Return to Article Details (Natural) Events and (Human) Actions: How Can the Relationship between the Natural and the Social be Understood?

أحداث الطبيعة وأفعال الإنسان: كيف ندرك العلاقة بين الطبيعي والاجتماعي؟

(Natural) Events and (Human) Actions: How Are We to Understand the Relationship between the Natural and the Social?

رجا بهلول *

Raja Bahlul *

الملخّص

* أستاذ الفلسفة بمعهد الدوحة للدراسات العليا.

Abstract

This paper discusses the concept of human (social) action. It attempts to explain the relation between physical (observable) aspects of human action, and those aspects which are commonly believed not to be amenable to naturalistic explanation, such as thought, meaning, intention and symbolism. In other words, this is an attempt to understand the relationship between what is "internal" and what is "external" in, or about, action. The discussion has a broader philosophical significance inasmuch as it seeks to cast doubt on such dichotomies as nature and society, behaviourism and interpretivism, and the idea that nature and society requires different methods of study.

الكلمات المفتاحية:
  • فعل
  • الطبيعة
  • المجتمع
  • المنهج
  • السبب
  • التأويل
  • جواني
  • براني
Keywords:
  • Action
  • Nature
  • Society
  • Method
  • Cause
  • Interpretation
  • External
  • Internal

مقدمة

يشكل مفهوم الفعل Action حجر زاوية في الدراسات التي نطلق عليها تسمية «العلوم الاجتماعية والإنسانية». فمع أن الإنسان الفرد لا يوجد إنسانًا إلا في المجتمع، فإن المجتمع بدوره ليس شيئًا مستقلً عن الأفراد الذين يتكون منهم، والذين يصنعون من خلال أفعالهم في سياقات الحياة الفردية والاجتماعية مادة الظواهر والسيرورات والتغيرات التي تعكف العلوم الاجتماعية والإنسانية على دراستها. قديمًا طرح الفلاسفة تعريفًا للإنسان من خلال القول إن الإنسان حيوان عاقل. وفي هذا التعريف شديد الاختصار إشارة معبرة إلى حقيقتين عظيمتين: الأولى أن الإنسان جزء من الطبيعة، فهو كائن حي (عضو في المملكة الحيوانية) مثله مثل كائنات حية أخرى قابلة للدراسة العلمية من قبل ما يسمى بعلوم الطبيعة (الفيزياء، والكيمياء، وعلم الأحياء، وغيرها). ولكن الإنسان ليس مجرد جسم حي بتركيبة جينية محددة (أو كما قال بعض الأقدمين، ربما بشيء من السخرية، «حيوان يمشي على قدمين ولا يكسوه ريش»)، بل إن له نفسًا وعقلً وفكرًا وحياة أخلاقية واجتماعية تميزه من غيره من الكائنات. وهذا بالتحديد ما يجعل الإنسان موضوعًا قابلً للدرس من قبل علوم تختص به تحديدًا؛ تلك هي العلوم الاجتماعية والإنسانية. ولكن السؤال المحير الذي أقضَّ مضاجع الفلاسفة والحكماء وعلماء النفس والاجتماع ولا يزال، هو العلاقة بين هذين الصعيدين: الصعيد الطبيعي المادي المحسوس الملموس، والصعيد النفسي العقلي، أي صعيد الأفكار والمشاعر والمفاهيم والمعاني والقيم. اختلف الفلاسفة وانقسم صفهم بين ماديين لا يرون في الإنسان ما يتجاوز المجريات الفيزيائية – الكيميائية – البيولوجية البحتة، وفلاسفة مثاليين يرون أن في الإنسان جانبًا روحيًا لا يمكن اختزاله للمادة بأي صورة من الصور. ولم يبق هذا الانقسام حكرًا على الفلاسفة، بل تم التعبير عنه من خلال مسميات ونظريات وتوجهات في مناهج البحث المتبعة في دراسة الإنسان. فهناك من يميلون إلى الاهتمام بما هو محسوس وملموس وقابل للقياس والملاحظة، وربما التجربة Experiment أيضًا، في حياة الإنسان النفسية والاجتماعية، ومن هؤلاء السلوكيون والتجريبيون وأنصار الوضعية المنطقية عمومًا. وهناك من يميلون إلى النظر إلى الإنسان، بصفته كائنًا يُخلق ويعيش في عالم من المعاني والأهداف والمشاعر والرموز التي تقبع خلف السلوكيات والإنتاجات المادية القابلة للملاحظة، ومن هؤلاء أنصار المدرسة التأويلية Hermeneutics، وكثير من علماء الاجتماع والتاريخ والأنثروبولوجيا. ليس هناك ما هو أفضل (وأكثر سهولة في التناول) من مفهوم الفعل إذا ما رغبنا في الوقوف على حقيقة السؤال المحير حول العلاقة بين الطبيعي (المادي، المحسوس، الملموس) والنفسي – الاجتماعي – المعنوي في حياة الإنسان. فكما قالت الفيلسوفة البريطانية إليزابيث آنسكوم) في مقالتها الشهيرة حول مفهوم السببية 2001–1919(Gertrude Elizabeth Margaret Anscombe

والحتمية1، تتكون معظم أفعال البشر من (أو تشتمل على) حركات جسمانية، كما هو بين، بالإشارة إلى أفعال مثل: نهض، انتخب، تحدث، كتب، غنى، رسم، انتقم، أكل، تظاهر، تزوج، ربى، عمل، دافع، انتقل، وكثير غيرها. يتبع من ذلك (ما هو غني عن البرهان على أي حال) أن أفعال الإنسان هي، بمعنى من المعاني، أحداث طبيعية مادية قابلة للملاحظة، كما هي قابلة للدراسة من خلال العلوم بمناهجها «العلمية». ولكن، من الناحية الأخرى، لا يمكن القول إن أفعال الإنسان مجرد حركات جسمانية. فالحركات الجسمانية بمعزل عن النيات والمقاصد والأفكار والمشاعر والمفاهيم لا معنى لها، وفي وسع الروبوت المبرمج أن يقوم بمثلها من دون أن يراودنا شك بخصوص قيام الروبوت بفعل ما. إن لهذا التفريق بين هذين الجانبين (الجسماني – الطبيعي من جهة، والمعنوي – الاجتماعي من جهة أخرى) تاريخًا طويلً. ولربما يعود شرف اكتشافه وصياغته بلغة فلسفية واضحة المعنى إلى سقراط في المحاورة الأفلاطونية المعروفة باسم فيدون Phedo. في هذه المحاورة نجد سقراط جالسًا في غرفة سجنه محاطًا ببعض تلامذته ومريديه، يحاورهم في خلود الروح، ويقص عليهم شيئًا من مراحل تطوره الفكري، بالإشارة إلى مرحلة سابقة ظن فيها أنه وجد ضالته في فلسفة أناكساغورس. سياق المحاورة (بالطبع) سياق إنساني اجتماعي سياسي صرف؛ فقد حكمت عليه المدينة التي ينتمي إليها كمواطن بالإعدام بتهمة إفساد أخلاق الشباب الأثينيين، ومن ثم أودع السجن في انتظار تنفيذ الحكم. ومع أن بعض أصدقائه من ذوي النفوذ قد عرضوا عليه الهرب إلى مدينة أخرى يعيش فيها آمنًا، فإنه رفض هذا العرض، وها هو الآن جالس في السجن (بمحض إرادته) ينتظر ما يعرف أنه سوف يكون نهاية حياته. لا بد أن قراره البقاء في السجن أمر له معنى، وله ما يفسره من العلل والأسباب. ترى ما يمكن أن تكون هذه الأسباب؟ يقول سقراط إنه، وبحسب أفكار أناكساغورس، «قد يزعم أحدهم أن السبب الذي أنا من أجله الآن هنا جالس هو أن جسمي مركب من عظام ومن عضلات، وأن العظام صلبة وأن لها مفاصل تبعد بعضها عن بعض. أما العضلات التي يمكنها أن تتوتر وأن تسترخي فإنها تلتف حول العظام باللحم والجلد الذي يضمها جميعًا. وهكذا فإن العظام حينما تتحرك في ملتحماتها والعضلات في استرخائها وتوترها، يجعلني هذا، مثلً، قادرًا على ثني أطرافي الآن، وهو السبب الذي يجعلني هنا في هذا الوضع المنثني»2. هذا هو بالطبع التوصيف/ التفسير المادي الميكانيكي لجلوس سقراط على أرض غرفته في السجن. والجلوس كما أسلفنا، فعل من أفعال الإنسان، وهو في جانب من جوانبه أمر محسوس قابل للدراسة

  1. Gertrude Elizabeth Margaret Anscombe, The Collected Philosophical Papers of G.E.M. Anscombe , vol. 2: Metaphysics and the Philosophy of Mind (Oxford: Basil Blackwell, 1981), p. 194. من هذا المنطلق تقول المؤلفة إنه إذا صدقت الحتمية على مستوى الأحداث الطبيعية زال كل أمل بالحفاظ على مفهوم حرية الإرادة.
  2. أفلاطون، فيدون: في خلود النفس، ترجمة وتقديم عزت قرني (القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع،2001)، ص.195–194

العلمية، كما يبدو من الكلام المستلهم من نظرية أناكساغورس. ولكن سقراط يتذمر بمرارة وسخرية من هذا التفسير الذي يغفل التطرق إلى الجوانب «الجوانية» في فعله، مثل الغايات والقرارات، والمسوغات والقيم والمعاني الاجتماعية والسياسية التي تفسر وضعيته في السجن. يقول سقراط إنه، وبموجب المقاربة المعنوية لتفسير جلوسه، يمكن القول إنه: «بعد أن رأى الأثينيون أنه من الأفضل أن أدان؛ رأيت أنا من جانبي لهذا السبب أنه من الأفضل كذلك أن أجلس هنا، وأنه من الأعدل أن أتحمل ببقائي هذا الحكم الذي أصدروه. فقد كان يمكن أن تكون هذه العضلات وهذه العظام منذ وقت طويل في ميجارا، مدفوعة بمفهوم الأفضل لو لم أكن قد اعتقدت أنه من الأعدل ومن الأمثل خُلقيًا أن أتحمل العقاب الذي وضعته المدينة، بدلً من الهرب والإفلات خفية»3. تلخص هاتان المقاربتان في وصف وضعية سقراط في السجن ما ننوي الخوض فيه في هذا البحث. من الناحية الأولى نقول: ليس جلوس سقراط في السجن حدثًا ماديًا بحتًا، مع أنه أمر قابل للقياس والملاحظة شأنه شأن أي حدث من أحداث الطبيعة. بل إنه أمر اجتماعي لا يمكن فهمه (كما يقول سقراط) من دون الإشارة إلى المعاني والقيم الاجتماعية والسياسية. فسقراط سجين بمقتضى قوانين الدولة (المجتمع، المدينة)، وهو على اقتناع بأن وجوده في السجن هو الأمر الأعدل والأمثل والأفضل، كونه مواطنًا يطيع القوانين. ولكننا، من ناحية أخرى، ندرك، في الوقت ذاته، أن امتثال سقراط للأمر القضائي (ومن ثم جلوسه في غرفة سجنه) ليس حدثًا معنويًا صرفًا يُدرَك بالإشارة إلى ما كان يعتمل في نفس سقراط أو ذهنه من معانٍومفاهيم وقناعات فكرية. فأنى لنا أصلً أن ندرك مثل هذه الأمور «الجوانية» غير الخاضعة للملاحظة، كونها من الأمور النفسية التي لا يعرفها على وجه اليقين سوى صاحبها؟ لا بد لنا بصفتنا مراقبين خارجيين، علماء وغير علماء، من الاعتماد على ما نشاهده بأعيننا (وضع سقراط المنثني) وعلى ما نسمعه بآذاننا من أصوات/ كلمات تحمل معانيَ نظن أن سقراط ينقلها إلينا، وما نلاحظه من تعابير وجه أو حركات جسمانية أو سلوكيات مختلفة. وهذه كلها أمور قابلة للملاحظة والدرس العلمي. يمثّل هذا التقابل بين جانبي الفعل، المادي والمعنوي، أو الجواني والبراني بعبارة أخرى، وجهًا آخر لمعضلات فلسفية قديمة حول العلاقة بين النفس والجسد، والمادة والروح، والطبيعة والمجتمع. لم تؤسس هذه الأزواج المتضادة من المفاهيم للانقسامات الفلسفية المشهورة بين المادية والمثالية، والعقلانية والتجريبية، وغيرها من المذاهب الفلسفية المتعارضة فحسب، بل إنها، وفي سياق العلوم الاجتماعية قد أسهمت في إحداث شروخ في مناهج البحث المتبعة في هذه العلوم. فالعلماء من ذوي الميول المادية والتجريبية لا يميلون إلى التركيز على الجانب المعنوي في دراستهم للمجتمع أو الفرد في المجتمع. وهم يرون أن الجوانب المعنوية مستعصية على الملاحظة والضبط والتجربة، فتراهم يؤثرون دراسة السلوك القابل للملاحظة والتجربة. وإن اضطروا إلى التعامل مع الأفكار والقيم والمعاني، فهم يحاولون اختزالها إلى السلوكيات القابلة للملاحظة، كما كان الحال عند السلوكييين الميتافيزيقيين مثل غلبرت رايل Gilbert Ryle (1900–1976)، ولودفيغ فتغنشتاين

  1. المرجع نفسه، ص 195–194 (بتصرف.)

Ludwig Wittgenstein (1951–1889) المتأخر بحسب بعض التفسيرات. أما العلماء ذوو النزعة المثالية و/ أو الإنسانوية، فيعتقدون أن المنهج السليم في دراسة ما يتعلق بالإنسان فردًا ومجتمعًا يقتضي التركيز على فهم الظاهرة الاجتماعية، «من الداخل» من خلال «التأويل» والبحث عن المعاني والرؤى والرموز والأفكار، كما هو الحال عند مفكرين مثل ماكس فيبر Max Weber (1920–1864)، وكليفورد غيرتس Clifford Geertz (2006–1926)، ور. ج. كولينغوود R.G. Collingwood (1943–1889)، وفيلهلم ديلتاي Wilhelm Dilthey).1911–1833(في القسم الثاني من هذا البحث نتدارس التمييز بين الأحداث Events والأفعال Actions. المقصود ب «الحدث» هنا كل ما يحدث في الطبيعة غير العاقلة، ونقصد ب «الفعل» فعل الإنسان. نستعين هنا ببعض المفاهيم اللغوية مثل «فعل» و«فاعل» بالمعنى اللغوي الصرف من أجل صياغة تعريفات محددة قدر الإمكان لمفاهيم «حدث طبيعي» و«فعل إنسان». يعترضنا هنا بعض الصعوبات في التمييز بين هذه وتلك، وذلك لأسباب تتعلق بمفهوم الفعل نفسه، فهو ليس واضح المعالم كليًا. مع ذلك نُصر على القول إن التمييز بين الأحداث الطبيعية وأفعال الإنسان واضح تمامًا في الحالات النموذجية. نقوم في القسم الثالث بمحاولة لتحليل الفعل إلى عناصره البسيطة. يتكون فعل الإنسان في الحالات النموذجية من عنصرين: هناك أولًالحركات أو التغيرات الجسمانية القابلة للملاحظة، والتي تندرج غالبًا تحت مسمى «السلوك». وهناك ثانيًا ما يقترن بالفعل من مقاصد ونيات وأهداف ومعتقدات ومفاهيم ومعانٍ. تلك هي الأمور التي تميز أحداث الطبيعة من أفعال الإنسان. نعتبر أن الحركات والتغيرات الجسمانية تشكل الجانب «البراني» في الفعل، وهي أيضًا ما هو طبيعي في الفعل. هذا في حين أن المقاصد والنيات والأهداف... إلخ تشكل الجانب «الجواني» في الفعل، وهي أيضًا ما سميناه بالجانب المعنوي. في القسم الرابع نطرح تساؤلً حول العلاقة بين الجانبين البراني والجواني في الفعل. ويفسح لنا هذا المجال لمناقشة الرأي القائل بوجود اختلاف كبير بين الطريق التي يسلكها العلم في تفسير الظواهر على مستوى الطبيعة غير العاقلة وتلك التي يسلكها العلم (أو ينبغي أن يسلكها) في تفسير الظواهر الإنسانية والاجتماعية. يقال هنا إن العلوم الطبيعية تتعامل بمفهوم السببية أو العلّية Causality، في حين أن العلوم الإنسانية والاجتماعية تتعامل بمفهوم التفسير Explanation أو التأويل Interpretation. نقوم في هذا القسم بتوضيح الفرق بين هذين المنهجين في التفسير العلمي ثم نطرح سؤال المفاضلة وإمكانية التوفيق بينهما. لينتهي بنا النقاش إلى القول بأنه ليس هناك تنافس بين التأويل من جهة، والتفسير السببي من جهة أخرى؛ ذلك أن التفسير السببي لأفعال الإنسان يشتمل على المفاهيم المستخدمة في التأويل. وفي القسم الخامس من البحث، نعرض لبعض الاستنتاجات التي توصلنا إليها، ونلمح إلى بعض الأمور التي لم يتسع المجال لمناقشتها.

أولا، أحداث الطبيعة وأفعال الانسان

نبدأ ببعض الملاحظات حول مفردة «فعل». لهذه المفردة العربية معنيان اثنان (على الأقل) مختلفان تمامًا: «فعل» بالمعنى اللغوي البحت أي Verb، و«فعل» بمعنى Action، أي ما يقدم الفاعل على فعله. يشير الأول بنحوٍ لا لبس فيه إلى كلمات أو تعبيرات، أي كينونات لغوية بحتة ذات إعراب محدد، في حين يشير الثاني إلى موجودات أو مجريات أو سيرورات، أي كينونات خارج نطاق اللغة، كما سوف يتضح في الحال. لنستخدم مفردة «فعل v– » للحديث عن الفعل بالمعنى الأول، ومفردة «فعل – a » للحديث عن الفعل بالمعنى الثاني4. نحن معنيون بالمعنى الثاني أكثر من الأول، ولكن لا مفر لنا من التعامل مع المعنى الأول لأنه يمثّل مدخلً مناسبًا للحديث عن المعنى الثاني. فبعض الأفعال v– يُنبئ عن أفعال – a وبعضها لا ينبئ عن أفعال – a، بل عن مجرد أحداث Events. لهذا السبب تميز اللغة الفلسفية في بعض اللغات (والإنكليزية واحدة منها) بين Action of Verbs وغيرها من الأفعال v–. على سبيل المثال، يعتبر فعل «مات» فعلً (ماضيًا) ذا إعراب معروف وقواعد صرف مفهومة. ولكن من المشكوك فيه كثيرًا أن الفعل v– («مات») يعبر عن فعل a– قام به فلان المتوفَّى، وإنما يعبر عن حقيقة أن فلان لم يعد في وسعه القيام بأي فعل a– من الآن فصاعدًا، على اعتبار أن الموت يضع حدًا لأفعال الإنسان في هذه الدنيا على الأقل5. هذا بالطبع على خلاف فعل مثل «أحرق» الذي يتمثل في قيام الفاعل بإشعال النار في شيء ما بما قد يستدعي اللوم والمسؤولية ولو من باب الإهمال. ما المقصود بالحديث عن فعل v– يعبر عن فعل a–، وفعل v– لا يعبر عن فعل a–؟ ما الأسئلة التي يمكن طرحها حول طبيعة الأفعال وكيف تختلف الآراء حولها؟ لنتدارس بعض الأمثلة. 1. ثار بركان. 3. هربفلانٌ من مسرح الجريمة. 2. هبتريح. 4. سقطتورقة.ٌ 5. رفعمتظاهرٌ راية.ً 6. طارد كلبٌ قطة.ً 7. بدأتحربٌ. 8. استيقظزيد. 9. أيقظعمروٌ زيدًا. 10. قتلعمروٌ زيدًا. 11. هاجمبلدٌ بلدًا آخر. 12. غنى مطربٌ. من الناحية النحوية البحتة، تحتوي الجمل السابقة جميعها على فعل وفاعل بالمعنى اللغوي المألوف. فنجد في بعض الحالات فعلً متعديًا، يلحقه مفعول به كما تنص قواعد اللغة (5، 6، 9، 10، 11). أما في بعض في الحالات الأخرى فالفعل من النوع اللازم كما يقول النحاة (1، 2، 3، 4، 7، 8). ولكن هذه الحقائق اللغوية لا تقول لنا ما إذا كان الفاعل المفترض (الريح، المتظاهر، الورقة... إلخ) قد قام

  1. في مرحلة ما قد نجد ضرورة للحديث عن «أفعال» بمعنى «أفعال تُخبر بأفعال» Verbs of Action في مقابل أفعال ليست على هذه الشاكلة. ليس من اليسير الحديث عن أفعال أفعال Verbs of Action وأفعال غير أفعال، من دون المخاطرة بسوء الفهم. سوف نستمر في استخدام المفردات بالرموز المشار إليها، في كل سياق يسمح بحصول لبس، إلى حين زوال الحاجة إلى ذلك لاحقًا في هذا البحث.
  2. من هذه الناحية يختلف فعل v– «انتحر» عن فعل v– «مات» تمامًا. يقتضي فعل a– الانتحار الموت بالطبع، ولكن ليس العكس. يمكن القول إن فعل v– «انتحر» يعبر عن فعل يقوم به فلان المنتحر. كما يمكن النظر إلى الانتحار على أنه آخر فعل يقوم به من يقدم على وضع حد لحياته.

بفعل ما بالمعنى غير اللغوي الذي نحاول الوقوف عليه. فالحرب (مثلً) ليست فاعلً– a بالمعنى المقصود، بل إنها مجمل أفعال الفاعلين الحقيقيين من جند وقادة جند يهاجمون أو يدافعون، يتقدمون أو يتقهقرون، يطلقون النار أو يحفرون الخنادق. كما السقوط من على الشجرة ليس فعلً تقوم به الورقة، بل إنه مجرد حدث من الأحداث التي يزخر بها عالمنا: نقول: «كانت الورقة في هذا الموضع على الشجرة ثم غدت في ذلك الموضع الأقل ارتفاعًا من الموقع السابق بعد ذلك ببرهة وجيزة». الشيء نفسه يقال عن ثوران البركان وهبوب الريح. تختلف حالة «طارد كلبٌ قطةً» عن الحالات المذكورة في الفقرة السابقة. ففي هذه الحالة مجال للحديث عن هدف يهدف إليه الكلب (الإمساك بالقطة)، وهناك تقَصُّدٌ من نوع معين، وهناك متابعة وتركيز على الهدف لا يخفى على المراقب العادي. هذه أمور لا نجدها في حالة «هبت ريح» أو «ثار بركان» أو «سقطت ورقة». ولكننا مع ذلك نتردد في تصنيف الحيوان كفاعل حقيقي في العالم. فأفعال الحيوان تُنسب إلى الغريزة أكثر مما تُنسب إلى العقل، كما أنها ليست قابلة للمساءلة والتفسير والمسؤولية كأفعال الإنسان. والكلام عن نيات تكنها الحيوانات لا يجده أكثر الناس مفهومًا أو مقنعًا، حتى أكثر محبي الحيوانات بيننا. يبقى هنا السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان من الممكن وبأي معنى وإلى أي درجة يمكن نسبة الفعل إلى الحيوان. أما مثال «هاجم بلد بلدًا آخر» فإنه يطرح مشكلات من نوع مختلف تمامًا. ومن الجدير بالذكر أن أرسطو يثير المسألة على نحو عابر في أحد فصول كتاب السياسة، قائلً: «فمن الباحثين من يدعي أن الدولة أتت بالعمل، ومنهم من يزعم أنها لم تأته، وأن الأقلية أو الطاغية هم من أقدموا عليه»6. كما ينبغي أن يذكرنا مثال «هاجم بلد بلدًا آخر» بأحد الافتراضات الكبرى في نظرية الاختيار العقلاني، ذلك الافتراض المثير للجدل والذي يفيد بأن السيرورات/ الظواهر الاجتماعية الكبيرة Macrophenomena (كالحرب والصراعات الطبقية والهجرة والنمو السكاني) قابلة للتفسير بالإشارة إلى اختيارات وقرارات، وفي الحصيلة أفعال الأفراد Microphenomena، وذلك من منطلق اقتناع أصحاب هذه النظرية أن لا مجال للحديث عن أفعال على مستوى الظواهر الكبرى7 (فلا الدول ولا الطبقات ولا النظم الاقتصادية والسياسية تفعل شيئًا بالمعنى الدقيق للكلمة، بل كل هذا مجاز). بعبارات أخرى؛ كل فعل a– بالمعنى الحقيقي هو فعل فردي، ولا مجال هناك لفعل جماعي بالمعنى الحقيقي لكلمة «فعل». هنا أيضًا نجد مسألة خلافية لا يمكن حسمها بسهولة. وماذا عن مثال «أيقظ عمرو زيدًا»، ومثال «استيقظ زيد»؟، من المفهوم تمامًا من الناحية اللغوية البحتة أن «زيد» في الحالة الثانية فاعل بينما في الحالة الأولى مفعول به. ولكن لو أردنا الحديث عن ال «فاعل a– » بمعنى الكائن الذي يقوم بفعل ما لبات الأمر محرجًا. في الحالة الأولى من الواضح أن

  1. أرسطو، السياسات، نقله من الأصل اليوناني وعلق عليه الأب أوغسطينس بربارة البولسي (بيروت: اللجنة الدولية لترجمة الروائع الإنسانية، 1957)، ص 115،.1274b
  2. Daniel Little, Varieties of Social Explanation: An Introduction to the Philosophy of Social Science)Colorado: Westview Press, 1991), p. 196.

عمرو فاعل a– بالمعنى الذي نفهمه جميعًا: فهو الكائن الذي يحدث الضجيج أو يلكز زيدًا بهدف إيقاظه من نومه العميق. وزيد في هذه الحالة ليس فاعلًa– بل هو موضوع فعل a– عمرو. ولكن ما الذي في وسعنا قوله بخصوص مثال «استيقظ زيدٌ»؟ هل يعتبر خروجه من حالة النوم إلى حالة اليقظة فعلً قام به؟ ليس الأمر واضحًا. فربما تكون يقظة زيد الحالية من فعل a– عمرو. ولكن هل هناك فرق بين يقظة زيد عندما يستيقظ بنفسه بعد أن شبع نومًا، ويقظته عندما يقوم أحد بإيقاظه بعد أن شبع نومًا؟ أليس الأمر الحاصل لزيد شيئًا واحدًا، وهو أنه الآن في حالة يقظة؟ فكيف يمكن أن يكون زيد موضوع فعل في الحالة الأولى وليس كذلك في الحالة الثانية، مع أنه ليس هناك فرق بين من استيقظ بنفسه ومن تم إيقاظه من قبل الغير؟ لا نجد ما يحيرنا في الأمثلة 3، 5، 9، 10، 12. فهي جميعها أمثلة على أفعال يقوم بها البشر. تشتمل هذه الأفعال على حركات جسمانية، وفيها درجات متفاوتة من الرويّة والنية والتدبر والدراية، كما يمكن لفاعلها أن يقدم عللً أو تفسيرات تفسر أو تعقْلِن ما فعله. وهذه أمور لا يمكن نسبتها إلى الجمادات ولا النباتات (ولا الحيوانات، حتى المتطورة منها بحسب ما يرى البعض). فالجماد والنبات كائنات لا تفعل – a حتى لو كان اسمها في موضع إعراب فاعل v–. أما الإنسان فأمره مختلف؛ إذ يتحرك الإنسان في اتجاه الشمس، كما أن زهرة عباد الشمس تتحرك في اتجاه الشمس، ولكن شتان ما بين هاتين الحركتين. أنت تسعى لشيء معين (الحصول على قدر أكبر من فيتامين دال مثلً)، أما الزهرة فمن غير المفهوم تمامًا أن ننسب إليها أي مسعى. هل هناك معنى للقول إن «مساعي» زهرة عباد الشمس «تتكلل» بالنجاح أحيانًا وبالفشل أحيانًا أخرى؟ هل يمكننا القول إن الحيوان الذي يتمرغ في الطين يسعى لتحقيق غاية كالمحافظة على حرارة الجسم أو التخلص من طفيليات جلدية (مع أن هذا ما يتحقق بالضبط)؟ يعرف أحد مؤلفي أشهر الكتب في الحقبة الحديثة في موضوع الفعل أنتوني كيني Anthony Kenny 1931(–) مفهوم الفعل بأنه الجواب عن سؤال: ماذا فعلفلان؟8 حيث يكون الجواب على شاكلة «هرب، سرق، كذب، قام، جلس، تكلم». فلو طبقنا مثل هذا الدرس على النار وعلى الشجرة لوجدنا أننا لسنا مستعدين للجواب عن سؤال مثل: «ماذا فعلت النار؟» بالقول «أحرقت القطن»، ولا للجواب عن سؤال «ماذا فعلت الشجرة؟» بالقول «أثمرت تفاحًا». من المحتمل أكثر أن نستفسر عما جرىأو عما حصل، بدلً من السؤال عما فعلت النار أو شجرة التفاح. قد يظن البعض أن هذه التساؤلات وأوجه التمييز التي نطرحها لا تعدو كونها ألعابًا كلامية لا يترتب عليها أي أمر عظيم. ولكن في وسعنا الرد على هذا القول بالإشارة إلى موقف جهم بن صفوان.(ت 128 ه/ 746 م) الذي يمكن اعتباره، بحق، عميد الجبريين في علم الكلام الإسلامي. ينقل الأشعري (ت. 324 ه 936–935/ م) في مقالات الإسلاميينعن جهم بن صفوان قوله: «لا فعل لأحد في الحقيقة إلا لله وحده، وأنه هو الفاعل، وأن الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على المجاز، كما يقال

  1. Anthony Kenny, Action, Emotion and Will (London: Routledge & Kegan Paul, 1963), p. 107.

تحركت الشجرة ودار الفلك وزالت الشمس [...] وإنما فعل ذلك بالشجرة والفلك والشمس الله سبحانه»9. من الواضح أن جهم بن صفوان يريد أن يلحق الإنسان بالحيوانات والنباتات والجمادات من ناحية الفعل أو القدرة على الفعل. بالطبع حركة يدك موجودة في يدك كما أن تدحرج الحجر موجود في الحجر وليس في أي مكان آخر. ولكن هذه الحركة ليست من فعلك. فأنت لم تفعل، بحسب ما يعتقده جهم بن صفوان، بل إنك قد تحركت وقد كانت حركتك من فعل الله. وقد وجدت مثل هذه النظرة من ينادي بها أو بما هو قريب منها طوال مراحل الفكر الإسلامي في مجال علم الكلام. يخطر بالذهن هنا مقولة أبي حامد الغزالي (1111–1058) التي تقتضي نفي الفعالية عن النار، من خلال القول إن فاعل الإحراق في القطن ليس هو النار بل هو الله تعالى، وأن الله يفعل الإحراق بمناسبة وجود القطن بالقرب من النار10. ويكاد الأمر يصل درجة نفي الفعل عن الإنسان عند الأشاعرة من خلال القول بالكسب، وأن الله خالق لأفعال الإنسان الذي لا يفعل شيئًا، بل هو «يكتسب» أفعالً تنسب إليه من باب تحمل المسؤولية (وليس على سبيل الخلق والإبداع)11. مثل هذه الأطروحات ليست شيئًا عفّى عليه الزمن، فهي جزء من نقاش أكبر ننفتح عليه الأمس واليوم من خلال ما هو مطروح في الفلسفة الحديثة والمعاصرة من أفكار ومواقف. فقد قال الماديون الفرنسيون في القرن الثامن عشر بأن الإنسان آلة12. وبما أن الآلة جماد فلا بد أن التمييز بين أفعال الإنسان و«أفعال» الجماد ليس له ما يبرره. هناك أيضًا ما يجري من أبحاث ومناقشات بخصوص إمكانية خلق الذكاء اصطناعيًا في الروبوت الذي «يفكر» (ومن ثمَّ «يخطط» وربما «ينوي»؟). والروبوت بالطبع هو آلة. مثل هذه الاعتبارات تدعونا إلى التفكير جديًا في تحديد معنى الفعل وإلى من تمكن نسبته وبموجب أي شروط. ليست المسألة ألعابَ كلامٍ أو حيلً لغوية. تشتمل أفعال الإنسان بالمعنى المألوف للعبارة على أفعال من قبيل: نهض، رفع، قتل، زار، جلس، شكا، أحرق، أرسل، وهي في أغلبها تتضمن حركات جسمانية. أما ما هو من قبيل: سمع، رأى، اعتقد، علم، تشكك، أراد، قصد، رغب، فهو موضع خلاف. يطلق البعض على هذه تسمية «أفعال ذهنية» Acts Mental (كما تحدث النحاة العرب عن «أفعال v– القلوب»)، ويرى أنها غير قابلة للاختزال إلى حركات جسمانية بتاتًا. والبعض يظن أنها ليست أفعال. ما يعنينا بالدرجة الأولى في هذا البحث ليس «الأفعال الذهنية» – إذا كانت هذه حقًا أفعالً يقوم الإنسان بفعلها – لكن ما نود تفحصه مليًا هو

  1. أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، ج 1، ط 2 (القاهرة: مطبعة النهضة المصرية، 1969)، ص.338
  2. أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، تهافت الفلاسفة، تحقيق موريس بويج اليسوعي، تقديم ماجد فخري، ط 2 (بيروت: المطبعة الكاثوليكية، 1962)، ص.195
  3. حسن حنفي، «موقفنا الحضاري»، في: الفلسفة في الوطن العربي المعاصر: بحوث المؤتمر الفلسفي العربي الأول الذي نظمته الجامعة الأردنية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1985)، ص.17
  4. Julien Offray de La Mettrie, Machine Man and other Writings , Ann Thomson (ed.), Cambridge Texts in the History of Philosophy (Cambridge: Cambridge University Press, 1996), pp. 3–42.

الأفعال بالمعنى الجلي القابل للملاحظة، كتلك الذي ذكرناها قبل قليل. ذلك أنها أوضح في معناها، كما أنها تشتمل على جانب جواني يتعلق بالأفكار والمقاصد والمعاني.

ثانيًا، التحليل الأنطولوجي للفعل

كيف نفهم الأفعال a–؟ كيف نحللها؟ وما عناصرها؟ انطلاقًا من دراسة الأفعال v– (بالمعنى اللغوي البحت) قدمت فيلسوفة بريطانية معاصرة هي جينيفر هورنزبي Hornsby Jennifer أطروحة تفيد باقتران كل فعل v– متعد بفعل غير متعد على النحو التالي: إذا رفعفلان الراية فإن الراية ترتفع؛ إذا زوّج فلان ابنته فإن الابنة تتزوج؛ إذا علّمالأستاذ التلميذ فإن التلميذ يتعلم13. في وسعنا تدارس مثل بسيط على نسق الأفعال v– التي تستخدمها هورنزبي من أجل التعرف إلى عناصر الفعل a– والتمييز بين الأفعال a– والأحداث. (سوف يتضح لاحقًا أن عناصر الفعل، والتمييز بين الفعل والحدث ليست أمورًا مرتبطة بالتمييز بين الفعل المتعدي والفعل اللازم، لأن الأفعال اللازمة تمامًا مثل الأفعال المتعدية في وسعها أن تعبر عن أفعال يقوم بها البشر دون أي لبس كما هي الحال في الأمثلة 3، 5، 9، 12). هب أنني أقوم بمراقبة امتحان كتابي حيث يجلس أمامي طلبة منهمكون في كتابة أجوبتهم. ألتفت إلى طالب معين في لحظة ما، فأرى ما أرى. تسألني أنت: ماذا رأيت؟ في وسعي تقديم جوابين مختلفين؛ الجواب الأول: « تحرَّكتعينا الطالب بحيث بات من الممكن رسم خط مستقيم بين العينين وورقة الطالبة التي تجلس بجواره». الجواب الثاني: « حرَّكالطالب عينيه بحيث صار من الممكن رسم خط مستقيم بين العينين وورقة الطالبة التي تجلس بجواره». يثير هذان الجوابان سؤالين مختلفين، يبدو أولهما في غاية البساطة في حين أن ثانيهما مقلق بعض الشيء. أولً، ما الجواب الصحيح (الصادق)؟ ثانيًا: كيف يمكن حسم الموضوع حول صدق أو بطلان هذا الجواب أو ذاك؟ إذا كان هناك من يظن أن لا فرق بين هذا الجواب وذاك، فهو مدعو إلى التفكر في التمييز بين هذه الأزواج من الأفعال v–: «رسَب»/ «رسَّب»، «سقط»/»أسقط»، «ضحك»/ «أضحك»، «مات»/ «أمات» (بمعنى «قتل»)، «امتنع»/ «منع»، وعشرات الأزواج المشابهة. كل من خبر التدريس في المدارس حتى عهد قريب على الأقل يعرف موضوع «رسَّب» و«رسَب»، كموضوع جدل لا نهاية له بين المدرسين والطلبة. يقول الطالب متشكيًا: «رسَّبني الأستاذ!»، فيهرع الأهل إلى إدارة المدرسة لتقديم شكوى ضد الأستاذ الظالم. أما الأستاذ فيدافع عن نفسه قائلً: «أنا لم أرسِّب ابنكم، ولكنه هو قد رسَب». فشتان ما بين رسَّب ورسَب: قد يستدعي الأول فصل الأستاذ من النظام المدرسي في حين أن الثاني قد يستدعي فصل الطالب! الآن قارن هذا مع الفرق بين قولي: «حرَّك الطالب عينيه»، وقولي «تحرَّكت عينا الطالب». إن اكتفيت بالقول: «تحركت عينا الطالب» فسوف يفسح هذا المجال لاحتمال أن الطالب قد كان في حالة شرود

  1. Jennifer Hornsby, «Agency and Actions,» in: H. Steward & J. Hyman (eds.), Agency and Action (Cambridge: Cambridge University Press, 2004), pp. 1–23.

ذهني، أو إعياء، أو أي سبب (يعلمه الله) يمكن أن تنتج منه حركة معينة للرأس أو في العينين من دون وعي أو إرادة من الطالب. في هذه الحالة قد لا يكون هناك أي محاولة للغش. فليس في كل مرة يرتسم خط مستقيم بين عينيك وشيء ماثل أمام عينيك يعنى أنك تنظر فيه أو إليه. كثيرًا ما ننظر في اتجاه شيء معين ولكننا لا نراه. تعرف الظاهرة علميًا ب Blindness Inattentional أي «عمى عدم الانتباه» – أي العمى (وهو ليس عمى بالفعل) الناتج من عدم اهتمامنا أو انتباهنا إلى الشيء الماثل أمامنا. أما إن اخترت القول: «حرَّك الطالب عينيه بحيث...» فأنا في الطريق إلى القول إنه قام ب أو مهد للقيام بعملية غش (ذلك أن هذه العبارة تكاد تكون مرادفة لعبارة «نظر الطالب إلى...»). فعبارة «حرَّك الطالب عينيه بحيث صار من الممكن رسم خط مستقيم بين عينيه وورقة الطالبة التي تجلس بجواره» لا تتعلق بحركات جسمانية معينة فقط بل إنها تتعلق بفعل التحريك (يختلف عن فعل التحرك)، ونقترب منه أكثر عندما نقول «نظر الطالب إلى ورقة الطالبة التي تجلس بجواره». ذلك أنه عندما يحرك الإنسان عينيه (ورأسه كما يتطلب الأمر أحيانًا) بهذا الاتجاه أو ذاك فهذا يكون (في العادة) بنية إبصار (أو النظر إلى) ما هو موجود في هذه الوجهة أو تلك. أما كلمة «تحرَّك/ ت» فهي تشير إلى حدث، أي إلى أمر حصل، من دون أن تخبرنا ما إذا كانت الحركة قد أتت بفعل فاعل (محرك) أم لا. أحيانًا تتحرك عيوننا لأننا نريد أن نرى في هذا الاتجاه أو ذاك فنقوم بتحريكها. وفي أحيان أخرى تتحرك عيوننا ليس لأننا قصدنا النظر في هذا الاتجاه أو ذاك، بل لأننا مجهدون أو مشتتو الانتباه، أو ربما بسبب تناول عقار طبي ذي آثار جانبية غير متوقعة14. ما الذي ينبغي لي قوله؟ هل أقول «تحركت عينا الطالب» أم أقول «حرّك الطالب عينيه»؟ قد يظن أحدهم أن الجواب الثاني هو الصحيح، معتقدًا أنْ ليس هناك مجال للشك في أن حركة العينين كانت بفعل فاعل ينوي الغش. فالامتحان صعب، والمادة معقدة للغاية، وهذا الطالب بالذات معروف بكسله وتدني درجاته طوال الفصل. وهذه بالطبع قرائن قوية تؤيد الحكم بالغش. ولكن أليس في وسعنا تخيل مراقب (كاتب هذا البحث مثلً؟) يكره الجوْر إلى درجة تجعله يتجنب الحكم بالذنب إذا كان هناك أدنى درجة من الشك في براءة الطالب؟ وهل حقًا لا يوجد مكان للشك هنا؟ فكما قلنا ليس في كل مرة يرتسم خط مستقيم بين العينين وما هو ماثل أمامنا يجوز الحكم بحصول الرؤية. ولا يمكن القول إن تحرك عيني طالب كسول متدني الدرجات يعني حتمًا وبالضرورة أنه رأى شيئًا أو أنه كان يقصد النظر إلى الورقة أمام عينيه. وما يجعل الحكم أصعب هو ضرورة وجود نية الغش حتى نقول بحصول الغش. ومن أين لنا أن نعرف ما إذا كان الطالب يقصد نقل أجوبة من ورقة الطالبة

  1. هناك تبعات سيمانطيقية تترتب على التمييز بين الفعل المتعدي وقرينه اللازم. لا تبدو مثل هذه الأزواج من الأفعال v– حرك/ تحرك، رفع/ ارتفع... إلخ لافتة للنظر كثيرًا ولكن يجب أن تكون. ربما الفعل غير المتعدي يتماشى مع القول إن للفعل علة داخلية تتحدد تبعًا لتحدد إرادة الفاعل، في حين أن الفعل المتعدي يتماشى مع القول إن للفعل علة خارجية لا تتحدد وفق تحدد إرادة «المفعول a– به». في الممارسة الفعلية يحتمل أن يكون هناك فرق كبير بين حالة «زوَّج فلان ابنته» (فعل متعدي) و «تزوجت ابنة فلان» هذا مع أن الأمر منظورًا إليه من الخارج لا يبدو مختلفًا في الحالتين: عقد مراسيم زواج بين شخصين بالطريقة المألوفة. ربما ينطبق الأمر نفسه على «صام»/ «صوَّم»، «فرِح»/ «فرّح»، «أكل»/ «أكّل».

بجواره؟ هل صرنا فجأة نعلم ما في السرائر؟ بالطبع لا. فاحتمال الخطأ وارد حتى ولو كان بنسبة واحد في المليار. وهذه النسبة تكفي وتزيد من أجل إفساد أي حكم باليقين. في وسع القارئ تخيل سيناريوهات من هذا النوع بكل سهولة ويسر في أغلب مجالات الفعل. ماذا ترى في محل بيع النظارات الطبية؟ يجرّب أحد الناس نظارةً تلو الأخرى ناظرًا إلى نفسه في المرآة. بعد فترة ما نراه يغادر المحل مرتديًا إحدى تلك النظارات دون التوقف من أجل دفع ثمنها. هل قام هذا الانسان بفعل سرقة؟ أليس هناك احتمال أنه لم يجد ما يعجبه في ذلك المحل، ولكنه، وبسبب انشغال فكره بمشكلات عويصة في عمله وفي حياته العائلية قد نسي أن يعيد النظارة إلى مكانها؟ ليس هذا مستحيلً. ماذا رأينا بالتحديد؟ سلسلة حركات قابلة للوصف بالطريقة نفسها التي وصف بها سقراط جلوسه في السجن من منظور مراقب يقتفي خطى أناكساغورس في التفسير. هذه الحركات نفسها قد تحصل بفعل فاعل يريد أن يسرق، وقد لا تحصل بهذه الطريقة. مثال آخر: نرى شخصًا في يده راية وسط جمْع يتظاهر سياسيًا. نرى الراية تتحرك يمنة ويسرة بطريقة منتظمة بينما يبتسم صاحبها ونحن ننظر إليه. هل يلوّحهذا الشخص براية؟ وما أدرانا بذلك؟ أليس هناك احتمال أنه مصاب بنوع من المرض يجعل يده ترتعش بشِدّة، يمنة ويسرة، ما يجعل الراية تتحرك ذات اليمين وذات الشمال؟ مرة أخرى، ما نراه هو حركات جسمانية قابلة للوصف بطريقة هندسية فيزيائية تمامًا على نمط وصف أناكساغورس. قد تأتي هذه الحركة بفعل فاعل يعبر عن موقفه السياسي عن طريق التلويح براية، وقد تكون مجرد حركة تحدث في الطبيعة (على خلفية سببية مرضية من نوع معين) مثل كثير من الحركات التي لا نحلم بالحكم عليها بأنها «أفعال» (مثل هبوب نسمة أو سقوط ورقة من أوراق الشجر). قد يظن القارئ أن هذه الصعوبات مصطنعة، وأنه في الإمكان معرفة الحقيقة بطريقة بسيطة. لنسأل الشخص عما إذا كان يقصد فِعل ما نعتقد أنه كان بصدد فعله. ولكن قليلً من التفكير يكفي لتبيان أن هذه طريقة ساذجة في التعامل مع المشكلة. فماذا ننتظر أن يحدث إن نحن قمنا بتوجيه مثل هذا السؤال؟ بالطبع، ننتظر أن يجيب الشخص عن السؤال، أليس كذلك؟ ننتظر أن «يفسر» فعله إن كان هناك ثمة تفسير. إذًا، لا بد لهذا الشخص أن يتكلم (أو يكتبإن لم يكن في وسعه الكلام، أو أن يجد طريقة واضحة لا لبس فيها للتعبير عن نفسه). بعبارة أخرى نتوقع (بحسب المقترح الحالي) أن نجد أنفسنا أمام شخص يتكلم. ولكن أليس التكلمفعلً من الأفعال؟15 بلى، إنه فعل من الأفعال، تمامًا مثل فعل السرقة أو التلويح بالراية أو الغش في الامتحان. فماذا يعني التكلم إن لم يكن صدور أصوات وحصول حركات شفاه (أو رسم علامات في حالة الكتابة) تحمل معانيَ محددة في ذهن متكلم ينوي نقلها إلينا نحن المخاطَبين؟ وهكذا تعود المشكلات والحيرة التي واجهناها في الأمثلة السابقة لتطل برأسها من جديد: ما نراه (أو ما في وسعنا أن نراه) لا يعدو كونه حركات جسمانية (حركة شفاه، لسان، وأوتار صوتية)، وما نسمعه لا يعدو كونه أصواتًا ذات ترددات

  1. نقصد هنا الحديث عن أفعال التكلم Acts of Speaking، وهذا يختلف جدًا عن المقصود بأفعال الكلام Speech Acts المرتبطة بأسماء فلاسفة مثل جون أوستن John Austin وجون سيرل John Searle وغيرهما. لن يخفى الفرق على القراء ممن لديهم اطلاع جيد على نظريات أفعال الكلام. يحتاج هذا إلى شرح وبيان ليس له مكان هنا. سوف أقوم بتوضيح المسألة في بحث لاحق.

صوتية قابلة للدراسة العلمية. أما ما عدا ذلك فلا. ولكن هذه الأصوات والحركات نفسها (بدورها، وكما هو الحال في حامل الراية) قد تكون قد أتت بفعل فاعل يقصد أن ينقل إلينا ما في ذهنه من معانٍ(بما يشكل جوابًا عن سؤالنا أو تفسيرًا لما طلبنا تفسيره) وقد تكون غير ذلك تمامًا. فكما نعرف جميعًا يمكن الأصوات نفسها التي أسمعها منك عندما تحييني في الصباح قائلً «صباح الخير» أن تصدر من ببغاء حسن التدريب، من دون أن يعني هذا أن الببغاء قد تكلمأو قام بفعل التكلم. ما نعتقد حصوله في حالة الببغاء ليس فعل تكلمٍ بل هو مجرد حدث طبيعي، كما لو أن الرياح في حركة دخولها وخروجها في مسارات متعرجة في بناية متهاوية ذات شبابيك مكسرة قد أسمعتنا أصواتًا تحثنا على مغادرة المكان! هناك درسان نتعلمهما من هذه الأمثلة. يفيد الدرس الأول أنه ينبغي لنا التمييز بين الفعل، والحدث المجرد الذي يسهل علينا في كثير من الأحيان الخلط بينه وبين الفعل الحقيقي. فمثلً قد نخطئ فنظن أن حركة الراية يمنة ويسرة في يد المصاب برعشة مرضية شديدة هي فعل تلويحيقوم به حامل الراية، ولكن (بالطبع) في مثل هذه الحالة ليس هناك فعل ولا فاعل. أما في حالة البركان الذي يقوم ب «قذف الحمم» فليس هنا مجال للخطأ. فالبركان ليس فاعلً بالمعنى المقصود هنا. لا يعتبر قذف الحمم فعلً يقوم به البركان الثائر، كما يقوم الجندي بقذف «حممه» من المدفع الرشاش صوب أعداء الوطن الذي يدافع عنه. والشخص الذي يقف قبالتك بحيث يمكن رسم خط مستقيم بين عينيه ووجهك لا يعني أنه يبحلق في وجهك، مع أنه يمكنك أن تظن هذا (فتبدأ معه شجارًا في الحال). ولكن لا يمكن قول هذا في وصف حالة ضفدع أو أفعوان «يبحلق» فينا إلا على سبيل المجاز أو الطرفة. هذا مع أننا قد لا نمانع في قول هذا بخصوص الحيوانات المتطورة. والدرس الثاني: كل فعل (يفعله الإنسان) فهو حدث يحدث، ولكن لا يمكن القول إن كل حدث يحدث فهو فعل (ثوران البركان، حركة الراية في يد المصاب برعشة مرضية). وهذا يشبه قولنا إن «كل إنسان حيوان ولكن ليس كل حيوان إنسان». في حالة مفهوم إنسانيترتب علينا إضافة مفهوم آخر (يطلق عليه المناطقة « الفصل » Differentia) لمفهوم حيوانبحيث نتمكن من التمييز بين نوع Species إنسانوأي نوع آخر (فرسمثلً) ينضوي تحت نفس الجنس Genus. كذلك الأمر في حالة فعلوحدث (على ما يظهر). من الفلاسفة من قال إن الإنسان يعرف بالإشارة إلى كونه حيوانًا ناطقًا، أو عاقلً أو مدنيًا أو أخلاقيًا، ومنهم من قال بغير ذلك، مما لا يعنينا كثيرًا هنا. لكن ما يعنينا هنا هو أن السؤال نفسه يلح علينا بالإشارة إلى الفعل والحدث. فماذا يمكننا أن نضيف إلى الحدث حتى يرقى إلى مستوى الفعل؟ طرح فتغنشتاين هذا السؤال بطريقة معبرة عندما تساءل قائلً: «هناك أمر يجب ألا نغفل عنه: عندما أرفع يدي فإن يدي ترتفع. وهنا يحصل الإشكال: ما الذي يبقى إذا طرحت حقيقة أن يدي ترتفع من حقيقة أنني رفعت يدي؟»16.

  1. منقول بتصرف عن: لودفيك ف تغنشتاين، تحقيقات فلسفية، ترجمة وتقديم وتعليق عبد الرزّاق بنّور (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007)، ص 621، فقرة 373:. ينظر Ludwig Wittgenstein, Philosophical Investigations , G. E. M. Anscombe (trans.) (Oxford: Basil Blackwell, 1953), p. 169.

ما الذي يمكن إضافته إلى الحدث الطبيعي حتى يصير بذلك فعلً؟ ما الذي يمكن إضافته إلى حقيقة أن يدي ترتفع بحيث يغدو هذا عبارة عن فعل رفعي ليدي؟ لم يكن الجواب عن السؤال الذي طرحه فتغنشتاين على نفسه خافيًا يومًا ما. من الواضح أننا لا ننسب إلى أحدهم فعل السرقة أو الغش أو الكلام أو رفع اليد بالتحية أو الوعد لمجرد مشاهدة بعض الحركات الجسمانية المألوفة، كما لا يعتقد عاقل أن الأفعال المذكورة تختزل إلى مجرد حركات بمواصفات معينة. فنسبة أفعالنا إلينا في كثير من الأحوال (وربما كلها) تشترط علمنا بما نحن فاعلوه أو مقدمون على فعله. لو قال أحدهم «نعم» أو «أوافق» بعد أن سمع كلامًا من شخص آخر، لما حق لنا أن نعتبر أنه قطع عهدًا على نفسه، إذا تبين لنا لاحقًا أنه لم يكن يدري ما يفعله (مثلً) بسبب عدم إتقانه اللغة أو معاني المصطلحات التي سمعها (أو لأي سبب آخر يحول دون المعرفة). لا يقتصر الأمر على المعرفة فقط، بل إن القصد والتخطيط والنية والإرادة والرغبة ليست بمنأى عما نعتبره أفعالً بالمعنى الدقيق للكلمة. ولا ينبغي أن يغيب عن الذهن الإطار الاجتماعي الذي يتم فيه الفعل الإنساني بحيث إن القسم الأكبر والأهم من الأفعال الإنسانية لا يمكن تصوره خارج النطاق الاجتماعي، حيث يكتسب الإنسان معارفه وتتهذب رغباته ويتعلم التعبير عن أفكاره ونياته، آخذًا في الاعتبار نيات الآخرين ورغباتهم وأهدافهم. ففي السياق الاجتماعي، تتكون المعاني التي يستبطنها الإنسان ويتشارك فيها مع غيره ويعبر عنها بلغة عامة يفهمها كل من حوله. لهذا السبب لم يكن من الممكن أن نفهم فعل سقراط في الامتثال لقانون المدينة، بالإشارة إلى حدث أو فعل الجلوس في المحبس كحدث جسماني بحت. من هذا المنظار يمكننا القبول بتعريف فيبر للفعل الاجتماعي بالإشارة إلى «المعنى الذاتي» الذي يحمله بالنسبة إلى الفاعل ومن حوله، على اعتبار أنه يتواءم تمامًا مع النظرة القصدية للأفعال. يقول فيبر: «يجوز لنا الحديث عن الفعلبقدر ما أن الفرد الفاعل ينسب معنى ذاتيًا Meaning Subjective لسلوكه، سواء كان ذلك السلوك خفيًا أو معلنًا، وسواء تمثل ذلك في تجنب أمر ما أو السير قدمًا نحوه. ويعد الفعل اجتماعيًا إلى الدرجة التي يشتبك فيها المعنى الذاتي مع سلوك الآخرين، وفي النتيجة يقوم الفاعل بتعديل مسار فعله آخذًا سلوكهم في الاعتبار»17. لا ينبغي لنا الظن أننا، وفي كل مرة ننسب إلى إنسان ما فعلً معينًا، نجزم بتحقق كل الصفات المذكورة من أولها إلى آخرها، بتمامها وكمالها. فنهوض الإنسان من مقعده للذهاب إلى الحمام ليس فعلً اجتماعيًا بالقدر نفسه كالإقدام على الزواج مثلً، مع أنه يأخذ في الاعتبار أمورًا مثل الاستئذان في المغادرة إذا كان الفاعل يستضيف أناسًا. وليس فعل تناول الطعام فعلًاجتماعيًا بقدر الخروج في تظاهرة احتجاجية، مع أن الإنسان لا يتناول الطعام كما تتناول الحيوانات الطعام، بل كما تعلّم أن يتناول الطعام في سياق الحياة الاجتماعية. لا يستدعي نهوض الإنسان من مقعده التبجيل بالحديث عن «رغبة» في النهوض أو وجود «نية» للنهوض. في الأحوال العادية لا يترتب على النهوض من

  1. Max Weber, Economy and Society: An Outline of Interpretive Sociology , Guenther Roth & Claus Wittich (eds.), Ephraim Fischoff et al. (trans.), vol. 1 (California/ London: University of California Press, 1978), p. 4.

المقعد وكثير من الأفعال اليومية المعتادة أي مسؤولية أخلاقية، ولا تستدعي إلا أقل القليل من الروية أو التدبر. ولكن لا يمنع من احتسابها أفعالً. مع ذلك، يمكننا القول إن فعل الإنسان/ الكائن الاجتماعي في الحالات النموذجية يحتوي على عناصر المعرفة والإرادة والحرية والمسؤولية والتأطير الاجتماعي المناسب. لذلك ومن منظار معين في وسعنا أن نتفهم إصرار أبو حامد الغزالي على نفي صفة الفعل عن النار. فإذا كان معنى الفعل في ذهن الغزالي شيئًا قريبًا مما نحن بصدد الحديث عنه، فإن النار لا يمكنها أن تكون فاعلً بأي حال من الأحوال. ولكن ما لا قد نفهمه أو نتعاطف معه كثيرًا هو نفي صفة الفعل عن الإنسان كما زعم جهم بن صفوان والأشاعرة أصحاب نظرية الكسب بحسب بعض الآراء18. يفترض أن نجد هنا ضالتنا في الفصل الذي يميز بين الأفعال وبين المجريات الطبيعة: فلنقل إن الأفعال هي أحداث تقترن بالقصدية. سوف نستخدم مصطلح القصدية على نحو فضفاض نوعًا ما، للإشارة إلى «الجوانب الجوانية» في الفعل بما فيها المعرفة والرغبة والاختيار والمعاني الاجتماعية التي يستبطنها الفعل... إلخ، ذلك أنه لا يهمنا في سياق هذا البحث الوقوف على العلاقات والفروق بين الرغبة والإرادة والاختيار والمعرفة والحرية والمسؤولية وغيرها. من الواضح أن هناك علاقات وثيقة إضافة إلى فروق19، ولكن هذه مسائل تحتاج الى أبحاث مختلفة لا تعنينا هنا. كل ما يعنينا هو القول إن الفعل الإنساني/ الاجتماعي يشتمل على جوانب جوانية/ ذاتية (قصدية) مثل كذا وكذا، وأنه بذلك يختلف عن مجرد الحركات الفيزيائية. كيف تقترن القصدية – كائنة ما كانت بالتحديد – بالأفعال؟ ليس في وسعنا تجاهل هذا السؤال. لا بد من الإجابة، فهذا هو لب الموضوع في الحديث عن طبيعة فعل الإنسان. فلنطرح السؤال إذًا: ما دام أن القصدية تميز الأفعال عن مجرد الأحداث، فما العلاقة بين الأفعال والقصدية؟

ثالثًا، المقاصد والأفعال: العلاقة السببية

يعود أحد أقدم الأجوبة عن السؤال الذي طرحناه للتو إلى أرسطو الذي اشتهر عنه قوله: «المبدأ الأول في الفعل وسببه المحرك Moving Cause) ([...] هو الاختيار العقلاني. وأما الاختيار العقلاني بدوره فسببه المحرك هو الرغبة Desire) (والتدبر من أجل تحقيق الغاية (Goal–Directed Reason) »20. مثل ذلك: تخيل أن فلانًا يشعر بالعطش، ويرغب في شرب بعض الماء. تلك هي الغاية التي يريد تحقيقها. يُعمل فكره في الوسيلة، فلا يجد من حوله إلا بعض الماء الذي لا يبدو صالحًا للشرب

  1. حنفي، ص.17
  2. نتوقف عند هذه المسألة مطولً في بحث مقبل.
  3. Aristotle, Nicomachean Ethics , Roger Crisp (ed., trans.) (Cambridge: Cambridge University Press, 2004), 1139a. جاء في النص العربي: ««فمبدأ الإحداث إنما هو الاختيار المدبر الذي عنه تصدر الحركة الأولية»»، ينظر: أرسطوطاليس، علم الأخلاق إلى نيقوماخوس، ترجمه من اليونانية إلى الفرنسية وصدره بمقدمة ممتعة في علم الأخلاق وتطوراته وعلق عليه تعليقات تفسيرية بارتلمي سانتهلير، نقله إلى العربية من الفرنسية أحمد لطفي السيد (القاهرة: دار الكتب المصرية، 1924)، ص.117

تمامًا. يتدبر في الأمر قليل ثم يختار أن يشرب ذلك الماء. يملأ كوبًا بالماء ثم يشرب. هكذا نعلل ما قام به من فعل: لم تكن سلسلة الحركات الجسمانية التي أدت إلى وصول الماء إلى جوفه مجرد حدث ميكانيكي من أحداث الطبيعة، بل كانت فعلً قصديًا، سببه، أولً، رغبة في تحقيق غاية معينة (شرب الماء)، ثم، ثانيًا، المعتقدات أو الأفكار المتعلقة بالوسائل المؤدية إلى تحقيق الغاية. وأما العلاقة بين الفعل من جهة والرغبات والمعتقدات من جهة أخرى، فهي في جوهرها علاقة سببية. فنحن نطرح حولها السؤال «اللماذي» المعتاد (لماذا حصل ذلك؟) ويأتينا الجواب بلغة «لأن كذا» و«بسبب كذا» حاملًالمعنى نفسه الذي تحمله هذه الكلمات في سياق تفسيرنا لأحداث الطبيعة. صحيح أن مادة الإجابة تحتوي على مفاهيم القصد والهدف... إلخ، ولكنها وبوصفها علاقة سببية لا تختلف عن العلاقة السببية التي تحكم مجريات الكون في مختلف أرجائه؛ لا تختلف في شيء سوى أن مسببات الفعل الإنساني هي من نوع يقتصر وجوده على الكائنات العاقلة مثل بني البشر (الرغبة، القصد، الاختيار، التدبر). وجد هذا التفسير نصيرًا قويًا له في شخص دونالد ديفدسون Donald Davidson (1917–2003) الذي يعتبر من أهم الفلاسفة التحليليين المهتمين بفلسفة الفعل وفلسفة المعنى. ينظر ديفدسون إلى العلاقة السببية بوصفها الصمغ اللاصق في الوجود، فمن دونها ليس هناك إمكانية للوجود أصلً21. لذا، وبحسب ما يرى هذا الفيلسوف، لا ينبغي أن يكون إخراج الفعل البشري من نطاق السببية قرارًا سهلً، ذلك أنه يعني أن الفعل الإنساني يشكل استثناء على كل ما يجري في الوجود، فلا يعود الفعل قابلً للفهم أو التفسير، على خلاف كل شيء آخر. يقول ديفدسون مخالفًا رأي من لا يعتقدون بصواب موقف أرسطو: «لو كانت التفسيرات السببية غير ذات علاقة مطلقًا [...] بمحاولتنا فهم أفعال الإنسان لفقدنا القدرة على تحليل معنى كلمة ‘لأن’ Because) (التي نستخدمها حينما نقول ‘قام فلان بفعل كذا لأن [...]’، حيث ينتهي الكلام بذكر سبب أو علة فعل [...] يعترض [البعض] على محاولة أرسطو تفسير العلاقة بين الأفعال وعللها باستخدام مفهوم الرغبة Wanting) (كمفهوم سببي (علة فاعلة). ولكنني أقول إنه وفي ظل عدم وجود أي تفسير بديل مُرضٍ فإن الحجة الأقوى في صالح نظرية أرسطو هي أنها النظرية الوحيدة التي تفسر العلاقة المحيرة بين الفعل وعلة الفعل»22. يزعم ديفدسون أن ليس هناك طريقة لفهم منطق سؤال «لماذا؟» وجواب «لأن...» ما عدا الطريقة السببية. سنتعرف بعد قليل إلى طريقة مغايرة لفهم السؤال والجواب. ولكن علينا، وبغض النظر عن الحكم النهائي بخصوص هذه المسألة، التمييز بين القول بالسببية والقول بالحتمية. فكثيرًا ما يقال إن أحد الفروق المهمة بين الظواهر الطبيعية والظواهر الاجتماعية (بما فيها الفعل الاجتماعي) يتلخص بالقول إن الأولى خاضعة لمبدأ الحتمية ما يجعلها قابلة للتنبؤ، في حين أن الثانية تنبع من مبدأ الإرادة الإنسانية الحرة، الأمر الذي يجعلها غير قابلة للتنبؤ وعرضة للاستثناءات.

  1. Donald Davidson, Essays on Actions and Events , 2 nd ed. (Oxford: Clarendon Press, 2001), pp. xv.
  2. Davidson, «Actions, Reasons, and Causes,» The Journal of Philosophy , vol. 60, no. 23 (November 1963), p. 693.

يعتقد الكثيرون أن الفيلسوفة الإنكليزية آنسكوم قد وجهت ضربة قاصمة، ليس فقط إلى الاعتقاد أن الحتمية والسببية هما الشيء نفسه، وإنما أيضًا إلى الاعتقاد أن الحتمية أمر قائم في الأساس، سواء على مستوى الظواهر الإنسانية أو الطبيعية. فبعض الأسباب موجبة Necessitating بمعنى أن نتيجة ما قد تترتب عليها بلا استثناء (مثلً: لا أحد ينجو من داء الكلب من دون علاج)، في حين أن كثيرًا من الأسباب ليست موجبة. والمثل الأشهر على تلك الأخيرة ما يسمى بقنبلة فاينمان Bomb Feynman نسبة إلى عالم الفيزياء المشهور رتيشارد فاينمان Feynman Richard: يتم وضع القنبلة إلى جانب مادة مشعة بحيث لا تنفجر إلا إذا بلغ الإشعاع في لحظة من اللحظات درجة معينة من القوة بحسب مقياس غايغر (لقياس قوة الإشعاع النووي). فإذا انفجرت القنبلة في لحظة معينة كان ذلك بسبب بلوغ الإشعاع درجة معينة من القوة. ولكن بلوغ الإشعاع تلك الدرجة من القوة ليس أمرًا محتمًا، ذلك أنه، وبحسب معطيات فيزياء الكم Mechanics Quantum، لا يمكن التنبؤ بما إذا كانت الذرة الفلانية سوف تتحلل في أي لحظة من اللحظات المقبلة. وبما أن بلوغ الإشعاع درجة معينة من القوة يعتمد على تحلل عدد كاف من ذرات المادة المشعة فهذا يعني في الحصيلة الأخيرة أن انفجار القنبلة ليس أمرًا حتميًا، مع أن لحدوثه (حين يحدث فعلً) سببًا كافيًا23. يقول الذين يؤمنون بالحتمية إننا لا ننجح في التنبؤ بالأحداث المقبلة بسبب جهلنا بكل الظروف المحيطة، وعدم معرفتنا بالقوانين الطبيعية: ليس في وسع الطبيب أن يتنبأ ما إذا كنت سوف أصاب بمرض من النوع المعدي إذا اختلطت مع مصاب؛ وذلك بسبب جهل الطبيب بالظروف المحيطة بي وقوة الجهاز المناعي عندي... إلخ. ترد آنسكوم على ذلك بالقول إن ذلك يفترض أن الأسباب التي تسبب الأمراض تحتمها. وهذا ليس أمرًا مفروغًا منه بحسب رأيها. فنحن نفهم معنى القول إن فلانًا مرض بسبب عدوى انتقلت إليه من شخص آخر من دون أن نعرف ما إذا كان من المحتم عليه أن يمرض بعد أن خالط المصاب بالمرض24. وفي النتيجة ليس هناك مبرر للظن ضرورةَ الفصل بين مناهج دراسة الظواهر الطبيعية والاجتماعية انطلاقًا من إشكاليات الحتمية والسببية. فالعلاقة السببية وحقيقة انتظام الظواهر (دونما حتمية في أي من الحالتين) هما الشيء نفسه. لأفعال الإنسان أسباب ولكن أفعال الإنسان ليست حتمية. سمّ هذا «حرية الإرادة» إن شئت، ولكن ما الداعي إلى ذلك؟ نحن جميعًا متفقون أن للسرقة أسبابًا اجتماعية أو نفسية، وفق ما ينبئنا به العلماء الاجتماعيون. ولكننا لسنا مستعدين للقول إن القيام بالسرقة أمر محتم على من يقومون بها. ليس هذا لأن الإنسان حر الإرادة، وإنما، وبكل بساطة، لأن الأسباب في كثير من الحالات لا يترتب عليها نتائج حتمية. وحتى في حالة الحيوانات، إننا لا نعرف عالمًا قد برهن على أن تحرك قط نحو الطعام أمر «محتم»، حتى لو كان القط جائعًا والطعام شهيًا! مع ذلك لم يحل هذا دون نشوء معارضة قوية للتوجه الذي يقضي بإمكانية تفسير أفعال الإنسان، بالإشارة إلى مفهوم السببية المستخدم في العلوم الطبيعية. يقول جون هايمان إنه لم يكن ليخطر

  1. Anscombe, p. 146.
  2. Ibid., p. 136.

ببال أحد أن ينكر وجود علاقة سببية بين المقاصد والأفعال، حتى شرع فتغنشتاين في ثلاثينيات القرن الماضي في مهاجمة تلك الفكرة25. يقول هذا الأخير في الكتاب الأزرق والكتاب الأسمر: «تعبر قضية ‘يعود الفعل سإلى السبب ص ’ عن فرضية. ولا تنهض هذه الفرضية على أساس سليم إلا إذا توافر لدينا عدد من التجارب Experiences) (التي تُظهر (ولو بشكل تقريبي على الأقل) أن الأفعال تتبع، وبشكل منتظم، تحقق ظروف معينة نسميها أسباب الفعل. ولكن [في حالة أفعال الإنسان] لا يلزمنا وجود عدد من التجارب المؤيدة لكي ندرك المبرر الذي دعانا للإفصاح عن رأي معين، أو للتصرف بطريقة معينة. هناك فرق بين القواعد التي تحكم استخدام كلمة ‘مبرر’ Reason) (وكلمة ‘سبب ’ Cause) (وهو يشبه الفرق بين القواعد التي تحكم استخدامنا لكلمة «دافع» Motive) (وكلمة ‘سبب’. [...] في حالة الأسباب كل ما يمكننا القيام به هو التكهن Conjecturing) (بوجود سبب أو أسباب معينة. أما في حالة الدوافع فإن الأمر ليس كذلك: يمكننا هنا القول: ‘من المؤكد أنني أدرك لماذا فعلت ذلك الأمر’، قاصدين بذلك الدافع الذي دفعنا للقيام بالفعل. تحمل كلمة/ سؤال ‘لماذا؟’ معنيين مختلفين في سياق الحديث عن الأسباب والمبررات. هذا الاستخدام المزدوج، يضاف إليه حقيقة أننا ندرك دوافعنا في حين أنه لا يسعنا سوى التكهن بخصوص الأسباب، كل هذا يجعلنا نقع في الخلط، فنظن أن الدافع عبارة عن سبب ندركه مباشرة، أي أنه سبب منظور إليه من الداخل»26. ليس من الصحيح القول إن فتغنشتاين كان سباقًا إلى نقد القول بالسببية في تفسير أفعال الإنسان. فقبل فتغنشتاين بردح من الزمن قال ديلتاي في معرض مراجعته لمؤلف تاريخي يعتمد قاعدة التفسير السببي لظواهر التاريخ: «مهما تعمقنا في دراسة حياة فرد من الناس فمن المستحيل أن نتمكن من رسم صورة لذلك الفرد بحيث نتمكن من الربط بين مجريات حياته أو حياتها من خلال علاقة السبب – النتيجة، وبحيث نتمكن من وصف الطريقة التي تتم من خلالها الاستجابة للمؤثرات من خلال أفعال يقوم بها الفرد»27. وهذا أيضًا موقف فيبر الذي جعل من مفردة «التفهم» Understanding / Verstehen مصطلحًا تقنيًا يشير إلى طريقة محددة في التعامل مع الفعل الاجتماعي، من خلال ما سماه «علم الاجتماع التأويلي» Soziologie Verstehende. يقول فيبر في مقالة بالعنوان نفسه: «إن السلوك البشري (كغيره من مجريات العالم الطبيعي) يتسم بالانتظام، ولكن هناك بعض العلاقات والانتظامات المميزة والتي تسمح بنوع من التأويل القائم على أساس «التفهم» بما لا يتوافر في نظام الطبيعة بشكل عام»28. لذا، وكما يضيف فيبر نفسه في مؤلف آخر،

  1. John Hyman, «Desires, Dispositions and Deviant Causal Chains,» Philosophy , vol. 89, no. 1 (January 2014), pp. 83–112.
  2. Ludwig Wittgenstein, Preliminary Studies for «the Philosophical Investigation» Generally Known as the Blue and Brown Books (Oxford: Basil Blackwell, 1958), p. 15.
  3. Wilhelm Dilthey, Selected Works , vol. IV: Hermeneutics and the Study of History , Edited with an Introduction by Rudolf A. Makkreel & Frithjof Rodi (New Jersey/ West Sussex: Princeton University Press, 1996), p. 265.
  4. Max Weber, «Some Categories of Interpretive Sociology,» Edith E. Graber (trans.), The Sociological Quarterly , vol. 22, no. 2 (Spring 1981), pp. 151–180.

فإن العلوم الاجتماعية، تسعى ل «الحصول على طريقة لتفسير/ تفهم – [السلوك البشري] من نوع نفساني فكري تعاطفي Empathic) (، [الأمر الذي يشكل] مشكلة تختلف نوعيًا عن تلك التي تسعى العلوم الطبيعية الدقيقة لحلها»29. لا تزال هذه الصياغة، أو ما هو قريب منها، لخصوصية المنهج والهدف في العلوم الاجتماعية تجد من يؤيدها. منطلقات تشالرز تيلور Charles Taylor (1931–) هي منطلقات فيبر نفسه. يقول تيلور إن على التفسير/ التأويل المقبول للفعل الإنساني أن يظهر العقلانية الكامنة في الأفعال، على الأقل من وجهة نظر الفاعل أو في سياق ثقافته الاجتماعية. وبذا لا تكون الأطروحة التي يدعو إليها سوى «تعبير آخر عن القضية الرئيسة في العلوم الاجتماعية القائمة على التفسير Interpretive Social Science) (، ألا وهي أن على كل تفسير مقبول للفعل الاجتماعي أن يقدم الفاعل بصورة تجعل أفعاله قابلة للتفهم [...] لا يجب أن تكتفي النظرية الاجتماعية بمجرد التنبؤ بانتظام الأحداث الاجتماعية والتاريخية»30. وأخيرًا لا بد من الإشارة إلى ما اقترحته آنسكوم، التي تتلمذت على يد فتغنشتاين، من أن العلاقة بين القصدية والأفعال ليست علاقة سببية. ومن ثم ترى آنسكوم أن كلمات «لماذا» و «بسبب» و«لأن» تحمل معاني مختلفة في حالة الأفعال الإنسانية عن تلك التي تحملها في حالة ما سميناه بالأحداث الطبيعية: «نقول أحيانا: لقد كانت محبة فلان للحقيقة سببًا في [...]، وأشياء من هذا القبيل، ولا ريب أن مثل هذه التعابير تجعلنا نميل إلى الظن بأن الدوافع تستجلب الفعل أو أنها تنتجه. ولكن ما تعنيه العبارة السابقة لا يتعدى القول إن ‘فلانًا فعل ذلك من منطلق محبته للحقيقة’. وهذا القول هو بمنزلة تأويل للفعل Interpretation) ([ولكنه ليس تعليلً سببيًا على نموذج سبب – نتيجة »]31. يظهر من هذا، وكما يقول جون هايمان John Hyman (1960–)، أن آنسكوم تقدم نموذجًا مختلفًا في تفسير الفعل: ذلك هو نموذج «هدف – فعل»32. كما يبدو ولأول وهلة أن هناك بونًا شاسعًا بين نموذج «سبب – نتيجة» الذي يقترحه ديفدسون، ونموذج «هدف – فعل» الذي تقترحه آنسكوم: بين الحديث عن «سبب» انهيار جدار (حدث طبيعي) و«سبب» ذهابك إلى مقهى معين (فعل إنسان). انهار الجدار «بسبب» رداءة المواد المستخدمة في البناء و«لأنه» بني باستخدام حسابات هندسية خاطئة. وإذًا، وقع الجدار ضحية علاقة الجاذبية بين الأرض وكل كتلة مادية على مسافة محددة من سطحها. أما أنت فقد ذهبت إلى المقهى «بسبب» رغبتك في مقابلة صديق لم تره منذ مدّة، و«لأنك» كنت تعتقد أن صديقك ينتظرك في ذلك المكان. هل يعقل أن كلمات «سبب» و«لأن» تعني الشيء نفسه في الحالتين؟ أكان للجدار «سبب» يدعوه إلى السقوط؟ هل يحمل سقوط الجدار أي معنى له

  1. Max Weber, The Methodology of the Social Sciences , Edward A. Shells & Henry A. Finch (eds.), With a Foreword by Edward A. Shils (Illinois: The Free Press, 1949), p. 74.
  2. Charles Taylor, Philosophical Papers , vol. 2: Philosophy and the Human Sciences (Cambridge: Cambridge University Press, 1985), p. 116.
  3. Gertrude Elizabeth Margaret Anscombe, Intention (Oxford: Basil Blackwell, 1957), p.  20.
  4. Hyman, p. 108.

أو لنا، كما يحمل ذهاب أحدهم إلى مكان ما من أجل/ بهدف لقاء صديق؟ أليس من الواضح أن لهذه الكلمات معنى مزدوجًا كما يقول فتغنشتاين؟ في واقع الأمر، ليس من الواضح بتاتًا أن هناك اختلافًا في معاني «لأنه» و«بسبب» بقدر الاختلاف في طبيعة الأسبابالتي نسوقها. ومن الواضح أن الأسباب التي نسوقها في حالة الجدار تتعلق بقانون الجاذبية والكتلة وخواص مواد البناء وقواعد الهندسة التطبيقية. أما في حالة ذهابك إلى المقهى فالأسباب تتعلق بالرغبات والمعتقدات والقيم («أهمية أن يحفظ الإنسان عهدًا قطعه على نفسه مثل)»33. لا تتعلق المسألة بمعنى كلمة «سبب» أو كلمة «لأن»، وبعبارات أخرى تتعلق المسألة بطبيعة الأسبابوليس بطبيعة السببية. المسألة الوحيدة هي ما إذا كان يلزمنا القول بوجود تعارض بين هذين النموذجين المفترضين: نموذج «سبب – نتيجة» ونموذج «هدف – فعل». كيف يمكن لهذا أن يكون، ما دامت الأسباب الفاعلة في حال الفعل الإنساني تشتمل على الرغبة التي تعني أول ما تعنيه «الرغبة في تحقيق هدف معينأو غاية معينة»؟ عندما يريد الإنسان الغنى أو يرغب فيه، أليس الغنى ما يهدف إليه؟ ثم إنه عندما يقوم بالعمل الدؤوب، ويدخر ويستثمر ويفكر في الوسائل، أليست كل هذه أفعالً من أجل الهدف الذي يرغب في تحقيقه؟ لم لا نقول، والحالة هذه، إن الهدف سبب مُحرِّك؟ قد يعترض البعض بالقول إن الهدف هو ما نسعىلتحقيقه، وهو، إذًا، غير متحقق. فكيف يمكن لشيء لم يتحقق بعد أن يكون جزءًا من سلسلة الأسباب والمسببات التي يدرسها العلم؟ يخلق هذا السؤال انطباعًا بأن أفعال الإنسان تتطلب نوعًا مغايرًا من التفسير لأنها تتعامل مع «أشياء ليست جزءًا من الطبيعة». فالطبيعة لا تحتوي إلا على ما هو متحقق34. هذا صحيح (أو في وسعنا أن نعترف بصحته). ولكن يجب أن نتذكر أن الهدف هو ما تتعلق به الرغبة. والرغبة حقيقة نفسية لا نشك في وجودها، كما لا يعاند أحد بالقول إنها علة محركة بمعنى مألوف: بمعنى أنها تدفع الإنسان إلى الحركة من أجل إشباعها، وهي في العادة لا تهدأ قبل أن يتم إشباعها (كما هي الحال عند من يريد أن يشرب ماء). لنقل إذًا إن الهدف يحرك الإنسان، ولكنه لا يحرك الإنسان قبل أن تتعلق به الرغبة35. يقول هايمان

  1. هناك أيضًا أسباب طبيعية تساهم في الذهاب إلى المقهى لا نجدها ذات أهمية في السياق الاجتماعي، مع أنها أسباب لازمة لحصول الفعل: القدرة على المشي، الجاذبية الأرضية التي يمكن من دونها أن يطير الصديق إلى مكان آخر غير المقهى. لذا يجب أن لا نحسب الأسباب التي يسوقها الناطق باسم أناكساغورس في تفسير جلوس سقراط عديمة المعنى. فلو لم يكن لسقراط أرجل لما جلس، ولو لم يكن له عينان وأذنان ولسان لم يكن ليتكلم أو ليرى أحدًا. لا نحسب هذه أسبابًا في تفسير جلوس سقراط، ليس لأنها ليست أسبابًا، وإنما لأننا نفترض تحققها في كل الأحوال. إنها من نوع أسباب ثابتة Standing Causes.
  2. ينبغي أن يذكرنا هذا بمقولة فتغنشتاين إن العالم مجموعة من الحقائق (أي الأمور المتحققة) وليس مجموعة من الأشياء كما يفيد المعتقد الدارج. ينظر: Ludwig Wittgenstein, Tractatus Logico–Philosophicus , D. F. Pears & B. F. McGuinness (trans.), With an introduction by Bertrand Russell (London/ New York: Routledge & Kegan Paul, 1961), p. 5, Parag. 1.1.
  3. في وسعنا المقارنة بين الهدف والمحرك الذي لا يتحرك في فلسفة أرسطو. فعند هذا الأخير يعتبر المحرك الذي لا يتحرك موضوع رغبة بالنسبة إلى الكائنات الأدنى منه مرتبة في الوجود. فهو سبب غائي لحركتها. ولكن العلة المحركة هي الرغبة التي تتعلق بالغاية. الهدف إذًا علة غائية بينما الرغبة في تحقيق الهدف علة محركة. ينظر: Aristotle, The Basic Works of Aristotle , Richard McKeon (ed.), Introduction by G.D.C. Reeve (New York: The Modern Library, 2001), pp. a26–291072.

محاولًالتوفيق بين نموذج «سبب – نتيجة» ونموذج «هدف – علة»: «إن ما يرغب فيه الإنسان أو ما يهدف إليه موضوع قصدي Object Intentional أو موضوع فكر، وإذًا لا يمكن أن يكون عاملً سببيًا. ولكن رغبة الإنسان في تحقيق ذلك الهدف هي عبارة عن طبع أو ميل/ نزوع Disposition للقيام بأفعال من شأنها الإيصال إلى ذلك الهدف. هكذا تأخذ الرغبات مكانها كعوامل سببية. لذا نقبل بما تقوله آنسكوم من أن الإشارة إلى الهدف تقدم تفسيرًا للفعل. ولكننا نقول أيضًا إن التفسيرات بحسب نموذج «هدف – فعل» هي تفسيرات سببية أيضًا. فعندما نتوسم في فعلٍ ما «خيرًا» (عندما ندرك أن في وسعه أن يوصلنا إلى الهدف المرغوب فيه) فإن هذا يتسبب في قيامنا به [...] ملخص القول إن تفسير الفعل القصدي بالإشارة إلى الرغبة التي تظهر من خلال الفعل هو تفسير سببي وغائي في الوقت نفسه. فهو سببي لأن فيه إشارة إلى ميل (نزوع) [هو الرغبة نفسها]، وهو غائي لأن هذا الميل أو الطبع من نوع خاص: إنه ميل للسعي نحو تحقيق هدف، أي بعبارة أخرى إنه ميل يظهر في السلوك الهادف»36. إذا كان هايمان محقًا في القول بعدم وجود تناقض أو تنافس بين التحليل السببي والتحليل الغائي للفعل فهذا يعنى أن هاتين العبارتين ليستا في حالة تعارض أو تنافس: • قام فلان بدفع دَيْنه بسببرغبته في تجنب العقوبة المترتبة على عدم القيام بذلك (واعتقاده بأن دفع الوفاء بالدَيْن كفيل بتجنب العقوبة) (تعليل سببي). • قام فلان بدفع دَيْنه بهدفتجنب العقوبة المترتبة على عدم القيام بذلك (واعتقاده أن دفع الوفاء بالدَين كفيل بتجنب العقوبة) (تعليل غائي). يعود هذا (كما ينبغي أن يكون واضحًا) إلى الخاصية التي يتمتع بها السبب المستخدم في التعليل الأول. فهو ليس سببًا ميكانيكيًا ماديًا بحتًا (كما يمكن سقراط أن يزعم بخصوص تفسير أناكساغورس لامتثال سقراط للأمر القضائي) بل إنه سبب من نوع خاص: فهو يحتوي على رغبة في تحقيق هدف معين (تجنب العقوبة) وهو ما لا يمكن العثور عليه في أي تعليل ميكانيكي للسلوك. كما أنه يحتوي على اعتقادات معينة بخصوص الوسائل المؤدية إلى تحقيق الهدف، وهو أيضًا ما لا يمكن العثور عليه في أي تعليل ميكانيكي للسلوك. فنحن إذا فسرنا مكوث سقراط في غرفة سجنه بهذه الطريقة فليس هنا ما ينبغي الاعتراض عليه.

خاتمة واستنتاجات

يقع مفهوم الفعل الاجتماعي على تقاطع ثلاثة أنواع من المباحث الفلسفية (على الأقل): مبحث الأنطولوجيا، ومبحث الإبستيمولوجيا، ومبحث فلسفة العلوم الاجتماعية. وقد ركّز البحث اهتمامه على الجانب المتعلق بفلسفة العلوم الاجتماعية (مناهج تفسير الفعل، الفرق بين العلوم الطبيعية والاجتماعية)، حيث خلص إلى القول أنْ ليس هناك داع إلى الظن أن علوم الإنسان تتطلب مناهج أو

  1. Hyman, pp. 99, 109.

أساليب تفسير تختلف جذريًا عن تلك المتبعة في العلوم، وأن ليس هناك تناقض أو تنافس بين «تفهم» الأفعال من وجهة نظر تأويلية أو من خلال البحث عن الأسباب بالمعنى التجريبي المألوف. ولكن المبحث الأنطولوجي كان حاضرًا إلى درجة ما، وذلك من خلال محاولة البحث تحليل الفعل إلى جانب جواني وجانب براني، ومن ثم طرح مسألة العلاقة السببية بين هذين الجانبين. وجدنا أن هذا التحليل يفتح الطريق أمام أسئلة ومشكلات أنطولوجية وإبستيمولوجية من شأنها أن تنعكس على ما يمكننا قوله في فلسفة العلوم الاجتماعية. فتحليل الفعل إلى ثنائية البراني والجواني يذكرنا لا محالة بثنائية أخرى تقبع في الجوار القريب، ثنائية النفس والجسد؛ ذلك أن المقاصد والنيات والمفاهيم والرغبات التي تدفعنا إلى القيام بالفعل هي أمور نفسية، في حين أن السلوك والحركات التي توصلنا إلى تحقيق الأهداف والرغبات هي أمور جسدية تتعلق بجسم الإنسان. فكأن التحليل المقترح للفعل إلى عنصري الحركات والمقاصد يعيد افتراض الثنائية الديكارتية على مستوى الفعل. كما أن المبحث الإبستيمولوجي كان حاضرًا أيضًا، بالإشارة إلى الصعوبات الإبستيمولوجية التي تترتب على القول بوجود ثنائية البراني والجواني. أهم تلك الصعوبات هي مشكلة الريبة وما يلحقها من تعذر الحصول على أي تفسير مقنع لحقيقة البينذاتية، أي قدرتنا على معرفة الآخر بصفته ذاتًا مغايرة. هنا وجدنا أنفسنا مضطرين إلى طرح أسئلة مثل: كيف يمكنني معرفة أن الآخر «يفعل»، على خلاف أنه «يقوم بحركات جسدية»؟ ما طريقة المعرفة؟ وما مدى اليقين الذي تتسم به؟ كيف لي معرفة أن للآخر وعيًا مثل وعيي، وذاتًا مثل ذاتي، وحياة «داخلية» مثل حياتي؟ لم يتسع المجال للخوض في هذه الأسئلة في سياق هذا البحث. ولكنها مسائل شائكة لا يزال النقاش حولها جاريًا حتى هذه اللحظة، وقد يترتب عليها نتائج تجعل الباحث يعيد النظر في بعض ما قاله في سياق التفريق بين علوم الطبيعة وعلوم الإنسان في المناهج وفي التفسيرات. بناء عليه، هناك حاجة إلى التوسع في موضوعات هذا البحث من جانبين. هناك أولًالجانب الأنطولوجي الذي ينبغي أن نحسم فيه مسألة التكوين الأنطولوجي للفعل: فهل فعل الإنسان وحدة بسيطة لا تقبل التقسيم إلى عنصرين، واحد منهما «جواني» (المقاصد، المعتقدات، المشاعر... إلخ) والآخر «براني» (الحركات الجسمانية، السلوك الخارجي)؟ أم أنه وحدة بسيطة لا تقبل القسمة؟ ولكن في هذه الحالة ماذا نصنع بالعلاقة السببية التي يفترض البعض أنها تربط بين سبب ونتيجة يتمتعان بنوع من الاستقلال؟ في المقام الثاني هناك حاجة إلى التوسع في الجانب الإبستيمولوجي المتعلق بمعرفتنا بالفعل في مختلف جوانبه، الخارجي منها والداخلي. أتتحصل المعرفة بطريقة مباشرة، أم أنها معرفة استنتاجية تتوسط فيها نظريات أو فرضيات حول ذاتية الآخر؟ هل يمكن، وكيف يمكن، التغلب على مشكلة الريبة الراديكالية التي تهدد بجعل الذات والذات الأخرى جزرًا منعزلة، فلا ندري كيف نفسر افتراضنا، على

المراجع

العربية

اللجنة الدولية لترجمة الروائع الإنسانية، 1957.

الفرنسية أحمد لطفي السيد. القاهرة: دار الكتب المصرية، 1924.

الدين عبد الحميد. ط 2. القاهرة: مطبعة النهضة المصرية، 1969.

والتوزيع، 2001.

فخري. ط 2. بيروت: المطبعة الكاثوليكية، 1962.

العربية للترجمة، 2007.

الأردنية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1985.

الأجنبية

مستوى الحس السليم، بتحقق المعرفة البينذاتية (على صعيد النظرية)، والممارسة البينذاتية على صعيد التفاعل الاجتماعي والنشاط المشترك؟ هذه بعض الأسئلة المهمة التي تستحق بحثًا آخر مستقل37.

References

أرسطو. السياسات. نقله من الأصل اليوناني وعلق عليه الأب أوغسطينس بربارة البولسي. بيروت: ________. علم الأخلاق إلى نيقوماخوس. ترجمه من اليونانية إلى الفرنسية وصدره بمقدمة ممتعة في علم الأخلاق وتطوراته وعلق عليه تعليقات تفسيرية بارتلمي سانتهلير. نقله إلى العربية من الأشعري، أبو الحسن علي بن إسماعيل. مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين. تحقيق محمد محيي أفلاطون. فيدون: في خلود النفس. ترجمة وتقديم عزت قرني. القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد. تهافت الفلاسفة. تحقيق موريس بويج اليسوعي. تقديم ماجد فِتغنشتاين، لودفيك. تحقيقات فلسفية. ترجمة وتقديم وتعليق عبد الرزّاق بنّور. بيروت: المنظمة الفلسفة في الوطن العربي المعاصر: بحوث المؤتمر الفلسفي العربي الأول الذي نظمته الجامعة