نيتشه: الحس النقدي أساس المعرفة المرحة
Nietzsche: Critical Sense as a Foundation of gaya scienza
الملخّص
يسعى هذا المقال إلى بيان ما في "المعرفة المرحة" عند نيتشه من استفهامات فلسفية ذات نسب بالحياة، سواء أكان جحودًا لها مع العقل المجرد، أم اعترافًا بها مع "الفكر الحر". وقوام فلسفة الحياة مع نيتشه جملة الردود النقدية التي تشكك في القول بإرادتي المعرفة والحقيقة، ومرادها تثبيت الرابطة الفلسفية الناشئة معه، بين المعرفة والحياة. فكلتاهما تخدم الإنسان، من جهة أسلوب الحياة ونمط المعرفة التي تتخطى التجريد الكلاسيكي لصورة الإنسان. والفكر الحر هو الذي سيشكل الحيّز الأرحب، ومنه درب "العقل الحصيف" الذي يشتغل، على نحو نقدي متجاسر، على الدغمائيات التي من شأن الفعل الحيوي "بضربات المطرقة" جعلها متهافتة. وعليه، يطرح العقل الفاعل بحس نقدي أسئلة الإنسان المقدر لذاته، من جهة جدارته بالحياة فيما وراء الخير والشر.
Abstract
Abstract: This article attempts to clarify Nietzsche’s concept of gaya scienza and the type of philosophical questions it raises in relation to life, and whether it is a denial of it with pure reason, or acknowledging it with ‘free thinking’. The essence of the philosophy of life with Nietzsche is the sum of critical answers that put into question the will to knowledge and the will to truth. Its goal is to confirm the growing philosophical ties he has with knowledge and life. Both of them pay their service to man in terms of the lifestyle and the type of knowledge that goes beyond the classical abstraction of man’s image. Freethinking will occupy the most important place; an illustration of this is the ‘wise reason’ path, which critically ventures into dogma, itself weakened by the vital action similar to ‘a hammer’s beats’. Thus, the acting mind with a critical sense raises the questions of man who values himself beyond good and evil.
- المعرفة
- الحقيقة
- الحس النقدي
- المعرفة المرحة
- الحياة
- Knowledge
- Truth
- Critique
- Gaya scienza
- Life
«في أصل مفهوم ‘المعرفة’: لقد استوحيت هذا التفكير في الشارع عندما سمعت رجا من الشعب يقول: ‘لقد عرفني’! وتساءلت عند سماعي هذه الكلمات ما الذي يقصده العوام بالمعرفة. إلى ماذا يسعى عندما يسأل عنها؟ لا شيء غير ذلك: إرجاع شيء ما غريب إلى شيء ما ‘معروف’. ونحن معشر الفاسفة، ما هو الشيء الذي نضيفه إلى هذه الكلمة؟ المعروف أي ما معناه الأشياء التي اعتدنا عليها بشكل لا تعود معه تدهشنا»1.
مقدمة
كان زرادشت الفيلسوف قد استخلص من عالم الفكر والحياة أن «لكل واحة أصنامها»2. ومما يتعافى به عالم تطوقه قداسة التصنيم انتهاج مسلك النقد. غير أن الفعل النقدي لم يكن حكرًا على فلسفة فريدريش نيتشه (1900–1844) وحدها. ولعلنا نرى في كامل تاريخ الفلسفة تقريبًا ومنذ سقراط وأفاطون مقدرة الفيلسوف على التوجه نقديًا في التفكير، فلقد تعمق هذا التوجه تخصيصًا في الفلسفة الحديثة مع الفيلسوف الألماني إيمانويل كنط (1804–1724). غير أن «نيتشه يقدم نفسه ناقدًا للنقد الكنطي»3 في معظم الأحيان. وذلك من خال محاورته الفلسفية في أكثر من نص له4. ومع ذلك، يظل منعطف الفلسفة النقدي في التاريخ المعاصر مقترنًا، إلى حد كبير، بما أودعه نيتشه في عالم الأفكار من أسلوب متميز في الممارسة النقدية، وبخاف ما عهدناه فيها، من صورة كان قد رسمها المشروع
الكنطي5، أو حتى في صورها السابقة6، والاحقة7، على نقد العقل لذاته8. ويرد ألق جذرية الحس النقدي النيتشي مقارنة بالكنطي9، أنه تعدى المستوى المعرفي المحض ليتواشج مع الحياتي. إن الحياة منتجة لجملة القيم، ومتى كانت هذه الحياة في تهاوٍ حد الوهن، صارت القيم على غاية من الانحطاط10. غير أن القيم تستحيل، في المقابل، إلى رفيعة، متى كانت منظوريتنا بشأنها أكثر تعظيمًا للمتعافى منها، فالحس النقدي الذي تحتاجه استقامة الفكرة الفلسفية هو الذي يمسك بما في الكتابة من عدم وضوح، وما في الفكر من عفن، وبما ليس من الحياة في شيء. ففي الوثوقي من عالم الأنساق الفلسفية، لطالما تفرد الدغمائيون بحمل الكثير من الأقنعة؛ لتكون حجابًا مانعًا للحياة نفسها11. وعليه، تجاسر الفيلسوف الألماني نيتشه، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، على
التوجه بالنقد المزلزل ضد من حال دون التواؤم بين الفلسفي والحياتي، فأنكر عليه بعضهم حدة كلمته لما تتوفر عليه من جرأة في القول والكتابة، حد اتهامه بالمارق عن مملكة النسق. إذ مارست هذه الأخيرة الكثير من الغواية على بعض العلماء والميتافيزيقيين والاهوتيين والفاسفة ما مارسته. وهكذا، كان يقول فيهم: «لقد وصفوا أعمالي بمدرسة الشك، بل أكثر من ذلك، بمدرسة الازدراء، كما وصفوها، لحسن الحظ، بمدرسة الشجاعة، بل بمدرسة الجسارة. في الحقيقة، إنني أعتقد أنا أيضًا أن لا أحد قد نظر إلى العالم بشك في عمق شكي، وليس فقط كمحامي الشيطان، عند الاقتضاء، بل كذلك، وحتى أتكلم مثل الفقهاء، كعدو الإله ومتهمه»12. تتمثل الفضيلة المبدئية للحس النقدي في تعرية ما في الخانة الرمادية من حداثة أوروبا، من نزوع نحو العدمية السلبية13.
أولا: تصريف سؤال النقد
«كنت أحمل مفتاحًا صدئًا، أكثر المفاتيح صدأً؛ وكنت أعرف كيف أفتح به أكثر الأبواب صريرًا»14. كان نيتشه قد فرق بين معرفة «الفيلسوف»15 الموسوم ب «الطبيب »16 والعليم بنسبة المعرفة الطبيعية، إلى «الفلسفة الشعبية النبيلة»17 وبين معرفة «شغيلة الفلسفة »18 المخادعة لنفسها بتعالمها. فالأول يشتغل ضمن الأفق المنظوري للنقد الغليظ. أما الثانية فتركن إلى موضع لا يخدم النقد الفلسفي في شيء؛ لذلك، يقول لسان حال الطبيب المشخص/ الناقد: «نحب أن نستعمل التجربة في معنى موسع وخطير، ولكن بالنظر إلى نقد مفهوم بعمق أكثر»19. فما العمق في النقد؟ أليس هو عين تصريفه في منظورات حادثة، تتجاوز المنصرم من رؤى الفلسفة الكاسيكية لنفسها؟ لعله يكون من فضائل التشخيص النقدي ما يتوفر عليه من ممكنات، يقوى بها على تأسيس إمكانية تفكر ضد الإدانة الدائمة
للعقل من «الضمير الحيواني المرتاح»20. ذلك أنه من جملة ما يشرع لعافية التفلسف هو ما يمكن أن يكون عليه عقل الفيلسوف، ذو الملمح الجنيالوجي والنقدي، مثلما كان عليه عقل نيتشه21 من عزم في الكشف عما اعتبره بعض الفاسفة منقلبات إبستمولوجية، تهم نظام المعارف النظرية، وحسب. وبالنتيجة، يتعلق النقد النيتشي أساسًا بما منحته المعرفة لنفسها من منزلة مبالغ في تقديرها. ويشمل هذا النقد، بحسب منطق التشخيص، الأعمدة الثاثة للمعرفة في صيغتها الكاسيكية: • المُثل التي أنتجتها تلك المعرفة، من قبيل: «كيف تكون الأحكام التأليفية القبلية ممكنة؟»22. كما هو الحال مع الفلسفة النظرية المحض مع كنط، أو «فكرة الخير»23 مع أفاطون، أو أنا أفكر، إذًا أنا موجود»24 مع ديكارت؛ حيث يسأل نيتشه هذه المثل وفقًا لأنحاء عدة، من قبيل: ما اللزوم الفلسفي لها؟ هل هي خادمة للحياة؟ ألا تكون مجرّد قضايا لغوية تعكس انحباس العقل الفلسفي في أطوارٍ معينة من اشتغاله؟ وما نفعها للحياة؟ وهل تحوز في متونها ما يكفي من «لغة الاستجابة الإثباتية للحياة»25. • ما منشأ هذه الأحكام التي عجل بعض الفاسفة بإصدارها، فتدافعوا متحاورين بمقولات مجردة؟ أتكون من قبيل المتنفس الفيزيولوجي لأصحابها، أم الجحود التشاؤمي والعقاني للحسي والحياتي؟26• ما الإرادة التي تحكمت في تلك المثل؟ وعمن توارثها الفيلسوف الحديث؟ وما غنم الحياة والفكر منها؟ ومن سيتحصن بها لاحقًا من أشقياء المعرفة من أهل الافلسفة؟ ربما»«27 الأهم في مثل هذه الاستشكالات هو وضع المعرفة موضع المساءلة؛ بغرض تقويم قيمتها وقيمة إرادتها أصلً. فضلً عن أسباب الإذعان لطلبها، بوصفها منتجة للحقيقة. فالفيلسوف «الخطاء» (إن
جاز هذا التوصيف المخالف لمعايير نيتشه في القراءة) ما أدرك من عواهن المعرفة إلا ما يؤسس لتوسعة مدار الخياء الميتافيزيقية. أما بالنسبة إلى نيتشه، فإنه «يعترض إذًا بالمعرفة على الحياة، كما لو كان ذلك ضامنًا للسلم والقانون، ضد ما ينذر النظام والعقل، فتظهر الحياة كما لو كانت الخطأ الأكبر، وسيصير مشتبها في الفن لكياسته ضد هذا الخطر»28. إذًا، يقوم الفعل النقدي النيتشي على بيان ما في إنكار الحياة من النظرانيين والميتافيزيقيين والتجريديين من خطر على الحياة عينها. وعليه، يثور ضد هؤلاء انتصارًا منه للحياة وتثبيتًا لها. وهو ما جعله يجدد في صورة المعرفة لتكون مشرعة للحياة. وما يشرعها سوى الإقبال عليها والألفة معها. فما المعنى الممكن لمسألة تصريف سؤال النقد؟ ههنا يستحيل سؤال النقد من سؤال مفرد للعقل إلى جموع من الأسئلة في فقه «فلسفة الما وراء». صحيح أن كنط فرّع سؤال النقد إلى ثاثة، ولكنه انتهى إلى حوصلتها في السؤال الرئيس: «ما الإنسان؟»29. هذا ما كان عليه تصريف سؤال النقد في الفلسفة العقانية النقدية. أما من منظور فلسفة الحياة، وحيثما ستحتاج مجمل القيم إلى أسانيد نقدية مستحدثة، فستصبح أسئلة الناس على غاية من الكثرة والتنوع، وما على فعال النقد إلا فلحها، بترسيخها في بساط الفلسفة وأطرافه. لذا، يطال النقد أوسع حقول التفكير كما أضيقها، مثلما هو الحال في كتاب ما وراء الخير والشر، فاعتبر نيتشه «هذا الكتاب (1886) في جوهره نقدًا للحداثة؛ للعلوم الحديثة، والفنون الحديثة، ولم تستثن منه حتى السياسة الحديثة، إلى جانب كونه إشارة إلى نموذج مضاد أقل حداثة قدر الإمكان؛ نموذج نبيل وإثباتي»30. لم يعد إذًا، مدار السؤال واحدًا فقد بات متكثرًا. غير أن في كثرته هذه مشتركًا من جهة أغراض معظم الفاسفة: إرادة الحقيقة ومعناها. عمل النقد مع نيتشه قائم على التوجه نحو تخوم منشأ الإرادة التي انشدت إلى مبحث الحقيقة، وكما لو صارت كل الفلسفة قابلة لاختزال فيه. يتنزل، إذًا، سؤال المعنى الذي طالما شغله نيتشه: ما معنى إرادتي المعرفة وإرادة الحقيقة؟ لا، بل إن النقد ليزداد تجذرًا ما أن يطرح سؤال: «ما الذي تريده هذه الإرادة»؟ وما الذي تخفيه؟ وما القوى الناعمة والصموتة الدافعة بطائفة من الفاسفة إلى افتراض أن توجد معرفة حبلى بالحقيقة؟ وحتى يكون فعل التفلسف حمالً لمعناه، ومكتسبًا لقيمته، عليه طرح المساءلة التالية: من الإنسان – الحق؟ وما الحقيقة التي يريدها؟ ومن الإنسان – العارف؟ وما الذي يريده من هذه المعرفة؟ وما عاقات القوى التي تموضع فيها وحُبس؟ وما لعبة القوى التي سيق به إليها؟ وعلى أي نحو وُجد فيها، أو ارتهن؟ وما مستطاعه على إدارة الصراع في عالمها، وقد تنمقت فصاحة المستحوذين عليها؟
تلك هي جموع الاستفهامات، وقد أشكلت على من يتعاطى النقد. نعثر ههنا على ما يشبه الإجابة عند نيتشه: «نحن أول عصر مثقف في ما يخص ‘الأزياء’، أعني الخلقيات والمعتقدات والأديان والأذواق الفنية، عصر مهيأ أكثر من أي زمن مضى لاحتفال تنكري فخم الأسلوب، للضحك والهرج الكرنفالي الأكثر روحية، بل لقمة الحمق الأعلى التجاوزية، وللسخرية من العالم»31. إن تحديد المعنى، والعثور على مواطنه يقتضي تحديد «القوة التي تتملك الشيء، أو تستغله، أو تستولي عليه أو تعبر عن نفسها فيه»32. فثمة قوة كامنة في موضوع التشخيص الجنيالوجي هي منبع المعنى. وهذه القوة لا تتمظهر في مستوى السطح للظاهرة، إلا بما هي عرض. ولعل هذا ما قصده دولوز من اعتباره «الظاهرة ليست مظهرًا ولا حتى ظهورًا، بل هي عامة، هي عرض نجد معناه في قوة حالية. الفلسفة بكاملها علم أعراض ونظرية عامة للعامات»33. يرى دولوز أن نيتشه يتجاوز بعلم الأعراض، هذا، مستوى التفاسير المعهودة التي لا تتخارج، في النهاية، عن دائرة الميتافيزيقا. ولربما يعزى للفلولوجيا، بوصفها فرعًا من فروع علم اللغة، الفضل في اهتمام النقد بدراسة الآداب القديمة ولغاتها، وخاصة اليونانية والاتينية. إذ قد يكمن هنا مرصد متاهة العقل الفلسفي في بعض من تواريخه. وفضلً عن ذلك، فقد يسر التواشج بين فعل الفلولوجيا وفعل النقد متابعة ما بار من «مخازن» الفلسفة. لذلك، اتخذت الفلولوجيا منحى الدراسة النقدية التاريخية المترصدة للتصدعات التي طرأت على لغة ما وتطوراتها ومنعرجاتها.
ثانيًا: صور النقد
«أسعى جهدي؛ كي أتمثل أي نوع من الحساسية الخصوصية34 استطاع أن يقود إلى مثل هذه المعادلة السقراطية: عقل = فضيلة = سعادة: تلك المعادلة الأغرب مما يمكن أن يوجد من الغرابات، والتي تعارضها كل الغرائز الهيللينية، على نحو خاص»35. يُعتقد في العادة أن منظورية نيتشه الناقدة للعقل قد قضت عليه تمامًا حد فقدانه قيمته الفلسفية. وهذا حكم غير موزون؛ لمخالفته روح المتن النيتشي، في مجمله36. لكن، حري بنا القول إن العقل هو ممارس النقد المتحرر. صحيح أن نيتشه كال للعقل نقدًا هائلً. غير أن قيمته في تحويله، بمعنى جعله «عقلً حرًا»، أو
«عقلً حصيفًا»37. غير أن صيغ النقد وممارسته قد اتخذت لها صورًا تفردت بها مع نيتشه، فتبث أسلوبًا للفعل النقدي، ومنهجًا ولفظًا، على غير أنحاء ما أتاه السابقون من ذات الغرض. ولم يعد أفق النقد، كما كان في جله، من جنس الإبستمولوجيات، بل أصبح منزلً في إطار أكسيولوجي: فلسفة القيم النقدية38. ومرد ذلك أن المسألة المعرفية التي كانت مقدمة على غيرها من المسائل الفلسفية، ولاعتبارات نظرية، لم تعد هي المنطلق مع النقد الجنيالوجي. ولئن تناول نيتشه مسألة المعرفة (معضلة وإرادة وحقيقة) فلكي يجعلها متهافتة، شأنها شأن منظومتها الميتافيزيقية. فما الصور التي وسمت فن النقد في الفلسفة النيتشية؟ نتوقف اختصارًا عند ثاث صور، تحلى بها النقد، كصناعة فلسفية: • النقد تفقهًا في اللغة، وتصريفًا لها كشفًا عن معاني القيم المختلفة. مكن فقه اللغة نيتشه من الكشف عما هو جد متداخل في مستوى التسميات المحمولة على التوصيفات القيمية للناس والأشياء والحياة39؛ ولهذا، سعى نيتشه إلى رصد ما قد تعتمده بعض التسميات من إخفاء لقوى الفعل، أو رد الفعل. ويكون تحوير معاني القيم هو الغرض من تطويع اللغة، في هذا الاتجاه أو ذاك. وفي هذا المقام، يرى نيتشه أنه «متى وجدت قرابة لغوية، فا مهرب من فلسفة نحو مشتركة، أعني هيمنة نفس الوظائف النحوية ومفعولها – تهيئ الفكر لإنتاج أنساق فلسفية تزكو بذات المنوال وتتواتر بداخل ذات النظام، في حين تبدو الطريق محجرة أمام بعض الإمكانيات الأخرى لتأويل الكون»40. وعليه، فمن متممات نقد البسيكولوجيا البشرية المريضة41 انتهاج نيتشه مسار نقد اللغة المتبرمة، من حيث إسنادها الأسماء والنعوت على غير ما تكون عليه المسميات حقًا42. وأهم ما استخلصه نيتشه من
تشخيص اللغة هو إقراره أنه «الآن فقط وبعد فوات الأوان بكثير، ها قد شرع الناس في تحسب الخطأ الكبير الذي أشاعوه باعتقادهم في اللغة»43. • النقد بوصفه تشخيصًا للعامات والأعراض. وتبعًا لتدبير النقد عبر فقه اللغة، سيتخذ نيتشه من الألفاظ والمفاهيم خانة تفكير جديد. إنه التفكير بالعامات والأعراض الدالة. وهو ما يحيل إلى فلسفة تأويلية باتت تنظر في الوقائع والحوادث والظاهرات والقيم المسيجة44 لها بالأخاق أو السياسة أو الدين نظرة نقدية. هو ذا ما يستلزم من التفكير النيتشي طرح مسألة المظهر45، والتي منها لعبة السطح والعمق. فقراءة السطح وإن تلبس برمادية أصبحت كافية للقبول بالعمق أو إدانته. غير أن المدان أو المقبول نيتشيًا هو الفاعل – الإنسان. ومعيارية ذلك صدقية التسميات بوصفها عامات تقول المسميات على نحوها المراد تخصيصًا46. ولا يتعلق الأمر، ههنا، بصدقية معرفية وحسب، وإنما أيضًا بصدقية إتيقية لحظة استثمار المرء للغة47. فالعامات موضوع قراءة تأويلية، تستدعي من فلسفة الجنيالوجيا وضعًا للفرقان بين تفكير الخير والشر، من جهة، وتفكير ما راء الخير والشر، من جهة أخرى48. فالتفكير الأول من جنس المعارف التي لا تقدر عالم العامات والأعراض في تشخيص عالمي المعرفة والقيم. أما التفكير الثاني، فهو المنظورية الجديدة للعقل النقدي، ومنه قيمته
في الآن ذاته. وعليه، تكون العامة استهال النقد لموضوعاته حتى يبلغ طور التفريق بين الجيد والرديء. • تحويل النظر في صنافة القيم التقليدية إلى «تيبولوجيا»49 جديدة، تبعًا لقلب نماذج النظر التشخيصي. وغرض التيبولوجيا الرئيس وضع الفرقان بين معادن الناس، على أساس ما يتوفرون عليه من إرادة وقوة، قليلً كان أو كثيرًا. ومجمل المنظورية النيتشية في هذا المقام متمحور في تحرير القول والكتابة، والنظر في القيم. فثمة الرفيع من القيم، وثمة الوضيع منها. لقد كشف نيتشه عن عزم على الإثبات الحياتي للفكرة تمامًا والإثبات الفكري للحياة لدى أهل القوى الفعالة. وفي المقابل، تبين كيف أن وهنًا بالغًا أصاب أهل القوى الارتكاسية لكونهم يدينون الحياة، وما اقتضت من قيمٍ مجلة لها. ويعيب نيتشه على الأخيرين كراهتهم للإنسان والحياة والغرائز، وحتى العقل50. وهكذا، تكون منهجية متابعة النقد الجنيالوجي المعيد تأسيس تيبولوجيا صراع الإرادات المستقوي بعضها على بعض بالتمكن من القيم وحيازة استثمارها، إما رفعة وإما وضاعة. إنها منهجية الفرز بين الأفكار، لا على أساس القدامة أو الحداثة، وإنما على أساس الإثراء والإفقار. وفي الرهان النيتشي يمكن تقديم نماذج القوى الفعالة، بوصفها خادمة للعقل الفلسفي51. ولا يتفعلن كل ذلك قويًا ومريدًا باقتدار، إلا إذا كان يستهدف الانتساب إلى عالم الحياة البهيجة، والسكنى بها موطنًا للفكر والمعرفة والظاهرة. هذا هو إجمالً ملمح فلسفة القيم المتحررة بنقديتها52.
ثالثًا: نقد خلقنة المعرفة الفلسفية
«إن النوايا الأخاقيَّة (أو الاأخاقيَّة) شكلت في كل فلسفة بذرة الحياة الأصلية التي انبثقت عنها، في كل مرة، النبتة برمتها»53. ما الذي يوجد في منظومة الأخاق النسقية، وبوجهيها الشعبي والفلسفي، من قوة جعلت منها موجهة، إلى حد ما، المبحث المعرفي؟ ألأنها تجود من مسارات مراكمة المعارف، أم لأنها تعزلها عن منفعة الحياة؟ ينكر نيتشه على الأخاق تنويع ممكنات تعافي الحياة من عللها الكنسية والميتافيزيقية. فقد
حبست المعرفة الحياة في تقليد معرفي لا يشرع لتوسيع دائرة المنظوريات المثرية لها54. إن الأصل في نقد أمر المعرفة هو النفي التام لما اعتقد فيه من قبل بعض الفاسفة وجودًا (ماديًا أو لاماديًا) للأخاق، بوصفها ظاهرة. ولقد ثبت نيتشه منظوريته في هذا السياق الفلسفي على النحو التالي: «لا توجد ظاهرات أخاقية، وإنما فقط تأويل أخاقي للظاهرات»55. أيكون هذا النفي التام لمادية الظاهرات الأخاقية تجذيرًا لمسارات التفلسف الناشئة معه؟ ألسنا نجده كاشفًا، وفي أكثر من نص فلسفي، أن الإنسان قد أسرف في خلقنة الأفكار والمعارف والسلوكيات؟ ألم تبلغ خطورة الخلقنة حد الوقوع فلسفيًا في أخاقويات سقراطية، وأخرى كنطية، فحالت دون إجال «شغيلة الفلسفة» للأعالي والأشياء العظيمة؟ هذا كلما تعلق الأمر بالأخاق الفلسفية الممجدة سلفًا. أما إذا تعلق الأمر بالأخاق الشعبية، فإن التشخيص الجنيالوجي معه قد توصل إلى ما هو ثاو في التدبير البشري اليوم، من استرقاقِ الأخاقِ الكنسية واليهودية للإنسان عينه. وهكذا، بلغت صورة الإنسان المعاصر منتهى انحطاطها القيمي؛ لما أودعته هذه الأخاق من سلوك المسكنة والكذب والرياء. فضلً عما رسخت من صنيع تصعير الخد بسيكولوجيًا متى انكشف عنها المستور. ولعل مما يعكر صفو التفكير النقدي أن يغفل مريد التفلسف عن العودة إلى الإنسان عينه، أي: «الإنسان الحديث»56. فلكم تفاخر هذا الأخير بالمعرفة حين مكر بها، كما يرى نيتشه. وتبعًا لذلك، نلمح لديه شرطين نقديين لازمين لإمكان تعافي المعرفة؛ حتى تتصير مرحة. فالأول هو نزع نيتشه ستارة الأخاق التي تحجب بها الإنسان الذحل. ليقول في الغرض: «من المفيد جدًا، بالنسبة إلى من يريد بلوغ الحكمة، أن يكون عقله قد انشغل بعض الوقت بصورة الإنسان الشرير والفاسد بشكل جذري؛ إنها مزيفة، مثل تلك التي تقابلها؛ لكنها قد هيمنت خال أحقاب كثيرة، وجذورها قد انغرست وتشعبت في عالمنا، وفينا نحن»57. فهل يعزى هذا المأخذ الفلسفي إلى ما أتاه مدّعو الطيبة الأخاقية من مفسدة، بشأن مسارات التفريد الذاتي، والتحرير التاريخي «للثقافة العالمة»؟ لقد أصبح نيتشه يرى في انتهاج الفيلسوف المعاصر درب التمكن من هذا الجنس الثقافي خيارًا ممكنًا للحياتي. ولعل «الحس التاريخي» هو مدبر الثقافة الفلسفية الحرة. أتكون هذه الأخيرة بديلً يحاول الإنسان التواق إلى تعافيه أن يتخيره مسلكًا؟ وهل يشفع له ذلك، فا يقع تحت سياط القيم المنحطة لكونها مكورًا ميتافيزيقية؟ أليس العقل الكاسيكي مشرعنًا لحبس المعرفة، كما الأخاق في ذاتية غالبًا ما تكون متعالية على الحياة؟
كان التشخيص الفلسفي المستنِد أساسًا إلى «أعراض الانحطاط»، ميالً مع نيتشه إلى اعتبار القوى الحية هي الأسانيد الجديدة، والمحررة للعقل الفلسفي من تيبولوجيا أخاقية. ألم تكن هذه الأخيرة مضعفة للحياة، ومفقرة للعزم القاصد معافاة الحيوات والأفكار؟ لقد وردت إشارة نيتشه الفلسفية، بوصفها انتصارًا للحياة الحائزة على قوتها وعاماتها الخاصة بأهلها المقدمين عليها. أليس الإعراض عن الحياة منتهى النكوصية التي قاومها نيتشه؟ لعلنا نلمس ههنا ما يشبه الإجابة عنده في قوله: «ميدان التمثات الأخاقية هذا كله يتسع باستمرار، أن هناك درجات دنيا أو عليا في مفاهيم الخير والشر، الأخاقي والاأخاقي»58. وعليه، فمن متممات صورة الإنسان اللبيب أن يحسن في الاتجاه المعاكس الفرز في مراتب الناس وأسئلتهم. وألا تأخذه الشفقة بنفوسهم المريضة، وما رحبت من سافل الأخاق. أما الشرط الثاني، فهو فن قراءة ستارة الأخاق، بوصفها عامة على ارتكاسية حائلة دون ترقي القوى الفعالة؛ لأجل منظورية لحياة مرحة. لكن، أتقوى إرادة الاقتدار، إن استمسكت بالفنون العبقرية الجميلة، على عتق المعرفة من دائرة المعالجة الأخاقية لها؟ إن الصفة الإثباتية للقوى الفعالة هي عتبة تيبولوجيا جديدة، قادرة هذه المرة على أخذ صورة الترقي البشري خارج دائرة المعرفة عينها، وكلما أعرضت عن مفاعيل الحياة الحرة59. وفي هذا كله جعل نيتشه من الفكرة الفلسفية رسمًا لصورة مستحدثة بشأن «الإنسان المقبل». وسيحدد دولوز ملمحها على النحو التالي: «الإنسان المتفوق هو الذي يستند إلى المعرفة، إنه يعتقد كشف المتاهة أو غابة المعرفة. لكن المعرفة وحدها هي ستارة الأخاقية؛ الخيط في المتاهة هو الخيط الأخاقي»60. لم ينظر إلى هذه الأخاق متاهة؟ ففي منطق التشخيص النيتشي بالعامة بيان للأقنعة الحاجبة لاعتصار المعارف المخلقنة للعظيم والحياتي والإنساني والتفكري والقوة الفعالة. فالكشف عن كوامن الاهوت الكنسي، والتمثات الميتافيزيقية، هو الذي سيكشف عن تناهي إنسان الخير والشر. وفي كل هذا يكون القصور عن التصالح مع الحياة هو الحقيقة المخفية للمتاهة التي حُبست فيها الأخاق والمعرفة المتعالية. يضيف دولوز، في السياق نفسه، بيان كيفية النظر إلى «الأخاق، بوصفها متاهة: هي ستارة المثال الزهدي والديني. من المثال الزهدي إلى المثال الأخاقي، من المثال الأخاقي إلى مثال المعرفة: إنها دائمًا نفس النشأة تتعاقب، إنها لقتل الثور، يعني لسلب الحياة، لدوسها تحت مكيال ما، لإحالتها إلى قواها الارتكاسية»61. وهكذا، فإن المجال الأوسع لرصد ارتكاسية الفاسفة، وما أخفوا، هو هيمنة هاجس إرادتي الحقيقة والمعرفة. وتقديمه على كل جيد محرر. إنها إرادة ارتكاسية جاحدة للرفعة.
رابعًا: معضلة الحقيقة وإرادتها
«تكمن المتعة الحقيقية في التسلل إلى داخل حياة الحقيقة، محاصرتها وقتلها بدقة [...] الصراع من أجل الحقيقة مجرد ادعاء»62. مما ألفه معظم الفاسفة، قبل منتصف القرن التاسع عشر، هو عدم مؤاخذة فكرة الحقيقة وإرادتها بالنقد الازم. بل لطالما اعتقد أن الفيلسوف لا يزال يتقدم في بناية نسقه الفلسفي؛ حتى يبلغ مطلق الحقيقة. ومع نيتشه انثنى الخطاب الفلسفي إلى الحقيقة، يسائلها عن هذا الوعد الافلسفي الذي عهد به الفيلسوف إلى مسار تفكيره غرضًا قصيًا؛ لذلك، صار التساؤل بشأن قيمة الحقيقة أصلً من جوهر القول والكتابة الفلسفيين. ومن هنا «ينبغي علينا، بالنتيجة، أن نبحث بأكثر دقة وضبط، عند نيتشه ما الحقيقة والمعرفة»63. والواقع أن لا فائدة من التمسك بفكرة أن الحقيقة التي لا ترد هي منتهى شغل الفيلسوف. وفضلً عن ذلك لا فائدة ترجى من الحقيقة، بالنظر إلى ما تحتاجه الحياة من أسباب استقامة وعافية. ههنا لم يعد رهان المعرفة الإنسانية مختزلً في بلوغ ما يسمى الحقيقة. ومن ثمة تولّد في تاريخ فلسفة القيم النقدية هذا التساؤل مع نيتشه: «فما الحقيقة إذًا؟ إنها حشد متدافع من الاستعارات والكنايات ومن تشبيهات الأشياء بالإنسان. إنها باختصار جملة من العاقات البشرية التي رُفع من شأنها ونقلها وتنميقها شعريًا وباغيًا، وبدت، بعد طول استعمال، ملزمة لشعب ما وصارمة واستيطانية: إن الحقائق أوهام نسينا أنها كذلك. وهي استعارات فقدت قوتها الحسية من فرط استعمالها. وهي قطع نقدية فقدت نقوشها فاعتبرت منذئذ معدنًا وليس بالمرة قطعًا نقدية»64. ربما تكون الحقيقة وعدًا أفاطونيًا قد حدد قدر التفكير الفلسفي الاحق، على نحو ما يلزم من التجريد والتسامي على عالم الأرض. فعاضده وعد كنسي بتزويق الحقيقة بما يلزم من المسكنة والخلقنة والتبرير لاستخزاء الإنسان نفسه ما أن تعذر عليه الإيفاء بموجبات نسبه إلى عالم الحياة المتعاظمة، وأسلوب التفكير فيها. لقد فضل كثير من الفاسفة العمل من داخل سلم الثنائيات ويختزلها «السيد نيتشه»65في الزوج المفهومي الرئيس: الخير والشر. ومن ثمة حبس التفكير الفلسفي نفسه في مقولات شبه ميتافيزيقية، من حيث المنتهى: الممكن والمتعذر، والثابت والمتحول، والوجود والاوجود... إلخ. وفي هذا السياق، عمل الفيلسوف على إعاء شأن ما أسماه بالحقيقة المكتشفة نسقيًا وبإرادة الحقيقة. لقد حار نيتشه بشأن هذا التقليد المعرفي الذي يدين الكذب على نحو مطلق، ويبجل، في المقابل، الحقيقة بذات النحو. بل كان كثير التساؤل عن منشأ المعيار الذي اعتُمد من الفلسفات الميتافيزيقية، والمشدد على القيمة الكبرى التي للحقيقة، مقارنة بالقيمة الدنيا التي للكذب. فما الذي تفضل به الأولى عن الثاني؟ أيكون وهم الاعتقاد في أن مبدأ الهوية الموروث عن «المعلم الأول» أرسطو
لا يجيز النظر إلى الحقيقة والكذب إلا مقولتين متعارضتين؟ كا، فالنقد المتجاسر مع نيتشه على كبرى أوثان تاريخ الفلسفة قد حاز ما يكفي من الجرأة الاستفهامية ليحاور وثوقية «إرادة الحقيقة»، واشتغالها على النحو السالب للمعرفة التي ما انفكت مساراتها ترى في الحقيقة الأثر – الكشف العقلي المحصن لفكرة النسق. وتبعًا لذلك، قرأ نيتشه إرادة الحقيقة وفقًا لصيغة من التهكم المعهود لديه. ليقول في غرضها: «تعني إرادة الحقيقة جيدًا درء إرادة الخديعة (منع «الكذب»). غير أن ما اعتبر خديعة هو شهادة الحواس وتجربة الجسد الحي، إنه العالم كما يستبين في رباط حي وهو الذي بكل تأكيد رباط مشوه للهيأة بما أن فعل الحياة يعني الاحتيال والتشريد والتشبيه. وستغدو الفلسفة حصرًا هذه الكذبة التي منعتها المعرفة. فمن يريد الحقيقي إنما هو يريد بدءًا إدانة الحياة بوصفها خطأ والعالم بوصفه مظهرًا»66. وبناء عليه، تعقب نيتشه مسألة إرادة الحقيقة على نحو جنيالوجي ليتساءل لاحقًا عن قيمتها، فضلً عن عاقتها بفرية الزهد في الحياتي مقابل الاستمساك بعروة المثل الزهدية كما رسختها الأخاقيات الأفاطونية – السقراطية من المؤسسة الكنسية. ولما كانت المثل العليا للميتافيزيقيين، ومن عاضدهم من الاهوتيين البائسين، منزهة عن كل مؤاخذة نقدية، فإنها قد حظيت بفائق التوقير من فاسفة هيمن عليهم هاجس «غريزة المعرفة»، فما عادوا على تحطيم أصنامهم بقادرين. وفي المقابل، تكمن فضيلة النقد الفلسفي النيتشي في هذه الجسارة التي ستتعلق بها مهابة الفلسفة المعاصرة اليوم. ونقصد بذلك رد الخواتم المغلقة عن الفلسفة لتظل مفتوحة متحررة بوصفها فكرًا حرًا. إذ ليس من الهين على الفلسفة أن تنثني إلى ذاتها مع نيتشه لمساءلة قيمة ما طال الاعتقاد فيه، أي قيمة الحقيقة وما أخفت من شوائب أخاقية. وفي هذا الاتجاه يقول: «منذ اللحظة التي يُنفى فيها الإيمان بإله المثل الأعلى النسكي، ثمة أيضًا مشكل جديد: إنه ذاك الذي يخص قيمة الحقيقة. – إن إرادة الحقيقة إنما تحتاج إلى نقد – ولنعين بذلك مهمتنا الخاصة، إنه ينبغي مرة واحدة وعلى سبيل التجربة وضع إرادة الحقيقة موضع سؤال»67. ومما يؤاخذه نيتشه على كتابات معظم الفاسفة هو تنزيلهم الحقيقة وموضعتها فيما يتعدى عوالم الصيرورة الأنطولوجية والمنقلبات التاريخية والاستحالات القيمية. ذلك أننا نعيش في حضن هذه العوالم، فمنها شروط إمكانات حيواتنا. وكلما تصور فيلسوف ما الحقيقة بمعزل عن تلك العوالم اختلق منها وبها عالمًا موازيًا للعالم الذي فيه نوجد، وبه نكون كائنات حية، فحياتية. فما عسى أن تكون عليه، إذًا إرادة الحقيقة لو تم نزع الحجب التي كانت تتلفع بها؟ أخضع نيتشه إرادة الحقيقة إلى مصيرها المحتوم من آليات التظنن المعرفي ليكتشف ما تصيرت إليه تبعًا لنقدها الجذري. لقد شهدت منقلبات عدة: فمنها استحالة المهابة إلى ما يسميه نيتشه ومن بعده ميشال أنفري «خطأ شباب»68. فضلً عن فقدانها لتسميتها الراسخة في التاريخ الفلسفي. هكذا، أدى بها توثين الفاسفة لها إلى أن تصير دالً دون مدلول. وهو ما نتبينه من خال هذه الشذرة لنيتشه: «إرادة
الحقيقة هذه، ‘الحقيقة مهما كان الثمن’، هذيان الشباب هذا، بتنا نمقته: إننا أشد ضراوة، أشد رصانة، أشد فرحًا، أشد كويًا بالنار، أشد عمقًا من كل هذا! ما عدنا نؤمن أن الحقيقة تبقى حقيقة إذا كشفنا سترها: عشنا الكثير لنؤمن بهذا»69. إنه لمن مستطاع الحس النقدي أن يقوى على الإمساك مع نيتشه بالقوى والحاجيات التي تحكمت السنين الطوال في توجيه كثير من الفاسفة وجهة النهم في تحصيل المعرفة ومراكمتها. ومن ثمة زعم المسك بالحقيقة وثناياها. إذ اشتغلت العقانية المجردة على هذا الصراط حتى تصيرت عقلنة مجردة لما لن يرتضيه نيتشه مجردًا. فمعه «لم تعد الحقيقة هنا مجرد فكرة أو مقولة معرفية بل تصبح تجربة الحياة ذاتها ومقولة أخاقية من حيث تكون الأخاق الممارسة التقييمية لإرادة القوة»70. تكشف فعال التجريد الفلسفي المنتِجة للحقيقة عما كامن فيها من عنصرٍ جوهراني، هو الميتافيزيقي، ثم يضاعف الكشف النقدي من أزمة وعد أخاقي كنطي، هو جور الآمر القطعي، وقد تباهى بنصره العقاني71 في مجال الفعل البشري، كما رسمه «العقل العملي». يقول نيتشه، موضحًا هذا الأمر: «لكن ما يكره عليها [نسكية الفضيلة]، هذه الشاكلة من إرادة الحقيقة غير المشروطة، إنما هو الإيمان بالمثَل الأعلى النسكي ذاتِه، حتى وإن كان ذلك في شكل أمر قطعي لا يعي به، على المرء ألا يغتر في هذا الأمر. إنه الإيمان بقيمة ميتافيزيقية، قيمة ما للحقيقة في ذاتها»72. فما القيمة الفلسفية لاعتراض كهذا؟ يرد نيتشه الوضعية الخطرة التي صارت عليها الحقيقة تحت وطأة مفاعيل النقد الفلسفي معه، إلى ما في قطعيات الفلسفة الكنطية من عوز، مفاده جهل كنط بما عسى أن تكونه المرأة أولً. وثانيًا، ما في توكيده قطعية «الآمر الأخاقي» من وثوقية (دغمائية). فمن الجهة الأولى، لا يعلم كنط ما في المرأة والحقيقة73 من شراكة في نقطة مخفية، امتنعت عن أن تتصير بساطًا أو مسطحًا. فكلتاهما تدثرت بما يحجب عن أهل التجريد والتسطيح بلوغ العمق. وإذا كانت دغمائية كنط هي الإيمان المبالغ فيه باستقامة الفعل الأخاقي، وفق معايير العقل، فإن دغمائية الحقيقة نفسها لتناظر دغمائية المرأة: إما التملك المطلق، وإما الهروب الذي لا مرد له. ففي تصدير كتابه ما وراء الخير والشر يستهل نيتشه بالقول: «هَبْ أن الحقيقة امرأة: ألا يدفع ذلك إلى الظن بأن الفاسفة جميعًا، من حيث هم دغمائيون، قد أساؤوا فهم النساء، وبأن ما بدا عليهم من عبوس رهيب وإلحاح غشيم في سعيهم إلى الحقيقة كان وسائل غير لائقة وغير لبقة، وبخاصة من أجل استمالة امرأة؟ المؤكد أنها لم تستمل: فكل ضرب من
ضروب الدغمائية يقف أمامها اليوم بوجل وأسى، هذا إذا كان لا يزال يقف أصلً! لأن ثمة متهكمين يزعمون أن الدغمائية سقطت، أن كل دغمائية تلفظ أنفاسها الأخيرة»74. تلك هي الدغمائية المدمجة السالبة للمعرفة عينها، فا تترقى إلى مرحة75. وفي سياق آخر، ينزل نيتشه هاجس إرادة الحقيقة ضمن سجل بسيكولوجي؛ ليجعل منها علة أشبه بالفصام لدى فاسفة ما كان لهم أن يتبينوه، بوصفه كذلك، لما أخذتهم حماسة «كشف» الحقيقة؛ لأن ألفة معها قد تقادم عهدها، حتى صارت من لوازم تشريف التفكير الفلسفي لنفسه76. ولعل مرد الريبة التي قد تنشأ في خضم معمعة المساءلات الفلسفية بشأن الحقيقة ومن أرادها من أهل الميتافيزيقا السلبية، هو أن السكن الميتافيزيقي إلى الحقيقة ومنسجها لا يخلوان من إيمان ساذج بالبناء النسقي للحقيقة. كما أن الإيمان بوجود غيرية تحكم حضانة الدغمائيين لتركة استبعاد الخطأ. فلكَمْ اعتقد في التناقض بين الخطأ والحقيقة. بل، لكم توهم معظم الفاسفة أن مسلك طلب الحقيقة يمر حتمًا عبر استبعاد «خصيمها»، أي الخطأ. وأن درء هذا الأخير قد يحمل الفيلسوف على التحرر من الشبهة الميتافيزيقية المترتبة على الوقوع فيه ولو على سبيل الغفلة والنسيان77. يتساءل الميتافيزيقيون: «كيف يمكن لشيء ما أن يتولد عن ضده؟ وعلى سبيل المثال، أن تتولد الحقيقة عن الضال، أو إرادة الحقيقة عن إرادة الخداع؟»78. لِمَ لا يقوى الفيلسوف على تحويل معرفته بالحقيقة إلى اعتراف منه بخطيئة معاداة الخطأ والخداع والكذب؟ أليست الأزواج المفهومية متعاضدة ومتشاكلة، حد الانشباك، في وحدة لولبية، قد يتعذر علينا معها الوقوف عند الحدود الفاصلة حقًا بين تخومها؟ هوس التناقض هو الذي يمنحنا فرصة التعرف «إلى الميتافيزيقيين في الأزمنة جميعها. ويحتل هذا النوع من التقييمات خلفية تدابيرهم المنطقية كلها. وانطاقًا من إيمانهم هذا يجتهدون في علم أنهم، في ما يعمدونه، آخر الأمر، في جو مهيب باسم الحقيقة. إن إيمان الميتافيزيقيين الأصلي هو الإيمان بتضاد القيم»79. يرى نيتشه أن جور المنطق الذي فرض على كثير من الفاسفة الإيمان بمبدأ الهوية هو الذي دفع بهم إلى تزكية العقل بتجريداته، حد الانتهاء إلى نفي سمة المرح (الجذل) عن المعرفة والاحتفال بالحياة. بل من ذا الذي حكم بما يكفي من البصيرة الفلسفية أن تضادًا مؤكدًا هو ما يشق مساحة الفويرق بين مناقب الفلسفة ومتاعب الافلسفة... إلخ؟ ألا «يجوز للمرء حقًا أن يشك أولً في
ما إذا كان ثمة أضداد على الإطاق»80 وفقًا لتعبير نيتشه؟ لكن، من أين للفاسفة هذه المقدرة على استيعاب هذا التاريخ المديد من الحقائق؟ يدرج نيتشه في هذا المقام مفهومًا كانت الفلسفة قد استخزته طيلة القرون المنصرمة: النسيان. إنه المفهوم –المتنفس المحرر للروح البشري، ما أن يحتبس عليه أفق التفكير، أو التحرر من خطايا التفكير الموجعة له، أو متعاليات المعرفة العقلية. وفي هذا السياق يقول نيتشه: «لن يتوصل الإنسان إلى الاعتقاد بأنه يمتلك حقيقة من الدرجة التي أشرنا إليها للتو إلا بفضل قدرته على النسيان؛ وإذا لم يشأ الاكتفاء بالحقيقة في شكل القياس، أي الاكتفاء بالقشور الخاوية فإنه سيظل دومًا يستبدل أوهامًا بحقائق»81. فهل يكمن حظ الحس النقدي من العافية في التحرر من حياء ميتافيزيقي لمضاعفة تأزيم إرادة الحقيقة ولنتملص، نحن بدورنا، مما فينا أحيانًا من سوء تقدير للجيد من الأخطاء في المعارف؟ أيكون من اللزوم التاريخي ألا تتفكر الفلسفة من أين لها بهذا الوثن الذي سكنت إليه؟ ألم يحن للنقد أن يعهد إلى الفكر الحر بزلزلة أوثان الفاسفة ومنها الحقيقة؟ أيكون غنم الفلسفة المعاصرة من النقد النيتشي تشريح فيزيولوجيا الأوهام الميتافيزيقية؟ لا يكمن الدفع الحيوي للمطرقة النقدية النيتشية في ما أورثنا اليوم إياه تاريخ الفلسفة المعاصرة من تركة الميتافيزيقا المتأزمة، وإنما في ما سيصير عليه قدر التفكير لاحقًا وقد تحلل من كل ارتهان للميتافيزيقا، سواء أكانت أفاطونية أو ديكارتية أو كنطية. إذا كان لا بد من الاعتراف بما لدينا اليوم من حاجة فلسفية، فإن هذه الحاجة هي ما كان يسميه نيتشه ب «فلسفة ما وراء الخير والشر». هذا هو ما قد يشبع فينا نهمًا ميتافيزيقيًا، أو دينًا فلسفيًا في أن نرى الأمور على غير ما عهدناها عليه من صور. يقر نيتشه بأنْ لا بد «للمرء أن ينظر من جهة هذا السؤال إلى الفلسفات الأقدم كما الأحدث عهدًا: إنها جميعًا لا تعي إلى أي مدى تحتاج أولً إرادة الحقيقة ذاتها إلى تبرير، ههنا توجد ثغرة في كل فلسفة، من أين تأتى ذلك؟»82. يكون معنى المأتى جينيالوجيا باللزوم الفلسفي المستخلص من مبحث النسابة. ويفيد ذلك أن إرادة الحقيقة، شأنها شأن مفاهيم الخير والشر وما تولد منهما، ينبغي أن يخضع لنبش وفرز ومتابعة جنيالوجيين. ومما أشاعه بعض الفاسفة، بشأن الحقيقة، أن مطلقًا ما يوجد هنا أو هناك. وعلى الفكر أن يجهد في سبيل الكشف عنه. لكن ما يراه نيتشه هو أن العوامل الحياتية ليست هي المحددة لهذا المسمى «مطلقًا» من الفاسفة، وبشيء من الزهو بالذات المبالغ فيه، فإن كان ثمة حقائق مفترضة، فا توجد خارج مفاعيل الحياة المتصيرة والمنقلبة والمستحيلة. لأن الحقيقة83 هي ما لا يعترف به بعض الفاسفة، وإن تطلعوا إليها رهانًا معرفيًا، ونالوه. ولعلها تكون أيضًا من جنس معارف معدن من الفاسفة، ما انفكوا
متباهين بها تحصيلً. فما إن تبدو لهم الإشراقة الأولى من ملمحها، حتى تأخذهم الحماسة النسقية إلى البحث عن ربض لهم في تاريخ الفلسفة، بُناةَ أنساق، أو ربما أسماءً كبرى، لا هاجس لها سوى النأي بأنساقها عن كل مقاربة نقدية، وإجمالً، عن كل تشغيل للحس النقدي المجيد لمهمة «التفلسف بضربات المطرقة»84. وتبعًا لذلك، يرى نيتشه، في المقابل، أنْ لا وجود للحقيقة خارج دوائر الحياة والإنسان والتفكير النقدي، فا تسمى حقيقة، ما لم تكن مشغولة بنماء الحياة، وبربو العظيم، ولا يسمى حاقًا من لم يخدمها مريدًا للحياة، مجلًّ لها. يضع نيتشه الحقيقة التي افتتن الفاسفة بطلبها، وتوهموا بلوغها من حين إلى آخر موضع تساؤل نقدي. وأصحاب الأنساق هم أكثر الفاسفة حديثًا عن نسيج الحقيقة، فضلً عن وثنيتها، فلقد افتتنوا (توهمًا) بالحقيقة الواحدة والأزلية، والحقيقة المتعالية، وفي ذاتها، أو حتى في بهائها المقنَّع85. وفي الحصيلة، انصب النقد عند نيتشه على مغالبة التيار الجارف والهدام للفلسفة، بتوطين صنمية الحقيقة والافتتان بها. فا توجد، إذًا، حقيقة وقد تحنطت أجنحتها، وافترشت بساط الفلسفة. إنما توجد، في نظره، محاولات تأويل، معظمها متهافت86. ألم يتوهم الفاسفة القول في حقيقة الوجود، وحقيقة العقل، وحقيقة الفن. أليس «من طبيعة الكينونة أن تكون مؤولة. وأن كل فرد يتأولها بطريقته الفردية انطاقًا من سلم القيم الخاص به؟»87. ألا يشكل مدار التأويل فضاء نشأة العديد من المنظوريات؟ وكيف لها تأمين الرؤية التعددية للعالم، ولنسبية الحقائق، ولقيمة العقل نفسه، ضمن مقام الحياة؟
خامسًا: تهافت المعرفة الميتافيزيقية وتأسيس معرفة مرحة
«إذا أردنا أن نفسر كيف أقيمت أبعد المزاعم الميتافيزيقية لفيلسوف ما، فمن الأحسن (ومن الحكمة) فعلً أن نتساءل في البداية دائمًا: ما الأخاق التي يُسعى (أو يسعى هو) إليها؟ ووفقًا لذلك لا أعتقد أن والدة الفلسفة هي ‘غريزة للمعرفة’، بل إن غريزة أخرى استعملت المعرفة (أو سوء المعرفة) استعمالها للأداة وحسب، هنا كما في غير محل»88. يمكن رد العنصر العدمي – السلبي في الحداثة الأوروبية إلى ما اعتبرته هي نفسها، «أفكارًا حديثة»، وكما لو كانت تجاوزت بحق تاريخًا من الجهالة فظيعًا. ولكم كانت غرائز المعرفة نهّاشة في عالم
الأفكار الحديثة89. صحيح أن نيتشه يعترف بإنشاء رؤية جديدة للعالم، تولدت مع ما سُمي «العقانية الحديثة»، وخاصة في صيغتيها الفرنسية والألمانية. غير أنها تظل رؤية الفكر المتحيز ضد ممكنات استعادة التاريخ الكوني لعافيته، فضلً عن عدم كياسة العقل الفلسفي المدبر للتاريخ المقبل للبشرية، ومن ثمة، انثنى نيتشه إلى تاريخ الفلسفة عمومًا، والغربي منه خصوصًا، ليفسد عنه يقينه بشأن معظم توجهاته الفلسفية الخجولة، من فرط عجزها عن التصالح مع الذوق الرفيع في المعرفة والفكر والحياة سوى. وتبعًا لذلك تصير «هذا ارتيابًا إزاء هذه الأفكار الحديثة»90 مع نيتشه. فضلً عن ذلك، فقد اعتبره «جحودًا، لا إيمان بكل ما شيد بالأمس واليوم، يتخلله على الأرجح شيء من التهكم والضجر لم يعد يطيق هذا السقط من أفاهيم مختلفة الحسب والنسب يعرضها في السوق»91. وبالنتيجة، كان لا بد من توجيه هذا النقد الفلسفي مع نيتشه الوجهة التي تؤمن للمعرفة علة جذلها الراسخ في أفق المنظوريات المجلة لكل أشكال العظمة، بل لكل أشكال التفكير القابلة للترجمة في كتابة، تتطلع بدورها إلى أن تكون صونًا للعقل النقدي، ووفقًا لما تأمله منه كل الملل لاشتراكها في النسب إلى العقل ومستطاعه. ولا يتفعلن النقد، بوصفه تظننًا بالسائد، في الحكمتين: الشعبية والفلسفية، إلا متى خبر المتفلسف ما في عمق كيانه من عزم على تجاوز ذاته، وقد حبستها كبرى المقولات الفلسفية. لكن أليست هذه الأخيرة مجرد «مثالية ميتافيزيقية» بلغة غرانيي92؟ ألم تكن أشبه بعقيدة التوحيد الميتافيزيقي للعقانية الحديثة برمتها؟ ألم يحول هاجس العالم الامتناهي المصاغ جديدًا، مع بعض الفاسفة الحديثين، هذه العقانية إلى ضرب من «التخريف الميتافيزيقي»93؟ فقد يكون طغيان فكرة الامتناهي هو ما حكم جنوح الفيلسوف العقاني الحديث إلى رسم تيبولوجيا جديدة لمفاهيم: الفكرة، والعقل، والحقيقة، والعالم. تلك هي كبرى المفاهيم التي نضّدها بعض الفاسفة، فأخرجوها كشفًا عقانيًا لا عهد للفلسفة به لدى السابقين؛ لذا، راهن نيتشه على تكون مسارب فكرية هي بمنزلة البصيرة الفلسفية، وعمادها ما سماه «العقل الحصيف»، أو «العقل الحر»94، بوصفه شرطًا لبناء منظوريات جديدة، وليس للمفاهيم المصاغة سلفًا على نحو تجريدي، فحسب، وإنما أيضًا لحيوات تلك المفاهيم عينها. ومنها العالم والحقيقة، وحتى الفكرة والإنسان والغباوة والنباهة... إلخ. وعلى غير سنة معظم الأولين من الفاسفة، ما حدد نيتشه شروط مناعة النقد بالنظر إلى حسن تخير
موضوع التفكير، أو إلى حد ماهيته بتعريف، وإنما توجه إلى الفاعل عينه، أي «الفيلسوف المقبل»95. فما عسى أن يكون الفيلسوف – الناقد فاعلً بأنظمة المعارف، الناجز منها والمنتظر؟ أيكون لزامًا عليه العمل على تهافت ما تم تقريظه من معارف، فاستبدالها بأخرى؟ وأيّ أخرى أقدر على تجاوز محاور المعرفة الكاسيكية لتطول مغاور التفكير المعاصر، وتؤسس لتهافت المعرفة المستغلقة بعدُ عن عتبات الحياة؟ ههنا يطالعنا نيتشه بمفهوم المعرفة المرحة الذي ينسب إليه حقًا اشتقاقه فإدراجه في مدارات التفكير الحر لديه. ويرد هذا الإبداع المفهومي إلى الاعتراضات النقدية على ما في معهود المعارف الفلسفية من تجريدات، فإعراض عن الحياة وإرادتها. فلطالما أنس معظم الفاسفة، قبل نيتشه، في أنفسهم المقدرة على التناظر، أو حتى التنافس؛ تقدمًا في سلم العمارة الفلسفية. ولقد كان هذا من منظورية «فلسفة الماوراء» ضربًا من التفكير الفلسفي المدبر على سبيل العلو البسيكولوجي والنظري، وحتى الصوفي أحيانًا، بالفكرة الذاتية للإنسان، كما للحقيقة الفلسفية المنشأ الديكارتي نفسه96. إنَّه علو بالإنسان عينه على منابته في الأرض، وما حبسوه فيه من خشاشها97. وهو لعمري تصريف ميتافيزيقي جد متفقه في اللغة. إذ قال الإنسان «ذاتا متعالية»، ولم يقو على موضعته ضمن تيبولوجيا «لعبة القوى» المكتشفة لاحقًا مع إرادة الاقتدار. فقد عهدت نظرية هذه الأخيرة إلى نفسها بتنزيل الإنسان عبر بيان ما غفل عنه الميتافيزيقيون، من ترجيح لأسباب تعظيمه فاعلً في «التاريخ النقدي»، وما احتوى. وعليه، نشأت في مقابل التعلق بأكثر العوالم تجريدًا تلك المعرفة المرحة مع نيتشه، كغضبة ثائرة على ما في نسيان الحياة من كراهة لها. ولما تكشف على ما في معارف معظم الفاسفة من عوز وعدم كفاية، صار مؤكدًا أن «المعرفةَ المرحة ضرورية تمامًا بالنسبة إلى من يفكر مثلي ومن يريد مثلي»98. فما عسى أن يكون للنقد من خطورة منذرة بأفول المعارف الجاهلة بحسب نيتشه؟ وما الذي يوجد في الإنسان المهوس بمراكمة المعرفة من أمر معيب؟ أليس الإنسان هو عينه من يُضعف ممكنات النقد فشرائط المعرفة المرحة؟
سادسًا: من ينتج المعرفة المرحة؟
«أما من كان شبيهًا بي في علو إرادته فسيحظى بالنشوة الحقيقية للمعرفة؛ ذلك أنني قادم من أعال لم يحلق فوقها طائر، وعرفت أعماقًا لم تجرؤ قدم على التيه في أغوارها»99. من آثار منقلبات الخطاب الفلسفي مع نيتشه أنه تحرر من الارتهان الكاسيكي، بما استهله جل الفاسفة من الكتابة، ومن المعرفة بسؤال الماهية، ليستبدله بسؤال معدن الإنسان: «من؟». وفي قراءة جيل دولوز ف «إن السؤال: ‘من؟’ يعني وفقًا لنيتشه ما يلي: إذا نظرنا إلى شيء ما، ما القوى التي تستولي عليه، ما الإرادة التي تمتلكه تعبر عن نفسها فيه، تتجلى فيه، لا بل تختفي فيه؟ لا يجري الوصول بنا إلى الجوهر إلا عبر السؤال: من؟ لأن الجوهر هو فقط معنى الشيء وقيمته؛ تحدد الجوهر القوى ذات القرابة مع الشيء، والإرادة ذات القرابة مع هذه القوى»100. إن من ينتج هذه المعرفة هو الرجل – الفيلسوف الذي يقوى على مساءلة «المعنى»101، وتحريره من نزعة التعصب للحقيقة، والتمذهب بالمعرفة المسرفة في جحودها للمحسوس، والذي اعتقد تبعًا لذلك أنه يحكم الصناعة الفلسفية. وعلى النقيض من ذلك، يعترف هذا الرجل – الجذل للحياة مصدرًا وحيدًا لكل قيمة102. وبما أن الأمر يتعلق بالاقتدار على صناعة الفلسفة، فإن من ينتج هذه الصناعة هو المجاهد لأجل استقالية الفيلسوف إزاء كل تجاذبات النفس البشرية، والترقي علوًّا وترفعًا نحو التسامي على ضغائن اليومي، وما احتسب فيها بعضهم من مغانم. ومن أجل الرفعة «هكذا تكلمت نقاوتي في تلك اللحظة السعيدة: ‘لتكن مقدسة كل الكائنات في نظري’. ‘لتكن كل الأيام مقدسة في نظري’ – هكذا تكلمت نقاوة شبابي ذات يوم: كام حكمة مرحة حقا»!103. يعود البحث في المعرفة غير المرحة، والحرص المعهود لدى بعض الفاسفة على مراكمتها إلى توهمهم أن حيازتهم للعقل، على النحو الذي قالوه فيه، وكتبوه به في مآثر نصوصهم، إنما هي منتهى الحكمة الفلسفية. والواقع، فيما يرى نيتشه، كانت مجرد غفلة منهم عن الاتجاه القويم لأحياز تشغيل العقل البشري. لذلك، فما اعتقده هؤلاء من عقانية لا يغدو، في نظر نيتشه، سوى لاعقانية استمدت قيمتها من تواؤمها، وتطلعات فلسفات مغشوشة بأنفاس مسيحية، وأخرى أفاطونية. فالعقانية التي أودعها هؤلاء الفاسفة في ما أنتجوه من معرفة (في معظمها تأملية) هي، في نظر نيتشه، جلبة فكر ضل سبيله إلى عتبة الحياة.
إنه لمن أخطاء بعض الفاسفة اعتبار المعرفة في تناقض مع الحياة، أو هي أخرى تؤتى من خارج صروفها. وقد لا تعني بالضرورة تصاريف المعرفة شأن الحياة. لقد اعتبروا جال المعرفة في نظرانيتها. صحيح أن التأسيس الفلسفي لا يكون إلا نظريًا بالعقل. غير أن اعتبار المعرفة شأنًا خالصًا من شؤون العقل المجرد، هو محدودية العقل معهم. فكم ستحتاج المعرفة المرحة إلى النسيان للتحاور مع «المقبل» من فضاءات التفكير ومسالكها؟ لعله يكون من اللزوم على الفيلسوف أن يكون الأقدر على جعل مشاعر الضغينة النفسية متهافتة لتأمين تعافي الذاكرة الفلسفية، ولو بتعاطي ملكة النسيان لهجران عالم الأشياء وتعليقه ولو إلى حين. وليكن هذا من لوازم تحرر الروح الفلسفي، فتحرر الإنسان ذاته. وليكن من مزايا ذلك أن «‘الفكر الحر’ هو الريبي الكبير الذي يحاذر كل ما وضع فيه الإنسان حتى ذاك أكبر قسط من ثقته»104. فمنتهى الفكر الحر هو التمتع جماليًا بكل ما يتبع توكيد الحياة وفهمها، على نحو ما ينبغي أن يكون عليه الإثبات المتحلل من كل مشاعر الضغينة. أما مرح الفكر الحر، فهو تخليد العظيم من الآثار، حتى لو بطُنت من شديد أوجاع العقل الكاسيكي ما بطنت. ولعل هذا الفكر هو الذي يسّر لبعض الفاسفة في القرن العشرين معالجة مسألة تناهي الإنسان، وتشخيصه، في أفقِ زمنيته الراهنة. ويشي هذا الأفق بما في كتابات نيتشه النقدية من رسوخ القدم في عالم التعددية. وما باتت تحتاجه من نفاذ العقل النقدي إلى المسكوت عنه ولم يُقل عادة. فما الذي توافرت عليه أساسًا الكتابة في فضاء المعرفة المرحة؟ إنها كتابة العتبات والاستهال لتيبولوجيا من القيم المتعافية من قدامة ميتافيزيقاها. هو ذا التقليد المعرفي الذي ترسخ، وهو مليء «باستعارات وتشبيهات رائعة يبدو أن دلالتها تزداد، بطريقة غامضة، كلما أمعن المرء تفكيره فيها»105. وربما كان دافع الفكر عند نيتشه إلى إعادة إنتاج المساءلة الفلسفية بشأن الفاسفة، كما العوام، هو: ما السر في حمل التشبيهات جزافًا على غير حواملها. إن «لعبة السطح والعمق» الزرادشتية هي ما ثبت في عالم التفكير الفلسفي المعاصر. ومن هنا تم الكشف عما لم يعد تحتمله عوالم الحياة والأشياء والناس من كثرة تشبيهات. إنها تشبيهات كاشفة عما في العقل الفلسفي من أصنام – مُثل. لا بد، إذًا، من جنس مخصوص من الرجال العظام106؛ ليعهد إليهم تاريخ الفلسفة بإعادة الألفة القديمة، بين ما يحياه الفيلسوف، وما ينتجه من معرفة، فالرجال المتحررون من كراهة العقل المجرد سيكونون
معدنًا جديدًا من أهل الفلسفة107. والذين نأمل معهم أن «تصير المعرفة جزءًا لا يتجزأ من الحياة نفسها بوصفها حياة مقدرة لا تتوقف عن النمو إلى اليوم الذي تنتهي المعارف والأخطاء القديمة الأساسية بأن تتصادما معًا، الواحدة ضد الأخرى بوصفهما حياة، بوصفهما مقدرة في الرجل المفكر نفسه»108. ولعله من لوازم ذلك إثبات أمرين: أولهما أن يستهين الفكر الحر باليقينيات لخطورتها على الحقيقة أكثر من الكذب والخطأ. لأن «اليقينيات سجون»109، كما يرى نيتشه. وثانيهما أن يتحرر110 العقل الفلسفي، وقد تقوم بالنقد الحر و«الأسلوب الكبير»111، من بلِية الكسل، والإعراض عن مواجهة كبرى أسئلة الناس. ولقد حددت صنافة معادن الإنسان في فلسفة نيتشه الأقوياء أهل هذه العهدة – المهمة المقبلة112.
خاتمة
«أعاد نيتشه الذي بدا أنه أدرك أن عليه تحريك قطعه الأخرى، انتباهه إلى وسط لوحة الشطرنج، وقال: ‘لقد أطلقوا عليّ ألقابًا كثيرة، فيلسوف، عالم نفساني، وثني، داعية، مسيح دجال. حتى أنهم أطلقوا عليّ ألقابًا مستهجنة. لكني، أفضل أن أطلق على نفسي لقب عالم، لأن أساس طريقتي الفلسفية، بوصفها طريقة علمية، تكمن في عدم التصديق. إني أتبع نهجًا صارمًا يتسم بالشك، وأنا شكوك الآن لا أستطيع قبول توصيتك للكشف عن النفس استنادًا إلى سلطة طبية»’113. يَمْثل الفيلسوف اليوم أمام حبس مدارات التناهي لما تطلَّع إليه بعض أسافه. فلقد أفضى النظراني والتأملي والتجريدي إلى ما أفضوا إليه بمفعول «التفلسف بضربات مطرقة»، فما عاد للفصل بين سعي
الإنسان، في مختلف توجهاته، وبين الحياة، من مسوغ فلسفي. ومن ممكنات ذلك: أولً، استئناف التفلسف فيما وراء الخير والشر، تناسبًا ومعادلة نيتشه: الحياة صنو الفكر الحر. وثانيًا، النبش في التاريخ المحجوب بالكذب السياسي والأخاقي والكنسي. وثالثًا، النظر إلى التفلسف بوصفه تأسيسًا للمقبل من حدثان واستقبالاته في ربض الفلسفة. وفي هذا السياق الفلسفي «يبدو، إذًا، النقد النيتشي إمكانية لفهم فلسفي للتاريخ المخفي للفلسفة، وبوصفه تاريخًا للكينونة الامفكر فيها: بحث عن معنى محكوم عليه بالاحتجاب»114. أما النقد الساعي إلى الشمولية في النظر، فيقتضي، من جهة ما سيفرزه من ارتدادات في التاريخ الفلسفي، تملك الفيلسوف إرادة الاقتدار115. وبعيدًا عما أُلحق جزافًا بهذا المفهوم من فهم سيئ، بحمله على معنى الإسراف في مراس القوة باعتبارها عنفًا، سيكون خصيصة من سيقوى على تدبير شرائط الفعل الفلسفي – النقدي. ولقد أكد نيتشه تهافت الفهم الساذج النافي لإرادة الاقتدار؛ حيث يقول: «ما يريده الإنسان وكل كائن حي هو زيادة في الاقتدار»116. إن إرادة الاستزادة من هذه المقدرة هي مسعى نيتشه؛ لقلب القيم الشائعة في عصر يدعي لنفسه الحداثة الخادمة للعقل البشري. ويشترط ذلك أمرين: أولهما نسف قيم العدمية السالبة. وثانيهما تهيئة منابت للإنسان الحكيم، وهو هنا الإتيقي المعادي للقطيع والضعفاء والسفلة من الآدميين. عسى أن يتسنى للإنسان الجديد بذلك تثبيت إتيقا الأسياد. وذلك هو الأفق الأرحب والبريء، وهو أفق القبول بحقيقة العود الأبدي. تحتاج عافية التشخيص النقدي من الفيلسوف – الناقد مقدرة على التأقلم مع إكراهات منطق المعاودة الأبدية لسيان صور من الحياة، والمنعرجات، والأزمات، والأحداث البشرية الجسيمة. وكل ذلك داخل فضاء الصيرورة الدائمة الخالية من أي انتظار ميتافيزيقي لمثل أعلى، هو منتهى رهان البشر في ما يفعلون. هناك إذًا حلقات، ما تنفك الواحدة منها تتمم الأخرى ما أن تبلغ بعض منتهاها. وعليه، فالحياة متحولة حيوات وصائرة في مسار، وربما قُدّت الحيوات من المكرور نفسه. علمًا أن طاقة الحياة التي تشغلها الحياة نفسها، وعلى نحو فني خاق، هي طاقة ثابتة في نسبتها، قياسًا بما تحتاجه الحياة من أسباب استمرار. إذ الحياة قائمة، ودونما يقين أنها بثبات طاقتها تلك لا تخضع للزيادة أو النقصان، وإنما للتضخم والانكماش. وهذه الطاقة هي مفعول قوة متقوّمة بذاتها، وقد تثبتت ذاتيًا في ما يشبه، بلغة نيتشه، «قوس قزح» وتموجاته غير المنحرفة. إنه «العَود الأبدي: ديونيزوس رمز نشوة الحياة، وهوس الخلق، وروعة المغامرة، وفرح البراءة، وهذا يعني أن كل شيء يتغير باستمرار وإن كانت الحركة لا تتوقف وإن كانت الأشكال والصور تعود مرات لامتناهية»117. أما العنصر الإتيقي، فيتمثل في انفاق مقدرة تحمّل أو مكابدة رجولية، شبيهة بقتال الجندي الباسل، إنه القبول التراجيدي بملهاة
الحياة. أما العود الأبدي فهو القبول باستحضار صورة عنفوان الإغريق الذين استنوا للحياة سننًا، لعل أهمها التحرر لحظة اللقاء بالحياة118. إنه التحرر من فكرة الخطيئة وتخطئة الحياة. أو هو العرفان بأن إسراف أقدار الحياة في القسوة لا يجرمن الحياة، ولا الوجود الإنساني الذي تعنى إرادة الاقتدار بتعظيم شأنه الصائر من دون توقف، وكما صاغه هيراقليط.
References
المراجع
العربية
ابن أحمد، يوسف. «منظورية الحقيقة عند نيتشه». مجلة الفكر العربي المعاصر. العدد –102 أفاطون. جمهورية أفلاطون. ترجمة ودراسة فؤاد زكريا. الإسكندرية: دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، ايكن، هنري. عصر الإيديولوجيا. ترجمة فؤاد زكريا. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية،.1963
برهييه، أميل. تاريخ الفلسفة. ج 7: الفلسفة الحديثة (1945–1850). ترجمة جورج طرابيشي. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر،.1987
بلعقروز، عبد الرزاق. المعرفة والارتياب: المساءلة الارتيابية لقيمة المعرفة عند نيتشه وامتداداتها في الفكر الفلسفي المعاصر. بيروت: منتدى المعارف،.2013
_______. نيتشه ومهمَّة الفلسفة: قلب تراتب القيم والتأويل الجمالي للحياة. تقديم عز العرب لحكيم بناني. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون؛ الجزائر: منشورات الاختاف؛ دبي: مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم،.2010
دريدا، جاك. المهماز: أساليب نيتشه. تعريب عزيز توما وإبراهيم محمود. الاذقية: دار الحوار للنشر والتوزيع،.2010
دولوز، جيل. نيتشه والفلسفة. تعريب أسامة الحاج. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،.1993
زكريا، فؤاد. نيتشه،. ط 2. سلسلة نوابغ الفكر الغربي. القاهرة: دار المعارف بمصر،.1966
زيناتي، جورج. رحلات داخل الفلسفة الغربيَّة. بيروت: دار المنتخب العربي للدراسات والنشر والتوزيع،.1993
سلوتردايك، بيتر. الإنجيل الخامس لنيتشه. ترجمة علي مصباح. كولونيا، ألمانيا: منشورات الجمل، الشابي، نور الدين. نيتشه ونقد الحداثة. سلسلة أطروحات. تونس: دار المعرفة للنشر،.2005
فنك، أويغن. فلسفة نيتشه. ترجمة وتحقيق إلياس بديوي. دمشق: منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي،.1974
مونتيبيلو، بيير. نيتشه وإرادة القوة. ترجمة وتقديم جمال مفرج. الجزائر: منشورات الاختاف،.2010 نيتشه، فريدريك. إنسان مفرط في إنسانيته: كتاب العقول الحرة. ج 1. ترجمة محمد الناجي. الدار البيضاء: إفريقيا الشرق،.1998
_______. شوبنهاور مربيًا. ترجمة قحطان جاسم. الجزائر: منشورات الاختاف؛ بيروت: منشورات ضفاف؛ الرباط: دار الأمان للنشر والتوزيع؛ بغداد: دار أوما،.2016
_______. العلم الجذل. ترجمة سعاد حرب. بيروت: طباعة دار المنتخب العربي للدراسات والنشر والتوزيع،.2001
_______. غسق الأوثان: أو كيف نتعاطى الفلسفة قرعًا بالمطرقة. ترجمة علي مصباح. بيروت: منشورات الجمل،.2010
_______. الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي. ترجمة سهيل القش. تقديم ميشال فوكو. ط. 2 بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،.1983
_______. في جنيالوجيا الأخلاق. ترجمة وتقديم فتحي المسكيني. مراجعة محمد محجوب. سلسلة ديوان الفلسفة. تونس: المركز الوطني للترجمة،.2010
_______. ما وراء الخير والشر: تباشير فلسفة للمستقبل. تعريب جيزيا فالور حجار. مراجعة موسى وهبه. الجزائر: المؤسسة الوطنية لاتصال والنشر والإشهار؛ بيروت: دار الفارابي،.2003
_______. نقيض المسيح: مقال اللعنة على المسيحية. ترجمة علي مصباح. بيروت: منشورات الجمل،.2011
_______. هذا هو الإنسان. ترجمة علي مصباح. كولونيا: منشورات الجمل،.2003
_______. هكذا تكلم زرادشت: كتاب للجميع ولغير أحد. ترجمة وتقديم علي مصباح. كولونيا، ألمانيا: منشورات الجمل،.2007
يالوم، أرفين. عندما بكى نيتشه. ترجمة خالد الجبيلي. بيروت: منشورات الجمل،.2015
الأجنبية
Blondel, Eric. Nietzsche: Le Corps et la culture – La philosophie comme généalogie
philologique. Coll. Philosophie d’aujourd’hui. Paris: Presses universitaires de France,
Deleuze, Gilles. Critique et clinique. Coll. Paradoxe. Paris: Éditions de Minuit, 2006.
_______. Différence et répétition. 6 ème éd. Paris: Presses universitaires de France, 1989.
_______. Nietzsche et la philosophie. Coll. idéa no. 39. Tunis: Cérès éd., 1995.
Descartes, René. Discours de la méthode. avec des aperçus sur le mouvement des
idées avant Descartes, une biographie chronologique, une Int. À l’œuvre, une analyse
méthodique du Discours , des notes, des questions et des documents par J.–M. Fataud.
2 nde éd. Coll. Univers des Lettres. Paris: Bordas, 1980.
Granier, Jean. Nietzsche. 5 ème éd. Coll. Que sais–je? Paris: Presses universitaires de
France, 1994.
_______. Le Problème de la vérité dans la philosophie de Nietzsche. Coll. L’ordre
philosophique. 2 nde éd. Paris: Seuil, 1966.
Kant, Emmanuel. Critique de la raison pure. Jules Barni (trad.). P. Archambault (rév.).
Luc Ferry (préf.). Bernard Rousset (chro. & bib.). Paris: G. Flammarion, 1987.
_______. Critique de la raison pratique. François Picavet (trad.). Ferdinand Alquié
(intr.). Paris: Quadrige/ Presses universitaires de France, 1989.
_______. Logique. Louis Guillermit (trad.). Paris: Vrin, 1970.
Kremer–Marietti, Angèle. L’Homme et ses labyrinthes: Essai sur Friedrich Nietzsche.
Coll. Inédit. Paris: Union générale d’éditions, 1972.
Misrahi, Robert. Qu’est–ce que l’Éthique?: L’Éthique et le bonheur. Paris: Armand
Colin, 1997.
Nietzsche, Friedrich. Œuvres philosophiques complètes. textes et variantes établis
par Giorgio Colli et Mazzino Montinari. sous la dir. de Gilles Deleuze et Maurice De
Gandillac. Paris: Gallimard/ nrf, 1982–2008.
______. Œuvres philosophiques complètes. tome. III. Humain, trop humain: Un livre
pour esprits libres. I. Robert Rovini (trad.). éd. Revue par Marc B. De Launay. Paris:
Gallimard, 1988.
_______. Œuvres philosophiques complètes. tome. V. Le Gai savoir: La Gaya Scienza.
Pierre Klossowski (trad). éd. Revue et augmentée par Marc B. De Launay. Paris:
Gallimard, 2006.
_______. Œuvres philosophiques complètes. tome. VI. Ainsi parlait Zarathoustra: Un
livre qui est pour tous et qui n’est pour personne. Maurice De Gandillac (trad). Paris:
Gallimard, 2004.
_______. Œuvres philosophiques complètes. Par–delà bien et mal: Prélude d’une
philosophie de l’avenir. trad. de l’allemand par Cornélius Heim, Isabelle Hildenbrand
& Jean Gratien. tome. VII. Paris: Plessis–Trévise, 2006.
_______. Œuvres philosophiques complètes. Crépuscule des Idoles ou Comment
philosopher à coups de marteau , L’Antéchrist: Imprécation contre le christianisme.
trad. de l’allemand par Jean–Claude Hémery. tome. VIII. Paris: Gallimard; NRF 2004.
_______. Œuvres philosophiques complètes. Fragments posthumes: Été 1882–printemps
1884. Anne–Sophie Astrup & Marc De Launay (trad). tome IX. Paris: Gallimard, 1997.
_______. Œuvres philosophiques complètes. tome. XII. Fragments posthumes: Automne
1885–automne 1887. Julien Hervier (trad.). Paris: Gallimard, 2007.
_______. Œuvres philosophiques complètes. tome. XIV. Fragments posthumes: Début
1888–début janvier 1889. Jean–Claude Hémery (trad.). Paris: Gallimard, 2008.
_______. Le Livre du philosophe: Études théorétiques. tome. II (trad.) de l’allemand,
int. et notes par Angèle Kremer–Marietti. Paris: Garnier Flammarion, 1991.
Onfray, Michel. La Sagesse tragique: Du bon usage de Nietzsche. Coll. Le Livre de
poche. Paris: LGF, 2006.
Reboul, Olivier. Nietzsche critique de Kant. Coll. SUP.Paris: Presses universitaires de
France,1974.
Simha, André. Nietzsche. Coll. Pour connaître.Paris: Bordas, 1988.
Souchon, Gisèle. Nietzsche: Généalogie de l’individu. Coll. Commentaires
philosophiques. Paris: L’Harmattan, 2003.