الاستتباعات الإبستيمولوجية لنقد مثنوية الواقعة/ القيمة على منهجية العلوم الاجتماعية
Epistemological Consequences of the Fact/ Value Dichotomy for Methodology of the Social Sciences
الملخّص
تتناول هذه الورقة البحثية نقد هيلاري بوتنام لمثنوية الواقعة/ القيمة كما أرساها ديفيد هيوم والخبرانيون المنطقيون وترصد الاستتباعات الإبستيمولوجية لهذا النقد على منهجية العلوم الاجتماعية والإنسانية. و وتبين أن هذا النقد يفرض تصورًا جديدًا للعلاقة بين الطبيعانية والمعيارية ، وهي علاقة يتضمنها موقف إبستيمولوجي طريف، بلوره بوتنام في السنوات الأخيرة من مسيرته الفلسفية؛ موقف يسميه "الطبيعانية الليبرالية" . يقر هذا الموقف بالأهمية القصوى للقيم في مجال العلوم الاجتماعية، سواء تعلق الأمر بقيم إبستيمية أو إيتيقية. كما يفرض هذا الموقف تصورًا جديدًا لعلاقة علوم الطبيعة بالعلوم الاجتماعية. وتحاول الورقة أيضًا رصد بعض الصعوبات المنهجية الهيكلية التي تحول دون تدارك العلوم الاجتماعية العربية للأزمة الإبستيمولوجية التي تواجهها، وهو الأمر الذي يتجلى في إخفاقها في التعامل على نحو سديد مع ثنائية الواقعة والقيمة.
Abstract
Absract: This paper addresses Hilary Putnam’s criticism of the fact/value dichotomy established by Hume and developed by logical empiricists. It draws out the epistemological implications of this criticism For the methodology of social and human sciences. I argue that this criticism paves the way for a new conception of the relationship between naturalism and normativity. Such a conception is embedded in an original epistemological attitude crystallized in later years of Putnam’s philosophical journey, which he calls «liberal naturalism».
- مثنوية واقعة/ قيمة
- خبرانية منطقية
- هيلاري بوتنام
- قيم إبستيمية
- أمارتيا سن
- ماكس فيبر
- Fact/value Dichotomy
- Hume
- Logical Empiricism
- Verification/ Verifiability Principle
- Reductionism
- Otto Neurath
This attitude recognizes the importance of values in social sciences, whether epistemic or ethical. It also enacts a new conception of the relationship between the natural and social sciences. Furthermore, this paper will deal with some structural methodological difficulties which render Arab social sciences unable to face their epistemological crisis, something which can be seen in their failure to appropriately deal with the fact–value dichotomy.
مقدمة
يثير السؤال المتعلق بالمنهجية في العلوم الاجتماعية والإنسانية أحد المواضيع المهمة، وهو موضوع المعيارية Normativity، أي مدى حضور المعايير والقيم في تفسير الفعل الاجتماعي الذي يشكل الموضوع المركزي لهذه العلوم. فإذا كان العلم يعتمد، منهجيًا، وعلى وجه العموم، نموذج التفسير الاستنباطي الناموسي Model nomological – Deductive كما صاغه على نحو تقني كارل همبل Carl Hempel (1997–1905) كيف يمكن عندئذ أن نُفرد موضعًا للقيم وللمعنى في تفسير/ تأويل الظواهر الاجتماعية؟ وقد أثير هذا السؤال الذي لا ينفك عن أسئلة منهجية أخرى متعلقة بالطبيعانية والمعقولية وغيرهما في التقليد الفلسفي القارّي Continental مع فلهلم ديلتاي Wilhelm Dilthey (1911–1833) وهنريش ريكرت Heinrich Rickert (1936–1863) خاصة، في شكل رصد للاختلافات بين منهج التفسير الذي ينبغي أن يُعتمد في علوم الطبيعة Naturwissenschaften، ومنهج الفهم أو التأويل الخاص بعلوم الفكر Geistwissenschaften. أما في التقليد الفلسفي الأنكلو–أميركي فأُثير السؤال ذاته في شكل خصومة بين من يروم تفسير الفعل عن طريق الأسباب لكن من دون إخضاعه لقوانين (دونالد ديفدسون Davidson Donald أساسًا)، ومن يُحب تفسيره عن طريق المسوغات Reasons مثل لودفيغ فتغنشتاين Ludwig Wittgenstein (1951–1899) وإليزابيث) وكثير 1997–1926(Peter Winch) وبيتر ونش 2001–1919(Elizabeth Anscombe إنسكومب غيرهم، على جهة أن الفعل هو أساسًا فعل قصدي ولا يخضع من ثمّ لتفسير ناموسي، أي نمط تفسير يتوسل القوانين. نتناول في هذه الورقة البحثية النقد الذي يوجهه بوتنام، أحد أكبر الفلاسفة التحليليين، لمثنوية الواقعة/ القيمة كما بلورها الخبرانيون المنطقيون، ونرصد الاستتباعات الإبستيمولوجية لهذا النقد على منهجية العلوم الاجتماعية والإنسانية، وخاصة على علمي الاقتصاد والسوسيولوجيا. ونبين أن هذا النقد هو الذي يسمح بتعقّل مفاهيم مثل القصدية والمعنى وبفهم أشكال الأمثَلة Idealization في هذه العلوم، في أمثلة لعلّ نموذجها الأشهر هو مفهوم الأنماط المثالية Types Ideal عند ماكس فيبر (1920–1864). ونتعرض في مرحلة أولى للملامح العامة لاختزالية Reductionism الخبرانيين المنطقيين ونشدد على فرادة الموقف الإبستيمولوجي لأوتو نويراث خاصة من خلال رفضه لرد قوانين السوسيولوجيا إلى قوانين الفيزياء. ونفصّل القول في مرحلة ثانية في الحجج التي يصوغها بوتنام من
أجل نقد أشكال الاختزالية التي تتمظهر على نحو خاص في مثنوية الواقعة/ القيمة. ثم نتناول، في مرحلة ثالثة، الاستتباعات الإبستيمولوجية لهذا النقد تحديدًا على منهجية علم الاقتصاد كما يمارسه أمارتيا سن Amartya Sen (1933–) على السوسيولوجيا عند فيبر. ونتعرض في مرحلة رابعة للملامح التي تميز الموقف الإبستيمولوجي الذي طوره بوتنام في السنوات الأخيرة من عمره، أعني ما يسميه «الطبيعانية الليبرالية» Naturalism Liberal. ونحاول في مرحلة أخيرة رصد بعض الصعوبات المنهجية الهيكلية التي تواجهها السوسيولوجيا في السياق العربي في تعاملها مع مثنوية الواقعة/ القيمة، من أجل تحقيق المعادلة بين «الحياد الأكسيولوجي» Neutrality Axiological الذي هو عنوان الموضوعية وضرب من «الالتزام» الذي ينبغي أن يميز تعاطي عالم الاجتماع مع القضايا المطروحة في المجتمع الذي ينتمي إليه.
أولا: الخبرانية المنطقية ولااختزالية أوتو نويراث
يطرح الحديث عن منهجية العلوم الإنسانية في الفلسفة التحليلية إشكالً من جهة أن الفلسفة التحليلية في ممارستها الأولى عند الخبرانيين المنطقيين خلال النصف الأول من القرن العشرين لم تهتم بهذه العلوم، وإنما اهتمت على نحو أساسي بالفيزياء والعلوم الصورية من منطق ورياضيات. ويمثّل أوتو نويراث Otto Neurath (1945–1822)، وهو أحد أفراد حلقة فيينا Circle Vienna، استثناءً؛ إذ هو عالم اجتماع ذو توجه أيديولوجي ماركسي، جعل من مشروع تحقيق وحدة العلم الذي شغله وشغل زملاءه في حلقة فيينا وسيلةً لتغيير المجتمع. لا ينفك تناول منهجية العلوم الإنسانية عند الخبرانيين المنطقيين عن تناول مشروع وحدة العلوم التي هي أساسًا وحدة منهجية. وتستدعي هذه الوحدة ما يلي: • اعتماد منهج «التحقق»، وفي صيغة لاحقة، منهج «القابلية للتحقق» (من المنطوقات) الذي يقضي بأن المنطوقات التي يمكن ردّها إلى منطوقات بروتوكولية Statements Protocol، التي هي جمل بسيطة تعبّر عن معطيات التجربة، هي التي تُعدُّ وحدها دون سواها منطوقات علمية، ومن ثمّ ذات معنى في مقابل المنطوقات الميتافيزيقية غير ذات المعنى والمنطوقات الصورية، المنطقية والرياضية، الخالية من المعنى. ويفترض هذا أن ثمة ضربًا من الملاحظة المحايدة قياسًا على النظرية من جهة، وعلى التاريخ من جهة أخرى. • الاختزالية: وهو مذهب يقضي بردّ جميع العلوم، بما في ذلك السوسيولوجيا، إلى الفيزياء بوصفها علمًا خبريًا نموذجيًا يتوفّر على منطوقات تستند إلى الملاحظة، ومن ثمّ تكون ذات معنى. ذاك هو معنى الفيزيقانية Physicalism كما بلوره رودوف كارناب Rudolf Carnap (1970–1891) في مقال شهير له صدر سنة 1932 موسوم ب «السيكولوجيا بلغة الفيزياء»1.
• إن نموذج التفسير في العلوم الخبرية وفي العلوم الاجتماعية على حد سواء، هو نموذج التفسير الاستنباطي الناموسي كما بلوره، نسقيًا، كارل همبل. وبحسب هذا النموذج، يتكون التفسير العلمي من مكونين هما: ما ينبغي تفسيره Explanandum، وهي الجملة التي تصف الظاهرة التي ينبغي تفسيرها، والمفسِّر Explanans، وهي فئة الجمل التي تمكّن من تفسير تلك الظاهرة. وينبغي على التفسير أن يستجيب لثلاثة شروط منطقية حتى يكون وجيهًا: أولها، أن يكون المفسَّر نتيجة منطقية للمفسِّر، وأن تكون الجمل التي تشكل المفسِّر صادقة. هذا هو الجانب الاستنباطي لنموذج التفسير عند همبل وأوبنهايم. أما الشرط الثاني فهو ضرورة أن يتضمن المفسِّر قوانين عامة، وهذه القوانين إنما يستدعيها اشتقاق المفسَّر. ذاك هو الجانب الناموسي للنموذج. أما الشرط المنطقي الثالث، فهو ضرورة أن يتضمن المفسِّر محتوى خبريًا Content Empirical، أي أن يكون خاضعًا من حيث المبدأ للاختبار عن طريق التجربة أو الملاحظة2. ينبغي أن نلاحظ أن هذه الصورة للتوجه المنهجي العام لفلسفة العلوم عند الخبرانيين المنطقيين، على وجاهتها، لا تعكس التعددية المنهجية والمذهبية التي تسم هذه الجماعة العلمية والتطور الذي يسم المسار الفلسفي لكل فرد منها. يشهد على ذلك النقد الذي يوجّهه أوتو نويراث، من داخل حلقة فيينا، إلى مذهب الاختزالية على وجه الخصوص. فهو يرفض رفضًا قاطعًا كل دعوة إلى رد القوانين السوسيولوجية إلى قوانين الفيزياء. يقول نويراث: « لا يعني تطور السوسيولوجيا الفيزيقانية Sociology Physicalist نقل قوانين الفيزياء إلى الأشياء الحية ومجموعاتها، كما اعتقد البعض أن ذلك ممكن. يمكن العثور على القوانين السوسيولوجية الشاملة، كما يمكن العثور على قوانين خاصة بمناطق اجتماعية محددة، مجالها أضيق، من دون أن نكون قادرين على العودة إلى الميكروبنية Microstructure، وبذلك إنشاء هذه القوانين السوسيولوجية انطلاقًا من القوانين الفيزيائية»3. ويستند الموقف المناهض للاختزالية عند نويراث إلى حجتين: أولاهما، موقفه الإبستيمولوجي الك لّني Holistic، وثانيتهما، ربط مشروع وحدة العلوم على وجه العموم وبلورة سوسيولوجيا جديدة على وجه الخصوص بإمكانية التنبؤ التي تهيّئ بدورها إلى الفعل أو «البراكسيس» بالمعنى الماركسي. أما الكُلّنية Holim فتعني عند نويراث أن المنطوقات العلمية مشروطة على نحو مزدوج: سانكروني بنيوي ودياكروني تاريخي. فهي مشروطة بنيويًا على جهة أن منطوقًا ما ليس له من دلالة إلا داخل نسق علمي برُمّته. يرفض نويراث، الذي يدين بكلانيته إلى بيير دوهام Pierre Duhem (1916–1861)، الصورة الغالبة للخبرانية المنطقية التي تتصور صرح العلم ضربًا من الهرم المقلوب، أساسه جملة من المنطوقات التي تُعبّر عن معطيات الملاحظة الثابتة والمعصومة من الخطأ. وهو ما يعني أن تصوره للحقيقة تصور اتساقي Coherentist يُواجه المنطوقات بمنطوقات أخرى لا بمعطيات التجربة.
والمنطوقات العلمية مشروطة، فضلً عن ذلك، تاريخيًا إذ هي تتحدد في نظر نويراث بشروط إنتاجها التاريخية والاجتماعية. ويُفهم هذا التشريط التاريخي بمعنيين: أولهما، العلاقة الدلالية بين مفهوم أو لغة أو نظرية مع تاريخ نسق علمي مخصوص أو مع براديغم بحسب لغة توماس كون Kuhn Thomas (1996–1922) وثانيهما، وهو المعنى الأوسع، هو علاقات التفاعل بين نظرية علمية ومجموعة من التقاليد والقيم والسلوكات السائدة في مجتمع بعينه. ولعل مفهوم «جمهورية العلماء» عند نويراث، الذي يبشّر بمفهوم «الجماعة العلمية» Community Scientific في الإبستيمولوجيا ما بعد الوضعية في ممارستها لدى توماس كون، هو التعبير الاصطلاحي الأمثل عن انخراط اللغة والنظريات العلمية في التاريخ. يروم نويراث تعميم الكُلّنية على جميع العلوم بما في ذلك العلوم الاجتماعية؛ لذلك يرفض رد القوانين السوسيولوجية إلى قوانين فيزيائية تُعدّ الصياغة الصورية ل «ميكروبنيات»، أي لعلاقات ذرية تقوم بين الأشياء. لا ترتد فيزيقانية نويراث، رغم تأكيدها أن تكون جميع العلوم تعبيرًا عن علاقات قائمة في الزمان والفضاء، إلى الذرية Atomism، وإلى الذرية المنطقية على وجه الخصوص، التي كانت غالبة على فلسفة العلوم الأنكلو–أميركية في النصف الأول من القرن العشرين، ابتداء برسل4 مرورًا بفتغنشتاين صاحب الرسالة المنطقية الفلسفية، وصولً إلى الخبرانيين المنطقيين خاصة في ثلاثينيات القرن الماضي. أما الحجة الثانية للموقف المنهجي المناهض للاختزالية فتعود إلى أن وحدة العلوم التي تقوم على أساس «وصف فيزيقاني للأحداث»5 ليست غاية في حد ذاتها، وإنما هي تستجيب لغرضية عملية أو تستجيب لمقتضيات الفعل أو الممارسة بالمعنى الذي ترتضيه المادية التاريخية لماركس. يقول نويراث: «ينبغي أن تكون كل قوانين العلم الموحد قادرة على أن يرتبط بعضها ببعض إذا كان لها أن تستجيب لمهمة التنبؤ بما يكفي من الأحداث الفردية ومجموعات الأحداث»6. بل إن علومًا اجتماعية مثل التاريخ والاقتصاد السياسي «لا تدخل في دائرة العلوم إلا إذا وقعت إعادة تشكيلها داخل سوسيولوجيا على أساس مادي بوساطته نبني منطوقات عامة يقع اشتقاقها من التجربة، والتي تصلح للتنبؤ بأحداث تاريخية على نحو ما ينهض إليه التصور الماركسي للتاريخ»7. وبذا يمارس عالم الاجتماع ما يسميه نويراث «سلوكية اجتماعية» Behaviourism Social تتمثل في التنبؤ بكل ما يتعلق بالمجموعات البشرية كما يتنبأ العالم السلوكي بسلوكات الأفراد البشرية أو الأفراد الحيوانية. وتكمن طرافة الموقف المنهجي لنويراث في أنه يُناهض الاختزالية، لكنه يرفض في الوقت ذاته الفصل المنهجي الذي تفرضه الفينومينولوجيا والهرمنيوطيقا على طريقة ديلتاي؟ بين «علوم الطبيعة» ومنهجها التفسير و«علوم الفكر» ومنهجها الفهم، على جهة أن هذا التمييز يقوم على ميتافيزيقا يدّعي أصحابها،
بحسب نويراث، أن ثمة ماهيات و«سببيات مختلفة»8 للأشياء، والحال أن أحد أهداف فلسفة العلوم سواء تعلّق الأمر بعلوم الطبيعة أو بالعلوم الاجتماعية أو ما يسميه نويراث أيضًا «العلوم الذهنية»، هو البحث عن تعالقات Correlations بين أحجام ترد ضمن وصف فيزيقاني للأحداث. ويذهب نويراث إلى أن الثنائية «علوم طبيعية»/ «علوم ذهنية»، والثنائية «فلسفة طبيعية»/ «فلسفة ثقافية»، هي في نهاية المطاف راسب للثيولوجيا9. والميتافيزيقا والثيولوجيا يحولان، في نظر نويراث، دون تحقيق وحدة العلم، ومن ثمّ يعوقان تنوير المجتمع وتغييره.
ثانيًا: بوتنام ناقدًا مثنوية الواقعة/ القيمة
أما النقد الجذري لاختزالية الخبرانيين المنطقيين التي تردّ مناهج العلوم الاجتماعية إلى مناهج علوم الطبيعة من خلال الدور الحاسم الذي يضطلع به عندهم منهج التحقق، والذي يمكّن بدوره من التمييز بين المنطوقات العلمية والمنطوقات الميتافيزيقية فيأتي عن طريق هيلاري بوتنام من خلال مؤلفه تهافت مثنوية الواقعة والقيمة ومقالات أخرى (2002). وتتمثل أطروحته الأساسية في أن مثنوية الواقعة/ القيمة ليس لها ما يبررها في العلوم الاجتماعية. وحري بنا قبل أن نعرض لحجج بوتنام أن نستعرض أهم ملامح السياق الإبستيمولوجي ما بعد الوضعي العام الذي تفلسف فيه. ويمكن تلخيصه بحسب كليفورد هوكر في النقاط التالية: • لا يمكن رد النظريات، عن طريق التعريف Definitionally، إلى جملة من الإثباتات يتم التحقق منها عن طريق الملاحظة. • لا يُعد المنهج العلمي، في علوم الطبيعة وفي العلوم الاجتماعية، ضربًا من الاستلزام يجد مقدماته في الوقائع نفسها. • ليست الملاحظة مقولة شفافة، وإنما هي سيرورة مركبة يكشف عنها العلم ذاته. • لا تتلاءم العلاقات التاريخية بين النظريات مع النموذج التراكمي للمعرفة العلمية كما تصوره الخبرانيون المنطقيون في النصف الأول من القرن العشرين. • لا تنتمي الوقائع موضوع الملاحظة إلى مقولة خالية من كل نظرية بل إن كل ملاحظة تسندها نظرية، وهي دومًا موضوع نقد. • لا يمكن عزل العلم عن الفرد، وهو عزل يفرضه مطلب الموضوعية عند كارناب مثلً في كتابه البناء المنطقي للعالم (1928)، كما لا يمكن عزل العلم عن التاريخ وهو عزل تتضمنه المقاربة السانكرونية لفلسفة العلوم. • ليس ثمة منهج كوني Universal يجمع كل العلماء أو يكون عابرًا للتاريخ.
• لا يتمتع المنطق بالمكانة الممَيزة التي يتبوؤها عند الخبرانيين المنطقيين، بل هو يخضع، شأنه شأن التخصصات الأخرى، لتحقيق خبري موسع. • ليس ثمة هوة بين ما هو معياري وما هو وصفي كما يذهب إلى ذلك الخبرانيون المنطقيون10. إن هذه النقطة الأخيرة التي تنتج من كثير من النقاط السابقة هي التي يروم بوتنام البرهنة عليها في الكتاب المشار إليه. وللبرهنة عليها، كما سنرى، استتباعات كبيرة على إبستيمولوجيا العلوم الاجتماعية إجمالً وعلى منهجيتها على وجه الخصوص، وهي استتباعات يرصدها بوتنام في علم الاقتصاد. يبحث بوتنام في بداية كتابه عن تاريخ التمييز بين الواقعة/ القيمة وهو تمييز تحوّل، مع الخبرانيين المنطقيين، شأنه شأن التمييز بين المنطوقات التحليلية والمنطوقات التأليفية أو التركيبية، إلى مثنوية Dichotomy11. ويعود هذا التمييز إلى ما صار يُعرف في تاريخ الفلسفة ب «قانون هيوم» Law s ’ Hume. ومفاد هذا القانون أنه لا يمكن أن نستدل منطقيًا «على ما ينبغي أن يكون» Ought انطلاقًا «مما هو موجود» Is. وترتبط هذه المثنوية بتمييز مبدئي أساسي أقامه ديفيد هيوم؟ في بداية الفصل الرابع من كتابه تحقيق في الذهن البشريبين صنفين من موضوعات العقل الإنساني، أحدهما «الوقائع» Fact of Matters وهي أساسًا القضايا الخبرية التي تقوم على العلاقة بين السبب والمسبب، و«العلاقات بين الأفكار» Ideas of Relations وهي القضايا الاستنباطية الخاصة بعلوم الجبر والأرثماطيقا Arithmetic12. بيد أن معيار هيوم لتمييز الوقائع يستند إلى ما يسميه بوتنام «علم دلالة تصويري» Semantics Pictorial13. يجعل علم الدلالة الهيومي من الأفكار صورًا باهتة للانطباعات وذلك بموجب علاقة التشابه التي تجمع بينها. نحن ها هنا إزاء ضرب من «معيار المعنى». ولكن ثمة خاصيات لا تُعدّ صورًا للانطباعات مثل المشاعر والانفعالات وقيم مثل «الخير» و«الحق» و«العدالة»، وهي، من ثم، لا تستجيب لهذا المعيار من دون أن تكون غير ذات معنى. ويعقد بوتنام الفصل الثاني من مؤلفه المذكور لصياغة حجتين من أجل دحض أطروحة فكّ Disentanglement الوقائع عن القيم. أما الحجة الأولى، فتتمثل في القول الذي طالما دافع عنه رواد
البراغماتية من أمثال شارلز ساندرز بيرس Charles Sanders Peirce (1914–1839)، ووليام جيمس William James (1910–1840)، وجون ديوي John Dewey (1952–1859)، وجورج هربرت ميد George Herbert Mead (1931–1863) الذين يرون «أن القيمة والمعيارية إنما تتخللان كلتجربة »14. ويلزم من ذلك، في فلسفة العلم، «أن الأحكام المعيارية لازمة بالنسبة إلى ممارسة العلم ذاته»15. فقيم إبستيمية مثل «البساطة» و«الاتساق» و«الوجاهة» و«المعقولية»، وكذلك ما يدعوه باول ديراك Dirac Paul «جمال الفرضية» وغيرها، وهي قيم تختلف عن القيم الإيتيقية كما يشدد بوتنام على ذلك، توجّهنا في وصفنا للعالم ومن ثمّ في بحثنا عن الحقيقة. ويعتبر بوتنام أن مشروع كارناب الذي سعى إلى بلورته في خمسينيات القرن الماضي، والمتمثل في محاولة اختزال عملية انتقاء الفرضيات العلمية في خوارزميات، قد باء بالفشل. ويعقد بوتنام الفصل الثامن من كتابه لعرض مشروع الخبرانيين المنطقيين والمشاريع المماثلة التي تروم تجنّب التسليم بأن انتقاء النظريات يفترض القيم ويخلص إلى أنها أخفقت في ذلك. إن القاعدة البراغماتية التي تقضي بأن معرفة الوقائع، فيزيائية كانت أو اجتماعية، تفترض جملة من القيم تضع موضع سؤال كل مشروع لتخليص العلم من القيم، سواء أخذ شكل فلسفة علم تقوم على المنطق الاستنباطي مثل كارل بوبر Karl Popper (1994–1902) أو شكل تسويغ للاستقراء على نحو استنباطي مثل هانس رايشنباخ Hans Reichenbach (1953–1891) أو اتخذ شكل اختزال للعلم في جملة من الخوارزميات (كارناب) أو رد العلوم إلى علم النفس مثل ويلارد كواين Willard Quine (). 2000–1908 أما الحجة الثانية التي يصوغها بوتنام للاستدلال على تهافت مقالات الخبرانيين المنطقيين الخاصة بمثنوية الواقعة/ القيمة فيستقيها من مجال الميتا–إيتيقا. فعندما يتعلق الأمر بما يسميه بوتنام «المفاهيم الإيتيقية السميكة» التي تهتم بها العلوم الاجتماعية، فلا مجال فيها للتمييز بين الواقعة والقيمة16. وبخصوص مفهوم «قاسٍ» (من القساوة)، «يمكن استخدامه تارة لهدف معياري وتارة بما هو مفردة وصفية»17. فعندما يسألني أحدهم عن شخص أستاذ ابني وأجيبه «إنه أستاذ قاسٍ»، فأنا هنا أكون قد نقدته بوصفه أستاذًا وبوصفه إنسانًا على حد سواء. ولكن عندما يُفيدنا مؤرخ ما بأن ملكًا معينًا كان «قاسيًا» فهو يستخدم مفردة «قاسٍ» على نحو وصفي صرف. يلزم من هذا أنه لا وجود لمثنوية مطلقة طرفها الأول الوقائع وطرفها الثاني القيم. ولذلك يدحض بوتنام، في سياق تناوله للخصومة الميتا– إيتيقية بين أنصار النزعة المعرفية Cognitivists وأنصار النزعة اللامعرفية Noncognitivists بخصوص الوضع الإبستيمولوجي للقيم، الموقفين على حد سواء. فلئن كان الموقف الأول يعتبر أن المنطوقات
الأخلاقية تعبّر عن اعتقادات بالمعنى الهيومي، ومن ثم فهي تحتمل الصدق والكذب، بينما ينفي شيعة الموقف الثاني أن تكون للأحكام الخلقية قيم صدقية (الصدق أو الكذب) من حيث إنه ليس ثمة خاصيات أخلاقية أو وقائع أخلاقية؛ فإنهما يقعان في خطأ مشترك قاتل يتمثل في إغفال كل منهما، على أنحاء مختلفة، للتشابك بين الجانب الوصفي والجانب المعياري للمفاهيم الإيتيقية السميكة.
ثالثًا: نقد مثنوية الواقعة/ القيمة والعلوم الاجتماعية
لتهافت مثنوية الواقعة/ القيمة تداعيات إبستيمولوجية حاسمة على العلوم الاجتماعية، ويرصد بوتنام هذه التداعيات في علم الاقتصاد كما يُمارسه أمارتيا سن. وتتمثل أهمية سن بحسب بوتنام في تأكيد التشابك بين الجانب الوصفي والجانب المعياري في هذا العلم. ذاك ما يبينه في أحد أهم مؤلفاته: في الإيتيقا وعلم الاقتصاد (1987). يلخص سن أطروحته في الفقرة الأخيرة من هذا الكتاب بقوله: «لقد حاولت أن أبين أنه يُمكن إثراء علم الاقتصاد على نحو جوهري بمزيد الاهتمام بالإيتيقا، وأنه يمكن كذلك لدراسة الإيتيقا أن تستفيد من علاقة أوثق بعلم الاقتصاد. وقد بيّنت، فضلً عن ذلك، أنه حتى علم الاقتصاد التنبُئي Predictive والوصفي يمكن مساعدتهما بترك مجال أوسع لاعتبارات خاصة باقتصاد الرفاه وذلك في مجال تحديد السلوك»18. يتحدد موقف سن سلبيًا على أنه دحض للشكوك حول التواشج بين المعياري والوصفي، وعلى وجه الخصوص بين علم الاقتصاد والإيتيقا، وهي شكوك تميّز بداية القرن العشرين، ويمثلها أساسًا لاينل روبنز Lionel Robbins (1984–1898) الذي تأثر بالوضعية المنطقية. فالفصل بين المبحثين مطلوب في نظره على نحو ملحّ، من حيث إن علم الاقتصاد يتعلق بالوقائع، في حين تتعاطى الإيتيقا مع التقويمات والواجبات19. يعقد بوتنام الفصل الثالث من كتابه لتناول علاقة الواقعة بالقيمة في علم الاقتصاد عند سن. والهدف من هذا مزدوج. يروم بوتنام، من جهة، توفير حجج على تهافت مقالة روبنز التي مفادها أن ربط علم الاقتصاد بالإيتيقا «مستحيل منطقيًا»، ويُحب، من جهة ثانية، وهو الذي يتفلسف ضمن الإطار النظري لما يسمى في تاريخ الفلسفة عمومًا وتاريخ الفلسفة التحليلية على وجه الخصوص «المنعرج اللغوي» Turn Linguistic20، بلورةَ فلسفة لغة لما يُسميه فيفيان والش Walsh Vivian «المرحلة الثانية لعلم
الاقتصاد الكلاسيكي». ويتبنّى بوتنام ما يدعوه والش «إغناء» Enrichment لعلم الاقتصاد الذي يميز هذه المرحلة. هذا الإغناء المتمثل في إدخال الهموم والمفاهيم الإيتيقية في علم الاقتصاد هو «المفردة المناسبة لمشروع سن»21. تكمن أهمية علم الاقتصاد عند سن، في نظر بوتنام، في محاولته «إغناء» القدرة التقويمية للرفاه واقتصاد التنمية عن طريق «مقاربة المؤهلات» Approach Capabilities. تُعدّ هذه المقاربة إطارًا نظريًا يقوم على فكرتين أساسيتين، أولاهما أن الحرية في تحقيق الرفاه لها أهمية أخلاقية خاصة، وثانيتهما أن هذه الحرية ينبغي أن تُفهم ضمن حدود مؤهلات الناس، أي الفرص التي تتوافر لهم لفعل ما لهم مسوغات في جعله ذا قيمة. أما عند سن فتُعنى هذه المقاربة بالمعلومة التي تساعدنا على تكوين أحكام بخصوص رفاه الأفراد ونموهم، وهذه المعلومة بدورها إنما تخص الوظائف والمؤهلات التي يتمتع بها كل فرد22. وبهذا فهي تنتصب على طرفي نقيض من المقاربات الكلاسيكية للاقتصاد التي تُقوّم نجاعة المؤسسات والسياسات الاجتماعية مثلً في بعدها النقدي Monetary الصرف المرتبط بالنقود. ففي هذه المقاربات تتحدد المعقولية إما بوصفها انسجامًا داخليًا للخيار وإما بوصفها دفعًا لمصلحة الأفراد إلى حدودها القصوى23. ثمة نقطتان أساسيتان ترشحان من أعمال سن، وتهمّان بوتنام في حجاجه على تهافت مثنوية الواقعة/ القيمة في العلوم الاجتماعية. الأولى هي أن من ينهض إلى تقويم الرفاه الاقتصادي يجد نفسه في مواجهة مسائل تُناقش بإسهاب في الإيتيقا. ولا يعني ذلك مواجهة المسائل المثارة في أدبيات الإيتيقا النفعية التي طالما اعتبرها علماء الاقتصاد الذين لا يرومون فصل علم الاقتصاد عن القيم إيتيقا جديرة بالتقدير. والنقطة الثانية هي أنه في وصفنا للسلوك في مجال الاقتصاد، ينبغي أن نأخذ في الاعتبار مجموعة متعددة من المفاهيم الإيتيقية السميكة. هذه النقطة هي التي تفرض نقد بوتنام لعالم الاجتماع لفيبر. فعلى الرغم من تأكيد ماكس فيبر ضربًا من التواشج بين المسائل التي تخص الوقائع والمسائل الإيتيقية، فإنه أخفق في التنبه إلى أنه إذا كانت الإجابات عن مسألة علمية لا ينبغي أن تتأثر البتّة بمنظومة القيم التي لعالم الاجتماع، فإن المفردات التي تُستعمل في الوصف في التاريخ وفي السوسيولوجيا وغيرها من العلوم الاجتماعية تتلون إيتيقيًا، ويشهد على ذلك، بحسب بوتنام، استعمال مصطلحات مثل مصطلحه الشهير «النماذج المثالية» Types Ideal. يُعبّر هذا المفهوم الذي يكتسي أهمية كشفية Heuristic وعرضية Expository بالغة في السوسيولوجيا عند فيبر، وكذلك في علمي التاريخ والاقتصاد عن رغبة فيبر في الجمع بين مطلب الموضوعية والصرامة العلميتين من جهة، والجانب الذاتي في العلم الذي هو القيم من جهة أخرى. فهذا المفهوم
بما هو «صورة فكرية Gedankenbild »24، وإن لم يكن فرضية، فهو الذي يُوجه بناء الفرضيات. إنه ضرب من الأمثَلة Idealization لحالات خبرية متفرقة؛ لكن وفق وجهة نظر مخصوصة لعالم الاجتماع. فهو ضرب من «اليوتوبيا»25 من جهة أنه لا يوجد خبريًا في الواقع، لكنه يساعد على وصف هذا الواقع. إنه يصلح لضبط التشابهات والفروق بين الحالات الخبرية المتعددة والمتنوعة في العلوم الاجتماعية. أما الجانب الذاتي فيخص خيارات الفاعلين الاجتماعيين؛ أي ما يوجه سلوكاتهم وعلاقاتهم بالآخرين، وفي الحصيلة ما يضفي معنى على معيشهم وعلى حياتهم. ولذلك يعتبر فيبر، وهو الذي يُعد من حيث المنهج تلميذًا لريكرت، أن المنهج الملائم الذي ينبغي أن تعتمده العلوم الاجتماعية أو العلوم الثقافية هو منهج الفهم Verstehen الذي هو فهم المعنى الذاتي للفعل الاجتماعي26. يكشف مفهوم «الأنماط المثالية» إذًا عن العلاقة الوثيقة في السوسيولوجيا عند فيبر بين الفرضيات والاطّرادات Regularities والقوانين العلمية من ناحية أولى، والاهتمام بالقيم الذي تفرضه طبيعة المواضيع الثقافية من ناحية ثانية. ما ينقده بوتنام عند فيبر هو مفهوم التجرد من القيم Werturteilsffreiheit أو الحياد الأكسيولوجي الذي يعني ضرورة الفصل، في السوسيولوجيا، بين الفرضيات والقوانين العلمية من ناحية وأحكام القيمة من ناحية أخرى. فالبحث الخبري ذاته يُقصي كل التزام أكسيولوجي، أي التزام يخص القيم؛ ذلك أن « الحكمعلى صلاحية تلك القيم هو مسألة اعتقاد »27، ولا علاقة للاعتقاد بموضوعية السوسيولوجيا. على خلاف ذلك، يقبل بوتنام وكذلك سن مضمون مفهوم «مناسبة القيمة» Value Relevance. ويعني هذا المفهوم أنه عندما يتعلق الأمر بتقرير أي المسائل ينبغي لعالم الاجتماع أن يبحث فيها فذلك يقتضي التزامًا بجملة من القيم الإيتيقية. فالظواهر الثقافية، على خلاف الظواهر الطبيعية، لا يمكن تعقلها بجملة من القوانين المفهومية Gesetzesbegriffen لأن «دلالة الأحداث الثقافية تفترض توجهًا قيميًا Orientation – Value نحو هذه الأحداث»28. ويمكن توضيح مفهوم مناسبة القيمة من خلال تفسير كيفية اختيار ماكس فيبر لدراسة الرأسمالية. إن ما يبرر هذه الدراسة عند
فيبر هو تصوره للرأسمالية بما هي سيرورة عقلنة عبر البيروقراطية التي تفرضها، وهو ما يطرح مشكلات قيمية بالنسبة إلى المجتمع الحديث. يفرض تهافت مثنوية الواقعة/ القيمة مراجعة لمفهوم المعقولية Rationality، وهي مراجعة تفصلها عن العلموية وعن الأشكال المتعددة للطبيعانية Naturalism، وهو فصل تستدعيه العلوم الإنسانية وحياة البشر برمّتها. يقول بوتنام: «من الجلي أن بلورة رؤية أقل علموية للمعقولية، رؤية تمكننا من أن نرى كيف أن الاستدلال، بدل أن يكون مستحيلً في المجالات المعيارية، هو بالفعل لا غنى عنه فيها، وفي المقابل، إن فهم كون الأحكام المعيارية يفترضها كل استدلال، أمر مهم ليس بالنسبة إلى علم الاقتصاد فحسب، بل، كما يرى أرسطو، بالنسبة إلى الحياة برمّتها»29. وترتبط هذه المراجعة لمفهوم المعقولية ولمفاهيم مجاورة أخرى مثل الفاعلية Agency بما كان بوتنام بصدد بلورته في السنوات الأخيرة من حياته، وهو ما يدعوه «الطبيعانية الليبرالية»30.
رابعًا: الطبيعانية الليبرالية لبوتنام ودحض أشكال الاختزالية في العلوم الاجتماعية
استعاد بوتنام مصطلح «الطبيعانية الليبرالية» من مقدمة مؤلف حرره كل من ماريو دي كارو وديفيد ماكآرثر والموسوم ب الطبيعانية والمعيارية31. تتحدد الطبيعانية الليبرالية بأطروحة سالبة تلتقي فيها مع الطبيعانية التقليدية، أعني الطبيعانية العلمية، إذ إن كليهما لا يقبل تفسير الظواهر عن طريق ما هو فوق طبيعي Supernatural من قبيل الآلهة والخوارق والسحر وغير ذلك. أما إيجابيًا فيعرفها دي كارو وماكآرثر بقولهما: «إنها جملة من المحاولات لصياغة شكل جديد من الطبيعانية الذي يروم أن يفي أصناف العلوم المتعددة حقها، بما في ذلك العلوم الاجتماعية والإنسانية (وقد تحررت من التصورات الوضعية الخاطئة)، وكذلك حق الأشكال المتعددة من الفهم، بما في ذلك إمكان وجود أشكال لاعلمية وليست فوق طبيعية Nonsupernatural من الفهم (سواء عُدّت أشكال معرفة أم لا»)32. والطبيعانية الليبرالية موقف منهجي وإبستيمولوجي وميتا–فلسفي يتعلق بالفضاء الخاص بمجال كائنات غير علمية لكنها ليست فوق طبيعية، أي أشياء طبيعية تتجاوز حدود التفسيرات السببية الوظيفية التي توفرها العلوم من قبيل البشر بوصفهم فاعلين عاقلين، أو الفعل بوصفه شيئًا يتحدد بالقصد كما هو الحال عند إليزابيث إنسكومب أو الفن بوصفه يتوفّر على مضمون قصدي أو المسوغات أو الدواعي Reasons التي هي ذات نسيج معياري، ومن ثمّ لا تقبل الاختزال المفهومي أو كذلك التاريخ
البشري بما هو تاريخ الفعل الإنساني33. ويمكن أن نرُدّ، على إثر ماريو دي كارو، ملامحها الأساسية إلى ما يلي: • ينبغي أن تتضمن الطبيعانية الليبرالية واقعية علمية، أي موقفًا واقعيًا حيال الكائنات التي لا تشكل موضوع ملاحظة والتي تصادر عليها النظريات العلمية. وينبغي أن تُعتبر تلك النظريات صادقة وهو ما يعني سلبيًا أن الطبيعانية الليبرالية لا تقبل، عندما يتعلق الأمر بالخصومة بين الواقعية واللاواقعية، موقفًا أداتيًا أو موقفًا لامبالاتيًا Quietism. • لا ينبغي أن تُفهم مختلف العلوم على نحو أُحادي Monistically لكأنّ هذه العلوم لها المحتوى نفسه والمنهج نفسه والأهداف نفسها. فمن الناحية الفلسفية، تمثل التعددية Pluralism الموقف الفكري السديد في التعامل مع العلوم وغيرها. • إن الرؤية العلمية للعالم ورؤية الحس المشترك Commonsense للعالم هما صائبتان على نحو تقريبي، ومن ثم هما موضوع مراجعات دائمة. ذاك هو معنى الخطئية Fallibilism الذي يستعيده بوتنام من التقليد البراغماتي الذي ينتسب إليه. كل اعتقاداتنا يمكن أن تكون خاطئة، ولكن يرى بوتنام، على خلاف الريبيين، أننا نحتاج إلى مسوغات سياقية لنشرع في الشك في تلك الاعتقادات. • ينفي بوتنام، خلافًا للرأي السائد، أن تكون كل معرفة قائمة على موضوع based – Object بالضرورة. فلا حاجة لنا إلى أن نفترض أن المنطوقات الرياضية والإيتيقية تحيل على مواضيع مجردة (مثل الفئات والخير) حتى تكون صادقة وحتى تكون، في حالة الإيتيقا، أفضل أو أردأ من إثباتات أخرى. • إن من مهمات الفلسفة محاولة حل التناقضات والتوترات المفهومية بين الحس المشترك ورؤى العالم العلمية. ولكن ليس للعلم دائمًا فصل المقال ها هنا. فعلى سبيل المثال، طرحت الثورة الكوبرنيكية مشكلات عدة بالنسبة إلى الحس المشترك، ولكن المحاولات الأولى لصياغة حساب التفاضل والتكامل خلفت تناقضات كثيرة، بحيث بدت المحاولة غير مقبولة من جهة الحس المشترك، في حين أن محاولة حل تلك التناقضات أدت إلى تقدم رياضي هائل. • لا تحتمل الطبيعانية الليبرالية، شأنها شأن كل أشكال الطبيعانية، أي افتراضات فوق طبيعية Supernatural ولكن لا يعني ذلك، بحسب بوتنام وبحسب التقليد البراغماتي عمومًا الذي ينتسب إليه، أن نحكم على كل تجربة دينية بأنها لاعقلانية وتافهة (فعلى سبيل المثال، ليس صحيحًا أن كل المتدينين يعتقدون وجود خاصيات إلهية تخرق قوانين الطبيعة). • تخص النقطة السابعة الوضع الإبستيمولوجي للفلسفة. فللفلسفة وجهان؛ أحدهما علمي فيه تفاعل مع العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية، والآخر إيتيقي وفيه تساؤل عن معنى الحياة والثقافات
والتحديات من أجل إصلاحها. وتؤدي التعددية دورًا حاسمًا في معالجة هذه التساؤلات التي تنتمي إلى مجال الميتا–فلسفة Metaphilosophy. • لا تحتاج رؤية العالم الخاصة بالحس المشترك إلى شرعنة علمية، رغم أنه ينبغي التخلي عن الاعتقادات الصادرة عن الحس المشترك عندما تتعارض مع الاكتشافات العلمية. • بخصوص التأليف بين رؤى العالم العلمية ورؤى العالم الخاصة بالحس المشترك، يشدد بوتنام على أمر أساسي، وهو أن العالم لا يوصف عن طريق الفيزياء دون سواها، حتى لو تعلق الأمر بفيزياء مثالية. يلزم من هذه الأطروحة بلورة تعددية مفهومية Pluralism Conceptual أي موقف يُقر بضرورة استخدام أنساق متعددة غير متضاربة، ولا يُختزل بعضها إلى بعض، وذلك من أجل التعامل مع المستويات المختلفة للواقع. • يقتضي التأليف بين رؤية العالم العلمية ورؤية الحس المشترك للعالم استعمال مفهوم التسبيب Causation بحذر شديد. فبحسب بوتنام، التسبيب أمر قصدي Intentional ويرتبط استخدامه بسياقات مخصوصة. فالإجابة الصحيحة عن السؤال «ما الذي يسبب الظاهرة ظ؟» إنما يلزم من اهتمامات الباحثين. فعندما أؤلف «سوناتة»، ما هو سبب فِعلي؟ هل هو حبي للشعر؟ أم هو نشاط النورونات؟ أم هو التاريخ الثقافي للمجتمع؟ هل يُعزى ذلك إلى التربية التي تلقيناها؟ أم يعود ذلك إلى ترتيب الجزيئات في المحيط؟ يعني ذلك أن مفهوم التسبيب في الفيزياء ليس في العادة هو المفهوم المناسب34. تنتصب الطبيعانية الليبرالية لبوتنام على طرفي نقيض من الطبيعانية الاختزالية والتي يمكن تلخيصها في خمسة مبادئ أساسية: • المبدأ الأنطولوجي؛ ومفاده أن الواقع يتمثل في كائنات يمكن تفسيرها عن طريق علوم الطبيعة. • المبدأ الإبستيمولوجي الذي يقضي أن البحث العلمي هو المصدر الوحيد للمعرفة والفهم وكل أشكال المعرفة المزعومة الأخرى، مثل «المعرفة الما–قبلية»، وهي إما غير شرعية أو يمكن اختزالها، من حيث المبدأ، في المعرفة العلمية. • المبدأ الدلالي، ويعني أن لا وجود لأحكام تحتمل قيمة الصدق إذا لم تتعلق بكائنات يمكن أن تدرك علميًا. • مبدأ ميتا–فلسفي مفاده أن الفلسفة ينبغي أن تكون امتدادًا للعلم من حيث المحتوى والمناهج والأهداف. ويتمثل المشكل الأساسي الذي تواجهه الطبيعانية الاختزالية في ما يسميه فرانك جاكسون «مشكل الموقع» Problem Location35. ويتمثل هذا المشكل في إحراجات متعلقة بوجود موضع
في أنطولوجيا طبيعانية لكائنات مثل الذهن والفاعلية Agency والفعل Action وغيرها مما يعد موضوعًا للعلوم الاجتماعية. لا يمكن لطبيعانية أن تقوم، في حالة السوسيولوجيا مثلً، من دون أن تحل المشكلات الإبستيمولوجية التي تثيرها الأنطولوجيا الاجتماعية Ontology Social التي تتعلق أساسًا بفئات الكائنات الاجتماعية مثل القوانين الاجتماعية والوقائع الاجتماعية والمؤسسات الاجتماعية والمجموعات الاجتماعية وغيرها. أما الطبيعانية الليبرالية ففي وسعها التعامل مع «مشكل الموقع»؛ إذ هي تقوم على المبادئ التالية: • مبدأ أنطولوجي مفاده أن ثمة كائنات لا يفسر طبيعتها أو سلوكها العلم من دون أن تكون، مع ذلك، فوق طبيعية. مثل هذه الكائنات إنما تتعلق بها العلوم الاجتماعية وتتعلق بها الممارسات غير العلمية. لا ترتد أنطولوجيا المواضيع العلمية إذًا إلى الكائنات والخاصيات التي تهتم بها العلوم الطبيعية. • مبدأ إبستيمولوجي يقضي بوجود أشكال للفهم شرعية مثل التحليل المفهومي والتخييل والاستبطان لا تُرد إلى الفهم العلمي ولا تتعارض معه. • مبدأ دلالي مفاده أن ثمة أحكامًا لا يمكن ردها إلى أحكام أخرى تخص كائنات وخاصيات يهتم بها العلم دون سواه. • مبدأ ميتا–فلسفي منطوقه أن ثمة مسائل تخوض فيها الفلسفة من دون أن تكون في علاقة تواصل بالعلم من حيث المحتوى والمناهج والأهداف36. إن الطبيعانية الليبرالية، إذ تدحض، من الناحية السجالية، كل أشكال الاختزالية، كرد علم النفس إلى مجرد وصف للتنظيم الوظيفي للدماغ، من ناحية الموضوع، أو كرد قوانين السوسيولوجيا إلى قوانين علم النفس، من حيث المنهج، إنما تترك مجالً للقصدية والمعيارية في مجال العلوم من دون تسليم بما هو فوق طبيعي. يقول بوتنام: «يمكن أن نعتنق اللااختزالية والأولوية التفسيرية لما هو قصدي من دون أن نضحي بمعنى ما هو طبيعي وبالوحدة العضوية للقصدي»37. ومن ثمَّ فإن الطبيعانية هي ليبرالية، من جهة أنها تتخلص من الرؤية الحديثة للعالم التي تركزت خاصة في القرن السابع عشر، وهي رؤية تقوم على فصل مبدئي وجوهري حادّ بين الطبيعة وما يسميه جون مكداول، أحد أبرز الطبيعانيين الليبراليين، «فضاء المسوغات» Reasons of Space38 حيث تكون الطبيعة مجال التفسيرات عن طريق القوانين، في حين يكون المجال الثاني فضاء ما هو معياري. لا مجال، في نظر الطبيعانيين الليبراليين، لهذا الفصل؛ إذ الطبيعة هي الطبيعة الأولى Nature First وهي كذلك ما يدعوه مكداول، مستعيدًا بطريقته الخاصة، العتاد المفهومي لفلسفة الأخلاق عند أرسطو،
«الطبيعة الثانية» Nature Second39 التي هي، على وجه العموم، الممارسات الثقافية وخاصة اللغة40. وهذه الممارسات تنتمي إلى مجال التشريع الذاتي Autonomy أو العفوية Spontaneity بحسب المصطلحات الكانطية التي يستعيدها مكداول، ومن ثمّ فهي تفلت من كل تفسير عن طريق قوانين علمية.
خامسًا: السوسيولوجيا في السياق العربي، والمعادلة: حياد أكسيولوجي/ مناسبة القيمة
تكتسي معالجة العلاقة بين الوقائع والقيم أهمية بالغة بالنسبة إلى الوضع الإبستيمولوجي للعلوم الاجتماعية في الوطن العربي، وعلى وجه الخصوص، في السوسيولوجيا. والنظر في هذه العلاقة إنما يفرضه، من ناحية، وضع السوسيولوجيا كتخصص بوجه عام، ووضعها الخاص جدًا في الوطن العربي، الأمر الذي يجعل تحصيل الموضوعية فيها أمرًا عزيزًا. سننطلق في هذا القسم الأخير من هذه الورقة، أولً، من ملاحظات عامة تخص الصعوبات الإبستيمولوجية التي تواجه كل سعي إلى تحصيل الموضوعية في التخصص المذكور في أصقاع الدنيا، لنتناول ثانيًا صعوبات خاصة بالجهود المبذولة من أجل إرساء سوسيولوجيا في الأراضي العربية. وسنحاول أن نبين أن تحقيق معادلة، هي في الحقيقة صعبة، بين ما يسميه فيبر «الحياد الأكسيولوجي» و«مناسبة القيمة»، هي التي ترسم «الدرب الملكي»، بحسب عبارة شهيرة لكانط، لعلمية السوسيولوجيا. كما نحاول أن نبيّن أن تحقيق تلك المعادلة عندما يتعلق بالسوسيولوجيا في السياق العربي، إنما تعود صعوباته إلى أمرين متشابكين ومتضافرين: أحدهما داخلي متمثل في أن علماء الاجتماع العرب يباشرون الموضوعات التي تعنيهم إما من منطلق استجابة لجهود دولة ما بعد الاستقلال، من أجل تحقيق التنمية والتحديث اللذين يكادان يكونان متلازمين، بالتوسل بعتاد منهجي ومفاهيمي غربي، وإما من منطلق تأكيد «الخصوصية الثقافية» العربية الخاصة بالسوسيولوجيا نفسها وبموضوعاتها. أما الأمر الثاني فخارجي، ويتمثل في ما يمكن أن نسميه على إثر ميرندا فريكر «اللاعدالة الهرمنيوطيقية» Injustice Hermeneutical41، والمتمثلة في أن علماء الاجتماع العرب عاجزون، أو يكادون، عن اجتراح مناهج وأشكال نمذجة Modelisation وأمثلَة Idealisation للواقع، لمعالجة معيشهم الاجتماعي، وهو ما يعمّق، بدوره، سوء فهم الآخرين لهذا المعيش. ويتخذ هذا العجز شكلين: أحدهما تطبيق مناهج وأشكال نمذجة
وأمثَلة غربية، وثانيهما: تحولهم إلى «مخبرين»، بحسب عبارة لساري حنفي، بالنسبة إلى مراكز إنتاج المعرفة الغربية. لنشرع في تناول الضرب الأول من الصعوبات؛ وهي صعوبات يمكن أن نصفها بأنها هيكلية ويمكن أن نعبّر عنها، في اقتصاد شديد، عن طريق السؤال التالي: كيف يمكن للسوسيولوجيا أن تُحصّل الموضوعية في ظل وضعها المزدوج كممارسة تروم أن تكون علمية، ولكن تستجيب في الوقت ذاته لمطالب اجتماعية ومؤسساتية متعلقة بالسياسات العامة Policies Public؟ وقد بين عالم الاجتماع البريطاني مارتين هامرسلي أن وضع السوسيولوجيا هش لأنه يقع في منزلة بين منزلتين: منزلة الأشكال الأكاديمية للبحث التي تدعو عالم الاجتماع إلى «التجرد» Detachment من كل الاعتبارات فوق العلمية Extrascientific التي تُعدّ بمنزلة عوائق إبستيمولوجية أمام عالم الاجتماع، ومنزلة مجالات السياسة والممارسة التي تستدعي ضربًا من الالتزام أو هي، في أحسن الأحوال، تحثّ عليه. فضلً عن ذلك، وعندما يتعلق الأمر بتدريس السوسيولوجيا، ثمة توتر بين مطلب التدريب على ممارسة السوسيولوجيا بوصفها تخصصًا من ناحية، وتوجهها من ناحية أخرى نحو التربية على المواطنة. يضاف إلى ذلك أن هذا التخصص قد تأثر دائمًا بالتحولات التي تطرأ على المجتمع، أعني التحولات الخاصة بطبيعة الجامعات ودورها ونماذج الحوكمة السياسية والتنظيم الاقتصادي على وجه العموم. والتحولات التي لها دلالة خاصة هي انبجاس أنظمة تعليم عالٍموجّه إلى العموم، وتبعية الجامعات المتزايدة للحكومات والمصالح التجارية حتى في تلك الدول التي تنعم بأكبر قدر من الاستقلالية كما هو الشأن في المملكة المتحدة42. تواجه السوسيولوجيا في السياق العربي هذه الصعوبات، ولكنها تواجه فضلً عن ذلك صعوبات تخص وضعها المؤسساتي والإبستيمولوجي. كتب عبد الكبير الخطيبي، في عام 1975، محددًا المهمة المنوطة بكاهل علماء الاجتماع العرب ما يلي: «إن المهمة الأساسية لعلم الاجتماع العربي هي القيام بعمل حاسم ضمن مساقين: أ. تفكيك المفاهيم التي ظهرت من المعرفة السوسيولوجية وخطاب أولئك الذين تحدثوا نيابة عن المنطقة العربية، التي تتسم في الغالب بالأيديولوجيا المركزية– الإثنية–الغربية، وب. نقد المعرفة السوسيولوجية والخطاب حول المجتمعات العربية الذي ينتجه العرب أنفسهم»43. يكشف قول الخطيبي عن خلفية تحرّك علماء الاجتماع العرب وهي خلفية «ردة الفعل». وتلك الخلفية هي التي تجعل تصريف «الحياد الأكسيولوجي» و«مناسبة القيمة» أمرًا صعبًا، لأن حضور القيم في هذا العلم سيكون أساسًا على نحو أيديولوجي. ذاك ما يفسر جوانب من الأزمة
التي تعانيها السوسيولوجيا العربية، أزمة شخّص أعراضها ورسم لها، على نحو برنامجي، منذ الثمانينيات من القرن الماضي، بعض الحلول، عالم الاجتماع المصري محمد عزت حجازي44. ويمكن أن نرصد آلية «ردة الفعل» في حقبتين من تاريخ علم الاجتماع العربي وفي تونس على وجه الخصوص. الحقبة الأولى هي تلك التي تلت الاستعمار وتمثّل همّ علماء الاجتماع عندها في بناء سوسيولوجيا تشجب سوسيولوجيا المستعمِر، من خلال نزع القيمة عن الموضوعات التي ما انفك يفضلها من قبيل القبيلة والطقوس السحرية والدينية والعادات الريفية، وغير ذلك. وذلك إيمانًا من علماء الاجتماع العرب أن السوسيولوجيا قد نشأت في المنطقة العربية استعماريًا، ووجّهت مناهجها وجهازها المفاهيمي الخلفية الاستعمارية، ولأمر كهذا كان لزامًا على علماء الاجتماع، بحسب آلان روسيون، أن «يبنوا جهازًا وطنيًا وأن يعارضوا صورة الذات التي كانت تعكسها مرآة العلم الاستعماري»45. أما الحقبة الثانية، وهي حقبة السبعينيات والثمانينيات، فهي تلك التي كانت توجه بحوث علماء الاجتماع فيها «مسألة الهوية». إنها حقبة تُعلي من شأن المسألة الثقافية الملازمة لمسألة الهوية وتردّ الفعل على توجهين اثنين: أولهما المناهج والجهاز المفاهيمي الغربيان، ولا سيما التقليد الاستشراقي والأنثروبولوجي، إذ يتساءل علماء الاجتماع ها هنا عن وجاهة كل ذلك ونجاعته في مقاربة «الخصوصية الثقافية» للمجتمعات العربية. أما التوجه الثاني، وردّة الفعل عليه لا تنفك عن ردة الفعل على التوجه الأول، فهو التوجه الذي ساد الستينيات على الأقل في تونس، وتمثّل في اعتماد منهج تحليل التحولات المجتمعية، من أجل تحديث المجتمع من جهة، وتحقيق التنمية فيه من جهة أخرى، وهو مطلب قُطري تسنده الدولة الوطنية قيد البناء ومؤسساتها البحثية46. إن موقف «ردة الفعل» الذي يميز السوسيولوجيا في حقبتيها التأسيسيتين المذكورتين، يجعل حضور القيم في نسيجها الأيديولوجي حضورًا كبيرًا يحول دون علمية السوسيولوجيا. إننا لا ننفي دور القيم الأيديولوجية إذا فُهمت من جهة «التزام» علماء الاجتماع بخدمة قضايا النهضة والتنمية والديمقراطية الخاصة بمجتمعاتهم، وهو أمر أكّده جل المساهمين في الكتاب القيّم والتأسيسي الموسوم ب نحو علم اجتماع عربي)1986(47 ولكن نشدّد على أهمية أن يكون هذا «الالتزام» خادمًا لتحقيق المعادلة الصعبة التي طرفاها هما «الحياد الأكسيولوجي» و«مناسبة القيمة».
ولعل ما يجعل من صعوبة تحقيق المعادلة المذكورة أكثر جدية هو تبعية السوسيولوجيا العربية للعلوم الاجتماعية الغربية عتادًا منهجيًا وجهازًا مفاهيميًا. سنعتمد القيمة الكشفية لمصطلح مهم بلورته ميرندا فريكر وذلك من أجل فهم هذه التبعية. إنه مفهوم «اللاعدالة الهرمنيوطيقية» والذي تعرفه كالآتي: «اللاعدالة المتمثلة في وجود منطقة من التجربة الاجتماعية لأحدهم، وقد أضحت غامضة بالنسبة إلى الفهم الجماعي وذلك بفعل غبن بنيوي للهوية كامن في المصادر الهرمنيوطيقية الجماعية»48. ينجم هذا الشكل من اللاعدالة، إذًا، عن وضع الأفراد عندما تعوزهم الإمكانات (ليس بالمعنى المادي) لتأويل تجاربهم ومعيشهم الاجتماعي، لأن بيئتهم الإبستيمية لا تتوفّر على العتاد المنهجي والمفهومي الذي يجعل هذا التأويل ممكنًا. حري بنا أن نلاحظ أن فريكر تتحدث عن هذه الفراغات Gaps في المصادر الهرمنيوطيقية للأفراد والجماعات المهمشة داخل المجتمع الواحد، ولكن يمكن أن نسحب ذلك على العلاقة بين التشكيلات المعرفية لشعوب متعددة ولثقافات مختلفة. فمفهوم «اللاعدالة الهرمنيوطيقية» يُمكّن من إدراك العلاقات المركبة بين الممارسات المعرفية وأشكال السلطة الاجتماعية، وفهم هذه العلاقة يُمكّن بدوره من فهم علاقة الوطن العربي بالغرب في مستوى إنتاج المعرفة ونشرها على وجه العموم وإنتاج العلوم الاجتماعية على وجه الخصوص. إن التفكير في شروط إمكان الخروج من وضع التبعية أمر يتجاوز حدود هذه الورقة؛ إذ هو شأن كل المشتغلين بالعلوم الاجتماعية في الوطن العربي برمّته، والمؤسسات البحثية الموضوعة على ذمتهم وتلك التي ينبغي وضعها مستقبلً على ذمتهم، وهي مؤسسات يلزمها أن تتجاوز أولً حالة تشتت الأبحاث التي تتنجها49. سنكتفي بأن نصف، على نحو برنامجي، سبيلين يساهمان في الخروج من وضع الأزمة: أولهما معاودة التفكير، من وجهة نظر إبستيمولوجية في سرديات الهوية Identity Narratives التي أنتجها العرب في أفقهم الحضاري وداخل إبستيمياتهم المتعاقبة، وهو تفكير ينبغي أن يباشر هذا المفهوم بما هو مقولة تحليل Analysis of Category أي في بُعده الكشفي وليس بوصفه مقولة ممارسة Category Practice50. يعني ذلك سلبيًا استبعاد كل المقاربات الماهوية Essentialist والأيديولوجية للهوية. وتظل الهوية، على الرغم من تعدد دلالاتها، مفهومًا ذا قيمة كشفية عالية لفهم دينامية الجماعات والمجتمعات. أما السبيل الثاني، فهو التفكير في شروط الإمكان الإبستيمولوجية لاجتراح مفاهيم وأشكال نمذجة وأمثلَة للمعيشات والتجارب والتحولات الاجتماعية الفريدة للمجتمات العربية، وهو ما من شأنه أن يجعل الذات العارفة مشرعة معرفيًا وعمليًا. ولا يعني استثمار مفهوم «اللاعدالة الهرمنيوطيقية» ها هنا إلقاء المسؤولية على الغرب وكأنّه يسعى، حصريًا، إلى تكريس التبعية المعرفية والهرمنيوطيقية للعرب من خلال «تصدير» مناهج لا تراعي خصوصيات المعيش العربي، إذ لا يطرح من يجترح المناهج والمفاهيم في العلوم الاجتماعية وفي غيرها شروط إمكان استعادتها واستثمارها، من طرف أمم أخرى، استعادة سديدة وواثقة ومجددة.
خاتمة
يثير نقد بوتنام لمثنوية الواقعة/ القيمة الذي هو أساسًا نقد لأشكال الطبيعانية الاختزالية مسألة العلاقة بين الطبيعانية والمعيارية. فهو يرى أن المسألة القيمية تطرح نفسها بإلحاح في العلوم الاجتماعية سواء تعلق الأمر بقيم إبستيمية أو بقيم إيتيقية، وهو بذلك إنما يحل على نحو فريد «مشكل الموقع» لأنه يقر بأهمية ما هو معياري في هذه العلوم، فهو يترك مجالً فيها لتدبر موضوعات مثل المعنى الذي هو معنى الفعل الاجتماعي ومسوغاته وغاياته وقصديته وغيرها. وما يسمح بذلك إنما هو موقفه الإبستيمولوجي الفريد الذي هو «الطبيعانية الليبرالية» أو ما يمكن أن نسميه الطبيعانية الأدنوية Naturalism Minimalist، وهي طبيعانية يُصرّفها بوتنام على نحو لافت مع موقف فلسفي دافع عنه طوال حياته ألا وهو «الواقعية الداخلية» Realism Internal. فضل عن ذلك، فإن الطبيعانية الليبرالية تسمح بالإقرار بالأهمية النظرية والكشفية وكذلك العملية والإجرائية لأشكال الأمثَلة. هذا الإقرار يجعلنا نتفكر على نحو جديد بعلاقة علوم الطبيعة بالعلوم الاجتماعية، وهي علاقة تستعصي، في كل الأحوال، على أن تكون اختزالية. لا شك في أن تدبر أمر العلاقة بين الواقعة والقيمة هو أمر حاسم من أجل تدارك الوضع الإبستيمولوجي المتردي للعلوم الاجتماعية في الوطن العربي. فعجز هذه العلوم عن بلورة المناهج والمفاهيم وأشكال النمذجة الخاصة بها من أجل التفكير في المعيش والتحولات الاجتماعية الفريدة للوطن العربي يجعل هذه العلوم غير قادرة على الإمساك، على النحو الذي تفرضه معالجة الموضوعات الخاصة التي تتصدى لها، بطرفي المعادلة الصعبة، أعني «الحياد الأكسيولوجي» و«مناسبة القيمة».
References
المراجع
العربية
حجازي، محمد عزت [وآخرون]. نحو علم اجتماع عربي. ط 2. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1989
حنفي، ساري وريفاس أرفانيتس. البحث العربي ومجتمع المعرفة: رؤية نقدية جديدة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2015
كارناب، رودولف. البناء المنطقي للعالم. ترجمة وتقديم يوسف تيبس. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2011
كواين، ويلارد فان أورمان. من وجهة نظر منطقية. ترجمة يوسف تيبس. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.2010
كون، توماس. بنية الثورات العلمية. ترجمة شوقي جلال. سلسلة عالم المعرفة 168. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1992
هيوم، ديفيد. تحقيق في الذهن البشري. ترجمة محمد محجوب. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،
الأجنبية
Ayer, A.J. (ed.). Logical Positivism. Westport, CT: Greenwood Press, 1978.
Bonnet, C. & P. Wagner (dir.). L’âge d’or de l’empirisme logique. Paris: Gallimard,
Brubaker, R. & F. Cooper. «Beyond ‘Identity’.» Theory and Society. vol. 29, no. 1
Carnap, Rudolf. The Logical Structure of the World. R. A. George (trans.). Open Court:
Carus Publishing Company, 2005.
Churchland, Paul & Clifford Hooker. Images of Science: Essays on Realism and
Empiricism. Chicago: University of Chicago Press, 1985.
De Caro, M. & D. Macarthur. Naturalism and Normativity. New York: Columbia
University Press, 2010.
Do Carmo, J.S. (ed.). A Companion to Naturalism. Pelotas: Nepfil, 2015.
Fricker, M. Epistemic Injustice, Power and the Ethics of Knowing. Oxford: Oxford
University Press, 2007.
Hammersley, M. Methodology: Who Needs It? London: Sage, 2011.
________. «On the Role of Values in Social Research: Weber Vindicated?» Sociological
Research Online. 14/3/2017. at: https://bit.ly/2NUgv2Y
Hempel, Carl. Aspects of Scientific Explanation. New York: The Free Press, 1965.
Hume, David. Enquiries Concerning Human Uderstanding and Concerning the
Principles of Morals. Oxford: Clarendon Press, 2006.
Jackson, F. From Metaphysics to Ethics. Oxford: Clarendon Press, 1998.
Khatibi, A. «Sociologie du Monde Arabe: Postions.» Bulletin économique et social du
Maroc. no. 126 (1975).
Mcdowell, J. Mind and World. Cambridge: Harvard University Press, 2000.
Melliti, I. & D. Mahfoudh–Draoui. «Les Sciences sociales en Tunisie: Histoire et
enjeux actuels.» Sociologies pratiques. no. 19 (2009).
Neurath, Otto. Philosophical Papers 1913–1946. Dordrecht: D. Reidel Publishing
Company, 1983.
Porter, T.M. & D. Ross (eds.). The Cambridge History of Science. Cambridge:
Cambridge University Press, 2008.
Putnam, Hilary. Words and Life. J. Conant (ed.). Cambridge: Harvard University Press,
________. The Collapse of the Fact/Value Dichotomy and Other Essays. Cambridge:
Harvard University Press, 2002.
________. Naturalism, Realism, and Normativity. M. de Caro (ed.). Cambridge:
Harvard University Press, 2016.
Robbins, L. An Esssay on the Nature and Significance of Economic Science. London:
Macmillan, 1935.
Rorty, R. (ed.). The Linguistic Turn: Essays in Philosophical Method. Chicago: The
University of Chicago Press, 1967.
Russell, Bertrand. Philosophy of Logical Atomism. London/ New York: Routledge,
Sen, Amartya. On Ethics and Economics. Malden, MA: Blackwell Publishing, 1987.
«The Capability Approach.» Stanford Encyclopedia of Philosophy. at:
https://stanford.io/2GBE6iJ
Wagner, P. (dir.). Les Philosophes et la science. Paris: Gallimard, 2002.
Weber, Max. The Methodology of the Social Sciences. E. A. Shils & H. A. Finch (trans.
& eds.). New York: The Free Press, 1949.
Williams, B. Ethics and the Limits of Philosophy. London/ New York: Routledge, 2006.