رؤية ديكارت للعالم وتحدي الانتقال إلى تصور جديد حوله
Cartesian Vision of the World and the Challenge of Moving to a New Conception
الملخّص
غيرت رؤية الإنسان للعالم طبيعة تفكيره وشكل تعامله مع الطبيعة والمحيط، وأحدثت ثورة علمية، فصناعية ثم تكنولوجية، مست الجوانب الاجتماعية للإنسان. فظهرت الدولة كجهاز سياسي يعبر عن الروح العلمية، مستنهضًا ومعبئًا كل الطاقات البشرية. ورائد هذا التغير، فيلسوف عقلاني اسمه رينيه ديكارت. انبرى لتأسيس العلم على نظرية لانهائية العالم وانفتاحه على الممكن والمحتمل، على نحوٍ أتاح للإنسان حرية كاملة في إعادة بنائه وصياغته بما يتوافق مع متطلباته وحاجاته. فالعالم غير تام ولانهائي وليس بناجز. حاولنا رصد هذا التحول من خلال أربعة محاور: خصصنا أولها للنظر في علاقة فكرة العالم المتناهي بفكرة اللامتناهي، وتأكدنا أنها ظل لها. قبل أن نثبت في المحور الثاني، فلسفيًا وعلميًا، لانهائية العالم. الأمر الذي جعلنا نقرها فكرة بديهية لا تستوجب الإثبات، ولا سيما أنها فكرة فطرية إلهية المصدر، وكان هذا المحور الثالث. وهذه صفة من صفاتها، سقناها في المحور الأخير، تضاف إليها صفات أخرى كالامتداد، والإطلاقية، والأزلية، والملاء، فكلما وجدنا صفة من صفاتها عرفناها.
Abstract
Abstract: The human view of the world has changed the nature of his thinking and the way he deals with nature and the environment. And revolutionized scientific, industrial and technological, touched the social aspects of man. The state emerged as a political body that expressed the scientific spirit, full of all human energies. The pioneer of this change, a rational philosopher named Descartes. He proceeded to establish science on the theory of the infinite world and its openness to the possible and the potential. Which allowed the person complete freedom to rebuild and formulate it in accordance with the requirements and needs. The world is incomplete, infinite and not achievable. We tried to monitor this shift through four axes: First, to look at the relationship of the finite world idea to the idea of infinity, and to make sure that it remained. Before we prove (the second axis) philosophical and scientific infinite world. Which made us an intuitive idea does not require proof, especially since it is an innate idea of the divine source (third axis). And this is one of its qualities, we settled in the last axis, add to it other qualities such as extension, the launch, the eternal, and the solvent. The more we find a characteristic of its characteristics knew.
- العالم
- اللانهائي
- العالم المفتوح
- العالم المغلق
- Universe
- Infinite
- Open universe
- Closed universe
Cartesian Vision of the World and the
Challenge of Moving to a New Conception
ثورة علمية، فصناعية ثم تكنولوجية، مست الجوانب الاجتماعية للإنسان. فظهرت الدولة كجهاز
سياسي يعبر عن الروح العلمية، مستنهضًا ومعبئًا كل الطاقات البشرية. ورائد هذا التغير، فيلسوف
عقاني اسمه رينيه ديكارت. انبرى لتأسيس العلم على نظرية لانهائية العالم وانفتاحه على
الممكن والمحتمل، على نحوٍ أتاح للإنسان حرية كاملة في إعادة بنائه وصياغته بما يتوافق مع
متطلباته وحاجاته. فالعالم غير تام ولانهائي وليس بناجز. حاولنا رصد هذا التحول من خال
أربعة محاور: خصصنا أولها للنظر في عاقة فكرة العالم المتناهي بفكرة الامتناهي، وتأكدنا أنها
ظل لها. قبل أن نثبت في المحور الثاني، فلسفيًا وعلميًا، لانهائية العالم. الأمر الذي جعلنا نقرها
فكرة بديهية لا تستوجب الإثبات، ولا سيما أنها فكرة فطرية إلهية المصدر، وكان هذا المحور
الثالث. وهذه صفة من صفاتها، سقناها في المحور الأخير، تضاف إليها صفات أخرى كالامتداد،
والإطاقية، والأزلية، والماء، فكلما وجدنا صفة من صفاتها عرفناها.
بمراكش، المغرب.
Professor of philosophy and a researcher in Islamic and modern philosophy from Morocco.
تمهيد
عُرف رينيه ديكارت بنظرية المعرفة؛ أي برؤيته المنهجية التي أعادت للشك دوره المركزي في بناء المعرفة، كما اشتهر باكتشافه الأنا في الكوجيتو المشهور «أنا أفكر إذن أنا موجود». هذه الشهرة غلبت على جوانب أخرى في فكره. وما كان ديكارت عظيمًا بهذه الجوانب وحدها، بل نلمس
عظمته كلما طرقنا موضوعًا لم يبحث بعد. فنكتشف فيلسوفًا آخر؛ قائدًا لثورة العلم، ومعارضًا فذًا، وإن كان صامتًا، لسياسات الكنيسة. ونقصد رؤيته للكون في لانهائيته، الكون المتخلص من النظيمة الأخاقية ومن الرؤية الفيزيائية له. ونحن ندرس ديكارت على هذا المستوى ظهر لنا الفيلسوف في ثوب آخر لا يهتم بالكوجيتو وبالعقل وبسؤال المنهج فقط، بقدر ما ينظر إلى الإنسان نظرة طبيعية، يدخل، مثله مثل باقي عناصر الكون، في عاقات تسمح بخلق التوازن، وتدفع، من ثم، إلى استمرار الطبيعة وحفظها على نحو لانهائي. وما كنا مقتدرين على هذا لولا الإشكال الذي انطلقنا منه، وهو: كيف تشكلت رؤية ديكارت للكون؟ وما أسسها ومنطلقاتها؟ هل للكون نهاية وغاية ينتهي عندها أم أنه مستمر باقٍ إلى ما لانهاية؟ وما نتائج هذه الرؤية في الجوانب الاجتماعية والسياسية؟
المتناهي فكرة ظل أو سيمولاكر لفكرة اللامتناهي
يرى ديكارت أن العالم خلق إلهي يحمل من صفاته الشيء الكثير. وأدى به هذا النظر إلى جعل العالم فكرة مصغرة عن الإله. وبما أن فكرة الامتناهي فكرة ذات أصول إلهية تعبر عن النفس الإلهي الذي ينضح به العالم، فإنه يقر بكون الإله الامتناهي، صفة لازمة تمنحه شرف التعظيم والتقديس. عاوة على أن العالم حامل خاصية الامتناهي، وما كان ذلك بدعًا؛ وهو من خائق الإله وتجلياته القصوى، يحمل الكثير من الصفات الجوهرية، وأبينُها جميعًا صفة الاتناهي، والامحدودية. ومن الغريب أن يلصق ديكارت صفة الاتناهي بالمادة. يضخم ديكارت صورة العالم، ويركز فيه أكثر من تركيزه في عالم السماء. وكأننا به ينزع إلى جعل عالم ال «هنا» وال «آن» ليس مكانًا للعبور فقط، بل مكانًا للتعمير والإسكان، عبر دراسته والاهتمام أكثر بشؤونه. هو الأحرى والأجدى لأنه الأشد تأثيرًا في حياتنا ومعاشنا اليومي. لا نفارقه أو ننفصل عنه،
نحن بعد من أبعاده وتجلٍّ من تجلياته. مادتنا من مادته، جلدنا من أديمه. لا نستغرب بعده أن نرى من الواجب الاعتراف لديكارت بالمادة في بعدها الانهائي الامحدود.
(((يشير الكون Univers إلى تمثلٍ وتصور يحصل في الذهن تجاه المحيط، فيما يحيل العالم The world على المحيط المادي
بأبعاده الهندسية. بعبارة أخرى: العالم ما وجد من أجلي والكون ما وجدت من أجله، راجع: إدموند هوسرل، تأملات ديكارتية أو
مدخل إلى الفينومينولوجيا، ترجمة تيسير شيخ الأرض (بيروت: دار بيروت للطباعة والنشر، 1958)، ص 156–154، 166. ورغم
ذلك لا نرى اختافًا جذريًا بين المفهومين. وقد عدنا إلى مراجعه المعتمدة، فوجدناه يستعملهما بالمعنى نفسه. (((أول من استعمل هذا المفهوم هو أفاطون، ويقصد به النسخ المشوهة التي تنعكس من عالم المثُل على العالم الحسي
كانعكاس الوجه على صفحة الماء.
(3) Alexandre Koyré, Etudes newtoniennes (Paris: Gallimard, 1968), pp. 227–228.
نستعمل هنا التمييز الأفاطوني في الأفكار والأشياء؛ بين الأفكار الأصلية الحقيقية التي تنتمي إلى عالم المثل والأفكار المشوهة أو الظال التي يسميها «سيمولاكر» ذوات الانتماء للعالم الحسي. رغم أن ديكارت لا يتمذهب بهذا المذهب، ولا يعتقد صوابية التقسيم الأفاطوني الذي يقطع العالم ويمحو الروابط بينه. غير أننا واجدون عنده التفريق بين فكرة أصلية صادرة عن الإله، مترسخة في الطبيعة البشرية المفكرة وهي فكرة الامتناهي، وفكرة من عمل الشيطان الماكر وبمساعدة الحواس وهي فكرة المتناهي. وهو منطق ديكارتي جديد في التفكير، يعلمنا أن الفكرة الأولى المتصورة في العقل بذاتها بداهة، هي فكرة الامتناهي، فكيف عرفت أني، كإنسان متناهٍ إن لم أكن قد عرفت قبلً فكرة كائن آخر غير متناهٍ (الإله) أقارن نفسي به، فأكتشف ضعفي أمام قوته، تناهيّ بجانب لاتناهيه، بلغت
فكرة الامتناهي بنفي المتناهي. فكيف للعامة أن يبلغوا هذه الفكرة، وذوقهم ومعرفتهم مشوشان. لذا اختاروا الانسياق خلف فكرة ضعيفة هي المتناهي. والحال أن الذوق السليم العقاني يتصور الكامل قبل الناقص، والامتناهي قبل المتناهي، والامتداد قبل الشكل. فكرة الله أوضح من فكرتنا عن أنفسنا. على الأقل هي حافظت على بساطتها في حين أن فكرتنا عن أنفسنا مركبة مختلطة مشوشة. وبما أن فكرة الله تصدر عنها فكرة الامتناهي، وفكرتنا عن أنفسنا تفيض عنها فكرة المتناهي، فالأقرب لنا للمعرفة هو فكرة الامتناهي، وعنها فاضت فكرة المتناهي. فكرة الامتناهي منشؤها إلهي ومستقرها النفس البشرية. تشكل جزءًا من العقل، تحمل سمة البساطة رغم ما
نالها من غبار العالم الحسي، وما ران عليها من تركيب معتقدات الاجتماع البشري. فكرة تكشف عظمة الإله وسموه. فلولاها لبات ما هو واضح بذاته يحتاج إلى الكثير من البرهان، وتمحل الاستدلال. رام ديكارت برؤيته للعالم ما هو خارج مجال الاهوت الكنسي، وبعيدًا عن التصور الأرسطي، وعن الشكل الهندسي الأوقليدي. رام «إصاح الفلسفة إصاحًا كليًا، ليجعل منها علمًا قائمًا على أسس
مطلقة». اتجاه ديكارت إلى العلم رأسًا له من المبررات الشيء الكثير. فمن دون العلوم يستحيل كل
إصاح، دورها كدور الآلة التي نحتاج إليها لتسهيل معاشنا. تقدم نفسها أيضًا ك «ميكانيزم»، يمكن من معرفة حقيقة الأشياء والاطاع على قوانين الطبيعة، والمساعدة في فهمها الفهم الأفضل. ياحظ هوسرل الترابط بين العلم والتقدم، كلما انساقت الحضارة إلى العلم وطورت أساليبه تقدمت. وكلما تراجع العلم وتخلف البحث فيه انحدرت الحضارة وأوشكت على الانهيار. تمثل ديكارت هذه المتازمة. لم يتأخر في رصد العلم وبحث أسباب ركوده ونضوب دراسته. فوجد أمرًا عجبًا؛ كل معارف
العلم والعلماء متحت من مصادر مرتاب في أمرها، منها الحواس وما أمدت العلماء به من تجارب صادقة صدق امتاكهم العين والأذن، فقمين التعامل معها ومع معطياتها بحذر، بلغ حد وضعها بين قوسين وتعليق العمل بها. يطلق هوسرل على هذا الأمر فعل «الأبوخي» épochè. ومن بين الأفكار المعلقة فكرة أن العالم متناهٍ، لتعلة رؤية الحواس له. وما كان لنا ثقة بما قدمته لنا من عالم فصلته على
(((ألكسندر كواريه، ثلاثة دروس في ديكارت، ترجمة يوسف كرم، تقديم عبد الرشيد الصادق محمودي، سلسلة ميراث الترجمة 1890 (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2014 1937[])، ص.60 (((هوسرل، ص.43
قدها كمأتى بروكسيت صاحب السرير. فكيف نثق بها في مجال العلم؟ يصرح هوسرل: «يجب أن يوضع وجود العالم موضع تعليق». معلوم أن العالم بني في كثير منه على نظريات علمية خالطتها المعارف الدينية والمعطيات الحسية، حتى أمسى شبه مستحيل الميز بينها، هي معارف غير واضحة ولا بديهية بما فيها أقوال نهائية العالم. الشك فيها حمل ديكارت للتوجه مباشرة إلى الأشياء لتكون المرجع الوحيد لذاتها علة نفسها. لها الاستطاعة على التعبير عن نفسها وحملها لانوجاد في شكل قابل في كل مرة للتجوهر. هي الانهائية التي تمنح الأشياء هويات يساكنها الاختاف لا يقر لها قرار. وكأنها في كل مرة تبحث عن حقيقتها عن تماميتها عن الرسم الأنسب لكينونتها. لذا تجد أكثر من ماهية تخترق الأشياء. عالم الانهائية عالم مختلطة فيه الأشياء نكاد نعيش فيه في إطار التخوم والحدود أقرب للمتوسطات. هكذا تأول هوسرل فلسفة ديكارت. فعل التعليق «الأبوخي» أو وضع العالم وتوابعه وملحقاته ومعارف الذات ومعتقداتها ومنطلقاتها، بين قوسين، وتعليقها بين عالم السماء بموجوداته وعالم الأرض بأشيائه. تأجيل يستهدف ترسيخ هوية واحدة نهائية وناجزة. مكن هذا الأمر ديكارت، في نظر هوسرل، من فتح الوجود على أنحاء عالم الانهائية. فالانهائية مقولة مبنية على مسألة تعليق العالم. وبه أوجب ديكارت النظر إلى العالم كعاقات وقوانين ونظريات، قابلة للتجدد والتغير المستمر. فا عاقة دائمة مستمرة. وهذا معناه أن عالمنا اليوم تشكل على أس نوع من التعالق انتظمت به عناصره، يمكن أن تنهدم تلكم العاقة لتنبثق منها عاقة أخرى تمثل عالمًا جديدًا. يسمح بهذا التجدد مادة العالم القادرة على الامتداد. وتمددها معناه قابليتها لتنسيج تعالقات جديدة. صار العالم ديكارتيًا موضوعًا للتأمل العقلي، حاضرًا في الذهن على شكل بداهة أو فكرة واضحة بذاتها، مصدرها النور الإلهي – الضامن للحقيقة – ولأن الإله لانهائي، فالفكرة التي تعبر عنه لانهائية. وكأننا به يتساءل إن كانت فكرة لانهائية العالم معلومة المصدر، فإن فكرة نهائيته مجهولة المخبر. نفترض أن مصدرها شيطان ماكر يحب إضال العقول والتاعب بها. إن فكرة الانهائية تشابه العقل
(((المرجع نفسه، ص.45 (((يتكلم هايدغر عن معنى العلة الجديد الذي لم يعد يحيل إلى جوهر ثابت في موجوديته لجوهر آخر مفارق عنه، منه يستمد
كينونته وأصليته، بل يمثل غاية وجوده. يقدم هايدغر مثالً معبرًا. يبث فيه منطقيًا ليدحضه ويؤكد صحة التعاطي الفينومينولوجي.
وهو الوردة التي تفتحت، لم تتفتح لتنفث عبقها عسى تستنشقه الأنوف فتعبر عن حسنه وجماله. الوردة تفتحت من دون لماذا. تزهر لأنها تزهر، كما يقول هايدغر. انظر:
Martine Heidegger, Le Principe de la raison , André Préau (trad.), Jean Beaufret (Préface), (Paris: Gallimard, 1962), p. 103.
(((هوسرل، ص.149–148 (((انظر: رينيه ديكارت، التأملات في الفلسفة الأولى، ترجمة وتقديم وتعليق عثمان أمين، تصدير مصطفى لبيب، سلسلة ميراث الترجمة 1297 (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2014)، ص.163
الرياضي من جهة دقته وصرامة استدلالاته؛ فكرة سمحت بظهور العوالم الممكنة، موسعة من قدرات الأنا الديكارتي لتزيحه عن مركزيته، ليمسي عنصرٌ مفتوح متعدد ولانهائي، يشكل احتمالً من
احتمالات الوجود الانهائي. يصير الوجود الآني إمكانًا من إمكانات الوجود. وينقسم الامتناهي على نفسه إلى لامتناهٍ في العظم ولامتناهٍ في الصغر. الامتناهي في العظم يصدق على الفضاء والكواكب والنجوم (على ما فوق القمر بلغة أرسطو)، عالم واسع ومترامٍ (ماكروفيزياء). أما الامتناهي في الصغر فهو عالم المادة التي تنقسم على نفسها وتتجزأ إلى الامحدود (ميكروفيزياء). ومن الجهتين ينفتح عالم واسع أمام الذهن لمعرفة الكون. إن فكرة الامتناهي ذات مصدر إلهي. فا غرابة إن وجدنا ديكارت يصل إليها بعد أن يثبت وجود الأنا ذهنيًا ثم وجود الإله، فينسب لنفسه فكرة المتناهي المشابه لطبيعته الناقصة، ويضم فكرة الامتناهي
للإله المماثلة لطبيعته. فكمالاته لامتناهية كصفاته. وما صفاته إلا تجليات للعالم، العالم صفات الإله كما نجد عند سبينوزا في مناولته مسألة الجوهر عند ديكارت. لذا حدَّ العالم لامتناهيًا. تلكم
طريقة ديكارت في كشف أصول فكرة الامتناهي ومنطلقاتها ومصادرها. بناءً عليه، كل من رفض
هذه الفكرة كمن يشكك في صفات الإله أو لا يتمثله تمثلً صحيحًا. يقول ديكارت: «فمن طبيعة الامتناهي أن تعجز الأفكار المتناهية عن الإحاطة به». يفسر الفيلسوف العقاني لماذا لم يصل قبله عظماء الفاسفة والمفكرين إلى بلوغ هذه الفكرة، كونها فكرة من طبيعة تخالف طبائعهم البشرية الناقصة التي تصور العالم حسيًا لا عقليًا، مسقطة عليه تمثلها الناقص. الكائن البشري الناقص والمتناهي رسم العالم على هيئته الناقصة المتناهية. إضافة إلى كونها فكرة تحبل بالبساطة. يستعسر على كائن يعيش الاختاط والتركيب دركها ومعرفتها. ثم إن الامتناهي يقتضي وجود التبعيض والتجزؤ والتقسيم، فيما المتناهي يستلزم الاتصال والتمامية والتركيب. ولنا في فكرة الزمان كما تصورها ديكارت خير دليل، إذ تصورُه لامتناهٍ، وآناته غير مستوفاة، لحظاتها فارغة وسريعة، الأمر الذي يجعلها متتابعة. لعل من خصائصه الامتداد والاستمرارية. يقر ديكارت: «لما كان الامتداد مقومًا لطبيعة الجسم، وكان الممتد ممكن الانقسام إلى أجزاء عديدة، فقد لزم أن الله ليس
((1(نكاد ندعي الأثر الواضح من ديكارت في فلسفة لايبنتز القائلة بالموناد، رغم أن الأمر يحتاج إلى مزيد من التحري والبحث، ليس هذا موضعه. (1((راجع تقديم عثمان أمين كتاب: رينيه ديكارت، مبادئ الفلسفة، ترجمة وتقديم وتعليق عثمان أمين (القاهرة: دار الثقافة للطباعة والنشر،.)1975 ((1(المرجع نفسه، ص.65 ((1(يقول سبينوزا في القضية 11: «الله، وبتعبير آخر جوهر يتألف من صفات لامتناهية، كل واحدة منها تعبر عن ماهية أزلية
لامتناهية، موجود بالضرورة»، انظر: باروخ سبينوزا، الإتيقا، ترجمة وتقديم وتعليق أحمد العلمي (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2010)، ص.53 (1((ديكارت، التأملات، ص.70 (1((ديكارت، مبادئ الفلسفة، ص.65 ((1(المرجع نفسه، ص.67
بجسم». ولاجسميته تمتّ بصلة لاتناهيه، فلو كان جسمًا لكان محصورًا في مكان معين وزمان مخصوص، ولكان ما احتواه من مكان وزمان أعظم منه وأسبق وجودًا، ولباتت أوليته هذه مرتابًا في صدقيتها، أي إن ديكارت يرفض تكميم الإله، وكذا يقال بالنسبة إلى العالم. يقر ديكارت «لا نستطيع أن نتخيل كثرة من النجوم إلا ويستطيع الله أن يخلق أكثر منها، فإننا نفترض أن عددها لا محدود وكذلك في سائر الأشياء». يتضح أنه يخص الامتناهي بالإله دون غيره من جهة تمامه وكماله. أما الامحدود فهو خصائص يتميز بها الكون الذي رغم كماله لا يخلو من عناصر النقص على الأقل من جهة إدراك العقل. تمامية فكرة الامتناهي وكمالها يجعانها فكرة صدرت ضرورة عن الإله، وإذًا، باتت فكرة أصلية تربو على فكرة المتناهي التي أمست سيمولاكر أو ظلً. فما الذي يثبت أن الامتناهي فكرة إلهية أصلية؟
إثبات لانهائية العالم: فلسفيًا وعلميًا
بما أن فكرة الامتناهي فكرة يقينية وتامة، فقد عمد ديكارت لتعبئة استدلالاته الفلسفية والعلمية لإثبات صحة فكرة العالم الامتناهي. فمن بين الأدلة التي اعتمدها لإثبات لانهائية العالم، الإرادة التي تعمل في تماس معه. فالإرادة مطلقة أي إننا نريد كل شيء. ومعنى الإطاق أنها غير محدودة أو غير متناهية. يلزمنا ديكارت باستدلال مقتضاه: يستحيل في حقها أن تكون لامتناهية وتطلب ما هو متناه. بل كونها لامتناهية يثبت لاتناهي العالم. ففكرة لاتناهي العالم فكرة أصلية، أعرفها قبل أن أعرف الأشياء المتناهية، بل لولاها لما أمكنني كشف حقيقة الأشياء المتناهية. أعرف فكرة المثلث قبل ماقاة أشكال المثلثات وأنواعها، هي فكرة عامة قبلية وفطرية عند ديكارت. كذا بالنسبة إلى فكرة الامتناهي واضحة بذاتها متميزة، بخاف الانطباعات والآثار الحسية. ولنتصور جزافًا غياب فكرة الامتناهي، ستغيب، بالتوازي، فكرة الإله التام الكامل، وبه يغيب تمثلي لنفسي كذات ناقصة. ومعه سيغلب الشك على اليقين والارتياب على الحقيقة، لكونه ضامنًا لها. ولصار باطلًالقول بوجود عالمين، في غياب ضامن حقيقي لمعرفة موثوق بها. بيد أن ديكارت جعل من الامتناهي ضامنًا لحقيقة بل مرسخًا لصدقيتها. إذًا، لفكرة الامتناهي أدوارٌ معرفية وأنطولوجية جمة، منها أنها تؤكد حرية الإرادة وتثبت صحة المعرفة ويقينها، ثم تبلغ الإنسان كماله الأخير.
((1(المرجع نفسه، ص 96، يرد سبينوزا على من تصور أن الله جسم بالقول: «هناك من يتخيل أن الله يتكون، كالإنسان، من جسم وذهن، ويخضع لانفعالات المنفعلة، لكن ما أبعدهم عن معرفة الحقيقة لله، وما برهنّا عليه في السابق يكفي لتوضيح ذلك. لكنني
أتركهم جانبًا، لأن جميع الذين نظروا في الطبيعة الإلهية، ينفون أن يكون الله من طبيعة جسمية. وهم على كل حال يحسنون إثبات
ذلك بالقول إننا نعني بالجسم أي كيان له طول وعرض وعمق وشكل يحدده، وأن لا شيء يكون أكثر استحالة عن إضافة ذلك إلى
الله، أي إلى الموجود الامتناهي على الإطاق»، انظر: سبينوزا، الإتيقا، التعليق على القضية 15، ص.44 (1((ديكارت، مبادئ الفلسفة، ص.71 ((1(المرجع نفسه، ص.72 ((2(المرجع نفسه، ص.77
يرسخ ديكارت فلسفيًا فكرة الامتناهي عبر دليل الحرية، إذ لا يمكن أن نحس بحريتنا في عالم متناهٍ
محدود، محكوم بالضرورات والإلزامات. يبسط ديكارت مثلً، وإن كان جاء في سياق مخالف، سياق يثبت فيه أن معارف الحواس غير واضحة في مقابل معارف العقل، بالشمعة التي يمكن أن تأخذ أكثر من شكل، تتلون بعدة ألوان، وتتخذ مجموعة من الأذواق، والذي يمنحها تلكم القدرة، هو خاصية الامتداد الامتناهية فيها. يعلن ديكارت: «إنني أتخيل أن قطعة الشمع لكونها مستديرة قابلة لأن تصير مربعة أو أن تنتقل من شكل إلى شكل مثلث؟ ليس الأمر كذلك قطعًا لأني أتصور أنها تقبل من هذه التغيرات عددًا كثيرًا لا يحصى». قطعة الشمع تدل دلالة قوية على باقي الأجسام والأشياء الممتدة
في الكون ذات جواهر غير ثابتة، تتبدل جزئيًا في بعض خصائصها أو كليًا في جميع صفاتها. هذا
التغيير بلغة ديكارت من خصائص الامتناهي، فلولاه لوسم الكون بالثبات والاستقرار وحافظ على كل خصائصه. من دونها كانت نزعة الثبات وعوامل الاستقرار المتناهية تغلبت على الامتناهي. يوشك أن ينعدم الكون، لغلبة نقيضة من نقيضاته أو مكون من مكوناته على باقي النقيضات أو المكونات. يقول: «بناء على ذلك أجد على نحو ما أن فكرة الامتناهي سابقة لدي على فكرة المتناهي، أي أن إدراك الله سابق لدي على إدراك نفسي». يصالح ديكارت علميًا (الدليل العلمي) بين الفكرتين، ويفاضل بينهما في أسبقية الوجود وشرف
التمثيل. فكرة المتناهي بعدية تمثل الإنسان، وفكرة الامتناهي قبلية تجسد صوت الإله فينا. لم يتوقف الفيلسوف الفرنسي عند هذا الحد، بقدر ما استزاد، وهو يتوجه إلى الإله لإثبات ذاته الناقصة وجوديًا. لولا الإله لما كانت الأنا، إذ معرفيًا وعلميًا الإله ضامن للحقيقة؛ لذا صعب إدراك صفاته
الامتناهية. يقر به ديكارت حين يعلن: «فإن من شأن الامتناهي أن يعجز المتناهي عن الإحاطة به». وكيف يحيط به الفكر الناقص بينما مدرك الفكر (الإله) يشترط فيه التمام، الأول متناهٍ والثاني غير متناهٍ. الفكر صفاته بالقوة، فيما سمات الإله بالفعل. تباينهما لا يخفي تعالقهما. فالإله خالق الإنسان وموجد الفكر فيه، ومخلف بصمته في جوهره وهي فكرة الامتناهي. يقول: «وإذًا، فا يبقى ما يقال بعد ذلك إلا أن هذه الفكرة ولدت ووجدت معي منذ خلقت كما ولدت الفكرة التي لدي عن نفسي. والحق أنه لا ينبغي أن نتعجب من أن الله حين خلقني غرس هذه الفكرة لكي تكون عامة للصانع مطبوعة على صنعته». وكذا يقال بالنسبة إلى الطبيعة والكون، خلقهما الإله وجعل فيهما عامة تؤشر على انتمائهما إليه. هذه العامة هي نفسها فكرة الامتناهي. فا شيء يدل على الخالق في الكون إلا فكرة الامتناهي. فأفضل عبادة وأحسنها، حينما نبلغ تلكم الفكرة في
(2((ديكارت، التأملات، ص.188 ((2(المرجع نفسه، ص 106. التسويد في النص من عندنا. ((2(المرجع نفسه، ص.153 ((2(المرجع نفسه، ص.154 ((2(المرجع نفسه، ص.106 ((2(المرجع نفسه، ص.163 ((2(مثلما تفعل الشركات والمؤسسات التجارية من عامات تجارية تدل على انتمائها إليها: Made in.
خلوصها وبساطتها وتميزها. «الإيمان يعلمنا أن الغبطة العظمى في الحياة الأخرى إنما تنال بهذه المعاينة للجالة الإلهية». بهذين الدليلين، يظهر أن فكرة الامتناهي فكرة ضرورية، كونها تحيل وجودنا وجودًا مقومًا قويمًا
مماثلة ومشابهة من جهة، واختافًا وتباينًا من جهة أخرى. نشابه الإله ونختلف عنه. ترانا دائمًا نقارن
بين وجوده الإلهي المطلق ووجودنا البشري النسبي. فمن دونها ما كان يسمح بمعرفة وجودنا. ولما كان وجوده غير منفصل عن ماهيته، وهذا من تمامه، فكذا وجودنا غير منفصل عن ماهيتنا، ووجود العالم من دونه غير منفك عن ماهيته. معناه؛ إذا كان وجود العالم لانهائيًا، فمن خصائص ماهيته
الاستمرارية والمطلقية والأزلية. بكلمة عربية متأصلة: قديم وسرمدي. لعل هذا ما يجعل كل الأشياء تعتمد عليه في وجودها وبقائها؛ هو أشبه بنقطة أرخميدس، ثابت الكون ومركزه، على أسها يتحرك كل متحرك ويسكن كل ساكن. يقول ديكارت: «إني قبل أن أعرف الله ما كان بوسعي أن أعرف شيئًا آخر معرفة كاملة. والآن وقد عرفته سبحانه، قد تيسر لي السبل إلى اكتساب معرفة كاملة عن الأشياء». والمعرفة الكاملة عن الأشياء هي معرفة تسلم بتمام خصائص الشيء، فالشجرة مثلً تامة بالنظر إلى كونها تحوي كل ما يضمن معيشها؛ من جذور وجذوع وأغصان وأطراف وثمار، كل ما تحتاج إليه موجود فيها. نغلط عند الظن أنها موجود ناقص. فا وجود ناقص، وتمام الوجود يثبت أيضًا لامتناهي الكون. ينتابنا هذا الظن الخاطئ نتيجة مقارنتنا بين الموجودات وفكرتنا عنها، الصادرة عن العقل المفكر. فنتساءل: لماذا لا تفكر الشجرة؟ لأنها غير محتاجة إليه. فليس من تمامها العقل، هي حققت كمالها با عقل كما حقق الإنسان تمام بشريته بتملك العقل. ولا فائدة ترجى من طرق تلك الأسئلة وإلا لصح التساؤل الطردي: لماذا لا يوجد عند الإنسان جذور وجذوع وأوراق؟ يرجح في فكر ديكارت تمام الكون وغياب النقص فيه. يعلن في التأمل الرابع: «إذا أردنا أن نتحقق من كمال أفعال الله، فينبغي ألا ننظر إلى مخلوق بعينه دون سائر المخلوقات، بل أن ننظر على وجه العموم إلى مخلوقاته كلها في جملتها، ذلك أن الشيء الذي يكون لنا بعض العذر في النظر إليه على أنه شديد فقط إذا كان وحده في العالم قد يكون كاملً أبدًا إذا نظر إليه على أنه جزء من هذا الكون بأسره». تمام العالم وكماله كامنان في أن كل ما يحتاج إليه يوجد فيه. وسبب نظرنا بعين النقص لهذا العالم، أننا نفصل مكوناته بعضها عن بعض. فنعزل مثلًالنملة عن محيطها، معتبرين إياها كائنًا غبيًا ينقصها الذكاء، والحال أنه لا يمكن فصلها عن محيطها، إذ لها أدوار كثيرة في الكون تؤديها على
نحو تام وبكامل الإتقان، يفوق كل عقل بشري يدعي الذكاء والتفطن. وما النملة إلا ترس صغير في آلة
((2(المرجع نفسه، ص.165 (2((راجع: التأمل الخامس في: رينيه ديكارت، تأملات ميتافزيقية في الفلسفة الأولى، ترجمة كمال الحاج، ط 4 (بيروت/ باريس: منشورات عويدات، 1988)، ص.214–212 (3((انظر: المرجع نفسه، ص 220؛ جنفياف روديس لويس، ديكارت والعقلانية، ترجمة عبده الحلو، ط 4 (بيروت/ باريس: منشورات عويدات، 1988)، ص.39–38 3(((ديكارت، تأملات ميتافزيقية، ص.222–221 (3((المرجع نفسه، ص.185–184
ضخمة تعمل بالنظام ووفق قانون ثابت. ينبهنا ديكارت إلى أن هذا هو المقصود بانهائيته أي حركته ثابتة لا تقبل التغير. وكيف تتغير وهي تامة لا نقص فيها. ياحظ هنا أن ديكارت عبر من مرحلة الشك (مرحلة «النهائية») التي غلب فيها عناصر الهدم والتحرز والتحوط من كل معارف الذات، وكأن فكرة النهائية تعبر عن عدم اليقين وتزعزع عقيدته وتقلق فكره، شكلت بداية ومنطلق فعل التفلسف، بحسب لويس، بات ديكارت يحس داخلها باليأس والكآبة لا يجد منهما مخرجًا. يشعر بالتخلي الرباني عنه وتربص الشيطان الماكر به. يسميها لويس «مرحلة الشك» وهي اللحظة الأولى التي أطاحت الأنا أو الأنوية التي شكلها الغير، مستغلً حداثة سن ديكارت (فهل يعني أن القول بنهائية الكون يعبر عن حداثة سن البشرية وعدم نضجها؟). شكل العالم المتناغم عالمًا متناهيًا، بديع النظام. تتراتب مكوناته بحسب الشرف والخسة. نظام
كوسمولوجي محكوم بالمنطق الأخاقي ذي النظرة الغائية. فالعالم وجد من أجل الإنسان وخدمته وطاعة متطلباته وتنفيذها، فهو في مركزه كوسموس مغلق متوازن يحافظ على نفسه في انتظام. إذ الامتناهي، من هذا المنظور يستحيل حتى التفكير فيه. فبمجرد أن أدخل غاليليو غاليلي الامتناهي في عناصر الرؤية الجديدة أو الأورغانون الجديد بلغة بيكون، بدأت تتبدى ثورة علمية ترنو إلى الآفاق. لم يشك كويري في حجم المساهمة الغاليلية في الدفع قدمًا بالعلم للتطور والخروج عن الإرث الأرسطي. أهمية التراث الغاليلي متأتية من انطوائه على الأطوار التاريخية للفيزياء؛ الفيزياء الأرسطية، والفيزياء الوسطوية، والفيزياء الحديثة. يتحدث كوري عن قطيعة غاليلية ساهمت فيها عناصر ذاتية من ذكاء غاليلي وفطنته واجتهاده، وعناصر موضوعية؛ تجسدت في حجم المراكمات المرحلية من كوبرنيك وكيبلر وبرونو، دفعت إلى التخلي عن الفيزياء الأرسطية، لكن ليس دفعة واحدة وبقرار إرادي مفاجئ، ولكن الانتقال إلى هذه الفيزياء لم تتحدد معالمه إلا حينما أمسى من المستحيل متابعة التفكير الأرسطي في تفسيراته وتنظيراته وتحلياته ظواهر الكون. سكن في ثنايا الفكر الأرسطي لامفكر فيه، ظل ثاويًا يعتمل في نظرياته. إذ كل ما قام به ديكارت هو إخراجه إلى العلن والسماح بمناقشته. ليمثل أساس مفكر ديكارت من الفيزيقا إلى الميتافيزيقا. ما سكت عنه أرسطو من قول بنهائية العالم ودخوله تحت الكون والفساد، نفسه ما أعلنه ديكارت
(((3 يشبه هذا ما جاءت به النظريات الفيزيائية المعاصرة، خصوصًا نظرية الكوانتة القائلة إن الطاقة في الكون لا تضيع أو تنقص
أو تزيد وإلا لانهار، والحاصل أنها تنقل من كائن إلى آخر في حالة موته واندثاره. وهو قانون يشهد بصحة القول بالانهائية. (3((لويس، ص.57 3(((محمد هشام، في النظرية الفلسفية للمعرفة: أفلاطون – ديكارت – كانط (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2001)، ص.50
(36) Alexandre Koyré, Du monde clos a l’univers infini , Mme Raissatarr (trad.), (Paris: PUF, 1962), p. 12. (37) Ibid., p. 21. (38) Ibid., p. 14.
(3((هشام، ص.53
(40) Henri Gouhier, La Pensée métaphysique de Descartes (Paris: J. Vrin, 1969), pp. 55–56. (41) Ibid., p. 114.
من قول بانهائية العالم. يتلمس كويري في هذا عناصر ومفاعيل ثورة ديكارتية. بكلمة أخرى، لامفكر أرسطو مفكر غاليلي وديكارت، ولامفكر غاليلي وديكارت مفكر نيوتن، ولامفكر نيوتن هو مفكر أينشتاين. مثلً، لم يدرس أرسطو السماء على نحو كافٍ، لشرف حركاتها وعلو مكوناتها، لكن على النقيض منه، وجه غاليلي منظاره إلى السماء واتخذها منطلقًا لدراسته وأبحاثه الفلكية، ممهدًا الطريق لديكارت الذي قوض باقي عناصر الفيزياء الأرسطية، فعالمه لم يعد عالمًا حسيًا غنيًا بالألوان
والأصوات والصور، بل بات عالم أشكال ومسافات وأحجام ونقط وخطوط، عالمًا لامتناهيًا، أضحى
محكومًا بقوانين وقواعد رياضية صارمة، يعمل آليًا، لا حاجة به إلى قوى خارجية تسيطر عليه وتمده
بطاقة حركته. فكيف حصل التوافق بين كون محكوم بقانون الامتداد وعقل ملتزم بالتفكير؟ بين المادة والفكر؟ إجابة عن هذا السؤال أسس ديكارت في نظامه الفكري الميتافيزيقا على الفيزيقا مخالفًا أرسطو. «فكرة الامتناهي هذه تلعب في نظام الفلسفة الديكارتية دورًا محوريًا إلى الحد الذي يمكن أن نعتبر أن ليس للديكارتية من قاعدة وحيدة إلا هذه الفكرة». عنها تصدر فكرة التناهي التي لا تجسد إلا محض نفي لها. بات عالم المكان الهندسي المتناهي عالمًا مألوفًا، تشهد له معرفتنا الواضحة به، مثله مثل الحقائق الرياضية. يتجاوز ديكارت قضايا العلم والطبيعة إلى قضايا الماوراء والميتافيزيقا، كونها الأساس الصلب لبناء العلم، ومركزها فكرة الامتناهي؛ كفكرة محايدة، تامة، متخارجة عن الذات، تُعبر عن حدود الطبيعة وعن هندسة الكون الخارجية. هي الفكرة الأوضح والأبسط و«الأبده». لولاها لما صحت المعارف والعلوم التي تشكلت بصدد الطبيعة والكون، هي ضمانة الحقيقة. الفكرة الأكثر تعبيرًا عن جوهر
الذات الإلهية «فكرتي عن كمال الله ولانهائيته هي التي تجعلني أتصور وأفهم حدودي ووجودي ونقصي. إن هذه الفكرة في نفسي لتدل على الله وكأنها ‘عامة الصانع على صنعه»’. تنقلنا فكرة الامتناهي إلى كون أكثر وضوحًا وتميزًا؛ ترفع في ضميمتها من اليقين الرياضي الشيء
الكثير. هي بداية النظر إلى الطبيعة بعين رياضية تتوخى قراءتها كأعداد وأشكال هندسية، محكومة بقوانين، وتجمعها تعالقات كمية. فقط تنال السعادة بتملك أدوات وميكانزمات هذه المعارف بانهائية ولامحدودية العالم، وكأن الخير كل الخير في معرفة هذه الفكرة، والشر كامل الشر في جهلها. تتضح تبعية الأخاق (باعتبار السعادة غاية الأخاق) للجانب الفيزيقي، «لقد كانت فيزياء ديكارت امتدادًا
(42) Koyré, Du monde clos A l’univers infini , p. 21. (43) Octave Hamelin, Le Système de Descartes (Paris: Félix Alcan, 1921), p. 93.
((4(هشام، ص.81–80 (4((انظر: نجيب بلدي، ديكارت، ط 2، سلسلة نوابغ الفكر الغربي 12 (القاهرة: دار المعارف، 1987)، ص.85–84 ((4(المرجع نفسه، ص.111 ((4(المرجع نفسه. ((4(المرجع نفسه، ص.164–163
لمواقفه الاهوتية الفلسفية». لذا استعاض عن كلمة لامتناه Infini بكلمة غير محدود Indéfini، وكأنه يفصل المجال العلمي عن المعطى الديني، ويحقق لكل منها استقاله التام. فا معنى بعد الآن لتبعية أحدهما للآخر. إذا صدق عندنا فلسفيًا وعلميًا أن فكرة الامتناهي فكرة إلهية المصدر تمامية الجوهر، صدق عندنا بالتبع كونها فكرة بديهية، فكيف ذلك؟
فكرة اللامتناهي فكرة بديهية
كلما زدنا تقدمًا وتوغلً في فكر ديكارت، تأكدنا أن تطور فكره بني على أساس تطور نظرته إلى الكون وطريقة تنظيمه، ولا سيما أن الفيلسوف الفرنسي يزيد من أهمية فكرة الامتناهي وقيمتها في منظومته الفكرية. كما يدخلها كأساس يشيد عليه الكون. ولهذه الأهمية التي حظيت بها فكرة الامتناهي يمكن القول إن فكر ديكارت إن كان يمر في مراحل، هناك من قسمها بناء على تطور فكره الرياضي، فلنا كامل الصاحية في تقسيم مراحل فكره إلى ما قبل فكرة الامتناهي، وتشمل كتب: مقال عن المنهج (1637)، وعلم الهندسة (1637)؛ وفكرة الامتناهي، وتضم كتب تأملات في الفلسفة الأولى (1641)، ومبادئ الفلسفة (العالم). فكرة الامتناهي فكرة واضحة بذاتها، تكاد تكون بداهة من بداهات العقل تماثل الكوجيتو Cogito. كل شك في صحتها أو محاولة رفضها، شك في فكرة المتناهي التي تبدو أكثر تعقيدًا وتركيبًا من الفكرة الأولى. ويكفي أن مصدر فكرة الامتناهي هو الإله، فبقدر وضوح الإله وبساطته يكون وضوح فكرة الامتناهي وبساطتها. بهذه الفكرة ومن خالها نعرف العالم. تتقوم كدليل شاهد على بقائه وديمومته من دون أن ينتصب العالم (المعبر عن فكرة المتناهي)، دليلً عليها ومبرزًا. بصيغة أوضح، فكرة الامتناهي بسيطة فا تؤخذ فكرة المتناهي دليلً عليها، كونها مركبة. فمتى شهد المركب للبسيط؟ ثم إن فكرة الامتناهي موجبة بذاتها، فا يصح أخذ هذه الفكرة من سلب فكرة المتناهي، بمعنى آخر لا تمثل فكرة الامتناهي نقيض فكرة المتناهي، كما البارد نقيض الساخن أو المرض ضديد الصحة، فمن طبائع المتناقضات التساوي في المنزلة والتزامن في الزمان والمكان، والحال أن الامتناهي غير مساوٍ في الدرجة للمتناهي (يعبر عن العالم) ولا يزامنه (يعبر عن الإله). مثلً، قد يحمل الموضوع صفة البياض في زمان وصفة السواد في زمن آخر. كأن المتناقضات محض صفات قابلة للتبدل والتغير، فيما الامتناهي ليس صفة من الصفات، بل يمثل جوهر حامله «هذا التناقض بين الامتناهي والمتناهي هو عمومي يقيم تفاضلً، فيبطل القول بأن إدخال السلب على واقع متناهٍ، يجعلنا نتصور
(4((عبد الوهاب جعفر، أضواء على الفلسفة الديكارتية (الإسكندرية: الفتح للطباعة والنشر، [د. ت.])، ص.31 ((5(ديكارت واعٍ بالحمولة الاهوتية لفكرة الامتناهي واستعاضته عنها بفكرة الامحدود، لكنه ظل يستعملها في كتاباته مفرغًا
إياها من حمولتها القديمة، ومضيفًا إليها النفس الجديد.
(51) Léon Brunschvicg, Les Étapes de la philosophie mathématiques (Paris: Félix Alcan, 1912), p. 111.
فكرة الامتناهي». عاوة على كون فكرة الامتناهي تامة تستغني عن نقيضها، أي إن فكرة الامتناهي ليست مما يقال بالإضافة، وهي أيضًا تعني الانهائية كامتداد، فا فراغ هنالك، مما يؤكد أن الحركة تتخذ شكلً دائريًا، بدايته هي نهايته ونهايته هي بدايته. العالم ممتلئ ولا وجود ثمة للفراغ وإلا قبل
الانهيار وداخله الاندثار في كل مرة. والماء معناه فكرة الامتناهي التي تعتبر «عامة مسجلة» وضعها الإله في نفوسٍ خلقها وأسكنها العالم لتدل على انتمائها إليه. من خالها نفهم العالم فهمًا أفضل،
إنها بمنزلة نور. كثيرًا ما رادف ديكارت بين هذه الفكرة وحرية الإرادة الإنسانية. والأكثر أنه رفعها إلى ممثل لجوهر
الإنسان ومانح لكينونته وضامن لكمال انوجاده وانعطائه. نكاد نجزم أن فكرة الانهائية مركزية في الفكر الديكارتي الفيزيقي، أهميتها تستخلص مباشرة من الكوجيتو. بهذا التفسير توجه ديكارت رأسًا
إلى النظرية المادية التي سعت لشرح الكون كآلة تشتغل وفق نظام داخلي لا يحيد ولا يتبدل تحت أي مشيئة لقوة عليا. نحن نعيش في كون لا يعمل على نحو مزاجي متقلب، بل يحافظ على نظيمته ويسير وفق أمشاجها كالساعة تحافظ على حركتها متوازية إلى ما لانهاية. بكلمة أخرى الكون خارج إرادتنا، فلسنا بقادرين على تغيير مساره أو مجراه، ولكننا مقتدرون على فهم قوانينه وطرق اشتغاله (لعل من أبرز قوانينه الانهائية) فكيف نتحكم فيه ونحن لا نتحكم حتى في أجسامنا؟ يقول ديكارت: «من الماحظ كذلك أن بعض الأعضاء من بدننا حينما تصاب بأذى، وليكن مثلً، وخزًا أصاب عصبًا من
أعصابنا فإنها تبدي حركات لا نتحكم فيها ولا دخل لإرادتنا فيها مثلما هو الحال في المعتاد، بل مرارًا
عديدة ما تبدي حركات اختاج وتشنج مضرة بها». سيرًا على منوال ديكارت الذي يخرج قوانين
الكون من مزاجية الإنسان إلى صرامة قوانين العلم، نقدم مثلً ثانيًا داعمًا لوجهة النظر الآلية/ المادية،
مفاده أنه لو سقط شخص من علو شاهق، فإنه يقدم يديه عساه يحمي رأسه من الارتطام بالأرض، فهذا الفعل خارج التروي أو التعقل أو الإرادة مثله مثل التنفس وحركة القلب والتثاؤب وحركة حدقة العين، أفعال اضطرارية تخرج عن قدرة الإنسان واختياره، فوق حريته وإرادته. والانهائية من قبيل تلكم الأفعال. يجعل ديكارت كل ما هو طبيعي ماديًا وميكانيكيًا، فعمل الساعة كإثمار الشجرة كحركة قلب
الإنسان وشرايينه وهي تضخ الدم لباقي الأطراف. لا تعني المادية عند ديكارت الآلية التي تعيد الأفعال بميكانيكية خالية من الذكاء والفاعلية للتصور، بقدر ما تتقصد أن الإنسانية نظيمة من التعالقات والترسيمات المستجدة، تحوي حقلً موسعًا من الممكنات. كل شيء في الكون ممكن من الممكنات الانهائية، شكل من التعالقات المربوطة والمهددة باستمرار بالاندثار لتقوم محلها عاقات أخرى، هكذا تسمح الانهائية بالولادة الجديدة
(5((كمال يوسف الحاج، رينه ديكارت: أبو الفلسفة الحديثة (بيروت: دار مكتبة الحياة، 1954)، ص.135 (5((ديف روبنسون وكريس جارات، أقدم لك... ديكارت، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، سلسلة المشروع القومي للترجمة 256 (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2001)، ص.68 (5((نقلً عن مقال: سالم يفوت، «ابن النفيس وديكارت وهارفي»، المجلة العربية للعلوم الإنسانية، ص 85–60، شوهد في
2019/1/18، في: https://bit.ly/2VVOAPY
((5(المرجع نفسه، ص.80
والمشابهة للأشياء، مانحة الكون احتمال التجدد والتمدد في الحياة. إنها إكسير الحياة والمانع من الموت، فلولا أن الأشياء تتجدد لانهائيًا لانتهى الكون من زمان. وما الكون الذي نعيش فيه إلا تراكم
مستمر ومتكاثف ومتكوثر من الانهائية. فأي نظام من النظم الانهائية أفضل للكون؟ هل شكله كما هو الآن أم كما يصير في المستقبل أم كما كان في الماضي؟ ترشدنا التجربة العقلية عند ديكارت إلى أن كل النظم الواقعية والمحتملة، الضرورية والممكنة، تتساوى في التفاضل الإلهي، لكون بعضها يؤدي إلى البعض الآخر. لو كان أحدها أفضل من أحد لبقي دائمًا وأبدًا، ولما حل شكل آخر محله. نحن أمام نظم تؤدي أدوارًا ووظائف عندما تنهيها
تنتهي بدورها، تشبه النظم اللغوية في تراخيها وقوتها في اكتسابها وفطريتها. فرغم هيلمان الجوانب الفطرية على المحددات الاكتسابية، فإن هذه النظم قابلة للتجدد جزئيًا وفي وحداتها الصغرى
صوتيًا ولسانيًا. الوحدات الصوتية الصغرى غير دالة بنفسها، وبا معنى (الحروف)، لكنها تأخذ
معناها بتمفصل وتراكب لكلمات وجمل (وحدات صوتية كبرى دالة). هذا التمفصل يمكن من إنتاج لغوي ثري ومتكثر ولانهائي. فالانهائية قانون يحايث حتى اللغة، والمجتمع، ومن خاله تقتدر الذوات المتكلمة على إخراج الامتناهي من التركيبات اللغوية الدالة بنفسها، ومن الوحدات الصوتية الصغرى (الحروف). والأغرب أن قانون الانهائية يبعث المعنى من الامعنى. وإذا كانت حدود اللغة هي حدود العالم، فإننا ندعي أن ما يجمع بينهما هو خضوعهما لقانون الانهائية المتشجر في الكون. تدل فكرة الانهائية، إضافة إلى البداهة في النظر الديكارتي العقاني، على تطابق الماهية مع الوجود. وبيان ذلك أن ماهية الشيء هي وجوده ووجوده هو ماهيته. مثلً؛ ماهية السماء الزرقة، وبهذه الماهية نعرف وجودها. يمكن الجزم أن فكرة الانهائية فكرة تحليلية، والمقصود بالتحليل تلك العملية الفكرية المجردة، يتضمن فيها الموضوع محموله، ولا يضيف أحدهما شيئًا للآخر. نستنتج إذًا أن فكرة الامتناهي ليست فكرة تركيبية، بل بسيطة أقرب إلى التحليل. وبساطتها تجعلها فكرة بديهية، وهذا ما يشكل منطقها الداخلي أو سمة من سماتها. فما هي باقي سماتها وخصائصها؟
الصفات الرئيسة لفكرة اللامتناهي
نقصد بالمنطق الداخلي لفكرة الامتناهي، مجموع صفاتها وخصائصها التي تتقوم بها. لنقل إن ديكارت جسد فكرة الامتناهي من خال عدة سمات تميزها من غيرها وتمنحها وجودًا فعليًا حقيقيًا.
(56) Noam Chomsky, La Linguistique cartésienne suivi de la nature formelle du langage (Paris: Seuil, 1969), pp. 121–122. (57) Ibid., p. 207. (58) Ibid., p. 27. (59) Ibid., p. 55.
6(((لمعرفة الفرق بين القضايا التحليلية والتركيبية. انظر: مهدي فضل الله، فلسفة ديكارت ومنهجه: دراسة تحليلية ونقدية، ط 3 (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1996)، ص.139–138
وما فعل ذلكم إلا لخوفه من نزوع البعض المتشكك لهدم هذه الفكرة وردها، بناءً على أنها فكرة أقرب
إلى الخيال. فأراد درء الشبهة عنها فزودها بصفات تجسمها وتقوي وجودها بل تمنحها ماهية خاصة. ومن أول سماتها أنها تمنح الأشياء وجودًا إمكانيًا، يسمح بتجددها المستمر، فرغم تطابق الوجود
والماهية في الانهائية، لا يعني أن الماهية والوجود ناجزان مطلقان لا يقبان التغاير والانمياز. وعلى النقيض، يمكن الأشياء أن توجد على غير الوجود الذي هي عليه، فا وجود لأصل تام ونهائي، وكل وجود مشوب بالنقص. نتصور إمكان وجود الأشياء مطابقة لماهية غير ماهيتها الحالية. مثلً من المحتمل أن توجد السماء على لون غير لونها كالسواد أو البياض، تتساوى الزرقة مع السواد والبياض، وكل من هذه الصفات محتملة الوجود. ومع هذا ستتغير حتى الأفكار الفطرية عنها. أما المحمولات فتظل محض محتمات وممكنات. وبذلك، ففكرنا هو ماهية الأشياء ومانح وجودها ومدرك حقيقتها. لنتذكر هنا فكرة الساعتين اللتين رغم تمايزهما كتمايز أفكارنا الفطرية مع ماهية الأشياء، فإنهما تعمان وفق نظام واحد، إذ رغم أن دور إحداهما إظهار الوقت فالأخرى وظيفتها الإعام به عند كل ساعة. من مقتضيات الانهائية وصفاتها أيضًا الامتداد على نحو لامتناهٍ، مما يعني أن العالم أو الفضاء ماء، عكس الفراغ المحتكم بالنهائية. والماء هو حركة المادة وتغيرها واتخاذها أشكالً جديدة داخله. ففكرة الانهائية ذات شرائط آيلة إلى فكرة تمامية الماهية والوجود والامتداد مع الماء ثم الحركة مع الاستمرار. لا نذيع سرًا لو ادعينا أنها ملزمات وشرائط من دونها تستحيل الانهائية. وكأن الانهائية
قريبة من الدائرة المقفلة، تنتهي فيها الحركة من حيث بدأت وتبدأ من حيث انتهت. بدايتها نهايتها ونهايتها بدايتها. فمحذور أن يسوقنا الظن إلى الاعتقاد أن فكرة الانهائية فكرة مادية محضة، بحسب التقسيم الديكارتي، الذي فصل بين الفكر والامتداد بين الجانبين النفسي العقلي والمادي الجسمي. وعلى النقيض، فكرة الانهائية نقطة التقاء بين الفكر والمادة، كاهما يحتكم إليها. هي قانون من القوانين الإلهية الآلية في الكون. ينتظم وفقها جوهرا الكون (الفكر والمادة). وبما أن الإله ثابت أزلي، فإن قانون الانهائية ثابت وأزلي. وهي خاصية تضاف إلى باقي الخصائص. تمثل النهائية أحد مظاهر الانهائية (الانهائية صورة للنهائية، وهي سمة أخرى من سماتها)، فكون الإله خالق العالم عند ديكارت لا يعني أن هناك عالمًا خارجًا عن ذاته، لا وجود لخارج عن الإله يشكل غيرًا مختلفًا عنه، كما لا يوجد خارج للعالم أي إن هنالك نوعًا من التمام والكمال يعبر عنه
بفكرة الانهائية كمرادف يمكن أن يحل مكانه ويكون أكثر دقة وعلمية. يدخل ديكارت قضايا العلم والفيزيقا في الميتافيزيقا، بل يجعل من هذه الأخيرة أساس الأولى في منهجه. نستحضر في هذا الباب قول ديكارت عن طالب الحقيقة: «أن يبدأ في جد بالإقبال على الفلسفة الحقة التي جزؤها الأول هو الفيزيقا التي تحتوي على مبادئ المعرفة. والثاني هو الميتافيزيقا، ويبحث فيها على العموم، بعد أن يكون المرء قد وجد المبادئ الحقة للأشياء المادية، عن ماهية الكون كله، وعلى الخصوص عن طبيعة
(6((المرجع نفسه، ص.164–162
(62) Edgar Morin, La Méthode: La Nature de la nature (Paris: Seuil, 1977), p. 38.
هذه الأرض وطبيعة الأجسام التي توجد حولها». يستنتج محمد عثمان الخشت من هذا النص اختراق البعد الاهوتي لعقانية ديكارت الصارمة، ليؤكد أطروحة اختباء الاعقانية في عقانية ديكارتية، حاولت التستر عليها لكنها فشلت. استطاع ديكارت بنفاذ بصره الفصل المطلق والنهائي، في نظر شيلينغ، بين المتناهي/ النهائي والامتناهي/ غير النهائي. وجعلهما ينتميان إلى حقبتين أو إبستيميتين، بلغة فوكو، إبستيمية أولى رأت العالم محدودًا له بداية ونهاية يتوقف في الزمان كما بدأ فيه، متناهيًا خُلِق تامًا ويبقى كذلك. وإبستيمية
ثانية عبرت عن تصوره من خال فكرة الامتناهي الذي يتجدد فيه كليًا وجزئيًا، لا بداية له ولا نهاية،
لم يكن ولن يكون. بخطابه الصارم مسح ديكارت طاولة العلم من كتابات الميتافيزيقا وتدخاتها المتطفلة في مجال العلم. الأمر الذي شكل ثورة علمية ديكارتية، أفسحت عالمًا جديدًا خاضعًا لقانون جديد. قوانينه هي: • القانون الأول: قانون الماء؛ فالعالم لا فراغ فيه، فحتى الإناء الذي يبدو فارغًا هو في الحقيقة مملوء بالهواء، وهو مادة كباقي المواد لها خصائص وصفات تختلف عن سمات باقي المواد. بمعنى أنه لا وجود لمكان فارغ أو زمان صفر من المادة. دائمًا المادة متمكنة من المكان ومتزمنة مع الزمان. • القانون الثاني: لكل مادة حركة منتظمة، يحافظ عليها لاستمرار طاقة واحدة في الكون، لا تنقص أو تزيد بل تنتقل من الأقل طاقة إلى الأكثر طاقة. • القانون الثالث: للمادة حركة مستقيمة، ما لم يعقها عائق فيخرجها من استقامتها. وهو قانون يطلق عليه القصور الذاتي. قوانين مبنية على أساس القول بأزلية العالم، ومعناها أنه لا بداية ولا نهاية. لا ما كان ولا ما سيكون، زمان با زمان. يتساوى فيه الحاضر والماضي والمستقبل. الحضور دائم مستمر، والزمان ماء لا خاء فيه، خلقه الإله وتركه يعمل مسنودًا بما وضع فيه من قوانين. يقول ديكارت: «أعتبر أنه يوجد ما لا يتناهى من الحركات المتنوعة التي تدوم أبدًا في العالم». الكل في حركة دائمة؛ الأنهار والسحب والأرض والرياح، لا حياة با حركة دائمة، تغير شكل الأشياء وتجعلها أكثر انسجامًا وتكاملً مع
(((6 ديكارت، مبادئ الفلسفة، ص.43–42 (6((الاهوت هنا لا يعني الدين بالضرورة، بل كل فكر يحاول شرح حركة الكون بعناصر خارجه، لهذا لا يمكن القول إن الفكر الديني غير عقاني، وإلا احتاج هذا الادعاء إلى الحجة. وهذا قول آخر بعيد عن مقالنا. 6(((لاطاع أكثر، انظر: محمد عثمان الخشت، أقنعة ديكارت العقلانية تتساقط (القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع،
(66) Belaval Yvon, Leibniz critique de Descartes (Paris: Gallimard, 1960), p. 387. (67) Ibid., p. 333. (68) Ibid., p. 439.
6(((رينيه ديكارت، العالم أو كتاب النور، ترجمة وتعليق إميل خوري (بيروت: دار المنتخب العربي للدراسات والنشر والتوزيع، 1999)، ص.57
عناصر الكون ومقدراته. لولاها لانضمر الكون وتراخى وتفككت عناصره، وتقادم في الزمان فأوشك على الاندثار. إن مكوناته تختلف وتتشابه من جهة خضوعها لقانون الحركة والتمدد المستمر الذي يمد الذات لخارجها. يصرح: «بكلمة لا يوجد أي شيء في أي مكان، إلا ويتغير». الحركة محفوظة في العالم لا تزيد ولا تنقص، مقدارها راسخ يبث في الكون الثبات والاستقرار، رغم التغير والتبدل. الأمر الضامن لتساوي عناصر المادة وعدم تفاضلها. فا مادة أخس أو أشرف من أخرى. بناء عليه، طرد ديكارت الأخاق وقيمها التفاضلية من الفيزياء. يقول: «وفي هذا الصدد أرغب أولً، في أن تاحظوا أن كل الأجسام، الصلبة منها والسائلة، قد صنعت من المادة نفسها». تتساوى عناصر العالم ومكوناته. مادة الشجرة كمادة جسم الإنسان كمادة الحجرة. ويلمح هذا التساوي في حالة الموت، يتفتت الجسم ويمتد إلى عناصر الطبيعة مسترجعًا أصليته الاتصالية. هذا التساوي بين المواد جعله قمينًا بصياغة قانون فيزيائي آخر يحكم عالمه الامتناهي، ألا وهو قانون الماء. فا مكان للفراغ أو الخاء في الكون، أي إن المادة تملك كل ربوع الكون وتحايثه محايثة الضرورة. يصرح ديكارت: «وحتى إذا تفحصتم في هذا الخصوص بعض التجارب التي اعتاد الفاسفة أن يستخدموها، ليبينوا عدم جود الخاء في الطبيعة، فإنكم ستعرفون بيسر أن كل هذه الأمكنة التي يعتبرها العامة خالية والتي لا نحس فيها بالأجسام الأخرى، ممتلئة بالمادة نفسها». العالم كله مادة، رغم اختافها وتنوعها. فا مجال للتفريق والتفاضل بينها. فرضًا، لو أن الخاء موجود، لتساكن مع الماء في نفس الكون. استحالة هذا الأمر بينة، إذ وجود أحدهما انتفاء للآخر. فالخاء معناه غياب المادة. والمشاهد أن غياب المادة يعني عدم قدرة حواسنا على الإدراك من دون أن يعني انعدام المادة، فالإناء الذي يظهر لنا فارغًا على الأقل يوجد فيه الهواء، والهواء مادة من المواد تختلف في مكوناتها، إي نعم، لكنها تظل مادة تملأ فراغ الإناء. الأمر الذي يؤشر على أن القائلين بالفراغ مصابون بعماء الحواس وخداعها. والمصابون بهذا الداء يتوهمون أن الحركة لا يمكن أن تتم في الماء بل تحتاج إلى الفراغ الذي يسمح بانسكاب الأجسام، فلو أردت تحريك يدي في وسط يعمره عديد الأجسام لما استطعت، عكس الوسط الفارغ. يرد ديكارت على هؤلاء بأن كل جسم يدفع جسمًا آخر فيحركه إلى مكان آخر ويستقر في محله. وهكذا يتحدث ديكارت عن قانون السببية. يعلنها: «عندما يتحرك جسم من مكانه فإنه يحتل دائمًا مكان جسم آخر، وهذا يحتل بدوره مكان آخر، وهكذا دواليك حتى الجسم الأخير الذي يحتل في اللحظة نفسها المكان الذي أخاه الجسم الأول، بحيث لا يوجد بين هذه الأجسام من خاء عندما تتحرك أكثر مما يوجد بينها
((7(المرجع نفسه، ص.57 ((7(المرجع نفسه،.63 ((7(المرجع نفسه، ص.64
(73) Yvon, p. 211.
يعيد الكاتب الفكرة التي ذكرها سابقًا، لكنه ينتقد هذه المرة قصور القائلين بها.
(74) Koyré, Etudes newtoniennes, p. 120.
عندما تكف عن الحركة». وكأننا بديكارت يحوم حول مقاومة الوسط للأشياء، فالماء مثلً يقاوم حركة الأسماك، والهواء يقاوم الأجسام التي تسقط فيه. وبيانه لو أسقطنا حجرًا في الهواء والماء، لكان
سقوطه في الماء أبطأ منه في الهواء، لأن مقاومة الماء أشد وأكثر من مقاومة الهواء – وبه يتأكد مرة تلو المرة أن لا وجود لفراغ يسبح فيه العدم، وتجري داخله الحكايات السحرية الأسطورية – يشبه ديكارت الماء بالبرميل الذي يذكرنا ببرميل ديوجين الذي رسم شكل حياة مليئة لا يوجد فيها فراغ ليتحرك داخله ديوجين، وهذا ما يفسر عدم مغادرته هذا البرميل الذي يمثل عالمه. توقفت حركة ديوجين داخل البرميل لأن العالم ممتلئ بالمادة. فأين سيغادر وكل عنصر في الكون يحتل مكانه ثم من أدراه أن يملأ مكانه بعد أن يغادره إلى مكان آخر؟ لهذا ظل متشبثًا ببرميله حتى سمي برميل ديوجين، وصار معلمة في وقته يحج إليها كل من دخل باد اليونان. سلوك ديوجين هذا مال بديكارت للقول بتشابه الأمكنة سواء الممتلئة بأشياء ومواد ظاهرة أو غير ظاهرة كالهواء. يقول ديكارت: «عندما يكون إناء مثلً ممتلئًا بالذهب أو الرصاص فإنه لا يحتويه عندما نظن أنه خال؛ الأمر الذي يبدو مستغربًا لكثير
من ذوي العقول التي لا تمتد أبعد من الأصابع، والذين يظنون أن لا وجود لشيء في العالم إلا لما يلمسونه». هجوم لاذع من ديكارت على القائلين بالفراغ مع إمكانية الحركة، فكل إبطال للحركة وإسقاط لانهائية العالم. إذ إن أغلب مكونات العالم لا نلمسها ولا نراها وما نراه إلا أقل القليل. حرارة قلبنا مثلً موجودة ولا نحس بها، حركة عيوننا تتم دون أن ندركها. يقول ديكارت: «كذلك لا نحس بثقل ثيابنا لأننا اعتدنا أن نرتديها». يعيد ديكارت غياب الإحساس لا إلى ضعف الحواس بل إلى تعودنا الأشياء، الأمر الذي جعلنا غير قادرين على إدراك العالم الجديد. يصرح: «يقول لنا الفاسفة إن هذه الأمكنة لامتناهية ويجب علينا أن نصدقهم تمامًا فيما يقولون، لا لشيء، اللهم إلا لأنهم صنعوها
بأنفسهم». الامتناهي هو أن تتصور استمرارية المادة وراء حواسنا وإدراكاتنا وتعتقد أن العالم لا يتوقف وينتهي بنهاية حواسنا، مثلنا مثل بحارة «هم على أحد المراكب، يمكنهم أن يمدوا نظرهم، لما يبدو، إلى الانهائية؛ ومع ذلك يبقى هناك ماء وراء ما يرونه». يضع ديكارت عوالم أخرى ممكنة بشكل موازٍ لعالمنا، لا تقل عنه واقعية ولا تنقصه حقيقية. وللزيادة في تقوية هذا العالم الجديد يخضعه لمجموعة من القواعد والقوانين هي نفسها من وضع الإله. هنالك نوع من التطابق ولا نقول الوحدة بين الإله والطبيعة، وهي من الخصائص التي وصل إليها ديكارت حينما أعلن مبدأ الامتناهي. فالأحكام الإلهية هي قوانين الطبيعة. بهذا المعنى حدثت «ثورة
(7((ديكارت، العالم، ص.65 (7((انظر الكتاب الطريف: ديوجين لايرتيوس، مختصر ترجمة مشاهير قدماء الفلاسفة، ترجمة عبد الله حسين، تقديم مصطفى
لبيب عبد الغني (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2006.) (7((ديكارت، العالم، ص.66 ((7(المرجع نفسه. ((7(المرجع نفسه، ص.75 ((8(المرجع نفسه، ص.76
كوبرنيكية» غيرت مجرى الكون وبدلت شكله، فإضافة إلى الاكتشافات الجغرافية التي أظهرت أن عالم الأرض غير متناهٍ، ومنطلقاتها ما زالت مجهولة، تم التوصل إلى اكتشافات أخرى قربت الرؤية للكون وجعلتها أكثر معقولية، بل بوأتها الصدارة أي الرؤية الامتناهية، عاوة على اكتشاف قانون الجاذبية لنيوتن، والدورة الدموية لهارفي؛ اختراعات وضعت موازين جديدة أكثر دقة بمعايير صارمة. أحدثت هذه الاختراعات تطورات اجتماعية وسياسية، بدلت شكل المجتمع وقلبت طبقاته، والمقصود ظهور الطبقة البرجوازية وتشجيعها العلم والعلوم والعلماء التي حملتنا على الاعتراف بجهلنا عناصر الكون، ودفعت في اتجاه الزيادة في معرفة قوانينه الامتناهية. هذه الطبقة هي التي حولت منتجات العلم ومكتشفاته وثورته إلى المجال الاجتماعي بأن خلقت دولة المؤسسات المحكومة بقوانين وتشريعات، تشبه قوانين الطبيعة والكون.
خاتمة
يحدث أن يتغير مسار الإنسانية وتتقدم أشواطًا في تاريخها. وتشاء الأقدار أن يكون باعث هذه الثورة الفيلسوف العقاني ديكارت الذي لم ينصهر ويتعايش مع الرؤية الكاسيكية للعالم التي تحصره في محددات وشروط قبلية، وتجعله عالم النقص والضعف (الكون والفساد)، عالم البداية والنهاية لا يستحق أن يعاش. فجدير بالإنسان العاقل أن يطلب العالم الكامل والتام، عالم ما بعد الموت. لم ترض هذه الرؤية المبخسة للعالم ديكارت، فعمل على استبدالها برؤية جديدة، مبنية على القول بانهائيته وتجدد عناصره، مما يجعل من المتاح والممكن إعادة صياغته في كل مرة بما يتاءم مع حاجات الإنسان الذي بات سيد نفسه وسيد الطبيعة والعالم. مركز جديد للكون بعد أن فقدت الأرض مركزيتها. لم يكن من اليسير أن تدخل هذه الرؤية مجال العلم وتثبت جدارتها، من دون مقاومة من الرؤية الكاسيكية التي مثلها رجال الكنيسة وعموم الناس. فيما جسد «المشروع العلمي» الجديد القائل بنظرية لانهائية العالم ديكارت وكبار علماء عصر النهضة. وثبت ديكارت على نظريته، رغم ذلك، وراح يدعمها بحجج فلسفية وعلمية، تؤكد أن فكرة لانهائية العالم فكرة إلهية تامة محايثة للطبيعة البشرية، واضحة بذاتها تشكل بداهة من بداهات العقل المبدع القادر على إعادة بناء العالم. إنه عالم مفتوح، يدخل ضمن الممكن والمحتمل، الأزلي والممتد، لا ضمن النهائي والمطلق الذي يجب أن تتعايش البشرية معه من دون أن تسعى لتغيره. قاد ديكارت إذًا ثورة علمية انتهت اجتماعية.
References
المراجع
العربية
سبينوزا، باروخ. الإتيقا. ترجمة وتقديم وتعليق أحمد العلمي. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.2010
(81) Koyré, Du monde clos A l’univers infini , pp. 27–29. (82) Ibid., p. 88.
بلدي، نجيب. ديكارت. ط 2. سلسلة نوابغ الفكر الغربي 12. القاهرة: دار المعارف،.1987 جعفر، عبد الوهاب. أضواء على الفلسفة الديكارتية. الإسكندرية: الفتح للطباعة والنشر، [د. ت.]. الحاج، كمال يوسف. رينه ديكارت: أبو الفلسفة الحديثة. بيروت: دار مكتبة الحياة،.1954 الخشت، محمد عثمان. أقنعة ديكارت العقلانية تتساقط. القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع،
ديكارت، رينيه. التأملات في الفلسفة الأولى. ترجمة وتقديم وتعليق عثمان أمين. تصدير مصطفى لبيب. سلسلة ميراث الترجمة 1297. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2014 ________. تأملات ميتافزيقية في الفلسفة الأولى. ترجمة كمال الحاج. ط 4. بيروت/ باريس: منشورات عويدات، 1988. ________. العالم أو كتاب النور. ترجمة وتعليق إميل خوري. بيروت: دار المنتخب العربي للدراسات والنشر والتوزيع،.1999 ________. مبادئ الفلسفة. ترجمة وتقديم وتعليق عثمان أمين. القاهرة: دار الثقافة للطباعة والنشر،
روبنسون، ديف وكريس جارات. أقدم لك... ديكارت. ترجمة إمام عبد الفتاح إمام. سلسلة المشروع القومي للترجمة 256. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2001 فضل الله، مهدي. فلسفة ديكارت ومنهجه: دراسة تحليلية ونقدية. ط.3 بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر،.1996 كواريه، ألكسندر. ثلاثة دروس في ديكارت. ترجمة يوسف كرم. تقديم عبد الرشيد الصادق محمودي. سلسلة ميراث الترجمة 1890. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2014.]1937[لايرتيوس، ديوجين. مختصر ترجمة مشاهير قدماء الفلاسفة. ترجمة عبد الله حسين. تقديم مصطفى لبيب عبد الغني. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2006. لويس، جنفياف روديس. ديكارت والعقلانية. ترجمة عبده الحلو. ط 4. بيروت/ باريس: منشورات عويدات،.1988 هشام، محمد. في النظرية الفلسفية للمعرفة: أفلاطون – ديكارت – كانط. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،
هوسرل، إدموند. تأملات ديكارتية أو مدخل إلى الفينومينولوجيا. ترجمة تيسير شيخ الأرض. بيروت: دار بيروت للطباعة والنشر،.1958 يفوت، سالم. «ابن النفيس وديكارت وهارفي». المجلة العربية للعلوم الإنسانية. في:
https://bit.ly/2VVOAPY
الأجنبية
Brunschvicg, Léon. Les Étapes de la philosophie mathématiques. Paris: Félix Alcan,
Chomsky, Noam. La Linguistique cartésienne suivi de la nature formelle du langage.
Heidegger, Martine. Le Principe de la raison. André Préau (trad.). Jean Beaufret
Koyré, Alexandre. Du monde clos a l’univers infini. Mme Raissatarr (trad.). Paris: PUF,
Mesnard, Pierre. Descartes: Ou le Combat pour la vérité, présentation, choix de textes
Paris: Seuil, 1969. Gouhier, Henri. La Pensée métaphysique de Descartes. Paris: J. Vrin, 1969. Hamelin, Octave. Le Système de Descartes. Paris: Félix Alcan, 1921.
(Préface). Paris: Gallimard, 1962.
________. Etudes newtoniennes. Paris: Gallimard, 1968.
de Descartes, bibliographie. Paris: Seghers, 1966. Morin, Edgar. La Méthode: La Nature de la nature. Paris: Seuil, 1977. Yvon, Belaval. Leibniz critique de Descartes. Paris: Gallimard, 1960.