العلوم الإنسانية: إشكالية مناهج ودراسات استراتيجية لتحقيق مقاصد إنسانية
Humanities: Problems of Method and Strategic Studies to Achieve Human Objectives
الملخّص
أفضى قيام الثورات العلمية المعاصرة إلى إعادة طرح إشكالية مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية في ضوء مقاربات إبستيمولوجية نقدية مفتوحة جديدة، لم تعد تشتغل بسؤال إن كان من الممكن أم من غير الممكن نسخ منهج العلوم الطبيعية وتطبيقه على حالات السلوك البشري وظواهره. بل إنها صارت تشتغل بجل التناسبات القائمة بين العلوم الإنسانية وعلوم الفيزياء الكمومية لسد الثغرات وتحقيق الوصلات بين السلوك الظاهر وعمقه الخفي خلال اختصاصات مثنى وثلاث، ومن ثم رسم استراتيجيات تكشف عن الطابع الإبداعي والمقاصدي للسلوك البشري الفردي والجماعي.
Abstract
Assistant professor at El Manar University, Tunisia, The High Institute of Human Sciences of Tunis (Department of Philosophy).
- العلوم الفيزيائية الكمومية
- العلوم الإنسانية
- السلوك
- الظاهر والخفي
- التفسير والتأويل
- المقاربة الاستراتيجية
- المقاصد الإنسانية
- Quantum Physics
- Humanities
- Behaviour
- Hidden and Apparent
- Explanation and Interpretation
- Strategic Approach
- Human Purpose
مقدمة
لا خلاف في أن العلوم الاجتماعية والإنسانية قد بلغت اليوم شأنًا بعيد المدى في إنتاجها المعرفي، فالدراسات التي تعنى بالسلوك البشري، في مختلف أبعاده الكبرى: البيولوجي والنفسي والاجتماعي والاقتصادي والتاريخي والأنثروبولوجي، ومركباتها الثنائية، نحو: علم النفس التكويني، وعلم النفس الاجتماعي، وعلم العلاج النفسي Psychothérapie، وعلم النفس المعرفي Psychologiecognitive، والأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية1، والعلوم المعرفية وتفرعاتها المجهرية كالماكروسوسيولوجيا Macrosociologie والميكروسوسيولوجيا Microsociologie والميزوسوسيولوجيا2Mésociologie وغير ذلك من الاختصاصات، كلها قد مضت قدمًا في التوالد والتشعب، والتداخل، وصارت تشهد نموًا معرفيًا شجري البناء، والشكل المنقطع النظير. بيد أنّ هذا الانفجار المعرفي في دراسة السلوك البشري لم يخل من مفارقة، ولم يتوقف عن زيادة مسألة مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية استشكالً. أما مفارقته، فهي قائمة بين تقدم البحوث العلمية في شتى الاختصاصات الاجتماعية والإنسانية، واستشراء أمراض الإنسان النفسية، وتعاظم أزماته الاجتماعية، والاقتصادية، والحضارية، والثقافية. وقد تزيد هذه الأمراض النفسية وأزماتها على الثقافة العربية استغلاقًا بخلاف غيرها. ويرجع ذلك إلى أن التصرف الفردي فيها، والجماعي، لا يفتأ يتأثر بمكتسبات الحضارة الغربية الرمزية، والتقنية، سواء أكان هذا التأثير مخططًا له من جانب قوى سياسية واقتصادية متعولمة، أم يترجم عن ميل طبيعي بشري إلى ما هو جديد؛ وهو ما ولد، عند بعضنا، التباسًا في التصور أقعدنا عن استئناف الإبداع الثقافي والحضاري. ألا ترى أن الثقافات الغربية حية بما انخرطت فيه من مسار عقلاني علمي حديث طبيعيًا كان أو إنسانيًا، وعملت على تطوير البحث العلمي في السلوك البشري، وإثارة المشكلات العلمية، والمطارحات الفلسفية، والميتافيزيقية، والأنطولوجية، والروحية؟ وبهذا تكون قد ملكت الشروط الموضوعية الممكنة لتعمير الأرض، وبناء المدينة، وحازت قصب السبق العلمي والفلسفي في معالجة إشكاليات السلوك البشري في شتى مظاهره. وها نحن اليوم نراها تجني ثماره. فماذا نحن فاعلون، إن لم ندرك أن أَعوَن الأشياء وأصلبها على مداواة أمراضنا وحل مشكلاتنا الاجتماعية والاقتصادية هو سلك درب العلوم الآمنة في مختلف صورها، والمساهمة في إبداع نموذجٍ حضاريٍ إنسانيٍ جديدٍ، به نعمر أراضينا ونبني مدننا ونجلو إنسانيتنا؟
وأما مسألته المنهجية المستشكلة، فقد انتهت بنا السجالات والجدالات العلمية الدائرة في العلوم الاجتماعية والإنسانية منذ بداية القرن العشرين، بين علماء الاختصاص الواحد من ناحية وعلماء الاختصاصات المختلفة من ناحية أخرى، إلى إدراك أن جوهر الاستشكال فيها كان يرد إلى معالجة سؤال منهجي من خارج الممارسة العلمية، صياغته كما يلي: أيستوجب تأسيس هذه العلوم نسخ منهج العلوم الفيزيائية، أم يخرج عن نطاقه إلى منهج جديد يلائم ظواهرها الاجتماعية والإنسانية؟ والآن، وقد نضجت العلوم الاجتماعية والإنسانية، وتفرعت إلى اختصاصات متعددة، يضيق المجال هاهنا بحصرها، فإن سؤالها المنهجي لم يعد متعلقًا بتأسيس منهج مخصوص فحسب، بل أصبح يدور، من داخل الاختصاصات العلمية المتكثرة والمتنوعة، على ضروب شتى من المكونات المنهجية، كلّ بحسب ما يقتضيه الاختصاص العلمي من بحوث ميدانية، وسلاسل إحصائية، واختبارات قياسية، ومفاهيم إجرائية، ونماذج إرشادية، وتقنيات علاجية، وغيرها. وليس مرادنا، في هذه الورقة البحثية، أن نحصيها جميعًا، وأن نأتي على تحليلها واحدة واحدة، بل المراد أن نذكُر أولً أمثلة، لتنبيه الناظر إلى أن مسألة مناهج العلوم الاجتماعية، والإنسانية باب متعذر على الوالج، ومسلك متوعّر على الناهج. كيف لا وهي مسألة تنعقد فيها الأسئلة جميعًا التي يطرحها الكائن البشري، وتستغرق وجوده من جهاته جميعًا، وأبعاده؟ وأن العلماء والإبستيمولوجيين لا يزالون يقلّبون النظر فيها من قديم الوقت وحديثه، ويراجعون مؤلفاتهم، طمعًا في حل مستغلقاتها، وتوضيح مسالكها ومعانيها. ولكن ما وضعوه قد زاد من تشظّي المسألة، حتى إن القارئ الواحد يستطيع أن يؤلف مما قرأ منها ما يشاء من التصورات، ثم ينقضها بغيرها من القراءات. كما نسعى للكشف ثانيًا عن أن هذا التشظي المعرفي والمنهجي، إنما يرجع إلى طبيعة إشكالية مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية المركبة من أبعاد مختلفة ومتباينة، حيث تمكنا من صياغتها على النحو التالي: كيف تحمل اختصاصات العلوم الاجتماعية والإنسانية الكثيرة ومقارباتها المنهجية المتعددة سعيًا دؤوبًا إلى تجاوز خطأ ديكارتي موروث مبني على ثنائية الذات والموضوع، وإرساء تصور علمي للكون والإنسان قائم على منطق ثلاثي القيمة؟3والمتمعن في هذا السؤال لا يفوته أن يدرك أن هذا الخطأ إنما يعود إلى تصادم ثالوث من الأنساق المعرفية، النسق العلمي، والنسق الفلسفي، والنسق اللاهوتي الديني؛ حيث تقلبت المذاهب والتصورات بين فلسفة ميتافيزيقية عقلانية لاهوتية (ديكارت)، وفلسفة ميتافيزيقية روحانية (المذهب الروحاني)، وفلسفة وضعية علمية نابذة للميتافيزيقا (السلوكية والعلوم المعرفية)، وفلسفة طبيعية بيولوجية (جون سيرل)4، وغير ذلك من الفلسفات المشتقة. فكيف السبيل إلى تجاوز هذا التشظي المعرفي والمنهجي والفلسفي؟
لا مندوحة لنا عن اختيار فرضيات بحث توجهنا، ومقاربات منهجية تساعدنا على تفكيك خصومات مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية، وتأليفها تأليفًا إبستيمولوجيا نقديًّا. أما فرضيات بحثنا فهي ثلاث: أنطولوجية وإبستيمولوجية وأكسيولوجية، وسيأتي تفصيلها لاحقًا. وأما عن المقاربات المنهجية المساعدة، فلقد أظفرتنا مطالعتنا للتحليل الأنموذجي الكوني (نسبةً إلى وللتحليل المبحثي L’analyse paradigmatique de Thomas Kuhn توماس كون)1996–1922 الهولتوني (نسبة إلى جيرالد هولتون) L’analyse thématique de Girald Holton بآلية منهجية، نراها ملائمة لمعالجة إشكالية مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية. وقد قدّرنا أن يدور كلامنا هاهنا على وجوه ثلاثة: طرح إشكالية مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية، في ضوء الأنموذج الميكانيكي والصراع المذهبي بين الفلسفة والعلم واللاهوت. طرح إشكالية مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية، في ضوء الأنموذج الفيزيائي الكمومي وإبستيمولوجيا تعدد الاختصاصات العلمية. العلوم الاجتماعية والإنسانية: من إشكالية مناهج إلى وضع دراسات استراتيجية ذات مقاصد إنسانية. فلنبسط الكلام في هذه الوجوه الثلاثة تباعًا، على جهة الاقتضاب، وبما يسعه جهدنا ويسمح به المجال.
أولا: إشكالية منهج العلوم الاجتماعية والإنسانية في ضوء الأنموذج الميكانيكي والصراع الفلسفي المذهبي
إذا صحّ أن العلوم الفيزيائية الحديثة قد نجحت في دراسة الظواهر الطبيعية، فلِمَ لا تصح معها دراسة الشأن الإنساني دراسة علمية، فيتحقق بها فتح جديد يُضاف إلى ذلك النجاح الأول؟ إذ ليس من المعقول أن يَقْبل العالم العاقل اليوم باستكانة الإنسان لأوهام موروثة واعتقادات أسطورية مشبوهة، تقف حائلً دون معرفة طبيعة انفعالاته، وحقيقة حالاته المرضية النفسية والاجتماعية، وأزماته الاقتصادية، وتركيبات بناه الذهنية الاجتماعية والثقافية؟ ومتى سلمنا بذلك، لزم منا أن نقرّ من حيث المبدأ بأن الطموح إلى دراسة السلوك البشري وأحواله مهمةٌ مشروعةٌ، وأن تعزيز فتوحات العلوم الفيزيائية بفتوحات علمية تخص الشأن الإنساني غايةٌ محمودةٌ. ولئن تعارضت الدراسات العلمية للسلوك البشري في فترة ممتدة من النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلى النصف الأول من القرن العشرين، وتأرجحت بين منطقين ثنائي وأحادي، وترددت في مواقفها الإبستيمولوجية بين روحانية ومادية، فإن أسباب تعارضها ترجع إلى نظرة تفاضلية هرمية للمعارف قد يكون أساسها إما روحيًّا وإما ماديًّا بحسب الفرضيات الأنطولوجية الموجهة، وإلى سؤال إشكالي: أيكون من المشروع الاحتذاء بالأنموذج الميكانيكي في دراسة الظواهر الإنسانية (السلوكية
مثلً) أم أن الشأن الإنساني يحتاج إلى منهج آخر، منهج الفهم الحدسي (فلاسفة الحدس والحياة) في مقابل المنهج التفسيري التكميمي الحتمي الذي يختص بالظواهر الفيزيائية؟
1. النزعة العلمية والاحتذاء بالأنموذج العلمي الميكانيكي في دراسة السلوك البشري
يذهب أنصار العلم، من طبيعانيين وماديين وفيزيائيين، في الخصومة المنهجية بينهم وأنصار الفلسفة العقلانية والروحانية، إلى ضرورة الاحتذاء بأنموذج العلوم الطبيعية في دراسة السلوك البشري، فرديًا كان أو جماعيًا. وذلك انطلاقًا من فرضيتين، أولاهما أنطولوجية اختزالية مفادها أن الوجود ماديٌ جسميٌ من دون سواه، سواء أكان طبيعيًا أم حيوانيًا أم إنسانيًا. ومن ثم لا يكون العقل أو الوعي – في تقديرهم – غير سلوك الجسد؛ فلا يلازمه عنصر تكويني آخر. والثانية إبستيمية ومدارها نجاح العلوم الفيزيائية؛ إذ لما تحقق هذا النجاح، بفضل مبدأ حتمي، وجب أن يقاوم العقل العلمي الأحكام المسبقة التي تقف دون امتداد جديد لهذا المبدأ، لكي يشمل الظواهر الاجتماعية والسلوك النفسي، وأن يمضي إلى دراستهما باعتبارهما ظواهر قابلة للملاحظة والتجريب والتكميم. ومن ثم استخلاص القواعد والقوانين التي تضبطها، نابذًا عنه كل وعي ذاتي، وتأويل فلسفي ميتافيزيقي استبطاني، ونزوع غائي يعيق جميعها نشاطه العقلاني. ومن ذلك ما ذهبت إليه المدرسة السلوكية Behaviorism من قول يعتبر السلوك نتاجًا مشروطًا، يمكن دراسته دراسة موضوعية بمقتضى رده إلى التفاعل بين الوسط الداخلي (الجسم في ذاته) والوسط الخارجي (المجتمع) وفق مبدأ جون واطسن John Broadus Watson) 1958–1878(مؤسس المدرسة السلوكية، المثيرات والاستجابات. فلا يعدو أن يكون التفكير لديها ضربًا من الآلية الميكانيكية التي تتولى استقبال المؤثرات الخارجية، لكي تستجيب لها آليًا بأفعال انعكاسية Actions Réflexes. وهو ما يعني أن علم النفس إذا أريد له أن يكون قسمًا من أقسام العلوم الطبيعية، فإنه ينبغي له أن يتوقف عند الظواهر القابلة للملاحظة وللقياس والتوقع، شأنه في ذلك شأن العلوم الفيزيائية، ومن غير حدود فاصلة بين الإنسان والحيوان5. فإذا قرنت الفرضية الأنطولوجية بالفرضية الإبستيمية، اتضح لك أن غايتهما تكمن في تجريد الإنسان من كل بعد قصدي وغائي، بحيث يكون الدافع، كما يقول سيرل، «لوجود صور مختلفة للسلوكية، والوظيفية لم يكن البحث المستقل والجاد عن الوقائع، وإنما الخوف من أننا إذا لم نجد طريقة للقضاء على الظواهر العقلية [...] فإننا سوف نعاني الثنائية وعدم حل مشكلة العلاقة بين العقل والجسد»6.
ومن ذلك، أيضًا، إميل دوركايم Emile Durkheim (1917–1858) الذي انتقد التصور المادي للسلوك وللذاكرة، من حيث اعتبار الأول حالة راجعة إلى أسباب فيزيائية، وأن الثانية ليست إلا خاصية من خصائص المادة العضوية العصبية. ويستعيض عن ذلك بتصور يرى في الذاكرة ظاهرة تحمل تصوراتنا وعاداتنا وأحكامنا المسبقة، وتُكوّن طابعنا الأخلاقي، ويميزها بصفاتها الخاصة من ظواهر الطبيعة الأخرى بما لها من أسباب تخصها7. ولكنه نحا المنحى نفسه في الاحتذاء بالأنموذج العلمي الحديث لتأسيس علم الاجتماع. يقول دوركايم: «إن المجتمعات حقائق أشياء ذات طبيعة تفرض نفسها علينا، ولا يمكن أن يطرأ عليها – كسائر الأشياء الطبيعية – تبدل إلا طبقًا للقوانين الطبيعية التي تحكمها»8. ويستفاد من هذا القول معنيان: أولهما تحديد موضوع علم الاجتماع بما هو أشياء، يجب أن يعالج من حيث هو كذلك معالجة موضوعية، والثاني التزام منهج دقيق إحصائي مقارن، يسمح بمقارنة تردد ظاهرة بين وسط اجتماعي ووسط اجتماعي آخر للكشف عن الروابط، التي تصل بين تصورات المجتمع الأخلاقية والدينية والحقوقية، وسلوك الفرد المرضي (كالانتحار مثلً). ولا يخفى على القارئ أن يدرك من وراء هذا القول النزعة العلمية التي تدفع صاحبه إلى تأسيس علم اجتماع يولد في ظل علوم الطبيعة، ضاربًا عن المنهج الاستبطاني Introspection وتأملاته الفلسفية صفحًا، ناظرًا في مشكلاته لا من حيث هي مادة للحياة الاجتماعية، بل من حيث شكلها. يقول: «إن النظر المجرد للأشكال الاجتماعية هو الذي يمنح علم الاجتماع حقه في الوجود تمامًا مثلما تستمد الهندسة وجودها وجوبًا من إمكان تجريد أشكالها الخالصة من الأشياء المادية»9. قد يكون من المشروع أن يغامر أنصار العلم في دراسة الشأن الإنساني على النحو الذي بيناه. ولكن يبدو أن الخطوة الأولى من هذه المغامرة قد صاحبتها نزعة علمية مفرطة، مدارها اقتلاع السلوك البشري والتصورات الذهنية الاجتماعية من سندهما الذاتي الحي ومن تجاربهما الاجتماعية الحية، للنظر إليهما من حيث إنهما أشياء تقبل الملاحظة والقياس، والرد إما إلى علاقة سببية بين المثيرات والاستجابات، وإما إلى ترابطات إحصائية Corrélations Statistiques. ولقد تفطن إدوارد تولمان Edward Tolman – وهو من السلوكيين الجدد – إلى الإسراف في الاختزالية الذي وقعت فيه السلوكية الجذرية، وسعى لسد الهوة الفاصلة بين المثيرات والاستجابات، بإضافة متغيرات وسيطة Intervening Variables بينهما موصولة بالذات الشخصية، وتسمح بتحديد الدور الذي يؤديه المخزون المتغير الوراثي، والمكتسب لدى الفرد10.
ومع ذلك، ما تزال النزعة المادية، بصيغها المختلفة من السلوكية إلى الذكاء الاصطناعي القوي، تتمسك بمنطق أحادي اختزالي، يتجاهل وجود ظواهر ذهنية وتجارب باطنية لدى الشخص مدارها الوعي والقصدية؛ فلا يشتغل البتة بالعلاقات السببية القائمة بين الحالات الذهنية والسلوك، كما ألمح إلى ذلك سيرل غير مرة11. ويرجع هذا التجاهل إلى إفراط في النزعة العلمية التي تختلف عن الرؤية العلمية من حيث كونها لا تخلو من الأحكام المسبقة؛ لأنها تستعجل تطبيق ما تعوَّد عليه الفكر في مجال على مجال آخر مختلف تطبيقًا آليًا ومن غير تمييز. وبهذا، فهي تزعم «معرفة الوسيلة الأكثر ملاءمة لدراسة موضوعه حتى من قبل أن يشتغل به»12. وكأن مقصدها لا معرفة حقيقة موضوعها، بل تحطيم كل خلفية ميتافيزيقية، تقحم الغايات الأخلاقية في الممارسة العلمية. وبناءً عليه، لا مفر للعلوم الاجتماعية والإنسانية من مواجهة الذاتية الإنسانية، ودراستها في مظانّها؛ ف «نحن نعلم أن الإنسان يصنف – في قراراته الواعية – المثيرات الخارجية بطريقة لا يمكن معرفتها إلا بفضل رد هذا النوع من التصنيف إلى تجاربنا الخاصة»13.
2. النزعة الروحية وإنصاف الفلسفة لفهم السلوك البشري المعيشي
إنّ الذين ينتصرون للفلسفة، وإن كانوا يقرون للعلم الوضعي بقدرته على صياغة قوانين الظواهر الطبيعية، ومن ثم نبذ كل خطاب فلسفي مفهومي ميتافيزيقي لاهوتي مجرد، فإنهم ينطلقون من فرضية أنطولوجية، فحواها أن الظواهر الملحوظة إنما هي مظهر لوجود حقيقي هو وجود الروح. ولما كان العلم الوضعي مقصورًا على معرفة الأشياء والظواهر الملحوظة قياسًا وتكميمًا، احتيج إلى ضرب آخر من المعرفة هي المعرفة الفلسفية لكي تكون موازية للعلم الوضعي؛ فتتولى النفاذ إلى عمق ذاك الوجود الحقيقي. وبهذا تحافظ الإبستيمولوجيا الفلسفية، في تقديرهم، على مشروعيتها إزاء العلم الوضعي. وهي إبستيمولوجيا كان قد لخّصها جون بياجي Jean Piaget (1980–1895) بقوله النقدي: «لا تقوم أبدًا على أساس التفكير في شرط الفكر العلمي بهدف الوصول إلى نظرية عامة في المعرفة، بل إنها تجتهد انطلاقًا من نقد يضع حدودًا للعلم، لكي تؤسس خارج حدود العلم صورة أخرى من المعرفة المختلفة عنه»14. أي أنها إبستيمولوجيا فلسفية لا تشتغل بوضع حدود المعرفة العلمية الوضعية، إلا من أجل تبرير تأسيس معرفة فلسفية حدسية، وحياتية تعنى بسؤال التجربة الروحية في مقابل العلوم الطبيعية التي تعنى بسؤال السلوك المادي الميكانيكي للأجسام.
وهذا رأي معجون بالتفلسف لا يتوانى عن الفصل بين علوم الطبيعة وعلوم الإنسان، انطلاقًا من ميل شديد إلى إنقاذ الفلسفة الميتافيزيقية من فشلها. فلا عجب من ألا تكون الذات لديه – وهو ينتصر للعلوم العقلية Geisteswissenschaften) (بما هي علوم نوعية – في ذاتها Sui generis) (جزءًا من الطبيعة، بل هي الشاهد والفاعل»15. ولا ريب في أن يكون هذا الرأي معرقلً لتقدم العلم؛ لأن في توقف أصحابه على تبيان قصور الأنموذج العلمي الميكانيكي تغَيُّب إمكان تأسيس علم ثوري جديد، يكشف عن الوصلات الممكنة بين علوم الطبيعة وعلوم الإنسان، كما تشهد على ذلك اليوم تفاعلات مناهج علوم الطبيعة وعلوم الإنسان في مختلف اختصاصاتهما. وهو ما يعني أن الفصل القطعي الذي أقاموه بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية لم يكن غير فصل من طبيعة ميتافيزيقية سليل الثنائية القديمة: النفس والجسد. فهذا هنري برغسون Henri Bergson (1941–1859) صاحب الديمومة الخلاقة La durée créatrice قد برع في نقد النزعة النفسية الفيزيائية، وفصّل القول في علاقة الروح بالجسد خلال وساطة الذاكرة تفصيلً، لا يخلو من حذق علمي ومراس منهجي، إذ يفترض أننا «إذا أمكننا التسلل إلى داخل دماغ يعمل وشهدنا الذرات التي تؤلف القشرة الدماغية وتتبادل مواضعها، وإذا كنا من ناحية أخرى نملك مفتاح علم النفس الفسيولوجي، عرفنا تفاصيل كل ما يجري في الشعور المقابل»16. فما الذي يمنع برغسون من أن يأمل في أن يكون هذا الفرض حقيقة علمية في المستقبل؟ ألم يعترف برغسون في الموضع نفسه بأن «يكون هناك تضامن بين الحالة الشعورية والدماغ فذلك مما لا شك فيه»؟17 وإذا كان التضامن واقعًا حقيقيًا، فكيف السبيل إلى معرفته معرفة علمية من غير فرض مبدئي يقيم توازيًا بين الدماغ والوعي، وسعي دؤوب لمد جسور التواصل بينهما على نحو علمي؟ ثم إن برغسون إذ يسرف في نقد ثيودول ريبوت Theodule Ribot (1839–1916) صاحب كتاب أمراض الذاكرة Les Maladies de la mémoire فإننا نجده يستعير منه منهجه العلمي: منهج الملاحظة المرضية لعقد فصل من كتابه المادة والذاكرة Matière et mémoire18 عالج فيه علاقة الذاكرة والدماغ وأمراضها كحالات الحبسة اللغوية Aphasie وفقدان الذاكرة Amnésie. فكيف نفهم هذا التذبذب الفكري لدى برغسون بين الاستفادة من المنهج العلمي لمعالجة بعض أمراض الذاكرة والإقرار بواقعية الترابط بين حالات الوعي والدماغ من جهة، ورفضه وجود علاقة توازٍ بينهما من جهة أخرى؟ لعلّ الميل إلى انتصاف الفلسفة من العلم هو الذي دفعه إلى تجاوز أرض العلم الميكانيكي، أرض قياس الفواصل المكانية المتتابعة كنقاط هندسية فوق فضاء هندسي متجانس، نحو ديمومة فلسفية روحية وضعية تقف إزاء هذا العلم الميكانيكي، حيث العيان المباشر الذي يمكّن الروح من «أن ترى
كل الأشياء في نقائها الأصلي، الأشكال والأصوات والألوان في العالم المادي، كما ترى لطائف حركات الحياة الداخلية»19. ولكن، هل بهذه الخصومة المنهجية التي تتردد بين منطق أحادي يختزل السلوك البشري وآخر ثنائي يفصل فصلً قطعيًا وقبليًا بين علوم الطبيعة وعلوم الإنسان، نستطيع أن نفلح في معالجة أمراض السلوك البشري، وأن نهيّئ للناشئة الأسباب الموضوعية، والمقاربات الاستراتيجية للإبداع الحضاري؟ الجواب بالنفي؛ لأن تقدم العلوم الاجتماعية والإنسانية وتفرعها إلى اختصاصات متنوعة يشهد على أن نجاح هذه العلوم ما كان ليحصل لو لم يوجّه علماؤها نظرهم إلى خصوصية مشكلاتها العلمية حصرا، وأن يوظفوا كل مكتسباتهم المنطقية والرياضية والعلمية من غير تمييز مسبق بين علم وعلم، لكي يقتحموا تلك الفجوات القائمة بين الجسدي والنفسي، وبين الفردي والجماعي، وبين طبقات المجتمع. فهاهنا يكمن حقًا التحدي العلمي. لذلك، لا ترانا نبالغ إن اعتبرنا أن اقتحام تلك الفجوات الوعرة يحتاج إلى تنزيلها في ضوء ثورتين علميتين معاصرتين: الثورة الفيزيائية الكمومية والثورة البيولوجية العصبية. ولقد أصاب سيرل في نصيحته قائلً: «يقتضي منك لكي تكون شخصًا متعلمًا في عصرنا هذا أن تحيط بهاتين النظريتين: النظرية الذرية للمادة ونظرية التطور البيولوجي»20. فالأولى سِفر معرفي في الكون الخارجي والثانية سِفر معرفي في الكون الداخلي للكائن الحي. فكيف مضت اختصاصات العلوم الاجتماعية والإنسانية قدمًا في سد تلك الفجوات الملغزة في السلوك البشري؟
ثانيًا: إشكالية مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية: فرضيات بحث وتناسبات بين العلوم
لقد وضحنا، فيما تقدم، كيف أن الخصومة المنهجية في العلوم الاجتماعية والإنسانية قد كشفت في بدايتها عن نزعتين فكريتين متعارضتين تميلان إلى إنشاء أنموذج كلي هرمي The Pyramid Model: أحدهما روحي يعتبر «تحت الأنا ذات الحالات المحددة والمتمايزة، ‘أنا’ أخرى فيها من التتابع ما ينطوي على التداخل والتنظيم والامتزاج»21. والثاني ذو نزعة حسية خبرية تردّ قوانين كل مجال علمي ومفاهيمه إلى مجال الفيزياء؛ لأن قوانينها كلية ومجالها أصلب أساس، كما تذهب إلى ذلك حسانية أرنست ماخ (1916–1838)، كما يبينه الشكل.)1(
الشكل (1) الأنموذج التراتبي للعلوم
Nancy Cartwright, The Dappled world a Study of the Boundaries of Science (Cambridge/ New York: Cambridge
ولكن ما إن حدثت ثورات في الفيزياء الكمومية، والعلوم المعرفية على وجه الخصوص، حتى استبدلت المقاربات الإبستيمولوجية المعاصرة بذاك الأنموذج الهرمي أنموذجًا شجري البناء للمعارف Modèle D’arborescence Des Savoirs Le، أو قل أنموذجا مرقطًا، أو مرصعًا، كما يوضحه الشكل.)2(الشكل (2) الأنموذج المرقط للعلوم
University Press, 1999), p. 7.
Ibid., p. 8.
وهو رسم، كما يبدو، يقوم على تعدد الاختصاصات وتفاعلها فيما بينها، سواء أكان من جهة المفاهيم أم من جهة تداخل مجالاتها المعرفية؛ وذلك بفضل ما تملكه من حدود مرنة مرونة البالونات تجعلها تتقلص حينًا، وتتمطط حينًا آخر، من أجل أن تتداخل مجالاتها جزئيًا أو تتطابق كليًا؛ فيحصل بذلك النفع المتبادل بينها في حل مشكلاتها العلمية من دون أن تفقد حدودها كلّيًا، أو أن تعتقد بوجود قوانين كلية تلفها جميعًا22. وسنجعل حديثنا يدور هاهنا على نقاط ثلاث: أولاها تتعلق بتفصيل القول في فرضيات ثلاث، أنطولوجية وإبستيمية وإيتيقية، نستمدها من ثقافة العصر العلمية والفلسفية. والثانية تنظر في العلاقة التناسبية بين العلوم الطبيعية والإنسانية. والثالثة تتعلق بما آلت إليه إشكالية مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية من بحث في وحدة موضوعاتها، ومقاصد استراتيجياتها.
1. إشكالية مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية: فرضيات بحث
معلوم أن كل خطاب علمي لا يخلو من فرضيات توجهه، فما فرضيات تعدد اختصاصات العلوم الاجتماعية والإنسانية؟ لا تخلو هذه الفرضيات من ثلاث:
أ– الفرضية الأنطولوجية
ومفادها أن الإنسان كائن طبيعي حي يتحيز، من حيث طبيعته الجسدية البشرية، في هذا العالم الخارجي المادي الذي يحيط به من كل جانب، ويشارك سائر الموجودات الأخرى من جمادات ونباتات وحيوانات في هذه الخاصية التحيزية المادية، وإن على نحو مختلف في الهيئة. وهذه فرضية، وإن كانت بديهيّة، فإننا نذكرها لتقويض فرضية اعتقادية تخلع على الإنسان وجودًا استثنائيًا مطلقًا، بضرب من التأمل العقلي الاستبطاني الخالص. إذ لا حجة في تقديرنا لمن يضفي على الإنسان وجودًا استثنائيًا مطلقًا؛ فينتزعه من ماديته، ويقطع صلته بالعالم الخارجي، جاعلً منه شبحًا أو ملاكًا. بيد أن نفي الاستثناء المطلق للوجود البشري لا يترتب عليه إرجاع طبيعته البشرية إلى جسم مركب من ذرات مادية محسوسة وملحوظة، كما يعتقد بعض الماديين بأن كل ما يوجد، هو بالضرورة، جسماني مادي خالص بما في ذلك الإنسان، نازعًا عنه اعتقاده في الحرية وسعيه الدائب لمقاصد إنسانية تخصه. وهذا رأي تدحضه الثورات العلمية المعاصرة. وذلك من جهة أنها حررتنا من الأنطولوجيا المادية، حيث لم يعد الفيزيائيون ينظرون إلى «مسارات الإلكترونات، ومفاهيم مماثلة، على أنها واقع، بل الأقرب إلى أن تكون نوعًا من الممكن [...] وأنها لا تمثل إلا الاتجاه نحو الواقع»23. وهذا يعني أن الوجود، وإن كان معطى لدينا، فإن علمنا به لا يزعم مطابقة حقيقته ورده كل الرد إلى جوهر مادي، بل يبقى نوعًا من الممكن، واتجاهًا نحو الواقع على الدوام. ولقد لخص سيرل وضعنا الأنطولوجي قائلً: «هنا تتضح لنا أنطولوجية وجودنا: فنحن نعيش في عالم يتكون تمامًا من مركبات
فيزيائية تتحرك في مسارات داخل شبكة من العلاقات تربط بين حقول الطاقة؛ اتسق بعضها داخل أنظمة، وبعض هذه الأنظمة أجهزة كائنات حية، وبعض من هذه الأجهزة قد نشأ عنها، وتطور الإدراك العقلي [...] والسؤال المطروح، الآن، هو كيف نفسر الوجود الزمني لوقائع اجتماعية داخل تلك الأنطولوجيا؟»24.
ب– الفرضية الإبستيمولوجية
وهي ناتجة من الأولى، نحتاجها في دراسة واقع العلوم الاجتماعية المتأزم في الوطن العربي25أكثر من غيره، وفحواها أن الشروط الإبستيمولوجية لقيام العلوم الاجتماعية والإنسانية وأدواتها الإجرائية تظل إرثًا علميًا إنسانيًا مشتركًا بين الأمم، وإن تنوعت موضوعاته الثقافية وتباينت. وبهذا، لما كانت هذه العلوم قد سبقت الثقافة الغربية إلى تأسيسها، فلا ينبغي، في اعتقادنا، أن يستحيي علماء العرب من الانفتاح على منجزاتها العلمية؛ ليستعيروا منها روح الممارسة العلمية وأدواتها الإجرائية، من دون خلفياتها الأيديولوجية وفرضياتها الاعتقادية، وتوظيفاتها الاستعمارية، ويزيدوا عليها من المفاهيم العلمية وآليات البحث المخصوصة وفق ما تقتضيه شروط الإبداع العلمي، لمعالجة إشكالاتهم الاجتماعية. ومن ثم تتضح لديهم الرؤية في النظرية والبحث المنهجي26، فلا يخلطون بين ما هو علمي وما هو غير علمي أو عقائدي أو أيديولوجي، ولا يصرفون همهم إلى استهلاك النظريات السائدة بعجرها وبجرها، ولا ينصرفون إلى اجترار «أزمة صراع بين الوحدة والانكفاء الذاتي، وبين التقليد والحداثة، وبين المطلق المقدس والنسبي العلماني، بين الانتماء إلى الجماعة والانتماء الأمة»27. ذلك أن الممارسة العلمية كونية تتوارثها الأمم وتزيد عليها بمقتضى خصوصية مشكلاتها.
ج– الفرضية الإيتيقية والمقاصدية
وفحواها أن الإنسان كائنٌ اعتقادي يعتقد أنه حر، وقصدي يقصد في وجوده تحقيق إنسانيته. فما من سلوك يأتيه هذا الكائن البشري، أو تصرّف يجريه، أو خطاب ينشئه أو علم يصوغه، أو تقنية يصنعها، أو اعتقاد يكنه أو رأي يصدع به، إلا ويحتاج إلى مبدأ الحرية والحكم الأخلاقي. أيكون كل ما صدر
عن هذا الكائن صدر عن شخص حر سوي ومسؤول، أم عن كائن عضوي صدورًا آليًا، قد يكون نتيجة علة مرضية أيًّا كانت طبيعتها؟ وأيكون كل ما صدر عنه قد زاده علوًا في مراتب الإنسانية، أم جرده من الإنسانية؟ فلا غنى عن مبدأ الحرية، ولا مندوحة عن الغاية الأخلاقية. بيد أنّ مبدأي الحرية والغاية الأخلاقية يخرجان بطبيعتهما الحدية عن أن يكونا موضوعين للدراسات العلمية الاجتماعية والإنسانية؛ لأن هذه الدراسات تنزل منزلة وسطى ما بين المبدأ والغاية – لتدرس ما يمكن أن يكون قابلً للتشخيص بوسائل الملاحظة، والقياس والصياغة الرمزية – وتقصد علاج أمراضه النفسية، والاجتماعية، والعقدية، والفكرية، حتى يسترد حريته وقيمته الإنسانية الأخلاقية والجمالية. فلولاهما لما تحضّر الإنسان، ولولاهما لكان وجوده أقرب إلى الجمادات والعجماوات. ولا يمكن، أيضًا، أن ننتقل من المبدأ إلى الغاية من غير المرور بوساطة العلوم جميعًا والتقنيات كافة؛ لأنها السبيل الأنفع لتعمير الأرض، وتنظيم العمران البشري، ومداواة أمراض النفس البشرية. بهذا تكون خصومة منهجية العلوم الاجتماعية والإنسانية، في تقديرنا، راجعة إلى خلط بين المجالات العلمية والفلسفية، والميتافيزيقية، والأنطولوجية، واللاهوتية28. فكيف يساعدنا وجوب التمييز بينها وتلك الفروض الثلاثة على معالجة إشكالية مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية، في ضوء اختصاصاتها الكثيرة والمتفاعلة والمتحاورة؟
2. إشكالية العلوم الاجتماعية والإنسانية: تناسبات مفهومية ومنهجية ومقاصدية بين العلوم
إنّ المتمعّن في العلوم الاجتماعية والإنسانية لا يجد كبير عناء في أن يدرك أن تفرعها إلى اختصاصات مثنى وثلاث، إنما يرجع الفضل فيه إلى تعاضد العلوم الرياضية والمنطقية، والفيزيائية الكمومية، والعلوم المعرفية جميعًا، ومن ثم نشأت مقاربات إبستيمولوجية تتوسل بأنموذجين علميين: الأنموذج الفيزيائي الكمومي، والأنموذج العصبوني، للتحلّل من الأخطاء المنطقية، نحو خطأ المقولة Mistake Category على حد عبارة جلبار رايل Ryle Gilbert29) 1976–1900(النقدية للنحو الميكانيكي Mechanics of Grammar The القائم على الثنائية الديكارتية30، حينًا،
والتخلص من الفروض الفلسفية الزائدة على اللزوم، شيئًا فشيئًا، نحو فرضية الظواهر المصاحبة مثلً، حينًا آخر31. ذلك أن هذين الأنموذجين قد حولّا إشكالية مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية من الطرح البسيط والمنظور الشفاف إلى طرح مركب، موضوعه بعيد الغور ومعتم وكثيف العناصر ومتشابك العلاقات. ولقد أصاب إليا بريغوجين وإيزابيلا استنجر في وصفهما هذا التحول الذي مس العلوم الفيزيائية، والعلوم الإنسانية على حد سواء بقولهما: «لقد كان العلم الكلاسيكي يهدف إلى منظور شفاف للكون الفيزيائي، حيث يمكنك أن تحدد السبب والنتيجة. ولكن لا يعود الأمر على هذا النحو عندما يصبح الوصف التصادفي العشوائي للواقع ضرورة. فنحن لا نستطيع الحديث عن السببية في كل تجربة فردية، بل نستطيع الحديث فقط عن سببية إحصائية [...] وذلك منذ ظهور ميكانيكا الكم»32. وكذلك الأمر يجري على العلوم الإنسانية، كما نلمس ذلك في قولهما التالي: «لقد اشتغل علم النفس الكلاسيكي بالنشاط الواعي والشفاف؛ أما علم النفس الحديث، فلقد أولى أهمية كبرى للاشتغال المعتم للاوعي»33. والمقصود أن موضوعي العلوم الطبيعية، والعلوم الإنسانية قد أصبحا يشتركان في ما يحملانه من عمق دفين معتم لا يمكن أن ننفذ إليه علميًا إلا إذا تجاوزنا الثغرات الفاصلة بين السطح والعمق. ولقد ذهب ميشال بيتبول Michel Bitbol إلى القول بأن ذاك التحول الذي طرأ على العِلمين قد أخفى علاقة تأثير متبادلة كنا قد نسيناها، فحواها أن الفصل القطعي بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية كما شاء له فيلهلم دلتاي Wilhelm34Dilthey (1833–1911)، وأن تأثير العلوم الأولى في الثانية كما أرادت السلوكية لم يستمر طويلً. فما إن استقامت العلوم الفيزيائية المعاصرة حتى انقلب الفصل بينهما إلى وصل، واستبدلت العلوم الإنسانية بتأثرها تأثيرها في العلوم الفيزيائية، كما يتضح لنا ذلك من خلال ما غنمه نليز بور Niels Bohr (1911–1855) في بحوثه الفيزيائية من قانون العلاقات الذي وضعه هارالد هوفدينج Harald Hoffding مبدأً أساسيًا لتأسيس علم النفس35. ومتى تقرر التشابه بين العلوم الفيزيائية المعاصرة والعلوم الاجتماعية والإنسانية، من حيث موضوعهما المعتم، انكشف لعلماء الطبيعة وعلماء الإنسان أن التحدي العلمي الحقيقي يكمن في بسط أنوار العقلانية العلمية على عتماتهما، ومن ثم سد الثغرات التي تستولي عليهما. ولقد لخصت سوزان بلاكمور Susan Blackmore إشكالية مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية العلمية، وحررتها من سوء الطرح وعبث البحث، حيث تقول: «هناك الكثير من الأشخاص الذين يدَّعُون أنهم قد وجدوا حلًّ
للغز الوعي؛ فهم يقترحون نظرياتٍ موحِّدةً عظمى ونظرياتٍ ميكانيكيةً كميَّة، ونظرياتٍ روحانيةً حول ‘قوة الوعي’، وغيرها الكثير، لكن أغلبهم يتجاهلون الفجوةَ العميقة أو ‘الهوَّةَ السحيقة’ بين العالمين المادي والعقلي؛ وما دام هؤلاء الأشخاص يتجاهلون تلك المشكلة، فإنهم لن يتعاملوا بفاعلية مع الوعي بأي حالٍ من الأحوال»36. فكان لا بد من تطوير البحوث المنطقية الرياضية، والأدوات القياسية التجريبية، ومراجعة آرائنا في مفهوم الواقع والحقيقية الموضوعية، حتى تحصل، في تقديرنا، تناسبات ثلاثة: مفهومية، ومنهجية، وإيتيقية، بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية والإنسانية. فلنبسط الكلام فيها تباعًا.
أ– تناسبات مفهومية
وتظهر لنا في المفاهيم التي تشترك في البادئة: الميكرو – والماكرو والميزو، كما أشرنا إلى ذلك في مستهل ورقة بحثنا. وهو ما يعنى أن المفهوم العلمي قد يرتحل من مجال علمي إلى مجال علمي آخر؛ فيكسب العالم قدرة على مفهمة مجال بحثه. وبهذا تنخفض حدة التعارض بين تجربة معيشية وظواهر فيزيائية، ويبطل القول بأن الأولى تأبى بحكم ماهيتها التجريد المفهومي والصياغة القانونية.
ب– تناسبات منهجية
وفحواها أن الخصومة المنهجية بين علوم الطبيعة وعلوم الإنسان في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كانت تقوم على فصل قطعي أنطولوجي بين موضوعات البحث، وتنعقد عند التعارض الجذري بين منهج التفسير والفهم. ولكن لما حدثت ثورات علمية جديدة في الفيزياء الكمومية والعلوم المعرفية، فقد ذاك التعارض معناه وقيمته المنهجية؛ إذ لم تلبث مدرسة كوبنهاغن أن أكدت أن وقائع الطبيعة لا تدرس علميًا باستقلال عن مسار القياس. ومن ثم استحالت تلك العلاقة الثنائية المنفصلة بين الذات الدارسة والموضوع المدروس في العلم الكلاسيكي إلى علاقة جدلية ثلاثية الأركان في الثورات العلمية المعاصرة: الذات الدارسة، وآليات الملاحظة والقياس، والموضوع المدروس. وإذا كانت خاصية الممارسة العلمية تنشأ، اليوم، في العلوم الفيزيائية، عن تعاضد تلك الأركان الثلاثة لبناء النظرية الفيزيائية، فكيف لا تصدق هذه الخاصية على العلوم الاجتماعية والذات الإنسانية المدروسة بالذات الدارسة أشبه وأعلق؟ هكذا يبطل الزعم القائل بأن ما يعيق قيام علوم اجتماعية وإنسانية هو استحالة محافظتها على ثنائية الملاحِظ والملاحَظ، التي كانت سائدة إبان تأسيس هذه العلوم. ومن ثم يصبح تبادل الأدوار بين التفسير والتأويل ضربًا جديدًا من العقلانية العلمية المعاصرة، سواء أكان طبيعيًا أم إنسانيًا؛ لأن ما من تفسير مقرون بالعلوم الطبيعة إلا وقد أصبح له نصيبٌ وافرٌ من الفهم والتأويل في الفيزياء الكمومية. ألا ترى أن الخصومة العلمية والإبستيمولوجية البارزة في الفيزياء المعاصرة التي نشأت
بين أقطابها المؤسسين: آينشتاين37 ونيلز بور38 وهايزنبرغ39 لم تكن لتعبر عن صراع بين آراء شخصية، بل كانت تعبر عن صراع بين تصورات للعالم، وللعلم لا تخلو من امتزاج التفسير بالتأويل. وهو ما دفع بور إلى وضع فكرة التكاملية Complémentarité التي تقوم على الجمع بين الصفة الموجيّة والصفة الجسيميّة للإلكترون. ولكنه لم يكن على وعي بأن فكرته تتضمن مبحثًا جديدًا Thêma Nouveau40. سيتحول، لاحقًا، إلى قادح عند العلماء على التحرر من ضيق المنطق الثنائي. وكذلك، يجري الأمر في العلوم الاجتماعية والإنسانية؛ فالتأويل الذي اختصت به هذه العلوم لا يستقيم أمره إلا بعماد تفسيري، وإلا وقع صاحبه سجين التأملات الميتافيزيقية اللاهوتية الخالصة. يقول فرويد (1939–1856) «فالمحلل (النفسي) الذي يصغي في هدوء وتأمل، دون إجهاد، إلى (تيار التداعي)، والذي له من الخبرة ما يعده للآتي، يستطيع أن يستخدم المعطيات التي كشف عنها المريض، وذلك وفق مسارين ممكنين، فإن كانت المقاومة طفيفة استطاع أن يستدل من التلميحات على المكبوت. وأما إن كانت المقاومة أشد، فإنه يقدر على تبين نوعها عبر التداعيات التي تبدو متباعدة عن الموضوع، وإذ ذاك يفسر تلك المقاومة للمريض»41. والناظر في هذه الثورات العلمية لا يخفى عليه أن يدرك وجود تشابه كيفي، ونوعي، بين موضوعات الفيزياء الكمومية والعلوم الاجتماعية، والإنسانية، تشابه ناتج من طبيعة مركبة من سطح ظاهر، وعمق خفي فوضوي. ولا يفوته، أيضًا، أن يستخلص من ذلك أن ما بين السطح الظاهر والعمق الخفي توجد مستويات متعددة، ومتداخلة بين الوعي واللاوعي لا يتحدد كل مستوى فيها إلا بالقياس إلى السلم الذي خصص له على نحو موضوعي. ولما أصبحت العلوم الطبيعية والإنسانية تشترك في تداخل منهجي: التفسير والفهم، بدا لنا أنها لم تعد تهتم بموضوعاتها من جهة كثافتها الأنطولوجية، بل من حيث حسن التعامل معها إجرائيًا. لذلك، كان عليها أن تنهض بمهمتين: أولاهما أن تعد العدة المنطقية لكي تنفذ من سطح الموضوع إلى عمقه الخفي؛ فتقف، في كل مرة، على مستوى من مستوياته وفق ما تقتضيه الصياغة المنطقية الرياضية. وهذه مهمة ندب إليها ستيفان لوباسكو نفسه لما أدرك بحدسه الثاقب أن فكرة الكمالية التي استندت إليها الثورة الفيزيائية الكمومية، لها من النتائج المنطقية الجديدة ما تساعدنا على فهم
الواقع المدروس. وأهم هذه النتائج مبدؤه الثالث المتضمن Le Tiers Inclus الذي يفيد وجود عامل ثالث ديناميكي مضاد يصاحب مبدأي: التجانس Homogénéité واللاتجانس Hétérogénéité، لكي يترجمهما إلى حالة توازن دقيقة؛ فينتفي، عندئذٍ، التناقض المطلق بينهما. يقول: «يجب أن نستبدل مبدأ التمامية المتناقضة بمبدأ عدم التناقض كأساس للمنطق»42 لكي يساعدنا على الولوج إلى العالم المجهري والعالم النفسي وعالم الجماليات. ومتى تحقق هذا الشرط المنطقي، لزم من ذلك أن تندرج كل معرفة في مسار هذا العلم الصوري المتقدم عليها، حتى تصبح قادرة على بناء ذاتها بوصفها فرعًا جديدًا من المعارف العلمية الإنسانية. وبهذا نحصل على أنموذج شجري للمعارف. لا يكون فيه «تجانس آليات التدليل وإجرائيات الحجاج على وجه العموم، مضمونًا، في الواقع، بشكل أفضل في العلوم الدقيقة منه في العلوم الإنسانية؛ فتأويل نتائجهما هو نفسه خاضع للمناقشة»43. والمهمّة الثانية أن تُطوّر أدواتها القياسية، حتى يصبح النفاذ إلى عمق الظواهر ممكنًا، لا تخمينات فحسب. وليس أبلغ دليل على ذلك من مقراب غاليلي في علم الفلك الحديث وآلات الرنين المغناطيسي ومختلف أنواع مسوحات الدماغ في علم الأعصاب. فكما أن الأول قد وحد السماء والأرض في علمين متعاضدين، هما علم الفلك وعلم الفيزياء، فإنّ الثانية قطعت شوطًا كبيرًا في الكشف عن تركيبات الدماغ، حتى صرنا نعتبر الحالات الذهنية ناتجة من مسارات عصبية بيولوجية تنجز داخل الدماغ في مستوى أعلى من التطور المنظم44، ونتحدث عن مستويات للوعي البشري المقرون بالضمير الأول (أنا) أنطولوجيًا، بعدما حسبناه، تحت التأثير الديكارتي، صفة جوهرية يختزلها الجوهر المفكر. فانظر إلى الوسائل المادية العملية كالبحوث الميدانية التصنيفية، والطوبولوجية، والسلاسل الإحصائية، والرسوم البيانية، والاختبارات القياسية، نحو قياس الذكاء عند وليام ستارن William Stern (1938–1871) والحصص العلاجية العيادية (نحو التداعي الحر عند فرويد)، وغير ذلك من الآليات، كيف تساعد العالم، في خطوة أولى، على التعامل الخارجي مع الظاهرة النفسية والاجتماعية، وتشخيص حالتهما، ثم الارتقاء إلى نحت المفاهيم الإجرائية نحو إجرائية بيرسي بريدجمان Bridgman Percy (1961–1882) الفيزيائية وإجرائية تولمان Tolman (1959–1886) النفسية45، يليهما وضع النماذج المثالية Types Ideals لفهم المعاني التي يضفيها الأفراد على تجاربهم المعيشية خلال علاقتهم بالتنظيم الاجتماعي، وفي فترة تاريخية محددة، كما نلمس ذلك عند ماكس فيبر46، ثم الخلوص إلى تخير نظام إحداثي نحو النظر إلى الشخصية، مثلً، من خارج، ومن ناحية الاتجاه
الانبساطي Extraversion axe ’ L، أو النظر إليها من ناحية الاتجاه الانطوائي من داخل L’axe Introversion، أو النظر إليها من جهات أربع: الفكر والحدس والإحساس والمشاعر كما ذهب إلى ذلك كارل يونغ متجاوزًا الاتجاهين المتقدمين في كتابه الأنماط النفسية47، أو التوسل بمقاربات توجيهية كالمقاربة التطورية التي فضلها جون بياجي للنظر إلى الذكاء من جهة مراحل تطوره خلال التفاعل بين النضج الداخلي لدى الطفل وتجارب المحيط الخارجي، أو المقاربة البيولوجية التطورية، أو المقاربة المعرفية، أو المقاربة البنيوية اللسانية، أو المقاربة الوظيفية أو المقاربة الميكرو اقتصادية وتوسلها بنماذج السوق أو السوق الأنموذج، أو المقاربة الماكرو – اقتصادية ونظرتها الشاملة إلى اقتصاد الأمم، أو مقاربة الاقتصاد الاجتماعي المعنية بالنظر إلى الإنتاج وتوزيع الخيرات من جهة أشكال تنظيم المشاريع، والعلاقات الاجتماعية القائمة بين الفاعلين الاقتصاديين وعلاقتهم بالسلطة، وبالإطار الثقافي والتاريخي الذين يحيون فيه، وغير ذلك من المقاربات. وهي كثيرة قد لا يتسع المجال هاهنا لعدها. والآن نستجمع تحليلنا فنقول: إنّ التناسبات المفهومية والمنهجية بين العلوم الفيزيائية المعاصرة والعلوم الاجتماعية والإنسانية قد ساهمت في تطوير الأخيرة، وإدراجها في نظام مجتمعي عالمي متعدد العلوم والاختصاصات، بحيث صار السؤال المعرفي يدور على كيفية توظيف المكاسب العلمية، والطرائق المنهجية، والأدوات التقنية لتحويل مسائل السلوك الإنساني، وتصرفه، وأمراضه، وأزماته، من الطرح الميتافيزيقي التأملي الثنائي إلى طرح معرفي متعدد الأبعاد، ومن ثم السعي الدؤوب إلى تفسير الفجوات القائمة بين النفسي والجسدي48 وبين الفردي والجماعي. ولا ضير أن تتفرع بحوث العلوم الاجتماعية والإنسانية إلى اختصاصات كثيرة، وأن تنشأ عن ذلك خصومات فكرية جديدة بين المدارس العلمية والتيارات الفكرية، ما دام الأمر يجري في نطاق تثوير البحث العلمي الذي يعد، في تقديرنا، السبيل الأجدى لمداواة أمراض النفس البشرية، وانحرافاتها الاجتماعية. وكيف لا نسعى إلى تثوير بحوثنا العلمية وتنويعها، ونحن نشهد «أن الزمن يحتل موضع المفتاح في أي مسعى يصل مجالي الترجمة المنتميين إلى جوانب طبيعتنا الروحية والفيزيائية»49. فلا يمكن أن نختزل سلوكنا وتصرفنا، وأن نسبك الوصلات القائمة بين النفسي والجسدي، وبين الفردي والجماعي، وبين الملكية الفردية والاقتصاد الاجتماعي، وغير ذلك من ثنائيات مسائل العلوم الاجتماعية والإنسانية، في مسار طولاني خطي آلي، قياسًا على ما طمح إليه لابلاس Laplace (1827–1749) في الميكانيكا السماوية؛ فنردها إلى ماضيها، أو نتوقع مستقبلها وفق قانون حتمي صارم؛ لأن في ذلك جهل بحقيقة الوعي القصدي، وبصيرورة المنظومات البيولوجية، والاجتماعية والاقتصادية المستبطنة لعدم التوازن، والفوضى، وعدم الاستقرار، حيث لا يمكن أن تكون فيها حالة الفرد أو الجماعة اللاحقة
استمرارًا لحالتهما السابقة، أو نسخة منها، بل ضربًا جديدًا من الكيفيات المركبة من الوعي واللاوعي، والتفاعلات الاجتماعية والثقافية؛ فهي أشبه بالمسارات الفوضوية اللاعكوسية في العالم المجهري الفيزيائي والكيميائي، التي لا يُعْلم من حقيقة اتجاهها الزمني إلا على سبيل الاحتمال والإحصاء؛ وإن أوهمنا ظاهرهما بالثبات والانتظام، كما نلمس ذلك خلال القانون الثاني للترموديناميك الذي أوّله بريغوجين تأويلً جديدًا يجمع بين أمور ثلاثة: مبدأ الاصطفاء، والتأويل الاحتمالي، واللاعكوسية كزيادة في الفوضى. ومن ثم خلص إلى «اعتبار الوعي بالزمن الموجه يتزايد مع تزايد مستوى التنظيم البيولوجي، وربما يصل إلى قمته لدى الوعي الإنساني»50. ولما كان لذاك المتصل الفضائي الزماني اتجاه نحو المستقبل، وأن الوعي البشري زمني تاريخي بالطبيعة، ظهر على الفور تناسب ثالث من طبيعة أخلاقية وسياسية بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية والإنسانية.
ج– تناسبات أخلاقية وسياسية
لقد قضى اكتشاف العلوم الفيزيائية المعاصرة، والعلوم الاجتماعية والإنسانية لاتجاه الزمن، بعودة الأفق الغائي والتقويم الأخلاقي والتدبير السياسي. ألا ترى أنه لو بقي الأنموذج الميكانيكي سيدًا على النشاط العلمي، لاستحال إلى آلية مغلقة لا حرية فيها ولا قدرة على الإبداع. بيد أن هذه العودة لا تعني نكوصًا عن العقلانية العلمية، بل إرساخًا لها؛ لأنها من صميم الممارسة العلمية المسؤولة من حيث أفقها الذي تتطلع إليه. فالفوضى اللّعكوسية في الظواهر الطبيعية المجهرية، وعمق السلوك النفسي اللاواعي، وجل الأزمات النفسية والاجتماعية والاقتصادية، ترجع جميعها مع فويرقات في الصياغة إلى نظام معقول لا بدّ من صياغته صياغة علمية، وإن على نحو احتمالي، وإلا عششت الخرافة في أذهان الناس نظريًا، واستبد بهم العجز عمليًا. والدليل أن الفكر الإبستيمولوجي والفلسفي النقدي المعاصر لم يتوان عن إنشاء ميثاق حواري أخلاقي بين الإنسان المعاصر والطبيعة. فهذا هانس يوناس قد ذهب، في كتابه مبدأ المسؤولية Le principe responsabilité، إلى اعتبار أن إفراط الفكر العلمي في الاصطناع من غير شعور بالمسؤولية قد أفرغ في قلب الإنسان الخوف من المستقبل، لأنه لا يدري على أي نحو تتصرف الطبيعة لاسترداد توازنها الطبيعي خلال صيرورتها الذاتية. لقد أحدث فيها انحرافًا بسبب تقنياته ونفاياته وسلطته السياسية المفرطة في الاستغلال. وبدلً من أن يتتبع بعلمه وتقنياته كيفية إنتاج النظام المعرفي من الفوضى والتشويش الطبيعيين، خرق الحلقة الواصلة بينهما، ولم يجن مما فعل غير فوضى من صنع يده؛ فنسي أن الطبيعة لم تعد صامتة، كما هو الحال في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بل أصبحت تكلمه، وتحاوره وترد
الفعل على نحو غير مباشر. وبذلك، لم تعد موضوع بسط السيادة والاستغلال، بل صارت موضوع مسؤولية إنسانية، والمسؤولية جزء من وجود الإنسان. لذلك فهي تحتاج إلى حوار جديد وفق مبدأ أخلاقي كان قد صاغه يوناس على النحو التالي: «ليكن فعلك على الوجه الذي يجعل من آثاره تصون الحياة الإنسانية الأصيلة على وجه الأرض»51. وقد أصاب بريغوجين واستنجر في تلخيصهما لهذا التناسب الأخلاقي والسياسي بين العلوم الطبيعة والعلوم الإنسانية، بقولهما التالي: «لم يعد مقبولً الفصل القبلي بين القيم العلمية والقيم الأخلاقية. كان هذا ممكنًا عندما كان العالم الخارجي وعالمنا الداخلي يبدوان وكأنهما في صراع يكاد يكون تقريبًا متعامدًا، واليوم إننا نعلم أن الزمن هو بناء، ولذا فهو يحمل مسؤولية أخلاقية»52.
ثالثًا: إشكالية مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية بين وحدة الاختصاصات ومقاصد الاستراتيجيات
إذا كانت العلوم الفيزيائية والكيمائية والعلوم الاجتماعية والإنسانية قد أطلعتنا على كثرة الاختصاصات نتيجة موضوعاتها المركبة بين الظاهر والخفي، والثابت والمتحول، بحكم اتجاهها الزمني نحو المستقبل، فإن السؤال الإبستيمولوجي الذي تطرحه اليوم على العلماء والإبستيمولوجيين يدور على وحدة هذه الاختصاصات؛ ما مصدرها؟ وما شروطها؟ وما مقاصدها؟ أتحملنا الثورات العلمية الحديثة والمعاصرة الطبيعية، والإنسانية إلى فوضى الاختصاصات، بعد أن حطمت ذاك التحالف القديم الإحيائي والأسطوري ونظرته الكلية الجامعة، أم تدفعنا إلى البحث عن أساس أنطولوجي جديد نابع من الممارسات العلمية نفسها؟ لعل الفرضيات الثلاث المذكورة سلفًا تساعدنا على ترجيح الفرض الثاني، وذلك على اعتبار أن وحدة المعارف، قديمًا ووسيطًا وحتى حديثًا، قد كانت مشدودة إلى مبدأ فلسفي من خارج الممارسة العلمية، سواء أكان هذا المبدأ ميتافيزيقيًا أم محايثًا أم خبريًا. ولما مضت الثورات العلمية الطبيعية والإنسانية قدمًا في التطور، وتوسيع مجالاتها، والاستزادة من تفرعاتها، لزم من ذلك أن يطلب أساس وحدة الاختصاصات العلمية من داخل ممارساتها العلمية نفسها.
1. مبدأ وحدة اختصاصات العلوم الاجتماعية والإنسانية وتجلياتها
أ– مبدأ وحدة الاختصاصات
من مفارقة البحوث العلمية المعاصرة أنها تدفعنا إلى تفتيت الوقائع المدروسة إلى مجالات أشبه بغرف طوابق متراكبة البناء تقابل حدودها الظاهرة حدود اختصاصاتنا العلمية، ثم تجبرنا على الالتزام
بالبحث عن التفاعلات والآليات المشتركة53 بينها، بغية إنشاء وحدة ناظمة للاختصاصات جميعًا. ومع ذلك، يمكن تجاوز هذه المفارقة، ولكن من داخل الاختصاصات العلمية، وإلا خرجنا نطلب وحدتها في مبدأ فلسفي ما ورائي أو محايث أو خبري. فمن أين يطلب مبدأ وحدة الاختصاصات العلمية؟ إذا نحن استحضرنا أسباب كثرة الاختصاصات العلمية الراجعة إلى الوصلات الممكنة بين الظاهر السطحي والعمق الخفي، وإلى اتجاهاته نحو المستقبل، استبان لنا أن المبدأ الذي تنعقد عنده وحدة الموضوعات وبه تتحد الاختصاصات ذو وجهين: وجه أنطولوجي وآخر معرفي. أما الوجه الأنطولوجي، فيأخذ صورتين. أولاهما تخص مبدأ الوجود الإنساني وغايته، أي حريته ومسؤوليته الأخلاقية. إنه الكائن الحر الوحيد الذي أنتج هذه الاختصاصات. وهو، أيضًا، المسؤول الوحيد، عن إنتاجها أخلاقيًا وسياسيًا. والثانية تتعلق بنشاطه المعرفي، وفحواها أن أعراض الإنسان، وأزماته وتركيباته العصبية كلها تقبل التعقل والفهم، والتعبير عنها بلغة علمية في بناء نظري ولو كان ذلك يسيرًا. أما الوجه المعرفي، فيبرز لنا، أيضًا، من خلال صورتين. أولاهما أن البناء النظري في المعرفة العلمية لا يجري كيفما اتفق، بل يستند إلى منهاج قوامه أن العالم، إذ يشرع في اشتغاله بالمشكل العلمي القائم، فإنه لا يهتدي إلى حله إلا بالتقاط الظواهر، والحالات المدروسة القابلة للتعميم التقاطًا حدسيًا، لكي يُمفهمها، ويترجمها إلى فرضيات أو مسلمات تصلح أن تكون منطلقًا لبناء نظريته، ثم يختبر نتائجها تجريبيًا. والثانية أن الأنساق العلمية، وإن بدت كثيرة، ومتنوعة بحكم تاريخيتها وصيرورة موضوعاتها، فإنه من الممكن أن يتراكب بعضها فوق بعض، بحيث يكون النسق العلمي الأخص حالة خاصة، أو حالة حدية من النسق الأعم، أو قل إنّ النسق الأعم يطوق النسق العلمي الأخص من أسسه ثم يمضي به قدمًا إلى الأمام. مثال ذلك العلوم المعرفية التي صارت تجمع عدة مجالات معرفية: علم النفس، والعلوم العصبية، والذكاء الاصطناعي، وفلسفة العقل. ولقد لخص باسكال (1662–1623) هذا المبدأ في صورتيه الأنطولوجية والمعرفية، حيث يقول: «إذا كانت جميع الأشياء مسبِّبة ومسبّبَة، مساعِدة ومساعَدة، مباشرة وغير مباشرة، وكانت جميعها متصلة برباط طبيعي وغير محسوس يربط أبعدها، وأكثرها اختلافًا، فإني أجزم باستحالة معرفة الأجزاء دون معرفة الكل أو معرفة الكل دون معرفة الأجزاء بوجه خاص»54. ولكن مع وجود فارق في المرجعية الفكرية بين ما يستند إليه هذا التلخيص الباسكالي ووحدة الاختصاصات التي نطلبها. ذلك أن الأولى ترجع إلى تصور لاهوتي ديني، أما الثانية فتقوم على تصور وضعي لمطلب وحدة الاختصاصات العلمية. وبهذا لا يكون اقتران شرط معرفة الكل بمعرفة الأجزاء، وكذلك العكس، معقولً، ودالً على
عقلانية علمية حداثية أصيلة، إلا إذا تحققت الوصلات بين ظاهر السلوك البشري وباطنه الخفي على نحو يشفي الإنسان من أمراضه، ويصلح أحواله الاجتماعية والاقتصادية ويهيئه إلى إبداعات مستقبلية واعدة.
ب– تجليات وحدة الاختصاصات
إنّ وحدة الاختصاصات العلمية في العلوم الاجتماعية والإنسانية لا يمكن أن تظهر لنا إلا إذا ترجمنا ذلك الأنموذج الشجري المعرفي المتنوع المذكور سلفًا إلى حزم معرفية ثلاث، هي: تعدد الاختصاصات Pluridisciplinarité: ونعني بها أن يكون مجال الاختصاص العلمي واحدًا، والطرق إلى معالجته كثيرة. ذلك أن الإطار المفهومي لكل اختصاص علمي سواء كان طبيعيًا أو إنسانيًا، إذ يقوم على مبادئ وفروض بحث، ويتوسل بمفاهيم، وأدوات قياس إجرائية لبناء الظاهرة المدروسة وتحليلها، وبذلك يتميز من غيره من الاختصاصات العلمية، فإنه لا يلبث أن يتوسع كلما امتدت الظاهرة المدروسة إلى تفاصيل جديدة؛ فينشأ عن ذلك اختصاصات علمية تحتية أو فرعية، مثلما نلمس ذلك، مثلً، في علم النفس الذي تفرع إلى علم النفس المعرفي، وعلم النفس الاجتماعي، وعلم النفس العيادي، وقس على هذا اختصاصات العلوم الاجتماعية الأخرى التي تتميز، بدورها، بإطار مفهومي يخصها، وتتوزع إلى اختصاصات فرعية داخلية. تعالق الاختصاصات Interdisciplinarité: وتدور على نقل الطرق المنهجية ومفاهيمها من اختصاص إلى اختصاص آخر. ولا يعني هذا أن المعارف العلمية تتراكم في مسار خطي، بل تتفاعل فيما بينها، وذلك من أجل أن تتوسع لسد الثغرات بين السطح والعمق. ذاك ما قام به جون بياجي «لما حلل ميلاد الحكم الأخلاقي لدى الطفل، حيث كشف لنا عن أن المقولات الاجتماعية انتقلت إلى مجال الأشكال المنطقية التي نظمت ذاك الحكم»55. الاختصاصات العابرة للحدود المعرفية Transdisciplinarité: وتقوم، في تقدير جون بياجي، على عبور الاختصاصات المعرفية نحو إنشاء نسق شامل للاختصاصات جميعًا من غير حدود ثابتة56. وذلك من أجل فهم عالمنا الحاضر وتوحيد معارفنا. ويترتب على ما تقدم أن اختصاصات العلوم الطبيعية والإنسانية والاجتماعية لم يعد بعضها مفصولً عن بعض، بل أصبحت تتفاعل فيما بينها وفق مقاربات استراتيجية ذات مقاصد إنسانية.
2. المقاربات الاستراتيجية ومقاصدها الإنسانية في العلوم الاجتماعية والإنسانية
لما تقرر أن إشكالية مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية أصبحت تبسط وفق أنموذج علمي معاصر يقيم، بدلً من القطيعة والفصل، علاقات تناسبية، مفهومية ومنهجية وإيتيقية بين العلوم بهدف توسيع
نطاق البحث العلمي، وإكساب الإنسان الأسباب الحقيقية للتحرر من الوهم نظريًا، ومن العجز عمليًا، ترتب على ذلك أن وحدة الاختصاصات العلمية، وإن استمدت مبدأ وحدتها من الوجود الإنساني أنطولوجيًا ومن خصائص الخطاب العلمي إبستيمولوجيًا، فإنها لا تكتسب قيمتها المعرفية إلا إذا انتقلنا من وظائف مناهجها العلاجية الموضوعية إلى وظائفها الاستراتيجية الذاتية لتحقيق مقاصد إنسانية. فما صورة هذا الانتقال؟
أ– الوظيفة المنهجية العلاجية الموضوعية
إذا انطلقنا من تلك الحزم المعرفية المذكورة سلفًا، أدركنا أن صفة الموضوعية قد أصبحت تشمل اختصاصات العلوم الاجتماعية والإنسانية، لأنها لم تفقد شرط التوسل بمناهج دقيقة الصياغة ومعلومة الإنجاز، تساعدها على حسن التعامل مع ما يظهر من الحالات المرضية النفسية، والأزمات الاجتماعية، والاقتصادية؛ ولم تخل من إصابة هدفها العلاجي بكل موضوعية، وإن على نحو مؤقت. ألا ترى اليوم أن العلوم المعرفية بمجالاتها العديدة قد قطعت شوطًا بعيد الغور في النفاذ إلى الوصلات الممكنة القائمة بين الجسد والوعي، ومن ثم أمكن لها أن تداوي أمراضًا وقصورًا في الأجهزة العصبية الدماغية؟ ولكن من غير أن نزعم، كما يذهب أنصار هذا الاختصاص، أن حقيقة الإنسان يلخصها الإنسان العصبوني L’homme Neuronal؛ لأن موضوعية هذا البحث تبقى محدودة بتلك الوسائل الإجرائية التي تطلعنا على وصلة ممكنة من إمكانات لا متناهية من الوصلات بين الوعي والجسد. وبهذا تكون الموضوعية في العلوم الاجتماعية والإنسانية، وحتى في العلوم الفيزيائية، متجهة نحو ذاتيتين: ذاتية طبيعية وذاتية إنسانية. أما الأولى فنعني بها أن الواقع قد أصبح يتوزع إلى جهات كان قد عدها هايزنبرغ ثلاثًا57، هي على التوالي: مستوى حالات الأشياء القابلة للتموضع باستقلال تام عن مسار المعرفة مثل الفيزياء الكلاسيكية؛ ومستوى حالات الأشياء الموصولة بمسار المعرفة، نحو الفيزياء الكمومية والبيولوجيا وعلم النفس؛ ومستوى حالات الأشياء التي نبدعها باتصال مع مسار المعرفة، نحو التجربة الدينية، والتجربة الإلهامية، وتجربة الاعتقاد في وجود الإله. وبهذا تتحدد الذاتية من داخل الممارسة العلمية باعتبارها ذاتًا عالمة تحدد بأدواتها الراصدة ما تراه، من غير زعم أنّ ما تراه هو ماهية الواقع كما يظهر لنا في المستوى الثاني من الواقع. وأما الذاتية الإنسانية فهي وجه بيني Interface بين العالم والثالث الخفي Tiers Caché58 الذي يطابق المستوى الثالث من الوقائع المذكورة آنفًا، من حيث إنه غير قابل للتموضع، وإن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يتميز من الموجودات الأخرى بما يحمله من نقص في الوجود، وطموح في
تداركه في مختلف تجاربه، بفضل ما أوتي من حرية. هاهنا لا بد من مقاربة استراتيجية تتعاضد فيها مناهج العلوم جميعًا من أجل مواجهة هذا النقص الوجودي الإنساني.
ب– مقاصد الدراسات الاستراتيجية
لما كان النقص الوجودي عند الإنسان لا يقتصر على وجهه الطبيعي الذي يُتَغلب عليه بوظيفة مناهج العلوم الإنسانية والاجتماعية العلاجية، بل يضم في صميمه نقصًا وجوديًا قيميًا، احتاج إلى مقاربة استراتيجية. وإذا كان مفهوم الاستراتيجيا مفهومًا إجرائيًا عمليًا يعني، في دلالته الحربية الأصلية، فنّ تنظيم المعركة الحربية والتخطيط لها وقيادتها إلى تحديد مواطن ضعف العدو وتحقيق الغلبة عليه، فإن انطباقه على العلوم الإنسانية يحافظ على صورته من دون مقصده. أي يحافظ على صورته القائمة على الجمع بين ثالوث من المكونات: الموقع الاستشرافي، والوسائل الإجرائية الممكنة، والغاية المنشودة. ولكن من غير أن يكون مقصده تحديد مواطن ضعف الموضوع المدروس الذي هو الإنسان من أجل السيطرة عليه واستغلاله؛ لأن غايته في العلوم الإنسانية والاجتماعية تمتد وراء المهمة العلاجية، لتهيئ المجال للذات المدروسة في أبعادها جميعًا، النفسي والاجتماعي والاقتصادي... إلخ، حتى تكون قادرة على إبداع الحدث الإنساني. وبهذا تكون المقاربة الاستراتيجية منسجمة مع موضوع العلوم الإنسانية، لا بما هو ظاهرة مرضية ذات تركيبات عصبونية فحسب، بل بما هو حدث إبداعي يعرب عن تعريف جديد للإنسان، إنسان العلو والتسامي Homme Transcendant. بيد أن هذه المقاربة الاستراتيجية لا تكون مجدية، في تقديرنا، إلا إذا أرسيت لها المؤسسات التعليمية، وعقدت لها المؤتمرات الفكرية، وتولى أمرها اتحاد بين العلماء المختصين والفلاسفة الإبستيمولوجيين والساسة الديمقراطيين، في ضوء تصور إبستيمولوجي جديد مفتوح على تعدد أبعاد التجربة الإنسانية وتنوع خصوصياتها الثقافية. ولعل هذا يعد، حقًا، شرط قيام علوم اجتماعية وإنسانية في المجتمع العربي. ومن غريب مكتسبات التاريخ الإنساني الثقافي الحضاري أن تزودنا بمنطق ثلاثي القيمة، يصلح أن يكون أنموذجًا توجيهيًا جديدًا للفكر، يخلصنا من التصادم القطبي بين الحدود المناقضة، وينبهنا إلى أن إشكالية العلوم الإنسانية واحدة في الفكر العربي والغربي على السواء، وإن بدت أعراض أمراضهما مختلفة، بحيث يكون في الإمكان أن يظفر فيه الأول بعدّة نظرية وفكرية تحرره من تطويحٍ واهمٍ وتطويفٍ حالمٍ ناتجين من اغتراب ماضوي أو استلاب حداثوي؛ ومن ثم لا يجد حرجًا في تلقي مكتسبات الحضارة الغربية العلمية والتقنية حتى يعمر أرضه ويبني مدينته ويحفظ للإنسان وجوده المادي والروحي. ويغنم الثاني منه – وهو منتجه – وعيًا نقديًا جديدًا يوقفه على زيف تمركزه الذاتي الحضاري المغلق الذي أهلك بعولمته الماكرة الحرث والنسل؛ فلا يفوته أن ينفتح على رؤى أخرى قد
تكون أبعد غورًا في التجربة الإنسانية وأغنى معنى مما ظن أنه خلاصة الإنسان (البعد المادي) وغاية مبتغاه (النفع المادي).
خاتمة
في ختام هذه الورقة البحثية، نستخلص ما يلي: لقد طرحت إشكالية مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية منذ تأسيسها إلى اليوم في ضوء أنموذجين علميين. أولهما أنموذج كلاسيكي قائم على منطق ثنائي قطعي، ومسلمة الفصل بين العلوم الطبيعية والإنسانية؛ فانتهى إلى صراع فكري غلبت عليه الفروض الفلسفية الجدالية والنزعات الوثوقية المفرطة (المادي ≠ الروحي) أكثر من السعي لمعرفة حقيقة السلوك الإنساني وتصرفه. وثانيهما أنموذج علمي معاصر مفتوح يمتح من الثورات العلمية الصورية والفيزيائية والعلوم المعرفية جميعًا؛ لكي يخلص إلى مشروعية إنشاء تناسبات مفهومية ومنهجية وإيتيقية بين العلوم لأجل النفاذ إلى الوصلات الكامنة بين سطح الظاهرة الإنسانية وعمقها الخفي قدر الإمكان. ومن ثم النهوض بمهمتين، مهمة علاجية وأخرى استراتيجية. وبهذا لم تعد إشكالية العلوم الاجتماعية والإنسانية إشكالية تأسيسية تدور على استخلاص منهج مخصوص، بل إشكالية توحيد اختصاصاتها المتشظية في حزم معرفية قائمة على التكثر المستمر، والتفاعل المستقر، والعابرة للحدود المعرفية، لكي تنظر إلى الإنسان باعتباره كائن حرية، ومسؤولية أخلاقية. لا تظهر حريته، ولا تتجلى قيمته الأخلاقية والسياسية إلا في تجربة وجودية ذات أبعاد خمسة متتالية، ومتفاعلة، ومتحاورة، هي العلمي والإبستيمولوجي والميتافيزيقي والأنطولوجي والديني الروحي.
References
المراجع
العربية
باسكال، بليز. خواطر. ترجمة أدوار البستاني. بيروت: اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، 1972.
برغسون، هنري. الضحك. ترجمة علي مقلد. بيروت: المؤسسة الجامعة للدراسات والنشر والتوزيع، ________. المادة والذاكرة، دراسة في علاقة الجسم بالروح. ترجمة أسعد عربي درقاوي. مراجعة بديع الكسم. دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1985.
بركات، حليم. المجتمع العربي في القرن العشرين، بحث في تغير الأحوال والعلاقات. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2000.
بريغوجين، إليا وإيزابيلا استنجر. نظام ينتج عن شواش. ترجمة طاهر بديع شاهين وديمة طاهر شاهين. دمشق: منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب،.2008
بلاكمور، سوزان. الوعي مقدمة قصيرة جدًا. ترجمة مصطفى محمد فؤاد. القاهرة: مؤسسة هنداوي للنشر، 2016.
دوركايم، إميل. علم اجتماع وفلسفة. ترجمة حسن أنيس. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1966. زكريا، إبراهيم. برجسون. ط 2. مصر: دار المعارف، 1968.
نحو علم اجتماع عربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1986.
سيرل، جون. العقل مدخل موجز. ترجمة ميشال حنا متياس. سلسلة عالم المعرفة 343. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2007.
________. القصدية بحث في فلسفة العقل. ترجمة أحمد الأنصاري. بيروت: دار الكتاب العربي، ________. بناء الواقع الاجتماعي من الطبيعة إلى الثقافة. ترجمة وتقديم حسنة عبد السميع. مراجعة إسحاق عبيد. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2012.
________. رؤية الأشياء كما هي، نظرية للإدراك. ترجمة إيهاب عبد الرحيم علي. سلسلة عالم المعرفة 426. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2018.
فرويد، سيغموند. حياتي والتحليل النفسي. ترجمة مصطفى زيور وعبد المنعم المليجي. القاهرة: دار المعارف،.1994
هاينزبرغ، فيرنر. الفيزياء والفلسفة. ترجمة صلاح حاتم. اللاذقية: دار الحوار للنشر والتوزيع،.2011
الأجنبية