Return to Article Details The Question of value: An Approach to Study the Value Problematic in Lavelle Philosophy, by Hichem Bendjedou

مراجعة كتاب سؤال القيمة: مقاربة لرصد إشكالية القيمة في فلسفة لافيل لهشام بن جدو

Book Review The Question of Value: An Approach to the Study of the Value Problematic in Lavelle’s Philosophy by Hichem Bendjedou

نورة بوحناش *

Bouhennache Nora *

الملخّص

يدلل كتاب سؤال القيمة مقاربة لرصد إشكالية القيمة في فلسفة لافيل، وعلى قيمة الدرس الأكسيولوجي، ومعرفة بالقيمة تتبعا لحركيتها، أما فلسفة القيم عند لافيل فتعد تنبيها إلى العالم الباطني الغني لمدخراته الأخلاقية والروحانية، وهو ما نبه إليه الباحث هشام بن جدو طول دراسته الفلسفية للقيم في فلسفة لافيل، مؤكدا على أن المنهج الذي استخدمه لافيل في سبر أغوار حقل القيمة فاعل من حيث كشف بينة القيمة في حد ذاتها. سيذهب لافيل مع لوسين إلى أن الفلسفة هي عودة إلى الذات، بما أنها تجلي لمجموع الوجود العميق والحميم، فهناك فقط يتجلى الكل، ومن ثم فالفلسفة ليست تفكير في العالم الحسي الموضوعي، بل هي مهمة شاقة في سبيل ممارسة الطاقة السقراطية، بما أنها تدعو إلى معرفة الذات والعودة إليها في كل مبادرة ناهيك عن المبادرة الأخلاقية.

Abstract

Professor of Philosophy of Ethics and Values at the University of Constantine – Algeria.

الكلمات المفتاحية:
  • سؤال القيمة
  • إشكالية القيمة
  • فلسفة لافيل
Keywords:
  • The Question of value
  • Value Problematic
  • Hichem Bendjedou

عنوان الكتاب: المؤلّف: هشام بن جدو. الناشر: تاريخ النشر: عدد الصفحات: 933 صفحة.

سؤال القيمة: مقاربة لرصد إشكالية القيمة في فلسفة لافيل.

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة.

في مقابل العلموية المتطرفة، والوضعية المشيِّئة للعالم ببعديه المادي والأخاقي الروحاني، انفجر، منذ أربعينيات القرن العشرين، حقل الأكسيولوجيا مَظهرًا مثيرًا من مظاهر التفكير الفلسفي المعاصر. ثم جدد ذاته في بداية هذا القرن، معبّرًا عن وقفة فلسفية تنظر في أبعاد الوجود البشري، بعدما سجلت البُعديات صيرورة حضارية تثير الأزمة، وتدعو إلى أسس جديدة لأخاق إنسان ما بعد الواجب. وبعد أن صار الإنسان حدثًا صناعيًّا، يطالب بإعادة صياغة ذاته في المنظور القريب، على أنه إنسان آخر فوق الإنسان ذي النمط الطبيعي التقليدي، إنسان يفوق الإنسان الحاضر، يشرئب إلى التجاوز نحو أفق المغايرة. إذًا، يؤلّف سؤال القيمة أكثر البوادر التفاتة إلى طبيعة الإنسان، بما هو حيوان مقوم؛ لذلك لا بد من السؤال عن جدوى رصد إشكالية القيمة في فلسفة لويس لافيل: هل من جدوى لمثل هذه المقاربة، بعد ما سجل الماوراء نفسه ضمن قراءات أخرى مباينة لتلك التي أحاطت بسؤال القيمة في الأكسيولوجيا الفرنسية، ذات المنزع الروحاني؟ وما التأويل الذي تقدّمه هذه الأكسيولوجيا، لحل أزمة القيمة، بعد التفكك الدؤوب لأنظمة القيمة، بفعل النقد المابعدي الراهن؟ إنه بحث حاضر عن جدوى هذا الرصد، يثير الاستفهام، إذا كنا بصدد تجديد فلسفة لافيل، والسؤال عنها، في زمان موت المعيار في زمان الفردانية المطلقة1. تراجعت فلسفة القيمة، إلى حد بعيد، مقابل النمو الكبير للفلسفات التحليلية، ولا سيما بعد الحرب العالمية الثانية، غير أنّ الوضع البشري راهَن، ويراهن، دائمًا على أن الإنسان حيوان قيمة، وكل استشرافاته للوجود يقتضي انصهارًا مركزيًا للأنطولوجيا بالأكسيولوجيا، وأن تقدير الوجود يبدأ بمساءلة قيمه، وأن الوجود لا يوجد إلا بوجود القيمة. وبناء عليه، فإن سؤال القيمة يُعدّ سؤالً محوريًا في زمان سلطة الإنسان المركزية على الطبيعة؛ ليس لأنه استطاع السيطرة على الظواهر، وإعادة تصنيعها، بل لأن الظاهرة، في حد ذاتها، ليست عالمًا وصفيًا صرفًا، إنما هي جزء ظاهر لأبعاد مخفية، تستدعي المساءلة القيمية، وهذا ما يثير القلق، ويفرض التفكير في القيم. ولم يكن انفجار الأخاقية في نهاية القرن العشرين، والعشريات الأولى من هذا القرن، إلا لأن الإنسان كائن قيمة، وأن مسار حياته يتخذ المعنى من القيمة، إضافة إلى أن عالمه ينتظم ابتداءً من منظومة القيم؛ لذلك يُعدّ الاهتمام بالقيم عملً مركزيًا، ومؤسسًا نقديًا لتطور الإنسان في كنف ماهيته. ومن هنا يكتسب كتاب «سؤال القيمة: مقاربة لرصد إشكالية القيمة في فلسفة لافيل»، للباحث هشام بن جدو، جدوى وأهمية في زمان البحث عن صياغة جديدة لسؤال القيمة. فإلى أي حدّ أجاب هذا السِّفر عن اهتمام الإنسان الراهن، بدلً من الإنسان المعاصر؟ وهل يتخذ هذا الرصد منحىً، فحسب، في إطار التأريخ للفلسفة، ولا سيما قضايا الأكسيولوجيا، في زمان الانهيار الحضاري الذي شهدته أوروبا بين الحربين، وعودة إلى تكرار قضايا الميتافيزيقا بروحها الفرنسية؟ لقد جاء انطاق الفلسفة الروحانية في فرنسا ردّة فعل على ذلك الاكتساح الواسع للمادية والوضعية

  1. Gilles Lipovetsky, Le crépuscule du Devoir: L’éthique indolore des nouveaux temps démocratiques , Collection: NRF Essais (Paris: Gallimard, 1992), p. 31.

المتطرفة، اكتساحًا بدا في بنية مبدئية لكل التصورات الفكرية، والمعطيات العلمية، وشهودًا إطاقيًا جعل من وعي الوضعي حقيقة لا يمكن الشك فيها، ما دام العلم قد مثّل الدليل القويم على صدقها وصدقيتها، فكان فناء القيمة مقابل سلطة الظاهرة. وتواصل المطمح الأكسيومي إلى حد عدّ القيمة مظهرًا تفاعليًا للظاهرة، وهو المشروع الفكري الذي تجسّد في فلسفة ليفي برويل2، وفي بناء حقل العلوم الإنسانية والاجتماعية، ليس على صيغة «المعرفة من أجل المعرفة»، إنما بما يتفق مع الغاية التسلطية للعلم3. فكان مرد المشروع الأكسيولوجي في فرنسا سمة بارزة؛ للرد على المسار المادي في تأويل القيمة؛ لنعثر هنا على الأسباب الفكرية التي أدت إلى انفجار حقل القيم، على الأقل في فرنسا، حيث تمركز الوعي الوضعي. إن المقابلة بين الوضعية والميتافيزيقا «الافلية»، نسبة إلى لافيل، تُعدّ نقطة مركزية في وعي الغاية من المشروع الأكسيولوجي البارز لدى لافيل، إنها القراءة العميقة التي ينجلي، عبر تحلياتها، سؤال: لماذا هذا المشروع؟ وهل تمكّن من نقد أنظمة الوضعي، ومجاوزته نحو إثبات مغاير؟ إنه الاهتمام الذي يجلي، بحق، الشرط الفلسفي لفلسفة لافيل. والحق أن تيار فلسفة القيمة نهل كثيرًا من الفلسفة الروحانية، ومن أهم مظاهر هذا النهل قضية عاقة الزمن بالقيمة، ومقام الحرية في صلته بالقيمة. أتكون قيمة، أم شرط القيمة؟ لذلك لا يمكن أن نستوعب الكتاب الموسوعي لافيل «معالجة عامة للقيم»4، من دون أن يتأسس في ذهن هذا المستوعب المطّلع مسحة كلية عن الفلسفة الروحانية، بتعدد نسخها؛ ذلك أن فلسفة لافيل، في جهة من جهاتها، تأويل فلسفي لفلسفة برغسون، فقد عمقت الروحانية في إطار حقل الأكسيولوجيا، لتنفجر فلسفة المشاركة من حضن الديمومة؛ إذ إن الزمان الذي يدوم شرط للمشاركة في المطلق، وهو عصب البحث في فلسفة لافيل الذي أولاه الباحث أهمية محورية. إنه تيار فلسفة القيم في الفلسفة الفرنسية المعاصرة التي كانت نهضتها متأخرة، إلى حد بعيد، إذا ما قورنت بنظيرتها الألمانية؛ لذلك فالسؤال عن هذه النهضة الألمانية، في حقل الأكسيولوجيا، السابقة للفرنسية قد يميط اللثام عن الاختاف بين المثالية الألمانية، والروحانية الفرنسية في ميدان القيمة. ثم كيف قارب لافيل موضوعات القيمة بطريقة مغايرة لهذه النظيرة؟ وهل تمكّن من إنشاء بناء إبستيمولوجي يعيد استنهاض العلم، بحيث يهتم بالقيمة، ويدمجها في تصوراته، ويفهمها فهمًا عقانيًا، ويحللها تحليلً تجريبيًا، ويطبقها تطبيقًا يستوعب الأخاقية؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تُعدّ نقطة ضرورية في الرصد الذي يجب

  1. انظر في ذلك: Lévy Brühl, La Morale et La science Des Mœurs, Une Collection développée en collaboration avec la bibliothèque Paul Emile Boulet de L’université du Québec, accessed on 20/1/2019, at: https://bit.ly/2RReTUg
  2. يُعدّ انبثاق العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية، في بداية القرن العشرين، من قبيل توسيع المعرفة بالإنسان في وضعه الفردي والاجتماعي، لكن القراءة الإبستيمولوجية لحقل هذه العلوم تبيّن أن الغاية من الدرس الأكسيومي للإنسان لم تكن بريئة من المصلحة، بل الغاية من ذلك هي السيطرة على الإنسان، وتشكيله بحسب إرادة السلطة، وهو ما بينته النظرية النقدية لفلسفة فرنكفورت نقدًا، عبر مراحلها المتتالية. ويُعدّ النقد الإبستيمولوجي عند ميشال فوكو لحظة مهمة في التهمة في مسار الصلة بين السلطة والمعرفة، ويمثل عاملً رئيسًا في الصياغة الأنطولوجية لفكرة المشاركة عند لافيل.
  3. Louis Lavelle, Traité des Valeurs générales: Théorie générale de la valeur , Tome I (Paris: Presses universitaires de France, 1951).

أن يولّى للقيمة في فلسفة لافيل. فهل أجاب الباحث عن هذا السؤال؟ ذلك أن الأبعاد المعرفية لفلسفة لافيل لا تكمن في وضع بديل فلسفي يحيي الميتافيزيقا بعد موتها، إنما الوضع السياقي لهذه الفلسفة، بما هي ممثلة لتيار وجودي أيضًا، يعيد تصويب الرؤية، بحيث تتجاوز التفسير المادي، وتتجاوز فهمها العدمي؛ لذلك يتطلب الرصد المزاوجة التحليلية الجامعة بين فلسفة القيمة، والفلسفة الوجودية في التأويل الافيلي للمسيحية، بوصفها مرجعية عميقة، يجب أن يُنظر إليها الرصد منذ البدء، تعليلً وتحليلً. يُعدّ كتاب «سؤال القيمة» للباحث هشام بن جدو، رصيدًا يضاف إلى حقل الدراسات العربية الشحيحة في فلسفة القيمة، وإلى ميدان الأكسيولوجيا عامة في الثقافة الفلسفية العربية المعاصرة. ويضع هذا الكتاب عامة مضيئة بلغة الضاد على شخصية فلسفية مغمورة، طُمرت تحت السيل الجارف لفلسفات العلم، والفلسفات الوجودية الملحدة، وتيارات أخرى لا تقل تأثيرًا، مثل الفلسفات البنيوية. إن لافيل ليس منسيًّا في الدرس الفلسفي العربي فحسب، بل تراجع الاهتمام بفلسفة القيم في منازل الفيلسوف، وشهدت هذه المنازل نسيانًا لذاكرة، فغاب الاهتمام بالفيلسوف إلى حد النسيان. وقد نضيف سببًا آخر إلى هذا التواري الذي وسم الفيلسوف وفلسفته بالتراجع والاختفاء، إنه المسحة المسيحية الصوفية لهذه الفلسفة، في زمن راج فيه تأثير الوجود والعدم. ففي مقابل الغثيان الذي يحيل إليه الوجود الشارد في حنايا العدم، تأتي المشاركة فلسفة نوعية؛ لتحمل الإنسان نحو المطلق عبر تجربة المشاركة في المطلق، وهنا تحضر عاقة متميزة بالآخر ومعاملة خاصة له، وانباج لصلة المشاركة بين الإنسان والإله، في لقاء المطلق. إن تجربة المشاركة تجعل القيم الأخاقية والروحانية قائدة للعالم؛ لذلك تنزع الأكسيولوجيا الافيلية القلق المادي من العالم؛ لتجعله مظهرًا خارجيًا، فحسب. وأحدثت ثورة على التأويل المادي للعالم، فهو عالم يقع أسفل الترتيب، بينما تقود القيمة الروحانية كل العالم، وهو ما أصّله لافيل في ترتيبه للقيم5. وهكذا، يتبادر سؤال الغاية من إعادة تثوير فلسفة القيمة عند لافيل، في زمان اندثر فيه أسلوب التفلسف الكاسيكي، على غرار طروحات الفلسفات الروحانية، وانبثقت مفهومات «الما بعد» وفلسفات الاختاف والتفكيك. فما الجدوى من معالجة فلسفة لافيل في القيمة، بعد تفكك القيمة وفقدانها بريق الحضور؟ وهو السؤال الذي لا نعثر على إجابة عنه في حنايا كتاب «سؤال القيمة»: ما دواعي إعادة الاهتمام بفلسفة القيمة عند لافيل في المنظور الراهن؟ هل هي الحاجة إلى تاريخ الأفكار؛ لنيل فهم عميق لأزمة القيم اليوم؟ لقد أصبح النظر في القيمة شديد الوصال بأزمة التقنية، فإلى أي حدّ تسهم هذه الفلسفة في ترشيد النظر في الأزمة الأكسيولوجية الراهنة؟ إذًا، بات ضروريًا، عند متابعة قضايا القيمة عند لافيل ورصدها، إدراج المقصد من فلسفة لافيل في فلسفة اليوم؛ بما يجعل الفكر العربي يفيد من هذا الرصد الذي قام به الباحث؟ أم أن سؤال القيمة في هذا الفكر يتجه إلى فتح ملف فكري مختلف موضوعًا ومنهجًا عمّا أسست له أكسيولوجيا لوي لافيل؟ وهو ما أغفله هذا الباحث في مقاربته. يتميز كتاب «سؤال القيمة» بالاستخدام الدقيق

  1. Louis Lavelle, Traité des Valeurs générales: Le système des différentes valeurs , Tome II (Paris: Presses universitaires de France, 1955), pp. 233–230.

للمعجم الأكسيولوجي، ولا سيما أن الكاتب هشام بن جدو مزدوج اللسان، ومطّلع على إنتاج الفيلسوف بلغته الأصلية، فضلً عن أنه متعمق في حقل فلسفة القيم، منهجًا وأداة، ما جعله يَعقد العاقات بين المرجعيات القيمية؛ ليتحرك حركة انسيابية بين المفهومات الأكسيولوجية، مؤسسًا مقاربة أفقية بين فلسفات القيمة، ذات التأثير في النمو المطّرد للأكسيولوجيا في القرن العشرين، ومنها فلسفات شيلر وهرتمان، فضلً عن القرابة الجامعة بينه وبين لوسين، فالألم الذي تسببت فيه الحروب الأوروبية قد دفع الفيلسوفين إلى الإصرار على إنشاء فلسفة للقيم، تعيد المكانة إلى الإنسان داخل منظومة القيم، وتحافظ على نظام الحياة، وفق المنظور الأخاقي؛ ليتراجع الألم والشر، مقابل الوجود الناجح، بعد التردد الذي تحدثه تجربة الفشل6. وهذا ما حلله الكتاب نحتًا لمقارباته عبر لحظتين منهجيتين: لحظة المبادرة النقدية، ولحظة مبادرة المقارنة، إثارةً لأسئلة التاقح المعرفي بين تيارات الفلسفة، وفلسفات فلسفة القيم. وعلى الرغم من هذا الرصد المقارن في مناطق الأكسيولوجيا المتعددة التي تتبعها الباحث، فإن الاختاف العميق بين اللحظات التأويلية التي قام بها هؤلاء الفاسفة غير واضحة في مظان الرصد؛ إذ من الضروري تعميق المباينة بين هذه الطروحات الفلسفية، ليس بالتأثير، بل بالمقارنة. ثم إن دوران الكانطية في مسار بنية الأكسيولوجيا يُعدّ مفصليًا، وهذا ما تبيّن بوضوح في فلسفة القيم عند لوسين. لكن هل من جدل بين لافيل وكانط، أم أن السبق الأوغسطيني جعل الصورية الصارمة تتراجع؛ لتترك المقام للبادرة الأفلوطينية المجاوزة لكل الأحداث الفلسفية؟ ماذا عن هذه اللقاءات؟ هل جرى تتبعها في متن سؤال القيمة؟ ذلك أن طرحها تحليلً يعيد تفسير الحاجة إلى تأويل المسيحية، يحصر بين جنباته إنسانًا خطّاء، ولكنه محب، مقابل الإنسان العقاني الكانطي الذي تولّى قلبه وظيفة نقدية، تعيد صياغة قانون الوجوب على وقع حركة إنسان الحداثة، والحرية، والرشد، والعقل7. إن المقارنة بين هذين التصورين للإنسان تعالج، إلى حد بعيد، الاستشراف الأكسيولوجي، بصفة عامة، وتدقق في مشروع لافيل الفلسفي، وهو ما يزيد في توضيح المفهومات التي تناولها الكتاب الراصد لسؤال القيمة عند لافيل، ويمده بالعمق التحليلي المطلوب. كان تأثير الفينومينولوجيا لا يضاهى في مسار الوعي الفلسفي الغربي في تاريخه المعاصر، وقد أشار الكتاب إلى ذلك، لكن جدل المنهجين: الهوسرلي والبرغسوني، يُعدّ مفصليًا في بنية المفهومات القيمية في الأطروحة الأكسيولوجية التي بصدد الدرس. وإذا ما قابلنا بين المنهجين، فلن يكون إخفاء أثرهما في المقصد الفلسفي الغربي ممكنًا، هو الذي ربا ونما في كل الاتجاهات. إن الوقوف على اللحظة المنهجية الافيلية يُعدّ مفصليًا في وعي النمو المفهوماتي لحقل الأكسيولوجيا. لكن لماذا اتجه لافيل إلى صياغة منهجية لم تحضر فيها الفينومينولوجيا والاستشراف الهوسرلي؟ هل يعود ذلك إلى التوقف الذي يضعه المنهج شرطًا للمعرفة، ألا

  1. René Le Senne, Introduction à la Philosophie (Paris: Armand Colin, 1925), p. 250. إيمانويل كانط، ثلاثة نصوص، تأملات في التربية، ما هي الأنوار؟ ما التوجه في التفكير؟ تعريب وتعليق محمود بن جماعة (صفاقس: دار محمد على للنشر، 2005)، ص.36

وهو الإبوخي؟ فالإبوخي يسير إلى مواضعة عميقة في تمتين رصيد الموضوعية في كل معرفة، إلى حد استبعاد كل ما يحيط بالموضوع، مبقيًا جوهره، فحسب. لكن ألا يكون إبقاء الموضوع وحده إقصاء لخصائصه؟ بهذا لن تكون الفينومينولوجيا منهجًا للقيمة، ولا سيما أن المطلق بصورته الدينية هو الكفيل ببيان طبيعة القيمة عند لافيل؛ لذلك لم يكن هذا المنهج كفيلً بإجاء القيمة عند الفيلسوف ذاته. إذًا، كان رصد هذه اللحظة المنهجية ضروريًا؛ لتوضيح الاختيار الافيلي للمنهج الكفيل ببيان القيمة في السؤال عن القيمة، كما يطمح إليه كتاب «سؤال القيمة»، ولا سيما أن لافيل سيخلص، في نهاية المشروع، إلى إعادة الاندماج في القراءة المسيحية للقيم. إن السؤال: «لماذا تمكّن شيلر من تأويل الفينومينولوجيا لمصلحة قيم التعاطف، بينما تخطاها لافيل؟» مهمّ جدًا، ولا سيما أن انتشار هذا المنهج في فرنسا، واستخداماته في الفلسفة الوجودية، أمران مهمّان. ونقف هنا على الاختاف بين لافيل وسارتر، وتصورهما للوجود في عاقته بالقيمة. إنها نقطة أساسية، ومعالجتها تزيد في استكناه تصور المسألة المركزية في فلسفة القيم الافلية، ونعني بها عاقة الوجود بالقيمة. لقد تعمق هذا الكتاب في الجينيالوجيا الفلسفية للأكسيولوجيا الافيلية، وفي مقاربتها مفهومات الحقل القيمي المفصلية، من قبيل ثنائيات الخير والشر، والقيمة والمنفعة، والحرية والحتمية، وغيرها من المفهومات التي تمثّل القاعدة الضرورية لتحليل الحقل الأكسيولوجي فلسفيًا، متتبعًا للعاقات البنائية بين هذه المفهومات، إلى حد تحرير مفهوم القيمة؛ ليؤلف نواة الوجود، بوصفه مقام المعيش البشري. جيّد أن نقف على شرح التحليلي الافيلي لهذه المفهومات، لكن ما طبيعة القراءة البديلة؟ فالمفهومات أخذت منحى جديدًا، وتبنت طروحات شديدة العمق، لا بد من رصدها؛ تحديدًا لطبيعة القراءة الافيلية. لا ريب في أن الوقوف على الموضوعات التي أثارها لافيل، في تأسيسه فلسفة القيم، يعدّ حركة دقيقة في هذه الفلسفة التي لم تحظ بالمبادرة الفلسفية العميقة، وقد أشرنا إلى ذلك، لكن الاستشراف الافيلي للمستقبل الإنساني، وهو يسير محاطًا بالعدمية، يُعدّ اليوم رهانًا مهمًا لقراءة الأزمة الإنسانية التي فرضت المابعديات؛ إذ اتجهت متحسسة أفق المعنى، بحثًا عن مرجعية عقانية تمد الإنسانية بمشروعية جديدة للقيم، في زمان موت المعنى. لكنها مشروعية متوافقة مع فلسفة التقدم والتجاوز، وهي المشاركة التي تفترض السيولة والحركة نحو المطلق، فلو تتبع الكتاب النتائج على هدى الأفق الاستشرافي للقيمة عند لافيل، لكان أحدث في تقصّيه القضايا الأخاقية الراهنة، وفي ربطه بقضايا الراهن والمستقبل. إن استثمار الفلسفة الافيلية في مضمار النقد الأخاقي الراهن يُعدّ أمرًا مفصليًا، ولا سيما أن العدمية التي رافع لافيل في سبيل تجاوزها في العصر الحديث، وصيرت الدمار الشامل في الحربين العالميتين، لا تزال في حالة مجاوزة، وقد حصلت نهاية المعنى، وراهنت على البعديات حلً للأزمة؛ لذا، فإحياء فلسفة لافيل يُعدّ سبيلً لتأويل آخر للوضع البشري الآن، ويُعدّ مهمًا في تسيير أزمة القيم اليوم، بعدما تحولت المجتمعات الغربية إلى مجتمعات ما بعد صناعية، وتفككت القيم، وبات ديدن الفلسفة الأخاقية البحث عن السند، وعن المرجعية التي تعطي القيم قيمها.

فهل من دور للمطلق الافيلي في فك ضيق الفردانية؟ في خاصة هذه المراجعة، نقول إن كتاب «سؤال القيمة» مساهمة فاعلة، على سبيل التنبيه إلى الدرس القيمي في الثقافة العربية المعاصرة التي شهدت شحًا شديدًا في الفكر العربي الحديث، والمعاصر، ويؤوَّل هذا الشح بغياب قيمة الإنسان في هذا الفكر. وهنا نثوّر المبادرة الأركونية التي ألحت على وعي الأنسنة، وعلى تفعيل مركزية إنسانية في التاريخ الإسامي المعاصر. وعلينا الإشارة إلى الدور الذي تؤديه مثل هذه الدراسات في بناء وعي نقدي بالقيم، في المجال المعرفي العربي الإسامي.

المراجع

العربية

دار الساقي،.2001 وتعليق محمود بن جماعة. صفاقس: دار محمد على للنشر،.2005

الأجنبية

يبرهن كتاب «سؤال القيمة» على قيمة الدرس الأكسيولوجي، معرفة بالقيمة، وتتبعًا لحركيتها. أما فلسفة القيم عند لافيل، فتُعدّ تنبيهًا إلى العالم الباطني الغني بمدخراته الأخاقية والروحانية، وهذا ما نبّه إليه الباحث، هشام بن جدو، طوال دراسته الفلسفية للقيم في فلسفة لافيل، مؤكدًا أن المنهج الذي استخدمه لافيل، في سبر أغوار حقل القيمة، فاعل من حيث كشف بنية القيمة في حد ذاتها. ويذهب لافيل مع لوسين إلى أن الفلسفة هي عودة إلى الذات، بما هي تجلٍّ لمجموع الوجود العميق، والحميم، فهناك، فقط، يتجلى الكل، ومن ثمّ، فالفلسفة ليست تفكيرًا في العالم الحسي الموضوعي، بل هي مهمة شاقة في سبيل ممارسة الطاقة السقراطية، بما هي تدعو إلى معرفة الذات، والعودة إليها في كل مبادرة، فضلً عن المبادرة الأخاقية.

References

أركون، محمد. معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلامية. ترجمة هاشم صالح. بيروت: كانط، إيمانويل. ثلاثة نصوص، تأملات في التربية، ما هي الأنوار؟ ما التوجه في التفكير؟ تعريب