كوربان متجاوزًا هايدغر: بين الموت واللامتناهي
Corbin Beyond Heidegger: Between Death and the Infinite
الملخّص
تتناول هذه الدراسة العلاقة بين فكرَي هنري كوربان ومارتن هايدغر بهدف تبيين أسباب تحوّل كوربان من العينية البحتة للفينومينولوجيا التأويلية، كما اكتشفها عند فيلسوف مسكيرش، إلى فكر التصوف والفلسفة الإسلامية. نكشف في دراستنا هذه أن كوربان لم يرفض هايدغر نهائيًا، بل إنه لم يعتبر أيًّا من مقولاته خاطئة، كما لم يترك فكره صحبة فكر هايدغر. احتفظ كوربان بمكتسبات هايدغر الخاصة بالعينية، واعتمد اعتمادًا شبه دائم على منهجيته الفينومينولوجية، ولكنه وجد حدًّا لفكر هايدغر كان عليه أن يتجاوزه، مع الاحتفاظ بمنهج الكشف الفينومينولوجي. سنبين في هذه الدراسة أن هذا الحد هو توصيف الموت ومعناه، وأن الفاصل بين المفكرَين، على مختلف أوجه فكرَيهما، هو اللامتناهي كما درسه وفهمه وطور تأويله كوربان في قراءته نصوص الفلسفة الإسلامية؛ وبالفعل، ما إن نضع اللامتناهي مفهومًا تفسيريًا حتى يتضح الجامع والفاصل بين هايدغر وكوربان، على مستويات أساسية، هي اللغة والإنسان، والموت، والإلهي، والعالم، والتاريخ، ويحصل تحول مدهش من كون الفينومينولوجيا العينية مفتاح النصوص الصوفية إلى كون اللامتناهي التأويلي بذاته مفتاح الفينومينولوجيا.
Abstract
Abstract: This article deals with the relationship between Henry Corbin and Heidegger’s thought, in order to bring out the reasons behind Corbin’s move from the sheer facticity of hermeneutic phenomenology, as he discovered it in the writings of the Meßkirch philosopher, to soufi and Islamic philosophical thought. We show in this study that Corbin did not reject Heidegger outright, nor did he consider any of his sayings totally wrong or Lost affinity to Heidegger’s
- فينومينولوجيا
- عيني
- لامتناهٍ
- كينونة نحو الموت
- كينونة ما بعد الموت
- إلهي
- كوربان
- هايدغر
- Phenomenology
- Factical
- Infinite
- Being–towards–death
- Being– after–death
- Divine
- Heidegger
- Corbin
thought. Cobrin actually kept all he gained from Heidegger on facticity and relied almost constantly on his kind of phenomenological method. However, he did find a limit to Heidegger’s thought, which he sought to overcome, while keeping the phenomenological method of unveiling. We will determine that such limit has to do with defining death and its meaning, and that what separates the two thinkers, on nearly every level of their respective thoughts, is the infinite as Corbin studied, understood and developed it in reading philosophical–Islamic texts. Indeed, no sooner do we bring the infinite in as an interpreting concept that what unites and separates Heidegger and Corbin becomes clear, on the basic levels of language, man, death, the divine, the world and history, and that a surprising shift occurs from phenomenology being the key to mystical texts to the hermeneutic infinite becoming itself the key to phenomenology.
مقدمة
مثّل مارتن هايدغر بالنسبة إلى هنري كوربان، كما يقرُّ كوربان نفسه، «مفتاحًا» سمح له بتأويل النصوص الفلسفية والصوفية عامةً، ثم العربية – الإسامية خاصةً، مستخدمًا إمكانيات الفينومينولوجيا التأويلية وطريقتها في بحثها عن الظاهر Phainomenon، الذي «يُظهِر نفسه»1. ليس هناك من دراسةٍ مطولة تتناول بالتفصيل عاقة كوربان وفكره بهايدغر، ومن ثم لا نملك كتابًا يعطي كيفية تطور فكر كوربان مع قراءته هايدغر، ثم – بالأخص – أسباب انفصال كوربان عن هايدغر أو، كما سنرى، تكميله بعد حقبة ترجمته بعض كتاباته الأساسية إلى الفرنسية، أي بعد سنة 19382. هناك ما تقوله بعض المقالات والكتب عن اهتمام كوربان بالتصوف بوصفه سبب انفصاله عن هايدغر، وعن الفلسفة بمعناها الغربي؛ أي في تعلقها الدائم بالعقانية3. هذا بالطبع صحيح، ويظهر بكل وضوح وبساطة أمام أي قارئ لكوربان. ولكنه لا يُدخل الباحث في مجال التفكر في الفاصل الحاسم الذي أدى إلى ابتعاد كوربان عن الفينومينولوجيا والأنطولوجيا الهايدغرية، من دون أن ينساهما أو أن يفندهما على نحوٍ يجعلهما غير نافذتَين. سنتناول في هذا الدراسة النقطة الفاصلة تلك، فندرس معناها، وعواقبها وتداعياتها، ونبين، بالأخص، أنها لا تمثل رفضًا للطريقة التأويلية الهايدغرية، بل استكمال لها، يجعل منها بمنزلة تجاوزٍ لهايدغر عنوانه «تخطي المتناهي وإعادة تأويل الموت». من هذا المنطل ق، نعيد النظر أولً في عاقة المفكرَين باللغة، وبالتحديد بالترجمة والقول النبوئي؛ إذ يتجلى جوهرها كشفًا للوجود، ثم مفتاحًا لامتناهي
ونداءً يصدر عنه. وننتقل، ثانيًا، إلى الإنسان والموت، فنشير إلى محدودية الدازَين Dasein وإلى الموت كحد غير نهائي يسمح بإعادة التعريف بالإنسان كتاقٍ للأضداد. ونعيد، ثالثًا، هذا التاقي إلى تصور كوربان للإلهي، الذي هو ليس فقط ما يتجلى ويختفي، أو ما يخفي ويكشف، بل من يأمر؛ فيكون الخلق، ويكون معه أثَر الامتناهي، كمن يجعل من الموت انتقال وليس حدًا محضًا لإمكانيات الدازَين. ونعيد، رابعًا، النظر في مسألة العالم، حيث سمح تأويل كوربان بتجاوز عالم هايدغر من خال إعادة تأويله المابين، حيث تتداخل عوالم التخيل المتتالية التي يمكنها الامتناهي الإلهي. وننهي، خامسًا، بمسألة التاريخ، حيث يوافق كوربان هايدغر في رفضه التاريخانية والتأريخ العلمي البحت، ولكنه يجد صلب التاريخ في باطنيته الثيوصوفية، وفي قانون يكشف عن عملية ثيوغونية تنفتح معها الأزمنة الإلهية الامتناهية.
أولا: من منطلق اللغة
لقد فتح اكتشاف كوربان هايدغر وفكره الأنطولوجي – التأويلي المجالَ أمام إعادة النظر في ماهية وفعل اللغة، ولا سيما أن التصوف الذي اهتم به كوربان مبني على عاقة خاصة باللغة. وتمثل اللغة بالتحديد، في ما يخص مسألة المتناهي وما بعده، موضع وفعل الحضور الفينومينولوجي. ومن هذا المنطلَق، سننظر إلى مسألة الترجمة والقول النبوئي وفعل اللوغوس.
1. الترجمة
يتبع كوربان هايدغر في توكيده أن الترجمة ليست حلًّ للغز Rätsel4 تشكّله اللغة المترجمَة بالنسبة إلى اللغة المترجِمَة، وليست تقابلً بحتًا بين لغةٍ وأخرى، بل هي فعل الحضور، أي ظهور للأشياء وانكشاف لها في الحاضر من خال تسميتها. وأي انتقال، إذ ا، من لغةٍ إلى أخرى، هو دعوة إلى ظهور في حلةٍ مماثلة ومختلفة معًا إلى كشفٍ من خال الكلمة5. ولكن لا يبقى كوربان عند هذا الحد، فالترجمة عنده تتوجه نحو مجموع، بل عالم مُقال معيَّن، يظهر لنا بوضوح عند قراءة نسخته الكينونة والزمانفي فترة ترجمته فقراتٍ منه. يكفي أن ننظر إلى الهوامش حتى نرى ذلك التوجه الذي حدد مستقبل فكره؛ إذ تدل ماحظاتُه والكلمات التي اقترحها لنفسه على اهتمام وإلمام بالغنوصية وبالتصوف، وبعض المصطلحات السكولائية والاهوتية البروتستانتية أيضًا6. نشهد هنا كوربان قارئًا ومترج مًا نصوصًا سيستخدم سياق طرقها وتفكرها وتأويلها مفتاحًا لحقل فكري سيشكل مستقبله البحثي. هذا التوجه بقي مع كوربان طوال حياته، وهو ما يجب أن يبقيه
القارئ أمامه كلما أكد كوربان أنه مهمَا قال، وبحث وكتب، يبقى قبل كل شيء فيلسوفًا7. كلما تكلم كوربان عن كونه فيلسوفًا، لا معنى لهذه الكلمة عنده من دون التوجه الصوفي والغنوصي، في ما هو تجاوز للحضور الذي سمحت به الفينومينولوجيا التأويلية الهايدغرية، أو انطاق من الحضور والكشف نحو مكانٍآخَر.
2. القول النبوئي
يضيف كوربان إلى المنطلَق الهايدغري أن الانكشاف، الظهور للأشياء في اللغة، في التسمية، يسمح للمعنيَين، الحرفي والباطن، بالتاقي والانصهار، وهذا ما يحصل بالضبط في المعنى النبوئي الذي يصبح الحاضر والحضور فيه قول المستقبَل8. ولكي نفهم ذلك، يجب أن نأخذ مسألتَين في الاعتبار: الكلمة – اللغة والمشروع. اللغة λόγος عند هايدغر هي «منزل الكينونة» Seins des Haus das9. إنها تؤوي الكينونة، فتتجلى هذه الكينونة فيها وفي حرية صياغتها كما تظهر في الفكر الفلسفي الصرف، الذي لا يحدده مذهب فلسفي معيَّن، والشِعر الذي تُظهِر فيه الأشياء كما هي، فا تخضع للسياق المفروض من قِبَل المنطِق. اللغة تؤوي الكينونة لأنها تحميها من التحول إلى كائناتٍ موضوعية أو إلى مخزونٍمسخَّر للصناعة والتقنية10. وإلى هذا التصور الهايدغري يضيف كوربان البُعد النبوئي، وهنا يعيدنا إلى مصطلحٍ هايدغري عرفه في ترجمته ل الكينونة والزمن، هو Entwurf11؛ أي المشروع. هو من صُلب الدازَين؛ إذ يحدد وجهته وتوجهه الأساسي ككائن هاهنا مستقبلي. الدازَين يأتي إلى الوجود مقذوفًا به إلى العالم الحاضر، ومن موقعه هذا يقذف بنفسه نحو المستقبل، آخذ ا على عاتقه التقليد ليحوله بحرية. لا ينظر كوربان إلى المستقبل بهذا الشكل فقط، بل يقول بتطلع آخَر نحو المستقبل، تكون لغته لغة النبوئية كما نجدها في نصوص التصوف والفلسفة الإساميَين، حيث للكلمة جوهرٌ باطن وظاهر وقدرة على جمع الأشياء في الاسم، إضافة إلى كشف وتوجيه المستقبَل وترسيخ التاريخ الروحي.
3. اللوغوس
اللوغوس جمَع وفرَّق بين هايدغر وكوربان. يعود هايدغر إلى أصل الكلمة، وكان أيضًا قد حضر لذلك في أطروحته عن دونز سكوتُس12، فيعود إلى الفعل اليوناني «ليغين» λεγειν، وهو يعني التشاور أو الأخذ في الاعتبار، كما يرتبط بالحصاد13. من هنا، الكلمة، اللوغوس، تحصد، أي إنها تجمع ما هو متفرق، تعطيه قانونًا معينًا، تعريفًا، اسمًا، أي بكل بساطة وجودًا. الكلمة تضع الأشياء في مجال الكينونة، أي في الزمان والمكان المنبثقين منه: الكلمة تُزمك ن. هي ذاتها ما نجده في الكلمة الألمانية Lese، التي تشير اليومَ إلى الحصاد، والمشتق منها lesen، قرأ والقراءة14. هذه القدرة الوجودية للغة هي في صلب التأويل الفينومينولوجي كما اكتشفه كوربان عند هايدغر. ولكن اللوغوس عند هايدغر يبقى بالنسبة إلى كوربان لوغوس الكينونة في زمنيتها كما هي محددة ومحددة للدازَين في الكينونة والزمان، أي هو يبقى في عالم الأدوات والخطاب المتناهي الذي لا يتركه هايدغر الرافض لأي متعالٍ. هذا اللوغوس، إذًا، مختلفٌ عن لوغوس كوربان الذي لا يقول فقط بقدرته على جمع وقول وحفظ وجود الأشياء المتناهية، بل خلقها بذاته، المشير إلى مصدر لامتناهٍ. ويقول كوربان، ذاكرًا لوثر: «لم ينزِل لوغوس هايدغر من السماء لكي يصعد إليها»15؛ أي هو لوغوس تغيب عنه الألوهية الواحدة المتجاوزة للعينية والخالقة لها. غياب التعالي عند هايدغر هو تحديد متناهٍ للوغوس لا يجد فيه قوة قدرته وغايته الساعية إلى تجاوز العينية، التي هي أساس تحديدات هايدغر للدازَين، وللإله معًا.
4. النداء
من هنا، أخيرًا، في ما يخص اللغة، إعادة تحديد كوربان لمفهوم النداء. انطاقًا، مجددًا، من تحديد هايدغر للغة كمنزل الكينونة، يأتي النداء للإنسان كنداء من الكينونة، وهو نداء لكي يعود الدازَين إلى كنفها، فيصغي إلى صوت دعوتها، الذي هو صوتٌ شعري يجده هايدغر في ترنيمات هولدرلين كما حللها ودرسها في فصل شتاء 1935–193416. لم يقرأ كوربان رسالة في الإنسانوية Brief über den Humanismus، في ذلك الوقت، فقد كتبها هايدغر سنة 1946، في زمن لم يعد كوربان يقرؤه. ولكن كان نداء اللغة واضحًا في الثاثينيات وفي النظرة إلى الخطاب في الكينونة والزمان17؛ هذا النداء من وإلى اللغة، الذي هو نداء الكينونة للدازَين، إن يكن فرديًا أم شعبيًا، كما في تحليل هولدرلين أو في
المنطق: السؤال عن الحق18، حدد عاقة كوربان بنصوص الفلسفة الإسامية والتصوف، ولكنه أضاف إليه نداء الإله، بل الله، وبالتحديد الله الذي هو الكلمة19. من هنا تشديده على الحاجة الماسة إلى لاهوت فلسفي وفلسفة لاهوتية تكون هي الاستجابة لهذا النداء الإلهي20. هناك، إذ ا، عند كوربان ترتيب هرمي يناقض التركيب الهايدغري؛ فالكينونة عند هايدغر تبقى قبل الإله وفي صلب المتناهي، بينما الله عند كوربان هو بذاته تلك اللغة الحاضنة للكينونة، وهو مخفي وظاهر. كل نداء وجودي بالنسبة إلى كوربان هو نداء إلهي من إله لامتناهٍ؛ من الله، وليس نداءً يحضر المكان المقدس لكي يأتي من بعده إله زماني فيظهر في المعبد21.
ثانيًا: الإنسان والموت
1. محدودية الدازين
فرحَ كوربان، إن صحت العبارة، بتعريف هايدغر للإنسان كدازَين عيني، مستعيضًا بهذا المفهوم عن مجمَل تاريخ الميتافيزيقا، فهو اكتشف بذلك الإنسان أدق اكتشاف في الزمان والمكان22. الإنسان مقذوف Geworfen، منذ البداية عينيًا، وعليه أن يأخذ الماضي على عاتقه تقليدًا، مع تاريخه المطول، لينطلق بعد ذلك ويقرر نفسه وما لها في ما يصممه23. مهما يكن من أمر فال «هاهنا» Da التي تبقى عند هايدغر إما ما يُقذَف إليه الدازَين وإما محل تساؤل عن المقذوفية وما يقذف، تصبِح عند كوربان موضوع نقد لهايدغر؛ إذ يرى فيها وجه رؤية معينة للعالم Weltanschauung، هي رؤية هايدغر، التي لسنا بالضرورة مجبورين على التقيد بها24. كوربان ذاته لا يقبل بها في الحقيقة، أي في ما يعتبره تحديدها الهايدغري؛ ذلك أنه يقتصر في هذه الهاهنا الهايدغرية، الدازَين، على وجوده المتناهي، الذي تتصف به حتميًا رؤية هايدغر للعالم، وجهة نظره للهاهنا ومن الهاهنا إنْ أردنا25.
2. حد الموت
من هنا، رفض كوربان نعتًا هو في أصل تفكر الكينونة والزمان، ومن غير المبالغ فيه أن نقول إن من يرفض هذا النعت عليه أن يعي كون هذا الرفض سقوطًا لكل مشروع كتاب هايدغر، وفي الحصيلة لمعنى الكينونة والزمان فيه؛ هذا النعت هو الموت. وكينونة الدازَين، إذ ا، بالنسبة إلى هايدغر، هي كينونة نحو الموت26. هنا ينفصل مسار كوربان، بالطبع، عن مسار هايدغر؛ فهو الشغوف بفكر السهروردي، وبالاهوت البروتستانتي في البداية، ثم بالفاسفة الإساميين والمتصوفين أكثر فأكثر27. ما كان له أن يقبل بالإنسان متناهيًا، لا أكثر ولا أقل، لا يمتد وجوده إلى أكثر من الهاهنا الماهية الحاضنة لنظرةٍ نهايتها وحدها الموت. استعاض، إذًا، عن الكينونة نحو الموت بكينونة ما بعد الموت ليصف الإنسان ومصيره28. هنا، في الحقيقة يترك كوربان الفلسفة، مهما كان توكيده على غير ذلك، إذا ما ربطنا الفلسفة بالعقل المحض الناقد، ويدخل في مصطلحات التصوف الملقح بالاهوت وبالطريقة التأويلية الهايدغرية المعدلة لكي تتحول إلى أداةٍ بعد أن كانت لبَّ الفكر عند صاحبها. على أي حال، لا يسعنا هنا أن نتناول هذه الدراسات العظيمة الشأن التي قام بها كوربان. نبقى بالأحرى في موضع هذه الدراسة لنلفت النظر إلى تأثير مسار كوربان هذا في نظرته إلى الحرية.
3. الحرية
يقول كوربان: الموت عند هايدغر إقفال، ويجب بالأحرى أن يكون خروجًا Exitus29. بدل من الحرية التي يحصل عليها الدازَين في قراره المصمم انطاقًا من مكانه ومكانته حيث يُرمى منذ بدايته في تقليد تاريخي في صلب المتناهي30، حرية كوربان هي حرية منتظ رة، تذكرنا بالدروس التي حضرها هايدغر نفسه عن فينومينولوجيا الحياة الدينية Lebens religiösen des Phenomenologie، حيث تناول التوقع المسيحي للمخلص31. الحرية عند كوربان آتية بعد الموت، ما يحوّل الموت إلى شيء منشود، يريده المفكر والمتصوف، كما هو في محاورة فيدون لأفاطون32. أمام هذا الخروج نحو الحرية الامتناهية تصبح هاهنا هايدغر، بالنسبة إلى كوربان، جزيرة صغيرة ضائعة يطلق عليها اسم «منفى الغرب»33. هناك سلب واحد، نهاية واحدة للإنسان يقبل بها كوربان، هي تلك التي
يتحدث عنها ويشيد بها لاهوت الصليب crucis Theologia؛ إذ هي شاهد وفعل يمهّد للكينونة القادمة الامتناهية34. أخيرًا، في هذا الانتقال الضروري من المتناهي إلى الامتناهي المنشود، يؤسس كوربان لتعريف آخَر للإنسان، يحتوي العينية وما يتجاوزها: الإنسان هو وحدة عنوانها الجمع بين المحجوب والمكشوف، كما وجدها في تحليل هامان Hamann لمفهوم «تاقي الأضداد» oppositorum Coincidentia لنقولاس الكوزاني35. الإنسان هو ملتقى ما يحجبه الله وما يكشفه، فيقوم إذًا فعل الله ومعرفته فيه، وهو لذلك بالتحديد منطلَق المتناهي والامتناهي، فكرًا ووجودًا.
ثالثًا: الإلهي
الكاشف والمخفي يبقيان في تفكر كوربان بشأن الألوهية، كما عند هايدغر، وإن كان الكشف والخفاء بالنسبة إلى كوربان دائمًا من فعل الله وحده أو في صلب الإنسان الموحِّد الموحَّد36. ويظهر الفاصل المحرك بين المفكرَين ما إن يتناول كوربان مسألة المخفي والحجاب على نحوٍ مفصل يتجاوز التأويل الهايدغري العيني؛ فحينئذ نرى أن الإنسان هو مكان الحجب والظهور، كما هو دازَين هايدغر، ولكن، الحجاب هو بالتحديد الإنسان نفسه: «هذا الحجاب هو نحن أنفسنا، طالما لم نقم بفعل الحضور، طالما أننا لسنا هنا sein – da، على المستوى التأويلي المطروح»37. هذا الفعل هو، إذ ا، تأويلي بامتياز، ويستدعي أن «نعيد الشيء إلى مصدره وأصله»38. وهنا «بيت القصيد»؛ إذ إن تأويل كهذا يحصل من داخلنا كتأويل تنبئي يلهم به الله، لا تأويل من دون الله، الإله الامتناهي، الذي تحمل ألوهيته الأشياء على الظهور، ويعني ذلك أيضًا أن كوربان لا يفصل بين الله والعقل، وينتقد، إذ ا، فصل هايدغر للفلسفة عن الاهوت39. والله الكورباني خالق، يجعل كوربان يؤكد أن الكينونة الحقيقية ليست الكائن ens، وليست فعل كان والكينونة esse، بل «كُنْ» esto40، ويستدعي ذلك إعادة قراءة القذف في العالم بداية للإنسان. يوجب إدخال الله في وجود الإنسان العيني أن نذكُر القاذِف، فالقذف يشير مباشرةً إلى من يَقذف، بل من يأمر بأن يُقذَف بالإنسان ابتداءً من لا شيء: كنْ فيكون، انقذِف فينقذِف. ليست الكينونة، إذًا، في
الفارق بين الكينونة والكائن فقط، وليست أول وآخ ر الفكر الفلسفي وما حجبته الميتافيزيقا، وليست فقط ما يحدد أحقاب الفكر ومن ثم التاريخ، بل هي أيضًا، وقبل كل شيء، رابط أصيل يعطي الوجود، منبعه الله الخالق الامتناهي الذي يعِد، بل يأمر، بأن يكون الموت انتقالً وليس حدًا لا يتخطاه الدازَين. الكينونة في صلبها وفي فعلها هي أمر إلهي لامتناهٍ، تحمل ذاكرة هذا الامتناهي في تحديدها: الامتناهي هو في الحصيلة حقيقة الدازَين المتناهي، ما يتوق إليه. المستقبل، إذ ا، عند كوربان ينتقل من توجه الدازَين إلى المستقبل في مشروعه الوجودي، كما نجده في الكينونة والزمان، إلى المستقبل المتجاوز لنوعٍ من الوجود نحو نوعٍ آخَر هو حقيقته، أي من المتناهي إلى الامتناهي. من هنا أهمية العودة إلى مسألة العالم وتحديد كوربان لهذا المفهوم.
رابعًا: العالم
مما قدره كوربان عند هايدغر هو تعريفه الجديد للعالم الذي ترك كل تحديداته السابقة. فقد تخلص تدريجيًا من عالم ديكارت العقاني والامتدادي ومن الفارق بينهما؛ ولم يبقَ في فهم العالم كما حددته دراساته الأولى، أي العالم كما وصفته سكولائية العصور الوسطى في صراعاتها حول سرمديته وخلقه وهدفه. ليس عالمُ هايدغر عالمَ كواكب أو أفاك أو جواهر لا تتغير؛ ليس عالمًا تليولوجيًا Téléologique، أي غائيًا يتجه نحو هدف مقررٍ مسبقًا. هو بالأحرى عالم طرُق ظهور الأشياء والوجود معها وبينها. أهم هذه الأشياء هو بالطبع الدازَين الذي لا تظهر الأشياء أمامه فقط، ولا يظهر معها فقط، بل هو بذاته مكان لظهور الأشياء من خال تأويله الكاشف لما يأتي إلى الكيان من فعل الكينونة، أي في الفرجة التي تأتي بها41. في هذه الفرجة يأتي سؤال المابين Zwischen، الذي يشدد عليه هايدغر بعد الكينونة والزمان، أي الفارق بين الكينونة والكائن42. هذا الفارق أدى في نهاية المطاف عند هايدغر، على نحو يصبح واضحًا كل الوضوح في محاضرات سنة 1949 في بريمين Bremen إلى الرباعية Geviert المؤلفة من الإنسان نحو الموت والآلهة والأرض والسماء، في الحدث المُقيم
.43Ereignis
1. من العالم إلى العوالم
أما كوربان، فهو يرى في العالم الذي حدده كتاب الكينونة والزمان44 بداية يجب بالطبع الانطاق منها، ولكن أيضًا تجاوزها. فا يتطور فكره نحو ما يشبه رباعية هايدغر، بل نحو تجاوز للعيني. يعطي
كوربان وجهة هذا التوجه وكيفيته: هو توجه خارج هذا العالم الهايدغري، مهما كان شكله. إذ هو عالم متناهٍلا يكفي للتفكر بالكينونة ما بعد الموت45. ويتم التفكر بهذه الكينونة من خال Mundus imaginalis، أي «العالم المثال»، بحسب كوربان، أو عالم التخيل46، الذي فيه تقوم الاستعارات الخاقة التي تحمل الواقع الآخر والأعظم والأعلى، بل الأكثر واقعية؛ كما تعلم كوربان من الغنوصية. ويؤكد أن ما يتبع ليس عالمًا بل عوالم، وأيضًا عوالم ما بينية، عوالم بين عوالم، تبدو لامتناهية عند قراءة بعض تعليقات أو تحليات كوربان، ما يقرب ماهيتها من الله، الامتناهي الأعظم. على أي حال، فيها وما بينها تتنقل الكينونة ما بعد الموت، أي الحياة الأبدية للنفس الخالدة47.
2. موت الإله
من هنا أيضًا يمكن أن نفهم معنى رؤية كوربان لموت الإله. وجد كوربان هذا الموت عند فريدريش نيتشه وفي تحليل هايدغر لنيتشه، ولكنه من ناحية أولى ذكر بأنه ليس جديدًا، فقد قال به عاء الدولة السمناني في القرن الرابع عشر، ومن ناحية أخرى ربطه بنقده الغرب الذي هو نقد أخاقي يقول بانحطاطه: الأنا الأعلى يستسلم لما تم التغلب عليه ويموت في لحظة الانتصار، وهذا صحيح في الحقل الأخاقي وفي الإدراك الميتافيزيقي للألوهية والكينونة. يحصل هنا انقطاع لعملية النمو، «إدخال طقسي فاشل». يمكننا القول إن الخطر القات ل الذي تحدث عنه السمناني على هذينِ المستويَين هو الوضع نفسه الذي واجهه الغرب عندما صرخ نيتشه: «الإله مات»48. ويضيف كوربان إلى هذَين البُعدَين الميتافيزيقي والأخاقي لموت الإله بعدًا كوزمولوجيًا يقوده إلى تناوُل مسألة العالم والعوالم الروحية المتخيلة، كما ذكرنا. من هنا لا يتجه فكر كوربان، فقط، كما يفعل هايدغر49، نحو فكرة هروب الآل هة وغيابها فآخر الآلهة، بل يسمح له استكشافه لعالم التخيلِ بأن يرى فيه منقذًا للإنسانية، يُخرجها من حالة انحطاطها: عالم التخيل أو «العالم المِثال»، يؤكد كوربان، أنه «مكان ولادة الآلهة من جديد»50. العوالم هي لامتناهية، فيصبح عدد هذه الآلهة المتناهية، إن كانت «إغريقية أو سلتية Celtic »، لامتناهيًا، وتصبح العوالم، إذ ا، إشارات إلى الله الامتناهي الذي هو حقيقتها.
3. السماء والأرض
أخيرًا، يسمح هذا التوجه لكوربان بالنظر إلى عاقة السماء بالأرض، على نحو مختلف، ينفصل به عن هايدغر. فبينما يرى هايدغر هذه العاقة في صلب الرباعية، حيث تسمح الصلة بين البشر والإله والأرض والسماء بحلول الحدث المخصص – الرابط eignis – Er، وتفتح الأرض نفسها لتتلقى السماء فيقوم الحدث ويمكن إتيان عالم تحدده الكينونة كحقبةٍ لها، فيكون عالمًا متناهيًا ومقدسًا، تُعطي السماء للأرض عند كوربان لقاءً، بل لقاءات مع الامتناهي كما يتشخص في الماك. وبينما يضع هايدغر صلة المابَين، الذي ذكرناه سابقًا، في اللقاء العيني المتجدد بين الإله والإنسان في المكان، الذي يصبح في الحصيلة مقدسًا، يُضفي كوربان على المابَين صفةَ الامتناهي إذ يحدد الماك، رسول الامتناهي، كفعل المابَين، فيُضفي على الصلة وعلى الكينونة صفة الامتناهي في خضم المتناهي، ويكون المابَين في نهاية المطاف أقوى تعابير تاقي الأضداد الإلهي51. هذا ما يجعل كوربان يربط، كما لم يفعله هايدغر، على نحو يصهرهما، الأرض بالسماء، فيتكلم، في محاضرة أورانوس عن الأرض السماوية52، المتناهي الذي يحظى بصفة الامتناهي، فينعته جوهريًا.
4. هايدغر مناقضًا ذاته
في نهاية المطاف، يدفع هذا التحديد للعالم كوربان إلى اعتبار هايدغر في تناقض مع نفسه. هايدغر رفض ودحض ما سماه، مستخدمًا عبارة دلثي Dilthey التي ذكرناها من قبلُ، الرؤى العالمية Weltanschauungen في سعي كل منها إلى إعطاء صورة كونية واحدة للعالم53، تخرج في نهاية المطاف عن التاريخ. ولكنه، كما رأى كوربان، يقع نفسه في هذا الفخ؛ إذ إن تصوره للدازَين ولعالمه، وللكينونة في العالم تصورًا عينيا يضع كل المصطلحات في إطار المتناهي، وهو في الحقيقة رؤية كونية معيَّنة، بين الرؤى الأخرى، ولا يجب من ثم التوقف عنده فلسفة نهائية للوجود. يمكن للمفكر أن يبقى في هذه الرؤية إن أراد، ولكن يمكنه بالأخص أن يتجاوزها، فيثب خارجها، منتقلً في تحديد الموت من الكينونة نحو الموت إلى الكينونة ما بعد الموت54. يصبح الموت، إذ ا، شرط الإبداع، ليس فقط لأنه يشكل نهاية الإمكانيات الإبداعية وما يحث الدازَين على إقامة مشاريعه المستقبلية، بل أيضًا لأنه يشكل إمكانية الانتقال من المتناهي إلى الامتناهي، فيكون مشروعه أبديًا في عوالم التخيل.
خامسًا: التاريخ
تؤدي مسألة العالم والعوالم الآتية، والمتناهي والامتناهي، لا محالة، إلى اعتماد منظورٍ معين للتاريخ، يعتمده هايدغر مُنطَلقًا ثم يتجاوزه. يلتقي كوربان مع هايدغر في رفضه السببية التاريخية، فاصل معه بين التاريخ Geschichte والتأريخ Historie، والذي يظهر في أوضح صوره في التاريخانية Historismus55. يعطي هايدغر الأفضلية للتاريخ الذي يبدأ بتحديده في الكينونة والزمان56، ثم يتوسع به لاحقًا في عدة نصوص57. فعلم التاريخ مشتق من التاريخ الحق وهو تاريخ الدازَين، فردًا وشعبًا، أي كيفية تبنيه الزمن وظهوره فيه، ما يحدد كيانه العيني في مزاج حقيقته الأساسي Grundstimmung. يكون عندها الدازَين تاريخَه، يكون ما قد كان عليه Gewesenheit، وحاضره وتصميمه نحو المستقبل Zukunft، ولا يكون مجرد دارس لتاريخٍ ماضٍ هو موضوع علمي بحت58. يأخذ كوربان بكل تحليات هايدغر للتاريخ، معتمدًا عليها في دراساته الخاصة. ويأخذ بالأخص بفكرة القذف geworfen sind wir، في تاريخ له بداية ونهاية: كلنا، منذ ولادتنا في مكان وزمانٍوبين شعبٍ ما مقذوفون في تاريخ علينا أن نأخذه على عاتقنا، وأن نتحمل مسؤوليتنا فيه من خال اتخاذنا القرارات التي تناسب كينونته وزمانه59. ولكن لا تقتصر رؤية كوربان للتاريخ على هذا القذف الأول، في حقبة متناهية تحمل تقليدًا معينًا وما يترتب عليه تجاهنا، بل يرى في التاريخ أزمنة لا ينتهي فعلها ولا تقتصر في أثرها على المتناهي: هو يواجه التاريخانية، كما فعل هايدغر، ولكنه لا يقابلها بالتاريخ العيني فحسب، بل أيضًا بالباطنية60. وإضافة إلى ذلك، يتطلب تقصي الزمن بل الأزمنة الباطنة عنده تمعنًا ثيوصوفيًا، أي تعقبًا للحكمة الإلهية الامتناهية في تحديدها للزمن المتناهي ولظهورها فيه. كما أن هذا التعقب الباطن يكشف عن قانون يذكرنا بالمزاج الأساسي العيني عند هايدغر، فهو قانون سري يدير ما يحصل على نحو تحتي ويعطيه إيقاعه، ذبذبته وتأرجحه الزماني61. أما الوصول إليه وإلى طريقة عمله، فهو بعيد عن Grundstimmung الهايدغرية؛ إذ يكشف عن عملية ثيوغونية، تنفتح فيها ومن خال الغوص في معانيها الأزمنة شبه الامتناهية في داخل الله. يكشف
التاريخ عندها عن ماهيته كأزمنة إلهية تحدد ظهور ومرور العوالم. ودراسة هذه الأزمنة محددة للتاريخ الشعبي والعالمي تتطلب معها دراسة لما يربط بين الإلهي والبشري؛ أي مائكية تكشف عن معنى ودور المائكة في أقطار كل العوالم وانكشافها للفيلسوف الإسامي والمتصوف62. من هنا يتبين أخيرًا، أن التاريخ الذي ينشده ثم يفعِّله كوربان لتجاوز التاريخانية والتأريخ، ليس نوعًا من تاريخ الديانات الذي كان سائدًا في وقتها63، بل هو تاريخ غير وضعي نهائيًا، يجد معانيه وتوسعاته في الصلب الباطن، الجوهري، المتجاوز للزمان المتناهي، للتقليد. يقوم، إذ ا، المتناهي مجددًا على انكشاف الامتناهي وما يهبه كعالمٍ وراءه عوالم ممكنة أو ما بينية لا ينتهي تسلسلها والصات بينها.
خاتمة: انقلاب فينومينولوجي
يتجلى لنا بعد هذا المسار الفكري مع كوربان، بصحبة هايدغر وبعيدًا عنه في الوقت ذاته، أن الامتناهي، والله كإله لا يحده المتناهي وكأساس التجلي والفكر الجوهري والكاشف والباطن، قد حوَلّا مفهوم الموت ليصبح عتبةً ضرورية تنتقل بالإنسان نحو حقيقته وحريته المابعدية. إن الامتناهي يظهر كشرط إمكان المتناهي، وعليه كشرط إمكان الفكر الأكثر وفاءً له؛ أي فكر الإنسان في عينيته، باختصار: فكر هايدغر. من يقبل بتحليات كوربان العديدة يرى بالضرورة انقابًا في العاقة بالفينومينولوجيا: أكد كوربان أن فينومينولوجيا هايدغر الأنطولوجية – التأويلية كانت وما فتئت مفتاحًا لكل ما قرأه في ما بعد، ولكن يمكننا أن نؤكد، في نهاية هذه الدراسة، أن الامتناهي كما درسه وفهمه وحلله كوربان، هو، في انعكاسٍ مفاجئ، مفتاح العينية والدازَين، وذلك بمعنيَين: مفهوم أول يعطي للدازَين أهداف حدوده وإمكانياته ومعانيه، ومفتاح بوابة الدخول نحو عالم، بل عوالم أخرى تنتظر فكره وتعيد صياغة وجوده.
References
المراجع
العربية
أفاطون. فيدون. سلسلة محاورات أفاطون. ترجمة شوقي داود تمراز. مج 3. بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع،.1994
الأجنبية
Bayer, Raymond. Travaux du IXe Congrès international de philosophie (Congrès
Descartes). Paris: Hermann, 1937.
Camilleri, Sylvain & Daniel Proulx. «Martin Heidegger et Henry Corbin: Lettres et
documents (1930–1941).» Bulletin Heideggerien. vol. 4 (2014).
Campbell, J. (ed.). Man and Transformation. New York: Pantheon, 1964.
Corbin, Henry. «Trois entretiens sur l’histoire spirituelle de l’Iran.» Le Monde Non–
Chrétien. no. 43–44 (1957).
______. The Man of Light in Iranian Sufism. N. Pearson (trans.). Colorado: Shambhala
Publications, 1978.
______. «Eyes of Flesh and Eyes of Fire: Science and Gnosis.» Material for Thought.
no. 8 (1980).
______. The Concept of Comparative Philosophy. P. Russell (trans.). Ipswich, NH:
Golgonooza Press, 1981.
______. Cyclical Time in Ismaili Gnosis. London: Kegan Paul International and Islamic
Publications, 1983.
______. Temple and Contemplation. Philip Sherrard & Liadain Sherrard (trans.).
London; New York: KPI, 1986.
______. The Voyage and the Messenger: Iran and Philosophy. Joseph Rowe (trans.).
California: North Atlantic Books, 1998.
de Cusa, Nicolas. De la docte ignorance. Paris: PUF, 1930.
Grunebaum, Gustave von & Roger Caillous (eds.). The Dream and Human Societies.
California: University of California Press, 1966.
Heidegger, Martin. Beiträge zur Philosophie: Vom Ereignis. GA. Bd. 65. Frankfurt am
Main: Vittorio Klostermann, 1976.
______. Besinnung. GA. Bd. 66. Frankfurt am Main: Vittorio Klostermann, 1976.
______. Bremer und Freiburger Vorträge. GA. Bd. 79. Frankfurt am Main: Vittorio
Klostermann, 1976.
______. Erläuterungen zu Hölderlins Dichtung. GA. Bd. 4. Frankfurt am Main: Vittorio
Klostermann, 1976.
______. Gesamtausgabe. Frankfurt am Main: Vittorio Klostermann, 1976.
______. Hölderlins Hymnen «Germanien» und «der Rhein.» GA. Bd. 39. Frankfurt am
Main: Vittorio Klostermann, 1976 [1934–1935].
______. Holzwege. GA. Bd. 5. Frankfurt am Main: Vittorio Klostermann, 1976 [1938].
______. Logik: Die Frage nach der Wahrheit. GA. Bd. 21. Frankfurt am Main: Vittorio
Klostermann, 1976 [1925–1926].
______. Phänomenologie des Religiösen Lebens. GA. Bd. 60. Frankfurt am Main:
Vittorio Klostermann, 1976.
______. Sein und Zeit. GA. Bd. 2. Frankfurt am Main: Vittorio Klostermann, 1976.
______. Unterwegs zur Sprache. GA. Bd. 12. Frankfurt am Main: Vittorio Klostermann,
______. Vorträge und Aufsätze. GA. Bd. 7. Frankfurt am Main: Vittorio Klostermann,
______. Wegmarken. GA. Bd. 9. Frankfurt am Main: Vittorio Klosterman, 1976 [1946].
______. Zur Bestimmung der Philosophie: 1. Die Idee der Philosophie und das
Weltanschauungsproblem. GA. Bd. 56–57. Frankfurt am Main: Vittorio Klostermann,
Landolt, Hermann. «Henry Corbin, 1903–1978: Between Philosophy and Orientalism.»
Journal of the American Oriental Society. vol. 119, no. 3 (July–September 1999).
Mattéi, Jean–François. Heidegger et Hölderlin: Le Quadriparti. Paris: PUF, 2001.
McGrath, Sean J. «Heidegger and Duns Scotus on Truth and Language.» The Review
of Metaphysics. vol. 57, no. 2 (December 2003).
Miller, David L. The New Polytheism: Rebirth of the Gods and Goddesses. Dallas, TX:
Spring Publications, 1981.
Shayegan, Daryush. Henry Corbin: La Topographie Spirituelle de l’Islam Iranien.
Paris: Éditions de la différence, 1990.
Wasserstrom, S. M. Religion after Religion: Gershom Scholem, Mircea Eliade, and
Henry Corbin at Eranos. Princeton: Princeton University Press, 1999.