ذاكرة المكان: أسماء المدن والقرى الفلسطينية ما بين الاستمرارية التاريخية والطمس الصهيوني
Memory of Place: Names of Palestinian Towns and Villages between Historical Continuity and Zionist Eradication
الملخّص
ما أماكن الذاكرة الفلسطينية؟ وما حفظت لنا؟ وما الأماكن التي تمّ إيداع التاريخ الفلسطيني فيها؟ وكيف تكوّنت هذه الأماكن؟ وما علاقة الإنسان بالأرض في فلسطين عبر التاريخ؟ تهدف هذه الدراسة إلى محاولة الإجابة عن هذه التساؤلات. وهي دراسة تأسيسية تسعى لتكون ذات قيمة علمية مميزة ومضافة لأماكن الذاكرة الفلسطينية من خلال المدوّنات التاريخية. يبدأ هذا البحث باستعراض بعض المقدمات النظرية والمنهجية لدراسة أسماء الأماكن الفلسطينية بالاعتماد على الذاكرة الجَمعِيَّة الفلسطينية، والتي تتكون بدورها من الذاكرة الثقافية والذاكرة التواصلية الفلسطينية. ثم يتحول إلى مناقشة مسألة العلاقة بين الذاكرة والتاريخ، ويستعرض مسألة هُويّة المكان وأهمية الدراسات اللغوية لأسماء الأماكن الفلسطينية، ويعالج كذلك مسألة التحول المكاني للشعب الفلسطيني بعد النكبة وسياسة الطمس الصهيونية لأسماء الأماكن الفلسطينية.
Abstract
Abstract: What are the places of Palestinian memory and what have they preserved for us? In which places has Palestinian history been stored? How were these places constituted? What is the human relationship to the land in Palestine across history? This research seeks answers to these questions and attempts to develop guidelines for investigating key locations of Palestinian memory based on historical documents. This research begins with a review of theoretical and methodological preliminaries to the study of Palestinian place-names based on Palestinian collective memory as formed by Palestinian cultural and communicative memory. The study then takes up discussion of the relationship between memory and history, reviewing identity of place and the importance of linguistic studies of Palestinian place names. Finally, it addresses the transformation of Palestinian space in the wake of the Nakba and the Zionist policy of obliterating Palestinian place names.
- الذاكرة
- فلسطين
- أماكن الذاكرة
- الاستمرارية التاريخية
- الصهيونية
- Memory
- Palestine
- Historical Continuity
- Zionism
Memory of Place: Names of Palestinian Towns
and Villages between Historical Continuity and
Zionist Eradication
الفلسطيني فيها؟ وكيف تكوّنت هذه الأماكن؟ وما ع قااة الإنسان بالأرض في فلسطين
عبر التاريخ؟ تهدف هذه الدراسة إلى محاولة الإجابة عن هذه التساؤلات. وهي دراسة تأسيسية تسعى لتكون ذات قيمة علمية مميزة ومضافة لأماكن الذاكرة الفلسطينية من خلال المدوّنات التاريخية. يبدأ هذا البحث باستعراض بعض المقدمات النظرية والمنهجية لدراسة
أسماء الأماكن الفلسطينية بالاعتماد على الذاكرة الجَمعِيَّة الفلسطينية، والتي تتكون بدورها
من الذاكرة الثقافية والذاكرة التواصلية الفلسطينية. ثم يتحول إلى مناقشة مسألة العلاقة بين الذاكرة والتاريخ، ويستعرض مسألة هُويّة المكان وأهمية الدراسات اللغوية لأسماء الأماكن
الفلسطينية، ويعالج كذلك مسألة التحول المكاني للشعب الفلسطيني بعد النكبة وسياسة الطمس الصهيونية لأسماء الأماكن الفلسطينية.
مقدمة
الذاكرة موضوع أساسي في الحياة المعاصرة، وهي مفتاح الهوية الاجتماعية والشخصية والثقافية، ويمكن القول بأن دراسات أماكن الذاكرة متعددة الاتجاهات، وقد قام العلماء بدراسة هذا المفهوم من وجهات نظر مختلفة، ومن تخصصات متعددة؛ منها الفلسفة، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، والجغرافيا، والتاريخ، واللغة وغيرها. وفقًا لبيير نورا، إن أماكن الذاكرة أو ذاكرة الأماكن هي التي تتبلور فيها الذاكرة وتفرز نفسها، وتعتمد فيها على التفاعل بين الذاكرة والتاريخ حتى تكتسب هذه السمة. لعل أحد أهم تجليات الذاكرة الثقافية الجَمعِيَّة الفلسطينية هي أسماء الأماكن الفلسطينية، والتي تتجسد
فيها تجربة الإنسان على أرض فلسطين، وذاكرته عبر التاريخ، وارتباطه بهذه الأرض. تلك الأسماء التي احتفظ بها الإنسان الفلسطيني، عبر نحو أربعة آلاف سنة من التاريخ الموثق لتلك الأسماء، تظهر استمراريتها التاريخية بأسمائها العربية – الفلسطينية حتى اليوم، وهذا ما يعطيها هُويّتها التاريخية؛ إذ إن اللهجة
العربية – الفلسطينية هي أحدث المراحل اللغوية في فلسطين وآخرها. لا توجد إحصائية متكاملة عن أسماء الأماكن في فلسطين والتي تشمل أسماء القرى، والمدن،
والوديان، والجبال، والعيون، والخِرَب، والأماكن المقدسة للأولياء، ومضارب البدو وغيرها. لكن هناك
بعض الإحصائيات تقدرها بنحو عشرة آلاف اسم. أمّا عدد أسماء القرى والمدن فيقدّر بناء على أطلس
فلسطين بنحو 1600 قرية ومدينة، وهي موضوع هذا البحث. يهدف هذا البحث إلى تقديم دراسة موجزة عن أماكن الذاكرة الفلسطينية وأهميتها مع إبراز أهمية دراسة أسماء المدن والقرى، ومسألة ضبط ورودها في المصادر المكتوبة عبر العصور، ومع إشارات منهجية لدراستها عبر تحليل معانيها في ضوء علم اللغات السامية التاريخي المقارن وانطلاقًا من أسمائها
العربية – الفلسطينية اليوم واعتمادًا على الذاكرة الجَمعِيَّة الفلسطينية.
أولا: مقدمات نظرية ومنهجية
يعتمد هذا البحث على منهجية «بيتخصصية» Studies Interdisciplinary؛ وذلك بتوظيف النظريات الخاصة بعلم الاجتماع والثقافة، وعلم الأنثروبولوجيا، وعلم التاريخ، وعلم اللغات السامية المقارن.
ومن أهداف هذا البحث الإشارة إلى المادة الثقافية الضخمة الموجودة في مخزون الذاكرة الجَمعِيَّة
الفلسطينية عبر التاريخ، بفرعيها: الذاكرة الثقافية والذاكرة التواصلية، وفي هذا البحث دعوة إلى زيادة
الاهتمام بالذاكرة الجَمعِيَّة الفلسطينية.
(1) Pierre Nora (ed.), Les lieux de mémoire , 3 vols. (Paris: Gallimard, 1997).
(((ينظر: سلمان أبو ستّة، أطلس فلسطين 1966–1917 (لندن: هيئة أرض فلسطين،.)2011 (((استخدم الباحث هنا مصطلح ثقافة للدلالة على اللفظ الإنكليزي Culture أو الألماني Kultur ويستخدم البعض اللفظ العربي «حضارة» للدلالة عليه، في حين يعتمد الكثيرون اللفظ «حضارة» للدلالة على اللفظ Civilization، يُنظر تعريف مصطلح «ثقافة»
في: طونى بينيت ولورانس غروسبيرغ وميغان موريس، مفاتيح اصطلاحية جديدة: معجم مصطلحات الثقافة والمجتمع، ترجمة سعيد الغانمي (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2010) ص 235–225؛ ومصطلح «حضارة» في: المرجع نفسه، ص.305–298
1. الذاكرة والتذكر
جاء في المصادر العربية أنّ الذاكرة من الجذر «ذ ك ر»، وذكر الشَّيْء ذكرًا، حفظه واستحضره وَجرى
على لسَانه بعد نسيانه، ومن اشتقاقاته ذاكرة، وتذكر، وذكرى، وتذكار. وتذَاكَر القوم في الأَمر تفاوضوا
فِيه، وَالشَّيْءَ: ذَكرُوه. والتَّذْكِرَة: مَا تُستذكر به الحاجة، ومَا يَدْعُو إلى الذّكر وَالعبْرَة. وتصف المعاجم
العربية الذاكرة بأنّها القُدرَة على الاحتفاظ بالتجارب والأحداث السَّابِقَة واستعادتها. وفي حين أن
الذاكرة مخزن المعلومات فإن التذكُّر هو الفعالية الحاضرة للتعامل مع الذاكرة واستخدامها.
2. الذاكرة الجَمعِيَّة
توصف الذاكرة الجَمعِيَّة Memory Collective بأنها الأداء الجماعي لذاكرة مجموعة من الناس،
وتتكون من ذاكرة الأفراد مجتمعة، وتشكّل الأرضية المشتركة لسلوك تلك المجموعة. وتتضمن الذاكرة الجَمعِيَّة الجوانب الثقافية والاجتماعية لتلك المجموعة من الناس، وتخلق بذلك صلة بين الماضي
الثقافي والظروف الثقافية والاجتماعية الحالية. هذه الصلة بين الماضي والحاضر في الذاكرة الجَمعِيَّة
الفلسطينية هي المحور الأساسي لدراسة أماكن الذاكرة الفلسطينية. وفي إطار هذه الدراسة، لا بدّ من تقديم عرض قصير لبعض المفاهيم النظرية المتعلقة بمصطلح
«الذاكرة» بالمعنى التاريخي. يعود استخدام مصطلح «الذاكرة الجَمعِيَّة» إلى عالم الاجتماع والفيلسوف
الفرنسي موريس هالبفاكس Halbwachs Maurice (1877–1945) في كتابه الذاكرة الجماعية La mémoire collective (1939)، والذي كان قد استخدمه في العشرينيات من القرن الماضي ثم شاع استخدامه في كثير من العلوم الإنسانية.
3. الذاكرة الثقافية والذاكرة التواصلية
بالاعتماد على نظرية هالبفاكس، قام كل من عالم الدراسات المصرية يان أسمان وزوجته أليدا أسمان بتطوير نظرية «الذاكرة الجَمع» يَّة Gedächtnis Kollektive Das إلى «الذاكرة الثقافية» Das
Gedächtnis Kulturelle، وإلى «الذاكرة التواصلية» Gedächtnis Kommunikative Das. وتتمايز
الذاكرة الجَمعِيَّة، في رأيهما، من «الذاكرة التواصلية» و«الذاكرة الثقافية» بسمات مختلفة.
(((تستخدم العربية اللفظ «ذاكرة» للدلالة على اللفظ الفرنسي Mémoire والإنكليزي Memory والألماني Gedächtnis، واللفظان الإنكليزي والفرنسي يتم التعبير عنهما في الألمانية بلفظين هما Gedächtnis و Erinnerung وهما بالعربية ذاكرة وتذكُّر. عن
تعريف الذاكرة في اللغة العربية يُنظر: مادّة «ذكر»، معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، شوهد في في:2020/5/3،
tAE 5 Sw /2 ly. bit:// https؛ وعن تعريف المصطلح، يُنظر: بينيت وغروسبيرغ وميغان، ص 349–344؛ وحول دراسات الذاكرة بشكل
عام يُنظر: زهير سوكاح، «حقل ‘دراسات الذاكرة’ في العلوم الإنسانية والاجتماعية: حضور غربي وقصور عربي»، أسطور، العدد 11
(كانون الثاني/ يناير 2020)، ص.58–33
(5) Aleida Assmann, Erinnerungsräume: Formen und Wandlungen des kulturellen Gedächtnisses (München: C. H. Beck, 1999), pp. 228–235. (6) Jan Assmann. Das kulturelle Gedächtnis: Schrift, Erinnerung und politische Identität in frühen Hochkulturen (München: C. H. Beck, 1997).
تعتمد الذاكرة التواصلية على التفاعل الاجتماعي الثقافي في الحياة اليومية من تجارب وتقاليد شفوية ضمن فترة زمنية محددة وغير ثابتة الشكل، وعادة لا تتجاوز أربعة أجيال لتاريخ الحدث (نحو مئة عام)، وترتبط بأناس معاصرين للحدث. هذا الشكل من الذاكرة مرتبط بحياة الناس، ويعتمد على روايتهم، ثم تتحول الذاكرة التواصلية بعد الفترة الزمنية المحددة لكي تصبح من مكوّنات الذاكرة الثقافية. أمّا الذاكرة الثقافية فهي التشكيلة الثقافية المتطورة لمجموعة بشرية ما، ولا تقتصر على أجيال معينة
ويمكن أن تكون ممتدة آلاف السنين. ولا ترتبط الذاكرة الثقافية بالناس المعاصرين للحدث، بل بما يتم تدوينه من أحداث وذكريات، وما تمّ الحفاظ عليه عبر الأجيال. وتعتمد الذاكرة الثقافية على تراكم
المعرفة والخبرة والذكريات التي يتم تمريرها شفويًا أو مجازيًا أو كتابيًا؛ فهي تتشكل عبر التاريخ من
التراث المادي كالآثار والكتابات والتراث غير المادي كالعادات والتقاليد. وأهمّ ما يميز الذاكرة الثقافية
أنها مدونة طويلة الأمد من إنتاج جماعة بشرية محددة بهدف إعادة إنتاج هويتها، وتقوم هذه الجماعة البشرية بالسهر على تطبيق ورعاية تلك الذاكرة الثقافية. وهناك الذاكرة الثقافية الفردية، وهناك أيضًا
الذاكرة الثقافية الجَمعِيَّة الخاصة بالمجموعات الاجتماعية؛ فمثلً، المجموعة القومية أو الوطنية في
حاجة إلى تصوّر خاص لتحقيق هويتهما.
4. الذاكرة التواصلية الفلسطينية والتحول المكاني
منذ نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، بدأ علماء الاجتماع يستخدمون مصطلح «المنعطف المكاني» Turn Spatial في الدراسات الاجتماعية. وبعد استخدام منهجية المنعطف المكاني في العلوم الاجتماعية، أصبح الحديث عن المكان ليس بوصفه فضاء جغرافيًا محايدًا فقط، بل بوصفه فضاء
اجتماعيًا وبنية اجتماعية. وعلينا هنا أن نميز بين المعاني المختلفة للمصطلح («فضاء» و«مكان»)؛
فالفضاء الجغرافي قد يعني منطقة أو إقليمًا أو بقعة جغرافية معينة، قد يتم احتلالها أو السيطرة عليها
أو الدفاع عنها، ومن ثم إعادة تشكيلها فيما يخدم مصالح القوة المسيطرة. وأمّا المكان فهو شيء
مختلف تمامًا؛ هو موقع التفاعل الاجتماعي، ففيه تجتمع الذكريات الجميلة أو المعاناة التي عاشها
فيه الإنسان. والمكان هو موقع الحدث التاريخي، ويمكن رؤية ذلك من خلال الآثار التي تركها الإنسان في ذلك المكان كالنصب التذكارية والمباني العامة كالمساجد والكنائس والمدارس ومقامات الأولياء، وغير ذلك.
(7) Astrid Erll. Kollektives Gedächtnis und Erinnerungskulturen: Eine Einführung (Stuttgart/ Weimar: J. B. Metzler, 2005), pp. 190–192.
(((يان أسمان، الذاكرة الحضارية: الكتابة والذكرى والهوية السياسية في الحضارات الكبرى الأولى، ترجمة عبد الحليم عبد الغني
رجب، 2003 (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة)؛ جاك لوغوف، التاريخ والذاكرة، ترجمة جمال شحيّد، سلسلة ترجمان
(الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2017
(9) Maurice Halbwachs, Das Gedächtnis und Seine Sozialen Bedingungen (Frankfurt: Suhrkamp, 1985), pp. 22–31; Erll, pp. 105–108. (10) Doris Bachmann–Medick, Cultural Turns: New Orientations in the Study of Culture (Berlin/ Boston: De Gruyter, 2016), pp. 211–243. (11) Assmann, Erinnerungsräume , pp. 298–339.
تجدر الإشارة إلى التأثير المتبادل للفضاء الجغرافي والاجتماعي لمجموعة بشرية، ويصفها هالبفاكس بقوله: «إن المجموعة التي تعيش في منطقة مكانية معينة تعيد تشكيل نفسها وفقًا لصورتها الخاصة؛ لكنها في الوقت نفسه قد تنحني لتلك الأشياء المادية التي تقف في طريقها». تشكّلت فلسطين في فضاء جغرافي أصبحت حدوده ما يسمى ب «فلسطين الجغرافية»، وهي الحدود التي ثبتها الاحتلال؛ وفلسطين ك «إقليم جغرافي» معروفة منذ نهاية القرن الثالث عشر قبل الميلاد بحدود معينة، امتدت وتغيرت عبر التاريخ، وشكلت فلسطين الجزء الجنوبي من بلاد الشام عبر العصور. بعد النكبة وتأسيس الدولة العبرية، تقطعت أواصر الشعب الفلسطيني بسبب التحول المكاني، وشُطبت فلسطين بوصفها فضاءً جغرافيًا، وأصبح هناك «اعتقال مكاني» جديد للشعب الفلسطيني، تمثّل
بفلسطينيي 1948، مع كثير من اللاجئين الذين استطاعوا البقاء في القرى والمدن الفلسطينية، بعد أن دمرت الدولة العبرية قراهم الأصلية، وفلسطينيي الضفة الغربية التي أصبحت جزءًا من الأردن، وقطاع
غزة الذي أصبح جزءًا من مصر. وإضافة إلى المخيمات الداخلية في الضفة وغزة، هناك مخيمات
الشتات في الأردن وسورية ولبنان، مضافًا إلى ذلك الجاليات الفلسطينية الكبيرة في البلاد المختلفة، مثل الولايات المتحدة الأميركية وتشيلي. هذا التحول المكاني بعد النكبة أدى إلى تحطيم كبير في بنية المجتمع الفلسطيني وثقافته، والتي طبعت في ذاكرة الشعب الفلسطيني القهر والترحيل والتدمير. وبعد النكبة، تكرّست الذاكرة الجَمعِيَّة الفلسطينية، وأصبحت المدن والقرى الفلسطينية المدمّرة تشكل
الركائز الأساسية لأماكن الذاكرة الفلسطينية، والتي ارتبطت بها الأحداث التاريخية والشخصيات الأدبية والنخب والمؤسسات الفلسطينية، وصِيَغ ذات أهمية عاطفية ورمزية عالية للصورة الذاتية الاجتماعية
للفلسطينيين. أنجزت عدة دراسات عن أماكن الذاكرة الفلسطينية، وبالذات القرى المدمرة، لعل من أهمها دراسات وليد الخالدي. وبدأ الشعب الفلسطيني مباشرة بعد النكبة في إعادة بناء نفسه في الأماكن المختلفة الجديدة، وبدأت تنشأ ثقافة فلسطينية جديدة ترتبط بأماكن المنعطف المكاني الجديدة.
5. الذاكرة والتاريخ والمراحل الزمنية في التاريخ الفلسطيني
أماكن الذاكرة الفلسطينية، متمثلةً بالقرى والمدن الفلسطينية، عنصر مركزي في تكوين الذاكرة الثقافية لفلسطين. وهي أماكن معينة أو نقاط مرجعية تاريخية اجتماعية، كانت قد تبلورت بالارتباط بالذاكرة الجَمعِيَّة للمجتمع الفلسطيني وأصبحت تُوضح من الوهلة الأولى هوية البلد.
(12) Maurice Halbwachs, Soziale Morphologie: Ausgewählte Schriften , Stephan Egger (ed.) (Konstanz: UVK Verlag, 2002), p. 129. (13) Nur Masalha, Palestine: A Four Thousand Year History (London: Zed Books, 2018).
(1((يُنظر: إيلان بابه، التطهير العرقي في فلسطين، ترجمة أحمد خليفة (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.)2007 (1((وليد الخالدي، كي لا ننسى: قرى فلسطين التي دمرتها إسرائيل سنة 1948 وأسماء شهدائها، ترجمة حسني زينه (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.)2001
(16) Nadia Abu el–Haj, Facts on the Ground: Archaeological Practice and Territorial Self–Fashioning in Israeli Society (Chicago: The University of Chicago Press, 2002).
يفصل هالبفاكس ما بين التاريخ والذاكرة الجَمعِيَّة، ويرى أن التاريخ ذو سمه عالمية وليس حزبيًا، بينما
الذاكرة الجَمعِيَّة حزبية، وتتبع جماعة معيّنة، وأتباعها محصورون في الزمان والمكان، وتعتمد على
التذكر. ويقول إن هناك الكثير من الذاكرات الجَمعِيَّة والتي توجد جنبًا إلى جنب. وكان المؤرخون قد بدأوا حديثًا يأخذون على محمل الجد مسألة الاختلافات بين البحث التاريخي
والذاكرة الجَمعِيَّة للناس والجماعات، والتي قد تظهر متناقضة مع التأريخ الذي يسعى عادة للتقيد
الزمني بالمدونات، بعكس الذاكرة الجَمعِيَّة التي تقوم بتكييف ما تم تسلّمه وتطبّقه على الحاضر، من
دون التدخل في تغير أنماط تفسير الماضي. وتعتبر المراحل الزمنية في التاريخ الفلسطيني مسألة مهمة في فهم التراكمات الثقافية، ومن خلالها يمكن معالجة مسألة العلاقة بين مراحل الزمن والمكان التي صنع الإنسان فيها تاريخًا. وكما هو الحال في علم الآثار، حيث يمكننا قراءة الطبقات الأثرية والتي تمثّل كل منها مرحلة تاريخية معينة، ففي وسعنا أن نطبق ذلك على التاريخ، وأن نقرأ مراحله المتراكمة عبر الزمان.
ثانيًا: مصادر دراسة الأماكن في فلسطين
رغم وجود الكثير من الدراسات العربية واللاهوتية الغربية والإسرائيلية عن أسماء أماكن الذاكرة الفلسطينية، فإنه لا توجد دراسة علمية شاملة عنها وأي دراسة جادة عنها يجب أن تعتمد، أساسًا، على
المصادر الأولية؛ فهي الأماكن الأساسية التي وثقت الذاكرة الفلسطينية عبر التاريخ، وهي الشواهد الدامغة لمرتكزات التاريخ الفلسطيني عبر التاريخ. يمكن تلخيص هذه المصادر على النحو التالي: • مصادر الشرق الأدنى القديم: المصادر المصرية، والمصادر الأكّادية، وخاصة رسائل العمارنة، والسجلات الملكية الآشورية والبابلية. • العهد القديم: الاهتمام الأساسي في دراسة أسماء الأماكن كان من جانب علماء اللاهوت.
(17) Halbwachs, Das Gedächtnis und Seine Sozialen Bedingungen , pp. 13–35.
(1((عن الذاكرة والتاريخ ينظر: بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة وتقديم وتعليق جورج زيناتي (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2009)، ص.576–564
(19) Reinhart Koselleck, Zeitschichten: Studien zur Historik , Mit einem Beitrag von Hans–Georg Gadamer (Frankfurt am Main: Suhrkamp, 2000). (20) Wolfgang Helck, Die Beziehungen Ägyptens zu Vorderasien im 3. und 2. Jahrtausend v. Chr. , 2. edition (Ägyptologische Abhandlungen 5). (Wiesbaden: Harrassowitz, 1971); Shmuel Aḥituv, Canaanite Toponyms in Ancient Egyptian Documents (Jerusalem: The Magnes Press, 1984). (21) William L. Moran (ed. & trans.), The Amarna Letters (Baltimore/ London: The Johns Hopkins University Press,
(22) Wilhelm Borée, Die alten Ortsnamen Palästinas (Hildesheim [etc.]: Olms. reprint, 1968; Leipzig: Pfeiffer, 1930); Yohanan Aharoni, Das Land der Bibel: eine historische Geographie (Neukirchen–Vluyn: Neukirchener Verlag, 1984); Georg Kampffmeyer & Alte Namen, im heutigen Palästina und Syrien (Leipzig: Breitkopf & Härtel, 1892); Yoel Elitzur, Ancient Place Names in the Holy Land: Preservation and History (Jerusalem: The Hebrew University, Magnes Press,
• النقوش العربية الجنوبية القديمة: أهم ذكر في هذه النقوش هو مدينة غزة، والتي تذكر عدة مرات في النقوش السبئية من القرن السادس ق. م.، وكذلك المعينية من القرن الثالث ق. م.. • المصادر اليونانية واللاتينية: مثل كتاب الأماكنللمؤرخ الكنسي يوسيبيوس اﻟﻘﻴﺼﺎري Eusebius Caesarea of م.)339–265(• الجغرافيون والرحالة العرب والمسلمون: كالمقدسي، وياقوت الحموي، وغيرهما. • المصادر الصليبية وتقارير من الرحالة والحجاج الأوروبيين. • الأرشيفات العثمانية وأرشيفات المحاكم الشرعية في فلسطين. • الدراسات العربية الفلسطينية: هناك العديد من الدراسات العربية والفلسطينية التي وثقت أسماء الأماكن في فلسطين. • خرائط ووثائق المسوح الأثرية في فلسطين: التي قام بها صندوق اكتشاف فلسطين البريطاني في القرن التاسع عشر، وغيرها.
(23) Abdallah Al–Sheiba, «Die Ortsnamen in den altsüdarabischen Inschriften,» in: Archäologische Berichte aus dem Yemen , IV (Mainz: Philipp von Zabern, 1988). (24) R. Steven Notley & Ze’ev Safrai, Eusebius, Onomasticon: A Triglott Edition with Notes and Commentary (Leiden: Brill, 2005); Michael Avi–Yonah, Gazetteer of Roman Palestine , vol. 5 (Jerusalem: Institute of Archaeology, Hebrew University, 1976); Greville S. P. Freeman, The Onomasticon by Eusebius of Caesarea: Palestine in the Fourth Century A.D. (Jerusalem: Carta, 2003). (25) Abdullah Al–Hilou, «Topographische Namen des syro–palästinischen Raumes nach arabischen Geographen: Historische und etymologische Untersuchungen,» PhD. Dissertation, Freie Universität Berlin, Berlin, 1986.
((2(محمد مرقطن، «الرحالة الغربيون والاكتشافات الأثرية في فلسطين والتمهيد للمشروع الصهيوني (1914–1800:)»، في
العرب: من مرج دابق إلى سايكس – بيكو (1916–1516)، تحولات بُنى السلطة والمجتمع: من الكيانات والإمارات السلطانية إلى
الكيانات الوطنية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2020
(27) Wolf–Dieter Hütteroth & Kamal Abdulfattah, Historical Geography of Palestine,Transjordan and Southern Syria in the Late 16 th Century , Erlanger Geographische Arbeiten, Sonderband 5 (Erlangen: Frankische Geographische Gesellschaft, 1977).
(2((قسطنطين خمّار، أسماء الأماكن والمواقع والمعالم الطبيعية والبشرية والجغرافية المعروفة في فلسطين حتى العام 1948
(بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1980)؛ أبو ستّة؛ مصطفى مراد الدباغ، بلادنا فلسطين، 10 أجزاء (كفر قرع: دار الهدى
للطباعة والنشر، 2002)؛ أ. س. مرمرجي الدومنكي (الأب)، بلدانية فلسطين العربية، وقف عليها وفهرسها محمد خليل الباشا
(بيروت: عالم الكتب، 1987)؛ شكري عرّاف، المواقع الجغرافية في فلسطين: الأسماء العربية والتسميات العبرية (بيروت: مؤسسة
الدراسات الفلسطينية، 2004)؛ الموسوعة الفلسطينية: 11 جزءًا (بيروت: هيئة الموسوعة الفلسطينية، 1990–1984). (2((يُنظر: «خرائط»، فلسطين في الذاكرة، شوهد في 2020/5/3، في: https://bit.ly/2StCptA؛
«Palestine: Department of Lands and Surveys:1928–1947,» zochrot , accessed on 3/5/2020, at: https://bit.ly/3bYUFmz; «Palestine Exploration Fund (PEF) Map of Palestine in 26 sheets\ 1872–1877,» accessed on 3/5/2020, at: https://bit.ly/3b1Rrx4; «Palestine. Department of Lands and Surveys, Jaffa: Survey of Palestine, 1928–1947.»
ثالثًا: تاريخ البحث في أسماء الأماكن الفلسطينية ونقد الدراسات اللاهوتية والصهيونية
بدأ الاهتمام الفعلي بدراسة أسماء الأماكن في فلسطين منذ أواسط القرن التاسع عشر، وكان لكتب الرحالة والحجاج الأوروبيين الأثر الأساسي في ذلك. كما ترافقت دراسة أسماء الأماكن الفلسطينية منذ البداية مع دراسة اللاهوت، ولم يهتم الباحثون بأسماء الأماكن العربية في فلسطين إلا من باب تفسير الكتاب المقدس. وركّز بعض الباحثين التوراتيين على الجغرافية التاريخية للكتاب المقدس وتوظيف أسماء الأماكن الفلسطينية لتحديد مواقع توراتية مفترضة. وانتقد البعض من علماء الآثار والمؤرخين والأنثروبولوجيين هذه المنهجية التوراتية المتعصبة. ولا يوجد حتى الآن دراسة علمية شاملة في أسماء الأماكن العربية الفلسطينية، ولا عن ذاكرة هذه الأماكن إلا على نحو محدود. وقد درس العديد من الباحثين أسماء الأماكن القديمة لفلسطين وفقًا لمحتواها اللغوي، وذلك بالاعتماد على أسماء الأماكن الواردة في الكتاب المقدس. وتجدر الإشارة هنا إلى أسماء الأماكن الفلسطينية الواردة في النصوص المصرية القديمة ومحاولة ربطها بأسماء الأماكن الواردة في الكتاب المقدس. هناك بعض الدراسات التي اعتمدت على المبادئ الأساسية لدراسة أصل أسماء الأماكن الفلسطينية، وهي تعتمد في المقام الأول على شرح المعنى الأساسي والتاريخ الموثق لاسم المكان. وعادة ما يبدأ البحث بالاعتماد على اسم مكان بالشكل الحالي أي اسم المكان العربي الفلسطيني. ويركز هذا المنهج على البحث في أسماء الأماكن وفقًا للمعايير اللغوية، باستخدام منهجية الدراسات اللغوية التاريخية.
((3(مرقطن.
(31) Borée; Benedikt S. J. Isserlin, «Israelite and Pre–Israelite Place Names in Palestine, A Historical and Geographical Sketch,» Palestine Exploration Quarterly , vol. 89, no. 2 (1957), pp. 133–144; Anson F. Rainey, «The Toponymics of Eretz–Israel,» Bulletin of the American Schools of Oriental Research , no. 231 (1978), pp. 1–17; Ernst A. Knauf, «Toponyms and Toponomy,» in: D. N. Freedman (ed.), The Anchor Bible Dictionary , vol. VI (New York: Doubleday, 1992), pp. 601–605; Elitzur. (32) Salomon E. Grootkerk, Ancient Sites in Galilee: A Toponymic Gazetteer , Culture and history of the Ancient Near East (Leiden: Brill, 2000); Aharoni. (33) Stefan Wild, «Zu Aramäischen Ortsnamen in Palästina,» in: Toufic Fahd et al., La toponymie antique: Actes du colloque de Strasbourg ,12–14 juin1975, Université des sciences humaines de Strasbourg, Travaux du Centre de recherche sur le Proche–Orient et la Grèce antiques, t. 4, 1977, pp. 65–73; Mario Liverani, «Imperialism,» in: Susan Pollock & Reinhard Bernbeck (eds.), Archaeologies of the Middle East Critical Perspectives (Oxford: Blackwell, 2004), pp. 223– 243; Abu el–Haj. (34) Borée; Rainey, pp. 1–17; Wild, pp. 65–73; Elitzur. (35) Aḥituv. (36) Stefan Wild, Libanesische Ortsnamen: Typologie und Deutung , Beiruter Texte und Studien, band 9 (Beirut/ Wiesbaden: Beirut Orient–Institut, 1973); Ran Zadok, «A Preliminary Analysis of Ancient Survivals in Modern Palestinian Toponymy,» Mediterranean Language Review , no. 9 (1995–1997), pp. 93–171.
أول دراسة لاهوتية انطلقت من أسماء المدن والقرى الفلسطينية هي دراسة الباحث الألماني جورج كامفماير (1936–1864) في نهاية القرن التاسع عشر، ومن بعده تحولت الدراسة اللاهوتية كافة إلى المنهاجية التوراتية، التي تنطلق من المسميات التوراتية. نادرًا ما توجد منطقة في العالم اليوم اختفت منها مئات أسماء الأماكن من الخريطة في وقت قصير،
وتم إعطاؤها أسماء جديدة كما هو الحال في فلسطين بعد النكبة وفي العقود الأخيرة، ومنذ قيام دولة «إسرائيل» عام 1948 تغيرت تضاريس فلسطين. اختفت أسماء أكثر من خمسمئة قرية فلسطينية مدمرة من خريطة فلسطين التاريخية، ولم تعد تستخدم أسماء عربية أخرى. كما أعطت السلطات الإسرائيلية تسميات عبرية للأماكن في فلسطين التاريخية، من دون الإشارة إلى اسم المكان العربي. وهناك عدة دراسات عربية وثقت أسماء المدن والقرى الفلسطينية المدمرة والمسميات العربية التي أعطيت لها.
رابعًا: أماكن الذاكرة الفلسطينية
تعتبر منهجية دراسة مفهوم أماكن الذاكرة حديثة نسبيًا، ولا تتعدى الثلاثة عقود الماضية، ويعود
استخدام مصطلح «مكان الذاكرة» في العلوم الإنسانية إلى المؤرخ الفرنسي بيير نورا في كتابه Les Lieux de mémoire. وكان هدف نورا هو تحديد الأماكن التي تبلور منها التراث الوطني الفرنسي، وكانت النتيجة قد خرجت في سبعة مجلدات تحتوي على أكثر من 130 مكانًا تمّ اختيارها لتمثل
الذاكرة الفرنسية، إضافة إلى نماذج أخرى مرشحة لكي تكون أماكن للذاكرة الأوروبية. وكان نورا قد
تأثر بالأعمال المتعلقة بالذاكرة الجَمعِيَّة لموريس هالبفاكس. هناك صعوبة في تحديد المعنى الدقيق لمفهوم «مكان الذاكرة»، ويؤكد نورا نفسه أن الذكريات الجماعية تتجسّد وتتجلى في شيء ما، سواء في مكان ما، أو شخصية تاريخية أو أسطورية، أو طقوس، أو
عرف أو رمز، أو تراث مادي أو غير مادي، وغير ذلك. وكذلك يمكن فهم مصطلح «المكان» بالمعنى
المجازي، والذي قد يكون فضاءً أو موقعًا جغرافيًا أو حدثًا تاريخيًا. هذه «المواقع» لها معانٍرمزية
خاصة، ولها وظيفة إنشاء هوية ثقافية جَمعِيَّة للمجموعة البشرية المعنية. وما يهمنا في هذا البحث هو الإشارة إلى أهمية دراسة أماكن الذاكرة بالمعنى الجغرافي بوصفها
تجليًا من التجليات الأساسية للذاكرة الجَمعِيَّة الفلسطينية. وإذا ما قمنا بتحليلات تاريخية للذاكرة
الثقافية الفلسطينية فإننا سنجد هوية للثقافة الجَمعِيَّة الفلسطينية، والتي قد تشكلت عبر التاريخ
(37) Kampffmeyer & Namen. (38) Wild, «Zu aramäischen Ortsnamen in Palästina,» pp. 65–73;
وينظر: أبو ستة. ((3(الدباغ. (4((خمّار؛ الدومنكي؛ عرّاف.
(41) Nora.
((4(عن أماكن الذاكرة وكيف تتشكل، ينظر:
Assmann, Erinnerungsräume , pp. 298–239.
الثقافي الفلسطيني الطويل، فما تمّ تدوينه في الكتابات الأثرية وحفظُه، عبر أكثر من أربعة آلاف سنة
في فلسطين، هو جزءٌ أساسي من تلك الذاكرة؛ إذًا، إن الهوية التاريخية الفلسطينية، والتي تشكّلت
بالارتكاز على نقاط مرجعية مشتركة، تبلورت عبر التاريخ. وأمّا أماكن الذاكرة الفلسطينية، والتي
تشكلت فيها هذه الثقافة، فهي بالدرجة الأولى المدن والقرى الفلسطينية، إذ هي التي تحتوي على المخزون الثقافي، بما في ذلك المعالم التذكارية المختلفة مثل المدونات، والتقاليد الثقافية، والوثائق، والصور، والمناسبات، والطقوس التذكارية، كالمواسم الاحتفالية؛ كموسم النبي موسى قرب أريحا، وموسم النبي روبين قرب يافا وغيرهما. والسؤال المطروح هو: هل نستطيع مقارنة الثابت والمتحوّل في التاريخ الفلسطيني عبر العصور؟
فالثابت هو القرى والمدن الفلسطينية، والتي تحتفظ بأسمائها عبر العصور كما هي موثقة لأكثر من أربعة آلاف سنة، وأمّا المتحوّل فالإمبراطوريات والغزاة والمجموعات الإثنية التي احتلت أو سيطرت
أو كانت في فلسطين، فهي مراحل تاريخية متغيّرة، وهي مراحل عابرة، تأتي وتزول. وكل هذه القوى
السياسية والإمبراطوريات والمجموعات الإثنية قصيرة العمر ومحدودة السيطرة زمنيًا، وهي مراحل
كانت محكومة بالزوال؛ فقد جاءت ورحلت أو ذابت في الشعب الفلسطيني، ولغاتها التي كانت تتحدث بها اندمجت أو ذابت في لهجة فلسطين العربية. ولنأخذ، مثلً، حملة نابليون بونابرت على فلسطين (1799)؛ فقد سجّلت كتب التاريخ له مجزرة يافا وحصار عكا، ولكن ما الذي بقي من حملة
نابليون في أسماء الأماكن؟ حقيقة لم يتبقّ منها في الذاكرة الفلسطينية الحاضرة إلا اسم «تَل نابليون»، وهو موقع معسكر نابليون عندما حاصر مدينة عكا، ونصب معسكره إلى الجنوب من المدينة، في الموقع الأثري لعكا القديمة. إذًا، الإمبراطوريات جاءت ورحلت، ومنها الإمبراطورية الآشورية، والبابلية، والدولة الإخمينية الفارسية، والإسكندر المقدوني، ومن تبعه كالدولة السلوقية، والدولة البطلمية، ثم الدولة البيزنطية، ولاحقًا جاء الصليبيون والمغول والتتار. وقد دارت معارك الدفاع عن الدولة العربية – الإسلامية على أرض فلسطين، وكانت معركتا حطين وعين جالوت في العهدين الأيوبي والمملوكي، ثم حملة نابليون والانتداب الإنكليزي على فلسطين (1920) ثم تأسيس الدولة العبرية التي لا بد من وضعها ضمن هذه الحلقة.
(4((محمد مرقطن، «الحضارات القديمة في البلدان العربية ومسألة تكوين الهوية التاريخية لأمة العرب»، في: التأريخ العربي
وتاريخ العرب: كيف كُتب وكيف يُكتب؟ الإجابات الممكنة، تحرير وجيه كوثراني (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث
ودراسة السياسات، 2017)، ص 193–147. ((4(عن المخزون الثقافي، يُنظر:
Assmann, Erinnerungsräume , pp. 343–349.
(4((عن موسم النبي موسى، ينظر: كامل العسلي، موسم النبي موسى في فلسطين: تاريخ الموسم والمقام (عمّان: منشورات
الجامعة الأردنية،.)1990
(46) Abu el–Haj.
(4((إلياس شوفاني، الموجز في تاريخ فلسطين السياسي: منذ فجر التاريخ حتى عام 1949 (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1996)، ص.258–255
كل الإمبراطوريات والغزاة ليست سوى مراحل عابرة في تاريخ فلسطين، وأمّا ما بقي ثابتًا فهو القرى
والمدن الفلسطينية العابرة للزمن، والتي نستطيع تتبعها عن طريق ذاكرة فلسطين الثقافية التي تحتوي على تدوينات لهذه القرى والمدن منذ نحو أربعة آلاف سنة، وأما الذاكرة التواصلية الفلسطينية وهي الذاكرة الحية فهي توثق هذه الأماكن حتى توصلها إلى اليوم. الأماكن الفلسطينية، متمثلةً بالقرى والمدن، لها أسماء ولها تاريخ، ونحن لا نستطيع قراءة تاريخها في الماضي فحسب، بل تسمح لنا المادة التاريخية بالتخطيط لبناء مستقبلها. وعلينا الأخذ في الحسبان أن الفضاء الجغرافي هو رمز لسيطرة الإمبراطوريات المذكورة والقوى الغازية، في حين أن الأماكن من القرى أو المدن هي عادةً محافظة على وجودها، ولها استمرارية، وقد تدمّر ويعاد بناؤها، وقد تكون
هُجِرت لسبب ما، وقد تختفي من الخريطة، وتصبح خربة، مسكنًا للجن في المخيلة الشعبية، وربما تكون قد أصبحت منسية أو ربما تُذكَر لارتباطها بحدث تاريخي فيها، وربما تحوّلت إلى مكان مقدس
أو غدت مقامًا لقديس وغير ذلك. وهناك أماكن تعرضت لحدث مأساوي كتدمير ومذابح، فتتحول
إلى أماكن للذاكرة المرتبطة بذلك الحدث؛ وهذا ينطبق على مئات القرى الفلسطينية التي تمّ تدميرها
وتهجير أهلها على يد الحركة الصهيونية، كما ينطبق على القرى التي تعرضت لمذابح الصهاينة كدير ياسين والدوايمة. تخلق أماكن الذاكرة هوية للمجموعات البشرية. والمجموعات الاجتماعية المختلفة لها أماكن مختلفة من الذاكرة. ولا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به في ما يخص أماكن الذاكرة الفلسطينية والتي تُعدّ بالمئات، ويعدها الفلسطينيون أشياء مشتركة تجمعهم، ومنها الكثير من المواقع التذكارية والتي يصنفونها ذات صلة بهويتهم. وفي صميم مفهوم مكان الذاكرة يقع الإدراك الذاتي للماضي في سياقات فردية أو جماعية، وهذا ما نراه إذا ما دققنا في ذاكرة كل قرية أو مدينة فلسطينية. عادةً ما تُقسم الذاكرة الثقافية إلى مجموعتين: الذاكرة المُخزّنة، والذاكرة الوظيفية. مخزون الذاكرة
هو ما تمّ تجميعه وتخزينه من المصادر والسجلات والبيانات، بغض النظر عمّا إذا كانت تستخدم في
الحاضر أم لا، وتوصف بأنها الذاكرة السلبية. أمّا الذاكرة الوظيفية فهي ذاكرة نشطة، وتحتوي على
مجموعة صغيرة من الرموز والأدوات، وهو ما يختاره المجتمع من مخزون الذاكرة وتقاليده الثقافية من الماضي ويوظّفه لاحتياجاته الحديثة. ولعل دراسة أسماء الأماكن الفلسطينية واستحضارها من مخزون الذاكرة الفلسطينية، مسألة أساسية في مواجهة التهويد الصهيوني في فلسطين.
(48) Masalha, pp. 307–386.
عن تعريف الفضاء والمكان والتمييز بينهما، يُنظر:
Assmann, Erinnerungsräume , pp. 149–178. (49) Rochelle A. Davis, Palestinian Village Histories: Geographies of the Displaced , Stanford Studies in Middle Eastern and Islamic Societies and Cultures (Stanford: Stanford University Press, 2011). (50) Abu el–Haj.
((5(أسمان.
خامسًا: أسماء المدن والقرى الفلسطينية واستمراريتها التاريخية
ترتبط أسماء الأماكن عادة بالاستقرار البشري، وتعتبر فلسطين من أقدم بقاع العالم التي استقر فيها الإنسان. تذكر عالمة الآثار البريطانية كاثلين كنيون Kenyon Kathleen (1978–1906) بأن عين الملاحة شمال طبرية، والتي يعود تاريخها إلى نحو عشرة آلاف سنة قبل الميلاد، هي أوّل مستقرّ بشري
في العالم، حيث ترك الإنسان الكهوف وسكن في بيوت دائمة. ومنذ الألف الثامنة قبل الميلاد نجد الكثير من القرى الزراعية منتشرة في فلسطين، كما كشف علماء الآثار عن مدينة أريحا وصنّفوها على أنها أقدم مدينة في التاريخ (الألف الثامنة إلى السادسة ق. م).. الإنسان الذي أسس هذه المستقرات البشرية وسكنها أعطاها أسماء، وأقدم طبقة لغوية لأسماء هذه القرى والمدن في فلسطين هي أسماء سامية، وبالذات كنعانية، وأحدث طبقة هي العربية – الفلسطينية. أسماء الأماكن عادة محافظة، ولا تتبدل كثيرًا عبر التاريخ، إلا إذا تمّ تدمير المكان وتهجير أصحابه.
عادةً ما تقوم القوى الغازية أو المحتلة بتبنّي أسماء الأماكن الموجودة، ولكنها قد تقوم بتغيير أسماء الأماكن الخاصة بسيطرتها العسكرية والإدارية والاقتصادية، أو في حالة تأسيس مستعمرات لها تعطيها أسماء جديدة. أمّا أهل البلد الأصليون فيبقون محافظين على أسماء قراهم ومدنهم كما هي، وعادة
لا يستخدمون الأسماء المعطاة من القوى المحتلة إلا للضرورة. ومن بداية الألف الثالثة قبل الميلاد أي العصر البرونزي القديم، ازدادت القرى الزراعية ونشأت المدن في فلسطين، كما نشأت ممالك المدن الكنعانية. وابتداء من الألف الثانية قبل الميلاد أي العصر البرونزي المتوسط، بدأ توثيق أسماء الأماكن الفلسطينية في المصادر الفرعونية والوثائق المسمارية. ومن أواسط الألف الثانية حتى نحو 1200 ق. م. أصبحت فلسطين مقاطعة مصرية تحكم مباشرة من الفرعون المصري. في هذه الفترة توثيق جيد لأسماء الأماكن الفلسطينية، ليس فقط في المصادر المصرية، بل في الوثائق المسمارية أيضًا ومنها رسائل تل العمارنة (القرن الرابع عشر ق. م.) المكتوبة باللغة الأكادية لغة التواصل الدولي في ذلك العصر، وعددها نحو أربعمئة رسالة نصفها تقريبًا كان من
قبل الملوك المحليين في فلسطين.
(52) Kathleen Kenyon, Archaeology in the Holy Land , 3 rd ed. (London: Ernest Benn, 1970). (53) Hamdan Taha, «Two Decades of Archaeology in Jericho, 1994–2015,» in: R. Th. Sparks et al. (eds.), Digging Up Jericho Past, Present and Future (Oxford: Archaeopress, 2020), pp. 269–286. (54) Meron Benvenisti, Sacred Landscape: The Buried History of the Holy Land Since 1948 (Berkeley, CA: University of California Press, 2002).
((5(عن رسائل تل العمارنة والملوك المحليين في فلسطين وعلاقاتهم بمصر يُنظر:
Anson F. Rainey, William M. Schniedewind & Zipora Cochavi–Rainey, The El–Amarna Correspondence: A New Edition of the Cuneiform Letters from the Site of El–Amarna Based on Collations of All Extant Tablets , vol. 2 (Handbook of Oriental Studies = Handbuch der Orientalistik Sec. 1 Ancient Near East, 110) (Leiden: Brill, 2015);
يُنظر مثلً: رسالة ملك القدس عبدي خيبا إلى الفرعون المصري أمنحوتب الرابع أو أخناتون (1340–1324 ق. م. تقريبًا)، في:. 1110–1115 pp , Ibid، برقم 287 EA؛ ينظر أيضًا:
Moran, pp. 325–334.
منذ نحو 1200 ق. م. إلى مجيء الإسكندر نحو 333 ق. م. (العصر الحديدي كما يسمّى)، ظهرت في فلسطين عدة ممالك مدن City–states، وهي أشبه بمشيخات، ومنها ممالك فينيقية؛ ممالك الفلسطيين (من شعوب البحر) في الساحل الفلسطيني ومملكتا العبرانيين. ولدينا معلومات عن أسماء الأماكن من المصادر الأشورية، والبابلية، والمصرية، والنقوش الفينيقية وكذلك العهد القديم، حيث تذكر أسماء الأماكن الفلسطينية على أنها سكنها العبرانيون ولم يتم تأسيسها، مع الحفاظ على أسمائها السابقة. لدينا الكثير من المعلومات عن أسماء القرى والمدن الفلسطينية في العصور اليونانية والرومانية والبيزنطية. ومن أهم هذه المصادر العالم الكنسي الفلسطيني يوسيبيوس اﻟﻘﻴﺼﺎري، ثم الفترة الإسلامية، ولدينا توثيق جيد لأسماء القرى والمدن الفلسطينية في كتب الجغرافيا والتاريخ والرحالة العربية – الإسلامية. فلسطين، عبر تاريخها الطويل، ظهرت فيها حضارات مختلفة وشعوب وثقافات متنوعة، وغزاة من مغول وتتار إلى صليبيين ومستعمرين غربيين وغيرهم. وإذا ما نظرنا في باطن هذه الأرض عموديًا نجد بقايا لتراكمات من الثقافات والروايات أو الحروب والدمار، جميعها مدفونة في أرض فلسطين، كلها ذابت وانتهت. بقي الشعب الفلسطيني يشكل الاستمرارية للاستقرار البشري على هذه الأرض وثقافتها، وتتجسد هذه الاستمرارية في أسماء المدن والقرى الفلسطينية، حيث بقي الكثير منها محافظًا على الأسماء نفسها بتحوير قليل، عبر نحو أربعة آلاف سنة إلى اليوم، ومنها يافا، وعكا، وبيسان، وغزة، وأريحا، وعسقلان، وبيت لحم.
سادسًا: هويّة المكان: الدراسة اللغوية لأسماء الأماكن الفلسطينية في سياق تاريخي
نظرًا إلى أن أسماء الأماكن في فلسطين لها تاريخ طويل، فلا بدّ لنا من دراسة تاريخ الاسم بحسب وروده في المصادر التاريخية، ومستوياته وتطوراته اللغوية المختلفة، مثل الاسم الكنعاني جَبْعُون والذي تطور لكي يصبح الجِيب، قرية قريبة من رام الله. على غرار أسماء الأماكن في لبنان الحالي، أو الأردن، يمكن التعرف إلى أربع طبقات لغوية رئيسة في أسماء الأماكن الفلسطينية: الكنعانية، والآرامية، واليونانية والرومانية، والعربية – الفلسطينية. وفي العديد من الحالات، يصعب التمييز بين المجموعات اللغوية المختلفة، وكيفية حدوث عملية تحديد أسماء الأماكن الكنعانية وكيفية تعريب أسماء الأماكن الآرامية أو الكنعانية.
(56) Masalha, pp. 307–386. (57) Wild, Libanesische Ortsnamen ; Elie Wardini, Lebanese Place–Names (Mount Lebanon and North Lebanon): A Typology of Regional Variation and Continuity , Orientalia Lovaniensia Analecta (Leuven: Peeters, 2002). (58) Sultan al–Maʿani, Nordjordanische Ortsnamen: Eine etymologische und semantische Untersuchung , Texte und Studien zur Orientalistik (Hildesheim: G. Olms, 1992).
1. الطبقة الأولى: الأسماء الكنعانية
هي أقدم طبقة لغوية من أسماء الأماكن الفلسطينية، وهي الأسماء الكنعانية التي ذكرت في المصادر المصرية في ما يسمى «وثائق اللعن» من القرن التاسع عشر قبل الميلاد. تبنّت الشعوبُ التي عاشت في فلسطين، مثل العبرانيين، والفلسطينيين، والفينيقيين، والآراميين،
والأدوميين، والعرب، إلى حد بعيد، الأسماء الكنعانية. ولا يجوز اعتبار أسماء الأماكن الواردة في العهد القديم من الكتاب المقدس عبرية، لأنها واردة قبل الكتاب المقدس. ولا يذكر العهد القديم أن العبرانيين أسّسوا مدنًا، بل يذكر أنهم سكنوا ما كان موجودًا. وغالبًا ما يكون تثبيت العديد من الباحثين
التوراتيين لشرح أسماء الأماكن القديمة لفلسطين وفقًا للعبرية التوراتية، وهذا غير دقيق؛ لأن غالبية هذه الأماكن كانت معروفة قبل زمن الكتاب المقدس، كما تثبت المصادر المصرية أو بلاد ما بين النهرين. تعتبر مدينة غزة نموذجًا لأسماء المدن الكنعانية، والذي ما زال مستخدمًا حتى اليوم. لقد ورد هذا
الاسم مرات عديدة في المصادر المصرية ابتداء من القرن التاسع عشر قبل الميلاد، ثم في مصادر بلاد ما بين النهرين Ḫazitu، والمصادر اليونانية مثل يوسيبيوس اﻟﻘﻴﺼﺎري Eusebius، وغير ذلك. وهناك إصرار عقيم من علماء اللاهوت على تفسير اسم «غزة» بناء على الجذر العبري عزز. ولكن ورود اسم مدينة غزة بحرف «الغين» أكثر من ثلاثين مرة في النقوش العربية الجنوبية وهي التي تكتب الغين كالعربية، ابتداء من القرن السادس قبل الميلاد، يُظهر لنا أن أصل هذا الاسم من الجذر غزز
بمعنى «زرع، استقر». وفسر الباحثون دائمًا اسم مدينة «بيت لحم» الكنعاني على أنه «بيت الخبز»، هذا الاسم مكتوب في
رسائل تل العمارنة (القرن الرابع عشر ق. م.) بصيغة Bīt–dNinurta، ومن المعروف أنّDINIGIR هي أداة التعريف للآلهة في الأكادية، ومن ثم فإن الاسم مركب مع اسم «إله»، وهو معبود سامٍ قديم معروف باسم Laḫmu في بلاد ما بين النهرين، ويمكن مقارنته بأسماء أماكن مركبة مع أسماء آلهة مماثلة مثل بيت دجن أو «معبد دجان».
(59) Helck; Aḥituv.
((6(يعتبر العالم التوراتي إدوارد روبنسون مؤسس علم الآثار التوراتية، وكان هو أول من حاول ربط أسماء القرى والمدن الفلسطينية بأسماء الأماكن في العهد القديم، وتحليلها على أنها عربية ولكنها ذات أصول عبرية، وذلك في:
Edward Robinson, Biblical Researches in Palestine, Mount Sinai and Arabia Petraea (Boston: Crocker & Brewster,
(61) Aharoni. (62) Aḥituv, p. 97f. (63) Moran, p. 332. (64) Al–Sheiba, pp. 1–62. (65) Wild, Libanesische Ortsnamen. (66) Moran, p. 334.
2. الطبقة الثانية: الأسماء الآرامية
اسم «فلسطين» أصله آرامي، يبدو أن أسماء الأماكن الآرامية قد بدأت في منتصف الألف الأولى قبل الميلاد، لتسيطر على كثير من الأسماء الكنعانية، ثمّ استمرت في العصر الهلنستي والروماني، واستمر الكثير منها في العصور الإسلامية، إلى اليوم. من تلك الأسماء مثلً: طور زيتا «جبل الزيتون» عند الجغرافيين العرب والمصادر العثمانية، ومنها عورتا، وزيتا، وعناتا، وعربتا، وعدرا «عذراء»، وبيتا، وطور كرم (طول كرم).
3. الطبقة الثالثة: الأسماء اليونانية والرومانية
رغم أن اليونان والرومان غيّروا الكثير من أسماء المدن والقرى الفلسطينية، فإن ما بقي منها اليوم عدد محدود، ومنها نابلس وهي من أصل يوناني Neapolis بمعنى المدينة الجديدة.
4. الطبقة الرابعة: العربية - الفلسطينية
هي أحدث طبقة لغوية وتجسّد الاستمرارية التاريخية واللغوية، وتمثل التاريخ الحي، وتتمثل بالآلاف من أسماء الأماكن من مدن وقرى ووديان وجبال، ومنها أسماء عربية خالصة، ومنها ما هو معرّب، خاصة من الآرامية مع الفتح الإسلامي، والكثير موروث من الآرامية والكنعانية وغيرهما. كما أن هناك جزءًا رئيسًا من أسماء الأماكن تم تعريبه في القرن الثالث عشر بعد طرد الصليبيين. على الرغم من أن غالبية أسماء الأماكن الفلسطينية يبدو للوهلة الأولى أنه يمكن تفسيرها باللغة العربية، فإن تفسير هذه الأسماء وفقًا للغة العربية يعدّ غير كافٍ؛ فمثلً؛ من السهل فهم اسم «مَجْد الكروم» باللغة العربية على أنه «مجد كروم العنب»، ولكن هذا الاسم قد ذكر في المصادر العثمانية وما قبلها باسم «مجدل الكروم»، وهذا يدل على أن هذا الاسم كنعاني، ويمكن تفسيره بأنه «برج كروم العنب»؛ حيث يعني اللفظ «مجدل» في الكنعانية «برج» أو «قلعة». وكما يشرح الباحثون اسم بَتُولا/ بيت أولا (قرب الخليل) دائمًا بأنه اسم مركب من بيت بمعنى «بيت/ معبد» واسم إلهة غير
معروفة تحمل اسم أولا، لكن سكان المكان والقرى المجاورة يسمون هذه القرية بَتُولا. يمكن تفسير تلك الكلمة بالكنعانية أو الآرامية باسم «عذراء»، والتي تُعرف اسمًا لإلهة كنعانية، فضبط الاسم كما يسميه أهل القرية باللهجة الفلسطينية هو الذي يحل الإشكال اللغوي. هناك نموذج للأسماء العربية بترجمة استعارية من الآرامية ومنها الخليل والتي كانت تسمى حَبْرَا قبيل الفتح الإسلامي وكما يرد هذا الاسم في المصادر العربية.
(67) Wild, «Zu aramäischen Ortsnamen in Palästina,» pp. 65–73. (68) Elitzur. (69) Zadok, pp. 93–171. (70) Al–Hilou.
سابعًا: سياسة الطمس الصهيونية لأسماء الأماكن الفلسطينية
في هذا البحث إشارة إلى مسألة الصراع مع الحركة الصهيونية على المكان والزمان والتاريخ، ومحاولة الحركة الصهيونية محو الذاكرة الثقافية والتاريخية الفلسطينية، من خلال طمس رموز أماكن تلك الذاكرة، وخاصة المدن والقرى الفلسطينية، لكي تقطع علاقة الإنسان الفلسطيني بماضيه، كما تواجه الشعب الفلسطيني مسألة سرقة وتبني الدولة العبرية منتجات ثقافية معروفة تاريخيًا قبل تأسيس الدولة. لعل من أهم ركائز الحركة الصهيونية في تهويد فلسطين اختيار أسماء الأماكن التوراتية والتلمودية، وإعادة إطلاقها على أسماء الأماكن الفلسطينية أو المستعمرات، وهي أداة قوية لتعزيز الأيديولوجيا الصهيونية للسيطرة على الأرض، حيث يتم تغيير الأسماء العربية إلى أسماء عبرية كي تظهر إسرائيل باعتبارها الوريث الشرعي والوحيد للأرض المقدسة، ولتعطي، أيضًا، نفسها شرعية الاستمرارية التاريخية بناء على الرواية اللاهوتية الأسطورية. تجدر الإشارة إلى أن كل عمليات الغزو والحروب ضد أهل فلسطين عبر التاريخ قد اقتصرت على السيطرة على المدن، ولكنها لم تدمّر الريف الفلسطيني. وحتى السيطرة الصليبية اقتصرت على المدن،
وتحصن الصليبيون في قلاعهم. وأوّل تدمير للريف والقرى الفلسطينية عبر آلاف السنين جاء على يد
الحركة الصهيونية. لقد ترافق الاستيطان الصهيوني في فلسطين منذ بداية القرن العشرين مع تأسيس لجان خاصة لتغيير أسماء الأماكن الفلسطينية، واختيار أسماء عبرية لمستعمراتهم على ركام القرى الفلسطينية. وازداد الأمر بعد تأسيس دولة إسرائيل، هذه عملية ما زالت جارية حتى اليوم. ودخلت هذه السياسة مرحلة قصوى مع تدمير المئات من المدن والقرى الفلسطينية وطمسها خلال النكبة وحرب 1967، وهناك عدة دراسات تناولت هذا الموضوع. في عام 1949 بعد تأسيس دولة إسرائيل على أرض فلسطين، تمّ تشكيل لجنة من تسعة من كبار علماء
التوراة والآثار، كانت مهمتهم رسم خريطة عبرية لفلسطين، وتغيير أسماء المدن والقرى الفلسطينية المهجرة والمدمرة، واختراع أسماء عبرية لها، وكذلك للوديان والجبال وغيرها. كما تمّ تأسيس لجان
فرعية للغرض نفسه، ومنها لجنة خاصة بالنقب.
(71) Abu el–Haj, pp. 307–386. (72) Gottfried Reeg, Die Ortsnamen Israels Nach der Rabbinischen Literatur , Beihefte zum Tübinger Atlas des Vorderen Orients, B, 51 (Wiesbaden: Reichert, 1989). (73) Nur Masalha, «Settler–Colonialism, Memoricide and Indigenous Toponymic Memory: The Appropriation of Palestinian Place Names by the Israeli State,» Journal of Holy Land and Palestine Studies , vol. 14, no. 1 (2015), pp. 3–57. (74) Benvenisti; Masalha, Palestine: A Four Thousand Year History , pp. 307–386. (75) Davis; Masalha, «Settler–Colonialism,» pp. 3–57; Aleida Assmann, «One Land and Three Narratives: Palestinian Sites of Memory in Israel,» Memory Studies , vol. 11, no. 3 (2018), pp. 287–300. (76) Benvenisti.
اعتمدت الحركة الصهيونية أحد مبادئ الحركات الاستعمارية وطبّقته على فلسطين، وهو ما يسمى
بالأرض المكتشفة أو ما سمي بالأرض المجهولة أو غير المعروفة Incognita Terra؛ أي غير محددة الملكية أو غير المملوكة. والأرض المكتشفة عند الحركات الاستعمارية هي لمن يكتشفها، ويرتبط مفهوم الأرض المكتشفة بالأرض المباحة Nullius Terra أو الخالية وهي بذلك ممتلكات مباحة Nullius Res. وهذا ما نجده في الخرائط التوراتية والصهيونية لفلسطين، فإضافةً إلى أسماء الأماكن نجد إشارة خاصة إلى المساحات غير المأهولة كالمراعي؛ وذلك للدعوة إلى احتلالها أو استيطانها، وهذا صلب السياسة الصهيونية منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى اليوم. قبل سياسة الطمس الصهيونية لأسماء الأماكن الفلسطينية، كانت هناك الخريطة الذهنية الغربية المتخيلة لفلسطين، وأسطورة طوبوغرافيا الأرض المقدسة التي وضعها علماء التوراة والرحالة الغربيون لفلسطين في القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين. إذًا، أدّت كتب الرحالة وعلماء الآثار الغربيين في القرن التاسع عشر دورًا مهمًا في رسم الخريطة الذهنية الغربية Map Mental المُتخيلة لفلسطين وتثبيتها،
كما يريدها الغرب، والتي تبنتها الصهيونية لاحقًا، وبقيت مرسومة في ذهنية الغرب إلى اليوم، وهي نموذج استشراقي بامتياز. إنها فكرة الذاتية الغربية الاستعمارية، كما يريدها الغرب ويُحسّ بها، وليست
كما هي على حقيقتها. لقد وضعوا تصورًا مُشوَّهًا للصورة الواقعية للمدن والقرى الفلسطينية. وكان
هالبفاكس قد وضع للذاكرة الجَمعِيَّة الغربية مؤلفًا أسماه أماكن الذاكرة الدينية المسيحية في فلسطين،
وتتبع فيه التغير التاريخي في التقاليد المسيحية، وكيف أن الأرض المقدسة في الكتاب المقدس كانت ولا تزال وهمية.
الطِّرْس منهجية في التعرف إلى الأماكن الفلسطينية
يمكننا استخدام منهجية قراءة الطِّرْس Palimpsest (وهو الرق الذي محي وأعيدت الكتابة عليه من
جديد)، وأهمية الطرس أنه يحتوي على عدة طبقات مكتوبة، لا يظهر منها إلا أحدث طبقة، ولكن إذا ما تمّ التدقيق في القراءة قد تظهر أيضًا آثار أو بقايا تحتها، وتظهر الطبقات التي تم محوها، ويستخدم
المؤرخون هذا المفهوم مجازيًا للتعرف إلى ثقافة الشعوب التي طمستها قوى الاستعمار. وهذا
ما ينطبق على الأماكن الفلسطينية التي تم محوها وإعادة البناء على مواقعها، إلا أنها بالرغم من ذلك ظاهرة للعيان وموثقة تاريخيًا. ويمكن تطبيق منهجية قراءة الطِّرْس، لفهم ذاكرة مدينة القدس والتي
(77) Bill Ashcroft, Gareth Griffiths & Helen Tiffin, Post–Colonial Studies: The Key Concepts (London/ New York: Routledge, 2013), pp. 257–259. (78) Marcelo Svirsky, «The Production of Terra Nullius and the Zionist–Palestinian Conflict,» in: Simone Bignall & Paul Patton (eds.), Deleuze and the Postcolonial (Edinburgh: Edinburgh University Press, 2010), pp. 220–250. (79) Thomas L. Thompson, The Mythic Past: Biblical Archaeology and the Myth of Israel (New York: Basic Books,
(80) Mauric Halbwachs, Stätten der Verkündigung im Heiligen Land: Eine Studie zum kollektiven Gedächtnis (Konstanz: UVK Verlag, 2002). (81) Ashcroft, Griffiths & Tiffin, pp. 190–192.
تحتوي على كثير من الطبقات التاريخية المتراكمة. وفي عام 1996، أقامت الدولة العبرية احتفالية شعارها «القدس: ثلاثة آلاف عام»، أعلنت فيها أن القدس قد بناها الملك داود في عام 1004 ق. م. وبدلً من عرض التاريخ الحقيقي للمدينة، والذي يبدأ على الأقل قبل هذا التاريخ بثمانمئة عام، حيث ذُكر في ما يسمى «وثائق اللعن» المصرية، ركزت هذه الاحتفالية على القصص التوراتي، لكي يتفق مع الأساطير المؤسسة للدولة العبرية. وبهذا، يُمحى تاريخ المدينة في هذه الحقبة الزمنية المذكورة،
وتشطب حتى القصص التوراتية الخاصة باليبوسيين وهم أهل المدينة في العهد القديم، وتشطب حقبة عبدي خيبا ملك القدس من عصر العمارنة (القرن الرابع عشر قبل الميلاد) والذي كان قد أرسل خمس رسائل إلى الفرعونَين المصريَين أمنحوتب الثالث وأمنحوتب الرابع. وفي الحصيلة، بحسب الرواية
الصهيونية، يُبرَز الملك داوود بطلً أسطوريًا مؤسسًا للمدينة، في حين أن هذا يتناقض مع مراحل تاريخ
المدينة.
ثامنًا: نحو منهجية علمية في دراسة أماكن الذاكرة الفلسطينية وتطوير سردية عربية لفهم التاريخ الفلسطيني
تُعتبر فلسطين من أقدم المناطق المأهولة بالسكان في تاريخ البشرية، وتاريخ أسماء الأماكن في فلسطين يمتد في أعماق التاريخ. لقد كانت فلسطين إحدى أكثر المناطق كثافة سكانية في العالم منذ العصر الحجري الحديث (الألف الثامن ق. م.) حتى يومنا هذا. وإضافة إلى ذلك، لم تكن فلسطين التاريخية ساحة قتال للصراع بين القوى العالمية منذ العصور القديمة حتى العصر الحديث فحسب، بل كانت أيضًا جسرًا ثقافيًا بين آسيا وأفريقيا وأوروبا. ولأن تسمية المكان عادة ما تعكس
الاحتياجات البيئية والثقافية للناس، فقد ترك الناس بصماتهم في مسميات هذه الأماكن بلغات مختلفة. تركت جميع الشعوب التي عاشت في فلسطين، إذًا، آثارها في أسماء الأماكن الفلسطينية، ومن أمثلة ذلك: الكنعانيون، والأموريون، والمصريون، والحوريون، والعبرانيون، والأدوميون، والفلسطينيون، واليونانيون، والرومان، والعرب، والصليبيون، والعثمانيون وغيرهم. ومع ذلك، ومنذ القرون الأولى الميلادية وخاصة القرن السابع الميلادي على الأقل وأكثر من 1400 عام، حافظت فلسطين على الوجه العربي لهذه البلاد حتى العصر الحديث، وآلاف أسماء الأماكن هي أسماء موثقة في المصادر العربية ومسجلة ومحفوظة في سجل اللهجة العربية – الفلسطينية. في النتيجة، إن أسماء الأماكن الفلسطينية هي الامتداد التاريخي والطبيعي لحياة الإنسان على هذه الأرض التي حافظت عليها الذاكرة الجَمعِيَّة
الفلسطينية عبر التاريخ إلى اليوم، ودراستها تمثّل استحضارًا للذاكرة الثقافية الفلسطينية. من هنا، على الباحثين الانطلاق من أسماء المدن والقرى، كما هي معروفة اليوم وكما هي موثقة في اللهجة العربية الفلسطينية. ويجب الاعتماد على منهجية علمية قوامها الذاكرة الجَمعِيَّة الفلسطينية، بما
((8(يُنظر دراسة أليدا أسمان التي تعالج الهلكوست والنكبة، في:
Assmann, «One land and Three Narratives,» pp. 287–300. (83) Masalha, Palestine: A Four Thousand Year History , pp. 307–386.
فيها الذاكرة التواصلية الفلسطينية والذاكرة الثقافية الفلسطينية، واعتماد منهجية علم اللغات الساميَّة
المقارن والمنهج التاريخي. كما يجب التحرر المطلق من المنهجية اللاهوتية العقيمة في التعامل مع أسماء الأماكن الفلسطينية، والتي سيطرت على عقلية بعض الهواة العرب، خاصة أن أسماء الأماكن الفلسطينية موثقة، وسابقة بزمن كثير للنص التوراتي، ولا يجوز بأي حال من الأحوال الانطلاق من نص العهد القديم، لا لمعالجة دراسة الأماكن الفلسطينية، ولا لدراسة تاريخ فلسطين القديم، فتلك هي الطامة الكبرى، وهذه هي منهجية اللاهوت والتي تُستخدم أداة أساسية في خدمة الرواية الأسطورية الصهيونية. ولكن يمكن التعامل مع الكتاب المقدس بوصفه مصدرًا ثانويًا أو ككتاب فلكلوري فلسطيني قديم في جوانبه
التاريخية، وهنا لا بد من الاعتماد على الذاكرة الثقافية الفلسطينية وما دونته عبر العصور. ولا يناقش هذا البحث الرواية الخرافية العربية – الفلسطينية حول تاريخ فلسطين، والتي تنطلق من نص العهد القديم، والتي ازدادت في السنوات الأخيرة، والتي نشرها الشعبويون العرب من هواة التاريخ واللغات، وكثيرًا ما تُلحق هذه الرواية الخرافية الضرر بقضية أهل فلسطين وتشوّه التاريخ والثقافة
والجغرافيا الفلسطينية. نحن أيضًا في حاجة ماسّة إلى زيادة الوعي التاريخي الفلسطيني عن طريق تعميق القدرة على تحليل
الماضي علميًا، بفهم الحاضر ومن ثمّ رسم خطط للمستقبل، وكذلك تفعيل مخزون الذاكرة الثقافية
الفلسطينية، وتطوير أدوات وسرديات من ذلك المخزون، ومن ثم توظيفها في الحفاظ على هوية الشعب الفلسطيني في الصراع ضد الحركة الصهيونية. ومنذ بداية التسعينيات من القرن الماضي، ازداد الاهتمام على نحو ملحوظ بتدوين الذاكرة التواصلية الفلسطينية، وصدر كثير من الدراسات التي توثق للقرى المدمرة وأحداث النكبة وغيرها.
كلمة ختامية
استعرض هذا البحث مسألة دراسة أماكن الذاكرة الفلسطينية بكل أبعادها، ودراسة التاريخ الفلسطيني عمومًا؛ وذلك بالاعتماد على الذاكرة الجَمعِيَّةالفلسطينية، والذاكرة الثقافية، والذاكرة التواصلية، وعلاقة
الإنسان بالأرض. ويتضح من هذه الدراسة أن الشعب الفلسطيني هو خلاصة الاستقرار البشري في فلسطين وامتداده التاريخي الطبيعي منذ آلاف السنين إلى اليوم، وهو الذي حفظ أمانة التنوع الثقافي والديني والبشري في هذه البلاد، وهذا هو المنطلق الأساسي للبحث. ولم يهتمّ هذا البحث بمناقشة مَن هم قبل ومَن هم بعد على أرض فلسطين، أهم الكنعانيون أم
(8((عزمي بشارة، «في الذاكرة والتاريخ» في: الفكر العربي الحديث والمعاصر، تحرير وإعداد سليمان ربضي وعبد الكريم البرغوثي، ط 3 (بيرزيت: دائرة الفلسفة والدراسات الثقافية، جامعة بير زيت، 2000)، ص.624–617 ((8(المرجع نفسه. ((8(أبو ستّة؛ الخالدي.
العبرانيون؟ لأنّ المسألة الأساسية التي ينطلق منها هذا البحث هي أن المشروع الصهيوني هو مشروع استعماري قام باقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه وتشريده، ويحاول أن يمحو ذاكرته الثقافية. والمجموعات الإثنية كافة التي عاشت في فلسطين قد ذابت في شخصية الشعب الفلسطيني؛ فجميع الغزاة رحلوا والإمبراطوريات انتهت، ولكن القرى والمدن الفلسطينية بقيت دائمًا في مكانها محتفظة
بأسمائها عبر العصور، واستمرت في معظمها حتى النكبة، وهذا ما تخبرنا به الذاكرة الثقافية الفلسطينية. وقد ناقش هذا البحث المحاولات الصهيونية لمحو الذاكرة الفلسطينية، وسياسة طمس الأماكن الفلسطينية. ومن الواضح أن هذا البحث لا يهمه الدخول كثيرًا في مناقشة الرد على الرواية التوراتية
والصهيونية المرتبطة بإثبات شرعية الدولة العبرية، تلك الرواية التي بدأت تتهاوى في السنين الأخيرة على أيدي علماء اللاهوت وما يسمى الآثار التوراتية أنفسهم. ويرى هذا البحث أنّ الرد الحقيقي هو إبراز أماكن الذاكرة الفلسطينية وأهميتها في صناعة الهوية الفلسطينية.
References
المراجع
العربية
أبو ستّة، سلمان. أطلس فلسطين 1966–1917. لندن: هيئة أرض فلسطين،.2011 أسمان، يان. الذاكرة الحضارية: الكتابة والذكرى والهوية السياسية في الحضارات الكبرى الأولى. ترجمة عبد الحليم عبد الغني رجب. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2003 بابه، إيلان. التطهير العرقي في فلسطين. ترجمة أحمد خليفة. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،
التأريخ العربي وتاريخ العرب: كيف كُتب وكيف يُكتب؟ الإجابات الممكنة. تحرير وجيه كوثراني. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017 الخالدي، وليد. كي لا ننسى: قرى فلسطين التي دمرتها إسرائيل سنة 1948 وأسماء شهدائها. ترجمة حسني زينه. بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.2001 خمّار، قسطنطين. أسماء الأماكن والمواقع والمعالم الطبيعية والبشرية والجغرافية المعروفة في فلسطين
حتى العام 1948. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.1980 الدباغ، مصطفى مراد. بلادنا فلسطين. 10 أجزاء. كفر قرع: دار الهدى للطباعة والنشر،.2002 مرمرجي الدومنكي، أ. س. (الأب). بلدانية فلسطين العربية. وقف عليها وفهرسها محمد خليل الباشا. بيروت: عالم الكتب،.1987 ريكور، بول. الذاكرة، التاريخ، النسيان. ترجمة وتقديم وتعليق جورج زيناتي. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.2009
سوكاح، زهير. «حقل ‘دراسات الذاكرة’ في العلوم الإنسانية والاجتماعية: حضور غربي وقصور عربي». أسطور. العدد 11 (كانون الثاني/ يناير.)2020 الشوفاني، إلياس. الموجز في تاريخ فلسطين السياسي: منذ فجر التاريخ حتى عام 1949. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.1996 طوني بينيت، ولورانس غروسبيرغ وموريس ميغان. مفاتيح اصطلاحية جديدة: معجم مصطلحات الثقافة والمجتمع، ترجمة سعيد الغانمي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2010 عرّاف، شكري. المواقع الجغرافية في فلسطين: الأسماء العربية والتسميات العبرية. بيروت: مؤسسة
الدراسات الفلسطينية،.2004 الفكر العربي الحديث والمعاصر. تحرير وإعداد سليمان ربضي وعبد الكريم البرغوثي. ط 3. بيرزيت: جامعة بير زيت،.2000 العسلي، كامل. موسم النبي موسى في فلسطين: تاريخ الموسم والمقام. عمان: منشورات الجامعة الأردنية،.1990 العرب: من مرج دابق إلى سايكس – بيكو (1916–1516)، تحولات بُنى السلطة والمجتمع: من الكيانات والإمارات السلطانية إلى الكيانات الوطنية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 كنعان، توفيق. الأولياء والمزارات الإسلامية في فلسطين. ترجمة نمر سرحان، تحرير حمدان طه. رام الله: وزارة الثقافة الفلسطينية،.1997 لوغوف، جاك. التاريخ والذاكرة. ترجمة جمال شحيّد. سلسلة ترجمان. بيروت: المركز العربي
للأبحاث ودراسة السياسات،.2017
الأجنبية
Abu el–Haj, Nadia. Facts on the Ground: Archaeological Practice and Territorial Self– Fashioning in Israeli Society. Chicago: The University of Chicago Press, 2002. Aharoni, Yohanan. Das Land der Bibel: eine historische Geographie. Neukirchen– Vluyn: Neukirchener Verlag, 1984. Aḥituv, Shmuel. Canaanite Toponyms in Ancient Egyptian Documents. Jerusalem: The Magnes Press, 1984. Al–Hilou, Abdullah. «Topographische Namen des syro–palästinischen Raumes nach arabischen Geographen: Historische und etymologische Untersuchungen.» PhD. Dissertation. Freie Universität Berlin. Berlin. 1986.
Al–Maʿani, Sultan. Nordjordanische Ortsnamen: Eine etymologische und semantische Untersuchung. Texte und Studien zur Orientalistik. Hildesheim: G. Olms, 1992. Al–Sheiba, Abdallah. Archäologische Berichte aus dem Yemen , IV. Mainz: Philipp von Zabern, 1988. Ashcroft, Bill. Gareth Griffiths & Helen Tiffin. Post–Colonial Studies: The Key Concepts. London/ New York: Routledge, 2013. Assmann, Aleida. Erinnerungsräume: Formen und Wandlungen des kulturellen Gedächtnisses. München: C. H. Beck, 1999. Assmann, Alieda. «One Land and Three Narratives: Palestinian Sites of Memory in Israel.» Memory Studies. vol. 11, no. 3 (2018). Assmann, Jan. Das kulturelle Gedächtnis: Schrift, Erinnerung und politische Identität in frühen Hochkulturen. München: C. H. Beck, 1997. Avi–Yonah, Michael. Gazetteer of Roman Palestine. vol. 5. Jerusalem: Institute of Archaeology, Hebrew University, 1976. Benvenisti, Meron. The Sacred Landscape: Buried History of the Holy Land Since 1948. Berkely, CA: University of California Press, 2002. Bignall, Simone & Paul Patton (eds.). Deleuze and the Postcolonial. Edinburgh: Edinburgh University Press, 2010. Borée, Wilhelm. Die alten Ortsnamen Palästinas , Hildesheim [u.a.]: Olms. Nachdruck1968; Leipzig: Pfeiffer, 1930. Davis, Rochelle A. Palestinian Village Histories: Geographies of the Displaced. Stanford Studies in Middle Eastern and Islamic Societies and Cultures. Stanford: Stanford University Press, 2011. Doris Bachmann–Medick, Cultural Turns: New Orientations in the Study of Culture. Berlin/ Boston: De Gruyter, 2016. Edward Robinson. Biblical Researches in Palestine, Mount Sinai and Arabia Petraea. Boston: Crocker & Brewster, 1841. Elitzur, Yoel. Ancient Place Names in the Holy Land: Preservation and History. Jerusalem: The Hebrew University, Magnes Press, 2004. Erll, Astrid. Kollektives Gedächtnis und Erinnerungskulturen. Eine Einführung. Stuttgart/ Weimar: J. B. Metzler, 2005. Fahd, Toufic et al. La toponymie antique. Actes du colloque de Strasbourg,12–14 juin 1975. vol. 4. Université des sciences humaines de Strasbourg, Travaux du Centre de recherche sur le Proche–Orient et la Grèce antiques, 1977. Freedman, D. N. (ed.). The Anchor Bible Dictionary. vol. VI. New York: Doubleday,
Freeman, Greville S. P. The Onomasticon by Eusebius of Caesarea: Palestine in the Fourth Century A.D. Jerusalem: Carta, 2003.
Grootkerk, Samuel E. Ancient Sites in Galilee: A Toponymic Gazetteer. Culture and History of the ancient Near East. Leiden: Brill, 2000. Halbwachs, Maurice. Das Gedächtnis und Seine Sozialen Bedingungen. Frankfurt: Suhrkamp, 1985. ________. La mémoire collective. Paris: Presses Universitaires de France, 1939. ________. Soziale Morphologie. Ausgewählte Schriften , Stephan Egger (ed.). Konstanz: UVK Verlag, 2002. ________. Stätten der Verkündigung im Heiligen Land: Eine Studie zum kollektiven Gedächtnis. Konstanz: UVK Verlag, 2002. Helck, Wolfgang. Die Beziehungen Ägyptens zu Vorderasien im 3. und 2. Jahrtausend v. Chr., 2. edition (Ägyptologische Abhandlungen 5). Wiesbaden: Harrassowitz, 1971. Hütteroth, Wolf–Dieter & Kamal Abdulfattah. Historical Geography of Palestine, Transjordan and Southern Syria in the Late 16th Century (Erlanger Geographische Arbeiten, Sonderband 5). Erlangen: Frankische Geographische Gesellschaft, 1977. Isserlin, Benedikt S. J. «Israelite and Pre–Israelite Place Names in Palestine, AHistorical and Geographical Sketch.» Palestine Exploration Quarterly. vol. 89, no. 2 (1957). Kampffmeyer, Georg. Alte Namen im heutigen Palästina und Syrien. Leipzig: Breitkopf & Härtel, 1892. Kenyon, Kathleen. Archaeology in the Holy Land. 3 rd ed. London: Ernest Benn, 1970. Koselleck, Reinhart. Zeitschichten. Studien zur Historik. Mit einem Beitrag von Hans– Georg Gadamer. Frankfurt am Main: Suhrkamp, 2000. Masalha, Nur. «Settler–Colonialism, Memoricide and Indigenous Toponymic Memory: The Appropriation of Palestinian Place Names by the Israeli State.» Journal of Holy Land and Palestine Studies. vol. 14, no. 1 (2015). ________. Palestine: A Four Thousand Year History. London: Zed Books, 2018. Moran, William. L. (ed. & trans.). The Amarna Letters. Baltimore/ London: The Johns Hopkins University Press, 1992. Nora, Pierre (ed.). Les lieux de mémoire. 3 vols. Paris: Gallimard, 1997. Notley, Steven & Ze’ev Safrai. Eusebius, Onomasticon: A Triglott Edition with Notes and Commentary. Leiden: Brill, 2005. Pollock, Susan & Reinhard Bernbeck (eds.). Archaeologies of the Middle East Critical Perspectives. Oxford: Blackwell, 2005. Rainey, Anson F. «The Toponymics of Eretz–Israel.» Bulletin of the American Schools of Oriental Research. no. 231 (1978).
Rainey, Anson F., William M. Schniedewind & Zipora Cochavi–Rainey. The El– Amarna correspondence: A New Edition of the Cuneiform Letters from the Site of El– Amarna Based on Collations of All Extant Tablets. vol. 2 (Handbook of oriental studies = Handbuch der Orientalistik Sec. 1 Ancient Near East, 110). Leiden: Brill, 2015. Reeg, Gottfried. Die Ortsnamen Israels nach der rabbinischen Literatur. Beihefte zum Tübinger Atlas des Vorderen Orients B, 51. Wiesbaden: Reichert, 1989. R. Th. Sparks et al. (eds.). Digging Up Jericho Past, Present and Future. Oxford: Archaeopress, 2020. Thompson, Thomas L. The Mythic Past: Biblical Archaeology and the Myth of Israel. New York: Basic Books, 2000. Wardini, Elie. Lebanese Place–Names (Mount Lebanon and North Lebanon): A Typology of Regional Variation and Continuity. Orientalia Lovaniensia Analecta. Leuven: Peeters, 2002. Wild, Stefan. Libanesische Ortsnamen: Typologie und Deutung. Beiruter Texte und Studien. Band 9. Beirut/ Wiesbaden: Beirut Orient–Institut, 1973. Zadok, Ran. «A Preliminary Analysis of Ancient Survivals in Modern Palestinian Toponymy.» Mediterranean Language Review. no. 9 (1995–1997).