مدخل إلى دراسة تاريخ الفكر الأخلاقي في مصر في سياق مشاريع الإصلاح والنهضة
Introduction to the Study of the History of Ethical Thought in Egypt in the Context of Reform and Renaissance Projects
الملخّص
يؤرخ هذا البحث للتفكير الأخلاقي في مصر منذ نهايات القرن التاسع عشر، للوقوف على دوافع استعادة السؤال الأخلاقي وسياقاتها من جهة، ولمعرفة التوجهات والأطر المرجعية التي ساهمت في هذا التحول أو نَتَجت منه من جهة أخرى. ويأتي تحديد هذه الحقبة الزمنية؛ لأنها تمثل اتجاه النهضة في الفكر العربي من جهة، وتتزامن مع حركة إحياء التراث العربي ونشره من جهة أخرى، وذلك بهدف استكشاف أبعاد أخرى للإصلاح بعيدًا عن التوجهات الفقهية والمقاصدية التي لقيت الكثير من الاهتمام.
Abstract
Abstract: The twentieth century saw committed involvement in the field of ethics, as demonstrated in the number of edited manuscripts, translated works, and newly published studies. These helped to shift the emphasis in ethics from an exclusive focus on «traditional practical ethics» which dominated the field for centuries to theoretical and philosophical investigations. This paper gives a historical overview of the developments which took place in the field of ethics in modern Egypt, beginning at the end of the nineteenth century. The author explores the motives behind this new interest in the field and the broader context. Additionally, the study examines the key trends and directions that influenced these developments or were actually produced by these developments. This historical period was specifically chosen because it represents the Arab Nahda , a time when interest in centuries-old Arabic heritage was revived. The aim here is to discover new dimensions of the reform movement away from the juristic and maqasid -oriented endeavours, which have already received much attention.
- الفكر الأخلاقي
- مصر
- الإصلاح
- الفلسفة الأخلاقية
- Ethics
- Ethical Thought
- Reform
- Modern Egypt
- Moral philosophy
مقدمة
على الرغم من كثرة الدراسات حول حركة الإصلاح وأفكارها ومنظريها3، فإن الجانب المرتبط بالفكر الأخلاقي يكاد يكون غائبًا عن الكتابات التي تناولت مشروع الإصلاح4. يجادل هذا البحث بأن النقاش الأخلاقي الفلسفي مثّل جزءًا أصيلً من مشروع الإصلاح، وبأن الأعمال التي أخذت هذا المنحى قدمت تصورات وجوانب متميزة لم ينتبه إليها الذين أرخوا لحركة الإصلاح، إذ ركّز كثيرٌ منهم على الأبعاد الفقهية والمقاصدية. وسبق لبعض الكتابات التي خُصصت لدراسة «العقل الأخلاقي العربي»5 أن أقرت بأننا نعاني في المكتبة العربية الحديثة «شبه فراغ في مجال التأريخ للفكر الأخلاقي في الإسلام»، ولكنها حين حاولت أن تقف على «الوضع الراهن للتأريخ للفكر الأخلاقي» قصّرت في استيفاء ما سمته «الوضعية الراهنة التي يوجد عليها التأريخ للأخلاق في الثقافة العربية الإسلامية»، وهو ما سيتضح من خلال هذا البحث الذي ينتمي إلى حقل تاريخ الأفكار، ويسعى لتأريخ التفكير الأخلاقي في مصر منذ نهايات القرن التاسع عشر للوقوف على دوافع استعادة السؤال الأخلاقي وسياقاتها من جهة، ولمعرفة التوجهات والأطر المرجعية التي ساهمت في هذا التحول أو نتَجت منه من جهة أخرى، وهو تاريخ فكري مجهول في كثير من أجزائه. ويأتي تحديد هذه الحقبة الزمنية؛ لأنها تمثل اتجاه النهضة في الفكر العربي من جهة، وتتزامن مع حركة إحياء التراث العربي ونشره من جهة أخرى، وذلك بهدف استكشاف أبعاد أخرى للإصلاح بعيدًا عن التوجهات الفقهية والمقاصدية التي لقيت الكثير من الاهتمام. ولا بد من توضيح أن التأريخ للأفكار لا ينشغل بنصرة فكرة على أخرى، وإنما برصد التطورات الفكرية وإعطاء كل فكرة حقها ومستحقها؛ وفق معايير منضبطة تَمثلت، في هذا البحث، في الجماعة العلمية
والتآليف والترجمات والمقالات المركزية خلال المدة المحددة. وفي تاريخ الأفكار لسنا معنيين بالصياغة الأخيرة والنهائية فقط لكاتب ما؛ فتطور فكره جزءٌ من سياق أوسع؛ ذلك أن التأريخ هنا إنما يكون للأفكار لا للأشخاص. وقد رأى الباحث أن الخوض في تدقيقات المفاهيم ليس مجاله هنا في بحث مخصص لتأريخ التفكير الأخلاقي في شقيه: النظري الفلسفي والتطبيقي المتصل بالتمدن والنهوض؛ لأن الباحث مقيد ببحث تصورات هؤلاء الفاعلين للأخلاق وحدودها ووظيفتها. درَجت الأزمنة الكلاسيكية على اعتبار الأخلاق جزءًا من «الحكمة العملية» التي تشتمل على ثلاثة فروع، هي: سياسة الذات (علم الأخلاق)، وسياسة العامة (السياسة)، وسياسة الخاصة (تدبير المنزل)، وهو تَصوُّر يستند إلى الموروث الفلسفي اليوناني6. وعلى الرغم من أن التراث الإسلامي شهد مناقشات كثيفة ومتنوعة تنتمي إلى المجال الأخلاقي وتتوزع على فنون عدة، كعلم الكلام والتصوف والفقه وأصول الفقه والآداب، فإننا لا نجد تأسيسًا نظريًّا لعلم مستقل اسمه علم الأخلاق، بل إن القرون المتطاولة التي تفصل بين أبي إسحاق النديم (ت. 80990/3 هم) وحاجي خليفة (ت. 1067 ه 1656/م) لم تؤثر في تَجاوز ذلك التصور الفلسفي اليوناني؛ أي إن تصنيف الأخلاق داخل سلّم العلوم والمعارف وقف على أرضية التصور اليوناني الذي يجعل الأخلاق فرعًا من فروع الفلسفة. أما النقاشات الإسلامية حول الأخلاق فيمكن تقسيمها إلى ثلاثة مستويات: أولها: النقاشات المتنوعة التي تتغلغل داخل العلوم الإسلامية المشار إليها سابقًا. ثانيها: الكتابات الفلسفية المستقلة التي تحذو حذو أرسطو أو أفلاطون أو جالينوس، كما نجد في كتابات أبي بكر الرازي (ت. 20932/3 هم) وأبي نصر الفارابي (ت. 9950/33 هم) وأبي علي مسكويه (ت. 211030/4 هم) وأبي علي بن سينا.(ت 281036/4 هم) وأبي الحسن العامري (ت. 81991/3 هم) وغيرهم. ثالثها: الكتابات التي تعالج الجانب السلوكي أو تقدم النصائح العملية لتقويم أخلاق الناس وتصرفاتهم وخصالهم7. ولكننا لا نجد في القرون اللاحقة إسهامات مهمة في فلسفة الأخلاق8، فحتى نقاشات النهضويين العرب في القرن التاسع عشر والتي كانت تدور حول الدعوة إلى الإصلاح الأخلاقي، وفساد القيم الاجتماعية، وتقويم المناهج التربوية، ونقد العادات السائدة، لم تُسفر عن مصنف فلسفي عربي واحد عن القيم الخُلقية9، ولكن الأمر اختلف منذ مطالع القرن العشرين، إذ شهدنا اهتمامًا ملحوظًا بالدرس الأخلاقي ما بين نشر وتحقيق وترجمة ودراسات مستقلة تنحو مناحي شتى؛ أي إن التفكير الأخلاقي خرج من الجانب السلوكي العملي الذي طبَع الكتابات الأخلاقية لقرونٍ خلت إلى المستوى النظري والفلسفي.
أولا: التفكير الأخلاقي والتحولات الفكرية داخل مصر وخارجها
مثّلت البعثة التي أرسلها محمد علي باشا إلى فرنسا بداية اكتشاف التمدن الأوروبي عن قُرب، فقد كان الهدف منها تحصيل «العلوم المفقودة» بتعبير شيخ البعثة الأولى إلى باريس رفاعة رافع الطهطاوي.(ت 1873)10، الذي هاله حجم التمدن الأوروبي، وراح يدوّن مشاهداته وتأملاته ومقارناته، ويبدو من خلال كتاباته أنه شعر بتحدٍّ رئيس وهو انفصال حركة التمدن الحديث عن الإسلام الذي يعبّر عن مشيئة الله وإرادته، وهي المعضلة التي ستظهر في مناسبات عدة من كتبه، منها أن تلك البلاد «مشحونةٌ بكثير من الفواحش والبدع والضلالات»، ولكنها في الوقت نفسه «من أحكم بلاد الدنيا وديار العلوم البرانية» وأَعْدَلها، وبلغت «غاية البراعة في العلوم الحِكَمية»11. وقد دفع هذا الطهطاوي إلى محاولة المواءمة بين الأمرين عبر التمسك بمعيار «الأمور الشرعية» مع الاقتباس عن هذا التمدن ومعارفه التي جاء لتَعلُّمها أصلً، وسيستمر هذا التوتر بين الإسلام والمدنية الحديثة لدى جيل محمد عبده (ت. 1905) ومدرسته؛ أي إن النهضويين لم ينشغلوا بالمسألة الأخلاقية، وإنما انشغلوا بالتمدن والمعارف الحديثة مدفوعين بهذا التوتر الداخلي. وبناءً على ما سبق، انكبّ الطهطاوي ونهضويو القرن التاسع عشر على قراءة الكتابات الفرنسية وترجمتها، خصوصًا ذات الصلة بالتمدن وأسرار نهضة الأمم. ومن اللافت أن الطهطاوي قرأ عن «الحقوق الطبيعية» و«روح الشرائع»، وحين وصف مذهب الفرنسيين وتلك الكتب التي قرأها لم يجد تعبيرًا يُعبّر به عنها إلا أنها تقوم على مذهب «التحسين والتقبيح العقليَّين»12، وهو مصطلح كلامي إسلامي يحيل إلى المذهب الذي عُرف به المعتزلة في القرن الثاني الهجري، وإن كان الطهطاوي يرفض هذا المذهب13، فإن محمد عبده سيوليه أهمية فيما بعد ويميل إليه في «رسالة التوحيد»14؛ أي إن التفكير بالتمدن الأوروبي تم من مدخل كلامي – فقهي توسَّع لاحقًا ليشهد سجالً حول دعوى أن الإسلام ديانة مضادة للتمدن، وهي المسألة التي «شحنت الجو الفكري الإسلامي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين»15، والمثال الأبرز هنا كتاب محمد عبده الآخر الإسلام والنصرانية16. هذه الشواغل: المدخل الكلامي، ومركزية التمدن وتَوافقه مع الإسلام، والسجالات بين المسيحية
والإسلام، وعلاقة الإسلام بالعلم وبالفلسفة، حالت دون بروز نقاشات فلسفية تتصل بحقل الأخلاق، خصوصًا أن دراسة الفلسفة كانت من الأمور المحظورة في الأزهر في العهد العثماني17. وقد بدا من كتابات النهضويين أن ثمة اعتقادًا بأن الأمور الأخلاقية لا تخرج عن الأوامر والنواهي الشرعية، كما نجد لدى الطهطاوي ومحمد عبده وأحمد فارس الشدياق وآخرين. ولكننا سنشهد منذ مطالع القرن العشرين اهتمامًا ملحوظًا بالكتابة الأخلاقية الفلسفية، ويمكن رَدُّ هذا التحول إلى عوامل متعددة يجمعها أمران رئيسان: الاحتكاك بالفكر الأوروبي عبر وسائل مختلفة كالبعثات والترجمة والتعليم، وتفاعلات السياق المصري الداخلي.
1. الاحتكاك بالفكر الأوروبي وتأثيراته
تركت البعثة الأولى التي أرسلها والي مصر محمد علي باشا (ت. 1849) إلى فرنسا برئاسة رفاعة الطهطاوي تأثيرات مهمة. وكان من نتائجها إنشاء «قلم الترجمة» برئاسة الطهطاوي في عهد الخديوي إسماعيل سنة 1863. وعن قسم الترجمة هذا، صدر العديد من الكتب التي قرأها المصريون في التمدن والأخلاق والقوانين والتشريعات الفرنسية. أطلعت الترجمة المصريين على أفكار ومعارف جديدة ربما كان لها أثر في حماسة بعض الشباب للدراسة في فرنسا، إضافة إلى التوجه العام إلى الدولة، وقد أثرت الإرساليات والبعثات العلمية اللاحقة في بعث الدراسات الفلسفية في الثقافة العربية، فقد نشأ جيل درس في فرنسا وتتلمذ على بعض كبار مفكريها واطلع على الفلسفات الأوروبية السائدة في القرن التاسع عشر. وفي هذا الإطار سافر مصطفى عبد الرازق بصحبة أحمد لطفي السيد إلى فرنسا سنة 1909، وحضر بعض دروس إميل دوركهايم (ت. 1917)18، وسيكون لهذين الاسمين لاحقًا تأثير مهم في الثقافة المصرية في اتجاهين مختلفين: اتجاه الأصالة الإسلامية الذي سيمثله عبد الرازق الذي سيصبح شيخًا للأزهر فيما بعد، والاتجاه الليبرالي الذي سيمثّل السيد أبرز رموزه في مصر، وكلاهما سيترك تأثيرًا مهمًّا في جيل كامل. إضافة إلى ذلك، درس منصور فهمي (ت. 1957) على ليفي بريل (ت. 1939) وتأثر به، وسنشير لاحقًا إلى أثر ذلك في نشوء الاتجاه الاجتماعي في الأخلاق. كما ترك لويس ماسينيون (ت. 1962) تأثيرًا في نخبة من المصريين ممن أشرف عليهم في فرنسا كعبد الحليم محمود (ت. 1978) ومحمد يوسف موسى.(ت 1963) ومحمد عبد الله دراز (ت. 1958)، أو ممن درّسهم ماسينيون سنتي 1913–1912 في
الجامعة المصرية الناشئة، حيث كان من بين تلامذته فيها: منصور فهمي، وطه حسين (ت. 1973) وغيرهما ممن أصبحوا من أعلام الفكر النهضوي المصري لاحقًا19. وقد كان لتلك النقاشات الفلسفية الأخلاقية التي شهدتها فرنسا منذ نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين أثرها في طلاب الفلسفة المبتعَثين. وقد سَجّلت مناقشات الجمعية الفلسفية الفرنسية جزءًا منها سنة 1906، إذ كان يدور بعضها حول معيارية الأخلاق واتصالها بالدين، وهي الأجواء التي ظهر فيها الاتجاه الاجتماعي في الأخلاق، وهو اتجاه ظهر في وقت اضطرب فيه التفكير بالأخلاق، كما سنوضح لاحقًا في الكلام عن التوجهات الأخلاقية20. ومن المؤثرات البارزة أيضًا: نشوء التعليم الجامعي في مصر الذي ساهم في تدريس الفلسفة، ومن ضمنها فلسفة الأخلاق؛ فقد أنشئت الجامعة المصرية سنة 1908 ورَأسَها أحمد لطفي السيد الذي ترجم كتاب أرسطو في الأخلاق عن الفرنسية، واستقطبت بعضَ المستشرقين للتدريس فيها كماسينيون الذي درّس فيها الاصطلاحات الفلسفية سنتي 1913–1912، ودي جلارزا (1938–1878) الذي درّس خلال الفترة 1920–1913 وقدّم في محاضراته مقدماتٍ تمهيدية في التعريف بالأخلاق وأهمّ فلاسفة القرن الثامن عشر، كما قدّم فيها فلسفة إيمانويل كانط من خلال نقد العقل العملي وتحليله21، وكذلك أندريه لالاند (ت. 1963) الذي تخرج على يديه الفوج الأول من طلاب قسم الفلسفة في الجامعة المصرية، وقد ترجمَ محاضراتِه التي ألقاها في العشرينيات أحمد حسن الزيات.(ت 1968) ويوسف كرم (ت. 1959) وراجعها طه حسين، وفي المحاضرات يتحدث لالاند عن الأحكام التقويمية وعن مسائل تتصل بفلسفة الأخلاق22. ابتعثت الجامعة المصرية فيما بعد نخبةً من طلابها إلى فرنسا ليكوّنوا النخبة التعليمية لاحقًا، وفيها ألقى سلطان بك محمد سنة 1911 محاضرات عن الفلسفة العربية والأخلاقنُشرت لاحقًا في جزأين: الأول عن الفلسفة العربية والثاني خصصه لفلسفة الأخلاق. وقد شهدت عشرينيات القرن العشرين كتاباتٍ عدة حول فلسفة الأخلاق التي تحولت إلى مقرر دراسي، حتى إن وزارة المعارف المصرية أدخلته في المراحل الابتدائية والثانوية، وكان أحمد أمين.(ت 1954) وأمين واصف بك (ت. 1928) من أوائل الذين كتبوا كتبًا مفردة عن الأخلاق خصصوها للطلبة. وسيتعاظم هذا الاهتمام حتى إننا سنشهد في الأربعينيات منزعًا إسلاميًّا خاصًّا بفلسفة الأخلاق بعد أن كان النموذج المهيمن في الكتابة هو النموذج الفلسفي الأوروبي، وخاصة الفرنسي، بسبب
المؤثرات السابقة، وسيتبدى هذا المنزع الإسلامي في كتابات محمد يوسف موسى الذي كان يدرّس فلسفة الأخلاق في كلية أصول الدين في الأزهر، وقد وجد يوسف كرم في كتابة موسى «طرافة» من حيث الفكرة والمنهج المقارن في الفلسفة وتوقّع أن يتم التأسي به، ثم في كتابات محمد عبد الله دراز الذي كتب مقررًا دراسيًّا في الأخلاق درَسه يوسف القرضاوي وأبناء جيله23.
2. تفاعلات السياق المصري
وفي السياق المصريّ لا يمكن فَصل هذا التفكير الأخلاقي عن تطورات حركة النهضة والإصلاح، فقد انشغلت النخبة الفكرية – وخاصة المعنيّين بالدراسات الفلسفية ممن يجمعون في ثقافتهم بين المعرفة التراثية والتكوين الفلسفي الغربي – بفكرة التربية الشاملة عبر بعث المعارف الأخلاقية من خلال التعليم الجامعي والمدرسي، وعبر نقاشات ثرية على صفحات المجلات البارزة في تلك الفترة كمجلات: الرسالة والمقتطفوالأزهر والهلالوغيرها، خاصة مع شيوع الضعف الأخلاقي وبروز الحاجة إلى نقد الثقافة السائدة وإلى «فلسفة جديدة» تنهض بالأمة المصرية، وهو الهاجس الذي نجده يتردد منذ مطلع القرن العشرين ولكنه يشتد كثافة في الثلاثينيات، وسنجد إشارات إليه لدى محمد أحمد جاد المولى (ت. 1944) ويعقوب قام وتوفيق الطويل وآخرين24، بل إن منصور فهمي ألقى محاضرةً في الجامعة الأميركية بالقاهرة تحدث فيها عن «الضعف الخلقي وأثره في حياتنا الاجتماعية» نشرتها مجلة الهلالفيما بعد25. ولا بد من الإشارة في هذا السياق إلى أطروحة الدكتوراه التي قدّمها زكي مبارك للجامعة المصرية سنة 1924 بعنوان «الأخلاق عند الغزالي»، والتي أثارت ضجةً في حينها وأشرف عليها منصور فهمي الذي عدّ زكي مبارك «خادمًا من خدام الإصلاح»، ولكن التوجه الإصلاحي للكتاب باهتٌ يكاد يقتصر على النزعة النقدية والتحرر من مرجعية الغزالي للثقافة السائدة من خلال التهجّم عليه ورفض منزعه الصوفي الذي وُصف بالاتكالي وغير العقلاني، وتحميله مسؤولية ضمور الفلسفة، كما أن الكاتب يقع في تناقض صارخ حين يُهدي كتابًا عن الأخلاق إلى الملك فاروق ويمهره بعبارة «عبدكم زكي مبارك». وعلى كلّ، ليس في كتاب الشاب زكي مبارك ما يبرر تلك الضجّة التي أثارها؛ فهي ترجع إلى أن «قلم الشباب قاسٍ شديد» – بتعبير أستاذه منصور فهمي – فقد تهجّم مبارك على الغزالي بألفاظ حادة ومناقشات لا تنتمي إلى لغة البحث العلمي، ووسم الغزالي وعصره بالسذاجة والغفلة؛ بسبب نزعته الصوفية «الغالبة على فهمه للأخلاق»، ورأى أن التصوف مذهب الأموات، وأن الغزالي أخطأ في فهم الكثير من أسرار الشريعة. ومع ذلك ثمة بعض الإشارات التي تستحق التأمل في كلام مبارك من قبيل قوله: إن «في القرآن حلً لأكثر المشاكل الأخلاقية [...] ويندر أن تجد مشكلة خلقية لم يُعنَ بحلها
القرآن، وفي الحديث توضيح وتتميم لما في الكتاب العزيز»، ولكنها لا تعدو إشارة عابرة فحسب، كشأن تعليقاته الأخرى26. ومما يعكس جانبًا من التفكير الأخلاقي في الثلاثينيات: المناقشة التي دارت على صفحات مجلة الرسالة، فقد كتب أحمد حسن الزيات مقالً بعنوان «ثورة على الأخلاق: هل الصلاح غير النجاح؟» أثار فيه على لسان شخصية متخيَّلة مشكلة أن الأخلاق قد تكون سبيل السعادة ولكنها ليست سبيل النجاح في الحياة التي باتت تَنزع إلى المادية والعملية، وقد أثار المقال نقاشًا مهمًّا شارك فيه، فيما بعد، عبد الوهاب عزام (ت. 1959) وأمين الخولي (ت. 1966) وعبد العزيز عزت. وقد رأى عزت أنه لا بد من مناقشة هذه المسألة بالاستناد إلى الفهم الفلسفي الذي ربما غاب، نسبيًّا، عن الردود والتعليقات السابقة27. ويضاف إلى تلك التطورات الأزمة الأخلاقية التي ظهرت في الغرب في أجواء الحرب العالمية الثانية التي سببت الكثير من الدمار والخسائر البشرية، وتركت آثارها في النقاشات الأخلاقية، ويمكن لنا أن نلمس ذلك مع ثلاث شخصيات مصرية على سبيل التمثيل، أولها النقاش الذي أثير على صفحات مجلة الرسالة، إذ كتب أحمد حسن الزيات سنة 1940 مقالً نقديًّا حول الحرب العالمية الثانية العارية عن الأخلاق مقارنةً بالأخلاقيات التي كانت تَحكم الحروب في الجاهلية والإسلام28، وثانيها مقال أحمد لطفي السيد الذي نشرته مجلة الهلالسنة 1943 بعنوان «کیف ینبغي أن تکون الأخلاق لتحقیق تعاون عالمي»29، تحدّث فيه عن فكرة «السلام الدائم» وإنهاء الحرب من منظور نقدي فلسفي، وثالثها أطروحة محمد عبد الله دراز عن أخلاق القرآن التي انتهى منها سنة 1947، وهي وإن خلَت من أي إشارة إلى السياق التاريخي، لكنها أنجزت في أجواء الحرب في باريس وفي ظل ظروف صعبة وهي لا تخلو من روح دعوية. فالشخصيات الثلاث تعبّر عن مواقف متباينة من السؤال الأخلاقي.
3. الجماعة العلمية والروابط الفكرية
من العناصر التي تستحق التحليل في التأريخ للأفكار متابعة ما نطلق عليه «الأسانيد الفكرية»، وإذا كان المحدِّثون قد تتَبعوا رواة الأحاديث وأسانيدها لنقد المرويات، فإنّ تتبعنا للأسانيد الفكرية هدفه الوقوف على مبلغ التفاعلات وعوامل التأثير والتأثر لرسم صورة قريبة عن البيئة الفكرية التي ساهمت في نمو الدرس الأخلاقي في مصر، خصوصًا أنه ثمة روابط تجمع بين شخصيات من مشارب فكرية
مختلفة: إسلامية وليبرالية، أزهرية وجامعية (نسبة إلى الجامعة المصرية)، مسلمة ومسيحية30، وهي إما روابط صداقة فكرية وشخصية أو تَلمذة أو تمزج بينهما، كما نجد في عثمان أمين (ت. 1978) الذي تتلمذ على مصطفى عبد الرازق وكان على صلة بلالاند، ومصطفى عبد الرازق تتلمذ على محمد عبده، وكما نجد في الصداقة التي جمعت بين يوسف كرم ومصطفى عبد الرازق ومحمد يوسف موسى، وكان من تلامذة يوسف كرم كلٌّ من عبد الرحمن بدوي (ت. 2002) وتوفيق الطويل (ت. 1991)، وقد عمل كرم مساعدًا للالاند في الجامعة المصرية سنة 1927، كما أن عثمان أمين حضر محاضرات كرم في الجامعة المصرية وتوثقت صلتهما كثيرًا لاحقًا، حتى إنه أهدى أحد كتبه إلى كرم31، وكان يوسف كرم يعمل على تأليف كتاب في الأخلاق في نهاية الأربعينيات، إلا أنه لم يتمكن من نشره فيما بعد؛ لأنه فقد مخطوطته إثر انهيار بيته32. لقد عكست هذه الروابط وغيرها إيمانًا راسخًا بالحاجة إلى فلسفة الأخلاق، وأنها «مصدرٌ للثقافة في مصر المعاصرة»33 – على حد تعبير توفيق الطويل – وهو المعنى الذي يتواتر في الكتابات المختلفة خلال النصف الأول من القرن العشرين. وكان يوسف كرم قد انتهى في تأريخه للفلسفة الحديثة سنة 1949 إلى القول: «إن عصرنا الحاضر – على تضارب الآراء فيه – تَوّاقٌ إلى فلسفة تكفل الأخلاق والدين»، فقد ضلَّ الأسباب الموصلة إلى ذلك، والتي من بينها: الإيمان بالعقل إيمانًا صريحًا والصلة بالوجود، ونتيجةً لغياب ذلك فقد أخفقت التجارب ونفدت الحِيَل34.
ثانيًا: التوجهات والمرجعيات الأخلاقية
لَفت الانفتاح على الفكر الأوروبي الانتباه إلى أنماط حديثة من التفكير، وأثمرت الأفكار الأوروبية أشكالً متعددة من التأثر والتفاعل لدى المصريين منذ القرن التاسع عشر، ولذلك سنلحظ وجود تطورات في معالجة الأخلاق والدور الذي تشغله من رؤى النهضويين وتصوراتهم، ففي البداية ستكون جزءًا من عملية التمدن وستأخذ شكلين: يركز أولهما على الإطار الديني والقيمي العام مع الطهطاوي، ويسعى ثانيهما لبناء تصور أخلاقي وفق التصورات الكلاسيكية مع محمد عبده. ولكن المشهد سيتغير مع الجيل اللاحق من المبتعثين الذين درسوا الفلسفة والأخلاق في فرنسا حيث سنشهد بروز الاهتمام بفلسفة الأخلاق في اتجاهات شتى ستعكس اهتمامات الأشخاص وخلفياتهم على نحو ينسجم مع نمطَي التعليم اللذين سادا في مصر الحديثة: التعليم الديني (الأزهر)، والتعليم المدني (الجامعة المصرية، ودار العلوم).
1. التمدن وعلاقته بالأخلاق
قرأ رفاعة الطهطاوي العديد من الكتب الفرنسية في علوم مختلفة منها الفلسفة والتاريخ والآداب، وقرأ عن أخلاق الأمم وسيرها، والحقوق الطبيعية، وروح الشرائع، والعقد الاجتماعي وغيرها35، وقد أولى تهذيب الأخلاق أهمية؛ إذ جعل للتقدم أساسين: تهذيب الخُلق على الفضائل الدينية والإنسانية، والنشاط الاقتصادي الذي يؤدي إلى الثروة وتحسين الأوضاع وإلى بحبوحة الشعب بكامله، فالثروة الوطنية هي نتاج الفضيلة، ولذلك كانت مصر مزدهرةً عندما كانت الفضائل الاجتماعية قويةً، ومفتاح الفضيلة هو التربية36. وكان من بين الترجمات التي اقترحها، بعد عودته من باريس، كتاب مونتسكيو «تأملات في أسباب عظمة الرومان وانحطاطهم»37، وفيه فصلٌ عن فساد أخلاق الرومان، وأن العقيدة الدينية تحمي الأخلاق في كل الأوضاع، وأن ميزة الرومان تكمن في أن العاطفة الدينية عندهم لا تنفصل عن الحميّة الوطنية، وقد لاءم هذا انشداده إلى عقيدته الإسلامية مع الاعتقاد بقدرة التشريع الإسلامي على التكيف مع مقتضيات التمدن الأوروبي، ورأى أن «محبة الوطن تؤدي إلى دماثة الأخلاق». دفع اكتشافُ التقدم الأوروبي طلائعَ النهضويين العرب إلى البحث عن أسبابه وعن علل تخلف المسلمين، ومن هنا كثر النقاش حول ماهيّة التقدم أو التمدن وعلاقته بالأخلاق وبتحصيل العلوم والمعارف. وقد ركّز النهضويون منذ القرن التاسع عشر على التربية والتعليم وإصلاح ما سموه «الهيئة الاجتماعية» التي تشمل العُمران والمدنية، وقد رأوا أن التربية هي الوسيلة الوحيدة الفعالة في تحصيل المناعة الداخلية ونيل الاستقلال الحقيقي. وترجع هذه الفكرة إلى كتاب أدمون ديمولان سر تقدم الإنكليز السكسونيينالذي ترجمه أحمد فتحي باشا زغلول تلميذ محمد عبده، ويَرد ذِكر الكتاب والاقتباس عنه في مواضع عديدة في مجلة المنار38. ولكن الأخلاق، رغم أهميتها عند ديمولان، هي كالبذرة لا تنمو في أي تربة، بل لا بد من النظر في خصائص الهيئة الاجتماعية التي تُعين على النهوض، فقد جادل لإثبات فكرة أن «المؤثر الأدبي» وحده غير كافٍ لإنجاز النهوض، محيلً إلى ضرورة القيام بإصلاح اجتماعي واقتصادي، وقد ذكر اثنتي عشرة علامة تدور على أن التربية يجب أن تؤهل الإنسان للاستقلال بنفسه وتحقيق خيره الشخصي كما هو حال الإنكليز39. عرف النهضويون العرب خلال هذه الحِقبة نمطين من التفكير الأوروبي، يرى أولهما أن المجتمع البشري يسير وفق سُنّة التقدم نحو طور مثالي كوني يتميز بسيطرة العقل واتساع أفق الحرية الفردية
وحلول العلاقات القائمة على التعاقد الحر والمصلحة الفردية محلّ العلاقات القائمة على العادات والأوضاع الراهنة، كما هو الحال مع أرنست رينان وسبنسر وإميل دوركهايم. في حين يرى الثاني أن ثمة طابعًا قوميًّا للتمدن وأن لكل شعب بنية ذهنية كالبنية الجسدية تتكون بالتراكم التاريخي البطيء40. يتجلى هذا النمط الثاني مع غوستاف لوبون الذي رأى أن الطبائع النفسية تصوغ روح الشعوب، ومنها يُنتزَع تاريخ الأمة ومدنيتها، وأن خلُق كل أمة هو علة تطورها في حياتها وهو الذي يقرر مستقبلها، وهو موجود على الدوام خلف العوامل التي فرضها الناس سببًا لأعمالهم، وهو الذي تقوم عليه المجتمعات البشرية وتؤسس الديانات وتُبنى الممالك41. سيمضي محمد عبده وتلامذته: قاسم أمين، وعبد القادر المغربي (ت. 1956)، ورفيق العظم.(ت 1925) وآخرون في اتجاه التركيز على تقدم الهيئة الاجتماعية وصلتها بالأخلاق. فالأخلاق، وفق رؤيتهم، أساسٌ ضروري لا يَقِل أهميةً عن القوانين والتشريعات التي يجب أن تتحكم في التربية الفردية والمجتمعية42. كان عبده متأثرًا بفرانسوا غيزو؛ فقد درّس كتابَه التحفة الأدبية في تاريخ تمدن الممالك الأوروبية43، وغيزو الذي كان ليبراليًّا محافظًا، أَولى الإصلاح الديني البروتستانتي أهمية في إحداث النهضة الأوروبية، وكان يرى أن التمدن يقوم على عنصرين: نمو الهيئة الاجتماعية (النمو السياسي والاجتماعي) ونمو الإنسان ذاته (النمو الباطني والأخلاقي) وأنهما متلازمان؛ فكل تغيير في الهيئة الاجتماعية يعود بالنفع على الأفراد وبالعكس، والتغيير الخارجي مرتبط بالتغيير الباطني44. قصَر غيزو حديثه في هذا الكتاب على العنصر الأول فقط وهو نمو الهيئة الاجتماعية في الممالك الأوروبية، ولكنه وعد بالحديث لاحقًا عن العنصر الثاني للتمدن وهو نمو الفرد ذاتيًّا، وأنه سيركز على فرنسا فقط التي كانت تمثل طليعة التمدن الأوروبي في زمنه، ولعل هذا يساعدنا على فهم أسباب نمو النقاشات الأخلاقية في فرنسا خصوصًا التي ستتحول فيها التربية الأخلاقية إلى مقرر دراسي، وستلجأ وزارة المعارف المصرية لاحقًا إلى ترجمة بعض هذه المقررات. وعلى الرغم من أن مكتبة محمد عبده كانت تحتوي على مراجع أوروبية تتصل بحقل الأخلاق مثل «إميل» لجان جاك روسو، و«دروس الأخلاق» لماريو، و«مسائل الأخلاق التطبيقية» لبويي، و«الحرب والسلام وثمرات العلم» لتولستوي، و«قواعد الأخلاق النشوئية والتربية» لسبنسر45، فإن الرؤية الأخلاقية التي كانت توجِّهه مستمدة من الفلسفة الكلاسيكية؛ فقد كان يدرّس كتاب تهذيب
الأخلاقلمسكويه، وحاول إدخاله في البرامج الرسمية46، وراجعَ بعض المواقف الأشعرية ورجّح بعض الآراء الاعتزالية في سبيل الوصول إلى القول بإطلاقية الأخلاق. فالتصور الأخلاقي، لدى عبده، يقوم على السمو الروحي بحثًا عن السعادة الفردية، والإنسان مدعو إلى تحقيق كماله الذي هو غاية وجوده وسر سعادته، وإلى التوفيق بين السعادتين: الروحية والجسدية، وبين سعادة الفرد وسعادة المجتمع. وتتداخل لدى عبده تصورات أخلاقية مع تصورات كوسمولوجية تجعل من الأخلاق نظامًا للارتقاء يوازي نظام التنزل من واجب الوجود إلى مختلف مستويات الوجود. فالأخلاق، لديه، انخراط اجتماعي واندماج كوني وحركة ارتفاع نحو الوجود الأول وحركة تمدن لإعمار الأرض. والنجاة ترتبط بالتسامي فرديًّا بالروح، والعمل جماعيًّا على النهوض بالمجتمع47؛ أي إن المسألة الأخلاقية لدى عبده بقيت في إطار مصادرها الكلامية والصوفية، أما المنزع الحديث فيها فهو ربطها بالتمدن فقط بوصفه إطارًا عامًا، فالتعليم مرتبط بأهداف أخلاقية يُفترض بكل فرد أن يحقق فيه إنسانيته بالانسجام مع الروح العامة للمجتمع، ولكن مفهومه للتربية مفهوم كلاسيكي وليس حديثًا، فهي ليست مرحلة مؤقتة لإعداد الفرد ليتكيف مع قيم المجتمع، بل جهد متواصل غايته أخروية، والعلاقة بين المربي والتلميذ علاقة أبوية وليست علاقة بين موظف الدولة ومواطن المستقبل48. تابع رشيد رضا ما بدأه محمد عبده، فرأى أن «التربية والتعليم ركنان يقوم عليهما بناء السعادة، وهما العاملان الرافعان إلى قمة السيادة، وأن التعليم هدفه أن يحافظ كل فرد من الأمة على جامعته الجنسية والدينية والوطنية»49، وأُولع أيضًا بكتاب مسكويه وجعل من فضائل النهضة العلمية الحديثة أنها «نبهت فينا الشعور بجميع ضروب الإصلاح الذي نحتاجه، ومن ذلك طبع كتب الأخلاق والتربية»، وذلك في سياق تقريظ كتاب مسكويه الذي طُبع طبعةً حديثة، ووصفه بأنه «أحسن ما رأيت في لغتنا في فلسفة الأخلاق [الحكمة العملية] وقد عشقتُ مطالعته غير مرة وقرأته درسًا لبعض طلاب العلم»50. ومِن تتبُّع كلام رضا في مناسبات مختلفة، نجد أنه رغم احتفائه بالأخلاق فإنها لا تخرج، عنده، عن التصورات الكلاسيكية، فهي «لا توجد إلا في كتب الصوفية وكتب الفلاسفة، وكتب الصوفية هي التي تذكرها على الطريقة الدينية»51، وفي موضع آخر يسمي علم تهذيب الأخلاق «الطب الروحاني»، ويعيب عدم الالتفات إليه، ويحدد موضوعه بأنه «قوى النفس الإنسانية وصفات الروح العاقل المدبّر للبدن المتصرّف له في أعماله، وغايتُه السعادة الحقيقية؛ لأن السعادة ثمرةُ الأعمال الصالحة النافعة»52.
2. الانفتاح على الفلسفات الأخلاقية
شهد التفكير الأخلاقي تحولً مهمًّا بفضل انبعاث الدراسات الفلسفية مع الجيل اللاحق سواء ممن درسوا في فرنسا53 أم من خريجي الجامعة المصرية، فقد تعمقوا في معرفة الفلسفة ومذاهبها وتأثروا بفلسفة الأخلاق، وانعكس ذلك في بروز توجهات متعددة: فلسفية يونانية أو معاصرة، وفلسفية إسلامية. ففي ما يخص الفلسفة اليونانية، مثّلت ترجمة أحمد لطفي السيد لكتاب الأخلاق إلى نيقوماخوس لأرسطو «حدثًا فنيًّا غير عادي» بتعبير طه حسين الذي اقترح تدريسه في الأزهر54، ومما له دلالة أن هذه الترجمة تأتي عبر اللغة الفرنسية، ليس لأن لطفي لا يعرف اليونانية فقط، وإنما لأن النهضة الفرنسية لفتت أنظار السيد إلى أهمية أرسطو؛ «لأن النهضة الأوروبية الحديثة عمدت إلى درس فلسفة أرسطو [...] فكانت مفتاحًا للتفكير العصري الذي أخرج كثيرًا من المذاهب الفلسفية الحديثة». أراد لطفي السيد بهذا أن يخدم التعاليم الفلسفية في المدارس والمعاهد الدينية، واختار أرسطو لهدفين: الأول أنه «لا يصادم العقائد القومية ولا ينافر التعاليم الدينية»، والثاني: «رجاء أن ينتج في النهضة الشرقية مثلما أنتج في النهضة الغربية»55. ترك أحمد لطفي السيد أثرًا كبيرًا في جيل من المثقفين المصريين، حتى إن طه حسين وصفه بأنه «معلمنا الأول في هذا العصر» في إشارة إلى أنه داعية أرسطو في الشرق الذي لقبه العرب بالمعلم الأول، ووصفه أحد تلامذته بأنه «عميد الفلسفة في الشرق»56. ومن الأفكار المركزية التي شغلت السيد فكرة الحرية، وفق تصورات ليبراليي القرن التاسع عشر، التي اعتبرها ضرورة من ضروريات الحياة، وفكرة العقد الاجتماعي وفكرة المنفعة التي استقاها من بنتام وجون ستيوارت مل والتي تعني أن يَعُمّ أكبر قدر من الخير أكبر عدد من الناس، كما اهتم بأفكار التطور والنشوء والارتقاء، وكان يرى أن الترجمة ضرورية وجزء من حركة التمدن57. وإذا كان السيد لجأ إلى إحياء أرسطو، فإن إسماعيل مظهر (ت. 1962) أعاد قراءة فلسفة أرسطبس Aristipuss الذي كان معاصرًا لأرسطو الذي ناقشَ بعض أفكاره من دون أن يسميه في كتابه الأخلاق إلى نيقوماخوس. وهذه العودة إلى أرسطبس مَردُّها إلى أن مظهر يُسلّم بأن الشعب اليوناني أرقى شعب عرفته الأرض، وأن سر رُقِيّه هو بروز الذاتية الفردية واستقلالها فكرًا وعملً، وبُعدها عن التأثر
بحياة الجماهير؛ فمدنية اليونان كانت مدنية أفراد، أما المدنية الحديثة فهي مدنية الجماهير58. لم يكن أرسطبس معروفًا عند العرب إلا لمامًا، فعُني مظهر بتأليف كتاب عنه ضمّنه بحوثًا في فلسفة اللذة والألم رأى فيه أن مذهب أرسطبس أقرب إلى أساليب العلم الحديث من مذهب أرسطو، فهو مذهب عملي يقوم على أصول ثابتة في الطبيعة الإنسانية، وأرسطبس على النقيض من كانط، فإذا كان كانط يدعو إلى المثل العليا، فإن أرسطبس يعترف بالواقع ويقول إن تحصيل اللذة الراهنة ضرورة نفسية نخضع لها رغمًا عنا، والاعتراف بذلك خير من نكرانه، وهو ما يساعدنا على إدراك حقيقة كياننا وترويض أنفسنا على فعل الخير قدر المستطاع59. وإذا كانت الأخلاق الأثينية في صورتها العربية الكلاسيكية قد انحصرت في السلسلة الشهيرة (سقراط – أفلاطون – أرسطو)، فإن القدماء من الإبيقوريين والرواقيين قد عرفوا توجهات أخلاقية تتمحور حول اللذة، ويمكن لنا أن نميز بين توجهين: المدرسة القورينائية التي ترى أن غاية الأخلاق هي الاستمتاع باللذة الجزئية والوقتية التي هي الخير الأوحد الذي يُشتهى لذاته. والمدرسة الإبيقورية التي ترى اللذة هي الخير الأسمى ولكنها تفرق بين لذات النفس ولذات الجسد، وأن اللذة ليست قاصرة على اللذة الحسية فحسب بل تسمو عليها اللذات العقلية، وقد تكون اللذة بالعمل على منع الألم. فكأن إسماعيل مظهر يحاول هنا إحياء بعض تلك التوجهات على خلاف التيار السائد، ولا سيما أنه أوضح أن مذهب اللذة «خرج ابتداء من قورينة الإفريقية معتمدًا على أفكار أساسية من سقراط وبروطاغوراس ولوسيفوس وديمقريطس، ثم عاد إلى اليونان فتشكل في ذهن أبيقور بصورة، ثم في مدرسة الإسكندرية بأخرى، وعند الرواقيين بثالثة، وأخذ يتنقل خلال العصور إلى أن برز في صورة كوّنها بنتام ومِل وأترابهما، فلابسَته المنفعة بدل اللذة»60. وقد برزت محاولات لإحياء الإبيقورية في القرن السابع عشر، وشكّلت فيما بعد الأساس الذي بُنيت عليه الأخلاق العملية السياسية مع هوبز Hobbes، ثم تطورت مع مذهب الطبيعة الأصلية عند روسو Rousseau ثم لوك Locke John، وهو التطور الذي ربما شكّل أساس التوجه الفرنسي في القرن التاسع عشر نحو ضمّ الأخلاق إلى علم الاجتماع. وبعيدًا عن الفلسفة اليونانية فقد ظهرت توجهاتٌ فلسفية حديثة، ففي أواخر الأربعينيات برز توجه عربي يصوّر الأخلاق فرعًا من فروع علم الاجتماع موضوعًا ومنهجًا، وهو توجه ساد في فرنسا منذ أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وقد انتشر في التعليم، حتى إن عبد الحليم محمود.(ت 1978) الذي حصل على الدكتوراه من فرنسا سنة 1940 أشار إلى أن مواد الدراسة كانت تسير في
إطار العلوم الاجتماعية، وأن الخلق، في ما يرون، «هو نشأة إنسانية اجتماعية»61. وكان من اللافت أن ماسينيون حين تعرض لمفهوم الأخلاق والمذاهب الأخلاقية في محاضراته الفلسفية في الجامعة المصرية جعلها من فروع الاجتماعيات62، وحين ترجم توفيق الطويل كتاب سدجويك المجمل في تاريخ علم الأخلاق، أشار في مقدمته إلى هذا الاتجاه الذي وصفه بالشذوذ، وقال إنه ظهر في فرنسا في وقت اضطرب فيه التفكير في الأخلاق، ثم عرَّف به؛ لأن سدجويك وفلاسفة الأخلاق يهملونه، ولأن العربية خلَت من التعريف به. كان ذلك سنة 194963. أتباع هذه المدرسة يرون أن الأخلاق علم وضعي يعرض لدراسة العادات والتقاليد والشرائع، كما تتمثل في الواقع عند جماعة بشرية محددة وفق المنهج التجريبي الاستقرائي؛ ذلك أن معرفة القوانين الاجتماعية والأخلاقية ستساعدنا على تحسين الأخلاق والنهوض بها، أي إن هذا التوجه يهدم التصور التقليدي للأخلاق بوصفها علمًا معياريًّا ويفرّق بين المستويين النظري (ما يجب أن يكون) والعملي (ما هو كائن) وأن الفلاسفة يخلطون بينهما، في حين أن الأخلاق نسبية وتتطور بتطور المجتمعات، أي إن هذا التوجه يأتي في سياق تحول نظرية التطور إلى مذهب شامل. وقد ساد هذا التوجه لدى جيل من الدارسين العرب ممن درسوا في فرنسا على زعيم المدرسة الاجتماعية الفرنسية ليفي بريل.(ت 1939) أمثال منصور فهمي (ت. 1957) الذي درس على ليفي بريل وتأثر به، وكذلك عبد العزيز عزت، والسيد محمد بدوي (ولد 1916)، ومحمود قاسم (ت. 1973) الذي ترجم كتاب ليفي بريل الرئيس الأخلاق وعلم العادات الأخلاقية سنة 1953 بعد أن اقترحه على وزارة المعارف المصرية، واعتبره ثورة منهجية للبحث في علم الأخلاق وإن أبدى مخالفته للعديد من أفكاره في تعليقاته على الترجمة64، ويبدو أن قاسم وبدوي لهما فهمٌ مختلف للاتجاه الاجتماعي يخفف من حدة النقد الذي وُجّه إلى هذا الاتجاه65. وبخلاف الاتجاه الاجتماعي، ظهر توجه وجودي تجلّى لدى عبد الرحمن بدوي (ت. 2002) الذي كان أول من أدخل الفلسفة الوجودية إلى العالم العربي، وكانت رسالته للدكتوراه سنة 1944 عن «الزمان الوجودي»، وقد تأثر بهايدغر ونيتشه. وعلى الرغم من أن إسهام بدوي اتسع ليشمل نشر العديد من النصوص الأخلاقية تحقيقًا وترجمةً، ومن أبرزها نشره لكتاب أرسطو بالترجمة العربية القديمة عن اليونانية، فإن توجهه الوجودي يتضح في كتابه الأخلاق النظرية66 وفي دراسته «هل يمكن قيام أخلاق وجودية؟» التي نشرها سنة 1953، ويخلص فيها إلى أنه لا يمكن قيام أخلاق وجودية؛ فالوجود إما للذات أو للموضوع، والوجود الذاتي هو الوجود الحقيقي، ولأن الأخلاق تقويم، والتقويم قياس إلى
معيار، والمعيار إما موضوعي أو ذاتي، والذاتي لا معنى له؛ لأنه تقويم من الذات لنفسها، فمعنى ذلك أن التقويم الذي يتيح قيام الأخلاق ينبغي أن يكون موضوعيًّا، ولكن الموضوع هو وجود زائف؛ لأن وجوديته تقوم على فكرة الذات المفردة المتوحدة المنعزلة المنفصلة، فالوجودية ينتفي معها، إذًا، التقويم الموضوعي، ومن ثم لا يمكن القول بالأخلاق، ولذلك رفض بدوي فكرة الالتزام؛ لأنه واجب يفرضه الغير على الذات المفردة، ورفض فكرة الضمير؛ لأن الضمير هو الشعور الموضوعي الذي يقتحم حمى الذات، ورفض الفضيلة؛ لأنها تعني خضوع الذات لما يُمليه الغير، ورفض فكرة الخير؛ لأن الخير يعني أن تنقسم الذات على الذوات الأخرى67. بقيت الفلسفة الوجودية هامشية في العالم العربي وإن تنوعت، بحيث لا يمكن الحديث عن فهم واحد للوجودية68. إلى جانب الوجودية ظهر توجه «المثالية المُعدَّلة» التي وصف بها توفيق الطويل (ت. 1991) نفسه. وُصف الطويل بأنه «رائد الفلسفة الخلقية في العالم العربي المعاصر»69، وجمع بين التدين والتفلسف، وقد تجاوز الانتقادات التي وُجّهت إلى مثالية كانط، ومثاليته المعدلة معناها تحقيق الذات بإشباع جميع قواها الحيوية من غير جَور على قيم المجتمع أو استخفاف بمعاييره، فالإنسان كلٌّ متكامل يجمع بين العقل والحس من غير تنازع. وقد انتقد اعتبار اللذة معيارًا للسلوك، ومن أبرز كتبه فلسفة الأخلاق: نشأتها وتطورها70. أما زكي نجيب محمود (ت. 1993)، فقد انتصر، في مرحلته الأولى، لاتجاه «الوضعية المنطقية» ودعا إليه71، وهو اتجاه وضعي جديد نشأ سنة 1928 في فيينا على يد طائفة من علماء الطبيعة الذين مالوا إلى الاتجاه الفلسفي في أساليب تفكيرهم، أمثال موتش شليك Schlick. M ووايسمان Waismann وكارنب Carnap وغيرهم. وقد استعار هذا الاتجاه من الوضعية التقليدية المنهج التجريبي المادي، ولكنه ضمّ إليه التعليلات المنطقية. فإذا كان رَفْض اتجاهات أخرى للميتافيزيقا قد استند إلى حجج مثل أنه لا يمكن البرهنة عليها أو أنها عديمة الجدوى أو أنها حقيقة نفسية من حيث إن العقل، بحكم طبيعته، لا يستطيع الحكم إلا على ظواهر الأشياء، فإن رفض الوضعية المنطقية للميتافيزيقا يستند إلى اعتبارات لغوية منطقية من حيث إن العبارة الميتافيزيقية ليست من الكلام المفهوم عند المنطق ومعاييره؛ بحكم ما اتفقنا عليه في طرائق استعمال اللغة. ومن هنا فرّق زكي نجيب محمود، وفق هذا المنطق الجديد، بين نوعين من الكلمات: كلمات تشير إلى وقائع خارجية يمكن التحقق من صحتها وكذبها، وكلمات تُستخدم في غير العملية الإشارية إلى الوقائع الخارجية كأن يُراد بها إثارة عواطف السامع أو إقامة بناء ذهني صرف تتسق أجزاؤه من الداخل ولكنه لا يعني شيئًا في الخارج72، ولذلك
اعتبر الميتافيزيقا كلامًا فارغًا لا يحمل معنى يمكن أن يوصف بالصدق أو الكذب؛ لأن الوضعية المنطقية تقوم على مبدأ التحقق، أي إن معنى الكلام هو طريقة تحقيقه أي التحقق من صوابه أو خطئه بالرجوع إلى الواقع، ومعنى الكلام وطريقة إثباته شيء واحد، فما يستحيل إثبات صدقه لا يكون ذا معنى على الإطلاق73. ومردّ هذه الفلسفة ومبناها على الإيمان بالعلم التجريبي، وأن صدق الحواس أصلٌ لا يناقَش؛ لأنه من تلك الفروض المطلقة التي تنبني عليها معرفة العصر واتجاهاته الفكرية، ومن ثم تحولت وظيفة الفلسفة في نظر الوضعيين المناطقة إلى تحليل الألفاظ تحليلً منطقيًّا للتثبت من معانيها بالرجوع إلى الواقع، أما البحث في حقائق الأشياء فهو وظيفة العلماء التجريبيين، فالفلسفة، على هذا، تنصرف عن وصف الأشياء في ذاتها؛ لأن الأشياء لا تحمل معنى يشير إلى مدلول حسي في عالم الواقع74، ومن هنا أدرج زكي نجيب محمود قيمتي الخير والجمال ضمن الميتافيزيقا، وهي، في نظره، لا تصلح أن تكون علمًا ولا جزءًا من علم75، ومعنى هذا أن القيم مسألة نسبية؛ لأنها ذاتية «فنحن الذين نجعل للأشياء قيمتها [...] صادرين في تقويمنا لها عن مصالحنا الذاتية»76. وكان توفيق الطويل قد خصص مقالً للانتقادات الموجهة إلى الوضعية المنطقية، ناقلً آراء كلّ من بارنز Barnes. H. W وبرتراند رسل Russell Bertrand وكارل بوبر Popper Karl وألفريد آير Ayer. A، عازيًا ظهور هذا الاتجاه إلى ظروف الحرب العالمية الأولى، إذ ضاق الناس بالتفكير النظري وفقدوا الثقة بعالم القيم والمثل العليا، ونمت بعد الحرب العالمية الثانية، «ففي غمرة الأزمات تظهر الحركات التي تتميز بالغلو والإسراف ومجاوزة حد المعقول، وإذا صح هذا كان اتجاه الوضعية المنطقية أزمة طارئة لن يكتب لها الدوام»77. وقد صدَّق الواقع ظنّ توفيق الطويل، فإن زكي نجيب محمود نفسه تحول فكريًّا وعاد إلى القول إنه «من غير المقبول عندنا أن يقال: إن الأخلاق مدارها – في نهاية الأمر – منفعةٌ تعود على الناس؛ لأننا نرى الفضيلة هي جزاء نفسها، أرادها لنا الله وعقلناها، فالفعل عندنا يعد فاضلً في ذاته بغض النظر عن نتائجه [...] فإننا نقيم الأخلاق على أساس الواجب لا على أساس الفائدة، وهذا لا ينفي أن الواجب قد يجيء مصحوبًا كذلك بنتائج نافعة»، والصورة الكونية التي تصَورها هي إله خالق وعالم مخلوق، وفي هذا العالم إنسان متميز بالإرادة الحرة المسؤولة التي تتصرف في إطار التشريع الذي أوحي به من الله، «فقوام الأخلاق عندنا هو الواجب لا السعادة [...]
إننا من القائلين بالواجب المفروض علينا من صاحب السلطان في عليائه من السماء [...] بل إننا لنفزع – أو ندعي الفزع – إذا قيل لنا: إنه لا بد في مجتمع متطور أن يتطور معيار الحكم الأخلاقي على الناس والأفعال»78. من اللافت في التوجهات السابقة اليونانية المُحْدَثة والأوروبية الحديثة غياب أو هامشية الموروث الإسلامي؛ على الرغم من أن أحمد لطفي السيد كان على صلة بمحمد عبده ولكن المسار الفكري للرجلين لم يكن واحدًا، فعبده كان يسعى لتمدن متوافق مع الإسلام عبر استعادة الشريعة أساسًا خلُقيًا للمجتمع، أما السيد فقد كان يسعى لتمدن غربي عبر العودة إلى الجذر الأصلي له وهو الفلسفة اليونانية، ولذلك انشغل بالفلسفة الأخلاقية والسياسية والاجتماعية. وعلى الرغم من أن عبد الرحمن بدوي وتوفيق الطويل تتلمذا على مصطفى عبد الرازق تلميذ عبده، فإنهما سارا باتجاه مغاير تمامًا لتوجه عبد الرازق الذي سيخرج من عباءته اتجاه البحث عن الأصالة الإسلامية بفضل أطروحته المركزية وهي أن علم أصول الفقه يمثل الفلسفة الإسلامية الأصيلة. وإذا كان المنحى الإسلامي في الأخلاق قد بدا مع الطهطاوي ومحمد عبده بوصفه جزءًا من مسلك توفيقي يسعى للملاءمة بين المدنية الأوروبية والإسلام، فإنه سيشهد تحولات مع محمد يوسف موسى ومحمد عبد الله دراز. فمحمد يوسف موسى الذي درس في فرنسا ودرّس في الأزهر وكان على صلة بيوسف كرم ومصطفى عبد الرازق، سيتوجه إلى تدشين فلسفة الأخلاق في الإسلام عبر تأليف ثلاثة كتب في الأربعينيات تدور حول ثلاث قضايا: التأريخ للأخلاق، وبيان صلتها بالفلسفة اليونانية، والكشف عن الأفكار الفلسفية الأخلاقية في الإسلام ومقارنتها بمثيلاتها من فلسفة اليونان والأوروبيين، وقد قام بهذا في سياق التدريس في كلية أصول الدين في الأزهر، ولكن من الواضح أن موسى بحكم تكوينه وعلاقاته وكتاباته كان يتحرك على أرضية المفهوم اليوناني للأخلاق، ولا نجد أي أثر للبحث عن السؤال الأخلاقي في القرآن والحديث مثلً، فقد كان اهتمامه منصبًّا على علمَي الكلام والفلسفة على نحو رئيس79. أما محمد عبد الله دراز فقد تفَرّد ببحث الفلسفة الأخلاقية في القرآن مدفوعًا بالتساؤلات الفلسفية الحديثة وخصوصًا فلسفة كانط، وكتاب دستور الأخلاق في القرآن الكريمهو في الأصل أطروحة دكتوراه قُدمت في جامعة السوربون سنة 1947، وهو أول محاولة لصياغة رؤية شاملة للأخلاق القرآنية من منظور فلسفة الأخلاق، وكأنه أراد أن يُثبت أن الإسلام يملك منظومة أخلاقية شاملة من جهة، وأن بين الدين والأخلاق صلة وثيقة من جهة ثانية، خصوصًا في السياق الفرنسي الذي ساد فيه الاتجاه الاجتماعي الوضعي. اختار دراز العودة إلى النص القرآني متحررًا من ثقل التراث
الإسلامي ومذاهبه الكلامية والفقهية في نزعة تأصيلية نقدية تتجاوز ما ذهب إليه المعتزلة والأشاعرة والفلاسفة معًا80. هذه النزعة التأصيلية ستنحو منحى مختلفًا مع أحمد محمود صبحي الذي سينشغل بالبحث عن نسق أخلاقي إسلامي متميز من الفلسفة اليونانية بناءً على أن «النسق الذي اختطه أرسطو للأخلاق غيرُ ملزم لكل اتجاه أخلاقي» وأنه لا بد من بناء الأخلاق على أساس ميتافيزيقي، وفي سبيل ذلك يلجأ إلى البحث عن الأخلاق الإسلامية عند المتكلمين (الاتجاه العقلي) والمتصوفة (الاتجاه الذوقي)81، وكذلك عبد الحي قابيل الذي تتلمذ على توفيق الطويل وإبراهيم مدكور (ت. 1996)، وأهدى كتابه إلى عثمان أمين. بحثَ قابيل عن «المذاهب الأخلاقية في الإسلام» متمثلةً في مذهبَي الواجب والسعادة، ورأى أن ثمة فلسفة أخلاقية إسلامية لا تقتصر على مرجعية النص القرآني والنبوي82. سيشهد هذا التوجه الفلسفي تراجعًا أمام نزعة سلوكية وأخرى تأصيلية تبحثان عن الأخلاق الإسلامية الصافية. فحامد طاهر (ولد 1943) الذي تتلمذ على محمود قاسم ودرس في فرنسا أيضًا، كتب كتيِّبًا بعنوان الفكر الأخلاقي في الإسلامأعده لطلبة كلية دار العلوم وغلب عليه التصور السلوكي للأخلاق مع مقدمات تمهيدية نظرية واقتباسات من القرآن والحديث، وألحق به مقاطع تراثية لابن المقفع.(ت 142 ه) والجاحظ (ت. 255 ه) والمحاسبي (ت. 243 ه) وابن حزم (ت. 564 ه) والماوردي.(ت 504 ه) والسبكي (ت. 756 ه) وابن الجوزي (ت. 597 ه)83، وبحث أحمد عبد الرحمن (ولد 1932) الفضائل الخلقية في الإسلاموميز بين الأخلاق الفلسفية (اليونانية) والأخلاق القرآنية، ورأى أن تأثير اليونان كان سلبيًّا في الدراسات القرآنية؛ لأن روح القرآن تعارض تعاليم اليونان، ولأن الإسلام له نظامه الأخلاقي وفضائله المتميزة من الأخلاق الفلسفية؛ فهو نظام ديني84. وحسن الشرقاوي نقد «الأخلاق الغربية» لتأسيس ما أسماه «أخلاق إسلامية خالصة بعيدة عن أي مؤثرات» ولكن من دون خطة أو رؤية متماسكة85، ومحمد عبد الله الشرقاوي (ولد 1952) انتقد تبعية الكتّاب العرب للأخلاق الغربية واعتبارها المقياس، كما انتقد توفيقَ الطويل لتهميشه الأخلاق الإسلامية. هدفُ الشرقاوي إبراز أصالة الأخلاق الإسلامية وتفردها وسموها، وألحق بكتابه نصوصًا للماوردي والراغب الأصفهاني وابن الجوزي ومحمد عبد الله دراز.
خاتمة
حاولت هذه الدراسة أن تثبت أن فلسفة الأخلاق كانت جزءًا أصيلً من الفكر الإصلاحي على اختلاف توجهاته ومرجعياته؛ فقد ولّدت الأفكار الأوروبية مناقشات حديثة في مصر، ذهب أصحابها إلى مذاهب شتى راوحت بين التأثر والاقتباس، والمراجعة النقدية، وإعادة اكتشاف الموروث الإسلامي أو تأويله تأويلً حديثًا. وبأثرٍ من التمدن والفلسفة الأوروبيَّين، نهضت الدراسات الفلسفية العربية والدراسات الأخلاقية حتى استقلت حقلً علميًّا وأضحت مقررًا دراسيًّا. وكان للانقسام الحاصل في نظامي التعليم في مصر: الديني والمدني أثرٌ في بروز توجهات توزعت بين توجهات فلسفية غربية (يونانية وحديثة) وإسلامية، ولكن يمكن ملاحظة أن النقاشات الإسلامية حتى منتصف القرن العشرين كانت منفتحة على السؤال الفلسفي الحديث في مجال الأخلاق، وكان لافتًا أن فلسفة كانط تركت أثرًا مهمًّا في كتابات مصرية متنوعة كعبد الرحمن بدوي، وزكريا إبراهيم (ت. 1976)، ومحمد عبد الله دراز، وعثمان أمين وآخرين. صحيح أن أشكال حضور الفلسفة الغربية تعددت، ولكنها تركت أثرًا إيجابيًّا في نمو النقاش الفلسفي والأخلاقي على نحو نقدي ومنفتح، كما أن حدة الفصل بين نمطي التعليم خففت منها الدراسة المشتركة في فرنسا والصلات التي نشأت في مصر فيما بعد بين رموز الجماعة العلمية. وعلى خلاف هاملتون جب الذي رأى أن خطاب الإصلاح والحداثة المرتبطة به كان «إلى حد كبير نتاج التأثيرات الأوروبية»، فإن هذه الدراسة أثبتت أن تصورات الإصلاحيين ومرجعياتهم تعددت وتنوعت، وأنه برزت اتجاهات متعددة راوحت بين التوجهات المحافظة لأخلاق الفضيلة، والأخلاق اليونانية، والأخلاق الاجتماعية، والتوجهات المثالية والوجودية، والأخلاق الكلامية والنصية. إن مشروع الإصلاح الذي ابتدأه محمد عبده لم يبقَ مقيدًا بتصورات عبده، ولكنه تطور إلى تصورات متعددة، بل إلى مشاريع متعارضة في بعض الأحيان بسبب عوامل عدة، منها: إرسال الطلبة المصريين إلى الجامعات الأوروبية، وحركة الترجمة، والتفاعلات الداخلية للخطاب الفكري المصري. ولكن الأمر سيتغير في التسعينيات مع بعض الأسماء وخاصة في كلية دار العلوم، حيث ستتراجع النزعة الفلسفية لصالح نزعة التأصيل والأصالة بوعي سلفي، بل إن بعض تلك المحاولات تزعم الانتساب إلى دراز، ما يعني أن ثمة مشكلة في فهم أطروحة دراز التي هي أطروحة فلسفية، فرغم أنها تسعى لبناء فلسفة أخلاقية نصية ولكنها فلسفة عقلية مستندة إلى كانط، ودراز لا يُخفي ميله إليها، ولكن يبدو أن المزاج الديني والسياسي العام ترك أثره في تأويل دراز أو الدفع بأطروحته باتجاه سلفي نصي لم يكن يريده ولا سعى له، ولكن هذه التطورات الأخيرة في حاجة إلى دراسة مستقلة، للوقوف على دوافع استعادة السؤال الأخلاقي الفلسفي إسلاميًّا وأبعادها، في العقد الأخير من السنين.
References
المراجع
العربية
ابن جُزَي، محمد بن أحمد. القوانين الفقهية. [د.م.]: [د.ن.]، [د.ت.].
ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد. المقدمة. تحقيق خليل شحادة. بيروت: دار الفكر،.1988
ابن عابدين، محمد أمين. حاشية ابن عابدين. بيروت: دار الفكر،.1992
أرسطو. علم الأخلاق إلى نيقوماخوس. ترجمة أحمد لطفي السيد. القاهرة: دار الكتب المصرية، إسكندر، أمير. «عبد الرحمن بدوي والوجودية العربية». مجلة الهلال. العدد 4 (نيسان/ أبريل.)1969 أمين، عثمان. محاولات فلسفية. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية،.1953
بدوي، عبد الرحمن. هل يمكن قيام أخلاق وجودية؟ القاهرة: مكتبة النهضة المصرية،.1953
________. الأخلاق النظرية. ط 2. الكويت: وكالة المطبوعات،.1976
بريل، ليفي. الأخلاق وعلم العادات الأخلاقية. ترجمة محمود قاسم. مراجعة السيد محمد بدوي. القاهرة: مطبوعات مصطفى البابي الحلبي وأولاده،.1953
البُهوتي، منصور بن يونس. كشاف القناع عن متن الإقناع. بيروت: دار الكتب العلمية،.1983
البهي، محمد. الأزهر: تاريخه وتطوره. القاهرة: وزارة الأوقاف وشؤون الأزهر،.1964
الجابري، محمد عابد. العقل الأخلاقي العربي. ط 6. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2014 جاد المولى، محمد أحمد. الخلق الكامل. القاهرة: مطبعة حجازي،.1932
جدعان، فهمي. أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2010
الحداد، محمد. محمد عبده: قراءة جديدة في خطاب الإصلاح الديني. بيروت: دار الطليعة،.2003 حسين، حسين محمد. «تجديد الأخلاق المصرية». المجلة الجديدة. العدد 6 (حزيران/ يونيو.)1931 حسين، طه. حديث الأربعاء. ط 12. القاهرة: دار المعارف، [د.ت.].
حوراني، ألبرت. الفكر العربي في عصر النهضة. ترجمة كريم عزقول. بيروت: دار النهار، [د.ت.]. خليفة، حاجي. كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون. بغداد: مكتبة المثنى،.1941
الخولي، أمين. «في وجه الثورة على الأخلاق». مجلة الرسالة. العدد 232 (كانون الأول/ ديسمبر دراز، محمد عبد الله. دستور الأخلاق في القرآن الكريم. ترجمة عبد الصبور شاهين. ط 10. بيروت: مؤسسة الرسالة،.1998
دي جلارزا. محاضرات الفلسفة العامة وتاريخها في الجامعة المصرية. القاهرة: مطبعة الهلال،.1920 ديمولان، إدمون. سر تقدم الإنكليز السكسونيين. ترجمة أحمد فتحي زغلول. القاهرة: مطبعة المعارف، رجب، منصور علي. تأملات في فلسفة الأخلاق. القاهرة: مطبعة مخيمر،.1953
رشواني، سامر. «الدرس الأخلاقي الحديث للقرآن». مجلة الأخلاق الإسلامية. ليدن، بريل. العدد 1 رضا، محمد رشيد. «المرشدون والمربون أو المتصوفة والصوفيون». مجلة المنار. مج.)1899(1
________. «الوعظ والوعاظ». مجلة المنار. مج).1899(1
________. «ما لا بد منه». مجلة المنار. مج). 1899(1
________. «تقاريظ». مجلة المنار. مج 2 (13 ذو القعدة 1316 ه/ 25 آذار/ مارس.)1899 م
________. «ملخص سيرة الأستاذ الإمام». مجلة المنار. مج 8 (غرة ذو الحجة 1323 ه/ 26 كانون الثاني/ يناير.)1906 م
________. «آراء الناس في مكاتبتنا مع لورد كرومر». مجلة المنار. مج).1907(10
________. «احتفال لتكريم أحمد فتحي باشا زغلول». مجلة المنار. مج ه 16.)1327(
________. «مصاب مصر والشام برجال العلم وحملة الأقلام». مجلة المنار. مج 17 (جمادى الآخر 1332 ه/ أيار/ مايو.)1914
الزيات، أحمد حسن. «ثورة على الأخلاق: هل الصلاح غير النجاح؟». مجلة الرسالة. العدد 229 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)1937
________. «الأخلاق وهذه الحرب». مجلة الرسالة. العدد 883 (كانون الأول/ ديسمبر.)1940
سدجويك، ه. المجمل في تاريخ علم الأخلاق. ترجمة توفيق الطويل وعبد الحميد حمدي. الإسكندرية: دار نشر الثقافة،.1949
السيد، أحمد لطفي. «هل نؤلف أم نترجم؟ محادثة مع الأستاذ أحمد لطفي السيد بك مدير دار الكتب المصرية». مجلة الهلال. العدد 3 (كانون الأول/ ديسمبر).1924
________. «کیف ینبغي أن تکون الأخلاق لتحقیق تعاون عالمي؟». مجلة الهلال. السنة 51. ج 1 الشربيني، الخطيب. مغني المحتاج. بيروت: دار الكتب العلمية،.1994
الشرقاوي، محمد عبد الله. الفكر الأخلاقي: دراسة مقارنة. بيروت: دار الجيل،.1990
صبحي، أحمد محمود. الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي. ط 2. القاهرة: دار المعارف،.1983 طاهر، حامد (إشراف). محمود قاسم الفيلسوف والإنسان. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية،.1992 ________. الفكر الأخلاقي في القرآن. [د.م.]: [د.ن.]، [د.ت.].
الطهطاوي، رفاعة. المرشد الأمين للبنات والبنين. القاهرة: مطبعة المدارس الملكية،.1872
________. تخليص الإبريز في تلخيص باريز. القاهرة: مكتبة المرغني،.1905
________. مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية. ط 2. القاهرة: مطبعة الرغائب، الطويل، توفيق. «الوضعية المنطقية في الميزان». مجلة المجلة. العدد 03 (حزيران/ يونيو.)1959
________. فلسفة الأخلاق: نشأتها وتطورها. ط.4 القاهرة: دار النهضة العربية،.1979
عبد الرازق، مصطفى. «ترجمة الأستاذ الإمام». مجلة المنار. مج 23 (ذو القعدة 1340 ه/ تموز/ يوليو م.)1922
عبد الرازق، مصطفى ولويس ماسينيون. التصوف. كتب دائرة المعارف الإسلامية 16. بيروت: دار الكتاب اللبناني،.1984
عبد الرحمن، أحمد. الفضائل الخلقية في الإسلام. القاهرة: دار الوفاء،.1989
عبده، محمد. رسالة التوحيد. القاهرة: المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق،.1897
________. الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية. ط 2. القاهرة: مطبعة مجلة المنار،.1905
العراقي، عاطف (إشراف). يوسف كرم مفكرًا عربيًّا ومؤرخًا للفلسفة. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.1986
العروي، عبد الله. تأملات في تاريخ الرومان: أسباب النهوض والانحطاط. بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2011
عزام، عبد الوهاب. «ثورة على الأخلاق». مجلة الرسالة. العدد 230 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)1937 عزت، عبد العزيز. «الفهم الفلسفي للثورة على الأخلاق». مجلة الرسالة. العدد 237 (كانون الثاني/ يناير 1938).
عطية، أحمد عبد الحليم. الأخلاق في الفكر العربي المعاصر. القاهرة: دار الثقافة،.1990
غيزو، فرانسوا. التحفة الأدبية في تاريخ تمدن الممالك الأوروبية. ترجمة حنين خوري. الإسكندرية: مطبعة الأهرام،.1877
فهمي، منصور. «الضعف الخلقي وأثره في حياتنا الاجتماعية». مجلة الهلال. العدد 5 (آذار/ مارس قابيل، عبد الحي. المذاهب الأخلاقية في الإسلام: الواجب – السعادة. القاهرة: دار الثقافة،.1984
قام، يعقوب. دراسات في الأخلاق. القاهرة: [د.ن.]، [د.ت.].
القرضاوي، يوسف. ابن القرية والكتّاب. القاهرة: دار الشروق،.2004
كرم، يوسف. تاريخ الفلسفة الحديثة. القاهرة: دار المعارف،.1949
لالاند، أندريه. محاضرات في الفلسفة. ترجمة أحمد حسن الزيات ويوسف كرم. مراجعة طه حسين. القاهرة: المطبعة الأميرية،.1929
لوبون، غوستاف. سر تطور الأمم. ترجمة أحمد فتحي زغلول. القاهرة: المطبعة الرحمانية،.1913
ماسينيون، لويس. محاضرات في تاريخ الاصطلاحات الفلسفية العربية. تحقيق زينب الخضيري. القاهرة: المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية، [د.ت.].
مبارك، زكي. الأخلاق عند الغزالي. القاهرة: المطبعة الرحمانية، [د.ت.].
محمود، زكي نجيب. «سلم القيم». مجلة الثقافة. العدد 662 (أيلول/ سبتمبر.)1951
________. المنطق الوضعي. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية،.1951
________. خرافة الميتافيزيقيا. القاهرة: مكتبة النهضة المصرية،.1953
________. قشور ولباب. القاهرة: دار الشروق،.1988
________. تجديد الفكر العربي. ط 9. القاهرة: دار الشروق،.1993
________. من زاوية فلسفية. ط.4 القاهرة: دار الشروق،.1993
________. موقف من الميتافيزيقا. ط.4 القاهرة: دار الشروق،.1993
________. قيم من التراث. القاهرة: دار الشروق،.2000
محمود، عبد الحليم. حياتي. ط.3 القاهرة: دار المعارف،.1985
مظهر، إسماعيل. «طابع المدنية الحديثة: مدنية الفرد ومدنية الجماهير». مجلة المقتطف. العدد 3 (آذار/ مارس.)1926
________. «اللذة والسلوك». مجلة المقتطف. العدد 5 (كانون الأول/ ديسمبر.)1936
________. فلسفة اللذة والألم. القاهرة: كلمات عربية للترجمة والنشر،.2012
موسى، محمد يوسف. مباحث في فلسفة الأخلاق. القاهرة: مطبعة الأزهر،.1943
________. فلسفة الأخلاق في الإسلام وصلاتها بالفلسفة الإغريقية. ط 2. القاهرة: مطبعة الرسالة، ________. في تاريخ الأخلاق. القاهرة: مطبعة أمين عبد الرحمن، [د.ت.].
نصار، عصمت. «الفلسفة الأخلاقية بين عثمان أمين وزكريا إبراهيم». مجلة التسامح. عُمان. العدد 28
الأجنبية
Adams, Charles C. Islam and Modernism in Egypt: A Study of the Modern Reform
Movement Inaugurated by Muhammad ‘Abduh. London: Oxford University Press,
London, 1933.
Alatas, Sayed Farid (ed.). Muslim Reform in Southeast Asia: Perspectives from Malaysia,
Indonesia and Singapore. Singapore: Islamic Religious Council of Singapore, 2009.
Commines, David Dean. Islamic Reform: Politics and Social Change in Late Ottoman
Syria. London: Oxford University Press, 1990.
Delanoue, Gilbert. Moralistes et Politiques Musulmans dans l’Egypte du XIX ème siècle.
vol. 2. Le Caire: Institut Français d’Archéologie Orientale, 1982.
Gesink, Indira Falk. Islamic Reform and Conservativism: Al-Azhar and the Evolution of
Modern Sunni Islam. London and New York: I.B. Tauris Publishers, 2010.
Gibb, Hamilton A. R. Modern Trend in Islam. Chicago: The University of Chicago
Press, 1945.
Hūrānī, Albert. Arabic Thought in the Liberal Age 1798-1939. London: Cambridge
University Press, 1970.
Wood, Leonard. Islamic Legal Revival: Reception of European Law and Transformations
in Islamic Legal Thought in Egypt, 1875-1952. London: Oxford University Press, 2016.