Return to Article Details Book Review: Human Rights on Trial — A Genealogy of Democratic Skepticism

قراءة في كتاب: محاكمة حقوق الإنسان، جنيالوجيا الريبية الديمقراطية

Book Review: Human Rights on Trial - A Genealogy of Democratic Skepticism

منير الكشو

Mounir Kchaou

الملخّص

عنوان الكتاب : محاكمة حقوق الإنسان: جنيالوجيا الريبية الديمقراطية. العنوان الأصلي : Le procès des droits de l'homme: Généalogie du scepticisme démocratique . المؤلفان :Justine Lacroix & Pranchére Jean-yves . الناشر : .Seuil, Paris سنة النشر : 2016. عدد الصفحات : 352 صفحة. تبدو غاية هذا الكتاب، مثلما يوحي به العنوان، تعقّب الأصول التكوينيّة للريبة التي يبديها مثقفون ومفكرون معاصرين فرنسيين أمثال بيار منان ومارسال غوشييه وكلود ميشيا حيال حقوق الإنسان رغم تبنيهم لفكر الحداثة السياسية ودفاعهم على الديمقراطية والمشاركة السياسية وقيم المواطنة. إذ يرى هؤلاء في التزام بمقتضيات حقوق الإنسان خطرا على الديمقراطية وعلى تماسك المجموعة الوطنية لما تشيعه من نزعة فردانية تؤدي إلى تكاثر المطالب المتعلقة بالحقوق على نحو لا يعرف حدّ مما يوهن عُرى التكافل التي نسجها التاريخ الخاص لكل جماعة سياسية ويجعل الأفراد يبحثون عما يحميهم من بعضهم البعض بدل الاهتمام بما يوطّد الروابط التي تشدهم إلى بعضهم البعض.

Abstract

The aim of this book, as the title suggests, seems to follow the formative origins of the skepticism of contemporary French intellectuals and thinkers such as Pierre Menant, Marcel Gauchet and Claude Michelet towards human rights, despite subscribing to political modernism and defending democracy, political participation and the values of citizenship. They believe that commitment to human rights requirements poses a danger to democracy and national cohesion. In their opinion individualistic trends lead to the proliferation of demands for rights and consequently weakens the bonds of interdependence woven by the history of each political group. This usually intensifies tendencies towards self-preservation and individualism at the expense of the bonds that bind a community.

الكلمات المفتاحية:
  • حقوق الإنسان
  • محاكمة
  • جنيالوجيا
  • الريبية الديمقراطية
  • السياسة
  • الأخلاق
Keywords:
  • Human Rights
  • Skepticism
  • Democracy
  • Ethics
  • Politics
  • Genealogy

عنوان الكتاب: العنوان الأصلي: المؤلفان: الناشر:.Seuil, Paris سنة النشر عدد الصفحات: 523 صفحة.

محاكمة حقوق الإنسان: جنيالوجيا الريبية الديمقراطية.

.Justine Lacroix & Pranchére Jean-yves

تبدو غاية هذا الكتاب، مثلما يوحي به العنوان، تعقّب الأصول التكوينيّة للريبة التي يبديها مثقفون ومفكرون معاصرون فرنسيون أمثال بيار منان Manent Pierre، ومارسال غوشييه Gauchet Marcel، وجون كلود ميشيا Michéa Jean-Claude، حيال حقوق الإنسان، رغم تبنيهم فكرَ الحداثة السياسية ودفاعهم عن الديمقراطية والمشاركة السياسية وقيم المواطنة؛ إذ يرى هؤلاء أنّ في التزام مقتضيات حقوق الإنسان خطرًا على الديمقراطية، وعلى تماسك المجموعة الوطنية؛ بالنظر إلى ما تشيعه من نزعة فردانية تؤدي إلى تكاثر المطالب المتعلقة بالحقوق على نحو لا يعرف حدًّا؛ ما يوهن عُرى التكافل التي نسجها التاريخ الخاص لكل جماعة سياسية ويجعل الأفراد يبحثون عما يحمي بعضهم من بعض، بدلً من الاهتمام بما يوطّد الروابط فيما بينهم. فحقوق الإنسان معايير عامة ومجرّدة تدّعي الكونية، وتفرض على الديمقرطيات سلطة أخلاقية عليّة وأحكامًا وتوجيهات مستقلة عن القيم والاختيارات السياسية الخاصة بكل أمة؛ لذلك تحُول مزاعم الكونية المتضمنة في حقوق الإنسان، بحسب رأيهم، دون قيام مشروع سياسي أصيل ينبع من القيم المميزة لكل جماعة تاريخية. ويميّز الكاتبان هذا النقد لحقوق الإنسان من النقد المحافظ والرافض لها في سياق رفضِ الحداثة السياسية والديمقراطية كلتيهما، وهو ما نجده لدى مفكرين وفلاسفة معاصرين أمثال الفرنسي ميشال فيللي Villey Michel، ورجل الدين الإنكليزي جون ميلبانك Milbank John، والأسكتلندي. Alasdair MacIntyre ألسدير ماكنتاير ولا يرى الكاتبان في النقد الموجّه إلى حقوق الإنسان، سواء في صيغته الديمقراطية أو في صيغته المناهضة للحداثة، أي عناصر جدّة تذكر؛ فهو يستمدّ أصوله من نقود واعتراضات تجاه فكرة حقوق الإنسان عبّر عنها مفكرون وفلاسفة منذ نهاية القرن السابع عشر، واكتسبت صيغتها الحالية في الجدل المعاصر. ويستعرض المؤلفان مُختلف الاعتراضات التي وُجّهت إلى حقوق الإنسان على مدار القرون الأخيرة، والتي تغذي اليوم الريبة المنتشرة حيالها في الحياة الفكرية للديمقراطيات المعاصرة، وخاصة الفرنسية. لذلك نراهما يركزان على أعمال سبعة مؤلفين يرونهم قد أثّروا تأثيرًا بليغًا في صياغة الحجج التي تُقدم اليوم ضدّ حقوق الإنسان، وهم إدموند بيرك، وجوزف دي ماستر، ولوي دي بونالد، وجيرمي بنتام، وكارل ماركس، وأوغست كونت، وكارل شميت. أما ردّهما على هؤلاء الفلاسفة وعلى اعتراضات الريبية الديمقراطية المعاصرة، فيستند إلى وجهة نظر دافعت عنها الفيلسوفة الأميركية ذات الأصول الألمانية حنة أرندت يكون وفقها الفهم السياسي لحقوق الإنسان، لا القانوني أو الميتافيزيقي، هو الفهم الأسلم. يعتبر بيرك صاحب كتاب تأملات في ثورة فرنسا (1790) أول من رفض الخلفية الأخلاقية الكونية التي تقوم عليها حقوق الإنسان، والتي رأى فيها خطرًا على الموروث (الفصل الثاني من الكتاب). فالثورة الفرنسية، عام 1789، منحت نفسَها بُعدًا كونيًا، وقدمت نفسها على أنها حدث يشمل الإنسانية كلها ولا يخصّ الشعب الفرنسي فقط. على خلاف ذلك، فإنّ الثورة الإنكليزية، عام 1688، وحرب الاستقلال الأميركية، لم تكونا تدّعيان الكونيّة، وإنما كانتا استجابة لظروف وملابسات تاريخية خاصة بكل بلد من البلدين، ولم تكن في نيّة الفاعلين فيهما تقديم أنموذج للبشرية لتقتدي به؛ لهذا السبب انمازت الثورة الفرنسية عنهما بخطاب يدّعي

الصحّة الكونيّة، ويلغي الخصوصيات التاريخيّة لكل أمة وشعب. ويتواصل رفض كونيّة حقوق الإنسان مع الفيلسوف الإنكليزي بنتام مؤسّس المذهب المنفعي، والفرنسيّ أوغست كونت مؤسّس المذهب الوضعيّ، إذ بدت لهما حقوق الإنسان مناقضة للمنفعة الاجتماعية (الفصل الثالث). ولئن اختلفت الانتماءات السياسية والفكرية بين بنتام وبيرك؛ إذ يُحسب الأول على اليسار الراديكالي المساواتي، والثاني على اليمين المحافظ الإنكليزي، فإنهما اتفقا على رفض الخلفية الأخلاقية المطلقة وما قبل – سياسية التي تقوم عليها حقوق الإنسان، في حين أن مصدر كل معيار قانوني، في رأييهما، هو الإرادة الجمعية للبشر كما تتجسّد داخل مؤسسات وتنظيم سياسي. لكن لئن اعتبر بيرك أن خطر حقوق مطلقة وكونية للإنسان يكمن في أنها تُنكر أهمية التاريخ الخاص للجماعات والأمم، فإن بنتام يرى أن خطر حقوق الإنسان لا يتمثل في تهديدها لتاريخ شعب، بقدر ما يكمن في تهديدها لمستقبله. فبإخضاعها الاختيارات السياسية لشروط مسبقة تتمثل في احترام حقوق يملكها الفرد خارج سياق المنفعة العامة والجامعة، تجعل الحقوق فوق المصالح، سواء كانت فردية أو جماعية، وتصادر إمكانيات تطور المجتمع. ونجد التأكيد نفسه على التضارب بين حقوق الإنسان والمنفعة الاجتماعية لدى الفيلسوف الفرنسي أوغست كونت الذي اعتبر أن عيب فكرة حقوق الإنسان أنها تؤدي إلى إخضاع الواجبات للحقوق، في حين أن الواجبات هي التي تؤسّس روابط التكافل، وتحفظ تماسك النظام الاجتماعي، وتحصّنه ضد النزوع الفرداني المقترن بفكرة الحقوق. ففي نظر كونت، ليست الحقوق التي يمتلكها هي ما يحمي شخصًا من الآخرين، وإنما الواجبات المشتركة والمتبادلة بينه وبين أقرانه. أما النقد الرجعي، فيتميز من الأشكال النقدية التي ذكرناها برفضه المطلق للخلفية الفلسفية التي تنهض عليها فكرة الحقوق في العصر الحديث؛ إذ إن حقوق الإنسان مضادّة لحقوق الله (الفصل الرابع). ومقارنةً بنقد بيرك، يعدّ هذا النقد الذي صدر عن الفرنسيَين دي بونالد ودي ماستر موغلً في رفض الحداثة السياسية برمتها، فحقوق الإنسان مُؤسِسة لحكم بشري يقوم على التوافق والتعاقد، ما يعني أن السلطة تنبع من البشر والحال أنه لا يوجد، في رأييهما، مصدر آخر للسلطة غير الله. ولا يمكن منازعة السلطة الإلهية ولا السلطة السياسية؛ لأنهما لا تتأسسان على عقد اجتماعي، وكل وفاق بين إرادات بشرية يقتضي قوة خارجية تؤسّسه، وإلا لن يكتب له الدوام. أما الماركسية، فتعتبر أن حقوق الإنسان لا تحمي إلا «الحساب الأناني» للمصالح الخاصة؛ لذلك فهي لا تقدّم للبشرية سبيلً للتحرّر (الفصل الخامس). ففي كتاب المسألة اليهودية (1844)، انتقد ماركس مزاعم الأخلاق المتضمّنة في حقوق الإنسان أنها مستقلة عن الظروف الاجتماعية التي أنتجتها، وعن الصراع الطبقيّ. وضدّ المنطق التذريري الملازم لحقوق الإنسان، يعتبر ماركس أن الدفاع عن الأشخاص من خلال الحقوق وترك النظام الاجتماعي والاقتصادي القائم على الملكية الفردية لوسائل الإنتاج على حاله تضليل ومغالطة. ففي مجتمع يقوم فيه النظام الاقتصادي على الملكية الفردية لوسائل الإنتاج، تستفحل الفوارق الاجتماعية، حتمًا، ويستعر التنافس من أجل الاستئثار بمصادر الثروة والنفوذ، ويكون عندها ادعاء اشتراك الناس في حقوق الإنسان

على قدم المساواة كذبًا وتوريةً للجور والحيف، بدلً من كشفهما وإدانتهما. وفي رأي الكاتبين جوستين لكروا وجان إيف برانشير، فإنّ ماركس أخطأ تقدير أهميّة حقوق الإنسان؛ لأن قصورها عن تحقيق التحرّر الكامل من الجور والاستغلال لا يعني خلوّها التام من الصحّة. فالقضاء على الاستغلال وتحقيق الاشتراكية يقتضيان، في رأييهما، ضمان حقوق للإنسان؛ مثل حق التجمع السلمي، وتكوين الجمعيات، وإنشاء النقابات والانضمام إليها من أجل حماية مصالحه، والانتخاب، وحريّة الإعلام، فضلً عن أن هذه الحقوق تُعدّ شروطًا لتغيير اجتماعي فعلي. وبالنسبة إلى الألماني كارل شميت، فيلسوف القانون، والذي كان عضوًا بارزًا في الحزب النازي، يكمن خطر حقوق الإنسان في إقصائها السياسةَ من حياة الجماعة (الفصل السادس)؛ فهي من جهة تقوّض مبدأ السيادة الذي قامت عليه الدول الحديثة بجعلها السيادة نابعة من الأفراد، بوصفهم الفاعلين السياسيين الذين يشكلونها، لا متأسّسة على وحدة وهُوية جمعيّة لشعب ما، ومن جهة أخرى، تحلّ محلّ التجانس القومي للشعب تجانسًا أخلاقيًا كونيًّا للأفراد مستقلً عن كل تنظيم سياسي. وفي الفصل السابع من الكتاب، وكذلك في آخر الفصل الأول، كما في الخاتمة، يعتمد الكاتبان على آراء الفيلسوفة حنة أرندت وآراء فلاسفة فرنسيين أمثال كلود لوفور، وإتيان تاسان، وإتيان باليبار، للردّ على الريبية الديمقراطية المعاصرة تجاه حقوق الإنسان، وعلى حجج الفلاسفة الكلاسيكيين ضد حقوق الإنسان الذين أتينا على ذكرهم باختصار. تكمن أهمية أرندت في قيامها، في الفصل التاسع من الجزء الثاني من كتابها أصول التوتاليتارية (1951)، بإعادة بناء سياسي لمفهوم حقوق الإنسان تجعل مفهومها قد تبلور في خضمّ الكفاح السياسي؛ من أجل اكتساب الحقوق، وتجسّد عبر شعار «الحقّ في امتلاك حقوق». لذلك يتعيّن أن نفكر في الحقوق من خلال ما يمثل شرط إمكانها؛ أي انتماء الأفراد إلى جماعات سياسية في ظلّ مؤسسات ونظام اجتماعي ودولة يناضلون داخلها من أجل اكتساب حقوق وفرض احترامها من جانب النظام السياسي لمجتمعهم، ومن دون ذلك لن تكون حقوق الإنسان إلا أمنية أو حلمًا لن يجدَا طريقهما إلى الإنجاز والتفعيل. ولعل هذه الفكرة لدى أرندت هي التي دعت العديدَ من الشارحين لفكرها إلى إلحاقها بالمفكرين الجماعتيين Communitarians المعادين لحقوق الإنسان بمفهومها الكوني، والذين اعتبروا هذه الحقوق، بسبب طابعها المجرّد والمطلق، أطرًا معيارية خاوية فاقدة لكل بُعد سياسي. لكن يرى مؤلفَا الكتاب أنّ فلاسفة فرنسيين أمثال لوفور، وإيتيان تاسان Tassin Etienne، وإيتيان باليبار Etienne Balibar، قد دافعوا عن حقوق الإنسان من وجهة نظر تقترب من أرندت في تثمينها البعد السياسي من دون الوقوع في «مطبّ» النقد المحافظ لسمويل موين أو ألسدير ماكنتاير أو ميكل سندل، فلوفور يثمّن البعد السياسي في حقوق الإنسان، والذي لم تتفطن الماركسية لأهميته. فعيب مقاربة ماركس لحقوق الإنسان أنها اختزلتها في حقوق أفراد همّهم الوحيد رعاية مصالحهم الخاصة، في حين أنها حقوق تمكن من ربط الذات الفردية بالذوات الأخرى، وتعزّز الوشائج الاجتماعية، وتنمي شبكة العلاقات التي تشدّ البشر بعضهم إلى بعض، بدلً من أن تحوّلهم – كما اعتقد ماركس – إلى كيانات منفصلة ومعزولة لا تنشغل إلا بذاتها ومصالحها.

فالحقّ في حرية التعبير، مثلً، هو الحق في نسج علاقات مع الآخرين وفي التواصل معهم، وهو حق يمكّن الإنسان من الخروج من ذاته، ويتيح له الاقتران بغيره من خلال الكلمة والكتابة والفكر. ومن ثم، لا يمكن قصر مدى فاعلية الحياة الفردية في الحدود الضيّقة لكوكبة الحياة الخاصة؛ فمن حق الفرد أن يكون له كلمة وفكر عام. وفي نظر لوفور، لا يمكن أن تتطور الديمقراطية إلا إذا كُرّست حقوق الإنسان داخل المؤسسات، وتوافر فضاء عام لتبادل الأفكار والآراء، بدلً من توافر سوق لتبادل السلع فقط. أمّا تاسان وباليبار، فقد استفادا من رأي أرندت حول ضرورة فهم سياسي يقرن بين حقوق الإنسان وفكرة المواطنة، لا من حيث هي انتماء إلى دولة قوميّة بعينها، وإنما باعتبارها صفة سياسية في طور بناء دائم مستقلة عن الحدود، تنحت معالمها النضالات في سبيل التحرّر لتنقلها من حيز الفكرة إلى حيز «الإنجاز العملي»؛ عبر بناء السلطات المضادة، وتثبيتها في وجه نزوات الهيمنة المتفشية بين النخب السياسية والاقتصادية الفاعلة، لا على الصعيد القومي فحسب، وإنما على الصعيد الدولي أساسًا. ويبدو عيب القراءة السياسية لأرندت، في نظر الكاتبين لاكروا وبرانشير، في أنها تعتبر نموذج الدولة القومية الإطار الأمثل لضمان حقوق الإنسان وتجسيدها، في حين تشِي الوقائع بأن الدولة القومية قد عملت تاريخيًا على ارتهان حقوق الإنسان، وخاصة الحقوق السياسية، بالغايات والأهداف القومية، ولم تكن الراعي الأمين لها. رغم قيمة الكتاب من حيث ثراء الأفكار ودقتها ووجاهة النقد للفكر المناهض لحقوق الإنسان، فإن ما يغلب عليه، في مجمله، في رأينا، الموجّهات الكبرى للتقليد الفلسفي الفرنسي رغم حضور آراء وأفكار بعض الفلاسفة والمؤلفين الأنغلو – أميركيين، وإن كان ذلك على نحو محدود. فقد اقتصر الكاتبان على عرض أفكار حنة أرندت ومناقشتها؛ لما كان لها من تأثير في كُتَّاب وفلاسفة فرنسيين أمثال لوفور ومنان وتاسان وباليبار وغوشيه، في حين أنّ مؤلفين آخرين من أصحاب اللسان الإنكليزي أمثال طوماس بوكي، وسيلا بنحبيب، وألن بوكنان، وبيتر سنجر، وديفيد هيلد، أو حتى أمارتيا سن، يوافقون الكاتبين رأيهما في أن الديمقراطية تحتاج إلى دعم من خلال رؤية لحقوق الإنسان تتخطى حدود الدولة القومية، وتطرح مسألة التحرّر في سياق يكون مركزه الرهانات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية العالمية. ويبدو أنّ الكاتبين قد انشغلا أكثر بردّ حجج الفلاسفة المعاصرين والمحدثين – وخاصة الفرنسيين منهم – ضد حقوق الإنسان، وبالعمل على صياغة نظرية فلسفية متسقة تسوّغ عقلانيًا كونيتها، ولم يوليَا حقوق الإنسان اهتمامًا كافيًا؛ كما تحقّقت في القانون الدولي والمواثيق الدولية، وتجسّدت عبر المؤسّسات الدولية. فهذه المعاهدات والمؤسسات الدولية نقلت حقوق الإنسان من حيز الفكرة المجرّدة إلى حيز الواقع والتفعيل، وجعلتها حاضرة في حياة الناس، ومؤثرة في العلاقات بين الدول. ويمكن في هذا السياق أن نورد على سبيل الذكر، فضلً عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بعض المعاهدات الدولية المهمة مثل المعاهدة الدولية للحقوق السياسية والمدنية لعام 1966، والاتفاقية الدولية حول منع التعذيب، والاتفاقية الدولية حول حقوق الطفل، والمعاهدة الدولية حول تحجير الاتجار بالبشر، كما لا ينبغي لنا أن نغفل أهمية دَور مؤسسات دولية ذات صلة باحترام

حقوق الإنسان؛ مثل مجلس الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التابع للأمم المتحدة. وفي نظرنا، إن ضعف السند الإمبريقي يجعل الكتاب مغرقًا في الجدالات الفلسفية المنفصلة عن سياق التطورات التي حصلت على صعيد التفعيل المادي لحقوق الإنسان على المستوى الدولي. يبدو لنا أنه من غير الصواب، الدفاع فلسفيًا، عن أطروحة حنة أرندت المركزية «الحق في امتلاك حقوق» من دون ربطها بالنضالات الاجتماعية في سبيل تفعيل ذلك الحق، والتي لم تعُد تجري على الصعيد الداخلي لجماعة سياسية فحسب، بل على نطاق دولي أيضًا. فيكفي أن ننظر إلى ذلك العدد الهائل من المنظمات غير الحكومية، المنخرطة على صعيد دولي في كفاح من أجل فرض احترام الحقوق الأساسية للبشر، حتى نتبين مستوى التغيير الذي حدث بين الزمن الذي كتبت فيه أرندت أفكارها حول صلة الحقوق بالمواطنة وزمننا الراهن. وتتجلى هنا أهمية الفلسفة السياسية ودورها في توضيح المعايير التي يفترضها التضافر بين الحقوق والنضالات التي تخاض في سبيلها، وهو ما يقتضي في تصورنا اعتبارًا للحقوق في حركيتها وفق وجهة كونية وشاملة؛ حتى لا تكون مجرّد مصفوفة لامتناهية من المطالب المنفصل بعضها عن بعض. فحقوق الإنسان ستكون لفيفًا من المفاهيم الخاوية الخالية من كل بُعد سياسي ما دام لم يقترن معناها بذلك النضال الذي يُخاض على نحو يوميّ ضدّ اللامساواة؛ على مستوى التمكين من الموارد، والحظوظ التي تتيح الاستخدام الفعلي للحرية وممارسة الحقوق الكونية. وكما ورد في الفصل (28) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان «لكل فرد حق التمتع بنظام اجتماعي ودولي يمكن أن تتحقق في ظله الحقوق والحريات المنصوص عليها في هذا الإعلان تحققًا تامًا». والنضال في سبيل ذلك هو نضال اجتماعي يُخاض على صعيدين أحدهما محليّ والآخر دوليّ عابر للقوميات، ويبدو لنا أن الكتاب لم يولِ هذا الجانب حق قدره ولم ينشغل إلّ بالتسويغ النظري لكونية حقوق الإنسان.