعه من أجل انتفاعٍ شخصيٍّ به سريعِ الزوال، ولسان حاله يردِّد المثل «ما تنفعْ الحدايدْ كَانْ

لِلشدَايِد»ْ. وفي هذه الحال دلالة على أنَّ مثل هذا الزوج قد أوغل في اللؤم، وأنَّ نظرته إلى زوجته قيد ال «شيئيَّة»؛ من جهة أنَّ معاملته إيَّاها لا تعدو مصلحته. وفي كثير من الأحيان توافق المرأة زوجَها على بيع مصوغها؛ ظانّةً أنَّها تُطوِّقه بمعروفٍ جميل، أو

جميل معروفٍ، يكون لها ذخرًا إنْ ضاقت بها الحال. ولكنْ لعلها تكتشف بعد نفاد مَصُوغها تدنِّي

قيمتها عند زوجها، وربما لا تكتشف أنَّ موافقتها إيَّاه على بيع المصوغ كان «عملً» من الأعمال المؤدية إلى تداعي مكانتها وذهاب حُظوتها إلَّ بعد أن «وقعت الفأس في الرأس» بحسب التعبير المثليِّ. وفي إثر ذلك من الممكن أن يستحضر الزوج عدَّة أمثال من منظور موغل في «التوحش

البراغماتيّ»، وقد أترعته أثَرةٌ ضارية؛ من بينها «بَعد رَاسِي لَ خْضَارِتْ»، و«المْرَا بْلَ صُرّة عُرّة». فمثل

هذه الزوجة قد صارت بالنسبة إليه بمنزلة عينٍ جَفّ نبعُها، بل ربما صار يراها آسنةً، وحينئذٍ لا يُستبعد أن تمتلئ نفس المرأة أسى فينطق لسان مقالها، أو لسان حالها، بذلك القول السائر الذي تغنَّى به محمد

الجرّاري: «يا زيتُونَة آشْ قَرّبِكْ لِلوَادْ يَا زيتُونَة»؛ وما ذاك إلَّ لأنَّها لم تَعُدْ «مباركةً» بعد أن جنى منها

«الواد» جميع ثمارها. على مِثل ذلك النحو المُتداعي يمكن أن تكون حال الأسرة التي يستبد فيها الكسل والتقاعس عن العمل بالزوج استبدادًا يُعمِّي عنه إساءاته إلى زوجته أو أبنائه. وإذا استحضرنا أوَّل مثلٍ ذكرناه في

هذه الدراسة (الناسْ الكُلْ تِجْرِي وْرَا الخُبْزَة)، أمكن أن نشير إلى مقتضاه الحجاجيِّ المتعلّق بمِثل

ذلك الزوج؛ فكأنه ليس من الناس ما دام خموله قد أقعده عن التماس خبزه؛ ومن ثمَّة نُلفي أمثالً

(6((«الشدَايِدْ»: أيَّام الشدة، أمّا الحدايدْ فهي الأساور (جمع «س وار»)، وهي من حَلْيِ المرأة الذي يُلبس في المعصم. ولعلّ في

تسميتها «الحدايدْ» ادعاءً لمعنى القوة والصلابة والمتانة، وهذا المعنى ملائم للمثل المذكور؛ من جهة أنّها عاضدةٌ وقت الشدة.

يُضاف إلى ذلك، في سياق المثل نفسه، أنّ هذه التسمية ملائمة من الناحية المقامية لما يمكن أن يتلفَّظ به الرجل الذي يريد أن

يحمل امرأته على بيع حليها من الذهب أو الفضة، من دون أن يكون لها في ذلك أيُّ فَضلٍ؛ فكأنها إذا فعلت ذلك لم تَبع إلَّ حديدًا.

(66) «Ya lalani. Mohamed Jerrari,» youtube, 7/10/2015, accessed on 20/9/2018, at: https://bit.ly/2xqSk0u

«الوادْ»: الوادي، ومن شعريّة المثل الذي تضمّنته أغنية محمد الجراري، «آش قربك للواد يا زيتونة»، استعارة الزيتونة للمرأة، وقد

بدت على جرُفٍ هارٍ بسبب «الوادْ» (المستعار للرجل) الذي جرفها أو كاد.

((6(نُنوِّه بأنّ الأمثال الشعبيّة تُتيح إمكانات لنسيج قصصيّ من خلال تمثُّل تعالق سرديّ بينها؛ ووجه ذلك، في ما نحن بصدده على

سبيل المثال، الترابط الممكن بين المثل «ما تنفعْ الحدايدْ كَانْ للشدَايِدْ» والمثل «يَا زيتُونَة آشْ قَرّبِكْ لِلوَادْ يَا زيتُونَة». فهذا المثلِ

يمكن أن يعبّر عن ندم امرأة على اقترانها بزوجٍ موصومٍ بالطمع.

كثيرةً في ذمِّ أمثاله والسخرية منهم والدعاء عليهم، من بينها «كِيفْ قْطَاطَسْ بَارْدُو الشرّ والخلعَة»،

و«كَانْ جَا النوم يْكبَّرْ رَاهُو كبَّر القطاطسْ»، و«الحَرْكَة بَرْكَة والبطالَة هَلْكَة»، و«اللِّي مَا فِيه قَلْب يْموت

سْمين مْعَشْعَش ». تبدو صورة المتقاعس عن العمل بغيضةً، بل إنَّ في المشابهة بينه وبين صورة قِطٍّ «متشرَّد» إدناءً من

منزلته، وإلحاقًا له بعالم الحيوان؛ ما يترتّب عليه نَبذٌ له من الناحيتين النفسانية والاجتماعية. ومقابل هذا الإدناء يمكن أن نستحضر إعلاءً من شأن العامل، وأن نتمثل «مسافة اجتماعية» فاصلة بينه وبين

الخامل. وهكذا، لا يكون من سبيل لخلاص الرجل القادر على العمل من تلك المساوئ إلَّ باعتزاله الكسلَ والتقاعسَ، والتزامه العمل شِرعةً ومنهاجًا، وهذا يعني أنَّ محاسن العمل لا تتحدد في الفوائد المُجتناة منه فحسب، بل إنَّها مكنونة، أيضًا، في الحؤول دون مساوئَ وشرور كثيرة، وقد قيل إنَّ «الفراغ مفسدة». وفضلً عن ذلك، إذا استحضرنا القاعدة الفقهية السائرة التي تقول: «درْء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح»، تبينَّا أنَّ فضل العمل لا يكون في العوائد المشهودة المجتناة منه فحسب، بل إنَّ من أهمِّ فوائده أنه يجنِّب صاحبه كثيرًا من المفاسد، ويقي غيره شرَّه وضُرَّه.

خاتمة

أمكن أن نتبين، ممَّا تقدم ذِكره، أنَّ الأمثال الشعبية التونسية تعتمد طريقتين متقابلتين تُفضيان إلى نوعٍ من التكامل في تزجية وظيفة التحضيض على العمل والترغيب فيه. فالطريقة الأولى تعتمد توجيهًا مباشرًا، وإرشادًا إلى التزام العمل نفسِه، أمَّا الطريقة الثانية فهي تعتمد التوجيه والإرشاد أيضًا، لكنَّها غير

مباشرة؛ ذلك أنَّها تُظهر المساوئ المترتبة على الإعراض عن العمل؛ ومن ثمَّة يكون للعاقل المستبصِر أن ينأى عن الكسل ويُقبل على العمل إقبالً دائبًا؛ للخلاص من تلك المساوئ، ولاجتناء منافع كثيرة

من العمل، خصوصًا أنَّ المؤسسة الاجتماعية – كما اتضح ذلك في أمثال شعبية عديدة – تمتدحُ

العامل وتذمُّ العاطل من العمل. وهكذا لا يكون العمل من المنظور الاجتماعيِّ مِنّةً ولا تفضلً من

العامل، بل هو واجبٌ يوجب ترْكُه ما لا يُعَدّ من المتاعب. وإذا كان العامل – من خلال هذا المنظور

أيضًا – يحظى بمنزلة اجتماعية مميّزة، فإنَّ العمل في حدِّ ذاته يحتاج إلى شروط كثيرة متعلقة به؛ ليس

أقلها التبكير في أدائه وبذل قصارى الجهد في إنجازه.

((6(«القطاطس»: القطط، و«الخلاعة»: الاستجمام، و«باردو»: إحدى ضواحي مدينة تونس. (6((«مْعَشْعَشْ »: كلمة تُطلق على الأكول الذي تظهر عليه علامات ذلك في بدنه، ولعلّ دلالتها مرتبطة ب «العش» من خلال القول

«العَشْعَش: العشُّ إِذا ترَاكبَ بعضُه علَى بَعْضٍ. واعتشَّ الطائرُ: اتَّخذَ عُشًّا»، انظر: ابن منظور، ج 6، ص.317

ووجه ذاك الارتباط مبنيّ على معنى «التراكب» بحسب ما يلائم الطائر في بناء عشّه من قَشّ وغيره وما يلائم الأكول الشَّره في مَلْء

بطنه طبقاتٍ فوق طبقات. يضاف إلى ذلك وجه ثانٍمَكمنه أنّ الفرخ يلازم العشّ ويُؤتى له بالطعام، وهذه الحال شبيهة بحال العاطل

من العمل السمين ال «مْعَشْعَشْ» في المثل. ((7(نُشير إلى قول أبي العتاهية؛ إذ يقول: «إنَّ الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة»، ديوان أبي العتاهية، تحقيق كرم البستاني (بيروت: دار صادر للطباعة

والنشر، 1964)، ص 93.4 و«الجدة» كلمة بمعنى الوجدان أو الغنى، وهي تقابل الفَقد أو الفقدان.

ثمّ إذا جاز الكلام على ضرب من ضروب «آليَّات» المؤسسة الاجتماعية في حفظ بقائها بعدة طرائق

(بعضها ظاهر وبعضها الآخر خفيٌّ)، أمكن القول إنَّ الثناءَ على العامل أو العمل نفسِه مرتبط بعدة

وظائف ناجمة عن جهد العامل بوصفه ذاتًا فاعلةً، وعن العمل بوصفه قيمةً اقتصادية – ثقافية يعمل المجتمع على توكيدها وترسيخها، توكيدًا لنفسه وترسيخًا لها، ويكون من وراء ذلك توكيدٌ للمؤسسة

الاجتماعية نفسِها عبر وسائط متعددة، وعبر طرائق قوليّة من قبيل الأمثال وما جرى مجراها. ولعل لهذا

الأمر تجليات أخرى مرتبطة بآليات خفية للمؤسسة متعلقة بحفظ بقائها حفظًا ناعمًا مَرِنًا، على غرار

ما تحفظ به الأمثال وجودًا لها في اللسان والأنفس والأذهان من خلال صَوغها صوغًا ميسور المنطق،

مستعذَب السمع، شديد التأثير؛ إنْ بالحُجج، أو من خلال التأثير في المُهج، أو باعتماد ضروب من

التفاعل بين الحُجج والمُهج. من هذا الوجه، ومن غضون ما بين الإنسان والعمل من تعالق أيضًا، يمكن القول إنَّ العمل – على نحو ما بدا في عدَّة أمثال شعبية – لا تقتصر وظيفته على سدِّ خلَّت بيولوجية بشرية للإنسان يقتضيها بقاؤه اقتضاءً ضروريًّا، بل إنَّه – فضلً عن ذلك – وثيق الارتباط بمكانته الاجتماعية والاقتصادية؛ من

جهة أنه يربأ بصاحبه عن الضّعة والهوان، ويُكسبه مكانةً ذات رفعة ووجاهة؛ ومن ثمَّة انتهجت الأمثال

أحيانًا سبيل التحذير من الإعراض عن العمل من أجل النأي عن مثل هذه الحال، وسبيل الترغيب فيه من أجل الحظوة بالمنزلة والمكانة أحيانًا أخرى، على أنَّ السبيلين تتكاملان في المقصد والغاية. لعل الطريف، في سياق العلاقة بين العامل والمؤسسة الاجتماعية، ذلك الجدل الذي يكون محوره العمل نفسُه. فإذا كانت هذه المؤسسة تسعى إلى إبقاء العمل على ما هو عليه، تثبيتًا للقيم المعتادة

وتوكيدًا لها، فإنَّ المرأة التي تخطَّت حاجز العمل داخل البيت إلى العمل خارجه تُمثِّل الطرف الجدليَّ

في منازعة قيم تلك المؤسسة؛ فعلى الرغم من أنّ المجتمع الذي تنتمي إليه يعمل على تلقينها القيمَ

المعهودة، ويسعى إلى ترسيخ هذه القيم في نفسها، فإنَّ ذلك لم يُفضِ بها إلى خنوعٍ أو خضوعٍ، بل

إنَّها مضَت في توكيد ذاتها بالعمل نفسِه. ولعل من مكامن الحذق والطرافة أن يُحوَّل السلاح، أو الأذى،

عن قصده إلى مصدره، ولا شكَّ في أنَّ عمل المرأة في المجال العامّ كان عاملً رئيسًا في ما شهده

مجتمعها من تحولات اجتماعية وثقافية. ذلك لا يعني أنَّ المرأة تمكَّنت من أن تحسم الصراع الجدليَّ المذكور على نحوٍ تامٍّ؛ من جهة إحلال

قيمٍ حديثة محلّ قيمٍ بدت معرقِلةً لحركة التطور الاجتماعيّ، إذ يبدو أنَّ سبيل هذا الصراع كانت متعذرةً

متعسرةً، ويكفي أن نشير، في هذا السياق، إلى أنَّ تلك النظرة التي تَعُدّ المرأة عنصرًا حافزًا على العمل

ظلت مستكنَّةً في نفوس كثير من الرجال وعقولهم، حتى في مرحلة عمل المرأة خارج البيت، وإن

أخذت شكلً آخر مفاده أنَّ الرجل، أحيانًا، يُؤْثر الارتباط بامرأة تعمل في المجال العامّ؛ رغبةً في عوائد

عملها، وفي هذا الأمر ما يدل على أنَّ المجتمع ظلَّ يعاملها بقيمٍ تقليدية في مؤسسة اجتماعية يُفترض

أنَّها تطورت. ولا ريب في أنَّ مثل هذه «الذهنية» ذات السمات ال «تشييئية» لا تعتدُّ بذات المرأة؛ وذلك في وقت تحمَّلت فيه صنوفًا من المشقة والنصَب، وحاولت الإعراب عن ذاتها بالعمل داخل البيت

وخارجه. ولكن ينبغي أن يُؤخذ في الحسبان أنَّ معاملة الرجل للمرأة، على نحو لا يعير فيه اهتمامًا

لذاتها، أمرٌ لا يرجع إلى المرأة في حدِّ ذاتها من الناحية المنهجية والمنطقية، وأنَّ الرجل في مثل هذه

الحال هو المسؤول عن تلك المعاملة أو تلك النِظرة؛ لأنَّ المعاملة معاملته والنظرة نظرته. إنَّ عمل المرأة خارج البيت قد اقتضى عوامل عديدة موسومة بأنواع من الصراع الجدلي ساهمت في تغيير الوعي الاجتماعي، وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ المرأة المعاصرة وجدت في العمل خارج البيت ما يؤكد

ذاتها أكثر فأكثر، بعد أن كانت في ما مضى من الزمن لا تكاد تجد سبيلً إلى إثبات ذاتها إلَّ من خلال العمل المنزليِّ. فأيّ عمل غير مُخلٍّ لا يخلو من الفائدة، ولا يكون بمعزل عن تحقيق الذات، مهما كان

المكان ومهما كان الزمان. ولعل من أبرز فوائده، بالنسبة إلى المرأة المعاصرة، اتخاذها إيَّاه أداةً تُواجه بها أحيانًا جَوْر الأيام وجَوْر الرجال. ولئن كشفت الأمثال الشعبية التي عرضنا لها عدة خصائص وسماتٍ متعلقة بالشخصية التونسية، فإنَّها تشترك في كثير من معانيها مع أمثال؛ بعضها من عاميات عربية أخرى، وبعضها من العربية الفصيحة، وبعضها الآخر من غير العربية، وهذا يعني وجود قيمٍ عامّة مستقرَّة في الأمثال يُمكن القول إنَّها «مطاولة»

للزمان والمكان، مغالِبة لهما، متأبِّية عليهما. وعلى الرغم من القيمة الجليلة للأمثال، فإنَّها تكون، في أغلب الأحيان مجهولة القائل، فكأنّه لا يجوز في شأنها أن تُقيَّد بزمن تاريخيٍّ محدَّد؛ لأنَّها تنزع إلى

ضرب من الاسترسال أو اللاتاريخية، وكأنَّه لا يجوز في شأنها أن تُقيَّد بشخصٍ معيَّن؛ لأنَّها إحدى

التجليات القولية للضمير الجمعي «نحن». إنَّ الأمثال خلاصة التجارب المحلِّية والتجارب الإنسانية في آنٍ واحد، ولئن جاز القول إنَّ «الشعر ديوان العرب» في اللغة الفصيحة الرسمية فربما جاز القول إنَّ الأمثال ديوان الثقافة الشعبية، ثمّ إنّه قد يجوز القول: إذا كان «الشعر ديوان العرب» المنظوم فإنَّ الأمثال ديوانها المنثور، بل ربما كانت الأمثال برمّتها ديوان الشعوب قاطبةً.

References

المراجع

العربية

ابن الأثير، ضياء الدين. المثل السائر فِي أدب الكاتب والشاعر. تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد. بيروت: المكتبة العصرية، 1995. الشافعيّ، محمد بن إدريس. محمد. ديوان الشافعي. تحقيق محمد عبد المنعم خفاجي. القاهرة:

مكتبة الكليات الأزهرية،.1985 ابن المعتز، عبد الله. كتاب البديع. تحقيق أغناطيوس كراتشكوفسكي، ط.3 بيروت: دار المسيرة،

ابن خلدون، عبد الرحمن. مقدمة ابن خلدون. اعتناء هيثم جمعة هلال. بيروت: مؤسسة المعارف،

البخاريّ، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاريّ. بيروت: دار طوق النجاة،.2001 بدوي، أحمد زكي. معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية. بيروت: مكتبة لبنان، 1983. بدوي، السيد محمد. المجتمع والمشكلات الاجتماعية. الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 1988. بيلز، رالف وهاري هويجرا، مقدمة في الأنثروبولوجيا العامة. ترجمة محمد الجوهري. القاهرة: دار النهضة المصرية، 1977. الجاحظ، عمرو بن بحر. البخلاء. تحقيق طه الحاجري. ط 5. القاهرة: دار المعارف، [د.ت.]. الحموي، ابن حجة. ثمرات الأوراق. تحقيق وتعليق محمد أبو الفضل إبراهيم. صيدا/ بيروت: المكتبة العصرية،.2005 خريّف، محيي الدين. الأمثال الشعبية التونسية. سوسة – تونس: دار المعارف للطباعة والنشر، 2003. الدمياطي، عبد المؤمن بن خلف.  المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح. تحقيق عبد السلام محمد أمين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي. بيروت، دار الكتب العلمية، [د.ت.]. ديوان أبي العتاهية، تحقيق كرم البستاني. بيروت: دار صادر للطباعة والنشر،.1964 ديوان امرئ القيس بن حجر الكندي. تحقيق محمد عبد المنعم خفاجي. عمّان: دار عمّار، 1991. ديوان عمر بن أبي ربيعة، ط  2. بيروت: دار صادر للطباعة والنشر، 1998. سليم، شاكر مصطفى. المدخل إلى الأنثروبولوجيا. بغداد: مطبعة العاني، 1975.. قاموس الأنثروبولوجيا. سنن ابن ماجة. حققه شعيب الأرنؤوط وآخرون. دمشق: دار الرسالة العالمية، 2009. الكويت: جامعة الكويت،.1981 صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان. تحقيق شعيب الأرنؤوط. بيروت: مؤسسة الرسالة،.1988 الطبراني، سليمان بن أحمد. المعجم الأوسط. تحقيق طارق بن عوض الله بن محمد وعبد المحسن بن إبراهيم الحسيني. القاهرة: دار الحرمين، [د.ت]. عباس، فيصل. الفلسفة والإنسان: جدلية العلاقة بين الإنسان والحضارة. بيروت: دار الفكر العربي،

القزويني، محمد بن عبد الرحمن. الإيضاح في علوم البلاغة. بيروت: دار الجيل،.2010 المقدسي، محمد بن عبد الواحد. الأحاديث المختارة أو المستخرج من الأحاديث المختارة مما لم يخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما. تحقيق عبد الملك بن عبد الله بن دهيش. بيروت: دار خضر للطباعة والنشر،.2000

الميدانيّ، أحمد بن محمد. مجمع الأمثال. طرابلس – لبنان: دار الشمال للطباعة والنشر والتوزبع،

نصار، كريستين. الإنسان والتاريخ. لبنان: جروس برس،.1991 ولد محمد الأمين، محمد سالم. «مفهوم الحجاج عند بيرلمان وتطوره في البلاغة المعاصرة». مجلة عالم الفكر. مج. 28. العدد 3 (كانون الثاني/ يناير – آذار/ مارس 2000).

الأجنبية

Adam, Jean-Michel. Les textes types et prototypes: Récit, description, argumentation, explication et dialogue. Paris: Nathan, 1992. Anscombre, Jean-Claude & Oswald Ducrot. L’argumentation dans la langue. Coll. Philosophie et Langage , 3 ème ed. Bruxelles: Mardaga, 1995. Ducrot, Oswald. Dire et ne pas dire: Principes de sémantique linguistique. Paris: Hermann, 1980. Maingueneau, Dominique. Pragmatique pour le discours littéraire. Paris: Nathan, 2001. Marx, Karl & Friedrich Engels. Critique des programmes de Gotha et d’Erfurt. Paris: Éditions sociales, 1950. Taïbi, Nadia. «Le temps de travail.» Sens-Dessous , no. 3 (Février 2008). Théorie de la littérature: Textes des formalistes russes réunis. Tzvetan Todorov (trans.). Le Seuil: Paris, 1965. Voltaire, François-Marie Arouet. Candide ou L’optimisme. Paris: Bibliothèque de la Pléiade, 1972.