Return to Article Details Between Rationality and Ethicalness: Ibn Arabi’s Path to Good Ethics?

بين التعقل والتخلق كيف الطريق إلى الارتياض بمكارم الأخلاق عند ابن عربي؟

Between Rationality and Ethicalness: Ibn Arabi’s Path to Good Ethics?

عبد الرزاق بلعقروز

Abderrezak Belagrouz

الملخّص

تهدف هذه الدراسة إلى بيان سمات الطريق التكاملي بين التعقل والتخلق نحو مكارم الأخلاق، من منظور الميراث الأخلاقي لمحيي الدين بن عربي، ومدى مشروعية تجديد هذا الفكر الأخلاقي في سياق ثقافة ما بعد الأخلاق. اعتمدت الدراسة على أدوات المنهج التحليلي والمقارن لمقاربة هذا الموضوع، بتحليل النظام الأخلاقي لابن عربي واستكشاف وحداته المنهجية، وتَجْلية الكيفية التي بها تَكُون العلوم العقلية أداة أساسية للارتياض بمكارم الأخلاق من جديد. كما رصدت آلية ابن عربي المنهجية في كيفية الاستمداد من الموروث الأخلاقي اليوناني. واستنتجت الدراسة مشروعية إقامة الحوار الجدلي بين الميراث الأخلاقي لابن عربي وعودة الأخلاق من جديد، وأهمية البحث في تجديد القيم الروحية المستمدة من ميراث ابن عربي الأخلاقي في سياق ثقافة ما بعد الأخلاق، التي بات فيها الإنسان المعاصر مُنْجَذبًا نحو عبادة اللذة والفردانية المنكفئة. كما استنتجت أهمية الاعتناء بقيم الإنسان الروحية، عن طريق تجديد المناهج التربوية السائدة التي تسيّدت فيها مطالب الفكر المنفعية؛ بأن تصبح التربية متجذرة في المكون الروحي للإنسان وليست منحصرة في البناءات العقلية والنفسية والجسمية والاجتماعية فحسب.

Abstract

Abstract: This research illustrates the characteristics of the integral path between rationality and ethicalness towards good ethics. It considers the perspective of Ibn Arabi’s ethical heritage and the legitimacy of renewing this ethical thought in the context of a post–ethics culture. The research uses an analytical and comparative approach to this subject, analyzing the Ethical system of Ibn Arabi and exploring its methodological units, and demonstrating how rational science is an essential tool for pursuing ethics again. The research also examines Ibn Arabi’s methodology of drawing upon Greek ethical heritage. The research results demonstrate the legitimacy of establishing a dialectical dialogue between the ethical heritage of Ibn Arabi and the return of ethics. The research results serve to emphasize the

الكلمات المفتاحية:
  • ابن عربي
  • تخلق
  • ثقافة ما بعد الأخلاق
  • الموروث الأخلاقي اليوناني
  • قيم الإنسان الروحية
Keywords:
  • Ibn Arabi
  • Ethicalness
  • post–ethics culture
  • Greek ethical heritage
  • The spiritual component of man

Between Rationality and Ethicalness:

Ibn Arabi’s Path to Good Ethics?

المنهجية، وتَجْلية الكيفية التي بها تَك ون العلوم العقلية أداة أساسية لارتياض بمكارم الأخاق

من جديد. كما رصدت آلية ابن عربي المنهجية في كيفية الاستمداد من الموروث الأخاقي اليوناني. واستنتجت الدراسة مشروعية إقامة الحوار الجدلي بين الميراث الأخاقي لابن عربي وعودة الأخاق من جديد، وأهمية البحث في تجديد القيم الروحية المستمدة من ميراث ابن عربي الأخاقي في سياق ثقافة ما بعد الأخاق، التي بات فيها الإنسان المعاصر مُنْجَذبًا نحو عبادة اللذة

والفردانية المنكفئة. كما استنتجت أهمية الاعتناء بقيم الإنسان الروحية، عن طريق تجديد المناهج التربوية السائدة التي تسيّدت فيها مطالب الفكر المنفعية؛ بأن تصبح التربية متجذرة في المكون

الروحي للإنسان وليست منحصرة في البناءات العقلية والنفسية والجسمية والاجتماعية فحسب.

Professor of the Philosophy of Values and Knowledge at Setif University 2, and Editor–in–Chief of Namaa Journal.

importance of research in the renewal of spiritual values derived from the ethical heritage of Ibn Arabi in the context of post–ethical culture whereby contemporary man worships pleasure and individualism. It suggests the importance of taking care of human spiritual values by renewing the prevailing educational curricula, which are dominated by the demands of utilitarian thought so that education becomes deeply rooted in the spiritual component of man rather than being limited to mental, psychological, physical and social constructs.

أولا: في دواعي الاهتمام بالموضوع

لو أننا صورنا واقع الإنسان المعاصر في سياق ثقافة ما بعد الأخاق بتصوير جامع لقلنا إنه إنسان غافل، ومادة غفلته هي سَهوه عمّا هو موكَل إليه حقًا، وانغماسه في ملهيات أخرى تصرفه عن معالي الأمور وأقْومها، أو على التحقيق؛ تصرفه عن مادة حياته أو حياة قلبه، فهو على الظاهر قد تمكن من تسخير العالم لحاجاته، لكنه في الباطن اختار مسلك الغفلة وتغييب الذات عن القيم الروحية التي تعيد إليه الحياة. لذا تراه لا يتوقف عن طلب المشتهيات لنفسه، غير آبه بانقاب نتائجها عليه في القريب أو البعيد، متخذ ا من فكرة «الحق دليلً ووسيلة لمشروعية أفعاله»، حتى طار في العقول مفهوم جديد للإنسان هو «الحيوان المطال ب بالحقوق». ولو أن ظاهر هذه الكلمة فيِ مصلحة الإنسان، فإن باطنها هو طمس وحجب النور الروحي المبثوث فيه، وبيان ذلك أن الحق هنا قد أخذ معنى مائلً، لأنه يميل إلى المشتهيات أو الثقافة الاستهاكية ميلً بائنًا، ويَقترف من الأفعال ما

يجعله موصوفًا بالشرود والإخاد إلى أنموذج الحياة الزاحفة بدلً من الحياة العارجة؛ فالإنسان المعاصر ما بعد الأخاقي، قد وجد في فلسفة الحق دليل للعمل لا بموجب العقل، وإنما بموجب الغريزة النفسية التي لا تعرف للروح طريقًا، لأنها تشعر وتفكر من ذاتها، وتتأبَّى الخروج من هذه الحُجب النفسية الكثيفة التي أورثتها حركة الحداثة باعتبارها ذلك المزيج غير المسبوق تاريخيًا من الممارسات والصيغ المؤسساتية (العلم، والتكنولوجيا، والإنتاج الصناعي، والتمدين)، ومن الأساليب

(((يقول جيل ليبوفتسكي واصفًا عصر ما بعد الواجب أو العتبة الثانية من العلمنة الأخاقية «لم تعد إلزامات الواجب المغالية هي التي تغذي الثقافة اليومية، ولكن الرفاهية وحركية الحقوق الذاتية [...] لم نعد نقر بإلزامية أي ارتباط، إلا الارتباط بذواتنا»، انظر:

جيل ليبوفتسكي، أفول الواجب: الأخلاق غير المؤلمة للأزمنة الديمقراطية الجديدة، ترجمة البشير عصام المراكشي، سلسلة ترجمات 32 (بيروت: مركز نماء للبحوث والدراسات، 2018)، ص.14 (((من سمات الإنسان الغافل كما يرسم ذلك الحارث المحاسبي: طول الأمل، ونسيان ذكر المعاد إلا بالخاطر، والإعراض عن الخير، ومنها يتولد التسويف والوقوع في الآثام، أما الإنسان المتيقظ عكس الغافل فسماته هي: تقريب الأجل، ومراقبة الموت، والفكر فيما يصير إليه الإنسان بعد الموت، والاستغنام في كل ساعة من حياته قبل انقضاء أجله، انظر: أبو عبد الله الحارث

المحاسبي، بدء من أناب إلى الله ويليه آداب النفوس، تحقيق مجدي فتحي السيد (القاهرة: دار السام للطباعة والنشر والتوزيع

والترجمة، 1991)، ص 119، إضافةً إلى أبواب أخرى من الكتاب، انظر: ص 91،.93

الجديدة في العيش (الفردانية، والعلمنة، والعقانية الذرائعية)، وكذلك من أشكال التوعك الجديدة (الاغتراب، وانعدام المعنى، والإحساس بالتفكك الاجتماعي الوشيك). إن الإنسان المعاصر الذي يتشرب القيم النهائية لثقافة ما بعد الأخاق، وبخاصة قيمتا المُتعية

والنرجسية، قد استولت على مُلكه الأهواء وغل به الطبع الإنساني المائل؛ وهاتان الصفتان من طبيعتهما

حب الترؤُّس وحب التسيّد على القوى الروحية في الإنسان، وتم لهما ذلك التسيد مع ثقافة الإنسان

المعاصرة، ولو أننا أحببنا وصف هذه الثقافة لقلنا إنها الثقافة الغافلة التي ترأست فيها القوى الشهوانية وتسيّدت على الروح الإنسانية؛ لهذا، فإن الإنسان المعاصر في حاله الأخاقي لا يزال يرتسم عليه

وصف الحارث المحاسبي رغم تعاقب الأزمنة ف «هو مُحَارِف للتفريط، معتاد للبغي، مشغوف

بالتسويف، مجبول على الملل والنسيان، وهو موصوف بعدم العزم، مطبوع على الأمل، منعوت بالجزع عند الشدة، وبقلة الشكر عند النعمة، مولوع بالانخداع والاغترار». ولأجل هذه الحال، فإنه حقيق بنا المفاتشة عن الطرق التي بوساطتها نعيد إلى الإنسان المعاصر مادة حياته؛ أي أنْ يتيقظ ويتحفظ من جديد، ويتحرر من السهو الذي استغرق حياته، وبات حاكمًا على

أفكاره وأقواله وأفعاله، وكي تتحقق هذه البُغية، بأن ينهض هذا الإنسان من جديد، ويَهزم في مُلْكه هذا

الترؤس والتسيّد للقوى الشهوانية والأهواء، بأن يستبدل مكانها القوى الروحية، ويرسم المنهج الذي

تبقى بموجبه هذه القوى مستولية على الملك الإنساني من جديد، فإن الميراث الأخاقي لمحيي الدين بن عربي في طليعة المصادر الأساسية التي يمكن لها أن تنير الدروب للإنسانية من جديد، وذلك عن طريق الأخذ بيد الإنسان من حال الغفلة الطوعية إلى حال اليقظة القصدية. وما نأخذه من ميراث ابن عربي هو المنهج الذي رسمه لأجل بلوغ هذه القُصود، حيث إننا سنركز على دور العلوم العقلية في إحداث الارتياض من جديد على مكارم الأخاق؛ تلك المكارم التي غفل عنها الإنسان المعاصر وهجرها بحجة أنها إلزامية ومؤلمة وضيقة، وما درى أن هذه الأحكام التي ظاهرها العقل هي من موجبات التخيل لا من موجبات التعقل، ومن مستلزمات الوهم الذي يأتي في صورة العقل فيُلبس

على الإنسان الفعل العقلي الصحيح و الصائب. ولأجل فك عُقَد هذا الإشكال، فإننا نبسط الإشكالية

المركزية لبحثنا في الصورة الآتية: ما الكيفية التي تكون بوساطتها العلوم العقلية أداة لارتياض بمكارم الأخاق والاهتداء إلى الإنسان المتيقظ في منظور الميراث الأخاقي لابن عربي؟ وعن هذه الإشكالية المركزية تتوزع تساؤلات جزئية أخرى نصوغها في الآتي:

(((تشارلز تايلر، المتخيلات الاجتماعية الحديثة، ترجمة الحارث النبهان، مراجعة ثائر ديب، سلسلة ترجمان (الدوحة؛ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.11 (((المحاسبي، ص.120 (((يستخدم ابن عربي هنا مجاز المُلك لإجراء مماثلة بين التدبير السياسي والتدبير الأخاقي؛ فالروح هي خليفة على البدن،

والعقل مستشارها، والأمير المُنازع هو الهوى، ووزير الهوى هو الشهوة، وأصل الفتن والحروب طلب الرئاسة على هذا الملك

الإنساني بين الروح والهوى.

• ما مدلول العلوم العقلية ومكارم الأخاق والارتياض في الميراث الأخاقي لابن عربي؟ • كيف رسم ابن عربي طريق الارتياض بمكارم الأخاق ومنهج التدرج في محمود الغايات متوسلً في ذلك بالعلوم العقلية وعلوم الحقائق؟ • ما العلوم العقلية التي قصدها في هذا المقام؟ وما ثمرات هذا الارتياض بالعلوم العقلية على صورة الإنسان الجديد؟ وما مدى مشروعية وصدقية القول بأن غَفْلَة الإنسان المعاصر تجد عاجها الجذري من الميراث الأخاقي الأكبري؟

ثانيًا: مفاهيم الدراسة ومعانيها

إن ما يجب الإشارة إليه، قبل صَرْف القول إلى بسط مفاهيم الدراسة، أننا لن نخوض في المعاني على

طريقة المعاجم في البحث في المدلولات اللغوية، أو تعديد المعاني في الاصطاحات العلمية السائدة، وإنما سنقتنص المعنى الخادم للمسار العام للإشكالية، والمعنى الذي نظفر به من سياق النسق العلمي العام الذي تنتمي إليه أقوال ابن عربي نفسه، لأن الغرض هو فقه المعاني للكلمات الواردة، كي تعين القارئ من البداية على فهم المبنى الذي تقصده هذه الدراسة.

1. العلوم العقلية

تتداول هذه العبارة المركبة في مجالات تصنيف العلوم، ولأن موضوعنا هو وصف العبارة وشرحها، فلن نتجه إلى سياق تحميد العلوم أو تذميمها، بل إننا نتقصدُ الغرض من وضع هذه العبارة، وبخاصة أنها، أي العلوم العقلية، مفهوم قلق تارة، واحتجاجي تارة أخرى؛ أي إنه أداة نقد لمنظومة العلوم

النقلية، وعليه، فإن العلوم العقلية والعلوم الح كْمية والفلسفية ألفاظ متقاربة في استعمالاتها العديدة؛ يقول ابن خلدون إظهارًا لهذه الفكرة: «وأما العلوم العقلية التي هي طبيعية للإنسان من حيث إنه ذو فكر، فهي غير مختصة بملة، بل يوجد النظر فيها لأهل الملل كلهم ويستوون في مداركها ومباحثها. وهي موجودة في النوع الإنساني، منذ كان عمران الخليقة، وتسمى هذه العلوم علوم الفلسفة والحكمة»، وإذ عرف هذا كما جاء في النص المذكور فإننا نستنتج ما يلي: • العلوم العقلية اختصاص إنساني بوجه لا يشاركه فيه غيره من الموجودات الطبيعية، فرغم أن الإنسان هو آخر الموجودات الطبيعية، فإنه أول الموجودات العقلية التي اختصت بهذا التركيب بين التكوين الطبيعي والتكوين الروحي، فالميزة بهذا أن باطنه مشتمل على كل إمكانات الكون الكلي؛ ذلك أنه حقق في ذاته، ككون أصغر، انعكاسًا لصفات الكون الأكبر.

(((عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، اعتناء ودراسة أحمد الزعبي (بيروت: دار الأرقم، 2006)، ص.531 (((سيد حسين نصر، ثلاثة حكماء مسلمين: السهروردي، ابن سينا، ابن عربي، ترجمة عمر نور الدين (القاهرة: آفاق للنشر والتوزيع، 2019)، ص.164

• الاستواء في التوزيع العادل لهذه الأفعال العقلية، وفي هذا يقول الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت Descartes. R: «إن العقل هو أعدل أشياء الكون توزعًا بين الناس [...] والمقدرة على الحكم الجيد،

والتمييز بين الحقيقة والخطأ، وهي ما يسمى على وجه التحديد صوابًا أو عقل، متكافئة بالطبع لدى

جميع الناس، وكذلك على أن تنوع آرائنا لا يحصل من كون البعض أكثر تعقل من البعض الآخر، بل من كوننا نسوق أفكارنا على دروب مختلفة». • وُفور هذه العلوم بحسب وفور العمران في الأمم؛ فابن خلدون يُجري ترابط ا سببيًا بينهما؛ إذ إنها لا

تتوافر في مرحلة البداوة ابتداءً، بينما تتراكم تبعًا لتراكم العمران ووُفوره. وإذ تبين لنا الوصف الكوني للعلوم العقلية من حيث هي منزع عقلي إنساني يولد العلوم الكونية كذلك، فالأحرى أن نتساءل: ما الذي يقابل هذه العلوم المسماة عقلية؟ وهل هذه المقابلة توجب التعارض والضدية التنافرية أم أنها في تداخل معرفي مع ما يقابلها من العلوم الأخرى؟ يشير أبو الحسن العامري إلى صنف العلوم العقلية أو الحكمية بالقول: «وأما العلوم الحكمية فهي تفتن أيضًا إلى صناعات ثاث: إحداها حسية: وهي صناعة الطبيعيين، والثانية عقلية: وهي صناعة الإلهيين، والثالثة مشتركة بين الحس والعقل: وهي صناعة الرياضيين، ثم صناعة المنطق تتنزل من الصناعات الثاث منزلة الآلة المعينة عليها». والمُابس لهذه الصناعات لا يقل قيمة عن المُابس

لصناعات العلوم الملية، ولا يوجد بينها وبين هذه الأخيرة مدافعة أو عناد؛ إذ إن فوائدها، أي العلوم العقلية، بحسب ما يرى العامري هي: • الأنس باستكمال الفضيلة الإنسانية، باستيائه على حقائق الموجودات، والتمكن من التصرف عليها. • الخلوص إلى مواقع الحكمة فيما أنشأه الصانع جل جاله، من أصناف الخليقة، والتحقق لعللها ومعلولاتها، وما تتصل به من النظام العجيب، والرصف الأنيق. • الارتياض في مطلب البرهان على الدعاوى المسموعة، والسامة من وصمة التقليد للمذاهب الواهية. يظهر، إذ ا، أن العلوم العقلية متعددة في موضوعاتها، وأن غرضها متكامل: فهو أخاقي وعلمي ومنهجي؛ فالأول مداره التحلي العملي بالأخاق الفاضلة التي يوجبها العقل، والثاني علمي تجريبي مداره اكتشاف القوانين الطبيعية، والثالث منهجي مداره إتقان المنهج المنطقي والميزان المعرفي الذي يعرف به صحيح الفكر من خطئه، ويعرف به باطل الاعتقاد من حقانيته، وخير الأفعال من شرها.

(((رينيه ديكارت، حديث الطريقة، ترجمة وشرح وتعليق عمر الشارني (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2008)، ص.42–41 (((أبو الحسن العامري، كتاب الإعلام بمناقب الإسلام، تحقيق أحمد عبد الحميد غراب (الرياض: دار الأصالة للنشر والثقافة والإعام، 1988)، ص.81 (((1 المرجع نفسه، ص.83

أما إذا صرفنا النظر إلى أبي حامد الغزالي، فإننا نجده، بعد أن قسم العلوم إلى قسم شرعي وآخر عقلي، وقسم الشرعي إلى أصول هي: علم التوحيد والتفسير وعلم الأخبار، وإلى فروع أو علم الفروع العملي وهي: حق الله تعالى، وحق العباد، وحق النفس، وقسم أيضًا العلم العقلي وجعله في

ثاث مراتب هي: العلم الرياضي والمنطقي، والعلم الطبيعي، والعلم الإلهي، فإننا نجده يقول قولً غير معهود فيما يخص العلم العقلي، ووجه هذا ناحظه من حيث دمجه للعلم العقلي في التصوف؛ إذ يقول الغزالي مبينًا هذه الحقيقة: «اعلم أن العلم العقلي مفرد بذاته ويتولد منه علم مركب يوجد فيه جميع أحوال العلمين المفردين، وذلك العلم المركب علم الصوفية، وطريقة أحوالهم، فإن لهم علمًا

خاصًا بطريقة واضحة مجموعة من العلمين وعلمهم يشتمل على الحال، والوقت والسماع والوجد

والشوق والسكر والصحو والإثبات، والمحو، والفقر، والفناء، والولاية والإرادة، والشيخ والمريد، وما يتعلق بأحوالهم مع الزوائد والأوصاف والمقامات». وهنا يعتبر الغزالي أن التصوف من العلوم العقلية حال تَركبها لا انفرادها، ووجه هذا الإقرار، فيما يظهر لنا، أن التصوف من العلوم العقلية العملية، فالعقل كما يتعين في الممارسة الإسامية بخاصة في قطاعها الصوفي، ليس أداة معرفية منفصلة عن التقويمات الأخاقية العملية، بل إن معناه لا يكتمل، وصورته لا تتضح، إلا بعد أن يكون الإنسان جامعًا في سلوكه بين أفعال القلب وأفعال الجوارح، ومن دمج بينهما في سلوكه فهو العاقل

على الأتم. إذًا، يظهر لنا أن العلوم العقلية لها وجه نظري ثمراته هي علوم الطبيعة والرياضيات والعلم الإلهي، وآلة هذه جميعًا هي الآلة المنطقية، ووجه عملي ثمراته هي علم الأخاق والتصوف وسياسة النفس.

2. الارتياض

يتخذ لفظ الارتياض مدلولً عقليًا وآخر أخاقيًا، فالأول هو تحصيل الدربة على التحرر من

التخيات والأوهام، والرجوع في الأحكام إلى القوة العقلية المسنودة بالوحي الإلهي وحدها؛ كي لا يقاد الإنسان بالأوهام والتخيات، والثاني هو الرياضة الروحية وتكرار الأفعال المحمودة وتَكلف اقترافها كي تصبح هذه الأفعال راسخة وثابتة تصدر عن النفس بسهولة ويسر. فالارتياض تبعًا للشق الثاني من المدلول، يدخل في باب الوسائل التي تُكتسب بها الأخاق، وبيان ذلك «أن

التدريب العملي والممارسة التطبيقية ولو مع التكلف في أول الأمر، وقسر النفس على غير ما

تهوى، من الأمور التي تُك سِب النفس الإنسانية العادة السلوكية، طال الزمن أو قصر [...] وحين تتمكن في النفس تكون بمنزلة الخُلق الفطري، وحين تصل العادة إلى المرحلة تكون خلقًا مكتسبًا، ولو لم تكن في الأصل الفطري أمرًا موجودًا». وثمة استعمال لفظي آخر متقارب في

المبنى وفي المعنى على حد سواء، هو لفظ الرياضة، وفي هذا جاء شرح الرياضة عند ابن عربي بالقول إنها: «تهذيب الأخاق وترك الرعونة وتحمل الأذى [ومعنى (تهذيب الأخاق) تنقيتها

(((1 أبو حامد الغزالي، مجموعة رسائل الإمام الغزالي (بيروت: دار الفكر للطباعة والتوزيع، 2003)، ص.230 (((1 عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، الأخلاق الإسلامية وأسسها، ج 1 (دمشق: دار القلم، 2011)، ص.208

وتطهيرها مما لا يليق بها و (ترك الرعونة) وهي المحق والاسترخاء والعجلة (وتحمل الأذى) الذي يصدر عن الخلق والعفو عنه والاستغفار لهم»]. وقد جاء في حدها أيضًا «تمرين النفس لإثبات حسن الأخاق، ودفع سيّئها، وبهذا اختصاص عمل التصوف»، أو على حد تعبير الغزالي:

«وأما الرياضة فهي تمرين النفس على الخير ونقلها من الخفيف إلى الثقيل باللطف والتدريج إلى أن ترتقي إلى حالة يصير ما كان عنده من الأحوال والأعمال شاقًا سهلً». والافت للنظر هنا

اختصاص الرياضة بالجانب الأخاقي أكثر من الجانب العقلي، وهذا يبدو قول مقصودًا، يجد أصله في أن العمل بالأخاق يوسع المدارك العقلية وينمي التفكر الإنساني بما لا ينميه العقل المجرد، وانطاقًا من هذا المعنى للرياضة، الذي تصفو فيه النفس كي تكون مؤهلة لتلقي المعاني وانتقاش صور العلوم فيها، يساند هذا الفعلَ، أي الارتياض والرياضة، فعلٌ آخر هو المجاهدة،

الذي يحمل في معناه بذل الجهد في المستوى العقلي، أي الاجتهاد، وبَذْلُه في المستوى الإرادي،

أي الجِهاد، وفي هذا يقول محمد بن عجيبة شارحًا مفهوم المجاهدة من حيث إنها «فطم النفس

عن المألوفات وحملها على مخالفة هواها في عموم الأوقات، وخرق عوائدها في جميع المجالات [...] وهي ثاث: مجاهدة الظواهر بدوام الطاعات وكف المنهيات، ومجاهدة البواطن بنفي الخواطر الرديئة، ودوام الحضور في حضرة القدسية، ومجاهدة السرائر باستدامة الشهود وعدم الالتفات إلى غير المعبود». وإذ تقرر هذا، فنحن جديرون بأن نصرف القول إلى أن الارتياض، أو المجاهدة، أو الرياضة، يتنزل كل منها ضمن نسق العمل التزكوي، الذي ينبني على اعتبار أن للقوة الروحية الأثر الأعمق في نفس الإنسان، فهي التي تكشف غطاء النفس وتأخذ بيد الإنسان من الجذب الطيني إلى الجذب الروحي، وفي هذه الحال تكون القيمة الحقيقية للإنسان، لأنه صَير الروح خليفة على النفس وسائسة لها،

والنفس باتت حركتها أو سكونها استجابة لما توجبه الروح من ترقٍّ في قيم الإيمان، التي ترتفع بدورها بالوجدان والسلوك إلى الهيئة الأخاقية المحمودة.

3. مكارم الأخلاق

تتباين معاني العبارة المركبة «مكارم الأخاق» من حيث ما تحتويه من قيم خلقية محمودة، وقلما نجد من يقف على حقيقتها ومعناها على طريقة الحد المنطقي أو الرسم التعريفي، ونجد في المقابل من

(((1 محيي الدين محمد بن علي بن عربي وعبد الكريم بن إبراهيم الجيلي، الإسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من

الأنوار: المتن، وهو «رسالة الأنوار» للشيخ الأكبر محيي الدين محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عربي الحاتمي الطائي، والشرح، وهو «الإسفار» للعارف بالله تعالى الشيخ عبد الكريم بن إبراهيم الجيلي، صححه وضبطه وعلق عليه عاصم إبراهيم الكيالي (بيروت: دار الكتب العلمية، 2004)، ص 95، الكام الوارد بين معقوفين من شرح الجيلي. (((1 أحمد زروق البرنسي الفاسي، قواعد التصوف على وجه يجمع بين الشريعة والحقيقة ويصل الأصول والفقه والطريقة، تحقيق عثمان الحويمدي وحسن السماحي سويدان (بيروت: دار وحي القلم للطباعة والنشر والتوزيع، 2004)، القاعدة رقم 6، ص.78 (((1 الغزالي، ص.149 (((1 أحمد بن محمد بن عجيبة، معراج التشوف إلى حقائق التصوف، تحقيق نجاح عوض صيام (القاهرة: دار المقطم للنشر والتوزيع، 2015)، ص.25

يعددُ فوائدها ويكثر من الإشادة بها، من أنها ضرورية وأساس العاقات الاجتماعية بين الإنسانية التي لا يمكن حصرها في تبادل المنافع الاقتصادية من غير مكارم الأخاق. والقول الأكثر معقولية أن استخدام «مكارم الأخاق» يراد به الأخاق المحمودة التي يؤسس لها الشرع ويقتبسها العقل، ومن ثمة جرى وضع هذا المصطلح لكي يكون معبرًا عن الفضائل الأخاقية المحمودة، بما أن لفظ الخُلق

يدخل في معناه كل من الصفات السيئة والصفات الحسنة التي تصدر عن الحال أو الهيئة التي عليها الصورة المعنوية للإنسان. والقارئ لما جاء في المدونات الأخاقية يتلمّح هذا الإظهار لمكارم الأخاق من حيث تعديد الأفعال

وليس من حيث استقراء الماهيات، مع إجراء المفتتح في الغالب بالإشارة إلى الحديث النبوي الشريف «إنما بعثت لأتمم مكارم (وفي رواية) صالح الأخاق»، ثم الانتقال إلى جمع هذه المكارم في أفعال حميدة يكون الغرض من الإشارة إليها دفع النفس إلى التحلي بها واكتسابها كي تصبح عادة وسجية، ومثال ذلك ما جاء في كتاب الطبراني مكارم الأخلاقالذي جعل المكارم في أبواب وقال: «هذه أبواب في مكارم الأخاق التي ينال بها المؤمن الشرف في حياته، ويرجو فيها النجاة بعد موته [ومن هذه المكارم الواردة في صيغة أبواب]: فضل تاوة القرآن وكثرة ذكر الله والصمت إلا من خير، وحب المساكين ومجالستهم، وحسن الخلق، وفضل لين الجانب وسهول الأخاق وقرب المأخذ والتواضع، وفضل الانبساط إلى الناس ولقائهم بطاقة الوجه، وفضل الرفق والحلم والأناة، وفضل الصبر والسماحة، وفضل من يملك نفسه عند الغضب». ويسلك أبو حامد الغزالي مسلك تعديد المكارم أيضًا لما يكون حديثه في بيان مكارم الأخاق: «مكارم الأخاق من أعمال أهل الجنة قول لطيف يتبعه فعل شريف، مكافأة المحسن بأكثر من إحسانه، صاحب مكارم الأخاق هو الذي لا يحوجك أن تسأله ولا يزال يعتذر ضد اللئيم الذي لا يزال يفتخر، والتغافل عن زلل الإخوان والمسارعة في قضاء حوائجهم وطرح الدنيا لمن يحتاج إليها». وبين من هذا القول أن المكارم هي الصفات الحسنة التي تصدر من النفس الإنسانية، وبين أيضًا أن المكارم ليست معاني جامعة مانعة، أو أبوابًا يمكن حصرها في قيم أخاقية مرسومة،

بل هي لامتناهية من حيث تجليها، وهنا لا بد من الوعي بأن نظام الأخاق في الإسام قد أعرض عن نظرية الفضائل الأخاقية اليونانية المحصورة في أربع، وهي: العفة والشجاعة والروية والعدل، ورسم نظام الأخاق رسمًا مفتوحًا ممدودًا، والمسوغات التي شرعت لهذا الاعتبار هي على

التوالي: • الأولى، أن الأخاق هي بعدد أفعال الإنسان، فلما كانت هذه الأفعال أكثر من أن تحصى، كانت الأخاق مثلها لا تُحصى.

(((1 رواه البخاري في الأدب المفرد تحت رقم 273. (((1 أبو القاسم الطبراني، مكارم الأخلاق، تحقيق فاروق حمادة (دمشق: دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع،.)2010 (((1 الغزالي، ص.156

• الثانية، أن الفعل الخلقي الواحد ليس رتبة واحدة، بل هو رتب متعددة، قد لا تقف عند حد مثلً، الصبر، وصبر الصبر، القوة وقوة القوة وغيرها، بمعنى أن يتولد من الفعل الخلقي فعل آخر يختلف عنه في المرتبة. • الثالثة، أن الأخاق هي طريق إدراك معنى الامتناهي، وليس التعداد كما ساد بذلك الاعتقاد؛ ذلك أنه لما كانت أفعال الإنسان لا تتناهى، ورتبها هي الأخرى لا تتناهى، صار الشعور بهذا المعنى في عموم هذه الأفعال أقرب إلى الإنسان منه في أفعال مخصوصة كأفعال الحساب. وهذا الاختصاص بانفتاحية الأخاق عكس حصرها في الفضائل الأربع، كما هي في الأخاق اليونانية، كان قد لاحظه ابن عربي في تناوله لسؤال الكم في عدد الأخاق في الفتوحات المكية، لما كان السؤال «كم خزائن الأخاق؟ الجواب على عدد أصناف الموجودات وأعيان أشخاصها، فهي غير متناهية من حيث ما هي أشخاص، ومتناهية من حيث ما هي خزائن، وسميت خزائن لكون

الأخاق مخزونة فيها اختزانًا وجوديًا وإنما جعلت خزائن لما تتضمنه في حُكْمِ من اتصف بها من

الصفات التي لا نهاية لوجودها». وجلي هنا، التمييز بين المرتبة الوجودية للأخاق، والمرتبة العيانية للأخاق، ثم إن ابن عربي يأخذ في تقسيمه لهذه الخزائن إلى: خزائن لها تعلق بالذات أو الأخاق في صورتها الأصلية الكاملة أو الذوات من حيث هي ذوات، والثانية خزائن تترابط مع النسب الموجبة للأسماء من حيث هي نسب، والثالثة خزائن لها تعلق بالأفعال من حيث ما هي أفعال،

والقول الكاشف لهذا هو أن للأخاق وجودًا موضوعيًا مستقلً؛ وترابطًا في صورة الصفات وما توجبه

على الأعيان، والفعل بين تحليه بالأخاق وبين بعده عنها. وهذه المراتب تتكاثر وتتوالد بصورة لامتناهية في حياة الإنسان، وهذا هو السر في اعتبارها لامتناهية، وتعالقها مع الموجودات كلها، فالقول بالطابع الامتناهي للأخاق والطابع الاتساعي لها، يحررها من النظرة الفلسفية اليونانية التي تتركز فيها الفضائل على الإنسان، أو أن فضائلها تجعل الإنسان هو مركز الدائرة ومحور المحيط، وهذا مخالف لروح الثقافة الإسامية، التي تجعل الإله هو مقياس الأشياء جميعًا وليس الإنسان، ومن ثمة

وجب صرف القول إلى أن روح الخافة كما تستبين، هي الاقتداء والتشبه بأفعال الإله على قدر وُسْع

الإنسان وبما يكون مخصوصًا بطبيعته الإنسانية النسبية في مقابل الوجود الإلهي المطلق في الذات

وفي الصفات. يتضح مما سبق، أن المكارم لا تطلق إلا على الأفعال الأخاقية المحمودة، التي تترقى بها نفس الإنسان من حضيض الإخاد إلى الأرض إلى يفاع التزكية والإنماء لدوافع الخير، أو من الميل إلى دواعي الطبع وقوى النفس الشهوانية والغضبية إلى موجبات نور العقل وإشراق شمس الروح، لكي تتحقق بذلك الصورة الحقيقية للإنسان، وهي صورة الإنسان المتيقظ المتحكم في قواه الغضبية والشهوانية، والمستحق للرئاسة وللحكمة.

(((2 طه عبد الرحمن، سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية (الدار البيضاء؛ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2011)، ص.55 (((2 محيي الدين بن عربي، الفتوحات المكية، مج 1 (بيروت: دار صادر، [د. ت.])، ص.72

ثالثًا: الطريق نحو تقوية النفس الناطقة بالعلوم العقلية

1. في استثمار الموروث الأخلاقي اليوناني

ثمة ما يجب الإقرار به، ونحن في طريق تقوية النفس الناطقة بالعلوم العقلية ومنهج التدرج نحو اكتساب محمود الصفات، وهو تقريب النظام الأخاقي اليوناني إلى مجال التداول الإسامي، متوسلين بآليات تحرير الموروث اليوناني من الصفات المثالية، وإلباسه الصفات العملية، ومثال ذلك أن تلك الثنائية اليونانية السائدة: النظر والعمل، أو العقل النظري والعقل العملي، قد صيرها العقل الإسامي ثنائيةً جديدة هي: أعمال القلوب وأعمال الجوارح، فالقُلوب محل للإيمان، والجوارح للأعمال؛ ذلك «أن جميع التكاليف الشرعية التي تعبد بها الإنسان في خاصة نفسه ترجع إلى نوعين: أحكام تتعلق بالأعمال الظاهرة، وهي أحكام العبادات والعادات والمتناولات، وأحكام تتعلق بالأعمال الباطنة، وهي الإيمان وما يتصرف في القلب، ويتلون به من الصفات، إما المحمودة: كالعفة والعدل والشجاعة والكرم والحياء والصبر، وإما المذمومة: كالعجب والكبر والرياء والحسد والحقد. وهذا النوع أهم من الأول عند الشارع، وإن كان الكل مهمًا، لأن الباطن سلطان الظاهر المستولي عليه،

وأعمال الباطن مبدأ في الأعمال الظاهرة، وأعمال الظاهر آثار عنها، فإن كان الأصل صالحًا كانت

الآثار صالحة، وإن كان فاسدًا كانت فاسدة». ومقتضى هذا أن «التوحيد أصل، والعمل فرع، فإذا اتفق في الفرع شيء يفسده ويهلكه جبره الأصل كالعصاة، وإذا خرب الأصل لم يصلحه بجبره الفرع كالمنافق». فهنا تازمية بين الإيمان (التوحيد؛ أفعال القلوب) والعمل (السلوك؛ أفعال الجوارح)، فالكل هنا بات فعلً تتقوم به الذاتية الإنسانية، وتتكامل فيما بينها الفعاليات الإدراكية، مؤدية إلى الإنسان النموذجي المؤمن العامل. وهذا القانون الكلي انعكس على مسالك الأخاقيين في المعرفة الإسامية، التي وصلت الآصرة الشديدة بين الاعتقادات والعبادات والمعامات والمزاجر، وبين أبعادها الأخاقية التي تورثها في السلوك، ثم رسمت مراتب الارتقاء بهذا السلوك من أحواله الاعتيادية إلى مقاماته الارتقائية التي تصله في الأخير بالسجود الاقترابي من الله سبحانه وتعالى، وبيان ذلك أن صفة القراءة التي اختص بها الإنسان، إن لم تُوصل هي إلى الربط والاتصال فهي قراءة قد انحصرت في العالم الحسي، من غير أن تترقى؛ لكي تستنبط المعاني الروحية المازمة لهذا الوجود الحسي، لهذا كان الإنسان دومًا مخلوقًا

(((2 لتحصيل نظرة عن آليات تقريب الموروث الأخاقي اليوناني إلى قطاعات الثقافة الإسامية، انظر: طه عبد الرحمن، تجديد

المنهج في تقويم التراث، ط 2 (الدار البيضاء؛ بيروت: المركز الثقافي العربي، [د. ت.])، الفصل الرابع: «التقريب التداولي لعلم الأخاق اليوناني»، ص 381. ومما جاء في الكتاب المذكور، أن «عناية المسلمين بالأخاق كانت تدعو إليها أسباب مختلفة: منها الدعوة إلى مكارم الأخاق التي جاء بها الشرع الإسامي؛ ومنها أيضًا التوجه العملي للمعرفة الإسامية الذي يجعل أهلها يتأثرون بما

كان من العلوم المنقولة متعلقًا بالعمل أكثر من تأثرهم بما كان منها نظريًا، ومنها الاعتقاد في وجود كليات عملية فطرية»، ص.388 (((2 عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، شفاء السائل وتهذيب المسائل، تحقيق محمد مطيع الحافظ (دمشق: دار الفكر؛ بيروت: دار الفكر المعاصر؛ القاهرة: دار النهضة العربية، 1996)، ص.37 (((2 محيي الدين بن عربي، التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية، تحقيق محمد عبد الحي العدلوني (الدار البيضاء: دار الثقافة، 2015)، ص.111

قارئًا، يتجدد بالقراءة، ويتسع علمه بالقراءة، ويستقيم سلوكه بالقراءة ويصل إلى الله بالقراءة، وإذا تعطلت هذه الوظيفة الجوهرية، أي وظيفة القراءة، فإن المآل هو انحسار الإدراك والمعرفة، وتضييق الوجود الكوني والإنساني، والدخول في ظام نسيان مشاهدة الملكوت الأعلى، وفقدان القوة على مخالفة الشهوات، وقلة التفكر في يوم الفصل والجزاء، ولهذه الترابطية الوثيقة بين القراءة ومعرفة الله، انتقد ابن عربي الفاسفة عندما أخطؤوا في نقطة الانطاق لما كان بصدد تحليل مفهوم الفلسفة باعتبارها محبة للحكمة «فلو طلبوا الحكمة من الله لا من طريق الفكر أصابوا في كل شيء». وإذ تبين لنا هذا الأمر، فإننا نصرف السعي إلى ابن عربي الذي هو من الأخاقيين الذين استثمروا مفاهيم الفلسفة الأخاقية اليونانية في وصف قوى الإنسان، وفي رسم طريق الارتياض بمكارم الأخاق مع تحريرها من الإحالات اليونانية الإنسانية، والاعتراف بقيمتها، ومعاندة من يعترض على هذه التعاليم الأخاقية؛ بدعوى أن قائلها هو الفيلسوف، وأن الفيلسوف لا دين له، يقول ابن عربي: «إذ الفيلسوف ليس كل علمه باطل، فعسى تكون تلك المسألة فيما عنده من الحق ولا سيما أن وجدنا الرسول – عليه السام – قد قال بها ولا سيما فيما وضعوه من الحكم والتبري من الشهوات ومكايد النفوس وما تنطوي عليه من سوء الضمائر، فإن كنا لا نعرف الحقائق ينبغي لنا أن نثبت قول الفيلسوف في هذه المسألة المعينة وأنها حق». وإن هذه المقدمة المنهجية التي وضعها ابن عربي في كيفية تعاطيه مع النقل الفلسفي اليوناني، تجد أسمى تجل لها في تناوله للأخاق وكيفية الارتياض بمن قعد ولم يتحقق بالفضائل الأخاقية التي تجعل من نفسه الناطقة حاكمًا على نفسه الشهوانية ونفسه الغضبية، في استبصاره لصورة الإنسان

الأصلية المنسية. إن آلية التعاطي مع الموروث الفلسفي اليوناني هنا كانت آلية تقريبية تشغيلية، بما يحقق القصد ضمن النسيج الضام للمشروع الأخاقي، وهنا تظهر القُدرة التقريبية والموهبة التركيبية التي رسم بها ابن

عربي معالم الفِقه الروحي الأكبري، بخاصة الأنساق الأخاقية الروحية منها؛ حيث نجد في متنه «مذاهب تنتمي إلى الرواقية وفيلو والأفاطونية الجديدة ومدارس قديمة أخرى، وقد عكف على تأويلها ميتافيزيقيًا، وأدمجها في بانوراما حكمة ابن عربي الإلهية. وقد كان عقله بلورة تعكس المذاهب

العرفانية والعلوم الكونية وعلم النفس والطبيعة في إهاب ميتافيزيقي شفيف يكشف عن المفصل الذي يدور حوله كل صور حكمة الأولياء والحكماء مثل الجذر الذي يغذي كل شيء، وكل مقامات الحقيقة المغمورة في الربوبية». ولن يتحقق بهذه الخصيصة المنهجية الثاقبة، إلا من كان يمتلك

رؤية منهجية أو منظورًا معرفيًا جليًا لديه، فيأخذ من البنيات الأخاقية ما يخدم القَصْد ية الأنطولوجية

والأخاقية الكامنة في مشروعه، وهذا على التحقيق ما كان ابن عربي يطبقه مع الأنساق الفلسفية

(((2 ابن عربي، الفتوحات المكية، مج 1، ص.523 (((2 المرجع نفسه، ص.32 (((2 نصر، ص.139

والتشريعات الأخاقية التي أقام بينها وبينه حوارًا جدليًا مثمرًا، وهو بهذا الإجراء المنهجي يسكن في

أرض العقانية المعاصرة التي من سماتها المنهجية «المفاهيم الرحالة» nomades les concepts، التي تسافر من نسق علمي لكي تقيم في نسق علمي آخر، أو يجري الأخذ بقيمة خلقية من سياق تاريخي ومعرفي إلى سياق تاريخي ومعرفي يفرضان تحديات ثقافية جديدة. وتسري هذه المنهجية عيْنُها مع ابن عربي في اعتبار السياسة مفهومة بمعنى التدبير العقاني الحَصيف؛

هي القناة التي بامتاكها يستطيع الإنسان إدارة حياته، بما يتوافق وقانون الاعتدال الذهبي بين قواه العقلية والغضبية والشهوانية، بأن تكون البواعث النفسية (الغضبية والشهوانية) مُسخَرة في يد القوة

العاقلة التمييزية، ولو أن ابن عربي كاشفَ حدود الفكر التمييزي الذي تميزت به الثقافة اليونانية، ونَظ ر

دومًا إلى الفكر بمعيار العقل أو النور الأضوى الذي يُشرق من مكابدة الأعمال وتَجرع آلام المجاهدة

الخلقية كي تصفو النفس وتتطهر من رذائلها وتستكمل سفرها من موطن إلى آخر، فإنه كان دومًا ينطلق من رؤيته التي عمادها «أن الفكر يقوم على مبدأ الحركة والتقلب والتحول، لا على الثبات والاستقرار، كما هو الحال لدى تيار كبير من الفاسفة، فالفكر الذي ينتصر للحركة والتقلب في كل شيء: في الموجودات والصفات والأحوال والصور والمقامات والجواهر والماهيات، بل وحتى في الله ﴿كل يوم هو في شأن﴾ هو أحرى بأن يكون فكرًا منفتحًا على مغامرات الحرية بأكثر أشكالها

جذرية وغرابة». وهذا ما يجعل منظور ابن عربي للعقل يفارق المنظور الجوهراني الثابت الذي تميزت به الثقافة اليونانية، والمُنْحَص ر في مفارقة الحيوان والاختصاص بالمعرفة، فالعقل فاعلية

متواصلة ومنفتحة ومتقلبة، ومُتصَال بَة مع العمل والأحوال الوجدانية، ومن ثمة، فحركة العقل وقوتهِ

وتواصله جميعها مشروط بالعمل الروحي الوجداني الذي يُجدد جمود العقل ويحرر الفكر من

إنتاجاته المعرفية، التي متى رجعت إلى قوة العقل كانت ك «الحمم البركانية» في حالة غليانها، أما إذا توقفت عند معارفها وركنت إلى الفكر وحده، بردت وتصلبت. وهنا، لا بد من القول إن ميزة ابن عربي هنا، تتجلى في تلك الذائقة المنهجية الطريفة، التي اقتدرت على إعادة صهر تلك المكونات المتعددة في تركيبة إبداعية خاقة (اختصاص الإنسان بالتمييز العقلي، والرمزيات الروحية اليونانية، والثقافة القرآنية، والرياضة الروحية)؛ «لأن منطق الفكر الأكبري يمنعنا من استبعاد أي حد من حدي هذه الأسئلة [أو المكونات] ولا أي جانب من هذه الاحتمالات المفترضة، لأن النفي الصارم الذي يؤول إلى العدمية، والإيجاب الجازم الذي ينتهي إلى الوثوقية، ليسا من شيم الفكر الأكبري القائم على القلب والتقلب. فقد كان يقول إن التجلي المتكرر في الصورة الواحدة لا يُعَولُ عليه، وإن الإقامة على حال واحد نفَسين فصاعدًا لا يعول عليه عند أكابر الرجال،

فابن عربي لا يمكن أن ينتمي لا لأصحاب نعم [أي النظر والبرهان] ولا لأصحاب لا [أي مفارقة النظر

(28) Isabelle Stengers (ed.), D’une science à l’autre: Des concepts nomades (Paris: Seuil, 1987).

(((2 محمد المصباحي، «الحرية بما هي أعلى تجليات العبودية عند ابن عربي»، الفكر العربي المعاصر، العدد 159–158 (2012)، ص.25

نحو الكشف والفيض الإلهي] لأنه يفضل أن يوجد في برزخ بينهما، متمتعًا بمقام الحيرة، التي كلما

زادت حدتها ازداد كمال الإنسان».

2. الوسائل العقلية والسلوكية لتحرير الروح

في البدء؛ يقيم ابن عربي ثنائية تقابلية بين وصفين للإنسان هما: الاسترسال مع الطبع واستعمال الفكر والتمييز، «وذلك أن الإنسان إذا استرسل مع طبعه، ولم يستعمل الفكر، ولا التمييز، ولا الحياء، ولا التحفظ، كان الغالب عليه أخاق البهائم، لأن الإنسان إنما يتميز عن البهائم بالفكر والتمييز. فإذا لم يستعملها كان مشاركًا للبهائم في عاداتها، والشهوات مستولية عليه، والحياء غائب عنه، والغضب يستنفره، والسكينة غير حاضرة له، والحرص والأحقاد ديدنه، والشر لا يفارقه، فالناس مطبوعون على الأخاق الردية، منقادون للشهوات الدنية». وجلي هنا الأخذ بالذاتية المقومة للإنسان من حيث هو كائن عاقل، وهذا العقل ليس هو على طريقة الرسم اليوناني جوهرًا قائمًا بالإنسان، تنحصر فاعليته في

التفكير والمعرفة، فهو إنما يتحددُ بالفاعلية التي يُعد التمييز أقوى صفة يتجوهر بها، والتمييز يجر معه

الحياء والتحفظ والتيقظ، وتكون الثمرة الإعراض عن الأخاق القبيحة، والارتفاع من طبائع البهيمة إلى رونق الحكمة. وبهذا كان سير حكماء الإسام والأخاقيين منهم، على وجه التخصيص، تحرير العقل من الوظيفة الفكرية، والأخذ به إلى مقام التوجيه ليس فقط للنفس الحسية المنفعية في الإنسان، بل للصفة الاختيارية أو الإرادية التي لها تعلق بالأخاق في الإنسان، وفي هذا يقول أبو الحسن العامري: «ولهذا، فإن اقتباس الحكمة وإن كان مجديًا في استصاح النفس الحسية، فإن جدواه فيه يكون

عرضًا، لأن القصد الأول من مقتبسها يكون متجهًا إلى استصاح القوة الاختيارية، لتصير أفعاله مؤداة

بحسب الفضيلة، ومعارفه معتقدة بحسب الحقيقة [...] إلا أنه يتعاطى مع ذلك تأديب الشهوة والغضب ليُذعنا للعقل في الهوى والمنية». وهنا لا بد من لفت النظر إلى أهمية القوة الناطقة في

الإنسان من أنها الحاكم على سائر القوى، وهو مذهب ابن عربي نفسه في تعديد فضائل النفس الناطقة، التي تتقوى بها العلوم والآداب، والتي بها أيضًا يتلمحُ الإنسان عواقب الأمور، فيستحسن

ما هو حسن ويستقبح ما هو قبيح، والأكثر من هذا قيمة أنها الميزان في المفاضلة بين الناس؛ إذ

(((3 محمد المصباحي، دلالات وإشكالات: دراسات في الفلسفة العربية الإسلامية (بيروت: دار الهادي، 2008)، «ابن عربي في مرآة ما بعد الحداثة: مقام نعم ولا»، ص.157–156 (((3 محيي الدين بن عربي، تهذيب الأخلاق، تحقيق عبد الرحمن حسن محمود (القاهرة: عالم الفكر، [د. ت])، ص.13 (((3 أبو الحسن العامري، الأمد على الأبد: ضمن أربع رسائل فلسفية، تحقيق سعيد الغانمي (بغداد: جامعة الكوفة؛ بيروت: دار التنوير، 2015)، ص.186 (((3 يقول ابن عطاء الله السكندري: «ومن عرف نعمة العقل: استحيى من الله أن يصرف عقله إلى تدبير ما لا يوصله إلى قربه، ولا يكون سببًا لوجود حبه، والعقل أفضل ما من الله به على عباده، لأنه سبحانه وتعالى، خلق الموجودات، وتفضل عليها بالإيجاد،

وبدوام الإمداد [...] فأراد أن يميز الآدمي عنه فأعطاه العقل وفضله لذلك على الحيوان، وكمل به نعمته على الإنسان، وبالعقل

ووفوره وإشراقه ونوره، تتم مصالح الدنيا والآخرة»، انظر: أحمد بن عطاء الله السكندري، التنوير في إسقاط التدبير، حققه واعتنى به نجاح عوض صيام (القاهرة: دار المقطم للنشر والتوزيع، 2015)، ص.111–110

الفضائل واكتسابها و التحلي بها هي الميزان الحقيقي، وليست الفضيلة في القُنية (كثرة اقتناء الأشياء) والتزيد في الملذات والمشتهيات، وبهذا، فإن الشرف الإنساني الحقيقي مرتبط بالنفس الناطقة وليس الشرف في الإقبال على الغضبي والشهواني. ومن عمل بما توجبه فضائل النفس الناطقة، كان فاضل مُذللً للقوتين الباقيتين، أي الغضبية والشهوانية، وإن هو مال إلى ما توجبه هاتان

القوتان كان شريرًا خبيثًا جاهلً؛ فمن أجل ذلك، وجب أن يُعمل الإنسان فكره، ويميز أخاقه، ويختار

منها ما كان جيدًا مستحسنًا جميلً، وينفي منها ما كان مستنكرًا قبيحًا، ويحمل نفسه على التشبه

بالأخيار ويتجنب كل التجنب عادات الأشرار، فإنه إذا فعل ذلك صار بالإنسانية متحققًا، وللرياسة الذاتية مستحقًا. وفضلً عن حاجة الإنسان إلى إعمال القوة الناطقة، فإن هذه القوة وإن اعتبرها وسيلة قويمة من وسائل السياسة للنفس، فإنها في مستوى نظامها المعرفي؛ لا تستغني بنفسها بمعزل عن نور الإيمان، وابن عربي هنا يضع حدودًا للعقل وينبه الطالب دومًا إلى تزويده عن طريق الخبر والمشاهدة

والمكاشفة، وفي المثوى الأخير، «يؤثر ابن عربي طريق الكشف والمشاهدة على طريق أهل النظر، فمن طلب الله بعقله عن طريق فكره ونظره فهو تائه، وإنما حسبه التهيؤ لقبول ما يهبه الله من ذلك». وإذ تعينت هذه القيمة الجوهرية للنطق الذي بان به الإنسان عن البهائم، فإن ابن عربي، كي يبقى النور مشرقًا في الإنسان، دعا إلى أهمية الرياضة أو الارتياض بمكارم الأخاق، حتى يكون خليقًا وجديرًا

بالمنزلة الشريفة التي أنزله الله إياها، لأن هذا الطريق نحو تحرير الروح؛ هو من الضروريات وليس من الكماليات، من الفرائض الوجودية وليس من النوافل العينية: «إن المرآة إذا صُ قلت وجُلي عنها

الصدأ وتجلت صورة الناظر فيها، أليس يرى نفسه حسنًا أو قبيحًا [وحقيق بالإنسان لهذا] أن يعمد إلى

مرآة قلبه فيجلوها من صدأ الأغيار، ويميط عنها كل حجاب يحجبها عن تجلي صور المعقولات والمغيبات، بأنواع الرياضات والمجاهدات. فإذا تصفت وانجلت تجلى فيها كل ما قابلها من المغيبات فنطق عما شاهد ووصف ما رأى ». إذ ا، فالتهذيب والمجاهدة والرياضة هي الوسائل الناجعة لتحرير الروح من ميل الطبع إلى ما لا يوجبه العقل الذي هو محل إشراق الروح. ومقتضى هذا الإقرار بأولوية الفعل الخلقي العملي، لتحصيل الأدب وعمارة الظاهر والباطن، أن الروح تحتوي الكنوز أو حقائق الأشياء، أو صور العالم منتقشة فيها بلغة ابن عربي، وما على السالك إلا بذل الجهد لأجل تحرير الروح، «لأن مبرر وجوده الأكبر إنما هو السفر من الظاهر إلى الباطن من محيط دائرة الوجود إلى مركزها الذي لا يرتقي إليه الإدراك، ورجوع الخليقة بذلك إلى الأصل الذي تحدرت منه».

((3(يعرف ابن عربي التحلي قائلً: «والتحلي عندنا هو التزين بالأسماء الإلهية على الحد المشروع»، وقال أيضًا: «إن التخلق

بالأسماء حلية من [...] صافى المسمّى فصافاه بأسمائه»، انظر: ابن عربي، الفتوحات المكية، مج 2، ص.483 (((3 ابن عربي، تهذيب الأخلاق، ص.23 (((3 المصباحي، دلالات وإشكالات، ص.162 ((3(ابن عربي، التدبيرات الإلهية، ص.83 (((3 سيد حسين نصر، الصوفية بين الأمس واليوم، ترجمة كمال خليل اليازجي (بيروت: الدار المتحدة للنشر، 1975)، ص.20–19

يتضح مما سبق، أن في ذات الإنسان كيانًا مركوزًا، نوراني الأصل، احتجب بفعل الهوى والشهوة، ولكي يعيد الإنسان تفعيل هذا الكيان المركوز، فإن التعلم بتقوية العلوم العقلية عن طريق الاستناد إلى علوم الأخلاق والسياسات هي المسلك الآمن نحو هذا المبتغى، يقول أبو حامد الغزالي إظهارًا لهذه

الحقيقة: «وليس التعلم إلا رجوع النفس إلى جوهرها وإخراج ما في ضميرها إلى الفعل، طلبًا لتكميل

ذاتها، ونيل سعادتها [...] فاشتغال النفس بالتعلم هو إزالة المرض العارض عن جوهر النفس لتعود إلى ما علمت في أول الفطرة وعرفت في بدء الطهارة». ولازم هذا أن رسالة التخلق في صميمها إن هي إلا وضع المعالم التي يهتدي بها السالك في ظلمة نوازع النفس وبواعثها الموجودة في الطبع المائل نحو التسفل، وهنا يقرر ابن عربي مفهومه المخصوص للرياضة، التي بحسب رأيه ليست المعاندة الجذرية للطباع، كما ظهر ذلك مع رهبان النصارى مثل الذين يكافحون ضد الجسد بحجة الانتصار للروح وإماتة الأهواء والشهوات جذريًا، هذا الأمر لدى ابن عربي غير ممكن رأسًا، وبيان

ذلك أن مفهوم الرياضة في المعجم الأخلاقي عنده هو «تهذيب الأخلاق، فإن الخروج عن طبع النفس لا يصح، ولما كان لا يصح، بين الله لذلك الطبع مصارف فإذا وقفت النفوس عندها حمدت وشكرت ولم تخرج بذلك عن طبعها، فرياضتها اقتصارها على المصارف التي عينها لها خالقها [وزيادة على هذا] فإن الرياضة تذليل النفس وإلحاقها بالعبودية، ولذلك سميت الأرض أرضًا ذلولً، فالرياضة عندنا من صير نفسه أرضًا، مثل الأرض». والقارئ لطبيعة الإنسان يعي صوابية ابن عربي فيما ذهب إليه، لأن محاولة إلغاء الدوافع الطبيعية، بلغة معاصرة، في الإنسان مثل: الدافع الجنسي والدافع الغذائي والدافع التملكي مثل؛ لا تُنتج إلا الإنسان النافي، الذي لا يعرف حركة العمارة في الوجود، والأنكى أنها تُنتج وساوس داخلية قاهرة، قد تظهر لاحقًا في الإباحية الجنسية، أو الثقافة الاستهلاكية، أو المطابقة بين التملك ووهم السعادة. وفي المقابل منْ تَكُون حركته سيرًا مع حاجات الدوافع المذكورة (الجنسي والغذائي والتملكي) لا يحل

المشكلة أيضًا، إذ يبقى النور الروحي المركوز في الإنسان يؤرق من كان مائل مع دوافعه ومنغصًا عليه

ركونه إليها، وقد ينتج أيضًا أشكال من التدين الروحي الشاذ الذي لا يرى في العالم إلا شرًا وبؤسًا

وألمًا. والاجتهادات المعاصرة في الفلسفة الأخلاقية باتت تأخذ هذا المنحى في تفكيرها الأخلاقي، فالخروج عن الطبع أو البقاء مع مشتهياته، كلاهما لا يحل الإشكال، ولأجل هذا بلور جيل ليبوفتسكي مفهوم «الأخلاق الذكية والتطبيقية»، التي تقف في مستوى الموازنة بين مطالب القيم المنفعية ومطالب صدق النيات وطيبتها، ومن سمات هذا الذكاء الأخلاقي الجديد «الإصلاحية التطبيقية وليس المناشدة المثالية فقط، والتأييد للتغيرات الواقعية أكثر من المعنى المطلق، الحث على روح المسؤولية أكثر من الاهتمام بالزجر [...] وبدهي أمام هذا، رَد الاعتبار للذكاء في الأخلاق، وهو الذي لا يَجْتَث المنفعة

(((3 الغزالي، «الرسالة اللدنية»، في: الغزالي، ص.234–233 (((4 ابن عربي، الفتوحات المكية، مج 2، ص.482

الشخصية، إنما يجعلها معتدلة، لا يطالب ببطولة عدم الأنانية الخالصة، ولكن بالبحث عن إرضاءات معقولة، و ‘ موازين عادلة’، تلائم أحوال الناس كما هم». نحن إذًا، جديرون بأن نصرف القول إلى أهمية هذا المفهوم للرياضة كما صاغه ابن عربي، كي تتحقق الرسالة الصحيحة للتخلق، لأنه «لما كانت الصوفية هي رسالة الماهية في الصورة والمحور في المحيط كانت جديرة بأن ترشد الإنسان من الظواهر إلى الجواهر أو من المعنى إلى الصورة». ومما لا شك فيه أن من أراد أن يأتي الأمر من بابه، ويتوصل إليه بوجود أسبابه، فالأخلق له الدخول في تجربة روحية تبدل أوصافه وتنقله بالتدرج من مذموم الصفات إلى محمودها. وأما المعالم التي رسمها ابن عربي في بسط هذا الطريق؛ فهي أعمال أربعة، تحرر الروح وتورث الفيوض العلمية، ونحن بدورنا نلخصها كما هي في الجدول الآتي. جدول الأعمال الروحية للارتياض على التجربة الصوفية أ. الخلوة والذكر

ب. الرياضة والمجاهدة الخلوة مقيدة بنهج رياضة النفس بتهذيب

الأنبياء

أخاقها

الفرائض الخلوة مقرونة

مجاهدة البدن

بالذكر القلبي

بالعبادات الشاقة الخلوة تعني

اشتراك بني الإنسان في

الإنسانية جمعاء

الانتفاع من ممارسة

الرياضة والمجاهدة به» الخلوة تصفي الفكر

فيحصل العلم

المصدر: من إعداد الباحث.

إن هذه الأعمال وطرقها يكون مثواها الأخير تجلية مرآة القلب، وهي – كما يتبدى – يغلب عليها المنزع العملي. وإمعانًا في رسم آلة السياسة ومركب الرياضة، يزيد ابن عربي في إزالة العقبات من الطريق كي تتيقظ النفس وتكتسب الفضائل؛ وذلك عن طريق تنبّه الفكر لمحاسن الأفعال، والنظر

بعين التلمّح للعواقب، ويصوغ ابن عربي مصطلحًا لكي يعبر به عن هذا الأمر الذي يكون دافعًا ممدًا

(41) Gilles Lipovetsky, Le Crépuscule du devoir: L’éthique indolore des nouveaux temps démocratiques (Paris:

(((4 نصر، الصوفية بين الأمس واليوم، ص.56 (((4 لاستزادة، انظر: سعاد الحكيم، « الطرق إلى الله بحسب التجربة الصوفية عند ابن عربي»، في: مجموعة مؤلفين، ابن عربي:

الميراث الأكبري، حصيلة وآفاق (الجزائر: المكتبة الفلسفية الصوفية، 2015)، ص.70–44

ج. محبة الله لعباده د. البحث عن الأستاذ المربي محبة قرب

قدما الإنسان للمشي هما

الباطن والظاهر محبة قرب النوافلأربع خصال في الظاهر:

الجوع والسهر والصمت

والعزلة اتساع طاقة

خمس خصال في الباطن:

الحواس بالقدرة الصدق والتوكل والصبر

الإلهية «سمعه

والعزيمة واليقين

الذي يسمع به

وبصره الذي يبصر تسعة هن أمهات الخير

Gallimard, 1992), p. 20.

للذات من أجل الترقي والامتداد، وهو مصطلح «التعمّل» الذي يرد في سياق الإرشاد إلى طريق

التدرب «والتعمّل للعادات المحمودة، حتى يصير إليها على التدريج». فالتعمّل كفعل يستصحب

معه أفعالً أخرى مثل المجاهدة والرياضة والتقوية؛ تكون ثمرته قوة الروح وإشراق العقل والأخذ بمشورة الوزير الذي يجد مصدر استشارته من الروح. لنقل، إذ ا، إن لارتياض والعمل مسلك الرياضة والمجاهدة والتدريب من جهة، ومسلك إعمال الفكر للتميز والتخلق بخلق الحياء وجعل القوتين الشهوانية والغضبية تحت سياسة فضائل القوة الناطقة من جهة أخرى، ولأجل هذا أقر ابن عربي هذه المفاضلة بين الأنفس في الإنسان «وإن الإنسان له ثاث أنفس، نفس نباتية، وبها يشترك مع الجمادات، ونفس حيوانية وبها يشترك مع البهائم، ونفس ناطقة وبها ينفصل عن هذين الموجودين. ويصح عليه اسم الإنسانية وبها يتميز في الملكوت».

3. التكامل بين السياسة العقلية والسياسة الأخلاقية في منهج الارتياض بمكارم الأخلاق

يتضح مما سبق أن طريق الارتياض بمكارم الأخاق عند ابن عربي مزدوج، إما طريق الرياضة العملية، والتعبد وإيقاظ الروح من خمولها، وهنا يتجدد الفكر ويتسع وتقوى الحواس الإنسانية، لتكون الثمرة هي الإنسان الكامل أو التام كما يسميه ابن عربي، وإما طريق العلوم العقلية وإعمال الفكر لتلمح العواقب، ومعرفة الحقائق، وعلى رأسها معرفة حقيقة الله كخالق للموجودات كلها ومعرفة حقيقة الإنسان ذاته، فتكون الثمرة هي التخلق بالأسماء الحسنى، وإنجاز الخافة بما هي خافة الروح على البدن وسائر قوى النفس والفكر، وإنهاء الحرب بين العقل والهوى بأن تكون الروح هي المستخلفة الحقيقية على الملك الإنساني، والعقل هو مستشارها ووزيرها في هذه المملكة الإنسانية. وعليه، فإن عدم اقتناء العلوم وتعطيل الفكر التمييزي تكون ثمرتهما حب الرياسة واتباع الشهوات، وما السامة إلا في اقتناء العلوم ومكارم الأخاق والتنزه عن الصفات المذمومة والإبقاء على شرف الروح الإنسانية. فالطريق مناسب، إذ ا، لكل من أراد خوض تجربة الإيمان، ورغب في التحرر من أسر الشهوات والنفس، وهذا ما يدفع إلى استخاص معالم في البناء التربوي والعلمي مأخوذة من الميراث الأخاقي الأكبري. والاستخاص الأقوى ضمن هذا التكامل بين مسلك العقل ومسلك الأخاق «أن منهج الانتطاق

المنطقي هو المنهج الذي أُعمل في بناء المعارف العقلية في الفكر الإسامي العربي القديم، وأن منهج الاتصاف الصوفي هو المنهج الذي سُلك في إرادة الاقتراب من الله عز وجل، محبة فيه، وشوقًا

إليه، عبادة وعبودية وعبودة له. إن المنهج الأول منهج معرفي علمي بالتغليب، أما المنهج الثاني فهو

(((4 ابن عربي، تهذيب الأخلاق، ص.14 (((4 ابن عربي، التدبيرات الإلهية، ص.108 (((4 يقول ابن السيد البطليوسي: «فإن كل موجود يوصف بالنطق، فإن تجوهره لا يكمل إلا بأن يعقل السبب الأول الذي منه

انبعثت الموجودات»، انظر: محمد بن السيد البطليوسي، الحدائق في المطالب العالية الفلسفية، تحقيق أحمد فريد المزيدي (بيروت: دار الكتب العلمية، 2004)، ص.55

منهج سلوكي عملي بالتغليب أيضًا. والمنهجان معًا باعتبارهما منهجين، يمكن أن يُردّا ويرجعا إلى

كيفيتين أو وجهين في السعي، بحيث يسوغ أن نعتبر الانتطاق المنطقي سعيًا بالأفكار والاتصاف

المنطقي سعيًا بالمقامات والأحوال». والفائدة التربوية التي يجنيها الطالب للأدب، والراغب في الترقي المعرفي والسلوكي، أن أصل البداية؛ أي من أين أبدأ، لا تتقدرُ قيمته من سياق صرف الإجابة النظرية عن نقطة الانطاق، وإنما من خال

الدخول في الممارسة ومكابدة فعل الانتطاق المنطقي أو فعل الاتصاف الصوفي، وهذه الفائدة تريد أن تقول بوضوح أكبر أنه ليس المهم من أين أبدأ، بل الأكثر أهمية هو أن أبدأ، ومهما كانت نقطة البداية فهي طريق نحو الهداية، وطريق نحو التاقي بالوجه المقابل من السعي في المنتهى، ولذا كانت التكاملية المنهجية في السلوك سمة تربوية مُعتبرة نستخرجها من الميراث الأكبري؛ ولا عجب

أمام هذا أن نجد في معاني الفعل في الفلسفات المعاصرة يرتسم في معنى أنه مبادأة ومبادرة وقيادة وتعاون وانكشاف للذات أمام الآخرين بالخطاب، مع حمل معنى الخطاب على المدلول النصي والمدلول السلوكي.

خاتمة: نحو رسم معالم في البناء التربوي للإنسان المعاصر من الميراث الأخلاقي الأكبري

لسنا في حاجة إلى التذكير بالأفكار الأساسية التي جال بها التحليل في هذه الدراسة، وإنما مطلوبنا على التحقيق، هو رسم جوانب الاستفادة من هذا الميراث الأخاقي الذي لا يزال نابضًا بالحياة، لأجل تفعليه في المؤسسات التربوية، وفي ثقافة الإنسان المعاصر، حيث يظهر لنا أنه من المعالم التي يلزم الإشارة إليها: لا بد من تحرير التربية الحديثة من ثقافة الفكر، لأن الفكر تحته الشهوة، وفوقه العقل المؤيد بالجوهر الروحاني. وبما أن السائد هو فكر تربوي منجذب نحو الغرائز ومنحصر في التدريب على إتقان مهنة للممارسة، فإنه حقيق بنا أن نعيد وصل الفكر التربوي بالخطاب الروحي، أو التأصيل الروحي للتربية، كي يقوى الإنسان على التحرر من الغفلة ويوقظ كافة إمكاناته الفكرية والروحية والنفسية، ويستطيع أن تكون هذه الصورة الجديدة من التربية الأداة الأقوى في سياق التصدي للتعليم العولمي الذي اختزل معرفة المعلومة في الإعان والتسويق، وباتت الجامعات مجرد أدوات لإجراء البحوث للشركات التجارية التي لا تريد إلا حصر التفكير في كيفية الربح والقُنْيَة من الأموال. وعندما يجري

تصحيح الدور الجذري للتربية الروحية، وهي بناء الإنسان الصالح، الذي يتحقق بالمصلحة في دنياه

((4(حمو النقاري، المنطق في الثقافة الإسلامية (بيروت: دار الكتاب الجديد، 2013) ص.153 (((4 يقول الراغب الأصفهاني: «وذلك أن الفكرة بين العقل والشهوة، فالعقل فوقها والشهوة تحتها، فمتى ارتفعت الفكرة ومالت نحو العقل صارت رفيعة فولدت المحاسن، وإذا اتضعت ومالت نحو الهوى والشهوة صارت وضيعة وولدت المقابح، والنفس قد

تريد ما تريد بمشورة العقل تارة وبمشورة الهوى تارة، ولهذا سمي الهوى إرادة»، انظر: أبو القاسم حسين بن محمد الراغب

الأصفهاني، الذريعة إلى مكارم الشريعة (بيروت: دار الكتب العلمية، 1980)، ص.94

وآخرته، يتم التركيز من جديد على التربية الروحية بما هي أداة التقوية والتزكية للإنسان في عقله وإرادته ومحيطه. لا بد من الوعي بالتربية الفكرية كمدخل من مداخل إصاح حال الإنسان المعاصر؛ لأن التربية الفكرية الحديثة بات دورها الرئيس هو تلقين الإنسان المتعلم مناهج التفكير الاستنباطية والاستقرائية المؤيدة بالأنموذج العلمي الوضعي والمنحصرة في عالم المحسوسات، في حين أن التربية الفكرية التي تقوم على التمييز والتروي والإعراض عن القبائح لن تثمر إلا أخاق الحياء والترقي في مراتب أهل الفضل؛ فإعمال الفكر ليس فقط من أجل أن نجعل الغائب حاضرًا، بل لا بد من الفكر الاعتباري

الذي يجعل الغائب حاضرًا، ويتفكر بشروط الفكر الصحيح في مآل الإنسان النهائي، وفي سعادته

وفي نعيمه الحقيقي، لأن الأرواح نعيمها بالعلوم والمكاشفات، والأجسام نعيمها بالمحسوسات من المطعومات والمشتهيات. وشرف الروح على الجسم معلوم. مكارم الأخاق ليست من نوافل الطريق أو أعراضه أو جزئياته، بل هي من الفرائض والجواهر والكليات، والميراث الأخاقي لابن عربي ومسالك تأديب النفوس ينبغي إحياؤهما في سياق الحاجة إلى فكر أخاقي جديد، يعالج الإنسان معالجة جذرية، وبخاصة أن الإنسان الاستهاكي المعاصر قد أنشأ ثقافة أضحت مياسمها هي «تلبية رغبات الذات والتلقائية والتمتع، وباتت عبادة اللذة hédonisme ’ l هي المبدأ المحوري في الثقافة المعاصرة [وجرى إعادة فهم أزمة] المجتمعات المعاصرة من أنها أولً وقبل كل شيء أزمة ثقافية أو روحية ». لا ينفع مع هذه الأزمة العميقة إنشاء اللجان الأخاقية أو تأسيس أخاق على مبادئ جزئية مثل مبدأ المسؤولية أو مبدأ الواقع أو أخاق البيئة؛ لأنها منحصرة فيما تأتي به التحديات الثقافية والبيولوجية والبيئية الجديدة من مشكات تفرض على الفكر اقتراح عاجات محدودة، بينما الخزانة الأخاقية مع ابن عربي مُسنَدة بعلوم الحقائق، بخاصة حقيقة الإنسان الذي هو المرآة وفيه تجلت الأسماء والصفات. يضمن الميراث الأخاقي لابن عربي أسسًا منهجية قوية، لأجل التأسيس لعلم نفس جديد، وبيان

ذلك أن الروح باستشارة العقل هي التي تحرر النفس من سلطان الهوى، وما أزمات العلوم النفسية إلا عامة على عجزها عن تحقيق الصحة النفسية للإنسان المعاصر؛ وبسبب هذا، شرع يهيم بفكره ووجدانه في تراث الشرق لعله يجد عنده من يوقف له ألم الروح وعزلتها ورغبتها في مغادرة هذا العلم. وعليه، فإن علم النفس الجديد هو الذي يأخذ بالروح والعقل إلى النفس ويجعلها تحت سلطانهما، بأن يصبح رجل الأخاق الذي تحقق بمكارم الأخاق وأضاء روحه وكشف ظلمات نفسه، هو المعالج النفسي الجديد، الذي يعرف الطريق ويعرف مكايد النفس وألاعيبها، فيرسم طريق الإصاح النفسي للمريض الذي استولت عليه الأهواء والشهوات وأضحى أعشى لا يبصر الشمس ولا يسمع لتلمحات الوزير الذي هو العقل.

(49) Gilles Lipovetsky, L’Ère du vide: Essais sur l’individualisme contemporain (Paris: Gallimard, 1983), pp. 121–122.

لا بد من تركيز الخطاب حول السيرة الأخاقية، والقصد منها استخاص العبر من سيرة ابن عربي،

وهذا الاستخاص ثمرته أنّ العالم العرفاني والفقيه الروحاني لا يكونان إلا صورة عن الإنسان الصادقِ والأمين والعامل والمربي، وأن طريق العلم يجد مبتدأه في تطهير النفس من رديء الأخاق، وأهمية إعمال العقل كي لا تكون الفكرة منجذبة نحو الشهوة والهوى، وتكون مرتفعة نحو العقل والروح، وهذا ما يعرف في الدراسات الفلسفية ب «السيرة الفلسفية»، أو دراسة علم الفعل الفلسفي، ومداره الإجمالي هو الاشتغال بتعليل أفعال الفيلسوف من جهة النموذجية والشذوذية، فيبحث في معايير النموذجية في الفعل الفلسفي، ويحدد معايير الشذوذية أيضًا، وهذه المدارسة الفلسفية الجديدة تكون أداة منهجية في رؤية الفعل الفلسفي أو السيرة الأخاقية عند ابن عربي أو عند غيره. من الحري بالتفكير، صرف الاهتمام بابن عربي نحو مجال جديد، من منهج القراءة والمساءلة؛ لكنه على التحقيق ليس المنهج التاريخي الذي ينحصر في التأريخ للسيرة والأفكار، أو المنهج التحليلي الذي ينحصر هو أيضًا في تفكيك وتشريح أفكاره، وكذا البنية المفهومية لتأماته، أو المنهج المقارن الذي يبحث عن أوجه الاختاف وأوجه التشابه بينه وبين نظائره من الأخاقيين، سواء الذين يقعون معه ضمن دائرة المجال التداولي المشترك، أم أولئك الذين يقعون خارج هذه الدائرة. كا، ليست هذه المناهج التي تعطي النفس الجديد للفكر الأكبري، وإنما توصيل العاقة بينه وبين الإشكالات الثقافية المعاصرة والاشتباك النقدي أو الحوار الجدلي معها، هي سمات المنهج الأكثر إجرائية وإنتاجًا؛

وبخاصة أن ظاهرة الغليان الأخاقيéthique l’effervescence التي تعكس انهيار السلوك باتت في أمس الحاجة إلى قوة أخاقية، في مستوى قوة الخزانة الأخاقية الأكبرية التي تراهن على اختراق الحجب النفسية الكثيفة، ومخاطبة إنسان ما بعد الأخاق، في أناه العميقة، التي ليست إلا الروح الثاوية خلف الغريزة النفسية المتسيّدة، وأن هذه الأخيرة سبب في تواري إشراقها وانطاقها، فالروح

هي صنو التحرر من أثقال الثقافة الاستهاكية وكافة أشكال العبودية الجديدة.

References

المراجع

العربية

مجموعة مؤلفين. ابن عربي: الميراث الأكبري، حصيلة وآفاق. الجزائر: المكتبة الفلسفية الصوفية،

ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد. شفاء السائل وتهذيب المسائل. تحقيق محمد مطيع الحافظ. دمشق: دار الفكر؛ بيروت: دار الفكر المعاصر؛ القاهرة: دار النهضة العربية،.1996.________ مقدمة ابن خلدون. اعتناء ودراسة أحمد الزعبي. بيروت: دار الأرقم،.2006

(((5 استعمل هذا المصطلح جيل ليبوفتسكي في كتابه غسق الواجب Le Crépuscule du devoir، ص.12

(51) Michel Métayer, La Philosophie éthique: Enjeux et Débats actuels (Montréal: Editions du Renouveau Pédagogique, 1997).

ابن عجيبة، أحمد بن محمد. معراج التشوف إلى حقائق التصوف. تحقيق نجاح عوض صيام. القاهرة: دار المقطم للنشر والتوزيع،.2015 ابن عربي، محيي الدين. التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية. تقديم ودارسة وتحقيق وتعليق محمد عبد الحي العدلوني الإدريس الحسني. سلسلة تصوف المغرب الإسامي. الدار البيضاء: دار الثقافة،.2015.________ تهذيب الأخلاق. تحقيق عبد الرحمن حسن محمود. القاهرة: عالم الفكر، [د. ت.].________ الفتوحات المكية. مج 1. بيروت: دار صادر، [د. ت.]. ابن عربي، محيي الدين محمد بن علي وعبد الكريم بن إبراهيم الجيلي. الإسفار عن رسالة الأنوار فيما يتجلى لأهل الذكر من الأنوار: المتن، وهو «رسالة الأنوار» للشيخ الأكبر محيي الدين محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عربي الحاتمي الطائي، والشرح، وهو «الإسفار» للعارف بالله تعالى الشيخ عبد الكريم بن إبراهيم الجيلي. صححه وضبطه وعلق عليه عاصم إبراهيم الكيالي. بيروت: دار الكتب العلمية،.2004 البطليوسي، محمد بن السيد. الحدائق في المطالب العالية الفلسفية. تحقيق أحمد فريد المزيدي. بيروت: دار الكتب العلمية،.2004 تايلر، تشارلز. المتخيلات الاجتماعية الحديثة. ترجمة الحارث النبهان. مراجعة ثائر ديب. سلسلة ترجمان. الدوحة؛ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 ديكارت، رينيه. حديث الطريقة. ترجمة وشرح وتعليق عمر الشارني. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،

السكندري، أحمد بن عطاء الله. التنوير في إسقاط التدبير. حققه واعتنى به نجاح عوض صيام. القاهرة: دار المقطم للنشر والتوزيع،.2015 الطبراني، أبو القاسم. مكارم الأخلاق، تحقيق فاروق حمادة. دمشق: دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع،.2010 العامري، أبو الحسن. كتاب الإعلام بمناقب الإسلام. تحقيق أحمد عبد الحميد غراب. الرياض: دار الأصالة للنشر والثقافة والإعام،.1988._______ الأمد على الأبد: ضمن أربع رسائل فلسفية. تحقيق سعيد الغانمي. بغداد: جامعة الكوفة؛ بيروت: دار التنوير،.2015 عبد الرحمن، طه. تجديد المنهج في تقويم التراث. ط 2. الدار البيضاء؛ بيروت: المركز الثقافي العربي، [د. ت.]..________ سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية. الدار البيضاء؛ بيروت: المركز الثقافي العربي،.2011

الغزالي، أبو حامد. مجموعة رسائل الإمام الغزالي. بيروت: دار الفكر للطباعة والتوزيع،.2003 الفاسي، أحمد زروق البرنسي. قواعد التصوف على وجه يجمع بين الشريعة والحقيقة ويصل الأصول والفقه والطريقة. تحقيق عثمان الحويمدي وحسن السماحي سويدان. بيروت: دار وحي القلم للطباعة والنشر والتوزيع،.2004 ليبوفتسكي، جيل. أفول الواجب: الأخلاق غير المؤلمة للأزمنة الديمقراطية الجديدة. ترجمة البشير عصام المراكشي. سلسلة ترجمات 32. بيروت: مركز نماء للبحوث والدراسات،.2018 المحاسبي، أبو عبد الله الحارث. بدء من أناب إلى الله ويليه آداب النفوس. تحقيق مجدي فتحي السيد. القاهرة: دار السام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة،.1991 المصباحي، محمد. دلالات وإشكالات: دراسات في الفلسفة العربية الإسلامية. سلسلة قضايا إسامية معاصرة. بيروت: دار الهادي،.2008 ________. «الحرية بما هي أعلى تجليات العبودية عند ابن عربي.»الفكر العربي المعاصر. العدد 159–158.)2012(الميداني، عبد الرحمن حسن حبنكة. الأخلاق الإسلامية وأسسها. دمشق: دار القلم،.2011 نصر، سيد حسين. الصوفية بين الأمس واليوم. ترجمة كمال خليل اليازجي. بيروت: الدار المتحدة للنشر،.1975._______ ثلاثة حكماء مسلمين: السهروردي، ابن سينا، ابن عربي. ترجمة عمر نور الدين. القاهرة: آفاق للنشر والتوزيع،.2019 النقاري، حمو. المنطق في الثقافة الإسلامية. بيروت: دار الكتاب الجديد،.2013 الراغب الأصفهاني، أبو القاسم حسين بن محمد. الذريعة إلى مكارم الشريعة. بيروت: دار الكتب العلمية،.1980

الأجنبية

Lipovetsky, Gilles. Le Crépuscule du devoir: L’éthique indolore des nouveaux temps démocratiques. Paris: Gallimard, 1992. ________. L’Ère du vide: Essais sur l’individualisme contemporain. Collection Les Essais 225. Paris: Gallimard, 1983. Métayer, Michel. La Philosophie éthique: Enjeux et Débats actuels. Montréal: Editions du Renouveau Pédagogique, 1997. Stengers, Isabelle (ed.). D’une science à l’autre: Des concepts nomades. Paris: Seuil,