Return to Article Details Emersion through Reception: a Reading of Heidegger in Arabic

الانفلاق بالاقتبال قراءة في كتاب «هايدغر والفكر العربي»

Emersion Through Reception: a Reading of Heidegger in Arabic

خالد كموني *

Khaled Kammouni *

الملخّص

إن الرؤية إلى الكون هي الهجس البشري الدائم بتحديد صلة الإنسان بنفسه وبالعالم. لذا، إن الوجود يحدِّده الإنسان بحسب ما يرى في الكون استعدادًا لقبوله كما هو، أي بحسب ما يريد هو أن يكون هذا الكون. من هنا، كان الاختلاف في اقتبال الكون بين الفكر الهايدغري والفكر العربي، لذا من المهم أن نفهم مفهوم الاقتبال بذاته، والذي أوحى لنا مفهوم الانفلاق، لأن الإبداعَ أثرُ الاقتبال كما بدا لنا. كما أن الرؤية القرآنية إلى الكون فتحت لنا الكلام في مفهوم الجرأة؛ هذه الجرأة التي تحدد قدرة الإنسان على التمكُّن في الكون. وفهم حجم الفاعلية هو الذي يحدد مفهوم الذات ومفهوم الآخر، المحيط بالذات. من هنا، يمكننا النظر إلى جدوى الانتماء إلى الزمان والمكان، الناجم عن الانتساب إلى الكون فهمًأ وعقلًا وتصريفًا.

Abstract

Abstract: Understanding the universe is a constant human preoccupation, with humans constantly striving to define themselves in relation to themselves and to the wider world. Consequently, the universe is itself shaped by the perceptions of the human observer who is perceiving it. Naturally, there is a difference in the nature of the universe as perceived in Arab thought and by Heidegger. It is important to understand the concept of Al Iqtibal (Reception) itself, which inspired the concept of Al Infilaq (Emersion), because creativity/innovation stems from our reception of the world. The Quranic vision of the universe also presented the possibility of speaking about the concept of boldness, which determines our ability to master the universe. Measuring effectiveness determines the concept of self and the concept of the other, surrounding the self. From here, the paper looks at the benefit of spatial and temporal belonging, to be harmonized with the universe through understanding, reason and governance.

الكلمات المفتاحية:
  • الانفلاق
  • الاقتبال
  • الذات
  • الآخر
  • هايدغر
  • الفكر العربي
Keywords:
  • Al Infilaq
  • Al Iqtibal
  • the Self
  • the Other
  • Heidegger
  • Arab Thought

قراءة في كتاب «هايدغر والفكر العربي»

Emersion Through Reception:

a Reading of Heidegger in Arabic

لذا، إن الوجود يحدِّده الإنسان بحسب ما يرى في الكون استعدادًا لقبوله كما هو، أي بحسب

ما يريد هو أن يكون هذا الكون. من هنا، كان الاختلاف في اقتبال الكون بين الفكر الهايدغري والفكر العربي، لذا من المهم أن نفهم مفهوم الاقتبال بذاته، والذي أوحى لنا مفهوم الانفلاق، لأن الإبداعَ أثرُ الاقتبال كما بدا لنا. كما أن الرؤية القرآنية إلى الكون فتحت لنا الكلام في مفهوم

الجرأة؛ هذه الجرأة التي تحدد قدرة الإنسان على التمكن في الكون. وفهم حجم الفاعلية هو الذي يحدد مفهوم الذات ومفهوم الآخر، المحيط بالذات. من هنا، يمكننا النظر إلى جدوى

الانتماء إلى الزمان والمكان، الناجم عن الانتساب إلى الكون فهمًا وعقلً وتصريفًا.

في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

Senior editor at ACRPS’ Beirut branch and researcher in the philosophy of the Arabic language. He holds a PhD in Philosophy and lectures at the Lebanese University in the Department of Philosophy.

مقدمة

الهمُّ الأساسي الذي يحكمُ الكاتب والقارئ في آنٍ هو الموقف المعرفي المهجوس بالسؤال كيف أتمكن شخصيًّا من الكون بما هو كونٌ لكل شيء؟ إذ في الحقيقة لا سؤالَ عن الكون

لمصلحة الكون، بل لمصلحة السائل عن الوجود في هذا الكون. لذا، إن كلمة الشيء في ذاتِه تغري المخيال الإنساني الجامح دائمًا للخروج من هيئة الجسد والروح في هذا الشكل الحي الذي هو الإنسان، ومحاولة التعلق بمكانٍ أعلى من مكان الرؤية، كأن الوقوف فيه تمكُّنٌ من كل اللحظات المعيشة؛ محاولةُ التألُّه المرئي، لعل الحقيقة تصبحُ أوضحَ مما هي عليه. الإنسانُ لديه اعتبارٌ دائمٌ بأن كيانَه ليس منتهيًا؛ ذلك أن الموجودَ كلما صار مُدرَكًا أخفى إجابات عن ألسنة الأسئلة الملتهبة في

وجدان الإنسان؛ فالكون يغري بالتفكير وليس بالقرار، كما كلُّ شيءٍ في هذا الوجود يبدو محتاجًا إلى ما يجب أن أقوله له أنا. للإنسان مزاجٌ في العيش، وجودُه ليس مفهومًا، ولا يمكنُ عقلُ حبلِ اللَّسنِ والهَجْس، لأن الحسَّ

والعَيْنَ دائمان. لذا نختلف في استحواذ الكون؛ كلُّ واحدٍ يحسب الكلَّ له، ويرى أنه بتصرُّفه المعرفي يكون قد أنصفَ الحق، لكن في الحقيقة يكون قد وحَّد الحق في حوزته. وهو كلما وحَّد الحق أبدع، لأن اعتقاده الوهمي الضروري بالإنصاف يشتدُّ، وهو اعتقادٌ حقيقي لا يمكن غيرُه بشريًا، فيبدأ عمليَّة الدفاع عن عدله في الكائنات من حوله؛ تارةً يحددُ أهداف الإنسان بالنسبة إلى الطبيعة وتارةً العكس، وتارةً يحدد علاقة الإنسان بالإنسان، ويحدد حصة الذات من التفكير وحصة الآخر منه، وتارةً يتشظى نظام العلاقة بينه وبين الطبيعة. وهو كلما انهمَّ اهتمَّ؛ أي كلما خلا بذاته محاولًالفصل بينها وبين الآخر ليعرف، يكون موحدًا للعلاقة حائزًا إياها كاملةً في ذهنه للوجود، أي عائدًا إلى الظهور، إلى الوجود، إلى الانجماع، إلى الاجتماع، إذ لا مجال للعدم، فالعدم نفسُه رؤية. وما العيش سوى تصريف الرؤى. في كتاب مشير عون ثنائية الحضور لمشهدين فلسفيين متمكِّنين في تفصيل العلاقة بين الإنسان وكونه. وما أقصده بالتمكُّن سأستند فيه إلى مبحث الكينونة انطلاقًا من كوني عربيًّا أقرأ هايدغر؛ لعلِّي أحدّد الفرقَ الذي لا بدَّ موجودٌ في اقتبال رؤية الكون أولً قبل اقتبال العربي لهايدغر الذي طرحه مشير. وسأشرح مفهوم الاقتبال الوارد في ترجمة إيلي أنيس نجم العربية للكتاب الفرنسي في أصله، لأني أبتغي تحديد حجم الحضور المعرفي للمُقتَبِل ونوع التوجُّه الوجودي الذي ينجِزُه في اقتباله، وهذا ما وضعتُ له مصطلحَ الانفلاق؛ أي انبثاق الفكرة في الزمان والمكان لحظة القرار بوعي الكون، باعتبار أن أي مقاربةٍ معرفية تقوم بها الذات بما هي فاعلٌ واعٍ في الكون تكون تعبيرًا عن رؤيتها الخاصة له؛ ومن ذلك سقت همَّ «اقتبال» هايدغر عربيًّا الذي يناقشه مشير عون إلى همِّ «انفلاق» رؤية عربية للكينونة، باعتبار التلقي الإيجابي للنص. ذلك أن الكينونة، ليست مفهومًا مترجمًا إلى العربية، بل هناك مبحثٌ عربيٌّ للكينونة يحتِّمُ إبداعيَّة الرأي في هذه المسألة، إذ إن التفكير بالكون بما هو كون شغل المخيال

العربي شعرًا وفلسفةً وقرآنًا. من هنا، يكون الاقتبالُ انفلاقًا، إذ لا يمكنُ في الحقيقة وضعُ الآخر في

الذاتِ موضِعَ الذات، فالذات هي هي، تقبلُ الآخر كما هو لتكون به كما هي، وسنوضح ذلك.

أولا: إشكال الاقتبال

1. حدود المطاوعة

قبل البدء بالتحليل للرأي، أذكر نصًّا في تفصيل معنيَي انفعل وافتعل، تستدعيه معاينةُ المصطلح

الفلسفي المستخدم، والذي يبدو من الدقة بحيث لا يُستبدَل. هما تصريفان لصيغة فعلَ؛ وصفًا لعلاقةٍ لها مكانان للحضور هما الذات والكون، وشكلان للحضور هما الظهور والخفاء، هذا الحضور هو جريانٌ منتظِمٌ حول محورٍ فاعل هو الذات، وهو نفسه محورٌ مفعولٌ، الذات فاعلٌ ومفعولٌ بما هي فعلٌ دائم، فالتأثير والتأثر قائمان معًا؛ «المطاوعة في اصطلاحهم التأثر وقبول أثر الفعل [...] انفعل لا

يكون إلا لازمًا، وهو في الأغلب مطاوع فعلَ، بشرط أن يكون فعلَ علِاجًا: أي من الأفعال الظاهرة، لأن

هذا الباب موضوع للمطاوعة، وهي قبول الأثر، وذلك في ما يظهر للعيون كالكسر والقطع والجذب أولى وأوفق، فلا يقال علِمْتهُ فانعلم، ولا فَهِمْتهُ فانفهم، وأما تفعَلَّ فإنه وإن وضع لمطاوعة فعَّلَ كما

ذكرنا، لكنه إنما جاز نحو فهَّمْتهُ فَتفهَمَّ وعلَّمْتهُ فتعلَّم، لأن التكرير الذي فيه كأنه أظهره وأبرزه حتى

صار كالمحسوس، وليس مطاوعة انفعل لِفعلَ مطردةً في كل ما هو علاج، فلا يقال: طردته فانطرد [...]

وافْتعلَ لِلْمُطاوعَةِ غَالِبًا نَحو غمَمْتهُ فَاغْتمَّ، وَللاتِّخَاذِ نَحْوُ اشْتوَى وَلِلتَّفَاعُلِ نَحْوُ اجْتوَرُوا، ولِلتَّصَرُّفِ

نَحْوُ اكْتسبَ. أقول: قال سيبويه: الباب في المطاوعة انْفعلَ، وَافْتعلَ قليلٌ، نَحْو جمَعْتهُ فاجتمع، ومزَجْتهُ

فامتزج. قلت: فلما لم يكن موضوعًا للمطاوعة كانفعل جاز مجيئه لها في غير العلاج، نحو غمَمْتهُ

فَاغْتمَّ ولا تقول فَانْغمَّ. ويكثر إغناء افْتعلَ عن انْفعلَ في مطاوعة ما فاؤه لام أو راء أو واو أو نون أو

ميم، نحو لأمْت الجرح، أي: أصلحته، فالتأم، ولا تقول انلأم، وكذا رميت به فارتمى، ولا تقول انْرمَى،

ووصلته فاتَّصل، لا انوصل، ونفيته فانتفى لا انَّفَى، وجاء امتحى وامَّحى، وذلك لأن هذه الحروف مما

تدغم النونُ الساكنة فيها، ونون انفعل علامة المطاوعة فكُرِه طَمْسُها، وأما تاء افتعل [...] كأنها ليست

بعلامة، إذ حق العلامة الاختصاص. قوله ‘وللاتخاذ’ أي: لاتخاذك الشيء أصْلَهُ، وينبغي أن لا يكون

(((وجدنا في البحث عن مفهوم المكان في اللغة العربية، أن كلمة مكان هي مصدرٌ من فعلين «كون» و«مكن»، والشرح يطول

في ذلك في معجمات اللغة العربية من لسان العرب وغيره، وقد تبيَّنا أن «مفهوم المكان عند العربي لا يحتمل صورةً واحدة أو

هيئةً واحدةً للأشياء، بل إن الاستقرار عنده يكونُ واقعًا في الإحداث الدائم في المكان، أي في جعل كونَ دائمًا مرتبطةً ب مكنَ».

راجع مبحث «المكان كون ومكن» في كتاب: خالد سعد كموني، فلسفة الصرف العربي: دراسة في المظهر الشَّيمي للكينونة (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2017)، ص.139–124 ولمزيد من التعرُّف إلى مبحث الكينونة والفعل كان وكون في الفلسفة العربية، في الإمكان النظر في الشرح الذي قدّمه أنطوان سيف

لهذا المصطلح عند أحد مؤسسي الفلسفة العربية القديمة الفيلسوف الكندي، مفصلً في دواعي الاستخدام الفلسفي واللغوي للمصطلح، ونذكر العناوين الفرعية التي شرحها بحسب فهم الكندي، مثل: «[الكون] الحركة الذاتية التي تكون من ذات الشيء[...] الكون: بمقابل الفساد، الكون: الحدوث عن فاعل، الكون: من علة فاعلة قريبة هي الفلك، الكون: من علة فاعلة بعيدة هي الله، الكون: من علل طبيعية، الكون: خَلق، الكون: حركة، الكون: تغير، الكون: توليد، الكون: صيرورة، عالم الكون»، وكذلك شرح

معاني مكوِّن ومكوَّن... وكائن، وتكوين، انظر: أنطوان سيف، مصطلحات الفيلسوف الكندي (بحث تحليلي)، ج 2 (بيروت:

منشورات الجامعة اللبنانية، 2003)، ص.709–691

ذلك الأصل مصدرًا، نحو اشْتوَيْتُ اللحم: أي اتخذته شواء، وَاطَّبخَ الشيء: أي جعله طبيخًا، واختبز

الخبز: أي جعله خُبْزًا، والظاهر أنه لاتخاذك الشيء أصله لنفسك، فاشتوى اللَّحْمَ: أي عمله شواء

لنفسه، وامتطاه: أي جعله لنفسه مطية، واعْتَادَ قوله ‘وللتفاعل’ نحو اعْتوَرُوا: أي تناوبوا، واجتوروا:

أي تجاوروا، ولهذا لم يُعلَّ، لكونه بمعنى ما لا يعمل. قوله ‘وللتصرف’ أي: الاجتهاد والاضطراب في تحصيل أصل الفعل، فمعنى كسبَ أصاب، ومعنى اكتسب اجتهد في تحصيل الإصابة بأن زاول

أسبابها، فلهذا قال الله تعالى: (لهَا مَا كسبَتْ) أي: اجتهدت في الخير أوْ لاَ فإنه لا يضيع (وعلَيْهَا ما

اكتسبت) أي: لا تؤاخذ إلا بما اجتهدت في تحصيله وبالغت فيه من المعاصي». من هذا الاقتباس الطويل ندخل إلى فهم حركة الفكرة داخل النص. نحن أمام جدليَّة انفعال/ افتعال،

فلئن كان مشيرٌ يؤكِّدُ مطاوعةَ منتوج هايدغر الفلسفي للفكر العربي اقتبالً، فإن حاجتي إلى فهم إمكان

هذه المطاوعة استدعت مني تأصيل القراءة فوضعتُ مصطلح الانفلاق كي أستجلي ظاهرة الاقتبال هذه؛ وقصدتُ بالانفلاق هذا الإجراء الإبداعي في وعي الذات لمظهرها الاقتبالي، فهو مطاوعةٌ من الذات دُفعةً واحدة، يساهم بما هو فعلٌ معرفيٌّ وجودي في المطاوعة النَّواسة بين الذات والآخر؛ عنيتُ

حركةَ التأثير والتأثر – «الاقتبال» – بين الذات العربية والآخر الهايدغري على مسطَّح التعرُّف الدائم

إلى الكون. أما الفلق فهو: «الْفَاءُ وَاللَّمُ وَالْقَافُ أصْلٌ صحَِيحٌ يَدلُّ علَى فُرْجَةٍ وبَيْنُونَةٍ فِي الشَّيْءِ، وعلَى تَعْظِيمِ

شَيْءٍ. مِنْ ذَلِكَ: فلَقْتُ الشَّيْءَ أفْلِقهُ فَلْقًا. وَالْفلَقُ: الصُّبْحُ؛ لِنَّ الظَّلمَ يَنْفَلِقُ عَنْهُ. وَالْفلَقُ: مُطْمَئِنٌّ مِنَ

الرْضِ كَأ نَّهُ انْفلقَ، وجَمْعهُ فِلْقَانٌ. وَالْفلَقُ: الْخَلْقُ كلُّهُ، كأنَّهُ شَيْءٌ فُلِقَ عَنْهُ شَيْءٌ حتَّى أَبْرِزَ وَأُظْهِرَ.

وَيُقَالُ: انْفلقَ الْحجَرُ وغَيْرهُ وكلَمَّنِي فُلَنٌ مِنْ فِلْقٍ فِيهِ. وَهُوَ ذَاكَ الْقِيَاسُ. وَالْفَالِقُ: فضَاءٌ بَيْنَ شَقِيقتَيْ

رَمْلٍ [...] وَالصْلُ الْخَرُ الْفُلَيْقَةُ، وَهِيَ الدَّاهِيَةُ الْعَظِيمَةُ. وَالْعرَبُ تَقُولُ: يَا لَلْفُلَيْقَةُ. وَالْ مْرُ الْعجَبُ

الْعَظِيمُ. وَأفْلقَ فُلَنٌ: أتَى بِالْفِلْقِ»َ. من هذه المعاني للفلق يمكننا أن نستنبش إمكان خلق الفكرة

والإفراج عنها وبيانها لتطمئن في ظهورها وبروزها وتكون عظيمة؛ هذه معاني فلقَ في لغة العرب. وما نريده من استحضار هذه المعاني إلى ذهن القارئ هو توجيه التفكير إلى فعل التلقي المعرفي الإبداعي «الاقتبال»، بحيث يتمكَّن قارئ هايدغر من استنهاض إبداعيته الفلسفية مصاقبةً لفعلهِ القراءةَ البحثيَّة

لنص هايدغر. أما معنى انفلق بحسب وزنها الصرفي انفعل، فهي تفيد قبول الأثر بشرط الظهور كما ورد في معناها عند ابن الحاجب، ولا تفيد الاطِّراد والتكرار، بل المطاوعة المباشرة، ما يؤكِّد إمكانات حرف النون الذي اختُصَّت به صيغة «انفعل» لتميز مطاوعتها من باقي الأفعال في الأثر الظاهر. والنون هو الذي يؤكد

ذاتيةَ الفعل المطاوعِ مفعولَه، أي يؤكِّد لزوميَّة الأثر؛ لذا انفعل «لا يكون إلا لازمًا»، فكأن المفعولية

(((محمد بن الحسن الاستراباذي، شرح شافية ابن الحاجب، تحقيق محمد نور الحسن ومحمد الزفزاف ومحمد محيي الدين عبد الحميد، ج 1 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1975)، ص.110–103 (((أبو الحسن أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام هارون، ج 4 (بيروت: دار الفكر، 1979)، ص 524، مادة

(فلقَ).

التي تنتج من الفعل تكون لازمةً للفاعل أصلً، فإذا قلنا «انكسر» مثلً لا يتعدى أثرُ الانكسارِ الفاعلَ

إلى المفعول، بل يكون الفاعل هو المفعول في هذا الموقف، وينحسر في الفاعل نفسه لأن المعالجة الحركية الحسية الظاهرة تجري فيه، فيكون هو حامل الأثر، أي يظهر الأثرُ فيه، فالكُسر هو المُنكسر

في هذا الموقف؛ لو قلنا مثلً: اختبز الخبزَ مثلً، على وزن افتعل، يكون الخابزُ قد اختبز الخُبزَ لنفسه، أما انكسر (الفعل اللازم الذي يلزم أثرُه فاعلَه)، فيكون المنكسر منكسرًا في نفسه، والكسر ظاهر فيه. من هنا، نجعل إمكان انفلاق الفكرة الفلسفية الذاتية عن الكون هو الظهور الحتمي للمعالجة الذاتية للكون، أي هو التجربة الذاتية في العيش المعرفي الوجودي، ليكون الكونُ الأثرَ المنفعلَ في ذاتِ

الكائن المؤثِّر فيه، أي الفاعلِ فيه. لذا لا يكون فَلْقُ الفكرة إلا بينونةً ذاتيةً للرؤية. وكل الهدف من قراءة الكون هو تحقيق البيان بالوجود فيه، وفصاحة اللسان وظهوره في قول هذا الكونِ باللغة؛ «والبيانُ عملُه في اللسان لَسْنًا، أي تجويدًا وإفصاحًا لتحقيق البينونة؛ وهي البعدُ المنكشف الواضحُ البيان. والبيان

في المكان [...] وإذا ما راقبنا حركةَ الظهور والكمون على مستوى اللسان ومستوى البيان تمكَّنا من

حدْسِ الوعي، أي من إدراك حركة الفكر بين النفس والكون [...] أي حركة شَيْمٍ تترصَّدُ انبعاث

الكائن في الكون، أو كما قلنا: انبعاث البينونة في الكينونة». إذًا، الانفلاق بينونة وخلقٌ وظهور، ومن حيث المكانُ هو الأرض المطمئنّة بعد فلق، أي بعد إحداثِ بيانٍ يُظهِرُ بينونة، فهل في الإمكان تحقيقُ طمأنينة المكان بخلق البيان فيه؟ هنا مكمن السؤال الكونيّ

الفريد لكل إنسانٍ في علاقته بذاته وبالآخر. لذا، ندلف مباشرةً إلى مفهوم الاقتبال، كي نعيَ مسبِّبات

انفلاقنا، إذ لا يمكن أن تمتنع الذات عن أي فعل يسهم في تحقيق صورتها تجريبًا ومعرفةً في هذا

المعيش الدائم. الاقتبال هو الافتعال إذًا، أي هو المطاوعة والاتخاذ والتفاعل والتصرُّف. وإذا اعتبرنا مرمى التصرُّف

والتفاعل هو إقرار حُكمِ النَّظر بيانًا عن اتِّخاذ مَنهلٍ جديدٍ للرؤية، أي العيان العقلي التأصيلي لمضمون

التلقي والاقتبال، فهذا يوحي ببادرة الفعل الفلسفي في القراءة والاقتبال؛ بحيث نفلِقُ فكرةً جديدةً، فالاقتبال هنا مشهديَّة الجدل. لذلك، إن سيرورة الاقتبال تؤدي إلى الانفلاق، وهكذا سننهج في فهم مكوِّنات عملية المطاوعة الاقتبالية التي طرحها علينا مشير. المكوِّنُ الأول هو الاتخاذ؛ بحيث يجب أن

(((الشَّيْمُ: «الشين والياء والميم أصلان متباينان، وكأنّهما من باب الأضداد، إذْ أحدُهما يدلُّ على الإظهار، والآخَر يدلُّ على

خلافه. فالأول قولهم: شِمْت السّيفَ، إذا سللَته، ويقال للتُّراب الذي يُحفَر فيستخرج من الأرض الشّيْمة، والجمع الشّيَم؛ ومن

الباب: شِمْت البرقَ أشِيمُه شَيمًا، إذا رقَبْتَه تنظر أينَ يَصُوب [...] والأصل الآخَر: قولُهم شِمت السيفَ، إذا قرَبْتَه، ومن الباب الشّيمة:

خليقة الإنسان، سمّيت شيمةً لأنّها كأنها مُنْشامة فيه، داخلةٌ مستكِنّة، والانشيام: الدُّخول في الشيء، يقال انشام في الأمر إذا دخل

فيه؛ والمشَيمَة: غِشاءُ ولَدِ الإنسان، وهو الذي يقال له مِن غيره السَّلَى، وسمّيت بذلك كأن الولد قد انشام فيها»، انظر: ابن فارس،

ج 3، ص 237–236، مادة (شيم). وما جعلنا نستخدم هذه اللفظة في شرحنا هو ملاحظتُها في عيشنا اليومي، ذلك أننا دائمًا نراقب

ونعود ونبعث ونغرس ونظهر في تعرُّفِنا الكون، أي في رؤيتنا الحدسية له؛ «فعلٌ يشتملُ إمكان أن يكون حركةَ دخولٍوأن يكون حركة

خروج أيضًا، فهو ذو بُعدين، وهو تقديرُ نهايةِ أو مآلِما يبدأ الآن، وهو صورة الأصل لحظة انكشافه الأول للناظر إليه، وهو يقين

بحدوث الشيء على الرغم من أنه قرارٌ أوَّل بانتظار حدوثه، إذًا فيه ظهورٌ على الرغم من الغياب». انظر: كموني، فلسفة الصرف

العربي، ص.88–87 (((المرجع نفسه،.95–94 ص

نعي أنَّ اختبازنا خُبزَ هايدغر هو إقرار حتميٌّ بأن دقيقَ خبزه هو غيرُ رغيف خبزِنا عندما ننوي الاختباز

لنفسنا. كينونةُ هايدغر رؤيةٌ وكينونة العربي رؤيةٌ أخرى، لذا عندما نقتبلُ كينونة هايدغر، يجب أن نراقبَ

حجم إمكان علاج دقيقها في رغيفنا، كي نَشِيمَ بدقَّةٍ موضِعَ الأصل في رؤيتنا الفلسفية إلى الكون، وهل

في الإمكان أن نجري توفيقًا بين الفكرين الهايدغري والعربي في لحظة إجراء فعل الكون العربي؟ أما المكوِّنُ الثاني فهو التفاعل بالمطاوعة الذي يُبدي المطاوعةَ عمليةً تبادليةً حتمية المجرى في التأثُّر

والتأثير، إذ الاقتبال لهايدغر ليس قذفًا من هايدغر إلى ذهن العربي، بل هو معالجة الذهن العربي لهايدغر، أي إمكان الأخذ والرد، بحسب مكونات العقلية العربية وتلقيها لهذا الآخر. هناك رؤيتان، فما حجم التقاء الأصل بالأصل؟ ما حجم إمكان أن يكون كون هايدغر هو كون العربي، وما الفرق؟ من هنا نلمس المكون الثالث في فعل المطاوعة وهو التصرُّف؛ أي الاجتهاد والاضطراب في تحصيل

أصل الفعل، فالاقتبال بهذا المعنى لا يتم كصب الماء في القوارير؛ ذلك أن ما يجري في مشهديَّة

القراءة لكتاب مشير عون هو النظر الشفيف إلى مشهديَّة الفكر العربي وهو يقرأ هايدغر، بحيث إن

معيار الرؤية هو أن الماءَ يقابلُ الماءَ، وليس المعيار في الماء يقابل قارورة، إذ إن الدراسة كلها قائمةٌ

على همٍّ باتخاذ القرار؛ أين القرارُ لأسئلة الكينونة وأين الأصلُ لها، وما هو محتوى القوارير بعدَ أن

نعاين ونفحص حجم العذوبة والملوحة والتشابه والامتناع، كيفَ نتصرَّفُ بالمشهد؟

2. مظهر اقتبال

يتناول القسمُ الأولُ إشكالية الاقتبال العربي لهايدغر، ما يستدعي البحثَ في الداعي لوجود هايدغر

بالعربية، فما الحاجة إلى لغته؟ وهل من ضرورةٍ لفلسفة الكائن عند المفكرين العرب المعاصرين؟ وما نوع المقتبلين له؟ ورد في الكتاب «أن ما اقتبسه الفكر العربي من أعمال هايدغر، اقتباسًا جزئيًا ومتقطِّعًا، لا ينمُّ كثيرًا عن

قيام هذا الفكر باقتبال هايدغر اقتبالً كثيفًا ومطلقًا». وقد سوَّغ مشير التبريرات المعرفية والاجتماعية

والسياسية لهذا الحكم خلال شرحه أجواء الفكر العربي وسياقاته، بحيث يمكننا فهم إمكان الاقتبال ونوعه؛ ذلك أنه ليس هناك عقليَّة عربية واحدة تحكم المظهرَ الفكري العربي، وهذا طبيعي في ظل

الواقع العربي المأزوم؛ إذ إن ما يمكن أن يكون أمَّةً عربية ليس لديه المنطلقات النظرية نفسها التي

يقدِّمُ بها طريقته في النهوض والانبعاث، على صعيد التفكير الجماعي للأمة، والذي هو بطبيعة الحال

انعكاس للهواجس الذاتية للأفراد. فاتجاهات التفكير العربي إما قبل زمان الآن وإما فوق زمان الآن وإما تجمع بين الفوق والقبل في سبيل البعد؛ فالفكر الإسلامي ينطلق من التراث ليحدد كلَّ ما يأتي بعدَه أين يكون. والفكر الفوقي هو العلماني، لأنه خارج منظومة العقل العربي السائر اجتماعيًا بمنظومة

تختلف كليًّا عن هذا الإسقاط المفهومي الطارئ على بنيته؛ وقولنا إنه فكرٌ فوقيٌّ آتٍ من عبارة مشير

الواصفة للفكر العلماني العربي، والتي لا تخرج عن السياق العام عند أي ناظرٍ في أداء هذا النوع من

(((مشير عون، هايدغر والفكر العربي، ترجمة إيلي أنيس نجم (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.23

التفكير في الثقافة العربية، يقول مشير: «والفكر العربي الذي ينتمي إلى العَلمانية، والذي يؤثر الدوران في الفكر الغربي». لذا، إن التفكير عربيًّا من خارج المنظومة العربية يُبرِزُ لنا على مسطح المحايثة

الفكري عناصر من خارج حركة البنية النمطية الحاكمة للسياق العام للوعي الجمعي، مهما تلطَّف التعبير عنها كي تُقبَل. أما الفكر العربي التوفيقي، فهو الفكر الذي اعتبر التراث والحداثة (العلمنة

باعتبارها الدرجة القصوى في التحديث) بُعدين ممكنين لحظة التفكير الآن. يقول مشير: «يقوم في

العالم العربي أنساق فكرية عربية عديدة تتواجه ويتأثر أحدها طوعًا بالآخر، كما أنه لا يندر أن تثبِتَ هذه الأنساق المختلفة نفسها وتقصي ما عداها». وهنا، نسأل الكاتب ما المقصود ب «ما عداها»، أو بالأحرى كيف يمكن استثناء فكر خارج هذه المنظومة؟ هل في الإمكان مثلً في سياق اقتبال هايدغر أن نجد قارئًا عربيًا خارج هذه الأنساق؟ مؤكّد، لن يكون، لأن انشطارية التفكير العربي تأسَّست على

هذا النحو استنادًا إلى ما اقتضاه واقع العرب الكلي، فهو ليس اختياريًا. لذلك كان الهم الإصلاحي الجماعي طاغيًا على الفكر العربي العمومي، وسيكون أي اقتبال للآخر

فرديًّا بالضرورة، حتى يلقى طريقَه إلى العموم. وقد فصَّل مشير في نوعية الترجمات والكتابات والتي

لِقلَّتها تبدو «هزيلةً» بحسب وصفه، مستعرضًا نوعية المصطلح والتعامل معه. كما أنه ذكر أسماءً بدت

متأثِّرةً بالفكر الهايدغري وقد برز ذلك من خلال كتاباتها. وقد خرج بنتيجة مؤداها أن «للفكر الهايدغري مكانته الخصوصية في الأوساط الفلسفية العربية». وإذ نُلمِحُ إلى واحدٍ من مظاهر الاقتبال لهايدغر، فإن النظر في مقدمات المترجمين لنصوص هايدغر له

نَضحٌ تفسيريٌّ بارزٌ عما تَرْشَح به تفاعلية هؤلاء المشتغلين بهايدغر وفلسفته. يقول موسى وهبة، مثلً، في

تقديمه لترجمة نص «الكون والزمان» في مجلة فلسفة: «أجازِفُ إذن بنشر هذا التمرين على قول هيدغر، بالعربية. أجازف بنشر تمرين على قول سؤال عن معنى ‘الكون’ في لغة تأبى ظهور فعل الكون والثبوت في الحاضر على الأقل. في لغةٍ تحارُ المتفلسفة فيها كيف تميزُ بين الكون والوجود والكينونة، بين الموجود

والموجودية والكائن والمتكون والقائم والثابت إلخ [...] وهكذا بقي نص هيدغر قليل الإلفة في العربية وحوشيًّا [...] أسوق هذه الكلمات لأهوِّن على القارئ وقع الكارثة التي تحيق – ولا بد – بالعربية، فتذهب

بطلاقتها وانسيابها المعتادين جراء نقل الأنساق الفكرية الأخرى إليها». إن مشهديَّة الاصطدام العربي بهايدغر التي يشرحها موسى وهبة في هذه السطور ليست تنمُّ عن عجزِ

غيرِ الفاهمِ لهايدغر، بل عن ارتباك الفاهمِ له بقول ما فهم، لكون اختلاف تكوينه الثقافي عن ذاك الذي عليه هايدغر، فكيف ينقله من لغة إلى لغة ويظل هذا الآخر هو هو؟ وما حيرة المتفلسفة التي تكلَّمَ

عليها إلا هذا الانسياخ الذهني المباشر إلى نقطة البداية المعرفية القارَّة في تكوين الإنسان العربي،

هذا الكائن المعرفي الحي الفاعل في الوجود كما غيره من بني البشر؛ ولكن الميزة الآن هي في لحظة

(((المرجع نفسه، ص.27 (((المرجع نفسه. (((المرجع نفسه، ص.38 (1((مارتن هايدغر، «الكون والزمان»، ترجمة موسى وهبة، مجلة فلسفة، العدد 1 (2003)، ص.18

قراءتِه الآخرَ – هايدغر هنا – على مستوى فلسفة الكائن، أي مستوى الذات بما هي ذات في هذا

الكون. إن صدمة موسى واضحةٌ في حضور انتمائه أمام اقتباله، ما يحفِّزُ نشاطَه الترجمي في إبداع المصطلحات العربية التي تلائم وصف الشعور الحقيقي لهايدغر؛ فالكون بما هو كون مثلً، يخشى موسى ألّ يُتَصوَّرَ عربيًّا، لأن الأساس في الكون عربيًّا أن يكون بموجِد، وهكذا. لذا، إن شرعية الخوف

مبررة، إذ كيف سيقبلُ الذهن العربي هذه الرؤية؟

3. مُنطلقا التفكير

نبدأ بالمقارنات التي أجراها مشير بين فكر هايدغر والفكر العربي، وهنا جوهر الكتاب، إذ تبرُز لنا

هواجس الذهن واتجاهات التفكير في لحظة القراءة العلمية للنصوص والوقائع. يقول مشير: «إن الفكر العربي هو، في العمق، فكرٌ لاهوتي (أو كلامي) تسكنه القضية الإلهية، وتخترقه جدلية العقل

والنقل [...] الفكر الهايدغري هو، في الأساس، فكرٌ أنطولوجي يحرِّكه حصرًا السعي إلى كشف الكون

والكائن بموجب الإقبال الخاص بالجود الأصلي غير الميتافيزيقي، وهو الجود الذي يمتنع هايدغر عن تسميته». إن هذه النظرة إلى العقليَّتين تُظهِرُ إلى العيان ما قرَّ في ذهن مشير بأن القوَّة الدافعةَ للإنسان إلى

العيش هي الحرية؛ إذ إن الهمَّ بأن يتنازل الفكر عن حريته هو الذي أحاله إلى استخدام عبارة «تخترقه جدلية العقل والنقل» للفكر العربي في مقابل «الجود الأصلي غير الميتافيزيقي» للفكر الهايدغري. وهذا الخوف على الحرية واجب الوجود في حال كل إنسانٍ يسعى إلى إثبات وجوده. وسنعطي نموذجين يوضحان مكونات العقل عند كلا الطرفين، قبل أن ننتقل من القراءة الأنطولوجية إلى القراءة الأنثروبولوجية المقارنة بها. يقول جوهانس باتيست لوتز Lotz Baptist Johannes: «حسب المصطلحات الواردة في كتاب الوجود والزمان، إن التأمل الملتفت نحو الكائن هو تأمُّلٌ كياني، بينما التأمل الأنطولوجي هو الذي يكون ملتفتًا نحو الوجود. وبهذا المعنى، فإن الجهد الفلسفي لهايدغر، جهدٌ أنطولوجي، لأن سؤاله يتعلق بالوجود، أو بعبارة أدق وردت في الكتاب نفسه، إنه يتعلق بمعنى الوجود». إن علمية الموقف الهايدغري في معاينة الوجود هي في أنه يحاول موضعة الكون بالنسبة إلى الكائن والكائن بالنسبة إلى الكون، أي إنه يفسِّر معنى وجود الكائن في الكون انطلاقًا من الكون نفسه في لحظة انفتاح معرفية ظاهرة غير محكومة

بلحظات معرفية سابقة لها أو محدِّدةٍ مصيرها قبل حدوثه. لذا، إن الموقف هو فعل الكون نفسه. إذًا، كل التفسيرات منسيَّة في مثل هكذا حضور أنطولوجي منكشف بذاته. وسنشرح فكرة هايدغر تباعًا. أما الفكر العربي فهو ينطلق من الذات باعتبار وظيفتها في الكون؛ إذ هناك نصُّ القرآن، بكل ما للفعل قرأ من معنى في قاموس العرب، هو نتاج العقلية العربية المفكِّرة في الكون بهذه الطريقة، لذلك

((1(عون، ص.40 (1((جلال الدين سعيد، معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية، ط 5 دار الجنوب (تونس:، 2016)، ص 62، مادة (الأنطولوجيا.)

اشتدَّت بلاغتُه عندهم لشدَّة حضوره العفوي في الذهن. وقبل أن نحاكِم النص القرآني بمفاهيم الدين

الطقسي، يجب أن نفكِّر في أنه قابلٌ للعقل، أي هو إنساني الرؤية، فالكون مادةُ لغتِه، ولغته لغةُ المتلقي له. لذا، أيُّ عقلٍ يحكمُ الذّهْنَ العربي الكامل للكون؛ أي حفظ الكون والقوة فيه؟ وما حجم بقاء الكائن في الكون حرًا، أي قادرًا على فعل المعرفة والوجود بذاته؟ في كتابه العقل العربي في القرآن أورد سعد كموني رصدًا للاستخدام القرآني للعقل يوضح فيه مكوِّنات العقل العربي، فقد جمع تسعًا وأربعين مكوِّنًا لهذا العقل، وخلص إلى القول: «يشير استخدام القرآن الكريم لمفردة عقل، إلى ذلك السلوك الذهني والحركي للإنسان المرافق للأنساق المتغيِّرة في العلاقة

بين الإنسان والكون، والإنسان والله». وفي المكونات هذه نكتشف أن الله حاضرٌ في فعل الإنسان

العربي، وهو الفاعل الكلي فوق الفاعل الجزئي الذي هو الذات الإنسانية، لكن هذه الذات الإنسانية قادرةٌ على كل إمكاناتها في الوجود والمعرفة، ولها منظومة أخلاقية تضبطها. هنا الفرق بين ما يقترحه هايدغر، وما يقوم عليه العقل العربي، إذ يمكننا القول: العقل العربي قوامه على هذا النحو: فاعل + فاعل + مفعول، بينما العقل الهايدغري يريد: فاعل + مفعول. مع العلم أن مناقشة هايدغر تردُّنا بالتأكيد إلى ارتباك في تحديد الفاعل الثاني خارج الذات في لحظة الكون، وهو لا ينوء عن الوجود هنيهةً في كل آن، سواء أكان الله أم الضمير أم الخلود أم الموت... إلخ، وإلا لما حاولنا الهروب منه، أو استيعاب دوامِه إن أردنا الدقة، باقتراح تقسيم أماكن الكينونة وأزمنتها بين الذات وخارجها وحركتها وظهورها وخفائها... إلخ. لكن ما يهمنا من هذا التفصيل السريع هو اعتبارُ مفهومِ الجرأة الفلسفية الحكمَ في نظرتنا إلى الفكر المصنوع إنسانيًا بالكامل، أي القادر على أن يكون هو فعل الكينونة الحقيقي. وبالنظر إلى الفكر

العربي، فإنه يجب التمييز أحيانًا بين مقولة الفكر اللاهوتي وما يمكن أن نطلق عليه «الإسلام البياني»، لأن النص القرآني لم تنهِه قراءةُ الأوَّلين، ولا يزال فاعلً في العقل العربي ومتمكِّنًا من الحياة العربية الاجتماعية، لذا لا يمكن تجاوز منهجه، وهذا ما لا نحصِّله من الفقه القديم، بل من القراءة الفردية العربية للنص. ونشدِّدُ على العربية، لنؤكِّد خصوصية الرؤية وفرادتَها؛ فاللسان العربي ليس هُويَّة أيديولوجية قومية، بل هو المنهل الفلسفي للمعاني التي يمكن أن تتولد فيها أي قراءة للكون للناطقين به؛ أي للذين

((1(انظر: ابن فارس، ج 2، ص 63 3، مادة (ذ.)هَن (1((انظر: سعد كموني، العقل العربي في القرآن (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2005)، ص 131–127. ومما جاء في رصد العقل في القرآن: 1«– إجراءٌ سلوكي يضبط حضور الجماعة في المجتمع[...]7– قراءة الأحداث والاعتبار منها[...]–10

إنهاء الموقف الفاسد المتمثل في ضلال معرفة السبيل إلى معرفة الله[...]18– القدرة على تشكيل نظام مرجعي للسلوك الحركي الفردي في المجتمع. 19– تشكيل مرجعية في الذهن تضبط النظر والتفكير والسلوك[...]24– القدرة على ضبط السلوك في الحياة الاجتماعية من خلال المداومة على العلاقة مع خالق الوجود[...]26– الإجراء الذي يمكن المرء من تحديد موقعه ومكانته في المجتمع والزمان والمكان. 27– الإجراء الذهني الذي يعطي للحواس جدواها. 28 – الإجراء الذي يمكن الفرد من حيازة الدلالة [...]2–3 الإجراء المنهجي الذي يوحد السبل باتجاه الحقيقة[...]8–3 الإجراء الذي يتمكن فيه المرء من السيطرة على الكون [...]0–4 الإجراء الذي يتعامل مع الموجودات على أنها مشاهد لها وظيفة مرجعية لطالب المعرفة[...]5–4 هو جملة المواقف

الوجدانية [يحدد الكاتب تعريفًا علميًا للوجدان في المبحث السابق «العقل في الوجدان العربي» انطلاقًا من مصدر الفعل وجد أي

الإصابة والإدراك] بإزاء أرض الإنسان».

يكون منطقُهم لسان العرب. وهنا ننوِّه بالشرح الذي قدَّمه مشير ل «الهيرمينوطيقا التأسيسية» من حيث

فتح ذهن القارئ للكتاب على مفاهيم اللسان والانفتاح التأويلي وقدرة الكلمة على استيعاب الكون ومن ثم التوضيح لمفهوم الأمة وكذلك مفهوم الفرد ودوره الأنطولوجي في ترسيخ منهجية التلقي للفكرة المعرفية عن الكون. لذا، إن اقتبال التراث الإغريقي عربيًا سيكون غير اقتباله ألمانيًا، كما أوضح

مشير، من باب المقابلة العلمية الضرورية لفهم معنى الاقتبال الفلسفي. ويسترسل المؤلف في بسط مفهوم الانفتاح الكامل على البعد الأنطولوجي للواقع، إذا ما أردنا التأسيس لفلسفة حقيقية مبدعة والطلب من الفكر العربي أن يفعل بمقتضى التأسيس الهايدغري للفلسفة؛ «فإن الفكر العربي مدعوٌّ، تبعًا لحركة الاستجواب الهايدغري، إلى العمل بمقتضى موقفٍ ثلاثي يقوم على

التقوى والتهيُّب، وعلى الصبر الواثق، وعلى التبصُّر المتَّضع». ويذكر مفهومًا يؤكِد لنا كيف نكون

أتقياء في التفلسف، أنقياء في التفكر، وهو «الإرغام النفعي»، إذ يدعونا إلى تفكيك التأدلج الذي نحن عليه لعلَّنا نمارس حفرًا معرفيًا يوصلنا إلى الأصالة، أي يجعلنا نحاكي واقعنا بأفكارنا نحن عن

واقعنا، وليس بالعودة إلى الغابر من الزمان ولا إلى الغريب المُفارق من الزمان والكلام، وهذا هو

الانفتاح على الكينونة الهايدغري الذي «يستذكر ويسائل». هذه الذهنية الحرة تنفض الغبار عن الوهن الأيديولوجي الذي تعلق عقلَنا حتى بدأ هذا العقلُ يتملَّق كلماته، فلم يعد في إمكانه التفلسف، لأن الجماعة مهيمَنٌ عليها، وليس لها إجماعٌ على سياسة مدينتها، ففقدت انتماءَها، فما يجب أن نسعى

إليه هو «إرادة جماعة مُنهمَّة بالانتماء إلى العالم العائد إلى مدينتها، أي إلى هذه الأمكنة المختلفة التي

تُقبل إليها حقيقة الأشياء التي تملأ العالم اليومي للمواطنين». بهذه العقليَّة الفينومينولوجية التأويلية عايَن هايدغر أشياء الكون وأفكاره، إذ إنه يحاكم مفهوم الإله

انطلاقًا من جدلية الظهور والتلاشي كي يقدِرَ أن يُبقي مفهومه حاضرًا، يقول هايدغر: إن الله «لا يغدو

حضورًا إلا حين يختفي في التواري». وقلنا العقلية الفينومينولوجية لأن الظهور شرط التأويل، أي

إن مدى الحاجة إلى المفهوم في لحظة فعل الكون هي التي تحدِّد جدواه، أو حضوره، لذلك إن الفكر الهايدغري لا يبدأ من الله إلى الكون ولا من الكون إلى الله ولا من دون الله والكون، فهو يتأرجح، كل

(1((عون،.47–44 ص ((1(المرجع نفسه، ص.67 ((1(المرجع نفسه، ص.68 ((1(المرجع نفسه، ص.70 ((1(المرجع نفسه، ص 78. ويراجع ما قبلها وما بعدها. ((2(لمزيد من الاستيضاح في هذا المنهج الهايدغري للفهم، انظر ما أورده محمد بن سباع في شرح المسألة الأنطولوجية عند

هايدغر على لسان داستير، فيقول: «تؤكد فرانسواز داستير أن فهم هايدغر للوغوس هو نفسه فهم كلٍّ من بارمينيدس وهيراقليطس

له، أي ما يظهر به الوجود والذي هو الكلمة، حيث يصبح الوجود كلامًا». انظر: محمد بن سباع، تحولات الفينومنولوجيا المعاصرة:

مرلو–بونتي في مناظرة هوسرل وهايدغر (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص 66. ما يهمنا هو هذا الظهور للوجود في العقل، والذي يكون في الكلام، والقدرة على وعي هذا الإجراء، والذي هو وعي الكينونة، أي ظهورها التأويلي المفسر الحقيقي؛ أي معرفتها. (2((عون، 81، الهامش رقم.23 ص

ما في إمكانِه هو ممارسة فعل الكون استجوابًا تجريبيًّا محضًا؛ «الفكر الهايدغري يتأرجح بين الإقرار

بثيولوجيا لا تقوم على المفاهيم، وهي معدَّة لتضمن خلاص الإنسان، والتعرُّف الشعري إلى ألوهة بعيدة

تتجاوز كل الآلهة من طريق إرجاء موعد تجلِّيها النهائي إلى ما لا نهاية». وانطلاقًا من هذه الرؤية، فهو يسقط المفاهيم التاريخية «العقلانية» المسبقة التي في إمكانها أن تحدد طبيعة الإله، كمقولات «السببية والديمومة والتماثل والتضمين والإرساء»...، هو لا يقرأ الله في الكائنات، بل في الكون نفسه؛ أي في فعل الكون. إن هايدغر يصرُّ على فردية الفهم، لذلك نراه يستجدي التصوُّف والشعر في اجتياح العقل

الرتيب في إلهامه آيةً تدلُّه على الله أو تقول ما الله. وهنا نعاين قول هايدغر «بمقدور إله وحده أن يخلِّصنا بعد اليوم» والذي يقول فيه المؤلِّف «نقف هنا على المعنى الباطن لهذا التصريح الذي أدلى به هايدغر في خريف عمره والذي فاجأنا بعض الشيء». ونسأل المؤلفَ، لماذا المفاجأة؟ هايدغر لم يخرج عن منهجه الظاهراتي في المعاينة، فهو يريد أن يكون فعلُ الكون مُظهرًا كينونة الله، لذلك لم ينبئه الكون بإلهٍ،

بل أعطاه آلهةً لم تنتهِ، وهو يريد إلهًا مطابقًا لفعل الكون، فمات وهو يطلُبه. أما الكينونة القرآنية فهي تقوم على التفكُّر في خلق السماوات والأرض ليس استنادًا إلى الفعل «اقرأ»،

بل إلى الفعل «اقرأ باسم ربك الذي خلق». وهذا العقل العربي الذي يقرن فاعليَّته الخَلْقِيَّة الإبداعية

بوجود الفاعل الأول، فهو لا يتأرجح في فعل الكينونة، بل يُديم التفكير في الكون باعتباره آيةً من شأنها

أن تفصح عن مفهوم الله؛ لكن مفهوم الله، عربيًا، لا يغادر إمكانات العقل، بل لا يكون إلا بالعقل

والتفكر، والإيمان ليس مغايرًا للعقل، بل هو نفسه العقل. ويمكننا تدعيم ما نقول من خلال متابعة

أفعال «يتفكرون ويعقلون وينظرون يبصرون...» وغيرها من الأفعال التجريبية المعرفية في الكون. والأهم من كل ذلك، أن البداية هي اقرأ، والقراءة بحد ذاتها هي الجمع، فالقرآن هو الجمع، وهذا ما لا يكون إلا بالإحاطة الكاملة بالوجود. وإذا أردنا أن نجمع الوجود إلى فهمنا فما علينا إلا ممارسة القراءة، أي النظر العلمي الكامل في الكون، تمكينًا لجمعنا له في أذهاننا كي نؤمن. وهنا الاختلاف بين من يحاكم الإسلام من خلال آراء الفقهاء، ومن ينظر إليه منهجًا في النظر من خلال النص القرآني،

نصًا بيانيًّا بذاته، لا يحتاج إلا إلى العقل كي يُدرَك. كما أنه من العِلميَّة بمكان، أن نعتبر أن القرآنَ ليس صخرةً هبطت من السماء على الأرض، بل هو في

الأرض لأن الأرض لها علاقة بالسماء، تختلفُ باختلاف القُرَّاء حينًا بعد حين. فمنذ الإنسان الأول

((2(المرجع نفسه، ص.81 ((2(المرجع نفسه، ص.85 ((2(المصدر نفسه، ص 84، الهامش رقم.28 (2(((قرأَ) (قَرِيَ) الْقَافُ وَالرَّاءُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدلُّ علَى جُمَعٍ وَاجْتمَاعٍ. مِنْ ذَلكَِ الْقَرْيَةُ، سُمِّيَتْ قَرْيَةً لِجْتمَاعِ

النَّاسِ فِيهَا. ويَقُولُونَ: قرَيْتُ الْمَاءَ فِي الْمِقْرَاةِ: جمَعْتهُ، وذَلكَِ الْمَاءُ الْمَجْمُوعُ قَرِيٌّ. وجَمْعُ الْقَرْيَةِ قُرى، جَاءَتْ علَى كُسْوَةٍ وَكُسى.

وَالْمِقْرَاةُ: الْجَفْنَةُ، سُمِّيَتْ لِجْتمَاعِ الضَّيْفِ علَيْهَا، أَوْ لمَا جُمِعَ فِيهَا مِنْ طعَامٍ [...] قَالُوا: وَمِنْهُ الْقُرْآنُ، كأنَّهُ سُمِّيَ بِذَلكَِ لجَمْعهِمَا فِيهِ

مِنَ الْ حْكَامِ وَالْقِصَصِ وغَيْرِ ذَلكَِ. انظر: ابن فارس، ج 5، ص 79–78.

وللتوسُّع في معنى القراءة، انظر كتاب: محمد عنبر، جدلية الحرف العربي وفيزيائية الفكر والمادة (دمشق: دار الفكر، 1987)، ص

28. وما بعدها. ومنهجه أن يضع اللفظ وضده ويقابلهما ويستنتج أن المعنى واحد مستمرٌّ في تقليب اللفظ، وهذا يؤكد المعنى

الأصل الذي فيه، وهو يجمع كل معاني قرأ من المعاجم ويعاينها من خلال مقابلة «ق ر أ» ب «ر ق أ»، مثلً.

والإنسان مهمومٌ بعلاقته بمحيطه، وتطورت هذه العلاقة بحسب الحاجة ونموِّها من عبادة الحجر إلى

عبادة العقل إلى الحَيْرة إلى الجمع بين الحاضر والغائب... إلخ، لذا فإن القرآن هو رؤيةُ العربيِّ الكونَ

منذ ألف وأربعمئة عام ونيف، بما تقتضيه الرؤية من حيّز زماني مكاني يؤهل الإنسانَ إلى إقرارها في

وجدانه المعيش. لم ينزل على العرب وهم بغنى عنه، بل هو مستوى تفكيرهم في الكون الذي يجب أن يتمسكوا به لكي يقرؤوا باسم ربهم. والربُّ ليس مفهومًا زائدًا في عقل الإنسان الكائن البشري الحي،

بل هو مفهومٌ نوعيٌّ أصيل، هو وليد علاقة البشري بالكون، لذا يجب عدم اعتبار وجوده في ذهنية

العاقل «كارثة» على المستوى العلمي. الكارثة هي في أن نحاكم المفهوم ونحن متنازلون عن تجربتنا التوثيقية له في العيش المعرفي الدوَّام؛ هذه السيرورة المعرفية التي تحفظها نصوص متينة تجلي لنا

كيفيَّة تكوُّن المفاهيم جميعًا، فالنصوص ليست حجر عثرة في طريق المعرفة، إذا كان الإنسان قويًّا في

اقتبالها، كي ينفلق هو معرفيًّا، فهو يحدِّد حاجته منها إذا كان من العالَمِين. وقبل أن نستكمل المقارنة، نتوقف مع مفهوم العالمين الكياني في حضورنا الفاعل في الكون، فنحن بحسب القرآن «عالَمِيْن»، ومن معاني التعلُّم، كما أوضحنا، أنه أثرٌ بالشيء يتميز به من غيره،

وهو الاجتماع أيضًا، ومن ذلك نقول العالم؛ فالعالم هو اجتماع المتميزين، لأن لكل واحد فيه أثرًا يميزه

من الآخر. إذًا، العلم هو الميزة التي تحدد قيمة الإنسان في الوجود في عالم. والإنسان في هذه الحال يكون عالِمًا متعلمًا مَعلمًا ومُعلِمًا في آن. من هنا نفهم أن العلم والتعلم هما الوجود الضرورة، فالظهور

التمكُّني في الكون هو الإقرار بالإنسان معلِّمًا متعلِّمًا، فهذا هو فعلُ ظهوره في الكون. والله معلِّمٌ يجمع

في عالم، ونحن متعلِّمون نقرأ في العالم باسم الله، كما ورد في الآيات «اقرأ»، فالقرية التجميع، وإذا توسعنا في المعنى للفعلين «علم» و«قرأ» الذي نستقيه من المعاجم، وفي المعاجم مَعرَضُ التجارب،

ندرك معاني الجرح والرؤية والانفتاح وتجميع الرؤية، ونوع الرؤية القادرة على الجمع بين الماضي والمستقبل؛ أي ندرك إمكان شَيْم الفكرة عن العالم «المجتمع» في آن. هكذا يجب أن نعاينَ العربيَّ الذي سيقتبلُ هايدغر وغيره، كي نفهمه كيف يقرأ ويعلم ويتلقى ويبدع،

وبالمنهج نفسه يجب معاينة هايدغر، إذ إن تأويله الواقعاني الفينومينولوجي لا يمكن أن يكون مُجاوزًا

للحال العامة التي يقطنها هايدغر، مهما حاولنا تبرير وضعية «المعلَّق في الفضاء» في قراءتنا لأي

(2((«والعلَمُ: رَسْمُ الثوبِ، وعلَمهُ رَقْمُه فِي أَطْرَافهِ. وقَدْ أَعْلمَه: جعلَفِيهِعلَامةً وجعللَهُ علَمًا [...] والعلَمُ: الرَّايَةُ الَّتي تَجْتَمِعُ

إِلَيْهَا الجُنْدُ [...] وأَعلامُ القومِ: سَادَاتهُمْ، علَى الْمثَلِ، الواحدُ كَالْوَاحدِ. ومَعْلَمُ الطَّرِيقِ: دلَالتُه، وكذَلكَِ مَعْلَم الدِّين علَى الْمثَلِ.

ومَعْلَم كلِّشَيْءٍ: مظِنَّتُه، وَفُلَنٌ مَعلَمٌ للْخَيْرِ كَذَِلكَِ، وَكلُّهُ رَاجِعٌ إِلَى الوَسْم والعِلْم، وأَعلَمْتُ علَى مَوْضعِ كذَا مِنَ الْكِتَابِ علَامةً.

والمَعْلَمُ: الأَثرُ يُستدَلُّ بهِعلَى الطَّرِيقِ، وجَمْعهُ المَعالمُ. والعالَِمُون: أَصْنَافُ الخَلْق. والعالَمُ: الخَلْق كلُّه، وَقِيلَ: هُوَ مَا احْتوَاهُ بطنُ

الفَلك [...] ولَ وَاحِدَ للعالَم مِنْ لَفْظهِلأَن عالَمًا جمعَ أَشياء مُخْتَلِفَةً، فَإِنْ جُعل عالَمٌ اسْمًا لوَاحِدٍ مِنْهَا صَارَ جَمْعًا لأشياء مُتَّفَِقَةٍ،

وَالْجَمْعُ عالَمُون، ولَ يُجْمَعُ شَيْءٌ علَى فاعَلٍ بِالْوَاوِ وَالنُّونإِلَّ هذَا، وَقِيلَ: جَمْعُ العالَم الخَلقِ العَوالم. وَفِي التَّنْزِيلِ: الْحَمْدُ للَِّهِرَبِّ

الْعالَمِينَ* وقَالَالزَّجَّاجُ: مَعْنَى العالمِينَ كُلَّ مَا خَلق اللَّهُ [...] قَالَالأَزهري: فهَذهِجُمْلَةُ مَا قِيلَفِي تَفْسِيرِ العالَم، وَهُوَ اسْمٌ بُنيَ

علَى مِثَالِفاعَلٍ كمَا قَالُوا خاتَمٌ وطابَعٌ ودانَقٌ». انظر: أبو الفضل محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، ج 12 (بيروت: دار صادر،

1993)، ص 204، مادة «علم». وانظر أيضًا: «(علمَ) الْعَيْنُ وَاللَّمُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ صَحِيحٌ وَاحِدٌ، يَدلُّ علَى أثَرٍ بِالشَّيْءِ يتَميَّزُ بهِعَنْ غَيْرهمِنْ ذَلكَِ الْعلمَةُ [...] وَمِنَ

الْبَابِ الْعَالَمُونَ، وذَلكَِ أنَّ كُلَّ جِنْسٍ مِنَ الْخَلْقِ فَهُوَ فِي نَفْسهِمَعْلَمٌ وعلَمٌ. وقَالقَوْمٌ: الْعَالَمُ سُمِّيَ لِجْتمَاعهِ». انظر: ابن فارس، ج

4، مادة (علم)، ص 110–109.

تجربة. لذا، إن هايدغر حين يتكلَّم بالكون والزمان، فهو ليس كائنًا منقطعًا عن تكوينه الثقافي الشامل، بل يتكلم انطلاقًا من فكرٍ مسبق، ولا يقدر أن يفارِقه، لذلك هو يتأرجح، ويطرح علمية الموقف «الكون/ الحضور/ الانفتاح/ الظهور...» والبعد عن الذات الذي يحاولُه هايدغر هو محاولة البعد عن هذا المخزون، وهذا غير ممكن، فهو التطور الطبيعي للكائن، الذي رسَّخَت زمانَه التجربةُ البشريةُ الخالدة

الأزلية، فكيف يُمحَقُ لحظةَ التفكير. كما أن القرآن بين أيدي الفلاسفة والناظرين علميًا يجب أن يكون نصًّا معرفيًّا إنسانيَّ القراءة والإمكانات،

كي لا نُطلق عليه حكمَ مشير في «أن المفهوم القرآني للتعالي الإلهي يؤثِّر تأثيرًا حاسمًا في الوعي

العربي بدليل أنه يكاد يفشِّل كلَّ سعيٍ إلى إعادة النَّظر». ويجب أن يكون مختلفًا عن قراءة البسطاء التي تعتبر الله موجودًا رغم أنف إبليس! فكأنه موجود لدحر إبليس؛ نحن ليست مشكلتنا في إبليس

بقدر ما في وجود الله نفسه، إذ الصراع العلمي هو كيف نؤمِن. وهذا الفعلُ يحتاج إلى قدرةٍ في استهلاك العقل في المكان المُنتج وجوديًّا، وهذا ما يوحي به القرآن للعربي في الكون، بأن يقرأ هذا

الكون بيانًا وعلمًا كي يؤمن. لذا، لا يمكن أن تقرأ القرآن بغير العربية، ليس لأن كلماته لا تترجم، بل

تترجم، ولكن لأن المعاني كونُها الإنسانيُّ عربيُّ المنهج والنحو؛ فهي بنيةٌ قوامُها عقليةٌ تتصرَّف بالكون

إعرابًا وإفصاحًا، فلا يكون في هذا الكون شيءٌ خارج نطاق معرفتها. لذا، لا قمعَ موجودٌ عند هايدغر ولا عند التفكير العربي القرآني، فالحرية ليست التغاضي عن ذات الإنسان بما هي عليه، بل هي إفساح المجال أمام الذات كي تكون ما تريد في هذا الكون. ولئن كانت لحظة الكينونة عند هايدغر بلا إله، فهي لأن مفهوم الإله موجود. ولئن كانت لحظة الكينونة العربية بإله، فهي لأن مفهوم الإله موجود. وما الإيمان خارج هذا الفعل العقلي الصارم، إلا إذا تنازلنا عن اللغة إلى ما دونها من أفعال، وهذا ليس حريةً أفضلَ من حرية، بل هو فعلٌ إنساني عادي، لذا شدَّد هايدغر على اللغة فهي «بيت الكينونة» كما قال، وهذا ما يقوم عليه الفكر العربي أساسًا. من هنا، يحق لمشير عون أن يبحث في فرص الاقتبال والتلاقي بين هايدغر والعرب، وذلك لضراوة التجربة الوجودية واحتدام لغتها في التعبير عن عقليتها عند الطرفين. وقد اختتم القسم الأول بقوله «ما من فكرٍ فلسفي قادرٍ وحده على الاستجابة لتعقيدات الواقع العصية على الحل».

ثانيًا: الأنثروبولوجيا بمظهريها الأنطولوجي والقرآني

1. تمثُّل الكينونة الهايدغري

ثم ننتقل إلى القسم الثاني من الكتاب حيث المقابلة بين الأنثروبولوجيتين العربية والهايدغرية؛ وقد برّر

مشير استخدام كلمة أنثروبولوجيا لأنها تلائم «التفكر في كينونة الإنسان في ضوء حقيقة الكون»،

(2((عون،.86–85 ص ((2(المرجع نفسه، ص.88 (2((المرجع نفسه، 94، الهامش رقم.10 ص

وإننا إذ نستكملُ التحليل لقراءتِه هايدغر، فإننا نبدأ بمقاربة مفهوم الأنثروبولوجيا الأنطولوجية عند هايدغر استنادًا إلى ما وصلنا إليه من فهم معنى «القراءة» العربي، والذي سنبقيه ملازمًا لمحايثتنا فهمَ الكينونة الهايدغرية الإبداعية. وأقول إبداع، لأنها ترفض أن تُقحم الكونَ في التفسيرات التاريخية السائدة في الميتافيزيقا الغربية، بل تعتبر أن نسيان الكون لا يكون إلا بهذا الموقف الحضوري الظهوري الفينومينولوجي على الدوام، الذي يؤمن التجاوز الحقيقي للميتافيزيقا نحو الكائن الموجود الآن. لذلك دعا هايدغر إلى أن «نقلع عن العادة القاضية بالإقامة في ما هو جوهري». مشكلة الثبات والسكون والتعوُّد والتقليد هي الآفة الحقيقية التي تغيِّب الكينونة، لأن التعوُّد على

ما هو جوهري لا يبقيه جوهريًّا. من هنا، ننظر أيضًا إلى فلسفة الحركة والثبات العربية، فالعربي لا

يبدأ بساكن، ولا يقبل بالتقاء ساكنين، بل هو يعتبر السكون مرحلةً يجب تحريكها وليست للمكوث الدائم، فهي الفعل الحاضر الكائن الآن والذي يتمُّ حدسُه شيميًّا لإجرائه في الوجود؛ «وهذا ما يتبدّى

فعلً في بنية اللغة العربية التي لا تتضمن تصوُّرًا للسكون بأنه نهاية، بل هو بدايةٌ دائمة، حتى إن

القاعدة اللغوية تحرِّك أحد طرفي الكلمة، إذا اقتضى الظرفُ حال السكون في آخر كلمة أو في بداية

أخرى، منعًا لالتقاء الساكنين. وقولنا إن السكونَ بدايةٌ دائمة، يفيد ضِمنًا أنه لا يمكن المكوث به، إذ لا استقرار في البدايات، بل الحركة هي التي تحدد حجم هذا السكون بالنسبة إلى حجم الفعل في الزمان والمكان». انطلاقًا من ذلك نفهم تمثُّل الكينونة الهايدغري، والذي يناقشه مشير في مؤلَّف هايدغر الرسالة في النزعة الإنسانية، وذلك بتوضيح مفهومين أساسيين هما «المتعالي» و«التأتي التملُّكي». إذ إننا في فهمنا لهذا الأفق الهايدغري في النظر إلى الكون المنبسط الظاهر للكائن ندرك الهمّ الهايدغري في الكشف النظري للكون، أو من أين يبدأ هايدغر؟ فنعرف الاختلاف بين نقطة البداية الهايدغرية ونقطة البداية العربية. يقول هايدغر: «يجدر بنا اعتبار المتعالي بمثابة الأمر الخارج من ذاته، كما يجدر بنا اعتباره بمثابة الزمانية الخاصة بالموجود الإنساني وبمثابة الزمانية الخاصة بالكون، ويحسن بنا حتى اعتباره ‘أفقًا’! لقد ‘ألبس’ الكائن الكونَ لبوسه. ويصلح أيضًا تناول التعالي انطلاقًا من حقيقة الكون: التأتي التملُّكي». لذا، إن الدخول والخروج من الذات بحسب مقتضى الكينونة هو الثابت الوحيد

(3((المرجع نفسه، ص 95، الهامش رقم.13 3(((كموني، فلسفة الصرف العربي، ص 122–121؛ وانظر الشرح الكامل لشَيميَّة الحركة الإعرابية وشيمية اللفظة العربية التي

تؤهلها لأن تكون السكون بين متحركين دائمين، فهي القول الحاضر الآن بين الماضي والمستقبل، وذلك يبدأ بكينونة الحركة نفسها،

وكينونة الحرف بالنسبة إليها، بما هي وسط ينقل الأصل باتجاه ظهوره وبيانه؛ « إذاًالحركة تطلق الحرف نحو أصلها، انطلاقة المتحرك بعد سكونه، وهذا إشارةٌ إلى مرحلة الحركة السابقة للسكون، فالحركة انبعاثٌ لصوت اللين والمد الكامن منذ المرحلة الأولى في الصوت. وهذا ما نسميه شيميَّة الحركة، إذ إن إمكان انتقال المحتوى الصوتي عبر مراحل الحرف والتصويت بازدياد دلالي يجمع

بين إبداعية اللفظة بحروفها وإبقاء الدور الفاعل لأصواتها الأولى القبْليَّة، لهو دليلٌ على أن اللفظةَ لها ماضٍ متحرك وحاضر مستقر

ومستقبل متحرك، فهيئة اللفظ هي سكونٌ بين متحركين، وهنا أصالة الموقف الوجودي؛ إذ تبدو إمكانات الزمن مفتوحةً نحو

المستقبل والماضي انطلاقًا من ثبات في الحاضر»، انظر: كموني، فلسفة الصرف العربي، ص 603، وراجع المبحث المتعلق بصرفية

الحركة الإعرابية كاملً، ص 3.76–355 (3((عون، ص 105، الهامش رقم.5

في فهم هايدغر للوجود في هذا العالم، فما يحدِّدُ ماهية الكائن هو مدى قدرة الكائن على أن يكون ما هو عليه بحسب ما يبديه الكون، وليس بحسب المتعارف عليه إنسانيًا وعلميًا، لذلك سكنَ هايدغر في

اللغة «فاللغة بيت الكينونة» وهذا صحيح، أو هذا ما يُنقِذُ الإجراء الكشفي الهايدغري للكون؛ إذ أين يمكن أن يخرج الإنسان من ذاته وهو داخلٌ فيها، أي كون يتحمَّلُ فعلً معرفيًا منفتحًا بهذا الحجم؟ لذا

سنرى مفهوم التيه وصولً إلى الموت أو الخلود هو مآل الانفتاح الذي لا ينتهي، وهو المستوى غير المحدد للهيرمينوطيقا، أو عدم انسداد التأويل. إن الهمَّ الهايدغري هو فسح الكينونة، أي حجب المفهوم السائد للإنسان، واقتبال الكون ليقول لنا هذا الكون ما هو الإنسان الآن، ويحتجب مجددًا ليبقى السؤال دائمًا. يقول هايدغر: «إن أكثر ما يدفعنا إلى التفكر هو أننا لم نتفكَّر بعد، وهو دوام إعراضنا عن التفكُّر، علمًا أن وضعية العالم غدت على الدوام أكثر ما يدفعنا إلى التفكر». إن هذا الإلحاح ليس سوى الرغبة في التمكن من الكون، إنه ليس رغبة في رؤية المظهر الوجودي بما هو محدَّدٌ فيه مسبقًا، بل هو كما أوضح لنا مشير في الشرح لنوع التمثل الأنطولوجي للكون عند هايدغر في قوله «إن الكون جود»، وهو ما يمكن أن نسميه التأمُّل اللغوي في الكون، إن صحت تسميتنا له؛ ولنا ما يُبرِّرُ ذلك، كون هايدغر سيسكن اللغة الشعرية المتصوفة

المعبِّرة عن تمثُّله للكون، وهذا ما يشي بالتأمُّل اللغوي الملازم لهذه الحال. هايدغر لا يريد المقولات، هو يريد القول. وهنا نسأل، ماذا لو قرأ هايدغر القرآن الكريم الذي أوحاه الله إلى محمد، وقدَّمه لنا محمد نُطقًا بلغة العرب؛ قرآن التفكير العربي في الكون من حيث هو مادة بحث عقلي للمتلقي اللغوي العارف بلغته، ويؤدي إلى الإيمان بالموحي، أي بالله؟ هل سيكون هايدغر معنيًا بالسيرورة التجريبية التفكُّرية في القرآن، من مثل الآية ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الرْضِ فَانظرُوا

كَيْفَ بدَأ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأةَ الْخَِرةَ إِنَّ اللَّهَ علَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ (العنكبوت: 20)؟ والمثال

يتنوع في القرآن من حيثُ وصفُ العلاقة بين الإنسان والطبيعة في رحلة بحثه عن الله؛ والبحثُ عن الله ليس سوى بحث عن الإنسان في الحقيقة، فالإنسان يبحث عن ذاته كيفما توجَّه نظره في الكون، والله بما هو مفهوم الله في الذهن البشري هو مشهدُ الإنسانِ وهذا المفهوم معًا في لحظة النظر الكينونيَّة إلى

وجوده. هذا الوصف ملائمٌ لتفكيرٍ عربي، فماذا عن هايدغر؟ وإن ما قصدتُه من سؤالي ليس أن يؤمنَ هايدغر بالله القرآني، بل إمكان مراقبة منهجية السير العلمي في سبيل الوصول، والتي تبدو من القرآن أنها تهتم بالبدايات «فانظروا كيف بدأ الخلق»، ولم يقل كيف بدأت المخلوقات، ولا كيف خلق الخالق المخلوقات، ولا التسليم بمنظر الخلق، بل السير والنظر في بداية الخلق؛ والخلق على وَزْنِ (فَعْل) أي هو مصدر سماعي للفعل الثلاثي المجرَّد

المتعدي، إذًا النظر في هذا المصدر يحيل إلى مشهد الخلق بأنه فعلٌ وفاعلٌ ومفعول. أما تقرير

(((3 المرجع نفسه، ص 113، الهامش رقم.22 (((3 المرجع نفسه، ص.115 3(((إميل بديع يعقوب، معجم الأوزان الصرفية (بيروت: عالم الكتب، 1993)، ص.240

أيُّ هذه الموجودات يسبق الآخر، فهو الإشكالية الكبرى في الفكر العربي، والمدارس النحوية، وهي فلسفية بالضرورة وتنطلق من العقيدة القرآنية الإسلامية، وقد اختلفت حول أسبقية الفعل للمصدر أو المصدر للفعل، لكن الغالب في الذهن العربي أن الفاعل أول. ولكن ما يهمنا أن الإيمانَ ليس شرطًا للنظر في بداية الخلق، بل النظر شرط للإيمان، أي الإنسان هو المُحدِّد لمحتوى نظره. والقرآن يحاكي ذهنيّةً مهتمَّةً بمعرفة سبب الخلق، وهو يرفض الآلهة التاريخية من أوثانٍ وأنصاف

آلهة وطواطم، وينفتح على الإنسان بذاته كي يعرف ربَّه، إذ كل وصفٍ لقدرة الله يربطه القرآن بقدرة

الإنسان على تعرُّفِ هذا الوصف؛ آية ﴿فانظروا كيف بدأ الخلق﴾ مسبوقةٌ بآية ﴿أولَمْ يرَوْا كَيْفَ

يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدهُ إِنَّ ذَٰلِكَ علَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (العنكبوت: 19). «أوَ» هذا الاستفهام الإنكاري بأنهم لم يروا كيف يُبدئ اللهُ الخلقَ، جاء بطلب أن سيروا فانظروا كيف بدأ هذا النوع من الفعل

البَدئي؛ الخلق، فيكون النظر عُقْبَ السير الذي سبَّبَ هذا النظر. إذًا، نوع التعرُّفِ هو فعلٌ إنساني غير مشروط، وهذا المهم، والإيمان يأتي أخيرًا. أما أن «قصد هايدغر الأول يبقى توجُّهه القوي نحو إعادة إدراج الإنسان في دينامية الكون» كما يذكر مشير، وهو الذي يؤكِّد أن لحظة الكينونة هي لحظةُ «كان الكون مماثلً للعدم». «الذي يكشفُ الموجود في كامل غرابته التي لمّا تزل محتجبةً حتى الساعة، كما أنه هو الذي يكشفه على أنه مختلف اختلافًا راديكاليًّا، بما كان ذلك الفعل إخراجًا لهذا الموجود من طريق دفعه إلى الانزلاق

بكامل عناصره»، فإننا انطلاقًا منه نعاين مواقِع الجرأة في الحالتين القرآنية والهايدغرية؛ وإذا كانت أصالة الإنسان في الفعل العربي هي أن يتوسَّط حضورُه العلاقةَ بين ذهنه والعالم ليثبت قدرته وتمكُّنه الوثيق من إحاطته بمظهر الوجود كي ينجز إيمانَه بخالقه، فإن أصالة الإنسان الكائن في المفهوم الهايدغري هي أن تكون لحظة حضوره هذه غير مرتبطة بهدف لاحق ولا بمسلمة قبلية كي تتمكن من كَشفِ ال «هاهنا» ضمن فرضية الخروج من الذات في لحظة الكشف هذه، والتي ستكون مختلفةً عن كل اللحظات، عادمةً لها، حاجبةً كل شيء إلا ما ستنفتح عليه الآن؛ «على الإنسان أن يتدرَّب على الإقامة في ما لا يحمل اسمًا». لذا، إن لحظة الكينونة الهايدغرية هي لحظةٌ شعرية، والإنسان إنما يسكن هذه الأرض شعريًا كما قال هايدغر. تُرى، ما المقصود بذلك الشعر؟ والذي يولِّد الالتباسَ والغموض والمآزق، كما أشار إلى ذلك مشير استنادًا إلى ما قام به من انسياخٍ نظري في الرؤية الهايدغرية؛ «الأنثروبولوجيا عند هايدغر [...] تجد نفسها في مأزق جرّاء اعتماده اصطلاحات مبهمة وملتبسة [...] فإن عملية الحفر التي بدأها توشك أن تلف هذه المفاهيم وتلك الأفكار بمزيد من الغموض. وعليه، يوشك هذا الغموض

3(((انظر في هذا السياق شرحًا وافيًا في: كموني، فلسفة الصرف العربي. (3((عون، ص.121 (3((المرجع نفسه، الهامش رقم 03، ص.118 (3((المرجع نفسه، الهامش رقم 7، ص.124

أن يخلِّفَ أثرًا قويًّا في ملامح الإنسان الجديدة التي طالما اقتضاها التفكر في الكون». هذا الشِّعر

الهايدغري ليس سوى القدرة على التحكم في اللغة بحيث تخدم الخروج من الذات، أي بحيث تتضمن اللغةُ الاصطلاحَ الجديد لها بحسب هايدغر؛ فإذا كانت الكينونة ميتافيزيقيًّا لها تعريف ممتدٌّ

في التفكير الفلسفي الغربي من اليونان إلى العصر الحديث، فإن هايدغر لا يريد التسليم بما هو موجودٌ في هذا الشأن، ويريد أن يخوض في تعريف جديد. هذا الجديد هو «المربك الغامض»، وهو ما صنَّفه مشير ب «العقلانية الحجاجية» في مقابل «العقلانية المنطقية» التقليدية. هذا الجديد هو الإنسان الجديد غير المنضبط في القول الحصري للغة الميتافيزيقية الدارجة فلسفيًا. إن المشروع التحرري الذي يخوضه هايدغر، محاولةً منه لوضع الكون بما هو حالة انفعال وجداني تنضح معرفيَّتها في الآن ذاته من دون الارتباط بتاريخية ظهوراتها، هو أمرٌ شبه مستحيل، بل مستحيل،

لذلك، إن الصرامة في المواجهة لا تعني الصرامة في النسيان، بل التفنن المتين في الحضور في هذا الكون بإعادة موضعة العلاقات؛ بتعبير آخر، إن الموجود لا يمكن إزالته أو استبداله بغيره، بل يمكن صوغه بإرادة كلِّية تمكِّن الإنسان الكائن فيه كلِّيًا من تفاصيله. وقد وضع مشير وصفًا نقديًا جميلً

للوضع الهايدغري، فقال: «الحال أن إثبات الهشاشة لا يبطل البتَّة السعيَ إلى الأصالة [...] ذلك لأن

العنصر البشري هو في ذاته موضع اختبارات عديدة، لا يحسن بنا بالتالي الإطاحة به متذرِّعين برغبتنا

في رد الاعتبار إلى الكون».

2. الإنسان العربي القرآني

وقد كان هايدغر صادقًا مع ذاته، إذ إنه غير معنيّ بالعلاقات القائمة بين الذات والآخر أو بين الذات

ومقتنياتها المعرفية الأثرية، بل كل ما يعنيه هو الانفتاح الجريء على الكون، كي ينبسط. والإجابةُ في مثل هذه المحاولة السائلة للكون لا يمكن أن تحضر وتظهر إلا إذا كانت بمستوى انفتاح السؤال، وهذا ما لم يحدث لهايدغر، لذا أبقانا في اجتراح فوَّهة العدم، لعل حضورَ الكون يشتدُّ فيجيب، ويتجاوز

في كلِّ حين. وفي آخر مواضع مجادلتنا لمشير، نعود معه إلى الإنسان العربي القرآني، والذي أظهر مزاياه الأنثروبولوجية المعرفية ووقعها الأنطولوجي في آخر فصل من الكتاب، فبدا له منقادًا خاضعًا غير قادرٍ على تحقيق ذاته، فهو مكبَّلٌ بالإسلام والاستسلام، وبالنص الديني «القرآن»! مع العلم أن هايدغر لم

ينتقص من قيمة الأنثروبولوجيا الأنطولوجية الإسلامية ولا الهايدغرية كذلك، بل هو يقابل المواقف، وهدفه العلمي هو أن «من شأن المعاملة بالمثل وحدها تخليص هذه المواجهة من الظلم الذي يصيب أحد الطرفين نتيجة علاقةٍ تتصف بالهيمنة الكلية لطرف على آخر». وقد خاض في هذه المعاملة استنادًا إلى أمرين تفرضهما طبيعة المناقشة لفكرين متقابلين هما الفكر الغربي/ هايدغر والفكر

(4((المرجع نفسه، ص.125 (4((المرجع نفسه، ص.129 (4((المرجع نفسه، ص.139 (((4 المرجع نفسه، ص.142

العربي/ الإسلام، هذان الأمران؛ «يتعلق الأول بوضعية الإنسان الفعلية [...] أما الأمر الثاني فإنه يرتبط بالعلاقات التي تقوم حاليًّا بين العالم العربي والعالم الغربي». يضع مشير نفسه أمام تحديات في القراءة، أولها تحدي مذهب المقارنة بين الثقافات، والذي يبدو مشير فيه غير توفيقي، بل هو جدِّيٌ في إظهار البين، ما يحتاج كما قال هو «التحلي باليقظة المفهومية الدائمة». من هذا التحدي نفهم أسلوبية مشير في المعالجة لقضية التقابل كاملةً في هذا الكتاب، فهو لا يدافع عن أحد، بل يحاول أن يجد مفهومًا يشرح له ثنائية التقابل الفكري العربي الهايدغري. من هنا، التحدي الثاني هو على مستوى النص القرآني الخاضع للتأويل، وهو يقول «الهيرمينوطيقا التي تتناول النص المقدَّس»، ولئن كانت هذه الهيرمينوطيقا على الطريقة الهايدغرية في تفكيك العقلانية المنطقية التمثُّلية إلى التأويلية التأمُّلية اللغوية صارمةً بهذا الحدِّ في القطع مع المنطلقات النظرية التي أدلى بها القرآن، فهذا سيتيح للعقل العربي التجاوزَ المعرفي لهذا النص «المقدس»، لكن على ما يبدو أن إبقاء المفهوم العربي «التأويل» أشد ملاءمة مع القرآن؛ ذلك أن أنطولوجيته تأسيسية في الذهنية العربية، وهي ليست للتجاوز كما حاولنا أن نُلمِح في هذه الدراسة القصيرة، بل هي مستوى مفهومي يصاقب سيرورة الذهن العربي. أما مسألة أن الشريعة من السماء ونحن على الأرض، فأين «وضعية الإنسان الفعليَّة» التي ذكرها مشير، فهذا هو موضوع الجدل أساسًا، والذي يخضعُ حِجَاجُه كاملً

لمفهوم الجُرأة التي يناضل الإنسانُ في إثباتها!؟ من هنا، إن التحدي الثالث هو تحدي تفسير الآيات وجعلها مجاوِزةً للزمان والمكان، أي صالحةً لأن تحكم كل اجتماع بشري، وهذا ما يكرِّس التأويل الدائم للنص كي «يحل محل التحليل الاجتماعي

الاقتصادي ومحل »[...]. والتأويل هنا كأنه إنطاقٌ إرغاميٌّ للآيات بما يجري من الحوادث. من هنا

التحدي الرابع الذي يحمِّل المسؤولية إما ل «المذهب الإسلاموي الصاعد» وإما ل «العقل الهيرمينوطيقي الإسلامي» نفسه، وهو إذ يشرح قليلً سبب ما سمَّاه «التكاسل الهيرمينوطيقي» الناجم عن تهافت سلطة الخلافة وعدم قدرتها على النظام السياسي الشامل، هو الذي عزَّز «الشرعنة العقلية» أي العقلية المستندة إلى الشريعة. هنا نجد مشير يفهم التكوين العقلي العربي بأنه تكوين جماعي، قائمٌ على مفهوم الجماعة المفكِّرة، والذي لا يعزِّز الحالات الفردية في التفكير؛ «الواقع أن بعدًا قائمًا على التسليم والاستسلام لمشيئة الله يندرج في صميم الرؤية الأنثروبولوجية الإسلامية، وهو بُعدٌ يحد من نشاط الذاتية الفردية والحرة».

(((4 المرجع نفسه، ص.143–142 (4((المرجع نفسه، ص.144 (4((المرجع نفسه. (4((المرجع نفسه. (4((المرجع نفسه، ص.145 (4((المرجع نفسه، ص.146 ((5(المرجع نفسه، ص.145

وعندما نعاين قوة الحال الفردية الهايدغرية في كشف الكينونة، والمكانة المهمة للتجربة الذاتية مع الكون، وندرسها بمصطلحاتها، علينا أن ندرس التجربة المعرفية القرآنية العربية بمصطلحاتها، وليس أن نقترح لها صورةً تؤطرها. ما نقصدُه هنا، ليس الدفاع عن الإسلام في وجه هايدغر، ولكن تعقُّب مواضع الجرأة عند الطرفين، لذا من العلميَّة أن نحَكِّمَ عقلَ العرب ولغتَهم بأي إنتاجٍ يصدرُ عنهم؛ خاصةً أن

النص القرآني منتجٌ لغويٌّ. و«اللغة بيت الكينونة» بحسب هايدغر! نعم وهي كذلك، فلمَ لا تكون

بيتَ الكينونة حين نريد أن نفهم العقل العربي؟ اللغةُ هي المعطى التاريخي الواضح الذي يقدِّمُ نتيجةً علمية على مستوى الحفر المعرفي، أو البحث الأركيولوجي التأويلي الهيرمينوطيقي الشامل. فالتاريخ السياسي يكتُبه المنتصر، أما اللغةُ فيكتبُها مستخدموها المتمكِّنون من وعي ثقافة لسانهم، منتصرين

كانوا أم مهزومين، فهي بيانُ تقرير واقع الحال، ولا تنداح المعاني إلى غير ما وُضِعت له، فهي تخضع

لمنطق الزيادة في المعنى لكن لا تخضع لدلالات ناقصة أو لانعدام الدلالة. اللغة فعلٌ لا ينتهي وهجه الحضوري إلا بانتهاء الفاعلين، لذا هو من الأهمية بمكان، على مستوى فعل الكينونة، إذ فيه إثباتٌ لحضور الفاعل بفعله في الوجود المفعول فيه. إن ما فتح كلامنا على نافذة اللغة هو أن مشير لم يستخدم أي تفسير لُغويٍّ لآية أو كلمةٍ من آيات القرآن،

بل اكتفى بوضع الآراء والافتراضات على الآيات انسجامًا مع رأي قبلي تقليدي في الدين، وهو أن

المجتمع الديني يكون كالآتي: سيد الكون هو الله، والإنسان خاضع لا يقدر أن يفعل شيئًا سوى خدمة الله، هذا الله ساحرٌ قويٌّ قادر على كل شيء، لذا إن الخوف يقتضي أن تفكر الجماعة دائمًا في

إرضائه، الله مقرر البداية والنهاية، وهو محيي الكون ومدمره وقت ما يريد، الله يحكم المكان والزمان، فالإنسان لا يصبح إلهًا، أي لا يمكن أن يكون سيد ذاته، فلا يمكن له أن يعلو فوق الله، فالله فوق كل شيء. وقد أورد عبارات مثل: «على الإنسان أن يقر قبل أي شيء بسلطان الله المطلق على الكون/ سحر إلهي/ الفطرة [...] التي تهيئه مسبقًا للتسليم ‘بالطبع’ لمشيئة خالقه/ طائعين»، ولم يبحث لا معنى الفطرة ولا الطبع ولا الطاعة ولا الدين، وهذا ما يؤدي إلى انزياح عن الدقَّة التي يتَّسم بها هذا الكتاب. ويصل إلى خلاصة تخيِّبُ النظرة إلى الإنسان المسلم لأن «المقصود بالإنسان كائن ضعيفٌ

هلوهٌ وعقوقٌ وقد أغدق الله عليه الخيرات. إنه يلحق الأذى بنفسه ويجهل الوقوف على الآيات التي يعرضها الله عليه ليدركها». إن الدين بمفهومه التاريخي هو هذا الذي ينطلق منه مشير، نعم هناك إله حاكم وإنسان محكوم، والعلاقة خضوع. لكن هنا نسأل، من دون أن نرجع إلى رأي أحدٍ من المفسرين ولا المفكرين النهضويين لا شرقيُّهم ولا غربيُّهم، ما الحاجة إلى الإسلام والقرآن طالما أن مفهوم الدين واحدٌ وعابرٌ للثقافات؟ ما

الذي تغيَّر مع محمد ولم يكن مع المسيح ولا موسى، أو بالأحرى ما الذي تغيَّر في الرؤية إلى العالم

مع قرآن محمد ولم يكن يملكه هُبَلُ عمرو بن الحكم (أبو جهل)؟ وهل يعقل أن يقول رجلٌ واحدٌ ما

يجب أن يكون عليه الكل، وكيف تلقت العقول السامعة للقول هذا القول؟

((5(انظر: «الأساس القرآني للأنثروبولوجيا العربية»، في: المرجع نفسه، ص.149–146 ((5(المرجع نفسه، ص.149

يجب أن نراقب مشهد الإسلام من خارج فيلم «الرسالة»، ومن خارج التصوير البسيط لإسلام الصحابة ولمظاهر السيوف اللامعة بسبب قوة الإضاءة في الفيلم خلال تصوير الفرسان في المعارك والتي ترافقها التكبيرات والهتافات الحماسية. هل يعقل أنه لم تجرِ جدالات طويلة وأخذ وردٌّ بين محمد وصحبه؟ هل الإسلام انبهارٌ بالقول أم قولٌ ينتظره الهاجس فيه ليلَ نهار؟ القرآن نصّ عربيّ، أي هو فهمٌ عربي للدين، ولو أن الدين ليس حاجةً اجتماعية لانتفى بذاته. لكن كل

الأيديولوجيات والأفكار والفلسفات هي مؤثرات في صياغة الدين، فلا دينَ بلا إنسان الدين. الله ليس

موجودًا مُرعِبًا للعرب، فهو ليس أبولو أو زيوس اليونانيين، وليس هرقل نصف الإله ونصف البشري.

العرب كانوا يتعبَّدون لأصنامهم لتقرِّبهم إلى الله زلفى. فهي ليست الآلهة الواجدة للكون، لذلك تعالى

عليها العربيُّ بمفهوم الله الخالق لكل شيء؛ فالقرآن استجابةٌ لهواجسه. أما شكل العلاقة بين الله

والبشر، فهو الذي يشرحه القرآن في الآيات، ليكون كل إنسانٍ بذاته محدِّدًا نوعَ علاقته بربه، والمقياس في كل الآيات هو العلم والتفكر والتدبر والعقل. لذا، إن الله ليس الحاكم العسكري للكون عربيًا، بل

هو القدرة التي تخلِّص الإنسان من الدين غير العلمي لأشياء الكون إلى الدين العلمي لمكوِّن هذا

الكون. وإن صور العذاب والنار والجنة والهلاك والفوز يجب عدم إخراجها من عقل الناظر فيها، فهي ملكه، يعيشُها في لغته المحكية، وإلا فلماذا هو مطالبٌ بفهمها؟ لذا إن الخضوع والانقياد والتذلل، أي الدين، بحسب القرآن لا يكون بالقضاء على الإنسان في سبيل الله، فالله هو مخلِّص الإنسان من انقياده غير المبرر لقوى تمنعه من أن يكون إنسانًا، لذا عليه العودة إلى ذاته ليعرف قدرتها على الإيمان. وهذا الهمُّ جماعي ليس لأنه يلغي الفردية، بل لأنه هم مشترك

في أن نتخلَّص من خضوعنا لما هو دون ذواتنا الإنسانية. فالتعقُّل والتفكُّر وغيرهما من أفعال الذهن لا يمكن أن تتم على نحو جماعي، فهي إجراءات فردية، غير أن القرآن يخاطب الناس بأن يمارسوها كونهم الجماعة المخاطبة التي من شأنها أن تؤمن إذا مارستها. إذًا، ليس لنا الحق في أن نفترض الإنسان المسلم هو الضعيف في العيش المعرفي القوي، ولا هو الخاضع لله بلا إرادة، وكأن الله قوة سالبةٌ للعقل، وكذلك علينا فهم الهمّ الجماعي على أنه فرديٌّ

تحوَّلَ إلى جماعي. وقوة الحضور الجماعي للقول هي التي تمكّنه من الاستمرار. أما محاسبة الإسلام

بما يقوله الفقهاء والإسلاميون الأيديولوجيون فهذا افتراء على الذهن العربي كله، لأن القرآن ليس مقدَّسًا مجمَّدًا ينتقلُ كالصخرة من مكانٍ إلى آخر، بل هو لغةٌ لا نزال نتكلمها، لذلك هو موجود

معاصر، وديمومة البحث فيه ليس لأن نستبدل به دستور الأمم المتحدة، بل لأننا نحن نفكِّرُ في الكون

بهذا القرآن. لذلك، أشار مشير إلى الفرق في مفهوم العقل بين الإغريق والعرب، فالعقل في العربية هو الربط، وقد قرنه مباشرةً بالله، بينما العقل اللاتيني والإغريقي لا يفيد الربط بل تعداد الأشياء واحتسابها، وهايدغر

(5((«الدَّالُوَالْيَاءُ وَالنُّونُ أَصْلٌ وَاحِدٌ إِلَيْهِيَرْجِعُ فرُوعهُ كلُّهَا. وَهُوَ جِنْسٌ مِنَ الِنْقِيَادِ، وَالذُّ لِّ. فَالدِّينُ: الطَّاعَةُ، يُقَالُدَانَ لَهُ يَدِينُ دِينًا،

إِذَا أَصْحبَ وَانْقَادَ وطَاعَ. وقَوْمٌ دِينٌ، أَيْ مُطِيعُونَ مُنْقَادُونَ»، انظر: ابن فارس، ج 2، ص 193، مادة (دين.)

بالمناسبة يعتبر «أنه قلما يساعد اللوغوس Logos) (الإغريقي على إقبال حقيقة الكون ». هايدغر يرفض تحديد وظيفة المفهوم قبل أن يكون هو في تجربة إنجازه ذاتيًّا، وهذه هي الجرأة الفردية التي يحاول

الكتاب الإضاءة عليها من أول كلمة. لذلك، إن مقابلة التجربة الهايدغرية بالتجربة العربية الإسلامية، ليست لتحديد أيهما أجدى في فهم الكون، بل لتثبيت مواضع الجرأة في التجربة الإنسانية الفلسفية في رؤية العالم. والفردية الذاتية في فعل الكون عند هايدغر هي كونه غير ملتزم بخطاب يحدد له سيرورة اقتباله للكون، أما العربي فهو يحمل خطابًا يحدد ربطَه بالكون. إذًا، العقل العربي قائمٌ أنثروبولوجيًّا على

صورةٍ أنطولوجية للكون قوامها الله والكون والإنسان، أما الأنثروبولوجيا الأنطولوجية الهايدغرية فهي تحاول العقلَ بتجربةٍ قوامها الذات في الكون؛ «والحال أن الحدين الأساسيين اللذين تنتسب إليهما هاتان الأنثروبولوجيتان هما الله والكون. وإن جهدت الميتافيزيقا الأنطولوجية واللاهوتية في إدخال الواحد في الآخر، فإن هايدغر أصرَّ، في ما خصَّه، على الفصل بينهما».

خاتمة

لازمنا في هذا الدراسة هَجْسٌ منذ البداية، قوامُه الفاعليةُ الإنسانية في الكونِ احتواءً لإمكان الفعل، أي

احتواءً لكل ما يمكن أن يصدُر منه ويكون مورِدَ معرفةٍ وإنجاز. ووجدنا أن ثنائية التقابل بين الإنسان

والكون هي الأخذ والرد، فكان أن وضعنا «الاقتبال» الإيجابي مقابل الرد الإيجابي الإبداعي أي «الانفلاق». لذا، إن الاقتبال مطاوعةٌ والانفلاق خلقٌ وبيان بما تفاعل معه الإنسان، فيكون به ظاهرًا.

وقد حاولنا فهم التلقي العربي لهايدغر من خلال كتاب هايدغر والفكر العربي، الذي عرض مظهر التفاعل العربي مع الفكر الهايدغري شارحًا الفرق بين الذهنيتين العربية والغربية الهايدغرية، فاعتبرنا

من جهتنا أن قراءة العربي لهايدغر قراءة إبداعية، واضعين كل الكدِّ في تحليل ما طرحه الكتاب من إشكالات في التلقي والفهم. بدأنا بالتسويغ لفكرتنا في القسم الأول من الدراسة وهو «إشكال الاقتبال» بالشرح لحدود المطاوعة، بحيث إننا نظرنا في المعنى القاموسي والصرفي والبلاغي لكلا اللفظين؛ اقتبال وانفلاق، فتبيَّنا إمكانات

التفاعل والاتخاذ والتصرُّف والتي في الإمكان مقابلتها بالانفلاق والخلق والظهور والبيان، واستنتجنا

من ذلك أن أي التقاء بالآخر يكون فيه بيانٌ للذات، أي تعبير للذات عن نفسها أيضًا. انتقلنا بعد ذلك إلى استعراض مظاهر الاقتبال العربي لهايدغر والتي أورد مشير عون منطلقاتها النظرية في المجال العربي الإسلامي، إذ حدَّها في ثلاثة اتجاهات فكرية، الإسلامي والتوفيقي والعلماني، معتبرًا أن الاتجاه العلماني هو الأكثر حريةً في اقتبال هايدغر، وبالنتيجة في التفاعل الإبداعي معه.

وقد وجد المؤلف أن التلقي العربي لهايدغر كان فرديًّا وليس ضمن مشروع فكري عربي موحَّد، وبرّرنا

ذلك بأنه متعلِّق بالمشهد الاجتماعي السياسي العربي الإسلامي، والذي ليس على رأي واحد في الرؤية إلى العالم.

((5(عون، ص.150 ((5(المرجع نفسه، ص.158

ثم من خلال هذا الوعي التأويلي لأنطولوجيا الآخر، والتي تُبدي المستوى النظري لفعل الكينونة الهايدغري انتقلنا إلى بحث المقارنة التي وضعها مشير بين الفكر العربي والفكر الهايدغري على المستوى الأنطولوجي، في ما يتعلق بمبحث الكينونة. فبحثنا في مكوِّنات الذّهن العربي للوجود

والعقلية البيانية القرآنية بالتحديد، مقابل تلك التي عند هايدغر، من خلال منظومةٍ تحليلية قوامها جدلية العلاقة بين الفعل والفاعل والمفعول. إذ تبيَّنا كيف أن الأنطولوجيا الهايدغرية قوامها الفاعل في

مواجهة المفعول، بينما الأنطولوجيا العربية قوامها الفاعل المفكر بالفاعل وهو يواجه المفعول. وقد عالجنا مفهومَي الهيرمينوطيقا والقراءة من خلال استعراض المجال الكوني وقدرة الفاعل فيه، وكيف أن القراءة قدرة للإنسان في البيان، فلئن كانت التأويلة الغربية قدرة على الكون والحضور والانفتاح باعتماد نسيان الكينونة، أي البداية من الكينونة الآن، فإن العقلية المقتبلة لهايدغر ليست مقموعةً بالقرآن، فالقرآن هو طريقة تفكير العربي في الكون، أي طريقة انفلاقه الخلقي في الكون. وحاولنا التسويغ بالمصطلح القرآني نفسه للعقل العربي الذي يتفاعل في هذا الكون، وأهمية اللغة في فسح المجال للكون. وبعد انتهائنا في القسم الأول إلى فكرة مؤداها إمكان كل إنسان في الإسهام في التفلسف، أي إن الفكرة أيًّا كان منشؤها فهي ملكٌ للجميع، معتمدين على استنتاجات المؤلف في هذا الشأن، والتي أقرت بأن «ما من فكرٍ فلسفي قادر وحده على الاستجابة لتعقيدات الواقع العصية على الحل»، انتقلنا إلى القسم الثاني لنعاين المظهرين الأنثروبولوجيين العربي والهايدغري، لعلنا نفهم جدلية الاقتبال والانفلاق على مستوى حقيقة الكون؛ أي الغاية من الوجود في الكون، وبالنتيجة من التفكر في الكون. عالجنا تمثُّل الكينونة كما يقصد هايدغر، محاولين التركيز على قضية الخروج من الذات لتحقيق الماهية المنجزة، أي فعل الكينونة الحقيقي الذي يعبّر عن الانهمام الدائم بالكون. بحيث يصبح الكون

جُودًا، وليس صورة تاريخية عن فكرتنا عنه. وهنا طرحنا سؤالً فَتْحيًّا، من باب إثارة إشكالية مقارنة

الرؤية المنهجية بين الفكر الهايدغري والفكر العربي، فسألنا: «ماذا لو قرأ هايدغر القرآن؟». ولئن كان الكون عند هايدغر مماثلً للعدم، فإن السير في الأرض للنَّظر كيف يبدأ الخلق هو منهجية تعرُّف الكون

قبل أي شيء؛ أي إن إعمال التفكر في الخلق هو الشرط للإيمان، وهو الشرط لتحديد الموقف من الكون. ووجدنا أن هايدغر كي يتمكَّن من القبض على لحظة الكينونة، لم يجد سوى الفسحة الشعرية، أي اللغة، لأن الغموض والارتباك هما مولِّدا الحجاج الهايدغري للكون. من هنا، اعتبر مشير أن «إثبات الهشاشة لا يبطل البتة السعي إلى الأصالة»، كي يبقى سؤال الكون مطروحًا، فلا نهاية للمحاولة. انتقلنا بعد ذلك إلى شرح كينونة المقتبلِ العربي نفسه، هذا الذي نعتبره مُنفلِقًا في الكون، لذا بدأنا بنقد رؤية مشير التقليدية إلى وضعية الإنسان العربي المتديِّن، باعتباره أسير الشريعة وأنه تحت سلطة الله، والنظر إلى الله حاكمًا عسكريًّا للكون. وأوضحنا من خلال اللفت إلى وظيفة الهيرمينوطيقا أنه في الإمكان النظر في كينونة العربي نظرةً تأسيسية، بدل الحكم عليه بأنه ذو تفكير جماعي غير مبدع، وهو غير قابل للحالة الفردية للإبداع، وأوضحنا أن التوحُّد في سبيل الإبداع كل مكوِّناته من التفكير

الجمعي. لذلك يجب النظر في القرآن نفسه، وليس في أقوال الفقهاء، كي تنجلي الذات العربية الفاعلة في الكون. وأقمنا بعد ذلك مقارنة بين مفهوم العقل يونانيًا باعتباره حساب علاقات، ومفهومه عربيًّا

باعتبار وظيفته في الرَّبط والعقد لما في الذهن، أي لما انجمع فيه من علاقته المعرفية بالكون. وخلصنا

مع المؤلف الذي صرَّح بحدَّين أساسيين في الأنثروبولوجيتين العربية والهايدغرية، وهما الكون والله،

هما مجال تصرُّف الإنسان معرفيًّا، لذا لا إمكان للانحياز لرؤية دون أخرى، فكل الرؤى هي في سبيل

الحقيقة. إذًا، إن جرأة هايدغر رأيٌ في الكون، وما أروع كلمة رأي العربية هذه، ورؤية القرآن رأيٌ في الكون، وما الإنسان إلا هذا الكائن الرائي، وما الخلاص النهائي سوى السلام النهائي، الذي يمكن رأيي من التفاعل مع رأي الآخر، لعل الإنسان يظل مبدعًا فاعلً في الكون، مقتبلً منفلقًا في هذا الفلق الخلقِ الهائل، فلا أحد يمنع لسانًا من بيانٍ ولا مفهومَ يمنعُ مفهومًا من حضور. وهذا ما ختم به مشير عمله

بقوله «الاحترام العنيد»، الذي يؤكِّد منهجيةَ الاهتمام النظري بمادة البحث، ما يولِّدُ دوام الانهمام المعرفي بالذات والكون، فما السلام إلا إمكان الكلام.

References

المراجع

ابن سباع، محمد. تحولات الفينومنولوجيا المعاصرة: مرلو–بونتي في مناظرة هوسرل وهايدغر. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.0152 الاستراباذي، محمد بن الحسن. شرح شافية ابن الحاجب. تحقيق محمد نور الحسن ومحمد الزفزاف ومحمد محيي الدين عبد الحميد. بيروت: دار الكتب العلمية،.1975 سعيد، جلال الدين. معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية. ط 5 دار الجنوب. تونس:،.2016 سيف، أنطوان. مصطلحات الفيلسوف الكندي (بحث تحليلي). بيروت: منشورات الجامعة اللبنانية،

عنبر، محمد. جدلية الحرف العربي وفيزيائية الفكر والمادة. دمشق: دار الفكر،.1987 عون، مشير. هايدغر والفكر العربي. ترجمة إيلي أنيس نجم. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 كموني، سعد. العقل العربي في القرآن. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2005. كموني، خالد سعد. فلسفة الصرف العربي: دراسة في المظهر الشَّيمي للكينونة. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2017. هايدغر، مارتن. «الكون والزمان». ترجمة موسى وهبة. مجلة فلسفة. العدد).2003(1

((5(المرجع نفسه، ص.164