Return to Article Details Memory from the Perspective of the Historian

الذاكرة من منظور مؤرخ

Memory from the Perspective of the Historian

وجيه كوثراني *

Wajih Kawtharani *

الملخّص

في إطار تعاملها مع العلاقة الوثيقة بين الكتابة التاريخية وعملية التذكر، بوصفها وسيطًا لإنتاج السرديات التاريخية، تنطلق هذه الدراسة من فرضية أساسية تشدد على أنه بعد مراجعات عبد الرحمن بن خلدون للكتابة التاريخية العربية والتمييز النقدي، الذي دأب عليه الفلاسفة المسلمون الأقدمون بين المعرفة العقلية والمعرفة الشرعية، لم يجر منذ تلك الأعمال أي تأسيس لنقد إبستيمولوجي جدي وجديد يُسائل المحتوى الأيديولوجي والطبيعة المنهجية للسرديات الكبرى التي أنتجتها الذاكرة التاريخية للمنطقة العربية الإسلامية. ورغم الأشواط الفكرية غير الهينة، التي عرفها البحث التاريخي العربي خلال العقود الخمسة الأخيرة بالاستفادة من الزخم الفكري الغربي، فإن تجديده الشامل لا يزال في حاجة إلى إطلاق ورشة بحثٍ كبرى تعالج الممارسة التاريخية في المنطقة من جهة كونها نتاج ممارسة ذاكرية لم تُدرس طبائعها على الوجه المأمول.

Abstract

Abstract: This paper looks at the close relationship between historical writing and the process of memory as a medium in which historical narratives are produced. Since Ibn Khaldun’s reviews of Arabic historical writing and the critical distinction established by ancient Muslim philosophers between rational and Jurisprudential knowledge, little work has been conducted to establish new and serious epistemological criticism that questions the ideological content and the methodology of the major narratives produced by the Arab-Islamic region’s historical memory. Despite the non-trivial intellectual strides that Arab historical research has made over the past five decades by building on Western intellectual momentum, a comprehensive renewal still requires research on a grand scale to deal with historical practice in the region as the product of a practice of remembrance, the characteristics of which have not been studied as might be hoped. Sectarianism. Memories, Collective Writing, Historical،Memory: Keywords

الكلمات المفتاحية:
  • الذاكرة
  • الكتابة التاريخية
  • الذاكرات الجمعية
  • الطائفية
Keywords:
  • Memory
  • Historical Writing
  • Collective Memories
  • Sectarianism

أولا: من القديم اليوناني إلى «الوسيط» الإسلامي

جعل اليونان القدماء من «الذاكرة» إلهة، هي الإلهة منيموسين Mnemosynes وجعلوا لها بنات تسعًا «ميوزات»1 هنّ ملهمات الشعر والموسيقى والفنون. هي الإلهة الحافظة لذكرى الأبطال والشعراء. والشاعر بدوره مسكون بالذاكرة، هو «عرّاف الماضي وعرّاف المستقبل»، شاهد مُستحضِر للأصول وممجِّد «لعصر الأبطال»2. كان هذا موقع الذاكرة في الميثولوجيا اليونانية Mythology Greek، وكما عبّرت عنها أشعار الإلياذة والأوديسة، وقبل أن تتحوّل إلى مقولة فلسفية؛ أي قبل أن تخضع للتفكير الفلسفي في عقول كلٍّ من سقراط وأفلاطون وأرسطو، وبوصفها جزءًا أو فصلً من فصول نظرية المعرفة. وإذ بقيت «الذاكرة» في سلم المعرفة عند أفلاطون جزءًا من تذكر عالم المثل، «تعلمنت» المقولة في تفكير أرسطو ومنهجه الاستقرائي، أي إنها تموقعت داخل الزمن التاريخي، وفي مسافة محدّدة بين ماضٍ وحاضر، وخضعت لعملية ذهنية هي عملية «التذكّر»، وهي بهذا أضحت قابلة للدرس والفهم، كما فعل أرسطو في مذكرته المعنونة «الذاكرة والتذكر»3Anamnesis. وفي «المدينة – الدولة»، أوجد اليونان للذاكرة أيضًا مؤسسة لها ممثلها، هو ال Mninones؛ أي «المتذكر» الذي يراقب ويحفظ ويشهد، فكان له دور اجتماعي وقضائي4. ولم تلبث الذاكرة تتوسَّع في مفهومها ودورها، حتى أضحى لها دور في تظهير السياسة وتحسين الخطابة واللغة. تمّ ذلك من خلال تنشيطها بتقنيات الحفظ والاستظهار وجودة التعبير وأمانة النقل، حتى أصبحت في العصر الروماني جزءًا من علم البلاغة والخطابة والرواية والشعر (مثل نموذج شيشرون). في سياق زمن الانتقال والتحوّل من حال القديم اليوناني – الروماني إلى حال «الوسيط المسيحي»، ينتصب معلم نقلةٍ مميزة ودامغة في مفهوم الذاكرة ومعنى الزمن وفلسفة التاريخ. هذا المعلم يتمثّل بكتاب الاعترافاتللقديس أغسطين؛ الذاكرة هنا حقل اعتراف وتوبة وغفران، مناجاة وجدانية للخلاص، والزمن التاريخي مسار لتحقيق هذا الخلاص بهداية الرب وتوجيهه، والتاريخ مسرح تحقيق

  1. الميوزات: هن إلهات الإلهام في الميثولوجيا اليونانية القديمة. ويمتلكن قدرات وميزات عظيمة، وذلك من خلال القضاء على السَّأم والحزن الذي يصيب النفس. وأصواتهن عذبة تثلج الصدر وتبعث الطمأنينة في النفس. ويعتبرن مصدر إلهام للشعر والموسيقى بحسب الأسطورة.
  2. جاك لوغوف، التاريخ والذاكرة، ترجمة جمال شحيد، سلسلة ترجمان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.119
  3. بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة جورج زيناتي (بيروت: دار الكتاب الجديد، 2009)، ص.54
  4. لوغوف، ص.118–117

للمشيئة الإلهية5. هكذا بدأت الثقافة المسيحية التي طبعت ثقافة ما سيسمى (لاحقًا) قرونًا وسطى أو عصرًا وسيطًا، ليتشكل خلال تلك القرون، وعبر سياسات كنيسة روما ومؤسساتها السلطوية الكبرى والثرية جدًا، إطار قيادي وتربوي لصناعة «ذاكرة جمعية» أي «هوية دينية» خاضعة لسلطاتٍ تجاذبت في ما بين الصراع والتحالف، حتى آل التجاذب إلى صيغة «الحق الإلهي للملكيات الحاكمة»، أي تقسيم السلطة بين كنيسة وملوك في ذاكرة جمعية وهوية دينية مجتمعية تقومان على اختزان معتقدات وأوهام، وعقليات وذهنيات مستلبة إلى أقصى حدود الاستلاب6. أما العصر الإسلامي المتزامن مع العصر «الوسيط المسيحي»، ولا سيما الواقع في قرونه الهجرية الأولى – منذ القرن الثاني الذي شهد انطلاق «عصر التدوين» وبلغ ذروته في القرن الرابع الهجري، أي القرن العاشر الميلادي الموصوف ب «الذهبي» – فكان عصر ازدهار الذاكرة بامتياز، ولا سيما الذاكرة المكتوبة المدوّنة، وإن كنّا لا نصادف هذا المصطلح إلا لمامًا في نصوص ذاك الزمن. غير أن ما نجده بكثرة وافية من مفردات، كالخبر والذكر والحديث والسيرة والسند والإسناد والرواية والراوي والشهادة وغير ذلك، فإنما يدل مضمونًا ومعنى على مدلولات الذاكرة، بما تعنيه هذه الأخيرة من صفاتٍ أو حالاتٍ، بل إنها التاريخ نفسه في وعي الناس، المُرسِل منهم والمتلقي، أي المحدث منهم أو المستمع أو القارئ. وإذ أضحت الأخبار تاريخًا أو تواريخ، وأضحت الذاكراتُ الجماعاتية كتب تاريخ تعبر عن أجيال وطبقات وأمكنة وأمصار وفئات اجتماعية مختلفة من كبار الناس إلى صغارهم، ومن أعلاهم إلى أسفلهم، وممن هو مقدَّس إلى من هو «مدنّس»، وممن هو مركزي إلى من هو «هامشي»، فإن كل كتابة عن «ذاكرة» أو عن «سلوك» أو «سيرة» في زمنٍ أضحت تاريخًا وتواريخ. يكتب السخاوي في القرن التاسع الهجري مصنفًا موضوعات هذه التواريخ تحت باب «التصانيف في التاريخ» فيورد في هذا الباب: تواريخ الأنبياء والرسل، والأمم، والأئمة والملوك والأمراء، والولاة والقضاة والفقهاء والعلماء، والشعراء والأدباء واللغويين، والمحدثين، وتاريخ المعلمين، والوراقين، والقصاصين، والطرقية، والغرباء، والوعاظ والخطباء، وقراء الأنغام والندباء والمطربين، وتاريخ الأشراف والأجداد، والعقلاء والأذكياء والحكماء، وتاريخ الأطباء والفلاسفة والزنادقة والمهندسين ونحو ذلك، وتاريخ المتكلمين والمعتزلة والأشعرية، وتاريخ أنواع الشيعة والخوارج، وتاريخ أهل السنة، وتاريخ البخلاء والطفيليين

  1. هذا يعني أن الكنيسة لم تحافظ على صفاء الإيمان الأغسطيني وصوفيته الوجدانية والأخلاقية، بل استثمرت معتقد «الخلاص» لتكريس ثقافة دينية وصناعة «ذاكرة جمعية» راضخة ومستلبة لتحالف السلطتين. وفي هذا السياق تندرج عملية بيع صكوك الغفران. حول «جوانية» هذه الذاكرة ورحابة اتساعها للأفكار والتصورات للحياة والكون ونزوعها الخلاصي المتعالي نحو المطلق، تحسن العودة إلى تعليقات بول ريكور بشأن بعض نصوص القديس أغسطين في: ريكور، حيث يقارن بين حيزَي الذاكرتين والفاعلين فيها: «ذاكرة شخصية – ذاكرة جماعية»، في: المرجع نفسه، ص 163–155؛ كذلك، من المفيد المقارنة بين نمطين من الذاكرة الفردية: ذاكرة القديس أغسطين في الاعترافات، وذاكرة ابن خلدون في كتاب التعريف، فإذا كانت الأولى «جوانية» تنطلق من الداخل الذاتي إلى الخارج، فإن ذاكرة ابن خلدون يمكن توصيفها بأنها تنطلق من «الخارج» الاجتماعي – السياسي – الثقافي (أي البيئة أو الوسط) إلى الداخل ورهاناته مع الخارج السياسي (السلطوي). والهدفان مختلفان: الأول خلاص من الدنيا والثانية سعي لسلطةٍ في الدنيا، ينظر: عبد الرحمن بن خلدون، التعريف بابن خلدون ورحلته غربًا وشرقًا (بيروت: دار الكتاب اللبناني،.)1979
  2. راجع وصفًا وتحليلً لتلك المعتقدات والأوهام السائدة في مجتمعات القرن السادس عشر الأوروبي الذي كان لا يزال يحمل امتداد صور الذاكرة الجمعية القروسطية، في: Lucien Febvre, Le problème de l’incroyance au XVie siècle: La religion de Rabelais (Paris: Albin Michel, 1947).

والثقلاء وذوي الحماقة والخيلاء والسفهاء، وتاريخ الأضرّاء والصم والخرس والحدبان، وتاريخ الشجعان والفرسان والشطار، وتاريخ التجار وعجائب الأسفار وغرباء البحرية، وتاريخ ذوي الصنائع العجيبة، وتاريخ الرهبان وذوي الصوامع والخلوات، وتاريخ المِلاح والعشاق والمتيمين والرقاصين وشربة الخمور وأهل القيادة والكذب، وتاريخ ذوي الدهاء والحزم والتدبير والرأي والخداع والحيل، وتاريخ الصائعين والمخنثين وأهل المجون والمزاح والكذب، وتاريخ عقلاء المجانين والموسوسين، وتاريخ السفلة والشحاذين والمتمنين والحرافشة، وتاريخ قتلى القرآن والحب والسماع، وتاريخ الكهان وأهل الخوارق والكشف7. واضح أن ما يعبر عنه السخاوي (ت. 902 ه/ 1497 م) – وقد جاء بعد ابن خلدون – هو نوع من الأدب الحر الذي يستهدف أغراضًا شتى؛ بدءًا من غرض المسعى إلى التقوى الدينية، وإلى الفضيلة الأخلاقية، وإلى الحكمة، إلى السياسة إلى الإمتاع والمؤانسة والترفيه والتندر والنكتة، وكذلك من سير الكبار إلى الصغار، ومن سير الخاصة إلى العامة، ومن سير الحكماء إلى سير السفهاء. وأغلب هذه الكتابات نصوص متناقلة عبر المشاهدة أو الرواية، وتخص بشرًا؛ أفرادًا أو جماعات، آحادًا أو فئات. وأداة نقلها «الذاكرة» أي، عمليًا، «الحافظة» الذهنية للمشهد أو المعلومة أو الخبر. على أن المصطلح الأخير، أي الخبر، كان العنصر الأولي في الرواية، أي في السرد الذاكراتي الذي يتضمنه النص، كما يذهب فرانز روزنتال Rosenthal Franz (2003–1914) المحق في تحليل «الرواية» في خطاب «التاريخ» عند المسلمين8. وعندما نشدد على مصطلح «الخبر» و«الإخبار» – وقد نُعت المؤرخون المسلمون الأوائل ب «الإخباريين» أو «الأخباريين» – فإنما يجري التشديد في تفسير ذلك على عملية «الإخبار» أي ما يسمى حتى يومنا هذا ب «التذكر»، أي نقل ما شاهدنا أو سمعنا أو ما قرأنا عنه، وقد مضى عليه زمن ما قريب أو بعيد، قصير أو طويل. وكل هذا سمي في الثقافة العامّة بشيء كثير أو قليل من التجوّز «ذاكرةً تاريخية»، فكان أن اختلطت الذاكرة بالتاريخ، حتى أضحى الطرفان واحدًا عند كثيرين، أي في «الوعي الجماعي»؛ الأمر الذي يثير إشكالً معرفيًا حول حقيقة معرفتنا بالماضي وبإشكالية «التذكّر» في حد ذاتها. وهذا يعني أن هذا الخلط بين الذاكرة والتاريخ، وهو ناتج من إقامة «التواريخ» على قاعدة «ذاكرتها»، أي جعل «الخبر» أساسًا أو وحدة معرفية لبناء سردية تاريخية، كان من شأنه أن يثير إشكالات كبرى حول «صحة الخبر» أو يقينيته أو صدقيته. بدأ ذلك في الثقافة الإسلامية المبكرة في مجال الحديث والمحدثين، وبروز سؤال عن صحة نسبة الحديث إلى الرسول. وكان الظرف التاريخي للشك في صحة الخبر افتراق المسلمين إلى فرق، وتسلح أطراف الصراع على السلطة بشرعية الحديث. وسواء كانت هذه السلطة سلطةً دينية – سياسية، أو سلطة معرفية (علمًا أنّ السلطتين كانتا وجهين لعملة

  1. شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي، الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ، عن نسخة مصورة من مكتبة أحمد باشا تيمور، عنيت بنشره مكتبة القدسي (بيروت: دار الكتاب العربي، 1979)، ص.7
  2. فرانز روزنتال، علم التاريخ عند المسلمين، ترجمة صالح أحمد العلي، مراجعة توفيق حسين (بغداد: مكتبة المثنى، 1963)، ص.104–103

واحدة)، فإن الصراع الفكري – السياسي ولّد علمًا، هو علم «التعديل والتجريح» الذي أفاد منه النقد التاريخي إفادة عظمى، ومفاده تقييم عملية «الإسناد» لقياس مدى قوتها أو ضعفها، أي قياس مدى «عدل الراوي» أو مدى «التجريح» في روايته، من حالة الضعف حتى التدليس. إذًا، كان موضوع النقد علميًا، وسواء عُبّر عن ذلك صراحةً أو ضمنيًا، فهو موضوع «الذاكرة والتذكر»، العنوان الأرسطي الدائم، والمنفتح في أسئلته وإشكالاته على كل المعارف والاختصاصات. أما الصفات المعبّرة عن «التعديل» أو «التجريح» التي استخدمها النقاد «المحدِّثون» في مقارباتهم فهي: الثقة، والصدق، والعلم بالألفاظ والمعاني، والبراءة، والعدل أي (أن يكون الراوي بريئًا من التدليس والانحياز)، والقدرة على الحفظ وعدم النسيان. وكل هذه الصفات تشير صراحةً إلى إخضاع «الذاكرة» للمحاكمة أو التقييم المعياري: الصدق، والكذب، والنسيان، والهوى، والانحياز إلى رأي أو مذهب، أو التشيع له. وكان ابن خلدون قد أضاف إلى هذا المعطى المنهجي، الذي وجده غير كافٍ لتمحيص الخبر التاريخي (لأنه مخصوص بموضوع الخبر الشرعي – الديني)، معيارَ مطابقة الخبر ل «طبيعة الأشياء» أي «الممكن والممتنع»9 في طبائع العمران. لن نتوسّع في هذه الدراسة بشأن ابن خلدون بعد أن استعاد تعريف «التعديل والتجريح» والذاكرة التاريخية، ونكتفي بهذا القدر لنخلص إلى القول إن النقد التاريخي في الثقافة الإسلامية بقي خجولً، بل غاب، بدليل أن السخاوي (بعد ابن خلدون) كرّس دفاعه عن التاريخ؛ لأنه، أولً، علم مساعد لعلوم الشريعة، وهو أيضًا حقل كتابةٍ يتسع لكل «ذاكرة» و«كل تذكر» في أحوال الناس، عبرةً أو حكمةً أو مؤانسةً وسلوى. والسخاوي يدرج عشرات الموضوعات التي تؤكدها مئات الكتب التي ألِّفت في المرحلة اللاحقة (في عهدي المماليك والعثمانيين)، وقبلها في القرون الهجرية الأولى، عن سير الأعيان والعلماء والقضاة والوزراء والأمراء والملوك والسلاطين، وكذلك عن أخبار التجار والحرفيين والمغنين والرقاصين والماجنين وقصص المهمشين بأنواعهم في المجتمع. وكلها يمكن أن نصنفها في باب «تواريخ الذاكرات»: ذاكرات الجماعات أو الذاكرات الجمعية، أو بتعبير مختصر «ذاكرة المجتمع».

ثانيًا: أين يكمن الإشكال المعرفي هنا؟

تزعم فرضية هذه الدراسة أنه لم يحصل أن جرى بعد ابن خلدون أي تعبير عن سؤال معرفي يُخضع المعارف المنتجة تاريخيًا (أي الذاكرات المختلفة) للنقد الإبستيمولوجي أو المنهجي، كما فعل سابقًا

  1. حاولت في كتابي تاريخ التأريخ: اتجاهات، مدارس، مناهج (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، أن أطرح سؤالً وأحاول الإجابة عنه: لماذا أعجب مؤرخ وضعاني حديث (كأسد رستم) «بعلم الجرح والتعديل»، وجعله صنوًا لقواعد المنهجية التاريخية الحديثة، في حين اعتبر ابن خلدون علم الجرح والتعديل غير كاف لتمحيص الخبر التاريخي، أي لعلم التاريخ الذي دعا إليه في المقدمة؟ ينظر: المرجع نفسه، ص.125–113

نقاد «الحديث» أو الأخبار، أو كما فعل ابن خلدون نسبيًا في نقده للمؤرخين السابقين. أو كما فعل فلاسفة الإسلام الأقدمون في تمييزهم بين المعرفة الفلسفية العقلية والمعرفة الدينية – الشرعية. بل على العكس؛ إذ تكرّست «الذاكرات الجمعية»، لا سيما في مخطوطاتها الحديثية والكلامية، نصوصًا تستعاد وروايات تحكى في المجالس والمدارس الدينية، لتثبت نوعًا من «ذاكرة جمعية» تقوم على الآليات السيكولوجية للذاكرة، أي على طبائع التذكر في الاصطفاء بين حالات الماضي (أي من التراث)، وغالبًا على ما يحدث للذاكرة – ولا سيما الذاكرة الجمعية – من حالات «نسيان» أو «سكوت» أو إخفاء، وفي كثير من الأحيان حالات حرقٍ أو غسلٍ للمخطوطات، ولا سيما في خضم الصراعات على السلطة بين فرقٍ إسلامية، أو بين عصبيات إثنية في عالم الإسلام. وفي هذا السياق، كانت تجري محاولات محو «لذاكرة جماعة» من جانب جماعة أخرى. إنه سياق الصراع على السلطة؛ والصراع بين البويهيين والسلاجقة، وغيره من الصراعات في عالم الإسلام أمثلة دالّة على ذلك10. وإذا صح أن نتحدّث عن «ذاكرة علمية» في التاريخ الإسلامي، فإن هذه الذاكرة كانت قد بدأت بالضمور والانكماش حتى بان ذلك «نسيانًا» أو يكاد في أواخر القرن السادس عشر الميلادي. أقول «يكاد» لأنَّ ضوءًا من هذه الذاكرة العلمية المتبقية من آثار «وسط علمي» أو «جماعة علمية» قديمة كان لا يزال يقاوم، ولكن ما إن يظهر ليؤكد نوعًا من استمرارية الذاكرة العلمية القديمة، حتى يخبو بفعل هيمنة وسطوة «ذاكرة جمعية» دينية، كانت تتسع دائرتها وتكبر، وأصرت، لدى من يتحكم، على نشر أفكارٍ ومعتقداتٍ وعقلياتٍ تفرض أحادية النظر الديني إلى شؤون هي من اختصاص علوم الطبيعة وليست من اختصاص علوم الدين، كالنظر إلى علم الفلك (علم الهيئة) من زاوية النظرة البطليموسية المتبناة في النص الديني، أو كالنظر إلى الأمراض البدنية كالطاعون من زاوية «الطب النبوي». في المسألة الأولى، كان هدم مرصد إسطنبول الذي بناه واحد ممن استمروا في متابعة علم الفلك، تقي الدين بن معروف (932 ه/ 1526 م 993–ه/ 1585 م)، المعروف ب «الراصد» (ونسبه الشامي)، ثم هدمه السلطان مراد الثالث (953 ه/ 1546 م 1003–ه/ 1595 م) بفتوى من شيخ الإسلام عام 988 ه/ 158011. وفي المسألة الثانية، يبرز ذاك الصراع أو الجدل بين مقاربات الأطباء، والفقهاء وأصحاب السلطان والإمارة، في الموقف من مرض الطاعون في بلاد المغرب، حيث يتراجع الموقف الطبي القائل بالعدوى والحجر

  1. روى ابن الجوزي حوادث عام 420 ه/ 1029 م، ومنها حملة الأمير يمين الدولة أبي القاسم محمود على مدينة الري، حيث التجأ قوم من المعتزلة والشيعة والباطنية والديلم (عساكر البويهيين). يورد ابن الجوزي أخبار هذه الحملة من خلال رسالة وجهها قائد الحملة إلى الخليفة العباسي القادر بالله حيث يشرح قائد الحملة للخليفة العباسي ما قام به من أعمال قتل وتنكيل ونفي، بناءً على رأي الفقهاء والذين استفتاهم، فرأوا «أنهم (أي المعتزلة والشيعة والباطنية والديلم) خارجون على الطاعة وداخلون في أهل الفساد، فيجب عليهم القتل والقطع والنفي على مراتب جناياتهم». وكان من أعماله إلى جانب القتل والنفي «أن حُوّل من الكتب خمسون حملً، ما خلا كتب المعتزلة والفلاسفة والروافض فإنها أحرقت [...] إذ كانت أصول البدع»، ينظر: جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، تحقيق محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا (بيروت: دار الكتب العلمية، 1992)، ج 15، ص 196؛ وللمزيد، ينظر: ناصر الحزيمي، حرق الكتب في التراث العربي (كولونيا: منشورات الجمل، 2002)، ص.50–46
  2. ينظر توسيع لهذه المسألة في: سامر عكّاش، مرصد إسطنبول: هدم الرصد ورصد الهدم، تطور ثقافة العلوم في الإسلام بعد كوبرنيكوس (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2017

من أجل الموقف «الديني – السياسي» الذي تمثله السلطة12؛ المكفِّر للموقف الأول والداعي إلى الدعاء والصلاة فحسب. لم يكن الحال مختلفًا في أوروبا آنذاك، وفي الحالين كان التاريخ يحتاج إلى «صدمةٍ» للذاكرة. وكان ل «حسن حظ» أوروبا، أو ل «سوئه» في عالم الإسلام (إذا جاز استخدام هذا التعبير الملطف بديلً من تعبير «مكر التاريخ» أو «لعبته»)، أن حدثت «الصدمة» في أوروبا، على موجات متتابعة، من خلال «الثورة الكوبرنيكية» وهي الثورة التي تلاحقت تداعياتها أو ارتجاجاتها من كوبرنيك إلى كبلر إلى غاليليو إلى نيوتن، فأنهت بنحو تدريجي ونضالي طويل ومكلف «ذاكرة بطليموس» التي حنطتها السلطات الدينية هنا وهناك في ما تعتقده هذه الأخيرة أنه صالح لتفسير الطبيعة «وما بعد الطبيعة» (الميتافيزيقا) معًا. حينها كان العرب والمسلمون، عمومًا، غارقين في ذاكرة تاريخية ساكنة ومطمئنة إلى أنها ذاكرةٌ ل «خير أمة»، في حين بدأت في أوروبا أفكار «الأنسنة» – أي التفكير في الإنسان – والشك والتجريب والاختبار والعقلنة (وهي أشياء نُسيت في الذاكرة الإسلامية)، تُخضع كل شيء للتساؤل في ظل فلسفة للحرية (حرية العقل) تنزع كل فعل سحرٍ عن العالم لتكتشف قوانين الطبيعة والتعلم منها13. كل هذا أطلق بدوره النظريات الكبرى في فلسفة المعرفة الإنسانية وطرائقها التجريبية ومناهجها البرهانية. ولم تكن مقولة «الذاكرة» غائبة عن البحث النقدي في هذا الخضم الهائل من الحراك الفكري. فالمقولة (أي الذاكرة)، من حيث هي مضمون ل «معرفة ما» وهمية أو واقعية، كانت مستبطنة بصفتها موضوعًا في شتى نظريات المعرفة، سواء كانت هذه الأخيرة برهانية قائمة على العقل المحض أو تجريبية قائمة على الإدراك الحسي. في كتابه الكبير والقيم الذاكرة والتاريخ والنسيانالذي جمع فيه بول ريكور Ricœur Paul –1913(2005) كل ما يتعلّق بأفكار ونظرياتٍ حول مفهوم الذاكرة، واستخلص منها توجهات عملانية ومواقف وآراء منهجية وإبستيمية للتاريخ والمعرفة التاريخية، توقَّف ريكور عند جون لوك Locke John –1632(1704) ليستخلص من مبحث هذا الأخير بعنوان «مقالة تتعلق بالفهم الإنساني»، الرأي التالي: إن لوك

  1. ينظر الكتاب القيم حول الطاعون: حسين بوجرّة، الطاعون وبدع الطاعون: الحراك الاجتماعي في بلاد المغرب بين الفقيه والطبيب والأمير (1800–1350) (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2011). يختم المؤلف الفصل المتعلق بتطور أدبيات الطاعون في بلاد المغرب، وبعد أن يستعرض آراء عدد من الأطباء، يقول: «عرفت حركة التأليف في مجال العلوم الطبية تطورًا كبيرًا خلال القرن الخامس عشر وبعده بقليل، إلا أن هذه الكتابات، ما لم يتعرّض للأوبئة والطواعين، وإذا ما تناولها بالبحث، فإنه كان يقصر بحثه عادةً على إعادة ما هو امتداد لدى الأطباء منذ ابن سينا، ويقف عاجزًا عن استيعاب ما ورد لدى ابن خاتمة مثلً من إقرار صريح بالعدوى، ودعوة إلى التحرر من الوباء، واعتماد نظام الحجر الصحي» (ص 370–369). وكان المؤلف قد أشار إلى أهمية طبيبين أندلسيين قالا بالعدوى والحجر الصحي هما: ابن الخطيب (ت. 776 ه/ 1374 م) وهو صاحب مخطوطة مقنعة السائل عن المرض الهائل، وقد اغتيل بتهمة «المروق عن الدين»، وابن خاتمة صاحب كتاب تحصيل غرض القاصد في تفصيل الوافد، وهو يقول أيضًا بالعدوى والحجر الصحي، ويحاول أن يلطف موقفه باللجوء إلى توثيق بين الموقف الطبي والموقف الديني عن طريق ترجيح كفّة التأويل للشرع الإسلامي «لتحفظ من سريان الطاعون بالملامسة والمخالطة»، إلا أن المؤلف يخلص إلى القول: «إن مصير هاتين الرسالتين كان في الأخير واحدًا: التغييب والتناسي»، ينظر: المرجع نفسه، ص.337
  2. كان العلماء وفلاسفة العلم أثناء هذه الثورة يقولون بالتعلم من قوانين الطبيعة، بل إن بعضهم يقول ب «الخضوع لها»، وليس «السيطرة عليها»، كما آل إليه الحال لاحقًا عند البعض.

كان أول من اكتشف ثالوث العلاقة بين «الوعي والذات والهوية» جاعلً من «الذاكرة» الرابط أو الجسر الذي يوصل ما بينها، وفي الوقت نفسه هو الراسم لتخوم «الاختلاف والتنوع» بين الهويات سواء على صعيد الأفراد أو الجماعات14. لن نتابع في هذه العجالة ما كُتِب صراحةً أو ضمنيًا من موضوعة «الذاكرة» في الفكر الغربي الحديث (وإن كان هذا العمل على قدر كبير من الأهمية). لكن يكفي أن نذكر أن مقولة «الذاكرة» خرجت من عباءة الفلسفة، أي من النظريات الكلية في التعريف بالمعرفة وأصلها وفصلها وكينونتها (أي جينالوجيتها وأنطولوجيتها) إلى حقول استخداماتها ووظيفتها النفعية، أي العملية في العلوم الاجتماعية والإنسانية، وتحديدًا في علم النفس الاجتماعي والتحليل النفسي، وعلم الاجتماع والإثنولوجيا والتاريخ، وربما في علوم أخرى كالسياسة والاقتصاد، فضلً عن البيولوجيا والفيزيولوجيا والطب العقلي Psychiatry، وكل هذه العلوم لها مقارباتها الخاصة، وحصتها في حقل «الذاكرة» واسع الآفاق الفكرية والإبستيمية والاستثمارات العلمية المفيدة. هذا، على أن قرابةً حميمة جدًا على صعيد الإبستيمولوجيا حصلت بين الفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع والإثنولوجيا فكان من شأنها (أي هذه القرابة) أن توحّد بين المرجعيات التأسيسية لهذه الاختصاصات، وبصورة خاصة عند أوائل من كتب وما كُتِب في موضوع «الذاكرة»، حين مرحلة التأسيس الأكاديمي لهذه الاختصاصات ومكانة الذاكرة فيها. يحسن التذكير مثلً بعمل هنري برغسون Bergson Henri (1859–1941) في كتابه المادة والذاكرة (1896)، وبأعمال مارسل موس Mauss Marcel (1950–1872) في الأنثروبولوجيا والإثنولوجيا، ولا سيما في اشتغاله بفعل السحر في المجتمعات البدائية، حيث يشغل حقل الذاكرة الجمعية للقوم أو للقبيلة حيزًا مؤثرًا في ثالوث «الجسد – النفس – المجتمع» لدى الفرد وتأثراته وتعبيراته15. ونذكّر أيضًا بالعمل الرائد لموريس هالبفاكس عن «الذاكرة الجمعية» (1925) (الأطر الاجتماعية للذاكرة الجمعية)، وهو يربط ما بين الذاكرة الفردية والجمعية، ويبين أن الذاكرة الفردية لا تتكون إلا من خلال ذاكرة اجتماعية. هذا فضلً عن أهمية مرجعية ماكس فيبر Weber Max (1920–1864) في دراسة تأثير البنيات الفوقية (الدين والعقليات والثقافات عمومًا) في الاقتصاد والإدارة والسلوك، وعن مدى تأثير إميل دوركايم (1917–1858) في تحديد قواعد المنهج السوسيولوجي، بعيدًا عن النظريات الفلسفية الكلية، لتجري اختبار الموضوع السوسيولوجي لظاهرة محدّدة قابلة للدرس، كالانتحار مثلً أو العمل أو الجماعة أو القبيلة، وهي ظاهرات نفس – اجتماعية غير بعيدة عن إشكالية الذاكرة كحقل لدراسة التصورات والتخيلات لدى الجماعات.

  1. ريكور، ص.173–164
  2. ينظر قراءة مركّزة لدراسة موس في «الاستماتة»: «كيف نقرأ مقالً لمارسيل موس؟»، في: حسن قبيسي، المتن والهامش: تمارين على الكتابة الناسوتية (بيروت: المركز الثقافي العربي، 1997)، ص.34–11

حملت عبء هذه التوجهات في فرنسا مجلات رائدة، صدرت عن فلاسفة وعلماء اجتماع ومؤرخين، وتتابعت في صدورها وتعايشت وتنافست في الوقت نفسه، علمًا أن جميع مؤسسيها كانوا يؤمنون بتداخل الاختصاصات وتكامل منهجياتها حول الإنسان «المتذكر»، وما يعنيه عنوان أرسطو وقد تجزأت الفلسفة إلى علوم وضعية، ومن تلك الجهود على سبيل المثال: • مجلة التوليف التاريخي Revue de synthese Historique: أسسها الفيلسوف هنري بير Berr Henri عام.1900 • مجلة حولية علم الاجتماع L’Année sociologique: أسسها عالم الاجتماع إميل دوركايم

Durkeim Emile عام.1898

• مجلة الحوليات Les Annales: أسسها مؤرخان هما: مارك بلوخ Bloch Marc)1944–1886(ولوسيان فيفر Febvre Lucien (1956–1878) عام 1929. والملاحظ أنه على الرغم من الإصرار على شرعية الاختصاص  Discipline عند كلّ هؤلاء، كان الواحد يحبذ التوسع والامتداد في حقل الآخر، ولا سيما بين التاريخ وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا التاريخية. ولهذا التنافس قصة طويلة منذ الدوركايميين الأوائل إلى عهد ليفي شتراوس Strauss – Lévi Claude (2009–1908)، وفرنان بروديل Braudel Fernand (1985–1902)، وربما حتى الآن. ماذا جرى بعد ذلك أو أثناء ذلك وقد انفجرت أوروبا آنذاك خلال حربين عالميتين مدمرتين؟ غرقت أوروبا في ذاكرات حروبها وخنادق «هوياتها» المتقاتلة، لتعود فتبحث عن «خلاصها» عبر الأيديولوجيات والفلسفات الكبرى المتفائلة بمصير التاريخ. شيوعية أم ليبرالية؟ بعد أن كادت ذاكرة الحضارات عند كل من أوسفالد شبنجلر وأرنولد توينبي ودوراتها المتخيلة أو المفترضة بسقوط أوروبا في نازيتها وفاشيتها أو بدورات ازدهار متبادلة بين دوائر العالم، أو بقلق وجودي، تحتار «الذاكرة» الأوروبية ماذا تختار في زمن القلق. هذا من غير نسيان لعالم ثالث كان يبعث بين الحين والآخر رسائل «حضارية بديلة» بواسطة ما يشيع أو يكتب عن معاني ثوراته، وعن حركات التحرر الوطني في بلدانه، وعن احتمال حضارة «عالم ثالثية» بديلة (فرانز فانون Fanon Frantz (1961–1925)، ومالك بن نبي (1973–1905)، ومحمد إقبال (1938–1877)، وسيدار سنغور (2001–1906)، وعلي شريعتي (1977–1933)). وليتبين بعد كل هذا أنها صور من ذاكرة، أو قراءة متخيلة لتاريخٍ ومستقبل مفترض. بدءًا من ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته، كان يتشكّل وعي تاريخي عالمي أخذ من جديد في الحديث عن «ذاكرة» و«ذاكرات» و«هوية» و«هويات»، ولكن بمنهج نقدي جعل من الأيديولوجيات ذاتها موضوعًا للنقد، ومن العلم حقلً للبحث وإعادة النظر والتقييم، ومن الذاكرة نفسها حقلً للبحث أو مفهومًا يستفاد منه.

دخل مفهوم «الذاكرة» قلعة التاريخ، من بابين مختلفين في وظيفتيهما بل متناقضين: • الأول، من باب تفكيك التاريخ الرسمي أو التاريخ السائد ومساءلته عن «المسكوت» عنه وعن المطموس وعن المهمّش، أي عن التاريخ الذي لم يكتب؛ عن تاريخ الناس الذي زوّر أو همّش أو لم يسمح لهم بالتعبير قتلً أو سجنًا أو قهرًا أو منعًا. فكان دخول الذاكرة «وثورتها» داخل «سجن التاريخ» تحريرًا أو تصحيحًا أو تصويبًا. من هنا كانت أهمية الشهادة الشفوية أو المكتوبة فاستردت اعتبارها بوصفها ذاكرةً مُصَحِّحة للتاريخ. • الثاني، من باب تخليص التاريخ من وطأة الذاكرة وتلبسها، حيث يلتبس النص فتطغي الذاكرة بذاتيتها ووهمها ووظيفتها على التاريخ نفسه، فينتصب أمام المؤرخ العادل مهمة التمييز بين الحيزين لمزيد من الفهم ومن التفسير. بابان، إذًا، مختلفان في علاقتهما بالتاريخ، ولكنهما بابان متكاملان في مسعاهما للحقيقة وللعدالة معًا. يكتب جاك لوغوف عن «الذاكرة والتاريخ» والعلاقة بينهما، ومدى الضرر أو الفائدة من تجاذبهما أو التمييز أو الفصل بينهما. ويكتب بول ريكور عن نظريات الذاكرة عبر تاريخ الأفكار، ليشدد على أنماطها وحقولها وحيز استخداماتها النفس – اجتماعية والسياسية، وعن حالاتها وعن هشاشتها وعن حالة النسيان فيها، وعن استدعاءاتها للغفران مطلبًا وواجبًا، وبصورة خاصة مطلبها للعدالة مبشرًا «بالذاكرة العادلة»، في زمن عشوائية الذاكرات والهويات، سواء تلك الهويات المكبوتة أو المقهورة، أو تلك الهويات «المتلاعب» بها. ويكتب بندكت أندرسن Anderson Benedict (2015–1936) في «الجماعات المتخيلة» ليراها أصلً لنشوء الأمم والجماعات القومية، اعتمادًا على ذاكراتها التاريخية «الجمعية»، التي تقوم عليها تلك الجماعات حين يتهيأ لها المقومات والشروط التاريخية التي من شأنها أن تجعل من عناصر الذاكرة الجمعية مكونًا «لهوية وطنية»، مع تنبيه أندرسن إلى دور «النسيان» أو التذكّر وأوانهما ووظيفتيهما في الوعي التاريخي: كيف نتذكر أو ننسى؟ ومتى يكون التذكر والنسيان؟ يعطينا أندرسن مثلين على وجوب التذكر من جهة، ووجوب النسيان من جهة أخرى: • الأول، مثل المؤرخ الفرنسي جول ميشليه Michelet Jules (1874–1798) الذي كتب «نيابة عن موتى الثورة الفرنسية» حين يقول: «أجل ما من ميت إلا ويترك ذاكرة Mémoire ويطالبنا بأن نهتم بها. أما من لا صديق له فيجب أن ينوب عنه القضاء؛ ذلك أن القانون والعدالة أشدّ ثقةً من حنان النسَّاء ومن دموعنا التي سرعان ما تجف. وهذا القضاء هو التاريخ». • الثاني، يعود إلى أرنست رينان Ernest Renan (1823–1892)، فعندما نشر رينان عمله ما الأمة؟ في عام 1882، بعد أكثر من قرن من إعلان الاستقلال في فيلادلفيا وثمانية أعوام من وفاة ميشليه نفسه،

كانت الحاجة إلى النسيان هي التي شغلته حيث يقول: «والحال أن جوهر الأمة (الفرنسية) يتمثل في امتلاك جميع الأفراد أشياء مشتركة وفي أن لديهم أشياء ينسونها [...] فلا بد لكل مواطن فرنسي من أن يكون قد نسي سان برتيلمي في القرن السادس عشر ومذابح ميدي في القرن الثالث عشر»16. ونقيض موقف «النسيان» ينهض موقف الاحتفاء بالذاكرة؛ «الذاكرة الاحتفائية» بالأمكنة والمطارح التي تحمل ذكرى «الأيام المجيدة» والبطولات، أو الذاكرة المديدة الأزمنة ممثلةً بالمتاحف والأرشيفات والمقابر، والعمارات والأضرحة، والساحات حيث تقام الاحتفالات والنصب التذكارية. بل تقام أيضًا مراكز تجميع الأرشيفات الشفوية وأشرطة المشهديات التاريخية المرئية، ويجري إحياء للذاكرة بالأفلام و«الفيديو». فيكتب المؤرخ بيار نورا Nora Pierre سلسلة كتب في ذاكرة الأمكنة بعنوان أماكن الذاكرة17، في هذا السياق من «ثورة الذاكرة». إذًا، هل هي حقًا «ثورة الذاكرة» كما يقول البعض؟ قد يكون القول صحيحًا في وجه من الوجوه، على أن «ثورة الذاكرة» بقدر ما تفتح من آفاقٍ معرفية واسعة إيجابية لعلم التاريخ، ولا سيما في حقل التاريخ الشفوي18، وفي مجال الدور الذي قد تؤديه عبر وظيفة الشهادة الشفوية (لتاريخٍ معاصر أو راهن)، فإن الرهانات على الذاكرة، ولا سيما «الذاكرة الجمعية» التي اخترقت بدورها الوثائق المكتوبة – المنشورة منها أو «المخطوطات» غير المنشورة، بل أحيانًا كتب التاريخ التي تقدم نفسها «تاريخًا علميًا» حملته (أي الرهانات) أنواعًا من «التحريفات» الواعية أو غير الواعية، إلى درجة أضحى معها بعض مقولات أو تقارير «الذاكرة الجمعية» حالةً معرفية عامة أو جزءًا من أيديولوجيا مهيمنة، وإلى درجة أضحى مفعولها في الكلام وفي الخطاب مفعول «الحقيقة/ الأسطورة». ولعلَّ ما يتنبه له لوغوف هو عين الصواب بالنسبة إلى مؤرِّخ يتوخى الحذر (العلمي) من فخين: فخ الذاكرة الجمعية من جهة، وفخ التاريخ الرسمي (السائد) من جهة أخرى. وقد يكون التاريخان، في رأيي، وجهين لعملة واحدة. يقول لوغوف: «هناك نوعان من التاريخ؛ تاريخ الذاكرة الجمعية وتاريخ المؤرخين، الذاكرة الجمعية أسطورية Mythique، خالطة للأزمنة Anachronique، أو لا زمنية، ولكنها تبقى معبرة عن حالة المعيش vécu Le للعلاقة التي لا تنتهي بين الحاضر والماضي. ومهما يكن، فإنه من المرغوب فيه أن يقوم البحث التاريخي الذي يقوم به المؤرخون المحترفون بتصحيح التاريخ

  1. بندكت أندرسن، الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها، ترجمة ثائر ديب، تقديم عزمي بشارة، سلسلة ترجمان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث، 2014)، ص 298–297 (صدرت الطبعة الإنكليزية عام 1983 بعنوان: Immagined.) Ommunities Reflections on the Origins and Spread of Nationalisms
  2. Pierre Nora (dir.), Les lieux de mémoire: La nation , Tome II: (Paris: Gallimard, 1983); Pierre Nora (dir.), Les lieux de mémoire: La république , Tome I (Paris: Gallimard, 1986).
  3. للتذكير: إن المؤتمر الأول للدراسات التاريخية الذي أقامه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كان في حقل التاريخ الشفوي، وقد شارك في هذا المؤتمر باحثون من أنحاء العالم. وقد عُقد في بيروت عام 2014. وكان لي شرف إعداده وتحرير أوراقه، وقد صدرت أبحاثه موزعة على المجلدات التالية: وجيه كوثراني ومادلين نصر (إعداد وتنسيق)، التاريخ الشفوي، مج 1: مقاربات في المفاهيم والمنهج والخبرات 2؛ التاريخ الشفوي، مج: مقاربات في الحقل الاجتماعي – الأنثروبولوجي؛ التاريخ الشفوي، مج 3: مقاربات في الحقل السياسي العربي (فلسطين والحركات الاجتماعية) (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2015

التقليدي المغلوط. إن التاريخ يضيء الذاكرة ويساعدها على تصحيح أخطائها»19. على أن التاريخ الاحترافي المهني (والمقصود هنا المتخصص)، ليس بريئًا ولا خلوًا من احتمال تسرّب الذاكرة، غفلةً، أو بأثر أيديولوجي واعٍ أو لا واعٍ. ويبقى الحرص على التصحيح أو التصويب مرهونًا بالمنهج النقدي الدائم والمستمر. وإذ نستخدم هنا صفة «النقدي» للمنهج التاريخي، فإن المقام يستوجب حضور مفهوم نيتشه ل «التاريخ النقدي»20. على أن نيتشه لم يكن يعني بمصطلح «التاريخ النقدي» ما قصده المؤرخ المحترف (المتخصص) من نقد الوثائق وتمحيصها والتحقق من صحتها وصدقيتها، ولم يكن يقصد أيضًا نقد «التاريخ الفلسفي» أو «فلسفة التاريخ» كما قدَّمها سلفاه إيمانويل كانط وجورج فيلهلم فريدريش هيغل، باعتبارهما التاريخ «مسارًا عاقلً» يحركه ويدفعه «روح» أو «عقل حكيم بذاته» نحو «عقل عملي» خيِّر أو حرية تتجسد في دولة، كما أنه لم يقصد نقد «المادية التاريخية» التي تحرّك التاريخ بصيغة صراع طبقاتٍ نحو «دولة شيوعية». لا شك في أن هذا مُتضمَّنٌ في ثنايا النص وفي كتابات أخرى، غير أن ما قصده نيتشه من مفهوم «التاريخ النقدي» هو الدعوة الصريحة والواجبة، بحسب رأيه، إلى تصحيح الموقف من التاريخ (أي صور العلاقة بالماضي) على قاعدة «وضع التاريخ في خدمة الحياة» و«جَرِّ الماضي إلى المحكمة والتحقيق معه بصرامة»، و«ليست العدالة هنا من تحاكم وتحكُّم، ولا حتى الرحمة [...] ولكنها الحياة نفسها» التي توصف بأنها «الدافعة» نحو المستقبل21. وهي إذ تدفع نحو المستقبل، «تطالب أحيانًا بالنسيان وتحتاج إليه»، تحتاج إلى تدمير أنواعٍ من الذاكرة، أي من صور «الماضي» التي يُحب بعض الناس الانتساب إليها «بشكل بعدي» كما يقول نيتشه، وهذه «محاولة يتربص بها الخطر دومًا»22. على أن «التاريخي» و«اللاتاريخي» (الذي هو نتاج النسيان)، ضروريان ل «صحة الفرد والشعب والثقافة» كما يؤكد نيتشه23، بل إنه يعلن معادلة جدلية واضحة: «التذكر في اللحظة المناسبة و«النسيان في اللحظة المناسبة»، وهذا يعني ببساطة «أن نتعلّم التاريخ لخدمة الحياة»24. ولعلَّ تعبير «اللحظة المناسبة» يدفعنا إلى التذكير، مرّة أخرى، بالمؤرخَين الفرنسيَين، جول ميشليه وأرنست رينان: كان واجب ميشليه المؤرخ إحياء ذاكرة شهداء وضحايا الثورة الفرنسية في أربعينيات القرن التاسع عشر (لئلَّ تُنسى). في حين كان واجب المؤرخ رينان في جوابه عن السؤال «ما الأمة؟» أن يطلب من الفرنسيين في ثمانينيات القرن التاسع عشر (زمن بناء الجمهورية الثالثة، وإنجاح

  1. Jacques Le Goff, Histoire et mémoire (Paris: Gallimard, 1988), p. 194.
  2. ينظر: فريدريش نيتشه، محاسن التاريخ ومساوئه، ترجمة رشيد بوطيب (الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية،.)2019
  3. المرجع نفسه، ص.34
  4. المرجع نفسه.
  5. المرجع نفسه، ص.16
  6. المرجع نفسه، ص.28

مقولة المساواة في المواطنة)، واجب «نسيان» مذبحة «سانت برتولومي» التي أنزلها الكاثوليك بالبروتستانت في القرن السادس عشر. والخلاصة، سواء كان رينان قد قرأ نيتشه أو لم يقرأه (ثمة فارق بينهما يبلغ نحو سبع سنوات) فإننا نحن العرب – حيال هذا النموذج أو المشهد – أمام «درس التاريخ» الدائم، وحيال السؤال عن منظورنا إلى «التاريخ» في «حياة» يتعثر فيها حاضرنا ونعيش فيه حمّى الماضي وعوارضها.

ثالثًا: ماذا يعني كل هذا عربيًا، وبالنسبة إلى مؤرخ عربي؟

لا شك في أن حركة التاريخ العربي قطعت أشواطًا كبرى في تجديد البحث التاريخي خلال السنوات الخمسين الأخيرة (منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم)، وليس غرض هذه الدراسة متابعة الجديد في هذه الحركة، وهو من غير شك كبير في كمّه، ومثير ولافت في جدته وجديته. ولذا فإنه يحتاج إلى إطلاق ورشة بحثٍ كبرى25. وإذ أبقى في موضوعة الذاكرة في هذه الدراسة، فلا بد من الإشارة إلى المحاولة «المتواضعة» الفردية التي قمت بها في استثمار مقولة الذاكرة والذاكرة الجمعية في بعض دراساتي منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى اليوم، «لتصويب» بعض صور الذاكرة الجمعية في تاريخنا اللبناني والعربي والإسلامي، والتي بدورها تخترق كثيرًا من «خطابات» التاريخ المصنّفة في خانة «العلم» و«الموضوعية»، أو تهيمن عليها، وعلى سبيل المثال أذكر: – دراسة الذاكرات الجمعية للطوائف اللبنانية الآيلة إلى تكوين «هويات» جماعاتية، لم يكن لها فقط أثر في الخطاب السياسي والحياة السياسية اللبنانية الراهنة، بل كان لها تأثير في المناهج وطرائق البحث والمنظورات التاريخية، وقد اخترت للدراسة نماذج من الكتابات التاريخية الخاصة بمؤرخين من مؤرخي الطوائف في مبحث كان عنوانه: «الدولة، المشروع السياسي والخطاب التاريخي صورة العهد العثماني في الكتابة التاريخية اللبنانية»، وقد نُشر في كتاب المسألة الثقافية في لبنان: الخطاب السياسي والتاريخ)1984(26.

  1. لا بد من الإشارة هنا إلى أن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أطلق مشروع إقامة مؤتمر سنوي عام للدراسات التاريخية، وكنت أشرفت على انعقاد أربع دورات سنوية متتالية للمؤتمر، بتكليف وتشجيع من المدير العام للمركز الدكتور عزمي بشارة. المؤتمر الأول: التاريخ الشفوي (سبقت الإشارة إليه). المؤتمر الثاني: مئة عام على الحرب العالمية الأولى: مقاربات عربية، مجلدان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2015 المؤتمر الثالث: التاريخ العربي وتاريخ العرب، كيف كتب وكيف يكتب؟ (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2016 المؤتمر الرابع: العرب من مرج دابق إلى سايكس بيكو (1916–1516): تحولّات بنى السلطة والمجتمع، من الكيانات السلطانية إلى الكيانات الوطنية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2019
  2. أعيد نشره معدلً ومنقحًا ومزيدًا، في: وجيه كوثراني، إشكالية الدولة والطائفة والمنهج في كتابات تاريخية لبنانية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2014

في هذه الدراسة، تبدو الذاكرة الجمعية، عنصرًا بل مقومًا من مقومات «هوية» لا يمكن أن يتجاهلها المؤرخ في سياق ما يجري الحديث عنه من براديغمات في البحث أو انقطاعات إبستيمولوجية في ما يسمى كتابة «التاريخ الوطني» وتكوين «الهوية الوطنية» في لبنان. • إسلاميًا، وأقصد هنا التفكر في إشكاليات التاريخ الإسلامي؛ إذ تحتل «مسألة الخلافة» وصورتها و«تحيينها» في الزمن التاريخي، حيزًا واسعًا ومهيمنًا في «الذاكرة» الجمعية لدى المسلمين. وهذا الحال لا يقتصر على جماعة المسلمين السنة، بوصفها «جماعة» دينية ترى في الخلافة «ضرورةً»، بل يتعدى إلى حال أوساط مدنية، تتصف «بالعلمية» أو «العلمانية» – أو في أقل الأحوال تقدم نفسها كذلك – وتكرر مقولة «الخلافة» عبر وهم الاستمرارية التاريخية لها في الدولة العثمانية، حتى إلغائها عام 1924، فتصبح «الخلافة العثمانية» أسطورة ذاكرة، وكأنها «حقيقة تاريخية» في الخطاب السياسي المتكرر. هذه الذاكرة – الأسطورة كانت أيضًا غرض بحث تاريخي، من أجل التصويب والتصحيح، أي تبيان أن الخلافة لم يعد لها وزن في التاريخ منذ القرن الرابع للهجرة، ثم اختفت في سرايا المماليك، وأن السلاطين العثمانيين لم يكونوا في حاجة إلى لقبها لأنهم كانوا هم الأقوى، حتى إذا ما ضعفوا في أواخر القرن الثامن عشر، «أحيوا ذاكرتها» واستخدموها وراهنوا عليها في معاركهم السياسية، وأن حكاية تنازل آخر خليفة عباسي للسلطان سليم الأول، الذي حكم في الفترة 1520–1512، في عام 1516، ليست حقيقية، ولم يذكرها أي مؤرخ معاصر لذاك الزمن. أما لقب «الخليفة» للسلطان فقد ورد في معاهدة كوجك كينارجي (1774)، لأسباب سياسية؛ كرعاية السلطان الخليفة مسلمي القرم بعد أن احتلت روسيا شبه الجزيرة، فقد اعتبر محررو المعاهدة أن الخليفة يرادف معنى «البابا» في الكاثوليكية أو معنى «البطريرك» في الأرثوذكسية. والمفارقة في التاريخ أن تصبح «الذاكرة المصطنعة» أيضًا (أي صناعة الذاكرة) «ذاكرة جمعية»، أي «أسطورة» لها سحرها وفعلها في التاريخ27. • عربيًا: احتلت اتفاقية سايكس – بيكو (1916) حيزًا، بل احتلت الحيز الذهني العربي الكامل للنخب العربية القومية واليسارية في تعاملها وتصورها التاريخي لظاهرة التجزئة الاستعمارية في الوطن العربي، ولا سيما في مشرقه، حتى أضحت «ذاكرة التجزئة التاريخية» للمشرق العربي مرتبطة بالذهن والوعي والخطاب بمقولة تتكرر: «سايكس – بيكو». وفي ذكراها المئوية، عام 2016، جرى نوع من تعبئة عامة لوسائل الإعلام والمنتديات في إحياء ذكرى الاتفاقية بوصفها «ذكرى سوء»، لا في «تأسيس التجزئة» فحسب، بل في التلويح والتخويف الراهنين ب «تجددها» في «تجزئة راهنة» أو «متوقعة» اعتمادًا على ما يحدث في المنطقة من صراعات. إنها أيضًا «تصنيع لذاكرة جمعية» عربية، تأسست على حدث من الماضي نُسب خطأ إلى سايكس – بيكو (1916)، في حين أنه ينبغي أن ينسب إلى معاهدة سيفر ومقررات ريمو (1920–1919)، ولاحقًا لوزان التي شرعنت قيام الدولة الوطنية ومفهوم الناسيوناليته في المشرق، وإذ ليس «الخطِر» في الأمر خطأ تحيين الحدث بالنسبة إلى الذاكرة الجمعية

  1. ينظر: مراجعة تاريخية لهذه المسألة، في: وجيه كوثراني [وآخرون]، الدولة والخلافة في الخطاب العربي إبان الثورة الكمالية في تركيا (بيروت: دار الطليعة،.)1996

العربية – المشرقية، بل «تأبيد» «ذاكرة جمعية» معيقة لبناء الدولة القطرية في المشرق العربي، أي بناء «الدولة الوطنية» في مجتمعات متعددة الذاكرات الجمعية الإثنية والطائفية. هكذا تقوم ذاكرة سايكس – بيكو في ملعب «الرهانات» السياسية الحاضرة عبر استحضار (رهانات الذاكرة) في «التشويش» على احتمال بناء تاريخ آخر يراهن على بناء «هويات وطنية» متجاوزة «للهويات الطائفية» ولفكرة «دولة الخلافة»28 أو للدولة العربية «الدمجية». • وأخيرًا عالميًا: راجت العديد من الدراسات ذات الطابع الشمولي التي تناولت بالدراسة الحروب والصراعات الكبرى في التاريخ؛ بدءًا من حروب الفرس/ اليونان، إلى الحروب الفونية، إلى الحروب الصليبية، إلى الحروب الكولونيالية وحركات التحرر الوطني، بل حتى صراعات اليوم، على أن جميعها هي صراعات حضارية ودينية. فهل هي حقًا صراع بين شرق وغرب كثنائية صراع أبدي؟ كما راجت مقولة «الشرق شرق والغرب غرب» ذات يوم في أواخر القرن التاسع عشر عندما سادت «إشكالية المسألة الشرقية في العلاقات الدولية؟ وهل هي صراع بين «جهاد» و«صليبية»، حيث أسقطت هذه التسميات – بشكل «خالط للأزمنة» Anachronique على سلسلة من الصراعات وفي أزمنة مختلفة – على الصراعات المتوسطية في القرن السادس عشر، وعلى الصراعات الكولونيالية في القرن التاسع عشر، وعلى حركات التحرر الوطني والثورات الوطنية في النصف الأول من القرن العشرين؟ وأخيرًا، يأتي صامويل هنتنغتون في زمن العولمة بنظرية صراع الحضارات ويضمنها معنى الأديان، ويستعيد جورج بوش ذاكرة «الحرب المقدسة» والعادلة. السؤال الإبستيمي والمنهجي: ما مدى سلامة هذه التفسيرات من زاوية علم التاريخ، بل فلسفة التاريخ أيضًا؟ لسنا بصدد دحض هذه الأطروحات الشمولية في هذه الدراسة. لكن التساؤل حولها من زاوية البحث التاريخي المتعدد الفروض والمنهجيات، ومن بينها الدور الذي أدّته الذاكرات الجمعية للأقوام والشعوب في إسباغ أوصاف وتسميات على تلك الحروب والصراعات، لها علاقة بطبيعة «الهويات» التي كونتها أو ساهمت في تكوينها الذاكرات الجماعاتية29. تساؤل معرفي مفيد وضروري، وينبع من قناعة التفكير بالتمييز بين الذاكرة والتاريخ.

خلاصة

إن التاريخ في معظم صفحاته قام على سردياتٍ وإسنادات في الرواية، قامت بدورها على نشاط الذاكرة أي على عملية «التذكر»، والتي هي في الأساس حالة ذهنية سيكولوجية من حالات «المعرفة»

  1. ينظر: نقد لهذا المنظور لذاكرة سايكس – بيكو، في: وجيه كوثراني، «التاريخ والذاكرة والكتابة التاريخية»، أسطور، العدد 4 (تموز/ يوليو 2016)، ص.24–13
  2. حاولت أن أقدم نقدًا أوليًا لهذه التفسيرات في مبحث: «الحرب والحضارة في ألوانٍ من خطاب الذاكرة والتاريخ: صليبية وجهاد حرب عادلة وفرادة ونهاية تاريخ وصدام حضارات» في: وجيه كوثراني، هويات فائضة – مواطنة منقوصة: في تهافت خطاب حوار الحضارات وصدامها عربيًا (بيروت: دار الطليعة، 2004)، ص.68–34

يعيشها الراوي، سواء كان ناقلً لشهادة شفوية، أو مدونًا لها، يعيشها في لحظة «حاضرٍ» له إكراهاته وآماله، وله كوابيسه وأحلامه، وله آلامه وأفراحه. وهذه وتلك لها صلة بماضٍ مفترض أو «حقيقي» أو بمستقبل متخيل أو مرتجى. وفي كل حال يبقى المسعى المعرفي جدلً لا ينتهي بين تصحيحين جدليين معيارهما العدالة وليس «الحقيقة المطلقة» غير المتوافرة في «تاريخ الدنيا».

References

المراجع

العربية

ابن الجوزي، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. تحقيق محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا. بيروت: دار الكتب العلمية،.1992

ابن خلدون، عبد الرحمن. كتاب التعريف بابن خلدون ورحلته غربًا وشرقًا. بيروت: دار الكتاب اللبناني،.1979

أندرسن، بندكت. الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها. ترجمة ثائر ديب. تقديم عزمي بشارة. سلسلة ترجمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث،.2014

بوجرّة، حسين. الطاعون وبدع الطاعون: الحراك الاجتماعي في بلاد المغرب بين الفقيه والطبيب والأمير (1350–1800). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2011

الحزيمي، ناصر. حرق الكتب في التراث العربي. كولونيا: منشورات الجمل،.2002

روزنتال، فرانز. علم التاريخ عند المسلمين. ترجمة صالح أحمد العلي. مراجعة توفيق حسين. بغداد: مكتبة المثنى،.1963

ريكور، بول. الذاكرة، التاريخ، النسيان. ترجمة جورج زيناتي. بيروت: دار الكتاب الجديد،.2009

السخاوي، شمس الدين محمد بن عبد الرحمن. الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ. عن نسخة أحمد باشا تيمور. عني بنشره القدسي. بيروت: دار الكتاب العربي،.1979

عكّاش، سامر. مرصد إسطنبول: هدم الرصد ورصد الهدم، تطور ثقافة العلوم في الإسلام بعد كوبرنيكوس. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017

قبيسي، حسن. المتن والهامش: تمارين على الكتابة الناسوتية. بيروت: المركز الثقافي العربي،.1997 كوثراني، وجيه ومادلين نصر (إعداد وتنسيق). التاريخ الشفوي، مج 1: مقاربات في المفاهيم والمنهج والخبرات 2؛ التاريخ الشفوي، مج: مقاربات في الحقل الاجتماعي – الأنثروبولوجي؛ التاريخ الشفوي، مج 3: مقاربات في الحقل السياسي العربي (فلسطين والحركات الاجتماعية). الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015

كوثراني، وجيه. «التاريخ والذاكرة والكتابة التاريخية»، أسطور. العدد 4 (تموز/ يوليو.)2016

________. إشكالية الدولة والطائفة والمنهج في كتابات تاريخية لبنانية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014

________. [وآخرون]. الدولة والخلافة في الخطاب العربي إبان الثورة الكمالية في تركيا. بيروت: دار الطليعة، 1996.

________. تاريخ التأريخ: اتجاهات، مدارس، مناهج. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

________. هويات فائضة – مواطنة منقوصة: في تهافت خطاب حوار الحضارات وصدامها عربيًا. بيروت: دار الطليعة،.2004

لوغوف، جاك. التاريخ والذاكرة. ترجمة جمال شحيد. سلسلة ترجمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018

مجموعة مؤلفين. التاريخ العربي وتاريخ العرب، كيف كتب وكيف يكتب؟ الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016

مجموعة مؤلفين. العرب من مرج دابق إلى سايكس بيكو (1916–1516): تحولّات بنى السلطة والمجتمع، من الكيانات السلطانية إلى الكيانات الوطنية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019

مجموعة مؤلفين. مئة عام على الحرب العالمية الأولى: مقاربات عربية، مجلدان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015

نيتشه، فريدريش. محاسن التاريخ ومساوئه. ترجمة رشيد بوطيب. الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية،.2019

الأجنبية

Febvre, Lucien. Le problème de l’incroyance au XVie siècle: La religion de Rabelais.

Paris: Albin Michel, 1947.

Le Goff, Jacques. Histoire et mémoire. Paris: Gallimard, 1988.

Nora, Pierre. Les lieux de mémoire, tome I: La république. Paris: Gallimard, 1986.

________. Les lieux de mémoire, tome II: La nation. Paris: Gallimard, 1983.