Return to Article Details Contemporary Perspectives of the Umma: An Analytical Study of the Umma in Modern and Contemporary Arab Thought by Nasif Nassar

مراجعة كتاب تصورات الأمة المعاصرة: دراسة تحليلية لمفاهيم الأمة في الفكر العربي الحديث والمعاصر لناصيف نصار

Book review Contemporary Perspectives On the Umma: An Analytical Study of the Umma in Modern and Contemporary Arab Thought by Nasif Nassar

محمد حلمي عبد الوهاب

Mohamed Abdel Wahab

الملخّص

اسم المؤلف: ناصيف نصار. عنوان الكتاب: تصورات الأمة المعاصرة: دراسة تحليلية لمفاهيم الأمة في الفكر العربي الحديث والمعاصر. الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة/ بيروت. سنة النشر: 2017. عدد الصفحات: 528 صفحة.

Abstract

Author's Name: Nassif Nassar Book Title: Contemporary Perspectives On the Umma: An Analytical Study of the Umma in Modern and Contemporary Arab Thought Publisher: Arab Center for Research and Policy Studies Year of Publication: 2017 Number of Pages: 528 pages

الكلمات المفتاحية:
  • الأمة
  • الدولة
  • الفكر العربي المعاصر
Keywords:
  • Nation
  • State
  • Arab Thought

اسم المؤلف: ناصيف نصار. العربي الحديث والمعاصر. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات: 528 صفحة.

عنوان الكتاب: تصورات الأمة المعاصرة: دراسة تحليلية لمفاهيم الأمة في الفكر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

يعتبر ناصيف نصار من أبرز من ساهموا في وضع أسس وطيدة في البحث الفلسفي العربي، تنطلق من مشروع نقدي تحليلي يتغيَّا إحداث نهضة عربية ثانية. ضمن هذا السياق العام ينخرط كتابه تصورات الأمة المعاصرة، من أجل «شق طريق للتفلسف المستقل في الثقافة العربية»، وفق «مرجعية كونية» يعللها، في مقدمة كتابه، بالقول: «لأن الفلسفة كونية الموضوع والمرمى. إلا أنني، ارتكازًا على نظرية الواقعية الجدلية التي أعتمدها للنظر في ظواهر الواقع الاجتماعي التاريخي، لا أجد ما يسوّغ الخلط بين وحدة البشر النوعية [من جهة] ووحدتهم المجتمعية التاريخية التي تزعم العولمة أنها دخلت بقوة في أولى مراحلها [من جهة أخرى]» (ص. 7) على صعيد آخر، يشير نصار إلى أن هذا الكتاب «جزء من مشروع علمي كبير لدراسة فكرة الأمة في التاريخ البشري، لا من أجل فلسفة قومية للتاريخ بأسره، بل من أجل توظيف الدراسة السوسيولوجية المقارنة للأفكار توظيفًا تحليليًا ونقديًا، من شأنه أن يمكننا من بسط سلطة العقل على مشكلة الوجود القومي، ومعها مشكلة الدولة الوطنية» (ص. 8). وتبعًا لذلك، يمكننا، من خلال هاتين الزاويتين: انخراط كتابه ضمن رؤيته الفلسفية من جهة، وكونه جزءًا من مشروع أكبر لدراسة فكرة الأمة في التاريخ البشري برمته من جهة أخرى، أن نقارب مركزية مفهومَي الأمة والسلطة، ضمن تضاعيف مشروعه.

في ما يتعدى الأيديولوجية القومية

يدور الكتاب في جوهره على موضوع من موضوعات الأيديولوجية القومية؛ ألا وهو تصورات الأمة، لكنه لا يعني بذلك التصور المنطبق على الأمة العربية فحسب، وإنما كل تصور نظري للأمة، سواء أكان مبررًا للأمة العربية وخادمًا لها، أم كان مبررًا وخادمًا لما هو أصغر منها (الأمة الوطنية)، أو أكبر (الأمة الإسلامية.) ولذلك لا ينفك المؤلف يؤكد أن كتابه، في غير ما موضع منه، هو «في ميدان التأريخ العلمي للتصورات الأيديولوجية»، مدفوعًا في ذلك ب «الرغبة في الوصول إلى معرفة أشد مطابقة للواقع من المعرفة التي توفرها الاهتمامات البحثية المنحصرة في دائرة الأيديولوجيا القومية العربية، والرغبة في تعميق الأيديولوجيا القومية العربية بمشكلاتها النظرية الأساسية» (ص. 11) ولعل مما دفعه إلى ذلك إيمانه بأن واقع فكرة الأمة عند العرب المحدثين والمعاصرين أوسع وأعقد مما تنزع إلى أن تتصوره «الأيديولوجية القومية العربية»، التي لا تنفك تتعامل مع مفهوم «الأمة» بضروب من الطمس أو الاختزال أو التمويه أو الاستخفاف. ومن هنا، تميزت وجهة هذا الكتاب من وجهة الكتب التي تقتطع لنفسها جزءًا من الواقع التاريخي لفكرة الأمة عند العرب المحدثين والمعاصرين؛ كالمؤل ف الاستطلاعي الذي أشرف عليه السيد ياسين (2017–1933)، في عام 1980، بعنوان تحليل مضمون الفكر القومي العربي، وكتابات عبد الرحمن الرافعي (1966–1889)، وعبد العزيز الدوري (1919–2010)، وغيرهم. ولذلك تشمل مادة التحليل، في الدرجة الأولى، مختلف «النصوص التي تطرح تعريفات للأمة بكيفية صريحة أو ضمنية، مبلورة أو غير مبلورة، وفي الدرجة الثانية النصوص التي تقدم أي عنصر يمكن استغلاله لتركيب تصور معين للأمة» (ص. 12)

وهذه النصوص الأخيرة، تتوزع بين مقال صحافي، وفصل من كتاب، أو محاضرة، أو خطاب سياسي، فضل عن أنها تختلف اختلافا بينًا من ناحية الشكل أو المضمون؛ إذ يطرح بعضها عاملً واحدًا من عوامل تكون الأمة، وبعضها الآخر – وهو الأكثر – يطرح جملة من العوامل أو المقومات من دون إجماع أو شبه إجماع عليها، فيتوسع بعضها في شرح المفهوم وعلائقه بمفاهيم أخرى تتقاطع معه، في ما يقتصد بعضها الآخر في الشرح، أو يكتفي بالتلميح والإيحاء والتضمين، وغير ذلك. وتبعًا لذلك، لا يمارس المؤلف، في معرض تحليله تلك النصوص، النقد باسم نظرية مقررة في الأمة والقومية، بقدر ما يمارسه «في حدود ما يسمح به منهج تحليل الأنساق الموضوعية الحاملة لمعنى أو لمعاني تصور الأمة في تأليف معين» (ص. 16)

في المنهج

استبعد المؤلف، تبعًا لاتساع رقعة المواد التحليلية، «إقامة تصنيف للنصوص على أساس المرحلة التاريخية، أو على أساس الإقليم أو القطر، أو على أساس التيار أو الأيديولوجيا، أو على أساس المؤلِّف أو المعبِّر» (ص. 13)، مركزًا في المقابل على الجوانب النظرية العامة، لا التطبيقية، لتصورات الأمة في الفكر العربي الحديث والمعاصر. كما اتبع المؤلف منهج تحليل الخطاب في معالجة تصورات الأمة في الفكر المعاصر. ويقوم هذا المنهج على تحليل أربعة أنساق تتكامل في حمل معاني فكرة الأمة، وهذه الأنساق هي: نسق المقومات، ونسق العلاقات؛ أي مقومات التصورات الذاتية وعلاقاته بمجموعة التصورات المحيطة والمتصلة به على الوجه السلبي أو الإيجابي، ونسق العوامل، ونسق الوظائف؛ أي عوامل تكوين التصور ووظائفه المختلفة من حيث هو تصور أيديولوجي جمعي (ص. 15) إلا أن اتباعه منهج «التحليل النسقي» لا يفترض أن يكون النسق محكَمًا أو منغلقًا، بل يفترض أن يكون مضمون التصور الأيديولوجي منظمًا تنظيمًا ما؛ أي متألفًا من مقومات خاضعة لعلاقات ترابط وتراتب معينة، كما يفترض أن عوامل التصور الأيديولوجي ووظائفه خاضعة بدورها لقدر ما من الترابط، وهو ما يبدو جليًا من خلال حديثه عن التصورات الأربعة الرئيسة لمفهوم الأمة في الفكر العربي الحديث والمعاصر.

التصورات الرئيسة لمفهوم الأمة

إزاء الأنساق الأربعة التي تتكامل في ما بينها لبناء «تصورات الأمة»، ثمة أربع مجموعات كبرى تنضوي تحتها «تعريفات الأمة» في الفكر العربي الحديث والمعاصر، هي: • المجموعة الأولى: التصورات الدينية، ويقصد بها التصورات التي تجعل من «الرابطة الدينية» المحدد الأساسي والأول للأمة. • المجموعة الثانية: التصورات اللغوية، وهي التي تجعل من «الرابطة اللغوية» المحدد الرئيس للأمة. • المجموعة الثالثة: التصورات الإقليمية، وهي تلك التي تجعل من «الإقليم الجغرافي» المتميز المحدد الأساسي للأمة.

• المجموعة الرابعة: التصورات السياسية، ويقصد بها التصورات التي تجعل من «الدولة» المحدد الرئيس للأمة. وتبعًا لذلك، تتعدد التصورات السابقة وفقًا لاختلاف المنطلقات والركائز، كما يتضمن كل تصور منها مجموعة من التصورات الفرعية الأخرى. فالتصورات الدينية للأمة تحتوي على ثلاثة أنماط (أو مسالك) رئيسة، هي: التصور الديني التوفيقي، والتصور الديني السياسي، والتصور الديني اللاسياسي (ص. 19)، وتتضمن التصورات اللغوية للأمة كلً من التصور اللغوي البسيط، الذي ظهر تاريخيًا إبان القرن التاسع عشر، والتصور اللغوي السياسي، الذي تبلور إبان النصف الثاني من القرن العشرين، إضافة إلى كل من التصور اللغوي العنصري، والتصور اللغوي التاريخي، والتصور اللغوي الميتافيزيقي (ص. 188). أما التصورات الإقليمية فتتضمن بدورها كلً من التصور الإقليمي الوطني، والتصور الإقليمي السياسي، والتصور الإقليمي المتحدِّي، والتصور الإقليمي التكاملي (ص 310–309)، وأخيرًا تنطوي التصورات السياسية على كل من التصور السياسي البسيط، والتصور السياسي المتطور، والتصور السياسي الدستوري (ص. 402)–401 بدأ المؤلف أول فصول الكتاب بتحليل التصورات الدينية، فاللغوية، ثم الإقليمية، وأخيرًا التصورات السياسية، غير أن بداية الاهتمام بالمفهوم في الفكر العربي المعاصر تأتي مغايرة للترتيب الذي اتبعه في كتابه. فمن المعلوم أن مفهوم الأمة قد انتقل تاريخيًا من التصور البسيط إلى التصور المركب؛ أي تطور من التلمس الحدسي إلى التفكير التنظيري المجرد (ص. 479). وتبعًا لذلك، بدأ التصور اللغوي للأمة في القرن التاسع عشر مع زعماء النهضة الأدبية والشيخ حسن المرصفي المتوفى عام 1890، من مستوى التعريف البسيط والتلمس العفوي، وانتقل منذ بدايات القرن العشرين إلى مستوى التعريف المدروس المركب بعناية ودراية مقارنةً بما سبق. وعلى هذا المنوال تنتظم جهود كل من عبد الغني العريسي (1916–1889) وأقرانه، ونديم البيطار (2014–1924)، مرورًا بساطع الحصري (1968–1880)، وزكي الأرسوزي (1968–1899)، وليس انتهاء بمنظري الحقبة الناصرية وحزب البعث، وغيرهم (ص. 306)–270 أما في ما يتعلق بالتصور الإقليمي لمفهوم الأمة، فقد بدأ تاريخيًا مع المعلم بطرس البستاني (1883–1819)، وإن ظل أقرب ما يكون إلى البساطة والتجربة المباشرة منه إلى التعقيد والبحث المتعدد الجوانب؛ كما هو ملاحظ في فكر أنطون سعادة (1904–1949)، وجمال حمدان (1982–1993) لاحقًا بصفة خاصة. والأمر نفسه يكاد ينطبق بدوره على التصورات السياسية للمفهوم، التي تنوعت ما بين بسيط، ومتطور، ودستوري، وإن كان شكله التنظيري لم يتسع بعدُ ولم يتنوع بقدر ما هو ملحوظ في تطور الأشكال التنظيرية الأخرى للتصور اللغوي ونظيره الإقليمي. من ناحية أخرى، لا تتناسب أقسام الكتاب وفصوله لجهة الحجم مقارنةً بين بعضها وبعضها الآخر. فالقسم الرابع والأخير الذي يتناول «التصورات السياسية» (ص 478–401؛ بواقع 77 صفحة) يُعد أقل الأقسام حجمًا، على الرغم من أهمية «المرجعية السياسية» في تشكل مفهوم الأمة في سياق الفكر العربي الحديث والمعاصر، مقارنةً بالقسم الأول الذي يتناول «التصورات الدينية»، والذي يتضمن فصول ثلاثة ويُعد أكبر

الأقسام حجمًا (ص 184–21 بواقع؛ 163 صفحة)، وهو أمر له ما يبرره تمامًا بالنظر إلى «مركزية الأفكار الدينية» في تشكل مفهوم الأمة في الفكر الإسلامي، الذي يجعل «من رابطة العقيدة الدينية، وبالتحديد الإسلام، المقوِّم الجوهري للأمة» (ص. 19) أما القسم الثاني من الكتاب، الذي يتناول «التصورات اللغوية»، متضمنًا فصول أربعة (ص 306–189؛ بواقع 117 صفحة)، فيُعد أوسطها حجمًا، وكان من الأولى أن يحل محل القسم الأول لجهة الترتيب في الكتاب. أخيرًا، يعد القسم الثالث، وهو يتناول «التصورات الإقليمية»، متضمنًا فصولً ثلاثة (ص 397–309؛ بواقع 88 صفحة)، من أصغر الأقسام حجمًا؛ وذلك يتناسب مع طبيعة موضوعه. ولعل عدم التناسب الكمي يعود في جوهره إلى تداخل التصورات اللغوية والدينية والسياسية في تشكيل مفهوم الأمة، وهو أمرٌ يصعب معه فصل بعضها عن بعضها الآخر.

التصورات الدينية في سياق الفكر المعاصر

يُعد التصور الديني للأمة من أبرز التصورات السائدة في الفكر العربي الحديث والمعاصر. وقد انطلق هذا الاتجاه في الأساس من تصور نموذجي مركب للأمة الإسلامية. وبحسب المؤلف، ثمة أصناف، أو بالأحرى مسالك ثلاثة للتصورات الدينية للأمة، هي: 1. المسلك التوفيقي: يهدف إلى إحياء قدر معين من الوحدة بين المسلمين؛ نظرًا إلى تعذر الوحدة الشاملة. وقد استعرض المؤلف تصورات كل من خير الدين التونسي (1889–1810)، الدين الأفغاني وجمال (1897–1839)، ومحمد عبده (1849–1905)، وعبد الرحمن الكواكبي (1902–1854)، ومحمد رشيد رضا (1935–1865)، وعبد الحميد بن باديس (–1889 1940)، بوصفهم ممثلين لهذا المسلك. 2. المسلك الراديكالي المثالي: يتغيَّا بعث الوحدة الإسلامية الشاملة، مع التركيز على الوحدة السياسية. ومن أبرز منظري هذا المسلك حسن البنا (1949–1906)، وعبد القادر عودة (1954–1906)، وسيد قطب.)1966–1906(3. المسلك الواقعي النقدي: يؤمن بتخطي الواقع التاريخي طورَ الوحدات الدينية الشاملة وطور تركُّز الدولة على الدين، ويترك المجال مفتوحًا أمام أشكال جديدة من الاتحاد الديني. وعلى رأس منظري هذا المسلك علي عبد الرازق (1966–1888)، وخالد محمد خالد (1920–1996)، وطه حسين (1973–1889)، ومحمد النويهي.)1980–1916(على أن اللافت للنظر، ضمن هذا الإطار، هو غياب تصورات كل من شبلي شميل (1850–1917)، وفرح أنطون (1922–1874)، وسلامة موسى (1958–1887)، ومثقفي الشوام بصفة عامة، الذين أولوا مسألة الأمة حيزًا واسعًا من اهتماماتهم؛ خاصة ما يتعلق بسجالات فرح أنطون مع الإمام محمد عبده حول طبيعة السلطة الدينية وعلائقها بنظيرتها المدنية، ومركزية «مرجعية الأمة» في أمور السياسة والحكم والشرعية. من جهة أخرى، يبدو التصور الديني التوفيقي للأمة أقل تعقيدًا من التصور الديني السياسي، والسبب في ذلك أنه يترك مشكلة الوحدة السياسية ذات الإسناد الديني خارجة عن نطاق

المشكلات التي يراها في قوام الأمة، وإن ظل أكثر تعقيدًا – في الوقت نفسه – من التصور الديني اللاسياسي لها؛ نظرًا إلى كونه لا يحسم مثله قضية استقلال «الدولة القومية» عن «الرابطة الدينية» والشريعة الإسلامية (ص. 480). فمن محاولة خير الدين التونسي، الهادفة إلى تدارك التخلف الإسلامي في ميادين التمدن، إلى محاولة عبد الحميد بن باديس الهادفة إلى التوفيق بين خدمة الدين وخدمة الوطن، مرورًا بمحاولات زعماء الفكر الإصلاحي السلفي، وفي مقدمتهم الدين الأفغاني، ومحمد عبده، جمال وعبد الرحمن الكواكبي، ومحمد رشيد رضا (ص 97–22)، عرف التصور الديني التوفيقي للأمة أشكالً عدة تتفرع من مطلب الوحدة، وتتباين في الموقف من الخلافة والسياسة، وكذلك في التعامل مع القومية الحديثة. لذلك كله، تبدو محاولاتهم، بالنسبة إلى سياق عصرهم، جريئة ولكنها ملتوية، ذات طموح غير أنها متحفظة في الوقت عينه، واضحة ولكن مرتبكة في آن معًا، وإن بدا واضحًا أنّ ثمة تناميًا داخليًا يخترق حركة تواصلها. والواقع أننا إذا أمعنّا النظر في نوعية هذه الحركة التنظيرية المتنامية حول فكرة الأمة، فسوف نجد اختلافًا كبيرًا في ما بين أنواعها ومجاريها. ففي الوقت الذي يبني فيه التصور الديني التوفيقي تنظيراته على مبادئ دينية عامة، وعلى اعتبارات عملية مرتبطة بمبدأ الضرورات التي تبيح المحظورات، يبقى هذا التنظير مشتمل على خليط من فكر عقائدي منفتح وفكر عملي براغماتي. ونتيجة لذلك، يُعد هذا المسلك من أغنى أصناف التصورات الدينية للأمة وأشدها تأثيرًا في الحياة العملية. فبحكم تركيبته هذه، أصبح بمنزلة المجال المفتوح لتجدد أشكال التسوية بين مطلب «التوحيد الديني» من جهة، ومطلب التعامل مع واقع المجتمعات العصرية القائمة على «المبدأ القومي العلماني» من جهة أخرى. وما دام منطق التسوية المتجدِّدة عبارة عن خليط من منطق تبشيري ومنطق ذرائعي، ونظرًا إلى كونه لا يرضي العقول التي تُفضِّل الحلول القاطعة، فقد نما على جانبيه تياران متناقضان تمامًا يسعى أحدهما إلى التخلص من كل مساومة محتملة أو ممكنة مع واقع المجتمعات العصرية المعلمنة، في حين يسعى ثانيهما إلى دفع المساومة قُدمًا مع هذه المجتمعات بأقصى درجة ممكنة. وهكذا جاء التنظير للأمة في الفكر الديني السياسي مبنيًا على نوع من تقديم مطلق لواجب مُستعادٍ ونوع من احتقار مطلق لواقع مُعادٍ. ومن ثم، تبدو المعالم الرئيسة لبنية التصور الديني السياسي للأمة في فكر «جماعة الإخوان المسلمين» بصفة خاصة ممثلةً في التركيز على الواجب الديني، والطرح المثالي لوحدة الأمة كمقوم جوهري للأمة، واستعادة مدهشة لعلاقة أمة الإسلام بالجاهلية (ص. 143)، في حين جاء التنظير في الفكر الديني اللاسياسي أقرب ما يكون إلى منطق التفسير التاريخي المتسم بالواقعية العلمية والتقدمية. ولعل ذلك ما جعله يرتاح إلى الالتزام القومي أو الوطني، كما تطرحه التصورات اللغوية والإقليمية للأمة، بأكثر مما يرتاح إليها التصور الديني التوفيقي (ص. 480)

التصورات اللغوية والإقليمية

سرعان ما تزايد تأثير التصورات غير الدينية بتزايد التنظير العلمي فيها، وهو ما يبدو واضحًا جدًا من خلال كتابات ساطع الحصري، ونديم البيطار،

وغيرهما. ففي حين أضاف الحصري إلى الفكر القومي العربي، الذي كان شائعًا حتى الحرب العالمية الثانية، منهج المقارنة التاريخية المنفتحة على تجارب التكوين والتحرر القومية في العالم الحديث، لا سيما بعد الثورة الفرنسية، أضاف البيطار إلى الفكر القومي نفسه منهج المقارنة السوسيولوجية المبنية على الفكرة القائلة إن العقل العلمي الحق هو العقل الذي يتوصل إلى كشف قوانين الظاهرات الاجتماعية – التاريخية، ومن بينها، بطبيعة الحال، الظاهرة القومية الوحدوية (ص. 481) وما دامت القوانين الاجتماعية التاريخية عبارة عن قوانين انتظامية احتمالية بطبيعتها، وليست قوانين سببية مطلقة، وما دامت قوانين التجارب القومية الوحدوية عبارة عن قوانين سياسية في الجوهر، وليست قوانين ثقافية، فإن التنظير اللغوي الثقافي لوحدة الأمة – كما طرحه الحصري – يصبح على هذا الأساس أقرب إلى منطق «التسوية» منه إلى منطق «الثورة»؛ ومن ثم تصبح الاستعانة بالعلوم الاجتماعية التاريخية متيسرة للتصورات السياسية الإقليمية بقدر تيسرها للتصور اللغوي السياسي للأمة، إن لم يكن أكثر. ومع ذلك، مارس هذا المفكر، بفضل نشاطه الدؤوب في الإدارة والكتابة، تأثيرًا كبيرًا في جيلين من أجيال أقطار المشرق العربي، لكنه لم يستطع إقناع جميع مفكري القومية العربية بمنهجه الوضعي، الأميل إلى السكون، ونزعته الثقافية التربوية، المقللة من شأن عامل «الدولة» في تكوين «الأمة» (ص. 249) وفي الحصيلة، يدل تطور التنظير في تاريخ التصور الإقليمي للأمة على اتساع استخدام العلوم الاجتماعية، انطلاقًا من علم الجغرافيا الطبيعية والبشرية، فضل عن كونه قد منح نتائج مهمة في تآليف كل من أنطون سعادة (1949–1904)، وجمال حمدان بصفة خاصة، توازي – على الأقل من الناحية النظرية – النتائج التي وفرها استخدام هذه العلوم لمصلحة التصورات اللغوية ولمصلحة التصورات السياسية للأمة. ومن ثم، يكشف هذا الترابط عن سمة أخرى من سمات تصورات الأمة في الفكر العربي المعاصر؛ ألا وهي سمة الحضور الفاعل – إن لم نقل الطاغي – لعامل «الدولة» في جميع التصورات السابقة. وعلى الرغم من بديهة أنْ تشهدَ التصورات السياسية هذا الحضور في أقوى أشكاله – نظرًا إلى كونها تجعل من عامل «الدولة» المقوم الأساسي الأول لكيان الأمة – فإنها لم تنفرد تمامًا بهذه الميزة عن باقي التصورات الأخرى؛ إذ اعترف التصور اللغوي السياسي – كما عبر عنه الفكر القومي لحزب البعث وجمال عبد الناصر ونديم البيطار – لعامل وحدة الدولة بدور رئيس في تشكيل الأمة. فالدولة – بحسب هذا التصور – لا تأتي بعد الأمة؛ لا من حيث الكيان، ولا من حيث التكوين، بل هي عامل رئيس من عوامل تكوين الأمة، إن لم تكن العامل الرئيس بامتياز ص (269). وبالمثل، ينحو التصور الديني السياسي للأمة في فكر كل من حسن البنا، وسيد قطب، وعبد القادر عودة، نحو تبني الأطروحة القائلة إن الوحدة السياسية؛ أي عامل الدولة الواحدة والحكم الواحد، شرط واجب وأساسي لتحقيق كيان الأمة الواحدة، وإنه من دون تحققه ليس ثمة إمكانية فعلية لوجود الأمة التي تحول شعار «كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة» إلى حقيقة سياسية تتخذ شكل دولة اتحادية عظمى (ص. 142)

ليس هذا فحسب، بل إن التصور الإقليمي المتحدي – كما طرحه أنطون سعادة – يتلاقى هو الآخر مع التصور الإقليمي التكاملي – كما صاغه جمال حمدان – حول الدور الحاسم الذي تؤديه «وحدة الدولة» في تشكيل «الوحدة القومية التامة.» فالمقولة الأساسية في فكره هي مقولة «الشخصية الإقليمية» التي يفسر بها حمدان «شخصية مصر»، ويدعو في ضوئها إلى فهم بنية العالم العربي، مستلهمًا نماذج عدة ظهرت في الفكر الجغرافي في إنكلترا وفرنسا (ص 380–379). أما التصورات الأخرى التي لم تنظر إلى «الدولة» كعنصر من عناصر مفهوم الأمة، فقد ظل هاجسها الأول ممثلً في كيفية التوفيق بين ماهية الأمة التي لا تنطوي على عامل الدولة الواحدة من ناحية، ووجود الأمة الذي لا يبلغ حد الاكتمال إلا بواسطة هذا العامل من ناحية أخرى. في المقابل، اتجه التصور الديني اللاسياسي اتجاهًا مضادًا لسائر التصورات السابقة، معارضًا الجمع بين الطموح إلى «الوحدة الدينية» من جهة، وهاجس «الوحدة السياسية» من جهة أخرى، وإن كانت معارضته هذه ليست بدعًا في تاريخ التصورات العربية المعاصرة لمفهوم الأمة؛ وإنما تكاد تكون قاسمًا مشتركًا يرد ضمن تضاعيف مختلف التصورات الأخرى.

أدلجة الأمة وانعكاساتها

نحن، إذ ا، أمام تصورات أيديولوجية مشروطة بظروف وصراعات اجتماعية معينة، ومشروطة كذلك بنمط خاص من الجدل والمناقشة؛ لذا ينبغي التمييز بين ضربين من الجدل في ما بينهما: • الجدل الذي يكون بين نوع ونوع، والذي ظل بمنزلة المحرك الدائم؛ بحيث يبدو ويختفي، يقوى ويضعف، رهنًا لحسابات علاقات القوى المتصارعة على ساحة الأحداث. • الجدل الذي يتم بين صنف وصنف من ضمن النوع الواحد، والذي بينما كان قويًا في نطاق «التصور الديني والتصور اللغوي»، ظل ضعيفًا في نطاق «التصور الإقليمي والتصور السياسي» (ص. 483)، بل إنه اتخذ شكل حادًا حينًا، كما في العلاقات في ما بين التصور الديني السياسي ونظيره اللاسياسي، وشكلا هادئًا حينًا آخر، كما في العلاقات في ما بين التصور اللغوي والتاريخ، والتصور اللغوي العنصري والتصور اللغوي السياسي. وفي السياق ذاته، واجه التصور اللغوي للأمة كلمن التصور الديني والتصور الإقليمي والتصور السياسي، وحاول أن يردّ على حجج كل تصور، وأن يستوعبها من ضمن استراتيجية العمل من أجل تثبيت الانتماء القومي اللغوي. لذا، تعددت المذاهب والمواقف حول موضوع العلاقة بين الأمة والدين؛ أي بين الهوية العربية والإسلام، وكذلك في موضوع العلاقة بين العروبة الشاملة والانتماءات الإقليمية أو القُطرية (ص. 484)–483 ولم تكن المناقشات بين التصور الإقليمي والتصورات الأخرى أقل احتدامًا، مع التأكيد على اختلاف اتجاهاتها في سورية عما كانت عليه في مصر؛ تبعًا للفوارق الطبيعية بين البلدين، من حيث التكوين السكاني والمعطيات المذهبية الدينية والتاريخ السياسي، وغير ذلك. ونتيجة لذلك، تشعبت المناقشة بين التصور الإقليمي للأمة والتصورات المعارضة لها شعبتين، وأنتجت بالمثل موقفين متباينين من قضية الدولة القائمة، ومن قضية العلاقة بين الدين والأمة والدولة.