Return to Article Details Was Ibn Taymiyyah a Nominalist? A Critical Analytical Study of Abu Yarub Al Marzouqi’s Reading of Ibn Taymiyyah

هل كان ابن تيمية فيلسوفًا اسميًا؟ دراسة تحليلية نقدية في قراءة أبي يعرب المرزوقي لابن تيمية

Was Ibn Taymiyyah a Nominalist? A Critical Analytical Study of Abu Yarub Al Marzouqi’s Reading of Ibn Taymiyyah

رائد السمهوري

عبد السلام شكري

الملخّص

يرى أبو يعرب المرزوقي أن ابن تيمية فيلسوف يتبنّى المذهب الاسمي، بل يرى دين الإسلام، الذي يُسمّيه "الحنيفية المحدثة"، مشروعًا اسمانيًا في مواجهة الواقعية التي تبنّتها الأفلاطونية المُحدثة، من حيث النظر إلى الكلّي: هل له تحقق واقعي خارج الذهن أم هو مفهوم ذهني فحسب؟ ولئن كان التوجّه الواضح عند ابن تيمية أنه مفهوم ذهني فحسب، كما سيأتي بيانه في الدراسة، فإن موطن البحث هو: هل يقول ابن تيمية بمطابقة هذا الذهني للأعيان الخارجية من حيث العلم بها كما تدل على هذا نصوصه، أم لا كما يرى المرزوقي؟ يهدف هذا البحث النقدي إلى كشف كيفية قراءة المرزوقي للعالِم الحنبلي المعروف أحمد بن عبد السلام بن تيمية الحرّاني؛ أهي قراءة تتوخّى الدقة؟ أم هي قراءة إسقاطية لا تُعبّر حقّ التعبير عن اتجاهه في طبيعة "الكلّي"، ومدى مطابقته الجزئيّات والأعيان الخارجية؟

Abstract

Abstract: Abu Yarub Al Marzouqi believes that the famous Hanbalite scholar Ibn Taymiyya adopts a nominal methodology, indeed, that he sees Islam – which he calls «Neo–Hanafism» – as a nominalist project used to confront the realism adopted by the neo–Platonists as regards their view of Universals: can the universal be verified in reality, or is it an exclusively mental concept? Since Ibn Taymiyya is clearly inclined towards the belief that it is a solely mental concept, as the study shows, the real point of discussion is: does Ibn Taymiyya believe this mental concept is congruent with the specifics of the external world as his writings suggest, or not, as Marzouqi suggests? This critical study lays out Marzouqiʼs reading of Ibn Taymiyya and raise the question: does the Marqouqi reading seek precision or

الكلمات المفتاحية:
  • الواقعية
  • الاسمية
  • ابن تيمية
  • أبو يعرب المرزوقي
  • الكلي
  • المطابقة
Keywords:
  • Realism
  • Nominalism
  • Ibn Taymiyya
  • Abu Yarub Al Marzouqi
  • Congruence
  • Universal

عبد السلام شكري | Abdul Salam Shukri *1رائد السمهوري | Raed Al–Samhouri **2

is it a projection that does not correctly express Ibn Taymiyya’s approach to the «universal» and its congruence with external particulars?

مقدمة

من أبرز الباحثين الذين اهتموا بقراءة ابن تيمية فلسفيًا، على قلة من اهتم به في هذا الجانب، أبو يعرب المرزوقي، ولا سيما في كتابه تجليات الفلسفة: منطق تاريخها من خلال منزلة الكلي، الذي استشهد فيه بابن تيمية في ما يزيد على خمسين موضعًا، وفي كتابه إصلاح العقل في الفلسفة العربية: من أرسطو وأفلاطون إلى ابن تيمية وابن خلدون، الذي خصّصه لابن تيمية في الجانب النظري، وابن خلدون في الجانب العملي، بما هما غاية إصاح العقل العربي في الفلسفة العربية في تاريخها الطويل، بحسب رأيه، حيث يَعدّ «فلسفتيهما» انقابًا اسميًا في تاريخ الفلسفة العربية3؛ إلى جانب مواضع أخرى في عدد من مؤلفاته، لكن لب قراءة المرزوقي لابن تيمية هو في كتابيه المشار إليهما. لذا، سيكون عليهما الاعتماد في هذه الدراسة غالبًا. نحاول في هذه الدراسة استجاء طريقة المرزوقي في قراءته هذه، ونستحضر النصوص التي استشهد بها، ونعيد قراءتها في ضوء نصوص أخرى لابن تيمية، ونوازن بينها وبين استنتاجات المرزوقي، ونثير التساؤل بشأن فلسفة ابن تيمية؛ أكانت، كما استنتج المرزوقي، اسمية أصلً، فضلً عن أن تكون «انقابًا اسميًا»؟ ونسعى للإجابة عن هذا السؤال.

أولا: قصة الكلّي في الفلسفة وأساس المشكلة

تعود «الاسمية» Nominalism، من حيث هي مذهب فلسفي يَعدّ الكلّيات «أسماء» و«ألفاظًا» موجودة وجودًا ذهنيًا ولفظيًا فحسب، ولا وجود لها في خارج الأذهان، ولا قيام لها في عالم المُشخَّصات والأعيان4، إلى مشكلة «الكلّي » Universal في الفلسفة؛ أهو واقعي أم اسمي؟ ويمكن القول إن هذه المشكلة من أمهات المشكات الفلسفية وأقدمها، بل هي من أسس الخاف فيها، ولها آثارها الإبيستمولوجية والأنطولوجية في تاريخ الفلسفة عمومًا، والفلسفة العربية خصوصًا، التي أدّت إلى تعدّد المذاهب الفلسفية واختاف مدارسها، مع ما يُبنى على ذلك من نتائج. يوضح أبو يعرب المرزوقي «جذور» هذه المشكلة وتداعياتها، حين يصوّر «أزمة» الكلي الفلسفية بين السوفسطائية والأفاطونية والأرسطية، بحسب ما تذهب إليه تلك المدارس في مفهومها له (الكلّي)،

  1. أبو يعرب المرزوقي، تجليات الفلسفة العربية: منطق تاريخها من خلال منزلة الكلي (بيروت: دار الفكر المعاصر؛ دمشق: دار الفكر، 2001)، ص.19
  2. لاستزادة، ينظر: Jonathan Rée & J. O. Urmson (eds.), The Concise Encyclopedia of Western Philosophy , 3 rd (ed.) (London\ New York: Routledge, 2005), p. 270.

وتحديد طبيعته الإبيستمولوجية والأنطولوجية. ذاك أن السوفسطائيين Sophists يرون الكلّي حسّيًا موجودًا وجودًا واقعيًا، «له قيام خارج الذهن هو المحسوس»5، أما أفاطون Plato (29–3474 ق.م)، فيعد العقلي موجودًا عينيًا واقعيًا، «له قيام خارج الذهن هو غير المحسوس»6، وهنا اقترح أرسطو Aristotle (322–384 ق.م) حلً وسطًا بين السوفسطائيين وأفاطون؛ إذ «جعل هذا الكلي عامًا في الأذهان عقليًا، وخاصًا في الأعيان حسيًا»7. كان حل أرسطو الوسط هذا – كما يرى المرزوقي – «أبرز النتائج الإبيستمولوجية للدور الذي أدّاه مفهوم التناسب الرياضي والكلي المنطقي في الفلسفة القديمة وما تاها من الفلسفات المؤلفة منها، خال المرحلة الفاصلة بين أرسطو وبداية الفلسفة العربية»8. بهذا، «أصبح الكلّي، بما هو المعلوم معرفيًا، والقائم وجوديًا–طبيعيًا، محور كل تفكير علمي في المنطق والرياضيات [...] وكل تفكير فلسفي نظري في أسسهما الميتافيزيقية »[...]9، وبقي كذلك إلى لحظة صوغ هذه الإشكالية في الفلسفة العربية، التي تصدّى المرزوقي لعاجها10 ودرس منطق تاريخها من خال منزلة الكلّي فيها «نقدًا للواقعية، وتأسيسًا لاسمية التي كانت غاية النهضة العربية الأولى، وبداية النهضة الثانية»11. نفهم من هذا أن «الاسمية» – كما يرى المرزوقي – هي غاية نهضة العرب الأولى وبداية نهضتهم الثانية، فكأن «نهضة العرب» – أولً وثانيًا – منوطةٌ بالمذهب الاسمي في الفلسفة، وكأن المذهب الاسمي هو «سفينة النجاة» التي على العرب ركوبُها لينهضوا، أو لتستمر نهضتُهم، وهي لحمة «إصاح العقل العربي» وسداه. لئن تساءلنا عن النهضة العربية الأولى: ما هي؟ وعن النهضة العربية الثانية: ما هي؟ فلن نعدم إجابة من المرزوقي؛ فالنهضة الأولى تبتدئ منذ نشوء ما سمّاه أبو يعرب «الحنيفية المحدثة»، في مدوّنتها الأصلية – أي القرآن والحديث – إلى بلوغ غايتها (عبر جدلها الطويل مع الأفاطونية المحدثة؛ أي عبر جدل الاسمية مع الواقعية اتصالً وانفجارًا وانفصالً) في فلسفة ابن تيمية في الجانب النظري، وابن خلدون في الجانب العملي، التي استغرقت، لتصل إلى هذه الغاية، ثمانية قرون12؛ أما النهضة الثانية فهي المرحلة التي «امتدت منذ استقال مصر عن الإمبراطورية العثمانية، إلى اليوم»13.

  1. المرزوقي، ص.15
  2. المرجع نفسه.
  3. المرجع نفسه.
  4. المرجع نفسه، ص.12–11
  5. المرجع نفسه.
  6. المرجع نفسه، ص.14–13
  7. المرجع نفسه.
  8. أبو يعرب المرزوقي، إصلاح العقل في الفلسفة العربية: من واقعية أرسطو وأفلاطون إلى اسمية ابن تيمية وابن خلدون، سلسلة أطروحات الدكتوراه 25، ط 3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2001)، ص 382،.387
  9. المرجع نفسه، ص.384

من هنا، ينص المرزوقي على أنَّهُ «ما لم نفهم لِمَ كانت فلسفتهما [أي ابن تيمية وابن خلدون] غاية النهضة الأولى، فلن نفهم لِمَ كانت بداية النهضة الثانية»14.

الأفلاطونية المحدثة والحنيفية المحدثة: صراعهما إلى بلوغ الغاية عند ابن تيمية

يُحدّد المرزوقي ما سمّاه «وضعية البداية»، أي لحظة «انطاق» الجدلية الكبرى بين الأفاطونية المحدثة، وما سمّاه «الحنيفية المحدثة»، من حيث التفاعل بين «مدوّنة الأفاطونية المحدثة الهلنستية ومدوّنة الإسام» (القرآن والحديث)15، بما هما مرجعا التعامل مع النظر والعمل في المجتمع الإسامي16، سعيًا ل «الوضعية الغاية [...] الاسمية العربية ببعدها النظري عند ابن تيمية، وببعدها العملي عند ابن خلدون»17. تكمن مشكلة الأفاطونية المُحدَثة في أن «التأرجح الأرسطي بين واقعية المعقول الأفاطوني، وواقعية المحسوس السوفسطائي، مكّن الفكر اليوناني من العودة، في الأفاطونية المحدثة خاصة، إلى كلّي واقعي ألّه المثُل الرياضية المنطقية، والقيم السياسية التاريخية »[...]18. في تعبير أوضح عن هذا الصدام بين الأفاطونية المحدثة Neoplatonism والحنيفية المحدثة، يقول المرزوقي: «ولما كان أرسطو قد سعى إلى تنسيب شكل العلم، في صدامه مع أفاطون (الاكتساب والتجربة ضد التذكر والفطرية)، مع الإبقاء على إطاق المضمون (واقعية الكلي)، فإنه لم يستطع تجاوز عدم التوازن الأهلي لكل فلسفة، أعني ما يجعلها بالطبع أفاطونية محدثة، ولما كان عيسى قد سعى إلى تنسيب مضمون العمل، في صدامه مع موسى (الروح ضد الحرف في الشرائع)، مع الإبقاء على إطاق الشكل، فإنه لم يستطع تجاوز عدم التوازن الأهلي لكل دين، أعني ما يجعله بالطبع حنيفية محدثة»19، ليستنتج قائلً: «وبمجرد تحقق الأفاطونية المحدثة (أفلوطين)، والحنيفية المحدثة (محمد)، بات الصدام المطلق بين هذين الحلّين صدامًا لن ينتهي إلا بتجاوز ما في الحلّين من تناقض، كلً على حدة، ثم في لقائهما: وذلك هو منطق حركية الفلسفة العربية»20. ما يوحي بأن مشروع الأنبياء، كعيسى ومحمد – عنده – إنما هو محاولة لحل مشكلة «الكلي»، وأن الصراع بين الأفاطونية المحدثة والحنيفية المحدثة، هو صراع بين ما جاء به أفلوطين، وما جاء به محمد، في شأن الكلي. فرأس محمد برأس أفلوطين! ومشروع محمد في مقابل مشروع أفلوطين!

  1. المرجع نفسه، ص 387. وما بين معكوفين من الباحثين.
  2. الأقواس في النص المقتبَس ذاته.
  3. المرزوقي، إصلاح العقل، ص.17
  4. المرجع نفسه.
  5. المرزوقي، تجلّيات الفلسفة، ص.14
  6. المرزوقي، إصلاح العقل، ص 37. وما بين الأقواس هو في النص المقتبس ذاته.
  7. المرجع نفسه. وما بين الأقواس هو في النص المقتبس ذاته.

ويزداد هذا التعيين وضوحًا في عدّ المرزوقي القرآنَ والحديثَ هما مدوّنة «الحنيفية المحدثة»21، بما فيها من عقائد جوهرية – كما قال – لا يمكن التوفيق بينها وبين واقعية الكلي Realism؛ كحرية الفعل الإلهي كونيًا وأمريًا، وشخصية الروح وخلودها، وحدوث العالم وفنائه22، فالإسام، إذًا (بناءً على تلك العقائد الجوهرية23 التي لا يجد الباحثان أي عاقة لها بالكلّي)، لا يقول إن الكلي واقعي! ولما لم يكن من شأن الدراسة البحث في سيرورة الفلسفة العربية، وما جرى بين مدارسها من اتصال وانفصال، وتصادم وانفجار، ولما كانت الدراسة معنيّة بالإجابة عن السؤال المطروح في عنوانها «هل كان ابن تيمية اسميًا؟»، فسينتقل البحث إلى صلب الموضوع؛ فما معنى أن يكون الكلّي واقعيًا أو اسميًا؟ وما آثار القول بواقعيته أو اسميته؟ وما آثار هذا القول أو ذاك معرفيًا وروحيًا، كما يرى المرزوقي؟

ثانيًا: واقعية الكلي وآثارها "السلبية" كما يفهمها المرزوقي

تبيّن في ما سبق معنى واقعية الكلي؛ محسوسًا سيّالً متغيرًا باستمرار عند السوفسطائيين، وقائمًا بذاته مفارقًا غير محسوس عند أفاطون، وعامًّا في الأذهان عقليًا، خاصًا في الأعيان، محايثًا حسيًا كما هو في نظر أرسطو؛ «فالمثُل، منطقية كانت أو رياضية، ليست عند أرسطو إلا كليات جوهرية، فصلها أفاطون عن تعينها الحسي، واعتبرها، بما هي مفارقة، عين قيام الموجودات العينية، وهي عنده [أي أرسطو] لا تنفصل عنها إلا منطقيًا لكونها متعيّنة فيها، بل هي عين تعينها. لكن الأجناس والأنواع، رغم كونها كليات، تظل عنده، بالمقابل مع الأعراض، جواهر وإن كانت جوهريتها تلك دون جوهرية الأعيان»24. إذًا، الكلي في نظر أرسطو، واقعي موجود حال كونه خاصًا في الأعيان حسيًا ومحايثًا لها، وهو، بهذا، ليس «العام» في مدلول اللفظ الذي يدل على الاشتراك اللفظي فحسب، بل هو «المتواطئ» حقًا25وواقعًا، بمعنى تحقق تلك الصورة في الوجود26. من هنا، كان هذا التأرجح الأرسطي – كما سبق بيانه – سببًا في عودة الفكر اليوناني – في الأفاطونية المحدثة – إلى «كلي واقعي ألّه المثُل الرياضية المنطقية والقيم السياسية التاريخية». إذًا، من مقتضيات القول بواقعية الكلي؛ «تأليه» المثل الرياضية والقيم السياسية التاريخية، كما يستنتج المرزوقي.

  1. المرزوقي، تجليات الفلسفة، ص.20
  2. المرجع نفسه.
  3. أما الروح فا نص صريحًا البتّة يشير إلى أنها مفهوم كليّ، وأما العال م فهو مجموعة من المعيّنات والمشخّصات والأشياء، وأما الفعل الإلهي فكل فعل إنما هو فعل جزئيّ، ويتساءل الباحثان ما عاقة هذه الأشياء التي سمّاها عقائد جوهرية، بالكليّ، سواء أكان واقعيًا (مفارقًا أو محايثًا) أم اسميًّا.
  4. المرزوقي، تجليات الفلسفة، ص 16–15، وما بين معكوفين من الباحثين.
  5. يُعرّف الكلي المتواطئ في المنطق بأنه المفهوم الذي ينطبق على مصاديقه وأفراده بالتساوي، فليس هناك ماء هو أشدّ مائية من ماء آخر، وينطبق مفهوم المائية على المياه كلها بالتساوي. بخاف الكلي المشك ك وهو الذي ينطبق على مصاديقه وأفراده، لكن بتفاوت، كمفهوم الضوء مثلً، فقد يكون هناك ضوء أقوى من ضوء.
  6. المرجع نفسه، ص.18

على هذا الأساس في فهم واقعية الكلي، ينطلق المرزوقي في تفريقه بين الكلّي الواقعي والكلّي الاسمي، وعلى هذا الأساس، يرى أن «الاختاف الجوهري بين الواقعية النظرية والاسمية النظرية هو الاختاف بين نظرية في المعرفة تطابق بين المنطقي والوجودي بتوسط نظرية الذاتي الضامن للضرورة والكلية، ونظرية في المعرفة تنفي ذلك التطابق بينهما»27. يعني هذا أن تحديد الكلي بمنزلة تكون فيها «طبيعة المعلوم بما هي طبيعة الموجود»، يقتضي حتمًا الاتحاد بين طبيعة المعقول النظري وطبيعة الموجود بما هو طبيعة، وهكذا يصبح هذا الاتحاد هو عين القول بجوهرية المعقول مفارقًا ومحايثًا، وهو ما يقتضي وحدة الطبيعة بين العقل والوجود28، وهذا ما يسمى «المطابقة». تعني المطابقة أيضًا: «أن ما هو كائن ينقدّ إلى ما هو كائن بحق، وإلى ما هو بادٍ وكأنه كائن، ومن ثم فالكائن بحق مفهوم معياري من الكائن [...] إنه ما لا يهمله العلم الواقعي بوصفه ما منه تتكون الصفات المقومة، بخاف ما يهمله بوصفه ما لا ضرر في عدم اعتباره، وهو ما يجعل التجريد من أجل العلم ليس مجرد وسيلة؛ بل هو معيار الفصل بين الوجود الحق والوجود الزيف»29. إذًا، البحث عن «الصفات المقومة» (تسمى أيضًا الصفات الذاتية، أو الذاتيات) للأشياء، هو من شأن القول بواقعية الكلي، حيث يُجرَّدُ من الأعيان «مشترك كلي»، قائم بها، وتشترك فيه ضرورة، وينطبق عليها. بهذا، فالقائل بالكلي الواقعي لا يتواضع معرفيًا، فيجعل من هذا المشترك المجرد ليس إلا وسيلة ذرائعية للعلم، قابلة للنقض في كل حين، بل هو يزعم أنه أدرك حقائق الأشياء ومقوّماتها الذاتية (أي ما به يكون الشيء هو هو)؛ فأدرك كنهها، واكتشفها في ذاتها، حتى غدا «معيارًا للفصل بين الوجود الحق والوجود الزائف». هذا هو العلم «المزعوم» الذي تحوّل ميتافيزيقا، بدلً من أن يكون فرضيات تُستعمل وسائل وإجراءات، بل جعل تلك الفرضيات هي عين قوانين الوجود30. بتعبيرٍ أصرحَ، يقول المرزوقي لإيضاح هذه الفكرة: «الواقعية التي تعتبر الكلي المعلوم طبيعةً للموضوع [وجوديًا]، أو مطابقًا لطبيعته [معرفيًا]، ترفع هذا العلم الذي هو ناقص بالطبع [...] إلى كمال مثالي لا وجود له، يجعل المعقول عين الموجود، فيتحوّل – من ثمّ – إلى معيار له [أي للموجود] ما دام قد صار مطابقًا لطبيعته الباطنة، وعندئذٍ يُصبح ما حصل لنا من علم – ما كنا لنغفل عن نقصه وجزئيته اللذين له بالطبع لولا واقعية الكلي – حقيقة مطلقة كونه علمًا لأمور نزعم أنها ذاتية للموضوع المعلوم»31.

  1. المرزوقي، إصلاح العقل، ص 265. والتشديد من الباحثين.
  2. المرجع نفسه، ص 15، هامش.4
  3. المرجع نفسه، ص 24، والتشديد من الباحثين.
  4. المرجع نفسه، ص.42
  5. المرجع نفسه، ص 265، وما بين معكوفين من الباحثين.

من هنا يرى المرزوقي أن هذه «المطابقة» أحالت العلم الإنساني الذي من طبعه أنه اجتهادي ناقصٌ أبدًا، إلى «علم مطلق»، أصبح معيِّرًا، بدلً من أن يكون معيَّرًا32، أي بدلً من أن يكون الموجود هو معيار علمنا، أصبح علمنا معيارًا للموجود33. أدّت تلك المطابقة أيضًا إلى نتائج مؤثرة في النظر والعمل، فمن نتائجها «الوثوقية» التي تؤدي، إضافة إلى «غلق العلم» و«تجميده»، حيث يفقد حركته وصيرورته، إلى «الاتحاد بين العلم والوجود»، فإذا هذا التصوّر الذي يجعل العلم مطابقًا للوجود، سواءٌ عند الله أم الإنسان، ينتهي إلى القول ب «العلم اللدني والعصمة الإمامية والإنسان الكامل وعلم الغيب... إلخ، من النظريات المجوهِرة للمدرَكات، كما هي في الذهن، فصار المعلوم من الموجود هو عين الموجود، وتطابق الأمران، فأصبح في وسع الفيلسوف والمتصوّف أن يستعيض عن استكشاف المعطى الوجودي بلعبة تأويل لفظي المعطى الرمزي من المدونات المجموعة حول المعطى الوجودي، وذلك هو مصدر الجمود الميتافيزيقي في علم الطبيعة والجمود الميتاتاريخي في علم الشريعة»34. يؤدي القول بواقعية الكلي، بحسب هذا النص، إلى هذا «الجمود» الميتافيزيقي في علم الطبيعة، وإلى «الجمود» الميتاتاريخي في علم الشريعة، بل إلى دعوى عصمة «الإمام» بما هي عقيدة منحرفة ناتجة من القول بالكلي الواقعي. ويؤكد المرزوقي أن هذا القول يجعل علم الطبيعة الرياضي والمنطقي «لا يستندان إلى نظرية في الرياضي والمنطقي [حال كونهما] أداتين إدراكيتين صائرتين، وإلى نظرية في الطبيعي [حال كونه] مدركًا صائرًا»35؛ ما أدّى إلى امتناع النشاط العلمي بما هو حركة تطويع للإدراك الرياضي والمنطقي ليائم الطبيعي، وحركة تطويع للطبيعي ليائم الإدراك الرياضي والمنطقي»، لتكون نتيجة هذا المذهب النهائية: تجميد المعطى العقلي، وتجميد المعطى الحسي36. ليس تاريخ الفلسفة العربية إلّ «تاريخ المحاولات المولّدة للتاريخ الإنساني الحديث الذي ينقلنا من سيطرة أفاطون وأرسطو وموسى وعيسى، إلى سيطرة النشاط العملي والنشاط النظري نفسيهما بما هما طليقان وذاتيّا التشريع، أي تاريخ التخلص من الفلسفة المجمّدة والدين المجمد اللذين جعا من العلم والعمل الوهميين بديلً من العلم والعمل التاريخيين»37. ذلك لأن واقعية الكلي في الأفاطونية المحدثة أدّت لزومًا إلى «علم وعمل وهميين يقتان العلم والعمل التاريخيين بما هما نشاط إنساني منظور ومتدرج الحصول»38.

  1. المرجع نفسه، ص.175
  2. المرجع نفسه، ص.189
  3. المرجع نفسه، ص.74
  4. المرزوقي، تجليات الفلسفة، ص 152، وما بين معكوفتين من الباحثين.
  5. المرجع نفسه.
  6. المرجع نفسه، ص.140
  7. المرجع نفسه، ص.126

وهكذا، «إذا جاء من يُبيّن أن معلوم النظر هو بدوره موضوع، وليس كليًا واقعيًا تخللت التاريخية الفلسفة حتى النخاع، وإذا جاء من يُبيّن أن علم العمل هو بدوره موضوع وليس كليًّا واقعيًّا تخللت التاريخية الدين حتى النخاع»39. هذا هو عمل ابن تيمية وابن خلدون، كما يرى أبو يعرب؛ إدخال «التاريخية» إلى النظر (الفلسفة) والدين (العمل)، بحيث يُصبح الدين والفلسفة كاهما تاريخيين نسبيّين40.

ثالثًا: اسمية ابن تيمية في عيون المرزوقي

كما تقدّم بيانه، يرى المرزوقي ابن تيمية اسميًا، بل هو صاحب «الانقاب» الاسمي في الفلسفة العربية في الجانب النظري، تتوافر في «فلسفته» أركان المذهب الاسمي في الفلسفة. وفي هذا المبحث من الدراسة، سنذكر أهم أركان «فلسفة ابن تيمية الاسمية»، كما يراها المرزوقي، والنصوص التي اعتمدها ليصل إلى هذه النتيجة.

1. من الكلي الطبيعي إلى الكلي الوضعي الذريعي

نقد ابن تيمية المنطق الصوري والمنطقيين في كتابه الشهير الرد على المنطقيين، من حيث كون المنطق الصوري مقدّمة تأسيسية للعلم النظري، وفي مشروع ابن تيمية النقدي هذا يقول المرزوقي إن ابن تيمية «أدرك عدم التاؤم بين العلم النظري ومقدمه التأسيسي، وأن المقدم المائم للممارسة النظرية لا يكون إلا الاسمية النظرية الخالصة، أعني أن طبيعة الفعالية النظرية هي وضع النماذج الرمزية النظرية لا تعدو هذه المنزلة – أعني أنها لا يمكن أن تُعدّ طبائع لما هي نماذج له – وهي دائمًا تصورات سادة النظر أو أقويائه [...] ولم يكن بإمكانه أن يُحدّد هذه الطبيعة الاسمية الخالصة للفعالية العلمية النظرية لو لم يفهم الفصل بين الماهية والوجود، مما يجعل الأولى – من حيث هي غير الثاني – مجرد اختراع إنساني [...] وإذًا، فطبيعة العلم النظري نفسها انتقلت من علم الطبائع ذاتها، إلى ذريعة النماذج النظرية، ومن نشاط المعرفة الساعية إلى إدراك طبيعة الوجود، إلى نشاط المعرفة الساعية إلى وضع عامات للتمييز بين الموجودات ليكون القول حولها ممكنًا، من دون الزعم بأن ذلك علم للطبائع في ذاتها»41. بل إن «هذا التناقض أو عدم التاؤم بين العلم وما بعده التأسيسي هو المصدر الرئيسي لنقد ابن تيمية الموجّه إلى النظرية الفلسفية التي يعتبرها قد جوهرت المخترعات الاسمية، واعتبرتها طبائع للأشياء، في حين أنها مجرد موضوعات ذريعية لا تتجاوز وظيفتُها المعرفية وظيفة الأسماء»42. وهكذا، أساس الانقاب الاسمي التيمي، في نظر المرزوقي، هو تلك النقلة الكبرى للكلّي من كونه طبيعيًا، ومن حيث كون الكليّات علمًا بطبائع الأشياء، إلى كون الكلّي لا يعدو أن يكون مواضعات

  1. المرزوقي، إصلاح العقل، ص.36
  2. المرجع نفسه.
  3. المرجع نفسه، ص.106–105
  4. المرجع نفسه، ص.173

وأسماء وألفاظًا، اخترعها الإنسان ليكون الحديث عن الأشياء ممكنًا، وبهذا «بعد زوال واقعية الكلي النظري والكلي العملي، فإن الكلي بضربيه يصبح أمرًا وضعيًا غير طبيعي، فا يختلف عندئذ النظري عن العملي؛ إذ كاهما مجرد مواضعة إنسانية»43. أفاد المرزوقي هذا الاستنتاج من نصّين لابن تيمية في كتابه السالف الذكر (الرد على المنطقيين)، أما أولهما فقول ابن تيمية: « وحينئذ فيقال: كون العلم بديهيًا أو نظريًا هو من الأمور النسبية الإضافية، مثل كون القضية يقينية أو ظنية؛ إذ قد يتيقن زيد ما يظنه عمرو، وقد يَبْدَهُ زيدًا من المعاني ما لا يعرفه غيره إلا بالنظر، وقد يكون حسيًا لزيد من العلوم ما هو خبري عند عمرو، وإن كان كثير من الناس يحسب أن كون العلم المعين ضروريًا أو كسبيًا أو بديهيًا أو نظريًا هو من الأمور الازمة له، بحيث يشترك في ذلك جميع الناس وهذا غلط عظيم وهو مخالف للواقع »44. أما النص الثاني الذي اعتمد عليه المرزوقي في كون الكليّات وضعية ذريعية، فهو قول ابن تيمية في الماهيّة، إذ يقول: «كامهم إنما يستلزم ثبوت ماهية في الذهن لا في الوجود الخارجي، وهذا لا نزاع فيه ولا فائدة فيه؛ إذ هذا خبر عن مجرد وضع واختراع؛ إذ يقدر كل إنسان أن يخترع ماهية في نفسه غير ما اخترعه الآخر»45. وكذا نصه في فائدة الحدّ المنطقي، وأنه ليس إلا من قبيل وضع الأسماء للمسمَّيات للتمييز لا للتصوير؛ إذ يقول: «وهذا يحصل بالحدود اللفظية تارة، وبالوصفية أخرى. وحقيقة الحد في الموضعين بيان مسمى الاسم فقط، وتمييز المحدود عن غيره لا تصوير المحدود. وإذا كان فائدة الحد بيان مسمى الاسم، والتسمية أمر لغوي وضعي، رجع في ذلك إلى قصد ذلك المسمى ولغته، ولهذا يقول الفقهاء من الأسماء ما يعرف حده باللغة ومنه ما يعرف حده بالشرع ومنه ما يعرف حده بالعرف. ومن هذا تفسير الكام وشرحه إذا أريد به تبيين مراد المتكلم؛ فهذا يبنى على معرفة حدود كامه، وإذا أريد به تبيين صحته وتقريره فإنه يحتاج إلى معرفة دليل صحة الكام، فالأول فيه بيان تصوير كامه، والثاني بيان تصديق كامه. وتصوير كامه كتصوير مسميات الأسماء بالترجمة تارة لمن يكون قد تصور المسمى ولم يعرف أن ذلك اسمه، وتارة لمن لم يكن قد تصوّر المسمى، فيشار له إلى المسمى بحسب الإمكان، إما إلى عيّنة، وإما إلى نظيره، ولهذا يقال الحد تارة يكون لاسم وتارة يكون للمسمى». غير أن كل ما سبق من النصوص لا يفيد أن ابن تيمية يذهب إلى «عدم المطابقة» بين الذهني والعيني، وبين الكلي والجزئي، وسيأتي الحديث عن هذا تفصيلً، ببيان نصوص أشد دلالةً على خاف ما يريده المرزوقي مما لا يمكن تأويله إلا بتكلّف شديد.

  1. المرجع نفسه، ص.116
  2. 4أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحرّاني، الرد على المنطقيين (لاهور: إدارة ترجمان السُنّة، 1976)، ص.13
  3. المرجع نفسه، ص.67

لأن المرزوقي ينفي مطابقة ما في الأذهان لما في الأعيان نفيًا قاطعًا، ولأنه يرى أن الكليات ما هي إلا أسماء وألفاظ ذريعية، من أجل إمكان التعامل مع العلوم لا أكثر؛ فهو يمضي أبعد من هذا، فيصرّح با مواربة أن «الحقيقة المطلقة ما هي إلا وهم»46. وبناء على هذا، «فالمطابقة الوجودية ممتنعة فعلً»47. وأن من يقول بها فهو يقول بإمكانها وهمًا48، وهي لا تصح معيارًا، إن قلنا بها، إلا بالنسبة إلى الله تعالى49. وبهذا فا أحد يمكنه أن يقطع بعلم أي شيء، إلا إذا ادّعى الألوهية. ولسنا ندري أكان المرزوقي غير قطعي حين «جزم وقطع» أن الحقيقة المطلقة ليست إلا وهمًا من الأوهام؟

2. نفي طبائع الأشياء ونفي السببية

إذا كان ابن تيمية ينفي الكلي الطبيعي، ويقول بالكلي الوضعي الذريعي، وإذا كانت نتيجة عمله هي أن «طبيعة العلم النظري نفسها انتقلت من علم الطبائع ذاتها إلى ذريعة النماذج النظرية»، فهو ينفي العلم بطبائع الأشياء، وينفي مطابقة العلم لما في الخارج، كما سيأتي، وهو ينفي، في الحصيلة، السببية. ما فعله ابن تيمية، كما يرى المرزوقي، هو إفقاد الفاعلية النظرية دورها الأنطولوجي الذي كان منسوبًا إليها، أي «مطابقة علم الإله وعمله50، ومن ثم طبائع الأشياء وقيمها الذاتية »51. وهو (أي ابن تيمية)، إذًا، أبقى للإنسان «هامشًا من الفعالية في النظر والعمل اللذين ليسا مردودين إلى طبائع الأشياء وقيمها في ذاتها»52، فما النظريات إلا كالعمليات «مخترعات إنسانية لا تعبّر عن طبائع الأشياء، بل عن خطة تصورية للتعامل النظري مع الأشياء»53، بخاف الواقعية التي تظن أن «الكلي المعلوم والمعمول طبائع وقيم ذاتية للموجودات الطبيعية والمدنية»54. ليس هذا فحسب، بل إن المرزوقي يرى أن «السببية تستند إلى نظرية الطبائع أو الكلي المحايث بما هو (ذات – جوهر) فاعل»55. ذاك أن «طبائع الأشياء وقيَمها الذاتية فهي من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، وتلك هي المقابلة الجوهرية بين الاسمية والواقعية»56. ما يلزم منه أن ابن تيمية ينفي السببية كذلك،

  1. أبو يعرب المرزوقي، نقد الميتافيزيقا بين الغزالي وابن رشد (تونس: الدار المتوسطية للنشر، 2007)، ص.18
  2. 4أبو يعرب المرزوقي، شروط نهضة العرب والمسلمين (دمشق: دار الفكر؛ بيروت: دار الفكر المعاصر، 2001)، ص.211
  3. المرجع نفسه.
  4. المرجع نفسه، ص.232
  5. ذاك أن المرزوقي يرى أن العلم بحقائق الأشياء، والعلم بطبائعها، إنما هو من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، كما سبق بيانه، وكما سيأتي.
  6. 4المرزوقي، إصلاح العقل، ص.109
  7. المرجع نفسه، ص.114
  8. المرجع نفسه، ص.117
  9. المرجع نفسه، ص.119
  10. المرزوقي، تجليات الفلسفة، ص.371
  11. المرجع نفسه، ص.507

بحسب فهم المرزوقي، وإن لم يصرّح ابن تيمية بذلك، ولم يأت المرزوقي بأي نص يفيد نفي ابن تيمية العلم بطبائع الأشياء، ولا نفي السببية، إلا تلك النصوص التي نقلناها آنفًا. يُستفاد مما سبق، نفي المرزوقي علم الإنسان بطبائع الأشياء البتّة؛ لأن هذا – كما يرى – من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. إذًا، حقائق الأشياء لا يمكن الإنسان معرفتها ولا العلم بها؛ وهذا هو معنى نفي المطابقة في نظره. فما العلم بطبائع الأشياء، وما معرفة الحقائق، وما القول بالسببية، إلا دعاوى تعود إلى القول بالكلي الواقعي، بما هو مثبت للكلي الطبيعي المحايث للأشياء المعيّنة خارج الذهن.

3. نفي المطابقة بين ما في الأذهان وما في الأعيان

إذا كان ابن تيمية قد نفى الكلي الطبيعي، بحسب ادعاء المرزوقي، وإذا كان قد نفى العلم بطبائع الأشياء، ونقل الكليّات من كونها طبائع ذاتية، إلى كونها نماذج وألفاظًا وأسماء ذريعية، فهو ينفي مطابقة ما في الأذهان لما في الأعيان، كما يستنتج المرزوقي، أي ينفي انطباق المعاني الذهنية الكلية على الأشياء المشخّصة المعيّنة في خارج الذهن (الواقع). ذاك «أن مقابلة الذريعي للواقعي هي إذًا مقابلة تُحدّد منزلة الكائن العلمي بالإضافة إلى الموجود: الأول [أي الذريعي]، يعتبره مجرد اختراع إنساني وذريعة لمعرفة الموجود، أي للتعامل معه فهمًا وفعلً، والثاني [أي الواقعي]، يعتبره عين طبيعة الموجود وليس مجرد ذريعة. لذلك يؤول الموقف الأول إلى اعتبار العلم دائمًا مجرد محاولات لاقتراب من الوجود لا توصف بالصدق ولا بالكذب، بل بالجدوى وعدمها في تحقيق الفهم والفعل، ويؤول الثاني إلى اعتبار العلم متراوحًا بين الصدق والكذب، وهو، عند الصدق، مطابق لطبائع الأشياء، وعند الكذب مجرد وهم »[...]57. إذًا، عدُّ العلم مراوحًا بين الصدق والكذب القائمين على مطابقة ما في الخارج أو عدمها، إنما هو من مقولات الواقعية. ولأن ابن تيمية – كما يستنتج أبو يعرب – اسميّ يقول بالكلي الذريعي الوضعي لا الكلي الطبيعي المطابق فهو، حتمًا، ينفي المطابقة. ويستدل المرزوقي على نفي ابن تيمية للمطابقة بهذا النص الذي «انتقاه»، وهو قوله: «ولكن المعاني الكلية العامة المطلقة في الذهن، كالألفاظ المطلقة والعامة في اللسان، وكالخط الدال على تلك الألفاظ، فالخط يطابق اللفظ، واللفظ يطابق المعنى، فكل من الثاثة يتناول الأعيان الموجودة في الخارج ويشملها ويعمها، لا أن في الخارج شيئًا هو نفسه يعم هذا وهذا، أو يوجد في هذا وهذا، أو يشترك فيه هذا وهذا، فإن هذا لا يقوله من يتصور ما يقول: وإنما يقوله من اشتبهت عليه الأمور الذهنية بالأمور الخارجية، أو من قلّد بعض من قال ذلك من الغالطين فيه»58.

  1. المرزوقي، إصلاح العقل، ص.150
  2. أحمد بن عبد الحليم بن عبد السام بن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، تحقيق محمد رشاد سالم، ج 1، ط 2 (الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود، 1991)، ص.217–216

موطن استدلال المرزوقي من هذا النص هو، كما يقول، «الترتيب المقلوب الذي يورد عليه ابن تيمية العاقة بين الدال والمدلول، إذا قورن بترتيب الفاسفة المعهود، فالمعاني الكلية تقاس على الألفاظ العامة في اللسان، وعلى الخط الدال على الألفاظ، وليس كما هو الشأن عند الفاسفة، حيث يُقاس الخط على اللفظ، واللفظ على المعنى في النفس، والمعنى في النفس على ما في الوجود». ثم إن «المقارنة بين المعاني والألفاظ والخطوط، لا تتعلق بالمطابقة بينها، بم بينها وبين ما في الخارج، بل يضرب تناولها لما في الخارج، فيقول: ‘فالخط يطابق اللفظ، واللفظ يطابق المعنى’، ثم يقف؛ وكان عليه، لو كان حتى تصورانيًا، فضلً عن وصفه بالواقعية، أن يضيف ‘والمعنى يطابق الوجود’، وغياب هذه المطابقة عنده أصبح بديله: ‘فكل من الثاثة يتناول الأعيان الموجودة في الخارج ويشملها ويعمّها’: يتناول – يشمل – يعم»59. إذًا، اعتماد المرزوقي كله في فهم عدم قول ابن تيمية بالمطابقة في هذا النص «المنتقى»، هو أن ابن تيمية عكس التشبيه؛ فبدلً من أن يقول: فالخط يطابق اللفظ، واللفظ يطابق المعنى، والمعنى يطابق الوجود؛ وجدناه يقول: المعاني كالألفاظ، والألفاظ كالخط، فالخط يطابق اللفظ، واللفظ يطابق المعنى، ثم سكت، ولم يذكر الوجود. وسكوته هذا عدّه المرزوقي «دليلً صريحًا» على أنه لا يقول بالمطابقة. ستأتي مناقشة هذا الاستدلال، وما سبقه، في المبحث المقبل.

رابعًا: هل كان ابن تيمية اسميًا؟

يُستنتج مما سبق: أن المرزوقي يرى أن ابن تيمية ينفي الكلي الطبيعي، وينفي العلم بطبائع الأشياء، وينفي السببية بحكم تعلّقها بطبائع الأشياء، وينفي المطابقة بين ما في الأذهان وما في الأعيان. في هذا المبحث من الدراسة، نناقش المرزوقي في استنتاجاته تلك، معتمدَينِ على نصوص أشدّ دلالة على خاف فهمه، فنبيّن أنه قام فيها بالانتقاء والتأويل؛ إذ النصوص التي انتقاها لا تدلّ صراحة على ما يريد إلا بغير قليل من التأويل، مع ضربه الذكر صفحًا عن نصوص كثيرة لابن تيمية تُخالف فهمه واستنتاجاته.

إثبات ابن تيمية للكلي الطبيعي وتقريره العلم بطبائع الأشياء والسببية

بتتبع أقوال ابن تيمية واستقرائها استقراءً تامًا، أو شبه تام، نجده يوافق أرسطو تمام الموافقة في جعل «الكلي عامًا في الأذهان عقليًا، وخاصًا في الأعيان حسيًا»60، بحسب تعبير المرزوقي، حذوك القذة بالقذة، ولابن تيمية نصوص كثيرة في ما تروم الدراسةُ إثباته، غير أنه لا يمكن الإتيان بها كلها في هذا المقام الذي يقتضي الإيجاز، وبحسبنا بعض الأمثلة.

  1. المرزوقي، إصلاح العقل، ص.178
  2. المرجع نفسه.

أ. من قال إن الكلي الطبيعي موجود في الخارج معيّنًا لا شركة فيه فكلامه صحيح:

في هذا يقول ابن تيمية: «ومعلوم أن المطلق لا بشرط – كالإنسان المطلق لا بشرط – يصدق على هذا الإنسان وهذا الإنسان، وعلى الذهني والخارجي، فالوجود المطلق لا بشرط يصدق على الواجب والممكن، والواحد والكثير، والذهني، والخارجي، وحينئذ فهذا الوجود المطلق ليس موجودًا في الخارج مطلقًا با ريب. ومن قال: إن الكلي الطبيعي موجود في الخارج، فقد يريد به حقًا وباطلً، فإن أراد بذلك أن ما هو كلي في الذهن موجود في الخارج معينًا: أي تلك الصورة الذهنية مطابقة للأعيان الموجودة في الخارج، كما يطابق الاسم لمسمّاه، والمعنى الذهني الموجود الخارجي، فهذا صحيح»61. هذا بالضبط هو عين مذهب أرسطو الذي يقرر أن الكليّ موجود في الأذهان عامًا كليًا، ولكنه موجود في الأعيان خاصًا جزئيًا. وفي هذا النص يصرّح ابن تيمية بالقول بالمطابقة وإمكانها، أي مطابقة المعنى الذهني للموجود الخارجي. صحيح أن ابن تيمية ينفي وجود (كليّ) في الخارج، لكنه لا ينفي وجود الكلي في الخارج، لا بمعنى كونه كليًا، بل بوجوده خاصًا جزئيًا في عالم الأعيان والمشخّصات، ولا ينفي المطابقة، ولا ينفي العلم بحقائق الأشياء وطبائعها.

ب. لا ينازع أحد من العقلاء في صحة القول إن وجود الكلي في الخارج إنما هو وجود أفراده ومعيّناته وأن المطلق في الأذهان يطابق الأفراد في الأعيان:

قال ابن تيمية: «ومعلوم إنه إذا أريد بوجود الكلي في الخارج وجود أشخاصه لا ينازع فيه أحد من العقاء»62. وهذا أيضًا هو عين قول أرسطو كما نقله المرزوقي. وقال كذلك: «وإذا قيل: الكلي الطبيعي في الخارج، فمعناه أن ما هو كلي في الذهن هو مطابقللأفراد الموجودة في الخارج مطابقة العام لأفراده، والموجود في الخارج – معيَّنًا – مختص، ليس بكلي أصلً، لكن فيه حصة من الكلي»63. صحيح أن ابن تيمية يقرر أن الموجود مطلقًا بشرط الإطاق موجود في الأذهان، لكنه لا ينفي البتة أن هذا المطلق «منطبق» على ما في الأعيان، فيقرر أن «المطلق لا يكون مطلقًا إلا في الأذهان، لا في الأعيان، والله تعالى هو الخالق للأمور الموجودة في الأعيان والمعلم للصور الذهنية المطابقة لما في الأعيان»64. ويثبت أن العقليات هي أمور كلية «مطابقة لأفرادها الموجودة في الخارج »65.

  1. ابن تيمية، درء التعارض، ج 1، ص.290
  2. المرجع نفسه، مج 2، ص.21
  3. 6ابن تيمية، الرد على المنطقيين، ص.135
  4. المرجع نفسه، ص.153
  5. المرجع نفسه، ص.309

يزيد هذا المعنى بيانًا، فيقول كذلك: «فإن ما في النفس صفة قائمة بها لا يكون في الخارج، وإنما المراد أن يوجد في الخارج ما يطابقه، بحيث يكون ذلك المعنى الكلي الذهني متناولً له»66. قال أيضًا: «قد عُرِفَ أنه إذا أطلق الأسماء، فالمراد مسمّياتها التي جُعِلت الأسماء دالةً عليها، وإذا كتبت الأسماء، فالمراد بالخط ما يراد باللفظ. فإذا قيل لما في الورقة: هذه الكعبة من الحجاز، فالمراد المُسمّى بالاسم اللفظي الذي طابقه الخط. مثل هذا كثير يعرفه كل أحدٍ، فإذا قيل لما في النفس: ليس بعينه هو الموجود في الخارج، فهو بهذا الاعتبار، أي: ما تصوّرته في النفس موجود في الخارج، لكن يطابقه مطابقة المعلوم للعلم. فإذا قيل: الكلي الطبيعي في الخارج، فهو بهذا الاعتبار، أي: يوجد في الخارج ما يطابقه الكلي الطبيعي، فإنه المطلق لا بشرطٍ، فيطابق المعينات بخاف المطلق بشرط الإطاق، فإن هذا لا يطابق المعينات»67. وها هو ابن تيمية يُصرّح بمطابقة الكلي الطبيعي للموجود الخارجي مطابقة العلم للمعلوم، وهذا في الكلي الطبيعي (أي الكلي لا بشرط الإطاق، بعكس الكلي بشرط الإطاق، فهذا لا يكون إلا في الذهن با إشكال)، وأن هذا يعرفه كل أحد.

ج. إذا قصد بالكلي الطبيعي أن الطبيعة التي يجردها العقل كلية توجد في الخارج معينة فهذا صحيح:

يقول ابن تيمية: «فإذا قيل: الكلي الطبيعي موجود في الخارج، وأريد به: أن الطبيعة التي يُجرّدها العقل كلية توجد في الخارج ولا توجد فيه إلا معيّنة فهذا صحيح»68.

د. الأسباب مؤثرة وقد خلقها الله مؤثرة، فهي لا تفعل وحدها، بل الله تعالى يفعل بها لا عندها، كما يقول الأشاعرة:

يقول ابن تيمية: «وأما الأسباب المخلوقة كالنار في الإحراق، والشمس في الإشراق، والطعام والشراب في الإشباع والإرواء ونحو ذلك، فجميع هذه الأمور سبب لا يكون الحادث به وحده، بل لا بد من أن ينضمَّ إليه سبب آخر، ومع هذا فلهما موانع تمنعهما عن الأثر، فكل سبب موقوف على وجود الشروط وانتفاء الموانع، وليس في المخلوقات واحد يصدر عنه وحده شيء»69.

  1. ابن تيمية، درء التعارض، ج 5، ص.124
  2. 6أحمد بن عبد الحليم بن عبد السام ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، تحقيق محمد أيمن الشبراوي، مج 5 (القاهرة: دار الحديث، 2004)، ص.236
  3. ابن تيمية، درء التعارض، مج 3، ص.333
  4. 6مجموعة فتاوى شيخ الإسلام، اعتنى بها وخرج أحاديثها عامر الجزّار وأنور الباز، ط 2، مج 8 (المنصورة: دار الوفاء، 2000)، ص.82

هذا ما أكّده ابن تيمية طويلً: أن تلك الأسباب هي وسائل ووسائط لفعل الله تعالى، فالله تعالى «يفعل بالأسباب»، كما يقول ابن تيمية، بخاف الذين قالوا إن الله يفعل عندها70. إن «أهل الهدى والفاح» عند ابن تيمية هم الذين يؤمنون بأن الله «خالق كل شيء، وربه ومليكه، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وهو على كل شيء قدير، وأحاط بكل شيء علمًا، وكل شيء أحصاه في إمام مبين». ويضيف: «ومع هذا فا ينكرون ما خلقه الله من الأسباب التي يخلق بها المسببات، كما قال: ﴿حَتَّى إِذَا أقَلَّتْ سحَابًا ثِقَالً سُقْنَاهُ لِبلَدٍ مَيِّتٍ فأَنْزَلْنَا بهِ الْمَاءَ فأَخْرَجْنَا بهِ مِنْ كُلِّ الثّمرَاتِ﴾ (الأعرافَ: 57)، وقال تعالى: ﴿يَهْدِي بهِ اللَّهُ مَنِ اتّبعَ رِضْوَانَهُ سبُلَ السّلَمِ﴾ (المائدة: 16)، وقال تعالى: ﴿يُضِلُّ بهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بهِ كَثِيرًا﴾ (البقرة: 26)، فأخبر أنه يفعل بالأسباب»71.

ه. من أنكروا السببية والقوى والطبائع أضحكوا الناس على عقولهم وقدحوا في العقل والدين:

يقول ابن تيمية: «الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا، نقصٌ في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قَدْح في الشرع، ومجرد الأسباب لا يوجب حصول المسبب، فإن المطر إذا نزل وبذر الحب لم يكن ذلك كافيًا في حصول النبات، بل لا بد من ريح مُرْبِيَة بإذن الله، ولا بد من صرف الانتفاء عنه، فا بد من تمام الشروط، وزوال الموانع وكل ذلك بقضاء الله وقدره، وكذلك الولد لا يولد بمجرد إنزال الماء في الفرج، بل كم من أنزل ولم يولد له، بل لا بد من أن الله شاء خلقه فتحبل المرأة وتربّيه في الرحم، وسائر ما يتم به خلقه من الشروط وزوال الموانع»72. يقول ابن تيمية أيضًا: «قال بعض الفضاء: تكلم قوم في إبطال الأسباب والقوى والطبائع، فأضحكوا العقاء على عقولهم». ثم يُضيف في نقده أولئك الذين ينكرون السببية والطبائع: «ثم إن هؤلاء يقولون: لا ينبغي للإنسان أن يقول: إنه شبع بالخبز، وروي بالماء، يقول: شبعت عنده ورويت عنده، فإن الله يخلق الشبع والريّ ونحو ذلك من الحوادث عند هذه المقترنات بها عادة، لا بها». ويكمل معلقًا: «وهذا خاف الكتاب والسُنّة»73. الحاصل أنه يؤكد أن الله ربط بين الأسباب ومسبّباتها «ربطًا محكمًا»74، ويُهاجم الجهمية ومن وافقهم الذين ألغوا ونفوا الحكمة والتعليل والغاية ويردّ عليهم، في مواطن عدة75.

  1. المرجع نفسه، مج 3، ص.76
  2. المرجع نفسه.
  3. المرجع نفسه، مج 8، ص.44
  4. المرجع نفسه، ص.85
  5. المرجع نفسه، ص.236
  6. ينظر، على سبيل المثال: المرجع نفسه، ص.90

و. عموم الأمم تعرف الحقائق:

لئن كان ابن تيمية يعيب المنطق الصوري في أشياء، من جهة التصور، ومن جهة التصديق، فإنه لا يُلغي مطابقة ما في الأذهان لما في الأعيان، ولا يلغي معرفة الحقائق – بخاف فهم المرزوقي – فيقرر في كتاب الرد على المنطقيين (وهو الكتاب عينه الذي «انتقى» المرزوقي منه شذرات من النصوص غير الدالّة إلا بغير قليل من التأويل البعيد)، أنه «كانت الأمم قبلهم [أي المنطقيين] تعرف حقائق الأشياء بدون هذا الوضع، وعامة الأمم تعرف حقائق الأشياء بدون وضعهم»76. وأن «جماهير العقاء من الأمم يعرفون الحقائق من غير تعلم منهم لوضع أرسطو»77.

خلاصة واستنتاج: ملامح قراءة المرزوقي لابن تيمية

بعد ما تقرر بيانُه، وما اتضح مما نقلناه عن ابن تيمية وبنصوص أوضح دلالةً على مراده، نجد من المائم أن نسرد مامح قراءة أبي يعرب المرزوقي لابن تيمية، ونبيّنها في ما يأتي.

1. التوظيف الأيديولوجي

بتوسّل التكتيكات الآتية: الانتقاء، وضعف الاستقراء، والتأويل البعيد. أما الانتقاء وضعف الاستقراء، فقد بنى المرزوقي نظريته كلها في اسمية ابن تيمية على «بضعة نصوص» تحتمل أكثر من معنى، بل إنه يعترف بوضوح أنه لم يَسْتَقْرِ آراء ابن تيمية استقراءً تامًا، بل بنى نظريته كلها على «إشارات» لا أكثر، فيقول عن النظرية «الاسمية» (التيمية): «فهذه النظرية لم يعرضها صاحبها عرضًا نسقيًا، بل أتت في شكل إشارات خاطفة واستطرادية»78، مغفلً نصوصًا أخرى أَصرح وأوضح تخالف تلك «الإشارات الخاطفة والاستطرادية» التي بنى عليها المرزوقي بنيانه، والتي نقلنا طرفًا منها. كما أن من أراد إثبات أي نظرية لأي مفكّر معتمدًا على إشارات خاطفة واستطرادية؛ أمكنه هذا. ومن هنا، فهي ليست قراءة معرفية، بل هي، كما هو واضح، قراءة تعسفية. وأما التأويل البعيد، فيتجلّى في النص التيمي الذي وظّفه المرزوقي، والذي استدلّ فيه بالترتيب المقلوب، في جعل المعاني الكلية العامة المطلقة في الذهن، كالألفاظ المطلقة والعامة في اللسان، وكالخط الدالّ على تلك الألفاظ، كما يعبّر ابن تيمية؛ ذاك أن تشبيه هذا بذاك، كتشبيه ذاك بهذا، لا يُعدّ دليلً قطعيًا يوثّق به على أن المراد هو نفي المطابقة، وقد أوردنا أكثر من نصّ يصرح فيه ابن تيمية بالمطابقة تصريحًا؛ ما يدلّ على أن المرزوقي اعتمد على التأويل البعيد من أجل أن يثبت نظريته، ولا يخفى ما في هذا من قسر للنص على ما ليس صريحًا فيه. تشير هذه التكتيكات إلى «توظيف أيديولوجي» لنصوص ابن تيمية، تصدر عنه أحكام «قاسية» ضد من يخالفون هذه النظرية «الاسمية». فنجد المرزوقي يصف من يخالف «المذهب الاسمي» في الفلسفة،

  1. ابن تيمية، الرد على المنطقيين، ص.28
  2. المرجع نفسه.
  3. المرزوقي، إصلاح العقل، ص.268

الذي يراه جوهر «الحنيفية المحدثة» (أي الإسام)، بأنهم: «متكبرون لظنهم الوجود منحصرًا في الإدراك، وهم منافقون لكونهم لا يصرحون بذلك إلا إذا فضحتهم شطحات بعض الصوفية، وهم جاهلون لظنّهم ظنونهم طبائع الأشياء وقيمها الذاتية، وليست مجرد اجتهادات نظرية وعملية، وهم كافرون، أي ناكرون للحقيقة المتمثلة في استحالة المطابقة79 بين الرب والمربوب »80. ومثل هذه التصنيفات لا يصدر عن قراءة معرفية لا تتولى إعطاء قيمة دينية وإيمانية، ولا قيمة أخاقية. بل تصدر عن قراءة «أيديولوجية»، «تعسفية»، تعتمد التصنيف الأيديولوجي على أساس القرب من الأيديولوجيا والبعد عنها.

2. عدم التفريق بين مقام النقض والدفاع والرد، ومقام التقرير والادعاء والإثبات

إذ استقى المرزوقي نصوصه من كتابين من كتب ابن تيمية، وكاهما في الردّ على الخصوم: كتاب الرد على المنطقيين، وكتاب درء تعارض العقل والنقل، من دون أن يفرّق بين «مقام التقرير»، و«مقام الرد» (ونقلنا، للمفارقة، نصوصًا أخرى ومن الكتابين ذاتهما أوضح في الدلالة على فهم ابن تيمية للكلي، ما يخالف استنتاجات المرزوقي). ذاك أنه عُرف في التراث أن من أراد الردّ على الخصوم ردّ عليهم بأي دليل ممكن، وبأي وسيلة يجدها، حتى لو كانت تخالف منهجه الاعتقادي ذاته. نضرب على هذا مثالين: الأول: هو ما سلكه أبو حامد الغزالي في نقضه الفاسفة، نعني كتابه تهافت الفلاسفة؛ إذ يقول في نصه الشهير المعروف: «ليُعلم أن المقصود تنبيه من حسُن اعتقاده في الفاسفة، وظن أن مسالكهم نقية عن التناقض، ببيان وجوه تهافتهم، فلذلك أنا لا أدخل في الاعتراض عليهم إلا دخول مطالب منكر، لا دخول مدع مثبت. فأبطل عليهم ما اعتقدوه مقطوعًا بإلزامات مختلفة، فألزمهم تارة مذهب المعتزلة وأخرى مذهب الكرامية؛ وطورًا مذهب الواقفية، ولا أنهض ذابًا عن مذهب مخصوص، بل أجعل جميع الفرق إلبًا واحدًا عليهم، فإن سائر الفرق ربما خالفونا فى التفصيل، وهؤلاء يتعرضون لأصول الدين، فلنتظاهر عليهم فعند الشدائد تذهب الأحقاد»81. فالغزالي هنا لا يلتزم منهج الأشاعرة في الرد على الفاسفة، بل يأخذ بأدلة جميع الطوائف الإسامية، التي يخالفها؛ وذلك لأن مقام النقض والرد والإلزام مختلف عن مقام التقرير والإثبات، فيلجأ المجادِل إلى دليل مخالفيه ليردّ على خصمه، لأن المهم عنده هو نقض كام الخصم لا إثبات شيء آخر. وهذا مسلك أيديولوجي لا مسلك معرفيّ. الثاني: هو مسلك ابن تيمية نفسه في كتابه منهاج السنة النبوية الذي يوضح منهجه في الرد، فيقول: «وإذا كان المقصودُ نَصْرَ حق اتَّفقَ عليه أهل الملة أو ردَّ باطل اتفقوا على أنه باطلٌ نُصِرَ بالطريق الذي

  1. نذكر هنا أن المرزوقي يتعمّد ذكر المطابقة بين الرب والمربوب على أساس أن دعوى أن العقل الإنساني قابل لمعرفة طبائع الأشياء هي – في فكر المرزوقي – دعوى اطّاع الإنسان على الغيب، وهذا من خصائص الله، كما سبقت الإشارة إليه.
  2. المرزوقي، تجليات الفلسفة، ص.527
  3. أبو حامد الغزالي، تهافت الفلاسفة، تحقيق سليمان دنيا، ط 4 (القاهرة: دار المعارف، 1966)، ص.83–82

يفيد ذلك وإن لم يستقم دليله على طريقة طائفة من طوائف أهل القبلة بُيِّنَ كيف يمكن إثباته بطريقة مؤلَّفة من قولها وقول طائفة أخرى؛ فإِنّ تلك الطائفة أن توافق طائفةً من طوائف المسلمين خيرٌ لها من أن تخرج عن دين الإسام»82. وفي هذا بيان أن ابن تيمية يردّ على خصومه بأي دليل توافر لديه، وكان خصومه في كتابه الردّ على المنطقيينهم المناطقة والفاسفة الذين يخالفهم في منهج الاستدلال وفي نتائجه. ولا يعبّر ردّه بالضرورة عن اقتناعه الشخصي؛ لأن الهدف هو الإبطال، لا إثبات شيء آخر.

3. الإسقاط

إذ يؤكّد المرزوقي أن ما وصل إليه الغرب من التنوير سبقهم المسلمون إليه في «الحنيفية المحدثة» عن طريق الثورة النقدية التيمية والخلدونية، فيسقط مفاهيم حديثة على واقع قديم، كمثل من يقول مثلً إن الدولة الأموية كانت دولة قومية، أو من يقول إن الدولة البويهية كانت دولة ديمقراطية، أو من يزعم أن ثورة الزنج كانت ثورة بروليتارية...إلخ. وتلك كلها مواقف أيديولوجية، لا مواقف معرفية. في هذا يقول المرزوقي: «قد كان الفاسفة يعتقدون أمرين لم يعد أحد يصدق بهما إلا إذا كان جاهلً بالفكرين الفلسفي والديني الحديثين: الأول: هو أن للعقل القدرة على إدراك حقائق الأشياء بإطاق، ومن ثم فالعلم الذي في الذهن ليس فيه مخالفة لموضوع في العين إلا بسبب الخطأ الإنساني الذي يمكن تجاوزه، ومن ثم معرفة حقائق الأشياء كما هي في ذاتها؛ فا يبقى لمفهوم الغيب معنى ويصبح أصحاب هذا الرأي قادرين على الكام في كل شيء كامًا وثوقيًا هو عين الفكر الديني المتخلف الذي نهى عنه القرآن وهم يتصورون أنفسهم ثائرين عليه. والثاني: هو أن السبيل إلى ذلك هي الانطاق من حقائق أولية هي جوهر العقل أو مبادئه التي تطابق قوانين الوجود في ذاته، إن الغيرية الوجودية لم تكن واردة عندهم ومن ثم فالحقائق الأولية – ومنها مبادئ العقل – ليست إلا مجرد مواضعات إنسانية لبناء الأنساق المعرفية التي هي مجرد أدوات للتعامل مع الامتناهي المجهول بالطبع في الظاهرات التي تتلقاها حواسنا»83. ويتابع: «وهذان الأساسان صارا بعد الثورة النقدية، وخاصة بعد الثورة على محاولات إصاح الفلسفة النقدية لترميم حلولها، أصبحا معتبرين عند كل الفاسفة والعلماء مجرد حكمين مسبقين لم يعد أحد يقبل بهما حقائق مطلقة حتى وإن كان أحد لا يشك في أنهما صالحان للعمل الفكري بعد التسليم بأنهما مواضعات تصورية». ثم يقول: «وقد اكتشف الفكر الغربي الحديث بعد النقد وهاء الحجتين بفضل الثورة النقدية وما بعدها،

  1. ابن تيمية، منهاج السنة، مج 1، ص.205
  2. أبو يعرب المرزوقي، الجلي في التفسير، مج 3 (تونس: الدار المتوسطية للنشر، 2010)، ص.34

وهذا الاكتشاف متأخر بالقياس إلى ما حصل في الفكر النقدي الإسامي منذ القرن الثامن – الرابع عشر، فقد كان الفكر العربي الإسامي أدرك وهاء هذا كله منذ القرن الرابع عشر في بدايته من منطلق نقد الفلسفة النظرية (ابن تيمية) وفي غايته من منطلق نقد الفلسفة العملية (ابن خلدون)، ولم ينتظر لا النقد الكنطي ولا ما بعده»84. بل إن المرزوقي ليذهب إلى أبعد من هذا؛ فيقول إن فكر المتكلمين «لم يسمُ إلى ما وصل إليه [أي ابن تيمية] من فهم عميق للثورة القرآنية التي يتمنّى جلّ مفكري الغرب التنويريين تحقيق ما يقرب منها للرفع من منزلة الإنسان وتحريره من سلطان الكهان». أي إن ما وصل إليه ابن تيمية بفكره لم يصل إليه حتى مفكرو الغرب التنويريون الذين كانوا يدعون إلى تفكير الإنسان تفكيرًا حرًا با وصاية من أحد، في حين كان ابن تيمية – شأنه شأن غيره من علماء الطوائف الإسامية – يحثّ على عقوبة المبتدع (المخالف) بمختلف أنواع العقوبات. وبعد؛ يبدو للباحثَين، بعد هذه الرحلة الموجزة، أن قراءة المرزوقي لابن تيمية لم تكن قراءة «معرفية» تهدف إلى مقاربة آراء ابن تيمية مقاربة موضوعية، بل لا تخلو من أن تكون قراءة «أيديولوجية»، تهدف ربما إلى «خطف» ابن تيمية من أيدي الإساميين، أو ترجو أن يكون الدين (الوحي) مجرد فلسفة «اسمية». وبغض النظر عن أهداف تلك القراءة، فإن الوسيلة لم تكن معرفيّة، بل كانت أيديولوجية انتقائية لا تعبّر تعبيرًا دقيقًا عن نظرية ابن تيمية في الكليّ، مفارقًا كان أم محايثًا، ولا تعبّر عن نظريته في الطبائع، ولا في السببية، ولا في سائر أركان المذهب الاسمي في الفلسفة التي نسبها المرزوقي إليه، على النحو الذي أوضحته الدراسة.

References

المراجع

العربية

السمهوري، رائد. نقد الخطاب السلفي ابن تيمية نموذجًا. دبي: دار مدارك،.2012 المرزوقي، أبو يعرب. إصلاح العقل في الفلسفة العربية: من واقعية أرسطو وأفلاطون إلى اسمية ابن تيمية وابن خلدون. ط 3. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2001

________. تجليات الفلسفة العربية: منطق تاريخها من خلال منزلة الكلي. بيروت: دار الفكر المعاصر؛ دمشق: دار الفكر،.2001

  1. المرجع نفسه. وما بين الأقواس هو من عند المرزوقي.
  2. أبو يعرب المرزوقي، حرية الضمير والمعتقد في القرآن والسنة: قراءة نقدية لأسس الفكر الكلامي، وبعض أنصاره الجدد (تونس: الدار المتوسطية للنشر، 2008)، ص 164. وما بين معكوفين من الباحثين.
  3. لبيان موقف ابن تيمية من الآخر غير المسلم والآخر المسلم، ينظر: رائد السمهوري، نقد الخطاب السلفي ابن تيمية نموذجًا (دبي: دار مدارك، 2012)، الفصل الأول من الكتاب.

________. شروط نهضة العرب والمسلمين. دمشق: دار الفكر؛ بيروت: دار الفكر المعاصر،.2001 ________. نقد الميتافيزيقا بين الغزالي وابن رشد. تونس: الدار المتوسطية للنشر،.2007

________. حرية الضمير والمعتقد في القرآن والسنة. تونس: الدار المتوسطية للنشر،.2008

________. الجلي في التفسير. مج 3. تونس: الدار المتوسطية للنشر،.2010

ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السام. الرد على المنطقيين. لاهور: إدارة ترجمان السُنّة، ________. درء تعارض العقل والنقل. تحقيق محمد رشاد سالم. ط 2. الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود،.1991

________. منهاج السنّة النبوية. تحقيق محمد أيمن الشبراوي. مج 5. القاهرة: دار الحديث،.2004 الغزالي، أبو حامد. تهافت الفلاسفة. تحقيق سليمان دنيا. ط.4 القاهرة: دار المعارف،.1966

مجموعة فتاوى شيخ الإسلام. اعتنى بها وخرج أحاديثها عامر الجزّار وأنور الباز. ط 2. مج 8. المنصورة: دار الوفاء،.2000

الأجنبية

Rée, Jonathan & J. O. Urmson (eds.). The Concise Encyclopedia of Western Philosophy.

3 rd (ed.). London\ New York: Routledge, 2005.