مراجعة في كتاب: سُفور المقاومة في الفن النسائي المعاصر للناقد التونسي خالد بن المنجي عبيدة
Book Review Unveiling Resistance in Contemporary Women’s Art by Khalid Bin Al Manji Obeidah
الملخّص
صدر كتاب "سُفُور، المقاومة في الفن النسائي المعاصر" بتونس في أوت 2014 عن دار محمد علي للنشر والتوزيع. ويبلُغُ عدد صفحاته المكتوبة 144 صفحة و24 صفحة من الصُور المُضمَّنة في آخره. وقد قدّم الكتاب الفنان التشكيلي والأكاديمي نبيل الصوابي في نص اختار له عنوان: " الهاوية هي المكان الأمثل للحظة الإبداع". وينخرط هذا البحث في مجال نقد الفنون التشكيلية العربية المعاصرة التي تكاد تخلو منها رفوف مكتباتنا، نظرا لأن المدونة العربية في مجال النقد الفني ارتبطت بصورة أساسية بالأدب والشعر اللذان يعتبران الأقرب لنا والأعرق في ثقافتنا العربية التي تدور في فلك الكتاب وفنونه.
Abstract
Unveiling Resistance in Contemporary Female Art (144 pp.) was published in Tunisia in 2014 by Dar Mohammad for Publishing and Distribution. The artist and academic Nabil Sawabi wrote an introduction to the book entitled: "The Abyss is the perfect place for the moment of creativity". This research engages with contemporary Arab fine arts criticism, which barely exists in the Arab region. This deficiency is despite the Arab corpus of arts criticism being intrinsically related to literature and poetry, which were considered an integral part of Arab culture, which is dominated by the art of writing.
- سفور
- المقاومة
- الفن النسائي المعاصر
- Unveiling Resistance
- Contemporary Female Art
- Khalid Bin Al Manji Obeidah
عنوان الكتاب: المؤلف: خالد بن المنجي عبيدة. الناشر: سنة النشر: آب/ أغسطس.2014 عدد الصفحات: 168 صفحة.
سفور: المقاومة في الفن النسائي المعاصر.
دار محمد علي للنشر والتوزيع، صفاقس/ تونس.
ينخرط هذا البحث في مجال نقد الفنون التشكيلية العربية المعاصرة التي تكاد تخلو منها رفوف مكتباتنا؛ نظرًا إلى أن المدونة العربية في مجال النقد الفني ارتبطت ارتباطًا أساسيًا بالأدب والشعر، بوصفهما الأقرب إلينا، والأعرق في ثقافتنا العربية التي تدور في فلك الكتاب وفنونه. وفي مجال النقد الفني التشكيلي تكمن فرادة كتاب سفور: المقاومة في الفن النسائي المعاصر في عنصرين متّصلين ثقافيًا، ومقترنين بالواقع الاغترابي الذي تعيشه المرأة في ظل ثورات الربيع العربي. وكلنا على علم وبيّنة أن هذا التحوّل الاجتماعي أدّى إلى اعتاء حركات الإسام الأصولي سدة الحكم في عدد من البلدان المنتفضة. ويقترن العنصر الأول بالمراجعة التاريخية للموقع الاجتماعي المشرّف للمرأة المبدعة في فجر الإسام؛ بينما يقترن العنصر الثاني بتراجع هذا الموقع اليوم في مجتمعات باتت تحتكم إلى فتاوى المؤسسة الفقهية السلفية. وما يجمع العنصرين معًا في الكتاب المذكور، هو المواقف النضالية التي تبنّتها المبدعات العربيات المعاصرات لتصحيح المسار، بتوسّدهن التراث الفني العربي الأصيل، مقاومةً لكل الأفكار الرجعية التي تحط من منزلتهن بصفتهن مبدعات، وتسلبهن مكانتهن الاجتماعية الاعتبارية في زمن السلف الصالح. وقد يحتاج عنوان «سفور» الذي اختاره المؤلف لكتابه إلى شيء من التوضيح، يكشف كثافته الرمزية التي ترتاد منطقتين ملغزتين في تاريخ ثقافتنا العربية: المرأة والتشكيل. وتحيلنا العودة إلى القاموس؛ بحثًا عن فعل «سفر»، على كثير من الإحالات التي يشترك جميعها في تعريف واحد، يفيد التعرية والكشف، ومنها «سفرت المرأة وجهها». ويستبطن هذا اللفظ نقيضه، أي التحجب، ويستحضره، وكأن لفظ «السفور» يستمد معناه من نقيضه، فيشمل جملة من التباينات بين الحضور والغياب، بين الظل والضوء، وبين الوجه والاوجه. فهل يُعدّ السُفور في المجتمعات العربية الإسامية من أهم القرارات النسوية ضد مجتمع تقليدي ومحافظ؟ هل أصبح يشكّل في ذاتها العميقة «الأنموذج» البدئي، أو الفعل المؤسس لتحرّرها؟ يجعلني السياق النقدي لهذا العنوان أمام تأويل مضاعف ومكثّف لكشف الفنانات المحظور؛ نظرًا إلى أنهن خرجن من طور الضحايا اجتماعيًا إلى طور الفاعات تشكيليًا؛ تعبيرًا عن رفضهن لواقعهن الاغترابي. وستكون المفردات البصرية الإسامية التي يشتغلن فيها الساح ذاته الذي ستُعرّى به وتُكشف المواقع المظلمة في حضارتنا العربية الإسامية. وفي كل التجارب المذكورة في الكتاب، كانت هذه المقاومة مستلّة من واقع تراثنا الفني الإسامي؛ وكأن هذه التجارب النسائية المعاصرة تستردّ تراثها الثقافي لحسابها الخاص حتى توثق به أغال من حاول عبثًا تكبيلها، عبر توظيفه أيديولوجيا ما. وتقوم فرضية هذا البحث النقدي على اعتبار التجارب النسائية الراهنة قد لاذت بالتراث الفني الإسامي الأصيل، بوصفه سندًا مرجعيًا، ترسم المبدعات عبره فعل مقاومتهن النسائية الرافضة لكل أنواع الاستاب الديني والتطرف الأيديولوجي، غربيًا كان أم شرقيًا. وإذا كان دخول المرأة عالم التشكيل يدعم، من جهة، قدرتها على التحرر من قبضة صورتها النمطية في الذهن الذكوري، فإنه، من جهة أخرى، يؤكد
اليوم أن الفن والثقافة، عمومًا، هما الساح الذي سيمكّنها من الإفات من لحظات الوهن التي أصابتنا اجتماعيًّا وثقافيًّا. وكثيرًا ما كان سؤال الهويّة النسائية في عاقتها بالثقافة الإسامية حاضرًا في هذا المؤلف النقدي، وفي جلّ الأعمال والتجارب الفنية التي توقفت عندها في قراءتي له، واختار مؤلفه أن يركزها بالرجوع إلى أهم مكونات التراث الفني الإسامي، انطاقًا من الأدبيات الكتابية للتصوّف وصولً إلى تمثّات الوجه النسائي بين الكشف والإخفاء. وبين هذا وذاك، تعرض الناقد التونسي إلى التوظيف النسائي المعاصر لفنون الأرابيسك، وفنون المنمنمات المعاصرة، كما عالجتها المبدعات المسلمات في الزمن الراهن. ولا يتوجه النقد الاجتماعي في هذا الكتاب إلى الفكر الأصولي الإسامي، فحسب، بل إلى كل الأيديولوجيات الأصولية الأخرى، في الشرق والغرب، بدءًا بأيديولوجيا «الاستشراق» التي فضح إدوارد سعيد أسسها الشوفينية والاستعمارية، وواصلت على دربه مجموعة من المبدعات المتحررات في العالم الإسامي. ويحوي كتاب سفور ستة فصول، وقع التدرج فيها من العام إلى الخاص؛ فكان عنوان الفصل الأول «التعابير النسائية الإسامية المعاصرة، عصفًا بالأفكار الأصولية وذودًا بالتراث الإسامي الأصيل». ويعدّ هذا الفصل بمنزلة الحفر الأركيولوجي في نشأة الفكر الأصولي في ثقافتنا العربية الإسامية، حاول فيه المؤلف كشف المغالطات التي لحقت الأسس والمرتكزات الفقهية والدينية التي تم تحريفها؛ قصد جعل التحريم ساحًا تتوسده المؤسسة التشريعية/ السياسية «الإسامية»، في الماضي كما في الحاضر. ولتبديد الشكوك في التوظيف الأيديولوجي للتراث الفقهي الذي كان دائم التضارب مع مصالح المرأة، وضاربًا أبسط مكاسبها وحقوقها التي كانت تتمتع بها في فجر الإسام، ارتأى الناقد أن يبني هذه الحفريات على مقارنات ضمنية بين الماضي الإسامي والحاضر «الإساموي» الذي تغوّلت فيه الأفكار الأصولية، متفانيةً في إذلال المرأة، والحد من حرّياتها الشخصية. ويحمل الفصل الثاني من هذا البحث النقدي التشكيلي عنوان «شدْو الحب الكوني في التجارب الكتابية النسائية المعاصرة»، واختار أن يتطرّق فيه المؤلف إلى تجربتين نسائيتين عربيتين، تعبق أعمالهما التشكيلية الكتابية أنفاسًا صوفية. وأولى الفنانات التي استدعاها في هذا البحث النقدي هي الشاعرة والفنانة التشكيلية اللبنانية، إيتيل عدنان، وهي المتأثرة بالثقافات المتوسطية والأوروبية والأميركية في إبداعاتها. وتكتب هذه المبدعة العربية قصائدها بالإنكليزية، وتؤلف نصوصها بالفرنسية، وتملأ مساحات لوحاتها بلغة الألوان الكونية، وتعدّها «كتابة عربية»، بحسب ما صرّح به المؤلف، نقلً عنها. ويرى بعض النقاد الفنانة عدنان شاعرة متصوفة، بالمعنى الجوهري للعبارة؛ لاتحادها بالطبيعة والإنسان، ولصاتها الدائمة بالجمال الرباني الذي تترجمه في كلماتها ولوحاتها صغيرة الحجم. أما ثانية الفنانات الاتي وردن في الفصل الثاني من هذا الكتاب، فهي المبدعة الإيرانية، هادية شافي، التي تصغر سابقتها بما يقارب نصف قرن. ولكن، ما يمكن أن يجمعهما، على الرغم من هذا التباعد العمري، هو توظيف الأدبيات الصوفية في الفن الإسامي المعاصر؛ قذفًا للتيارات الأصولية المتطرفة بأرقى كلمات الحب الصوفي الخالصة لله تعالى.
واستحضر الناقد في الفصل الثالث من الكتاب، والموسوم ب «الوجه وهويته في تفاصيل الأرابيسك الإسامي المعاصر»، تجارب مبدعتين عربيتين، استندتا إلى فن التوريق النباتي، أو الرقش الهندسي التجريدي في أعمالهما. ويهدف هذا الاختيار إلى طرح الإشكاليات الراهنة للثقافة العربية المعاصرة التي ترزخ تحت ويات الحروب الطائفية في الشرق، وتتمزّق بين خصوصيات الأنا العربية وروافد الآخر الغربي، لدى المبدعات المتغربات عن أوطانهن. واستُدعيت، في هذا الصدد، الفنانة الجزائرية، زينب سديرة، والفنانة السورية، رزان الصباغ، وهما تعتمدان اعتمادًا واضحًا في أعمالهما على البنية المتكررة للتوريق الإسامي الكاسيكي، مع إدراج صور لمامح آدمية، وكأن الفنانتين صارتا تبحثان عن تأنيس هذا الإرث القديم؛ حتى تعبّرا عن مشاغل المرأة العربية المعاصرة. وفي الفصل الرابع المعنون ب «ثنائية الوجه/ الاوجه في التمثيل الإسامي المعاصر»، تطرّق الناقد إلى إشكالية الزي الطائفي، وحضوره بقوة في الفترة الأخيرة، وإلى التصدّعات الثقافية والسياسية التي يفترضها هذا الحضور بين الشرق والغرب. وانطلق في تحليله بتعريف كلمة «وجه» في المعاجم العربية، وكان من بين معانيها «التحية»؛ لأن الوجه يمثّل «المحيا»، ويفترض مكانًا يحلّ فيه الآخر، ونستقبله فيه؛ لأنه موضوع التقاء بين اثنين. ثم عرّج الكاتب بعد ذلك على مفهوم «الاستشراق» الذي لا يراه استيهامًا أوروبيًا فارغًا للشرق، فحسب. وإنما يعدّه هيكلة فكرية كاملة أيضًا، ونسقًا تتوارثه الأجيال الغربية في نظرتها إلى الشرق «المتخلف». وبوصفه مفهومًا جمعيًّا، يحدّد هذا الاستشراق الهويّة الغربية نقيضًا لهويّة أولئك الذين ليسوا أوروبيين؛ كي يكرّس تسلّط الأفكار الأوروبية على الشرق. ولتأثيث هذا الإطار السجالي في الفصل الرابع من كتابه، استدعى الناقد الفنانة المغربية، مجيدة خطاري، باستحضار عرضها الأدائي، الموسوم ب «الحجاب الإسامي الفرنسي»، وقدمته في نيسان/ أبريل 2010، في المدينة الجامعية في باريس، ضمن إطار النقاش الدائر حول ارتداء البرقع وعدمه في فرنسا. ورجع المؤلف في هذا الفصل إلى تجربة الفنانة الإيرانية، شيرين نشأت، التي تُعدّ من أهم الأيقونات الفنية على الساحة الدولية، وأشرس المتصديات لهذا الاغتراب الاجتماعي/ الإساموي الذي تعيشه المرأة المسلمة في إيران. وليست صورة الحجاب الأسود، والوشم والكتابات الفارسية المطلسمة، هي الوسائل الوحيدة التي تتّكئ عليها المبدعات الإيرانيات من مخزون التراث الإسامي، كما هو الشأن عند شيرين نشأت؛ بل شمل بحثهن حوامل أخرى يعبّرن فيها، وبها، عن رفضهن لحالة الاغتراب الأيديولوجي المخترق لمجتمعهن المعاصر. وسيكون فن المنمنمات، ومناهج المقاومة التشكيلية النسائية فيه، وبه؛ محور الفصل الخامس من كتاب سفور، والذي حمل عنوان: «المنمنمات الإسامية النسائية المعاصرة». ومن النساء المبدعات في هذا السياق الفنانة الإيرانية التي تعيش في المهجر، سودي شريفي، وتراوح في منمنماتها المعاصرة بين صورة المرأة الإيرانية الموجودة في المنمنمات الفارسية القديمة، وصورها الفوتوغرافية الحديثة؛ تمزجهما بواسطة تقنية تطلق عليها «الميكسياتير» Mixiature، وهي تسمية مركّبة من كلمة «المنمنمات» Miniature، وكلمة «الخلط» Mixage.
وينتهي الفصل الخامس من الكتاب باستحضار تجربة معاصرة أخرى، فريدة من نوعها، للفنانة الباكستانية، سائرة وسيم، التي يجتاح منمنماتِها نفسٌ ملحميّ واضح وصريح. وفي جل منمنماتها المعاصرة كان البعد الملحمي يعكس الصراع التاريخي بين الشرق والغرب، تستحضره الفنانة مجازًا من خال توظيفها للتناحر الأسطوري بين الآلهة الإغريقية، أو بين ممثلي الأوبرا الباروكية ومنشديها، أو بين أبطال أفام بوليود الهندية، ونهاياتهم المأسوية. وبعنوان «شكون إحنا؟»، يتوّج الناقد آخر فصول كتابه. وهذا العنوان مقتبس من تظاهرة في الفن المعاصر، أقيمت عامُ 2012 في متحف قرطاج الأثري في تونس، أول مرة، وجمعت نحو ستة وعشرين فنانًا، من الوطن العربي، فوق هضبة قرطاج بيرصة التاريخية. وكان سؤال الهويّة الراهنة هو الموحّد بين هؤلاء الفنانين، ومحور لقائهم الفريد من نوعه في زمن الربيع العربي. والغريب في الأمر أن هذا المعرض نظّم قبل فترة وجيزة من «أحداث العبدلية»، اللحظة الفارقة في تاريخ الفنون التشكيلية التونسية المعاصرة؛ إذ كان السلفيون المتشددون قد هجموا على المعرض، وأتلفوا كثيرًا من الأعمال التي كانت معروضة بذريعة «المس بالمقدسات». وختامًا، استدعى الناقد تجربةً نسائية تونسية، وتجربة أخرى سعودية، مها الملوح، وهي فنانة معاصرة قدمت من الجزيرة العربية التي لم تعرف ثورات عاصفة، كتلك التي فتكت بعدد من البلدان المجاورة لها، ولكنها، على الرغم من ذلك، تعيش في ظل حكم إسامي وهّابي، كان له عميق الأثر في المجتمع السعودي المعاصر الذي أضحى ظاهريًا مجتمعًا استهاكيا بامتياز، ولكن طابع البداوة ما يزال ساكنًا فيه باطنيًا، وهو ما أفرز تناقضات اجتماعية صارخة، كانت عماد أعمالها الفوتوغرامية Photogramme. أما الفنانة التونسية، نادية الكعبي، فقد قدّمت في معرض «شكون إحنا؟» تجهيزًا Dispositif معلّقًا على أحد جدران المتحف، بعنوان «رائحة» Smell. وبتأنّ كبير، تفانت في خياطة أزهار الياسمين، الواحدة إلى جانب الأخرى؛ لتنسج لفظ الشهادة «لا إله إلا الله محمد رسول الله» على خلفية سوداء. وفي هذا السياق، تحيل كلمات الشهادة التي كتبتها الفنانة بالياسمين الأبيض على خلفية سوداء على تلك الافتات التي صار يرفعها السلفيون في تظاهراتهم، وصار الشعب التونسي لا يرى فيها إلا شعارًا لحركات الإسام الوهّابي التي نبتت في مجتمعنا ال «ما بعد ثوري» كالفطر الطفيلي. وغابت عن ذهنه المعاني التوحيدية لعبارة «لا إله إلا الله محمد رسول الله». ولكن ما نأخذه على المؤلّف في هذا الكتاب النقدي التزامه المنهجي مدونة التراث الفني الإسامي، وإقصاء المدونات الأخرى من بحثه، ولا سيما التجارب الفنية النسائية المعاصرة التي كافحت الفكر السلفي فنيًا، فالتزامه مرجعية بعينها جعله يتغاضى عن بعض التجارب النسائية الكتابية، كتجربة الفوتوغرافية المغربية، لا السعدي، التي تزاوج في أعمالها بين الصور الاستشراقية للمرأة والكتابة العربية. كذلك تُعدّ مرجعية الواقع اليومي المعيش فاعلة نقديًا في تجربتي الفنانتين التونسيتين، عائشة الفيالي، ونادية الجاصي، على سبيل الذكر لا الحصر. وثمة عدد من التجارب النسائية المعاصرة الأخرى جابهت المدّ السلفي المتطرّف الذي
يسعى للحد من حرّياتهن الاجتماعية والإبداعية، من دون الرجوع إلى مدونة الفنون الإسامية القديمة بالضرورة. ولا نجد بدًّا من التزام الكاتب هذه المدونة، دون غيرها؛ للحديث عن المقاومة الفنية النسائية المعاصرة للفكر الأصولي الذي بات ضاربًا، ولا سيما بعد ثورات الربيع العربي. ونتمنى أن يقع استدراك هذا التغييب لتجارب نسائية أخرى مهمة في مؤلّف لاحق، أو في إصدار ثان لهذا البحث نفسه في مجال الفن المعاصر النسائي العربي الذي تفتقر إليه مدونتنا النقدية التشكيلية عربيًا. وفي ختام هذه القراءة النقدية لكتاب سفور: المقاومة في الفن النسائي المعاصر لخالد بن المنجي عبيدة، نذكّر القارئ بأن فرضيته النقدية تقوم على أساس مراجعة المبدعات العربيات اليوم لتراثنا الفني الإسامي؛ لنسج معانٍ مجازية معاصرة، يقاومن بها الأفكار السلفية التي تروّجها حركات الإسام السياسي زمن الثورات العربية. ومثل هذه التكوينات المجازية الجديدة لواقع المجتمعات الإسامية الراهنة هي بعينها الباغة اللغوية والحركية والفعلية التي صار يثوّر عبرها الفنانون العرب، نساء ورجالً، داخل أوطانهم أو خارجها، مضامين أعمالهم الملتزمة بقضايا شعوبهم وآلامهم. ومن جديد، سترسم هذه الهويّة الثقافية النقدية قسمات ومامح هويتنا التشكيلية المعاصرة في زمن الإسام السياسي، والخيبات المتتالية للربيع العربي. إنها، في النهاية، إجابة الفنان العربي المعاصر عن سؤال: «شكون إحنا؟».