Return to Article Details Book review: The Critique of Freedom: An Introduction to the Philosophy of Emmanuel Levinas By Rachid Boutayeb

مراجعة كتاب: نقد الحرية: مدخلٌ إلى فلسفة إمانويل ليفيناس لرشيد بوطيب

Book review: The Critique of Freedom: An Introduction to the Philosophy of Emmanuel Levinas by Rachid Boutayeb

عبد الحكيم شباط *

Abdul–Hakim Shubat *

الملخّص

عنوان الكتاب: نقد الحرية: مدخلٌ إلى فلسفة إمانويل ليفيناس. المؤلف: رشيد بوطيب. تقديم: آكسيل هونيث. الناشر: بيروت: منشورات ضفاف/ الجزائر: منشورات الاختلاف. سنة النشر: 2018. عدد الصفحات: 160 صفحة.

Abstract

Book review: The Critique of Freedom: An Introduction to the Philosophy of Emmanuel Levinas By Rachid Boutayeb

الكلمات المفتاحية:
  • الحرية
  • إمانويل ليفيناس
  • نقد
Keywords:
  • Freedom
  • the Philosophy
  • Emmanuel Levinas

عنوان الكتاب: المؤلف: رشيد بوطيب. تقديم: آكسيل هونيث. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات: 160 صفحة.

نقد الحرية: مدخلٌ إلى فلسفة إمانويل ليفيناس.

بيروت: منشورات ضفاف؛ الجزائر: منشورات الاختاف.

يتكون كتاب نقد الحرية: مدخلٌ إلى فلسفة إمانويل ليفيناسمن أربعة فصول وتقديم وتمهيد وتأمات ختامية. في تقديمه هذا العمل، يعرّف الفيلسوف آكسل هونيث بالأسئلة المحورية التي تدور حولها فصول الكتاب، ويورد في هذا السياق: «إن حرية الفرد الضرورية لكل ديمقراطية لا يمكنها التحقق إلا عبر اعتراف بالمسؤولية الفردية تجاه الآخرين. وبلغةٍ أخرى: إن الحرية الفردية في الكيان الديمقراطي ممكنة فقط كحرية اجتماعية للمواطنين والمواطنات، الواعين بضعفهم» (ص. 10). أما مؤلف الكتاب، رشيد بوطيب، فيقول في تمهيده: «إن فهمي للعمل الفلسفي لليفيناس باعتباره نقدًا للحرية، يتمظهر خصوصًا من خال حواره النقدي مع كل من هوسرل وهايدغر وسارتر» (ص. 12). إذًا، نحن أمام عمل يقدم نفسه باعتباره مراجعة نقدية لمفهوم الحرية، ومحاولة إعادة بناء نقدية لمساهمة الفيلسوف الفرنسي ليفيناس في تفاعله الجدلي مع ثاثة فاسفة مؤثرين في بلورة هذا المفهوم في سياق الفلسفة الغربية. في التمهيد الموسوم ب «مديح الضعف»، يناقش بوطيب إحدى النقاط الفارقة في فلسفة ليفيناس، وأعني التشابك ما بين أصوله اليهودية وفلسفته الأوروبية، ومقاومة «فلسفة الهيمنة» التي طبعت الفلسفات الكلّية في أوروبا. وهو لا يشذّ في هذا عن أقطاب الفلسفة اليهودية، مثل فرانس روزنتسفايغ ومارتين بوبر، وقبلهما هيرمان كوهين، ممن حاولوا تقديم قراءة «إنسانوية لليهودية»؛ تلك المحاولات التي سعت لترجمة الحدوس الدينية الكبرى إلى لغة فلسفية، أو إلى لغة الحداثة. وفي هذا السياق، يقارب بوطيب بين مفهوم «التعالق» لدى كوهين، بوصفه «عاقة عقانية ما بين الإنسان والإله»، وكمحاولة لتخليص اليهودية من الطابع الأسطوري والصوفي، تمهيدًا لمصالحتها مع زمن العالم، وبين فهم ليفيناس «العاقة الإتيقية»، بوصفها تسبق كل حضور أو حرية داخل الذات؛ ف «الذات الإتيقية لا تتحقق بدءًا إلا ما وراء الحرية، إنْ لم يكن ضدها» (ص. 18)، ليلتقي كلٌ منهما بالآخر حول ما يسمى «إتيقا الضعف» التي ستصبح «سمة الأخاق الموضوعية». وكذلك يرصد بوطيب الأثر البالغ الذي تركه نقد روزنتسفايغ «للكلية» في فلسفة ليفيناس، وأي دور كان لكتابه نجمة الخلاص في تصور ليفيناس «الراديكالي للحرب» بوصفها حقيقة النظام السياسي، وأن السام لا يكون إلا خارج هذه الحقيقة، كاستثناء أو «حالة طارئة» فحسب، حيث يغدو «وجه الآخر» شكلً من أشكال ما يسمّيه «المقاومة الإتيقية». ويمثّل مثل هذا الفهم احتجاجًا على الروح الكلية المستبدة بالفلسفة الهيغلية التي سوغتْ الحرب وقهر الآخر وإخضاعه. ومع مارتن بوبر، سيلتقي ليفيناس في التمييز بين التفلسف «الكلياني» بوصفه تملّكًا وسيطرة، و«التفلسف المنفتح» على الآخر، بوصفه تفاعلً متبادلً معه. ولا شك في أن غاية مثل هذه الأطروحات إنما كانت، في الدرجة الأولى، مقاومة عداء السامية المستعر حينها في جو ثقافي ألماني محتقن. إذًا، اتفقت نيّاتهم وتنوّعت أساليبهم على أن تلك المحاولات لم تقصد عزل اليهودية كالجزيرة وسط المحيط، بقدر ما أرادت تأكيد خصوصيتها الثقافية من غير انغاق على الذات، فهم قدموا أنفسهم بوصفهم أبناء للثقافة الألمانية والأوروبية بامتياز. ويطلق بوطيب مصطلح «الإتيقا المضادة»، على مشروع ليفيناس؛ لأنه يرى فيه تمرّدًا على الفهم التقليدي للأخاق وعلى معاييرها، ويكتفي بالبحث عن معناها من دون السعي لاختزالها في بابٍ محدد،

كما أنه مشروع ضد «أخاق الحرية» التي تنتهي دومًا إلى نوع من «استغناء الذات عن الآخرين»؛ فالواجب الأخاقي هبة الذات، وليس هبة العاقة. جاء الفصل الأول من الكتاب بعنوان «من الوعي إلى اللغة: الآخر في فينومينولوجية هوسرل»، ونقف هنا على قراءة نقدية معمقة لمفاهيم نظرية هوسرل «البيذاتية» الأساسية مثل «عاقة الأنا بالآخر»، و«العاقة التكوينية ما بين الوعي والواقع»، و«اكتفاء الذات الترنسندنتالية بذاتها»، وعلى وجه الخصوص في تأمله الديكارتي الخامس، بالإشارة إلى الأبعاد الميتافيزيقية لبعض تلك المفاهيم، وهو أمر تفرّد به بوطيب، وتأكيد التشابه الحاصل ما بين منهجية «الاختزال الفينومينولوجي» لدى هوسرل «الشك الديكارتي»، وأن الاختاف الظاهري لا يلغي حقيقة أن التأمّات الديكارتية كانت ضرورية، أو ممهدة لظهور الفينومينولوجيا الهوسرليانية. ويتشابك تحليل بوطيب النقدي لفلسفة هوسرل مع وجهات نظر فاسفة آخرين عدة، من مثل دريدا، وألفرد شوتس، وسارتر، وبرنهارد فالدنفليز، وميرلو – بونتي، وريكور، وتسيلينسكي، وبوبر... إلخ. ويتموضع موقع ليفيناس من جهة رفضه اعتبار حضور «الآخر» في عاقته ب «الذات» على نحوٍ ثانوي أو «مصادفة» في فينومينولوجية هوسرل، ولينقل تلك العاقة من المستوى الإبستيمي إلى المستوى الإتيقي، ولتصبح العاقة بالآخر تعرّف «لاتماثليًا» أو «لقاء »ً Begegnung بالمعنى الذي تقدمه الفلسفة الحوارية للقاء، وتؤسس لعاقة هي «ضيافة غير مشروطة»، «انكشاف وليس كشفًا» أو «مصدرًا للمعنى»، عبر «نداء الآخر؛ نداء، هو: وجه، ومسؤولية». أما الفصل الثاني، بعنوان «من الكينونة إلى الواجب: هايدغر وهوسرل»، فيعرض لمراجعة هايدغر لتصوّره الأنطولوجي، وتمايزه من «فينومينولوجية» أستاذه هوسرل. سينظر هايدغر إلى «البيذاتية» باعتبارها حالة «يومية» مشتبكة بالواقع، ليست حالة متعالية، كما هي لدى هوسرل أو تجربة مجثتة. وعلى الرغم من هذا الاختاف الظاهري ما بين التصورين، فإن القراءة النقدية تكشف لنا عن تقاربات وتقاطعات واضحة في ما بينهما. ثم ينتقل بوطيب إلى معالجة نقد ليفيناس لمشروع هايدغر، المتمثل خصوصًا في كتابه الكينونة والزمان، فهو لا يتقبل «حيادية الكينونة وأولويّتها تجاه الكائن». إن نقد ليفيناس للحرية ما هو إلا «نقد للأنطولوجيا كحرية» تستبد بالآخر وتُخضعه، وتتحقق فيها «الأصالة» ضد الآخرين أو ومنهجية ما يسميه هايدغر «دكتاتورية الهم». لكن ليفيناس يدافع «عن ذاتية هي ضيافة، مستغرقة في الآخر، وليس في كينونتها» (ص. 70)، فالإتيقا «مسؤولية» تجاه الآخر، و«مسائلة» للحرية، في الوقت ذاته. و«الخير»، وليس الخير التوتاليتاري، سابق على «الكينونة». فليس العقل من يحدد عاقتي بالآخرين، هو الذي ضحّى بهم، وباستمرار، باسم الغاية النهائية أو باسم «تحقق الحرية في التاريخ»، لكنه «الألم واللذة والوجود الجسدي»، فضدّ هيغل، لكن ضد هوسرل أيضًا وفي توافق مع أدورنو سيكتب المؤلف: «متألمًا فقط يبدأ الفيلسوف». إنه «الوجه» ضد العقل، أو هو الوجه باعتباره تجليًا للأمر الإلهي، «وجهًا لوجه، با وساطة أو انتماء». وأمام مشكلة الموت، تظهر مرة أخرى أصالة الرؤية الليفينانسية، في مقابل نظيرتها الهايدغرية، فموت «الآخر» لا موت «الأنا الشخصي» من يعبّر عن حقيقة هذا الموت، في حين سيبقى موت الآخر في نظر هايدغر

ثانويًا بالنسبة إلى أي «معرفة بالموت». ويشير بوطيب إلى موقف ليفيناس في كتابه الغيرية والتجاوز، عبر اقتباس لغابرييل مارسيل، يقول فيه: «أنْ تحب، يعني أنْ تقول للآخر: أنت لنْ تموت» (ص. 85). ويتبع بوطيب هذا الاقتباس بتعليقٍ معبّر: «إن الحب ينكر الموت»! (ص. 85) أما الفصل الثالث، فكان بعنوانٍ ملغّزٍ «النظرة والوجه». وفيه مقاربات نقدية ما بين سارتر وليفيناس، والعنوان ترميز لفلسفتيهما، فعلى الرغم من أنهما اتفقا على رفض «مذهب التكوين» Konstitution لدى هوسرل، فإن مواقفهما تمايزت تجاه رؤية العاقة بالآخر، حيث رأيناها لدى ليفيناس «إتيقا» ترى في الآخر «وجهًا»، أما تحقق «الذاتية» والحرية في هذه العاقة، على نحوٍ ما، فمعادلة «للأنانية»، بل إن «إنسانية الإنسان لن تتحق إلا ما وراء هذه الحرية»، في حين بقيت العاقة بالآخر لدى سارتر ذات بعد «أنطولوجي»، والإنسان نفسه مرتهن لحريته، يرى في عاقته بالآخر «تهديدًا لحريته»، و«أناه» الوجودية مصدرية أخاقية، وسيبقى التكوّن المعرفي الخاص للذات من عدمه مرتهنًا لهذا الآخر الذي «تلتقيه ولا تكونه» عبر التجربة المعيشة. كما يعرض المؤلف للنقد الخاص الذي وجّهه سارتر إلى النظرية «البيذاتية» لدى هيغل وهوسرل وهايدغر، ومشيرًا إلى ما قدّمه هونيث في الموضوع نفسه، ليخلص المؤلف إلى أن الاختاف الجوهري أو «الراديكالي»، ما بين رؤية ليفيناس وسارتر للعاقة بالآخر، يكمن في أن سارتر يراها تتحقق عبر «الصراع»، في حين يراها ليفيناس لقاءً «إتيقيًا». وفي الوقت الذي رأى سارتر أن فلسفة الروح الهيغلية تتقدم في ما يتعلق ب «سؤال الآخر» على رؤية هوسرل التي «اختزلته في بعده الإبستيمولوجي»، فإن فلسفته الخاصة تتقدم في المقابل على رؤية هايدغر «الأنطولوجية – التضامنية»، حيث هي عنده عاقة «أنطولوجية – صراعية»، نلتقي من خالها الآخر، ولا نكونه؛ هذا الآخر الذي يبقى لنا «موضوعًا» و«همًا» محسوسًا، نفقد أمامه حريّتنا، ونستشعر «خجلنا» من جهة كونه «نظرةً» مسلّطةً على الذات، ومن ثم، تسير «الحرية» عنده في الطريق التي خطّها لها هوبز، كما يرى هونيث، من جهة، كونها «حرية سلبية» لا تتحقق إلا بالصراع أو إزالة العقبات التي في طريقها، وأنها، من جهة أخرى، استمرار لنهج هيغل، كما يرى المؤلف، من حيث إن إمكان تحقق الوعي مرهون بالصراع مع وعي آخر، أو بعبارة المؤلف «على جثة وعي آخر»، ليصبح الإنسان بهذا من ينتزع حريته أو «يخلق طريقه بنفسه»، كما زعم سارتر في مسرحية «الذبابة». وفي هذه النقطة الجوهرية تحديدًا يفترق ليفيناس عن سارتر؛ إن الذات لدى ليفيناس رهينة لدى الآخر، هو «اختارني قبل أن أختاره»، وفي موضع آخر «يد تمتد إلى فم صاحبها لتنزع منه قطعة الخبز، حتى تسدّ رمق الآخر» (ص. 104). إن اللقاء مع الآخر تواصلٌ سمته «الانفتاح»، لكنه انفتاح لا يختزل في فعل الاعتراف الذي، بحسب ليفيناس، يبقى مجرد «ديمومة في الشبيه». وهنا يقدم المؤلف نقدًا مبطّنًا لفلسفة أستاذه آكسل هونيث. وتحت عنوان «إنساني مفرط في غيريته»، يناقش بوطيب نظرة سارتر، الساذجة كما نعتقد، إلى عاقة الإنسان بخالقه، من حيث اعتباره أن فكرة خلق الإنسان تنتزع منه إمكان وجوده وحريته، وإثبات ذاته لا يتحقق إلا بإلغاء وجود خالقه، وأما الصاة فتحيل الذات إلى مجرد موضوع، وهو يرى أن

«الإنسان لا شيء آخر سوى حريته»، هذه الحرية التي ينبغي لها أن تتمرد، وتنفلت من عقال كل وازعٍ أو كل وجه، إنها حرية غير مشروطة، تتحقق كصراع مع الآخر. يطرح ألان رونو وفاسفة آخرون السؤال التالي: «إذا كانت الذاتية كخضوع محض، فكيف يمكنها أن تكون مسؤولية؟» (ص 114 وما بعدها). إلا أن بوطيب يوضح أن أي فلسفة تتمحور حول الذات، سوف يصعب عليها التفكير من خارجها، لأن الخضوع هنا ليس بالمعنى الذي قدّمته فلسفة التنوير إلى الدين، بل بالمعنى الذي يتم فيه تجاوز الذات لذاتها أو خروجها منها، لغة وليست وعيًا وحريةً، أو بلغة ليفيناس: «أنْ أستقبل الآخر، يعني أن أسائل حريتي» (ص. 118). في الفصل الرابع، بعنوان «هوية صعبة»، يعرّج بوطيب على النقد الذي قدّمه إمانويل مونييه، في سياق الفلسفة الفرنسية، لفرضية سارتر في «البيذاتية»، مستندًا إلى غابرييل مارسيل وقراءته النقدية لمفهوم «الحرية الوجودية»، وكيف استفاد مونييه من هذا النقد، واستعمله في تطوير مفاهيمه ورؤيته الشخصانية. يخيرنا مارسيل بين الحياة «الوجودية» التي تكون فيها حرية الذات غير مشروطة، بوصفها خالقة الوعي الخاص بالعالم والمالكة له، في مقابل حياة حقيقية و«أصيلة» تصبح فيها الحرية مسخّرة لخدمة الآخرين ومرتهنة بوجودهم. أما مونييه، من جهته، فينتقد عاقة الصراع التي يقيمها سارتر ب «الآخر»، الذي يرى فيه مجرد مادة تصطدم به «الأنا»، وتحوّله إلى «موضوع». ويقدم رؤيته الخاصة من وحي تأثره بمارسيل؛ التي لا ترى في «الآخر» ذلك العدو الذي يجب اقتاعه من طريقي، أو ذاك الذي «يسلبني عالمي» وحريتي، بل هو من يحرّرني من «أنويتي» و«فرديتي»، من دون أن يكون مجرد صدى «للأنا» أو مجرد «أنا أخرى» Ego Alter. يعود بوطيب مرة أخرى إلى نقد ليفيناس لهايدغر، وخصوصًا لمفهوم «السكن الكلياني» لدى هايدغر، أو ما يسميه «وثنية المكان»، فيعوّض «المكان» ب «الشكر»؛ فالمكان انتماء، والشكر عاقة تتجاوز الاعتراف. يكتب: «علينا، إذا استحضرنا ليفيناس، ألا نختزل الشكر في جوابٍ على فعل خير، بل هو من يصنع الذات، ويجعل منها ذاتًا. فالشكر تعبير عن العاقة وعرفان بالجميل، عرفان يتجاوز الاعتراف، إنه أكثر من سكن، لأنه سكن لأجل الآخرين» (ص. 113).