Return to Article Details Book Review: They Too Are Called Human Gentiles in the Eyes of Maimonides

مراجعة كتاب: وعليهم أيضًا يطلق اسم إنسان: الأجنبي (غير اليهودي) بعيني موسى بن ميمون

Book Review: They Too Are Called Humans: Gentiles in the Eyes of Maimonide s Author: Menachem Kleiner

نبيه بشير

Nabih Bachir

الملخّص

يتشكّل الكتاب من ثمانية فصول إضافة إلى افتتاحية وبيان شخصي ومقدمة وخاتمة وقائمة المصادر والمراجع والفهارس. تأتي جميع هذه الفصول لتوضيح قضية بالغة الأهمية، وهي هدف الكتاب الأساس، ومفادها أن العديد من الباحثين ورجال الدين استخدموا كتابات بن ميمون، لشهرته البالغة وسلطة المركزية في الدراسات الدينية اليهودية حتى وقتنا الحاضر، وقاموا بتأويلها بحيث تعزّز طروحاتهم الدينية-السياسية التي تؤكّد على الخصوصية اليهودية وفرض هوة جوهرية تفصل اليهودي عن غير اليهودي. إن التراث الديني اليهودي، كأي تراث ديني آخر، مليء بكل التوجّهات الممكنة، ويتعلّق الأمر بالقارئ والدارس عمّا يبحث، وما هي المصادر التي ينكشف إليها، فإن أراد تعزيز نزعاته الإنسانية والعالمية وجد في التراث ما يدعم ذلك، وإن أراد عكس ذلك وجده أيضًا.

Abstract

Nabih Bashir received his Ph.D in Jewish Though from the University of Ben–Gurion of the Negev – Israel. He is a researcher in two main subjects: medieval Jewish theology and exegeses in the Islamicate world and history of the Zionist idea. He is working as an adjunct lecturer – Master Program in Israeli Studies, Center for Advanced Studies, Birzeit University – Palestine.

الكلمات المفتاحية:
  • المجتمع اليهودي
  • موسى بن ميمون
  • مناحيم كلنر
  • الهوية اليهودية
  • يهودا اللاوي
  • إسرائيل
  • القرون الوسطى
  • التراث اليهودي
Keywords:
  • The Jewish Community
  • Moses Maimonides
  • Menachem Kleiner
  • Jewish Identity
  • Medieval Age
  • Jewish Heritage

نبيه بشير | Nabih Bashir * ((3(

بن ميمون (بالعبرية.) المؤلف:

مناحيم كلنر. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات:

222 صفحة.

الإسرائيلية بكلية الدراسات العليا في جامعة بيرزيت بفلسطين.

Book Review:

They Too Are Called Humans:

Gentiles in the Eyes of Maimonide s Author: Menachem Kleiner

عنوان الكتاب: وعليهم أيضًا يطلق اسم إنسان: الأجنبي (غير اليهودي) بعيني موسى

دار النشر التابعة لجامعة بار إيان، سلسلة «محشفوت»، رمات غان.

الفكر والتفاسير اليهودية للتوراة في الحواضر الإسامية في العصور الوسطى. يشغل وظيفة أستاذ غير متفرّغ ضمن برنامج الدراسات

مقدمة

يتصارع طرحان رئيسان بشدّة داخل البيت اليهودي منذ القدم حتى يومنا هذا بخصوص تعريف الهوية اليهودية. فالأول والأقدم، على ما يبدو، يتمسّك بطرح الجوهر

اليهودي الخاص (اللّب)، في مقابل باقي الشعوب (القشرة)، أي إنّ هناك فرقًا جوهريًا

روحيًا و«عرقيًا» يفصل اليهود «الصرحاء» (من

بني إسرائيل القدماء، خافًا لتلك الفئة من المتهوّدين) عن بقية بني البشر. اتخذ هذا الطرح

شكله الاهوتي المنهجي في كتاب الرد والدليل في الدين الذليلالمعروف ب الكتاب الخزري، للشاعر والأديب القروسطي الأندلسي يهودا الاوي، وهو ما يصطلح عليه الباحثون طرح «الخصوصية» Particularism. وبحسب هذا الطرح، وضع الباري «أمرًا إلهيًا» في اليهودي، في

حين خلق بقية الشعوب الأخرى كقشرة الثمرة لحماية هذا «اللُّب» (اليهودي). أما الطرح الثاني، فيؤكّد على أن جميع بني البشر خلقوا بالتساوي «بصورة الله وشبهه» (وفق بعض تأويات ما يرد في سفر التكوين:1 26)، وأن «الأفضلية» اليهودية تكمن في تلقّيها الرسالة؛ أي في الإيمان بالله وعبادته، لا في أمر «جوهري» آخر. ويصطلح الباحثون على هذا الطرح الثاني تعبير طرح «العالمية» Universalism، وأقدم وأفضل ممثّل لهذا التوجّه الثاني هو الحاخام سعيد بن يوسف

الفيومي (قرية دلاص في محافظة الفيوم ونشط في بغداد، ت. 942 م)، إلا أن مصنّفات الفقيه الطبيب موسى بن ميمون (قرطبة، الأندلس، ت.

(((أبو الحسن يهودا الاوي الأندلسي (1141–1085 م تقريبًا)،

الكتاب الخزري – الرد والدليل في الدين الذليل، نقله إلى

الحرف العربي وعارضه وعلّق عليه نبيه بشير (بيروت: منشورات الجمل،.)2012

1204 م) قد حجبت غالبية مصنّفاته. ويستعرض الكتاب الذي نحن بصدد عرضه التصارع بين هذين الطرحيْن في العصر الحالي؛ في العالم

اليهودي عمومًا، وفي إسرائيل خصوصًا.

الكاتب ودافعه الرئيس لنشر الكتاب

يجزع الكاتب من تسارع توجّه يهود العالم بصفة

عامة، والمجتمع اليهودي في إسرائيل بصفة خاصة، على صعيد تأوياتهم الدينية، إلى تبنّي التعصّب القومي واستعداء المحيط العربي

وثقافاته والاستعاء على بقية بني البشر. يتعزّز

جزع الكاتب في ضوء حقيقة التحولّات الجذرية

الطارئة على الوعي السياسي لدى شرائح واسعة جدًا في المجتمع الإسرائيلي، والتي تتلخّص في التزاوج العميق بين الأيديولوجيات السياسية اليمينية والتأويات الدينية التي تنسجم مع هذه الأيديولوجيات. مناحيم كلنر ولد في مدينة نيويورك سنة 1946 ويقيم حاليًا في القدس. وهو باحث يهودي

أميركي يعتبر أحد أهم الباحثين في الفكر اليهودي في القرون الوسطى عمومًا وفكر موسى بن

ميمون خصوصًا، كما يتضح من عناوين كتبه.

درس في جامعة واشنطن حتى نال الدكتوراه، بعد دراسته في كلية يهودية دينية Hebrew في الولايات المتحدة Theological College الأميركية والمدرسة الدينية مركاز هراب في البلدة القديمة في القدس (1962–1960)، وهي تعتبر إحدى أهم المدارس العليا للدراسات الدينية التي تعتمد التأويات المتطرّفة للحاخام أبراهام

(((أفردتُ كتابًا خاصًا بهذا الموضوع، انظر: نبيه بشير، عودة

إلى التاريخ المقدّس: الحريدية والصهيونية (دمشق: قدمس،

كوك، والمعروف بوصفه الأب الروحي للتيار القومي الديني. عمل أستاذ ا زائرًا في العديد من

الجامعات الأميركية وهاجر إلى إسرائيل في عام 1980 حيث عيّن أستاذًا في الفكر اليهودي في

جامعة حيفا قبل أن يستقر به الحال كأستاذ متقاعد في كلية «شليم» في القدس حتى الآن. ويمكننا أن نلمس في كتاباته، وفي معرض اللقاءات الشخصية به، ميله إلى التأكيد على الرسالة العالمية لليهودية ومدّها بتأويات إنسانية والابتعاد عن خصوصية اليهودية واليهود، وتأكيده على مقولة قديمة للفيومي مفادها أن أمّة بني

إسرائيل «إنما هي أمّة بشرائعها» (كتاب المختار

في الأمانات والاعتقادات)7:3.

تفاصيل الكتاب ومضامينه

يحتوي الكتاب على ثمانية فصول، إضافةً إلى افتتاحية وبيان شخصي ومقدمة وخاتمة وقائمة

(((أعمل حاليًا على تحقيق هذا الكتاب من جديد وإصداره

باللسان العربي. وفيما يلي قائمة بكتب المؤلف بالإنكليزية:

Menachem Kellner, Dogma in Medieval Jewish Thought: From Maimonides to Abravanel (Oxford: Oxford University Press, 1986); Menachem Kellner, Maimonides on Human Perfection , Brown Judaic Studies , no. 202 (Atlanta: Scholars Press, 1990); Menachem Kellner, Maimonides on Judaism and the Jewish People (Albany: SUNY Press, 1991); Menachem Kellner, Maimonides on the Decline of the Generations and the Nature of Rabbinic Authority (Albany: SUNY Press, 1996); Menachem Kellner, Maimonides Confrontation with Mysticism (Oxford: Littman Library of Jewish Civilization,‎‪ 2006); Menachem Kellner, Science in the Bet Midrash: Studies in Maimonides (Brighton: Academic Studies Press, 2009); Menachem Kellner, Torah in the Observatory: Gersonides, Maimonides, Song of Songs (Brighton: Academic Studies Press, 2010); Menachem Kellner, James A. Diamond & Seth Kadish‬, Reinventing Maimonides in Contemporary Jewish Thought (London: Littman Library of Jewish Civilization in association with Liverpool University Press, 2019).‬

مصادر ومراجع وفهارس. وتأتي جميع الفصول لتوضيح قضية بالغة الأهمية، وهي هدف الكتاب الأساس، مفادها أن العديد من الباحثين ورجال الدين استخدموا كتابات ابن ميمون، لشهرته البالغة وسلطته المركزية في الدراسات الدينية اليهودية حتى وقتنا الحاضر، وقاموا بتأويلها بحيث تعزّز طروحاتهم الدينية – السياسية التي تؤكّد على الخصوصية اليهودية وفرض هوة جوهرية تفصل اليهودي عن غير اليهودي. ولا يعتبر استخدام كتابات ابن ميمون استثناءً، بل إنه

حالة دراسية لتوضيح مجمل التعامل الإشكالي مع الموروث اليهودي بصورة عامة. ويحتوي الموروث الديني اليهودي، كأي تراث ديني آخر، على كل التوجهات الممكنة، ويتعلّق الأمر بالقارئ وبالدارس عمّا يبحث، والمصادر التي

ينكشف إليها، فإن أراد تعزيز نزعاته الإنسانية والعالمية وجد في التراث ما يدعمه، وإن أراد عكس ذلك وجده أيضًا.

الإشكالية الأساس: التلاعب الحديث بالموروث اليهودي

يسعى الكاتب من خال عرض هذه الكتابات المستخدمة نفسها للكشف عن البعد العالمي المخالف لهذه الخصوصية وتوضيح كيفية التاعب بهذه النصوص. وتعتبر قضية استخدام النصوص القديمة بغية تعزيز طروحات دينية– سياسية معاصرة بالغة الأهمية والخطورة، وتحديدًا لأنها مستخدمة من طرفين متناقضين؛ إذ نشهد في الطرف الثاني كذلك باحثين يجتهدون جدًا في تأويل هذه النصوص الأساسية في التراث اليهودي بغية استنتاج أنها، واليهودية برمتها، منسجمة مع العالمية ومع روح الحداثة

والعقانية. وعلى ما يبدو فإن الكاتب ينتمي إلى هذا الطرف الثاني. والسؤال المركزي الذي يتبادر إلى الذهن سريعًا هو: لماذا يجب التعامل

مع جميع هذه الكتابات بصفتها حزمة واحدة وعدم التمييز بين مكوّناتها؟ ولماذا من الصعب القول إن

العديد أو البعض من هذه الكتابات كان عنصريًا أو

معاديًا للأغيار أو يؤكّد على الخصوصية اليهودية

وتفسير ذلك تفسيرًا تاريخيًا وسوسيولوجيًا بما

ينسجم مع المفاهيم التي كانت سائدة في ذلك العصر؟ ولماذا يجب محاولة تبرير المقولة التالية المنسوبة إلى الحاخام شمعون بار يوحاي (ت. 160 م تقريبًا): عليكم (اليهود) يُطلق اسم إنسان

(آدم) ولا يُطلق على الأجانب (غير اليهود) اسم

إنسان (آدم)» (التلمود البابلي، باب متسيعا 114 ب)، برغم تسرّبها إلى مصنّفات غالبية رجال

الدين اليهود وتوجهاتهم قديمًا؟ لماذا لا يمكن

ببساطة تجاهلها أو القول إنها تعبّر عن توجّه هذا

الحاخام الشخصي وإنها غير ملزمة لأحد؟ يكمن الجواب في رأيي في نظرة المتدينين عمومًا إلى

الموروث الديني في محورين مركزيين. هناك إشكالية بالغة بالطبع في تعريف هذا «الموروث» وتعيين حدوده الزمكانية، ولكنها مسألة أخرى وإن

(((أفردتُ فصلً فرعيًا في أطروحة الدكتوراه بعنوان «آداب

السلف – تراث صقيل»، يهدف إلى الكشف عن مساعي أهم أعام البحث الأكاديمي في الموروث اليهودي، منذ مطلع القرن العشرين حتى يومنا، المنتمين إلى التيار الذي يسعى جاهدًا

للتوفيق بين الموروث اليهودي والحداثة، وأهمهم ليفي غينسبورغ (1873–1953)، وأفرايم إلميلخ أورباخ –1912(1991). انظر: نبيه بشير، «المائكة في الفكر الاهوتي وتفسير الحبر الأعظم سعيد بن يوسف الفيومي: الإنسان هو غاية الخلق»، أطروحة دكتوراه، جامعة بن غوريون في النقب، بئر السبع، 2015، الفصل الثالث، المادة الأولى (بالعبرية.) (((تجدر الإشارة إلى أن كلمة «آدم» العبرية تستخدم كاسم علم ل «آدم»، وللدلالة على نوع الإنسان بالجملة، وعلى كل إنسان فرد كذلك؛ لهذا يمكن بسهولة تأويل هذه المقولة على عدة أوجه.

كانت مهمة ومحورية فإنها خارج نطاق استعراضنا

الحالي. أول، إنهم يتعاملون مع هذا الموروث بوصفه حزمة واحدة لا تتجزأ، بالرغم من اعتراف بعضهم بأن بعض أجزائه يتعارض ويتصادم بصورة مباشرة مع أجزائه الأخرى. ثانيًا، تقديس هذا

الموروث بحيث يصبح من العسير جدًا على رجال الدين والمتدينين رؤية هذا التعارض والتصادم بين نصوصه. فعند تقديس الحزمة بكل ما تحتويه، لا نعود ناحظ التناقضات ولا الاختافات. أما في تلك الحالات القليلة التي يواجهون فيها نصّين

متعارضين بصورة جلية، فإنهم سريعًا ما يجدون

لهذا التعارض مخرجًا، والحقيقة أنهم لامعون في

إيجاد المخارج لأنه جلّ عملهم؛ خاصةً رجال الدين منهم. ولكن قبل الدخول في صلب الموضوع، تجدر الإشارة إلى أن مثل مقولة بار يوحاي هذه تتسرّب كذلك إلى مصنّفات غالبية

رجال الدين والمتدينين اليهود وتوجّهاتها في

العصر الحديث، ولهذا تعتبر محاولة تبريرها وتأويلها كما يبدو بالغة الأهمية. وفيما يلي سأتناول أحد الأمثلة الواضحة الثابتة في الموروث الديني اليهودي، والذي يتوقف عنده الكاتب. وصف الباحث دانيال لاسكر، وهو أستاذ متقاعد في جامعة بن غوريون في النقب، نظرة ابن ميمون إلى الأمم غير اليهودية مقارنةً بالأمة اليهودية على النحو المجازي التالي: يكمن الاختاف المركزي بين اليهودي وغير اليهودي من منظور ابن ميمون في المكوّنات المادية للحاسوب Hardware

وليس في برمجياته Software؛ إذ إن جميعهم بشر ونسل آدم، ومن هنا فإن جميعهم متساوون على هذا الصعيد، ولكن اليهود يقومون بتشغيل برامج مختلفة عن برامج بقية الأمم الأخرى؛ فبرامج اليهود تتجلّى فيما يطلقون عليه تعبير «توراة»، وهي أفضل البرامج على الإطاق، بينما

تقوم بقية الأمم بتشغيل برامج أخرى، وهي برامج أقل قيمة وجودة وفق ابن ميمون. يطلق الكاتب على هذا التمييز الميموني تعبير «المنظور العالمي». وفي مقابل «منظور الخصوصية»، يرى بن ميمون أن جميع البشر يولدون مع عقل كامن «العقل بالقوة» (باصطاح الفاسفة القروسطيّين)،

ولكن يتلخّص أحد الاختافات المركزية بينهم

في القدرة والجهد المبذولَين لإخراج هذا العقل إلى حيز التنفيذ («العقل بالفعل»). وبناءً عليه،

فإنه لا يوجد اختاف جوهري بين اليهودي وغير اليهودي بهذا المعنى، إلا أن شرائع التوراة ودراستها والتعمّق فيها تعزّز «العقل بالفعل» أكثر

من أي شرائع أخرى (انظر كتابه موسى بن ميمون حول اليهودية والشعب اليهودي.)

كيفية التلاعب بالموروث اليهودي في عصرنا

جاء في العديد من مخطوطات المشنا، وهو أول مصنّف لما يطلق عليه «التوراة الشفوية» التي تعنى بفقه الشريعة ويمثّل متنًا للتلمود، ما يلي: «كل مَن يتسبّب بفقدان نفس من بني إسرائيل

ينطبق عليه ما ورد مكتوبًا كأنه قتل العالم جميعًا،

وكل من يقيم نفسًا من بني إسرائيل ينطبق عليه ما

ورد مكتوبًا كأنه أقام العالم جميعًا». ولكنْ ترد

هذه الجملة في مخطوطات أخرى من دون الكلمات «من بني إسرائيل» في المكانين. أدّى

هذا الاختاف ببعض الباحثين إلى البحث أكثر

(((انظر كذلك مصنّف ابن ميمون الفلسفي: موسى بن

ميمون، دلالة الحائرين، تحقيق حسين آتاي (القاهرة: مكتب الثقافة الدينية،.)2007 (((متن التلمود المشنا (6 أقسام)، القسم الرابع: نزيقين –

الأضرار، ترجمة مصطفى عبد المعبود (الجيزة: مكتبة النافذة، 2007)، «المبحث الرابع: مبحث السنهدرين»، ص 161 (مع إجراء بعض التغييرات الطفيفة على الترجمة.)

فأكثر أملً في الوصول إلى الصيغة «الأصلية.» وعلى سبيل المثال، أفضت إحدى دراسات الباحث أفرايم أورباخ المستفيضة في المخطوطات المتوافرةإلى ترجيح الصيغة الثانية المكتوبة من دون الكلمات «من بني إسرائيل». ومن أهم الإشكاليات الجوهرية الكامنة في هذه الدراسة أنها تتجاهل مسألة الفترة الزمنية الهائلة التي تفصل بين فترة تدوين المشنا (في بداية القرن الثاني للمياد) وأقدم هذه المخطوطات المتوافرة (القرن الحادي عشر للمياد). أما الإشكالية الجوهرية الأخرى فتتلخص في تجاوز أورباخ حقيقة، مرّ عليها

مرور الكرام، مفادها أن هذه الجملة قد وردت في سياق محدّد جدًا، ألا وهو سياق تحذير قضاة المحكمة اليهودية العليا (السنهدرين)، التي تقام عند إنشاء المملكة اليهودية، لكل شاهد يمثل أمامها في قضايا القتل؛ إذ يتعيّن عليه الحذر في

شهادته، وأن يكون متيقنًا من كل شيء يشهد به لأن مصير المتّهم بين يديه. وتكمن الإشكالية في أن القضاة والمتّهمين وكذلك جمهور الشاهدين، جميعهم من اليهود، كما يخبرنا أورباخ نفسه. وقد اعتمد الكاتب، مناحيم كلنر، على دراسة أورباخ هذه لتعزيز طرحه، وأضاف شاهدًا آخر ألا وهو ما جاء في القرآن الكريم وهو الشاهد الأقدم

فعلً: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلكَِ كتَبْنَا علَى بَني إِسْرَائِيلَِ أَنَّهُ

مَنْ قتلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فسَادٍ فِي الْ رْضِ

(((أفرايم إلميلخ أورباخ، «كل من يقيم نفسًا... تحولّات

الصيغة، تغييرات الرقابة وتدخّل الناشرون»، تربيتس (مجلة

بالعبرية)، العدد 40 (1971)، ص.284–268 (((تجدر الإشارة إلى أن بعض الباحثين، ومن ضمنهم كلنر، يعتقدون أنه ليس هناك أي مانع شرعي لمثول متهم أو شاهد من غير اليهود أمام قضاة المحكمة العليا، ولكنني لا أتفق معهم. وتعتبر هذه المسألة، على أقل تقدير، خافية جانبية، يضيق المجال هنا لتوضيحها.

فكأَنّمَا قتلَ النَّاسَ جَمِيعًا ومَنْ أَحْيَاهَا فكأَنّمَا أَحْيَا

النَّاسَ جَمِيعًا ولقَدْ جَاءَتْهُمْ رسلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ

كَثيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلكَِ فِي الْ رْضِ لَمُسْرِفُون ﴾َ

(المائدة: 32). ويرى كلنر أن هذه الآية تعتبر شاهدًا ممتازًا؛ إذ لم ترد عبارة «من بني إسرائيل» فيها. ولكن، يمكن بالطبع تأويل هذه الآية بحيث تستقيم مع المعنى الخاص، أي أن جميع ما ذكر في الآية إنما يصحّ على بني إسرائيل وحدهم،

ولكنها مسألة جانبية غير ذات صلة بما نحن بصدده. إضافة إلى هذه المخطوطات وشهادة القرآن الكريم، يضيف الباحثان أورباخ وكلنر أقدم مخطوطات مصنّف تثنية التوراة لموسى بن ميمون، وهي الصياغة المعتمدة في الطبعة السائدة، وتعتمد الصيغة الثانية. ولكن كل هذا الجهد الأكاديمي المبذول ليس من شأنه أن يغيّر من حقيقة أن الصيغة السائدة بين

العامة وبين جلّ رجال الدين اليهود في عصرنا، تستند إلى الصيغة الأولى، وتغيب الصيغة الثانية سوى بين ثلّة من الباحثين وبعض رجال الدين الضالعين في تاريخ مخطوطات المشنا. أما الافت لانتباه، فهو استغال هاتين الصيغتين على أيدي أشخاص مختلفين لغايات مختلفة. فقد اعتمد قاضي المحكمة العليا، ميشئيل حيشن، في معرض ردّه على استئناف عامي بوبر،

الذي قتل سبعة عمّال فلسطينيين من قطاع

غزّة، على الحكم الصادر في حقّه، على صيغة

ابن ميمون. وكذلك فعل شاؤول موفاز بصفته وزيرًا للمواصات في الحكومة الإسرائيلية برئاسة

إيهود أولمرت، في الفترة (2009–2006)، حين

(((1 موسى بن ميمون، تثنية التوراة، مبحث القضاة، شرائع السنهدرين، 12، ز. (((1 ملف جنائي 1742/91 عامي بوبر ضد دولة إسرائيل (تاريخ:

1997/12/4)، قرارات المحكمة العليا، مج 51 (5)، لعام.1997

نشر مقالة بعنوان «كل من يقيم نفسًا كأنه أقام

العالم جميعًا»، يدعو فيها رجال الدين والقيادات الدينية في إسرائيل إلى التأكيد أمام الجمهور على ضرورة القيادة السليمة على الطرقات. وعلى نحو مشابه، تقوم دائرة الإسعاف الحكومية في إسرائيل بمنح بطاقة لكل شخص يوافق على التبرّع بأعضائه عند وفاته، وتحمل البطاقة العبارة

«كل من يقيم نفسًا كأنه أقام العالم جميعًا». أما

بنيامين نتنياهو فقد اعتمد الصيغة الأولى، في معرض خطابه أمام حكومته للتصديق على قرار صفقة شاليط لتبادل الأسرى مع حركة حماس (يوم 11 تشرين الأول/ أكتوبر 2011)، مع إدخاله تغييرًا طفيفًا غير جوهري: «إن شعب إسرائيل هو

شعب مميّز. إننا نعاضد بعضنا بعضًا. وكما قال

حكماؤنا: كل من يُنقذ نفسًا من بني إسرائيل كأنه

أنقذ العالم جميعًا». يسود هذا المعنى وهذه الصيغة الأخيرة في المجتمع الإسرائيلي والعالم اليهودي أجمع، فضلعن يهود الولايات المتحدة، خاصة في العقود الأخيرة، كما تشير العديد من الدراسات ومن ضمنها الكتاب الذي نحن بصدد مراجعته.

(((1 شاؤول موفاز، «كل من يقيم نفسًا كأنه أقام العالم

جميعًا»، صحيفة معاريف (النسخة الرقمية بالعبرية)،

2007/3/26، شوهد في 2018/12/1 في،: https://bit. ly/2ILOiae. ومن الطريف الإشارة إلى أن المستوطنين في الضفة الغربية ينصبون «يافطة» واحدة بالعربية تطالب السائقين بالحذر وعدم الانشغال بالهواتف النقالة خال السفر على الطرقات، لا لأن هؤلاء المستوطنين يخشون على حياة السائقين

الفلسطينيين، بل لأن حادثًا مروريًا كهذا من شأنه أن يتسبّب في

حادث مع سيارات المستوطنين وحافاتهم. ويبدو أن الوزير موفاز اعتمد هذه الصيغة للهدف ذاته. (((1 إيلي برنشتاين، «نتنياهو: جلعاد شاليط سيعود إلى البيت

في الأيام القريبة»، صحيفة معاريف (النسخة الرقمية)، 2011/10/11، شوهد في 2018/12/1 في،: https://bit.

ly/2GmKxVO (يمكن الاستماع إلى الخطاب كاملً.)

جاء في البيان الشخصي للكاتب بعد الافتتاحية

مباشرة، وكذلك في الخاتمة، أنه يلمس تحوّلً

جذريًا في الجيل الشاب اليهودي في إسرائيل

والولايات المتحدة على صعيد فهمهم الاختاف الذي يفصل بين اليهودي وغير اليهودي. فبينما ترعرع هو ومعارفه في الولايات المتحدة على أن الاختاف بين اليهود وغيرهم يعود إلى «أسباب تاريخية وسوسيولوجية والتفاني في العبادة عملً بشرائع التوراة»، فإنه يعود بحسب الجيل الجديد من خرّيجي وزارة المعارف الإسرائيلية و«منهاجها

الدراسي المعتمد في المدارس اليهودية»، لا سيما تلك «المدارس التابعة للتيارين الصهيوني الديني والأرثوذكسي على حد سواء»، إلى أسباب «الأفضلية الجينية» لليهود على بقية الشعوب الأخرى (ص. 13). وقد لخّصت سلسلة طويلة من رجال الدين والقيادات السياسية اليهود المعاصرين، لا سيما المنتمين إلى التيار الصهيوني الديني والأرثوذكسي، هذا التوجّه

وأكّدت عليه بوصفه «حقيقة كامنة في شريعة التوراة». وعلى سبيل المثال، نشر الحاخامان إسحاق شبيرا ويوسف إليتسور، المنتميان إلى التيار الأرثوذكسي الصهيوني واللذان شغا منصب إدارة المدرسة الدينية في مستوطنة يتسهار جنوب نابلس، كتابًا في قسمين بعنوان شريعة

الملِك (صدر القسم الأول في عام 2009، والثاني في عام 2016). يعالج القسم الأول، الذي يحمل العنوان الفرعي: «أحكام القتل بين إسرائيل وبقية الشعوب»، قضايا خاصة بالمسوغات الشرعية لقتل غير اليهودي في السلم والحرب وفق الشرع

(((1 نشر القسم الأول من الكتاب بالعربية كذلك، انظر:

يتسحاق شابيرا ويوسيف إليتسور، شريعة الملك: شريعة قتل

الأغيار. ترجمة وإعداد محمود مندور وخالد سعيد (القاهرة: مكتبة الشروق الدولية، 2011). ولكن لم يتسنَّ لي الاطاع على

الترجمة العربية عند كتابة هذه المراجعة.

اليهودي. أما القسم الثاني، فيعالج الشرائع الخاصة للحياة العامة والنظام السياسي وفق الشرع اليهودي. وقد جاء في القسم الأول ما معناه أنه يجب على الشخص المقيم في «أرض إسرائيل» العمل وفق «وصايا نوح السبع»، ومن ينتهك إحداها وجب قتله، وكذلك وجب قتلهم جميعًا في أوقات الحرب. ونكتشف عند

التقدّم في قراءة القسم الأول، أن الكاتبين يعتمدان على مصنّفات ابن ميمون للقول إنه

يجب القضاء على جميع مَن هم مِن غير اليهود؛

«إذ إن هؤلاء الأغيار أقرب إلى الحيوان منه إلى الإنسان». ووفق هذه القراءة، ينتج أنه «إذا رأى شخص يهودي أي شخص غير يهودي يتناول حبة خيار مخلّلة في الدكان من دون أن يدفع ثمنها وجب عليه قتله فورًا» من دون محاكمة،

ولا ضرورة لأي شاهد آخر، وذلك لأنها سرقة، وحكم السرقة وفق تأويل مخالفة «وصايا نوح السبع» هو القتل. وبناء عليه، فإن الأشخاص الذين يطالبون بأجزاء من «أرض إسرائيل»، وإن كان بصورة سلمية، وجب قتلهم جميعًا، إذ تعتبر

هذه المطالبة في حد ذاتها سرقة حكمها القتل. ويصرّح الكاتبان بصورة واضحة بالقول: «على

جميع الأحوال تخبرنا (كتب التراث اليهودي) أنه في حال الاعتقاد أن رضيعًا (من غير اليهود)

سيكبر وسيضرّ بنا وجب قتله» (ص. 14) يتبنّى الكثير من الحاخامات ورجال الدين اليهود، إن لم يكن غالبيتهم، التوّجه القائل ب «الأفضلية

(((1 ورد في التراث اليهودي أن الباري فرض على اليهود 613 شريعة، في حين فرض على غير اليهود سبع فرائض فقط، وهي: تحريم عبادة الأوثان (العبادة الغريبة)، وتحريم سب الرب، وتحريم القتل، وتحريم سفاح المحارم، وتحريم السرقة، وتحريم أكل الحيوان وهو حي، وإنشاء منظومة قضائية لضمان عدم انتهاك تحريم هذه الشرائع الست.

الجينية» لليهود على غير اليهود. ومن الأمثلة الدالة على ذلك قول الحاخام شلومو أبينير، حاخام مستوطنة بيت إيل بمحاذاة رام الله، ما يلي: «إننا شعب خاص لا بفضل حصولنا على التوراة، بل إننا حصلنا على التوراة لأننا شعب خاص، وذلك لأن التوراة مائمة إلى حدّ بعيد

لطبيعتنا الداخلية. فإن لهذه الأمة (اليهود) طبيعة خاصة، شخصية وعالمًا نفسانيًا جماعيًا، شخصية

إلهية خاصة، ورب العالمين هو الذي خلق هذه الأمة الخاصة (وفق ما ورد): هذا الشعب خلقته لنفسي، إنه يُحدّثُ بتسبيحي (إشعياء:43.)21

هناك من يتهمنا بأننا عنصريون، وردّنا هو[...]

إذا كان معنى العنصرية أننا مختلفون وأسمى من الشعوب الأخرى، وبفضل ذلك نجلب البركة للشعوب الأخرى، حينها نعترف أننا مختلفون عن كل شعب (آخر)، لا بلون البشرة، وإنما بطبيعة روحنا، والتوراة تعبّر عن مكنوننا الداخلي» (ص

15). يستند مثل هؤلاء الحاخامات، من بين جملة المصادر، إلى كتاب الخزريلأبي الحسن يهودا الاوي الذي سعى لتأسيس هذا التوجّه

منهجيًا كما ذكرنا. ويستعرض الكاتب موقفًا قريبًا آخر من موقف

أبينير هو موقف رئيس الجامعة الدينية اليهودية الأشهر في نيويورك University Yeshiva، أستاذ التلمود الحاخام هرشل شختر (ص. 18)–17 ويتناول الكاتب هذه الأمثلة الثاثة بوصفها تعكس المواقف السائدة بين يهود إسرائيل ويهود العالم في الوقت الحالي، ويؤكّد على أن جميعها تستند بصورة مركزية إلى مصنّفات ابن ميمون إلى

المراجع

العربية

ابن ميمون، موسى. دلالة الحائرين. تحقيق حسين آتاي. القاهرة: مكتب الثقافة الدينية،.2007

جانب كتب تراثية يهودية أخرى. وتأتي جميع فصول الكتاب عمليًا لتفضح التاعب بما جاء

في كتب ابن ميمون لتعزيز التوجّهات

الأيديولوجية والسياسية لهؤلاء.

خاتمة

لا تكمن أهمية هذا الكتاب في فضح بعض أوجه التاعب بالموروثات الدينية بغية إضفاء الشرعية على توجّهات وأيديولوجيات معاصرة وتعزيزها

فحسب، بل في منحنا أدوات بحثية لاكتشاف مثل هذا التاعب أيضًا. كذلك، يؤكد الكتاب، ولو بصورة غير صريحة، على منهجية سائدة بين الكثير من الباحثين لإعادة تأويل الموروثات الدينية؛ بحيث تستقيم مع أسس ومقولات الحداثة وضروريات الحياة المعاصرة. ولكن الأمر الأكثر تعقيدًا هو أن اعتماد مثل هذه المنهجية يستدعي بالضرورة ردود فعل من أطراف معارضة، ينتج منها اعتماد طريق معاكس يتلخّص في إعادة قراءة الحداثة وضروريات الحياة المعاصرة؛ بحيث تستقيم مع القراءات «التقليدية» للموروث الديني، وهو بالفعل ما يجري حاليًا في

مؤسّسات وحركات كثيرة في إسرائيل، على أقل

تقدير، كما تخلص العديد من الدراسات المنشورة في العقدين الأخيرين في إسرائيل وخارجها. وبغية انخراط الباحث العربي في مثل هذا المجهود البحثي، لا بد من تهيئة مناهج تعليمية مائمة في الجامعات ومراكز الأبحاث العربية، الأمر الذي يتطلّب وضع إستراتيجيات طويلة الأمد لبلوغ مثل هذا الهدف.

References

إلميلخ أورباخ، أفرايم. «كل من يقيم نفسًا... تحولّات الصيغة، تغييرات الرقابة وتدخّل الناشرون.» تربيتس (مجلة بالعبرية). العدد 40 (1971)، ص.284–268 بشير، نبيه. «المائكة في الفكر الاهوتي وتفسير الحبر الأعظم سعيد بن يوسف الفيومي (بغداد، القرن 10 م): الإنسان هو غاية الخلق». أطروحة دكتوراه. جامعة بن غوريون في النقب، بئر السبع،

._____ عودة إلى التاريخ المقدّس: الحريدية والصهيونية. دمشق: قدمس،.2005 الاوي، أبو الحسن يهودا. الكتاب الخزري – الرد والدليل في الدين الذليل. نقله إلى الحرف العربي وعارضه وعلّق عليه نبيه بشير. بيروت: منشورات الجمل،.2012 متن التلمود (المشنا، 6 أقسام). ترجمة مصطفى عبد المعبود. الجيزة: مكتبة النافذة،.2007

الأجنبية

Kellner, Menachem. Dogma in Medieval Jewish Thought: From Maimonides to Abravanel. Oxford: Oxford University Press, 1986.. Maimonides on Human Perfection , Brown Judaic Studies, no. 22. Atlanta: Scholars Press, 1990. Maimonides on Judaism and the Jewish People. Albany: SUNY Press, 1991.. Maimonides on the Decline of the Generations and the Nature of Rabbinic Authority. Albany: SUNY Press, 1996.. Maimonides Confrontation with Mysticism. Oxford: Littman Library of Jewish Civilization,‎‪ 2006.. Science in the Bet Midrash: Studies in Maimonides. Brighton: Academic Studies Press, 2009.. Torah in the Observatory: Gersonides, Maimonides, Gersonides, Song of Songs. Brighton: Academic Studies Press, 2010..James A. Diamond & Seth Kadish. Reinventing Maimonides in Contemporary Jewish Thought. London: Littman Library of Jewish Civilization in association with Liverpool University Press, 2019.