من التاريخ إلى الرواية الذاكرة الجمعية مصدرًا للسّرد
From History to the Novel Collective Memory as a Source of Narration
الملخّص
يمثّل هذا البحث محاولة لدراسة العلاقة بين السّرد والتاريخ والذاكرة الجمعية. يستكشف المحور الأول التحولات التي طرأت على مفهومَي التاريخ والأدب منذ النصف الثاني من القرن الماضي، على نحوٍ أدّى إلى تجاوز المنظورات السابقة التي كانت مؤسسة على القطيعة بين هذين المجالين. كما يناقش الأهمية التي يحظى بها الأدب، بشكل عام، والرواية بصورة خاصة، في عملية تمثيل الذاكرة. ويهتمّ المحور الثاني بدرس إسهام الرواية العربية المعاصرة في التمثيل السردي للذاكرة الجمعية، من خلال رواية ابنة بونابارت المصرية التي تذكّر أحداثها وشخصياتها التاريخية والمتخيلة بحقبة مؤلمة.
Abstract
Abstract: This research represents an attempt to study the relationship between narration, history and collective memory. The first section explores the transformations which have occurred in the concepts of history and literature since the second half of the last century, which have led to transcending the previous perspectives based on the separation of these two fields. It also discusses the importance of literature in general, and of the novel in particular, in the process of memory representation. The second section examines the contribution of the contemporary Arab novel to the narrative representation of collective memory, through the novel Ibnat Bonaparte Al Missryah , the historical and imaginative events and characters of which recall a painful time.
- التاريخ
- السرد
- الذاكرة
- التمثيل
- الرواية التاريخية
- History
- Narration
- Memory
- Acting
- Historical Narration
مقدمة
شهد كثير من المفاهيم والتصورات التي كانت متداولة، بين المشتغلين بالعلوم الإنسانية والاجتماعية، وبالأخصّ منذ النصف الثاني من القرن العشرين، تبدلّات عميقة مع التطور الذي شمل مناهج هذه العلوم، والتفاعل الكبير الذي تأسّس بين تياراتها وإبدالاتها المختلفة. ولا ريب أنّ التجدّد الذي مسَّ النظرة إلى الأدب، سواء من جهة نظرية الأدب أو نظرية التاريخ، يُعدّ من بين أهمّ ضروب التغيير ذات القيمة العلمية والثقافية المحورية التي حدثت في هذا المجال. وبعدما ظلّ الأدبُ مدة طويلة قابعًا في الظلّ، ولا يثير أي اهتمام بين الباحثين في العلوم الإنسانية والاجتماعية، بل لا يُشار إلى بعض أجناسه، كالرّواية، إلا على نحو محتشم في كتب الشعر والبلاغة1، بدأت هذه اللامبالاة تتعرّض للتشكيك والمساءلة والتفكيك، وأضحت الدراسات الأدبية كأنها تعيش منعطفًا أو لحظة تحول كبيرة أمام الأسئلة الجديدة، والافتراضات النقدية والمنهجية المبتكرة التي يَصدر عنها الباحثون، في سياق فكري ما بعد حداثي بات فيه الأدب يتيعن بوصفه مختبرًا Laboratoire، ومن ثم يتبيّن أنه ضروري وأساس لفهم العالم. في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى الدراسة اللمّاحة للباحثين آن باريير ودانيلو مارتيكيلو بعنوان: الرواية بوصفها مختبرًا2، وفيها يسبغان المديح على الأدب لدوره المركزي في فهم العالم، وإنتاج المعرفة بالتجربة الإنسانية. إن الوظيفة التي ينهض بها الأدب في تخصيب الخيال الاجتماعي، وفضاء المعرفة الواسع الذي يجترحه للقرّاء من خلال العلاقة النوعية متعددة المظاهر التي يقيمونها مع الشخصيات والأحداث المتخيلة، دفعت عددًا من المهتمين بالعلوم الإنسانية إلى التخلّي عن النظرة السّابقة التي حجبت حقيقة الأدب، من فرط ما استحكم بها هاجس التعالي واللامبالاة. أصبح من المؤكد، إذًا، أنّ الشكل الفنّي الذي يميز الأدب، والمتخيل الواسع الذي ينهل منه، يجعل استطاعته بلا حدود. ولمّا كان الأدب اجتماعيًا بالأساس، سواء أنظر إليه من جهة المبدع الذي يجعل من النّص مطية للعبور إلى الجمهور حتى في أكثر جوانب إبداعه حميمية، أم من جهة القارئ الذي لا مناص له من أجل الفهم من إسقاط تجربته الخاصة على العالم، فإن الدور اللمّاح الذي يقوم به لا يكتفي فيه بدفع القرّاء إلى أن يختبروا تجربة الشخصيات المتخيّلة فحسب، بل يتعدّى ذلك إلى أن يستكشف بطريقة أصيلة العالم الاجتماعي، ذلك الاستكشاف الذي لا يُظهِر فقط «الأشياء على نحو تفقد فيه لا مبالاتها واعتياديتها»3، بل يجعلها، أيضًا، مفتوحة على قراءات وتأويلات لا نهائية.
أولا: سؤال التاريخ والأدب
تُظهر العلاقة بين التاريخ والأدب، أن التاريخ الذي ارتدّ كغيره من العلوم إلى نفسه متسائلً عن مفهومه ومنهجه وعلاقته بموضوعه، لم يكن بعيدًا عن التحول الذي تناول المفهوم عن الأدب مع أعمال مارك بلوخ Bloch Marc (1944–1886) التي حفرت أثرًا عميقًا في البحث التاريخي بما أحدثته من توسيع لهذا الحقل «لناحية الأغراض والموضوعات وتجديد منهج التاريخ لناحية التحليل والرأي واستثارة الأسئلة»4. وبينما تميز القرن التاسع عشر بانفصال التاريخ والسوسيولوجيا عن الآداب الجميلة، وبالاقتناع الرّاسخ بأن الأدب لا ينتج المعرفة وأن لا علاقة له بالكتابة الحقيقية عن الواقع الملموس، سيتغير المشهد كليًا منذ النصف الثاني من القرن الماضي، بفعل تضافر الجهود الرّامية إلى تحطيم المعايير التصنيفية السابقة التي قلّصت حقل التاريخ وحبسته في السجن الذي «استأنس» فيه «المؤرّخون»5. لم يعد علم الاجتماع قادرًا على تبرير مسألة كونه الخطاب الوحيد القمين بإنتاج معرفة جدّية بالمجتمع، بعدما ظهر جليًا أن الروايات، رغم هويتها التخييلية، تستبطن ضربًا من التحليل السوسيولوجي حقيقًا به أن يغني التفكير الاجتماعي. وبناء عليه، أسهمت الرؤى المتجددة في التأكيد على أن ثمة فائدة كبيرة للعلوم الإنسانية والاجتماعية في أن تنعم النظر في المساهمة الإيجابية للأدب بِغضّ النظر عن الخصوصية الفنية لهذا الخطاب. فالأدب ممارسة إبداعية مستقلّة، لكنّه يفتح بابًا واسعًا على الحياة الاجتماعية في حقبة زمنية محددة، ومن ثم يتبيّن أنه مصدر فعّال «لجعل ما لا يمكن الاستدلال عليه مرئيًا، وإنتاج ما لا يبلغه أي تصوّر آخر سواه»6. إذًا، لما كان التاريخ من أقدم العلوم التي تقصّدت إلى دراسة الإنسان في الزمن، فهو يمثل الدراسة الشاملة والدقيقة لمسارات الأجيال في الحقب والمراحل السابقة، فإنه يعدّ ذاكرة البشرية. إنه احتياطي هائل من الأحداث والتجارب والخبرات التي مرّت بها الشعوب والحضارات المتعاقبة. ومن هذه الزاوية تبدو علاقته بالأدب شديدة التداخل والتواشج. كلاهما «يستمدّ قوته من التشابه مع الواقع، وليس من أي حقيقة موضوعية. وكذلك فإنهما يعدّان بناءين لغويين استقرّت لهما أشكالهما السّردية، ولا يمتلك أيهما اليقين الكامل من ناحية اللغة أو البناء، كما أنهما يبدوان متساويين في مسألة التناص أي استخدام نصوص سابقة في النسيج النصي المعقد لكل منهما»7. وبناء عليه، فبقدر ما يشكّل التاريخ مصدرًا حيويًا للأدب، ينطوي العمل الأدبي على أهمية كبيرة بالنسبة إلى المؤرّخ؛ إذ يتيح له الولوج إلى حياة الماضي. ولإبراز هذه الأهمية، يمكن أن نقدّم البيوغرافيا مثالً. فهذا النّوع الأدبي الذي يستقرئ حقبة من الزّمن في مختلف تمظهراتها وتعابيرها من خلال تتبع سيرة الفرد، يحظى بأهمية محورية عند
المؤرّخ. فالبيوغرافيا من أكثر الأشكال التعبيرية تعزيزًا للتصور عن السّرد باعتباره اجتماعيًا8. ففيها يتعين الفرد بوصفه «مطية للمؤرّخ، أو فرصة له، لينبش التاريخ، على نحو شمولي، متتبعًا مسار الفرد، من خلال محيطه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي وغيره من حقول التاريخ المختلفة»9. وفي الحصيلة؛ هي تمكن «استنادًا إلى تتبع سيرة الفرد الذي هو موضوع الدراسة من تعرّف شبكات العلاقات واستراتيجيات الأفراد في نسج خيوط حياتهم. ويمكن البيوغرافيا أيضًا أن تساعد على دراسة التطورات الحِرفية والاقتصادية والتغيرات التي يمكن أن يعرفها الفرد ضمن سيرورة جماعية، وهو ما يسمح بدراسة الحراك الاجتماعي عبر ذلك التتبع الذي يمارسه الباحث لشخصية بحثه»10. لقد صار السؤال الرئيس المطروح على المشتغلين بالبحث التاريخي هو السؤال المتعلق بمعرفة كيف يستطيع التاريخ أن يكون في آن واحد علم التغير والتحول. كما أضحت المسألة المركزية المطروحة على هذا الفكر هي النأي عن الفهم السابق للتاريخ الذي يجعل منه سردًا للوقائع الموضوعية، بعدما تأكد أن ما يجعل وجود التاريخ ضروريًا، هو بالأساس الرغبة في فهم الظواهر والقضايا الآنية المطروحة على البشرية. فدراسة الماضي لا تكتسب قيمتها وجدواها إلا إذا كانت تسهم في حلّ المشكلات الخاصّة بعصرنا. وبموجب المقتضيات الخاصّة بهذا المسعى الجديد، لم نعد نتصور التاريخ انطلاقًا من الحدث، وإنما من خلال ما يسميه بلوخ «الإنسان الكلّي» في أبعاده المتعددة: في بعده الأنثروبولوجي الذي هو موضوع الأنثروبولوجيا التاريخية، وفي بعده الاجتماعي (الناس والمجتمع) وهو موضوع التاريخ الاجتماعي أو ما هو جماعي أو جمعي في التاريخ11. إن عودة التاريخ إلى الإنسان، وقد صار بحسب هايدغر «المكان الذي يقوم فيه أو يقيم فيه الكون، أي الحيّز الذي تنكشف فيه بامتياز حقيقة الكون التي نتناولها بالتفكّر»12، هيّأت له المجال ليتبوأ موقعًا رفيعًا لدى المهتمين بالعلوم الإنسانية والاجتماعية، وقد تعزّزت هذه المكانة بكون الظواهر التي تهتمّ العلوم الإنسانية بدرسها هي، بالتحديد، ظواهر ذات بعد تاريخي لأنها متجذرة في الزمن. إذًا، ليس في الأمر أي تزيّد إذا قلنا إن الاهتمام بالإنسان يقع في صميم الوظائف والأدوار التي نهض بها الأدب، وعلى هذا الأساس يُفهم أثره القوي في الذاكرة الجماعية للقرّاء في كلّ عصر. لا يتجلّى هذا الاهتمام فقط من الجدوى التي تمتع بها الأدب عبر التاريخ منذ أن تحمّل الشعراء والكتاب والفلاسفة عبء فتح آفاق جديدة أمام الوعي الإنساني، بتحريره من التصورات الشمولية والأفكار المتصلبة من خلال استدعاء التجارب الإنسانية المختلفة التي تَنضح بالقيم الإنسانية الإيجابية كالحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية التي ما فتئ النّاس يكافحون من أجلها كي يتخلّصوا من شروط الضرورة، وإنما
يتجلّى كذلك من كون هذا الشكل التعبيري يتميز بأن له وجودًا أقدم بكثير من العلوم الإنسانية. لقد نهض الأدب بمجموعة كاملة من الوظائف والأدوار لا تتعلّق بإبداع الأشكال فحسب، بل ترتبط كذلك برهانات المعرفة: نقل الذاكرة الجماعية، وإظهار وحدة الثقافة، ووصف تحولات العالم13. ويكفي للتعرّف إلى هذه الوظائف، قراءة المحكيات والسرود القديمة منذ الإلياذة والأوديسة لهوميروس، ومحكيات العصر الوسيط الإسلامي، وأدب الأزمنة الحديثة، وصولً إلى الزمن الرّاهن. ففي كل هذه المحطّات من التاريخ البشري، تميز الأدب، قياسًا على الخطابات الأخرى، بالقدرة الكبيرة على النفاذ إلى «ظلامية اللحظة المعيشة»14، والتسلل إلى الأمكنة حيث يتعذّر التحقيق والاستجواب والملاحظة، لتشخيص الغرابة المقلقة التي تستبدّ بالفرد وهو يقود حياته بحثًا عن الأصالة، تلك الغرابة التي يتعذّر على الخطابات الأخرى سبر غورها. ولا ريب أن قدرة الأدب على بلورة معرفة مميزة تتوخّى الكشف والتعرية ومقاومة الخطابات الآمرة، هي ما جعل الدراسات المعاصرة التي تتناول العلاقة بين التاريخ والأدب تولي العناصر الجمالية في كتابة التاريخ اهتمامًا كبيرًا15. وبناء عليه، لم تعد هذه الدراسات تقتنع بالمنظورات السابقة التي كانت تستند في تحديدها للتاريخ على الوقائع، وتصدر عن رؤية مراتبية تبوّئ التاريخ موقعًا متعاليًا باعتباره علم الحقيقة قياسًا على الأعمال التخييلية أو الخطابات الأخرى. فمع بول ريكور Ricœur Paul (2005–1913) وهايدن وايت White Hayden (2018–1928) وإيفان جابلونكا Jablonka Ivan (1973–) وديفيد كار Carr David (2015–1956) وآخرين، نستشفّ أن التعارض بين التاريخ والأدب من حيث المفهوم والوظيفة، ليس سوى تعارض على مستوى الظاهر. إن أي تفكير في التاريخ على أساس أنه بحث، وفي المؤرّخ باعتباره باحثًا، سيقود بالضرورة إلى تلمّس حقيقة مفادها أن الأدب والتاريخ يسعيان معًا إلى تشكيل صورة لواقع مخلوق من الكلمات16. من هنا، فالأدب ليس مجرد خزان أو مصدر، وإنما هو حقل أساس للمؤرخ، لأنه يستطيع أن يقول الشيء الكثير عن الماضي، كما أنه السبيل الممكن للولوج إلى التمثيلات الثاوية، ورؤى العالم الكامنة. هكذا أسهمت مجموعة كاملة من المفاهيم والتصورات الجديدة التي ينهل أصحابها من مرجعيات وحقول معرفية متعددة في تغيير النظرة إلى التخييل التي ترى أن «الحوادث لا تتآزر معًا بطريقة سردية، وإذا تعاملنا معها كما لو أنها تفعل، فلن نبدو واقعيين، وذلك ليس بسبب الافتقار إلى الأدلة أو بعد الاحتمال فحسب، وإنما لأن كلّ رواية سردية تقدم لنا، بحكم شكلها، صورة مشوهة للأحداث التي ترويها»17. لم يعد إذًا مقنعًا ذلك الفهم الذي كان يوفّر لمنظري الأدب ما يدعم تصورهم حول استقلالية التخييل الأدبي، كما يوفر لمنظري التاريخ ما يقوي تشككهم في الروايات التاريخية السّردية. فالاهتمام المتزايد بالتخييل الأدبي، والاعتراف بقدرته على تمثيل الأحداث المؤلمة التي شهدها القرن العشرون، قد
قوّض الافتراضات السابقة القائلة بأن التخييل يمثل تهديدًا للموضوعية والجدّية في المعرفة التاريخية. وبناء عليه، بات يُنظر إليه بوصفه إمكانًا لمزيد الفهم شريطة أن يفكّر فيه بشكل يراعي خصوصيته. لقد تعددت المحاولات النّظرية والمنهجية التي رمت لردم الشّقة بين التاريخ والسرد. كتب بول ريكور كتابه العظيم الزمان والسرد، وأكد فيه على الخاصية السردية للتاريخ. ومن المنظور الريكوري الذي يتأسس على مفهوم المحاكاة، تتسم «تجربة الزمن بالنشاز بصورة أساسية. ويضفي الأدب، في شكله السردي، التناغم على هذه المعضلة من خلال ابتداع حبكة، ذلك أنّ السّرد هو توليف المتغاير الذي تجمع فيه عناصر العالم البشري المتباينة»18. وفي السياق نفسه، كتب هايدن وايت ما وراء التاريخ ومحتوى الشكلوفيهما مَحض السّرد أهمية كبيرة باعتباره وسيطًا فعّالً تمتلكه كل الثقافات، وينهض بدور محوري في جعل التجارب الإنسانية قابلة للترجمة، وفي إضفاء المعنى على العالم الواقعي الذي تتميّز الأحداث فيه بأنها مشتتة ومتنافرة. والمتأمل في هذه الأعمال، يجد أن مفهوم «التمثيل» يعدّ من المفاهيم الأساسية التي يعتمدها هؤلاء الباحثون الجدد. فهايدن وايت يطبقه على كتّاب من طراز تشارلز داروين وكارل ماركس وغوستاف فلوبير19، كما يستخلص أنه لا يوجد وصف لمجموعة من الأحداث يمكن عدّه حقيقيًا، وإذًا، يمكن أن يمثّل الأساس الذي يستند إليه تأويل تلك الأحداث. هناك دائمًا مجموعة من الاختيارات السردية والأسلوبية المتاحة أمام المؤرخ والروائي، واختيارها ليس البتّة عملية محايدة. إن كل تمثيل للأحداث ينبغي أن ينظر إليه على أساس أنه نتاج عملية بناء وخلق بواسطة اللغة. وهكذا، يتبيّن أن تمثيل الأحداث ليس هو معاودتها أو إعادة إنتاج بنى دلالية ملازمة لهذه الأحداث نفسها. فالسرود كما يرى وايت لا يعثر عليها المؤرخ في الأرشيفات، فهي متخيلة. ومعنى هذا أن «الأحداث التاريخية والتخييلية تنقل من خلال استراتيجيات تمثيلية متشابهة، وبالتالي لا فرق، على المستوى الشكلي، بين هذين النوعين»20. لقد حفرت هذه الاجتهادات النظرية التي عنيت بالبحث في شعرية الخطابين التاريخي والسّردي أثرًا عميقًا في منجز العلوم الإنسانية والاجتماعية، ونبّهت إلى الأهمية التي يكتسيها الاهتمام بالكتابة في تجديد المفهوم عن التاريخ والسرد. ومن هنا نستنتج أن الغرض من هذه المحاولات اللمّاحة لإعادة بناء العلاقة بين الأدب والتاريخ على أسس منهجية جديدة تبدو بمقتضاها هذه العلاقة على أنها ليست عابرة أو عرضية، ليس هو التقليل من شأن التاريخ، أو نفي الموضوعية عن المعرفة التاريخية، بل المقصود به أنّ الفهم الجيّد لعمل المؤرخ ينبغي له أن يتأسس على التفكير في السّرد.
ثانيًا: الأدب والذاكرة: ما تفترضه العلاقة
يعدّ مفهوم الذاكرة من أكثر المفاهيم الاجتماعية غموضًا والتباسًا، نظرًا إلى المجالات المختلفة التي يتصل بها؛ النفسية والفلسفية والاجتماعية والسياسية. وقد أبرز الباحث المغربي زهير سوكاح في
دراسته «حقل دراسات الذاكرة في العلوم الإنسانية والاجتماعية»21 أن هذا المفهوم الذي يتمتع اليوم بحضورٍ واسع في الدراسات الغربية باعتباره مفهومًا مفصليًا، يتميز كذلك بكونه يضرب بجذوره عميقًا في التراث الإغريقي، خاصة في تأملّات أفلاطون (427 ق.م 347– ق.م) وأرسطو (384 ق.م 322–) ق.م والقديس أغسطين Augustine (430–354 م). وإذا كان القرن التاسع عشر قد تميز بالاهتمام الواسع بالتاريخ، كما تدلّ على ذلك أعمال كبار فلاسفة التاريخ من طراز كارل ماركس وفريديريك هيغل وأوغست كونت، بحكم الأحداث والحروب الكبرى التي طبعت الانتقال من القرن الثامن عشر إلى التاسع عشر، كالثورة الفرنسية والحروب الثورية الكبرى، واندحار نابليون بونابرت Napoléon Bonaparte (1844–1768) في معركة واترلو Waterloo، وهو ما جعل الحرب قضية شعوب بأكملها، فإن النصف الثاني من القرن العشرين اتسم بالانتشار الواسع لثقافة الذاكرة، نتيجة الآلام والتجارب القاسية التي كابدتها البشرية بسبب الحرب العالمية، والدمار الذي ترتّب عليها. تدلّ على ذلك الأعمال الأدبية والفنية واسعة التأثير المنجزة ضمن آداب مختلفة، والتي أخذت على عاتقها تحسيس القرّاء بما يعنيه أن يكون المرء طفلً أو مراهقًا خلال فترة الحرب، أن يعيش الطرد والتهجير، وأن يفقد قريبًا ويعيش الرعب والهول، وكذلك ما يعنيه أن يرتدّ المرء إلى الماضي متذكرًا ما خلّفه وراءه بعد سنوات22. وما يتبيّن إذًا، هو أن ثقافة الذاكرة غدت أولوية كبيرة بالنسبة إلى المجتمعات المعاصرة، إذ أظهرت التّجارب المختلفة أنّ تدبيرها بعقلانية وحكمة، أي بما يناقض الاستغلال الأيديولوجي والتوظيف السياسي، يقع في صميم المحاولات الناجحة للمجتمعات الحديثة لتحقيق التعايش وتنظيم الصراع فيها23. في هذا السياق علينا أن نسجل أنه في خضمّ الاهتمام بالذاكرة، برز الأدب باعتباره من أكثر الخطابات فاعلية في توثيق الذاكرة وتمثيلها. ولما كان الأدب «يسجل أحوال أمة محددة التاريخ والمساحة واللغة، ومحددة الخيبات أيضًا»24، فإنه لا يتيح فقط للذاكرات فضاء أوسع للتواصل والتفاعل والانتقال بين الأفراد والجماعات، بل يساعد، أيضًا، على ترهين الفهم للماضي. لنقل مع سوزان روبين سليمان إن هذه المكانة الرفيعة التي يتمتع بها الأدب في تمثيل الماضي ترتدّ إلى كون «الشيء الأدبي الذي هو عمل اللغة والفكر، يوفّر التمثيل الأكثر نجاعة، والفهم الدقيق، من جهة الكاتب والقارئ، للذات والعالم الذي يحيط بنا»25. قد يجادَل بأن الأدب، وخاصة الرواية، ليس الشكل الوحيد الممكن للتعبير عن التجربة الإنسانية في هذا العصر الذي تعددت فيه الوسائط التعبيرية، ومع ذلك، بات من المؤكد، بفعل الأعمال الكثيرة التي
اتخذت من المآسي والأحداث الأليمة التي اختبرتها البشرية موضوعًا للتمثيل السردي، أن الأدب لا يمكن الاستغناء عنه مقارنة بالتخصصات الأخرى مثل الفلسفة وعلم الاجتماع، وذلك لما يمتلكه من كفايات مثل احتضان تعقيدات الحياة البشرية، وإظهارها من خلال الكلمات التي تعبّر بقوة عن الجرح والحنين والنسيان والصفح؛ فالأدب يحافظ على الذاكرة من الضياع، ويجعلها راسخة في عقول الأفراد والجماعات، كما يحثّ من خلال المعرفة الأخلاقية على قيمة التعاطف البشري. وإذا عرفنا أن الإبداع الأدبي بأنواعه المختلفة، ومع ظهور الحداثة، قد تشارك مع التاريخ الزعم بإمكانية التمثيل الواقعي للماضي26، ونقل تجربة العيش بشكل يضاهي الخطابات ذات الوظيفة التوثيقية، كما تدلّ على ذلك أعمال روائيين من القرن التاسع عشر من طراز أونوريه دي بلزاك Balzac de Honoré) 1850–1799(وإميل زولا Zola Émile (1902–1840) وغوستاف فلوبير Flaubert Gustave (1880–1821)، أمكن القول إن السّر وراء تزايد الاهتمام بالأدب في العقدين الأخيرين من المهتمين بالعلوم الإنسانية، يرتدّ إلى الدور الفعال الذي يَنهض به في تنشيط الذاكرة وإحيائها، وإفساح المجال أمام الجماعات المختلفة لتذكر تاريخها الخاص وذاكرتها الجماعية التي قد لا تتطابق مع ذاكرة الآخرين بالضرورة27. تقول مؤلفة أزمات الذاكرة: «الآن بعد أن أصبح لدينا العديد من الشهادات، والتي يجب علينا بالطبع حفظها وأرشفتها، يتعين علينا التفكير في ما يمكن أن يترسّخ على المدى الطويل وأن يستمرّ في الدلالة على المعنى بالنسبة إلى غير المتخصصين أو الأشخاص الذين ليس لديهم علاقة خاصة بأحداث الماضي. أعتقد أن الأعمال الأدبية، مهما كان المفهوم الذي نعطيه للأدب، من المرجح أن تستمر أكثر من غيرها»28. يفتح الأدب، إذًا، من خلال الاهتمام بتجربة الفرد باعتباره فردًا قائمًا بذاته يتمتع بالحرية ويعمل بالرجوع إلى ذاتيته الخاصة، مَدخلً مهمًّا نحو هذه الطبقة العميقة من أحداث الماضي، قد لا يكون ممكنًا إذا بقي المرء مقتصرًا على السّرد أو الشهادة بالمعنى الحرفي. وإذا كان «الأدب يقدم تمثيلات مختلفة للتاريخ، فذلك لأن هناك طرقًا مختلفة للكتاب لاستخدام المصادر، التاريخية والأدبية، التي لديهم الوقت الكافي لاستخدامها من أجل مخاطبة القرّاء. في الواقع، نادرًا ما يكون هناك استنساخ بسيط لمثل هذه المصادر، باستثناء الحالة التي يكون فيها مؤلف مثل خورخي لويس بورخيس Jorge Borges Luis (1899–1986) يثبت عن قصد تجاوزات التقليد في قصته بيير مينار مؤلف كيشوت. هناك دائمًا عمليات من إعادة الكتابة والتحويل والنقد ونزع القداسة عما يسميه جيرار جونيت Genette Gérard (2018–1930) النص السابق Hypotexte، يتبيّن معها أن المادة التاريخية ليست مقصودة لذاتها، وإنما تمثل مادة للرّوائي يسخّرها لخدمة مشروع الكتابة29. من هنا يعدّ الأدب من
أهمّ أفعال التذكر التي تؤثر في الذاكرة الجماعية، لما يوفّره من منافذ إلى مسارات مختلفة للفهم والتأويل. فالمقومات الفنية والجمالية التي يمتلكها، قياسًا على خطابات أخرى، تؤهله للاقتراب أكثر من المناطق الداجية في الذات الإنسانية، والتعبير عن المواقف والتصورات المتعددة عن الأحداث في شكل حواري Dialogique يحتضن القول ونقيضه، بعيدًا عن الأدلجة أو الاستعمالات المغرضة للذاكرة. وكلما دأب الإنسان، اعتمادًا على الكتابة، على التأكيد على أهمية الأحداث الماضية في الزمن الحاضر، فإن الذاكرة الجماعية المتعلقة بهذه الأحداث تتطور وتخضع للتغيير، بنفس الشكل الذي تتطور به كل ذاكرة. لقد أظهر علماء النفس والمؤرخون أنّ تذكّر الأحداث التي مضت ليس ثابتًا، وإنما يخضع للتغير ويتأثر بشروط الحاضر التي يوجد فيها الفرد أو الجماعة، كما يتأثر بنظرتهم للمستقبل. فالتذكر لا يتم إلا في الحاضر، وهذا الموقع التالي للأحداث الذي يتقاسمه المؤرخ والسارد، هو الذي يتيح الكتابة عن الماضي بصورة متحرّرة من قيود الزّمن30. وبناء عليه، ليس هناك تذكر تام وناجز. فما يعدّ حدثًا ذا قيمة بالنسبة إلى جماعة معينة في الحاضر، قد لا يكون كذلك بالنسبة إلى الأجيال التالية. وبهذا المعنى فالتاريخ نفسه، بحسب العبارة الشهيرة للمؤرخ الهنغاري إستفان ريف Rév István، هو «ماض في تراجع مستمر»31. إذًا، رغم القصور الذي يطبع حضور دراسات الذاكرة في السياق العربي، فإن الدّارس للأدب العربي المعاصر، وخاصة الرّواية، يستنتج أنها اضطلعت منذ سبعينيات القرن الماضي بوظيفة الكشف والتعرية وتمثيل الأحداث والصراعات والتوترات المؤلمة التي وقعت في التاريخ الحديث. وتُعدُّ تجارب الاستعمار، والمقاومة، إضافة إلى نكبة فلسطين والثورة الناصرية وهزيمة 1967، من أهمّ الأحداث التي التقطت بقوة في متن الرّواية العربية مع نجيب محفوظ (2006–1911)، وغائب طعمة فرمان (1990–1927)، وغسان كنفاني (1972–1936)، وعبد الرحمن منيف (2004–1933)، وهاني الرّاهب (2000–1939)، والطاهر وطار (2010–1936)، ويوسف القعيد، وجمال الغيطاني (2015–1945)، وأمين معلوف، ومبارك ربيع، وبنسالم حميش، وعبد الخالق الركابي، وصنع الله إبراهيم، ورضوى عاشور (2015–1946) وغيرهم. ونالت حضورًا مختلفًا يكشف عن الدور المضاد الذي نهضت به الكتابة السّردية في مواجهة سلطة الدولة التي هي «حسب الكثير من الروائيين والشّخصيات الروائية على حدّ سواء، جزء لا يتجزأ من بنيان سلطي متكامل ومتداخل يساهم في صياغة السلطة السياسية التي تقوم بدورها في إعادة صياغة ذلك البنيان وقولبته»32، وفي مقاومة أشكال التعمية على معاناة الشعوب العربية ومكابداتها ضدّ الاحتلال من جهة، وضدّ الأنظمة العربية القمعية من جهة أخرى. ولما كان سؤال الرّواية في هذه الفترة هو السؤال المتعلّق بتلمّس العلاقة الأساسية بين الفرد الذي يطمح إلى تحقيق الذات وتحقيق حريته، وبين المجتمع كمؤسسات وكقيم تريد أن تفرض على الفرد لجامًا أو حدودًا، فإن الرواية العربية وهي تبتعد عن الرؤية الرومانسية التي ترى العالم مألوفًا آليًا في تتابعه
المكاني والزّماني، بدت هذه الرّواية من خلال تجاربها الحديثة الشكل الأقدر على بلورة سرد مختلف يفكك الأنساق الثقافية المزيفة والتمثيلات المكرّسة، معتمدة في ذلك على الطبيعة متعددة الأصوات لنسيجها السردي المعقد. من هنا يتبيّن أن متن الرواية العربية الواسع لا يكشف فقط عن القضايا والمشكلات الأساسية التي شغلت العالم العربي، بل «يخبر كذلك عن هواجس الروائي العربي الذي كان ولا يزال مثقفًا وطنيًا وصوتًا نقديًا يدعو إلى مجتمع بديل»33. وبناء عليه، فهذا النجاح الهائل الذي حققته الرواية في استعادة اللوحة الاجتماعية بكل تناقضاتها، لم يبق من دون تأثير في مكانتها كنوع أدبي في الحقل الثقافي العربي. لقد ضمنت لنفسها موقعًا فريدًا، أضحت معه «ديوان العرب»34 في هذا العصر، بعدما كان النهوض بهذا الدور منوطًا بالشعر في الزمن القديم. وفي هذا السياق، نلاحظ أن الرواية العربية ازدادت أهميتها منذ بداية هذا القرن، وخاصّة مع انطلاق الربيع العربي، وخروج كثير من الشعوب العربية للتعبير عن حاجاتها الملحة إلى الديمقراطية والكرامة والمساواة. احتلت الرواية المشهد، ولا يدلّ على ذلك العدد الكبير من الأعمال الروائية الموقعة من مبدعين ومبدعات من أجيال مختلفة وخلفيات فكرية وثقافية متباينة سحب، وإنما كذلك من خلال تحديات الرواية الجديدة التي تكشف عنها الموضوعات والأسئلة التي تحيل على أحداث مؤلمة وتجارب قاسية، عاشتها الشعوب العربية في الرّحلة المتعثرة لمجتمعاتها نحو الحداثة والديمقراطية. ولا ريب أن النصوص القوية لكتّاب من مختلف الأقطار العربية، التي يمكن الباحث أن يستشهد بها، تعدّ من الكثرة والتنوع. ويعزّر هذا ما ذهب إليه الناقد المصري صبري حافظ من أن تجربة روائية بعينها مثل «الرواية العراقية توشك في كتابتها للذاكرة ولما خلّفه العراقي وراءه، أن تكون رديف الرواية الفلسطينية في كتابتها للذاكرة وتوثيقها لرحلة النضال والنفي»35. هكذا تلفت الانتباه تجارب هذا الجيل الجديد من الروائيين العرب بما تنطوي عليه من إصغاء إلى نبض الزمن العربي بصورة تختلف عن الكلام الآمر «المبثوث عبر مختلف أدوات التواصل و‘التثقيف’ وغسل الدماغ»36. لا شك في أن الهاجس الأساس في الأعمال الروائية الجديدة هو بلورة علاقة مختلفة مع الماضي تتسم بالنقد والفضح والتعرية من خلال استكشاف مناطق وأمكنة وفئات أخرى كالهامش والمهمشين والأقليات، وذاكرات الجماعات المختلفة كالجماعات الإثنية والدينية، وجماعات المهاجرين والوافدين والبدون وغيرها. ورغم أن الرواية العربية تؤسس علاقة خاصّة بالأحداث والوقائع المؤثرة التي تنهض بتمثيلها، بحيث تأخذ هذه الأحداث وجودًا مختلفًا في النّص الروائي، يبدو معه أن «لا حقيقة في النص الإبداعي إلا الحقيقة المركبة التي ينشئها فعل الكتابة من خلال شبكة معقدة من العلاقات الفنية مآلها الأول والأخير، النص الأدبي في تعدديته التأويلية»37،
فإن هذا الدّرب الفني الذي لا تفارقه، لم يحل دون قيامها بمهمة أساسية تتمثل في تنسيب النظرة للذات والعالم اتكاء على المبدأ الحواري. من هنا يُظهر اهتمام الرواية العربية بالتاريخ والذاكرة أنها دخلت مرحلةً جديدة من التحولات العميقة على الصعيدين الفنّي والفكري. ويعزّز هذا المنظور، الحضور الرفيع الذي تحظى به الرواية في الفضاء الثقافي العربي، والاهتمام الواسع الذي تتمتع به على صعيد الإنتاج والمتابعة والتلقي. وأمام هذا الكمّ الكبير من الروايات التاريخية التي تصدر في أقطار عربية مختلفة، وما يلمسه القارئ للنصوص الجيدة من ضروب المغامرة الجمالية التي يخوض فيها الكتاب بحثًا عن الفرادة والأصالة في التمثيل السردي، وفي مستويات السّرد وبناء الشخصيات والفضاءات والأزمنة، وعمّا يغذي الفكر والوجدان والشعور، أصبح من الخطأ الاعتقاد أن هذه الأعمال الروائية لا تتكئ على أيّ جهدٍ جمالي في الثقافة العربية، أو أنها حصيلة ذلك التوافق بين الشكل الروائي الغربي والمادة السردية المحلية38. من هذه الزاوية، فالرواية العربية المعاصرة في اشتغالها بالتمثيل السّردي للتاريخ والذاكرة الجماعية متكئة على «تصورها المأساوي للعالم، الذي يحرّض ولا يعد بشيء، ويطرح الأسئلة ويستبعد اليقين والإجابات القاطعة»39، تمثل ممارسة ثقافيةً شديدة التأثير في الفكر العربي المعاصر، بما تمدّه من جسور قوية بين السّرد وأشكال المعرفة المختلفة لتمثيل الغرابة المقلقة التي تكتنف الفرد في بيئة حضارية شديدة التعقيد والتحول.
ثالثًا: تمثيلات الذاكرة في الرواية العربية
تتأسّس رواية الذاكرة جوهريًا على التذكّر الفردي والجماعي لمجموعة من الذكريات والأحداث والأمكنة والعلاقات والمشاعر المختلطة التي خلفها الإنسان وراءه، لكن دورها محوري في تشكيله هويته، وفي توسيع وعيه ووعي الأجيال التالية باللحظة الرّاهنة. إن ارتباط الفعل التذكّري بالهوية يعود إلى كون السرد، سواء أكان فرديًا أم جماعيًا، يعدّ من أهم الأدوات الممكنة لفهم التجربة الإنسانية بسبب تجذّر الفرد في الحاضنة الاجتماعية والثقافية التي يشتبك بها40. فنحن نسعى باستمرار، كما يري ديفيد كار، «لأن نشغل موقع القاص في ما يتعلّق بحياتنا»41. وبناء عليه، لا يكمن رهان رواية الذاكرة فقط في استعادة الأحداث والوقائع ذات الأهمية الكبيرة بالنسبة إلى الفرد والجماعة، بل يتعدّى ذلك إلى الإسهام في الحفاظ عليها حتى لا تتكرّر تجاربها، خاصّة تلك التي يمكن وصفها بأنها أشدّ عنفًا وألمًا. وللاقتراب من تمثيلات الرواية العربية للذاكرة، يتخذ هذا البحث رواية ابنة بونابارت
المصرية42 للكاتب اللبناني شربل داغر43 أنموذجًا لاستكشاف الوظيفة التمثيلية للمتخيل الأدبي. ولا ريب أن التجربة الرّوائية لهذا الكاتب اللبناني تحتلّ مكانًا مهمًا في فضاء الرواية العربية المعاصرة، ليس فقط لأنها تجربة مجددة وغير تقليدية على صعيد استثمار مقتضيات الشكل الفني، ولكن لأنها، أيضًا، مختلفة من حيث الرؤية الفكرية والثقافية التي يستبطنها المحكي، ويستمدّ عناصرها من التاريخ الحديث والمتخيل الاجتماعي، ما يمثل رافدًا لتعميق علاقة الرواية بالواقع، وإسنادًا لدورها الأساس في التقاط ما يشهده العالم من تحولات بنيوية، وتبدلات متسارعة تعمّق القطيعة بين الإنسان والعالم. تنتمي رواية ابنة بونابارت المصرية على صعيد النوع44 إلى الرواية التاريخية التي تتعين بوصفها نوعًا سرديًا يتزايد الاهتمام الكبير به في الحقل الروائي العربي والعالمي في السنين الأخيرة، بسبب قدرة التخييل التاريخي على اجتراح فضاء أوسع للتقصّي في وجود الإنسان في العالم من منظور لا يقصر السّؤال الرّوائي على الحفر في التاريخ فحسب، بل يشمل حتى مفهوم الحياة الإنسانية ومعناها. إن هذه الكتابة التي تنفتح على الماضي متسلحة باستراتيجيات التناص والتحويل والمحاكاة الساخرة، كما تستثمر ما شهده من وقائع وأحداث وتجارب في بناء مفتوح متعدد الشخصيات واللغات والسجلات، تتعيّن بوصفها مثالً متميزًا للرواية التي لا تغدو فيها التجربة التاريخية إشكالً جماليًا فحسب، وإنما، أيضًا، إشكالً معرفيًا أو ثقافيًا. لقد اتضح لنا أن اللقاء بين السرد والتاريخ غدا ثابتًا جوهريًا من ثوابت الرواية المعاصرة، ومصدرًا غنيًا من مصادر ثرائها وخصوبتها وقدرتها على سبر أغوار الرّاهن، من خلال الحفر في تضاريس الماضي ولحظاته الداجية. ورغم طبيعتها الأدبية، برزت الرواية بقوة من منطلق أن لديها ما تقوله عن الماضي، وأن المعرفة التي تبلورها عبر وساطة التخييل والسرد، قادرة على إغناء التفكير التاريخي، وتوسيع نطاق المعرفة بالماضي والحاضر. «ولما كانت ذاكرة العنف تعتبر ظاهرة اجتماعية متعددة الأوجه يتجاوز تأثيرها نطاق الفرد إلى المجتمع، فإن الحاجة إلى سرد أحداثها وتفاصيلها في الرواية، تتعين بوصفها شكلً لمفاوضة تجارب الماضي والحاضر، من خلال النبش في الهوية الفردية والجماعية، وإعادة بناء مفهومها على نحو يفتح أفقًا جديدًا أمام الذاكرة الجريحة»45. وفي هذا السياق، كنا قد أشرنا في دراسات سابقة حول الرواية العربية المعاصرة، إلى أن هذا المسعى لابتكار أساليب جديدة في تمثيل الواقع الثقافي والسياسي والرّد على أنساقه المتصلبة والمضادة للحداثة لا يعكس فقط وعيًا مختلفًا بوظيفة الرّواية ودورها في التعبير عن موضوعات جديدة، وإنما يفيد كذلك في إغناء الخيال السوسيولوجي والتاريخي وإثرائه من خلال المتح من المصادر التي يكتنز بها الأدب46.
لا ريب أن هذا المنظور يفيد في الدخول إلى العالم التخييلي الذي تشيده رواية ابنة بونابارت المصرية والتقصّي في التمثيلات التي تقدمها لمرحلة مفصلية في التاريخ العربي الحديث، تتمثل في الحملة الفرنسية على مصر (1801–1798) وما رافقها من أحداث مؤلمة، لم يقتصر تأثيرها على مصر وحدها، بل شمل المنطقة العربية بكاملها. وإذا كانت الرواية تستعيد هذا الحدث الذي توسّع الجدل بشأنه بين المؤرخين والباحثين المهتمين بتاريخ المنطقة العربية خلال الفترة الحديثة، فإنها تفتح، عبر فسحة التخييل، بابًا واسعًا على الحياة الاجتماعية والسياسية لهذه الفترة على نحو لا يذعن لأي شروط سوى شروط المتخيل وإمكاناته اللامحدودة في إبداع عالم جديد، هو، رغم طبيعته التخييلية، يتصل بالرّاهن، ويلتقط هواجسه وأسئلته وانشغالاته الضاغطة. وبهذا المزج بين التاريخي والسردي، الحقيقي والتخييلي من جهة، واستثمار نصوص وتجارب روائية عالمية من جهة أخرى، تتحرّك الكتابة السردية نحو اللامفكّر فيه، وما لا يسمح به التاريخ الرّسمي، للاضطلاع بما يعتبره السّارد واجبًا أخلاقيًا يتمثل في «إيصال الرّسالة المؤجّلة منذ ما يزيد على مئة وتسعين سنة»47، أي الكراهية التي تعرّض لها المصريون الذين تعلّقوا بنابليون بونابارت ورافقوه إلى فرنسا إبّان خروجه، فأرغموا على العيش في مرسيليا كما كانوا يعيشون في دمياط أو بولاق، من دون أن يستفيدوا من أي مساعدة على الاندماج في العالم الجديد. ومن ثم يتبيّن أن الرّواية تسلط ضوءًا كثيفًا على الذاكرة الجماعية لهذه الفئة التي يعود أصحابها إلى مدن مختلفة: القاهرة والإسكندرية وحلب وبيروت ويافا وغيرها. يقول كاتب رسالة مجهول للصحافي أنطونيو دوباسكالينو: «كنّا آلافًا من المغادرين فوق سفن القوات الفرنسية، تاركين وراءنا عائلاتنا وأعمالنا وعلاقاتنا، مندفعين وراء قيم الثورة الفرنسية»48. وهكذا، يتبيّن أن الروائي يبني عالمًا تنكشف فيه المؤامرات التي حيكت ضدّهم، والظروف القاسية التي عاشوها خلال فترة الصراع حول الجمهورية، والوضعية الحدودية التي كانوا يشغلونها؛ إذ لا يشعرون بالأمن في مرسيليا، وفي الوقت نفسه لا يأمنون العودة إلى مصر؛ مخافة أن ينتقم منهم الأهالي بسبب علاقتهم ببونابارت. تنهض الرواية على بناءٍ فني تتوزّع فيه الأحداث على ثلاثة دفاتر شخصية لكل من جولي بييزوني Julie Beyzoni (1815–1811)، وأنطونيو دو بالسكالينو Scaleno de Antonio، إضافة إلى الدفاتر التي تم تداولها بين نور المنصوري، وجوزيف ميري (1825–1815). وتنتهي باستدراك يتوجه فيه المؤلف إلى القارئ ويبلور من خلاله وعيًا ذاتيًا بالرّواية وبمصادرها ومحتملها. وإذا كانت الأحداث والوقائع المتضمنة في دفاتر الشخصيات مقصودٌ بها تكثيف سياق الرواية التاريخي، وإثقال النص بالقيود المرجعية والأحداث التاريخية، فإن الاستدراك الذي يرد على لسان السارد في ختام الرواية والذي يوهم بأنه لم يكتب، وإنما يترجم الأوراق التي عثر عليها تحت الأرضية الخشبية للغرفة 213 في «فندق القديس بطرس وروما» في مرسيليا، يعمّق الفجوة بين القارئ والمقروء ويلقي بظلال من الشك حول حقيقة العالم الروائي. وبهذا الشكل المنفتح الذي يستثمر تقنية الكولاج49 والتركيب حيث الإمكانات والاحتمالات لانهائية، يتجلّى
ثراء الرواية وغنى متخيلها الذي يسائل الحدود بين النص والعالم، الحقيقة والخيال، المؤلف والسارد والقارئ. ومن اللافت أن اعتماد الرواية السرد بضمير المتكلم يحقق للشخصيات «الشفافية الداخلية»50، مما يقرّب القارئ من تجاربها الحميمة بكلّ ما يتصل بها من «غرام صاعق ووفاء خالد وجمال فوق بشري، وآلام لا يمكن تصورها، وعواطف أثيرية، ومغامرات خارقة، ويأس فظيع، وانقلابات ومبارزات وتنكرات واختطافات والتباسات وتعرّفات»51. كما أن البناء السردي الذي يحرص فيه الكاتب على ضبط العناصر المختلفة للمادة المحكية على مستويي الزمان والمكان، بالإشارة إلى الساعة واليوم والسنة، والاحتفاء بالتفريعات والهوامش، لا يتيح للرواية الجمع بين اليومي الملموس والتاريخي العام فحسب، بل يوفر أيضًا مساحة مهمة للشخصيات الروائية التاريخية والمتخيلة، كي تستدعي ماضيها وتجاربها السابقة بفيض أحاسيسها ومشاعرها استدعاءً يعمّق الوصل باللحظة التاريخية الممثّلة، ويجذّر الشخصيات في الزمنية الراهنة. هكذا، تحتفي رواية شربل داغر بالشيء ونقيضه، بالأحداث والوقائع التي شهدها الماضي، ويمكن التثبت من حدوثها بالرجوع إلى الوثيقة التاريخية، والتخييل الذي يفتح أمام الرواية إمكانات ضافية لاحتضان الحلم والرؤيا واللعب. من هنا يمكن القول إن تمثيل الرواية للحدث التاريخي المتمثل بالحملة الفرنسية على مصر، عمومًا، وفترة خروج الجنرال منها خصوصًا، يتجلى منذ عتبة العنوان. وقد أجمع نقاد الرواية ومنظروها أن العنوان ليس من المكونات الزائدة التي يمكن تجاهلها عند القراءة، وإنما هو لحظة مهمة وأساسية يتعين الوقوف عندها وتفكيك الرموز والدلالات التي ينطوي عليها. فالعنوان يلخص النص ويكثفه بقدر ما يلخص النص العنوان ويشير إليه. والملاحظ أن داغر اختار «التبئير» للأحداث والوقائع المسرودة، من خلال الأهمية التي تحظى بها بعض الشخصيات مثل نور المصرية وبونابارت في العالم الذي تشيده الرّواية. إذًا، لا يتعلق الأمر بعنوانٍ استعاري أو مضلل يتعين على القارئ ملء الفراغات والبياضات التي تسكنه، بل هو عنوان يوحي بالشخصيات الأساسية الفاعلة في السّرد، كما يكتنز من جهة أخرى بدلالات وأبعاد مفتوحة على التأويل والقراءة المتعددة. وهذا الحضور المكثف للواقعي والتاريخي من خلال العنوان، يزداد تجليًا وظهورًا إذا ما أضفنا إليه نصًا موازيًا آخر، يتمثل بمكون صورة الغلاف، وهي فيما تكتب نور في دفترها «محفورة طباعية يعود نشرها إلى عام »180652، حيث تظهر في أعلى الصورة خمس شخصيات بأزياء عسكرية ومدنية، وفي المقابل امرأة تمنع عسكريًا من الاقتراب من طفلها. ويوحي ديكور الصورة بأن الأحداث تدور في مكان راق، قد يكون قصر بونابارت. أما اللون الرّمادي الذي يظلل الديكور فيُلمع إلى الحزن والكآبة والموت الذي خيّم على هذه المرحلة من تاريخ مصر وفرنسا.
بهذه الدلالات التي يوفرها النصان الموازيان: العنوان وصورة الغلاف، يتبين أن الرواية إذ تكتب ما بقي في ذاكرة الشخصيات، فهي لا تنتقي عناصرها عشوائيًا، بل تسخرها تسخيرًا فنيًا للحفر في طيات الماضي من خلال استعمال الوثائق والمصادر الأدبية والتاريخية لبناء عالم ممكن، بالمعنى الفني والجمالي، والكشف عن ذاكرة جماعية جريحة يلفّها الصّمت. لقد صار هاجس الرواية التاريخية المعاصرة في خضم الفتن والمآسي والانتكاسات التي شهدها العالم منذ بدايات القرن الماضي، وما ترتّب على ذلك من قمع وعنف وتجارب مؤلمة، هو الكشف والفضح والتعرية وتقديم روايات بديلة. ومن المعلوم أنّ هذا التوجه الذي يهيمن على تجارب الروائيين المعاصرين أمثال باتريك موديانو Modiano Patrick، وغوستاف لو كليزيو Clézio Le Gustave، وماريو فارغاس يوسا Mario Llosa Vargas، وربيع جابر، وواسيني الأعرج، وفواز حداد، وخالد خليفة، وإلياس خوري، ويوسف فاضل، وعلي بدر، ومحمد برادة، يختلف عن الخط الذي رسخته التجارب المبكرة للرواية التاريخية مع ألكسندر دوما الأب Dumas Alexandre (1870–1802)، ووالتر سكوت Scott Walter –1771(1832)، مرورًا بأونوريه دي بلزاك، وإميل زولا وجرجي زيدان (1914–1861). لنقل إن هذا التحول في مفهوم الرواية التاريخية، وفي الوعي بِرهاناتها الجمالية والفكرية، وفي دورها النقدي المضاد، يعدّ مسألة لافتة في سياق تفكك الحدود بين التخصصات ومختلف حقول المعرفة. فالروائي لم يعد يكتب الرواية التاريخية وهو يحمل عبء مراعاة حدود الكتابة التاريخية ومواضعاتها، بل أصبح يكتب ضمن حدود الكتابة الأدبية التخييلية التي تصرّ على مراعاة حقيقتها وجوهرها. وهذا يعني أن غياب الموضوعية لم يعد، مع التحولات التي شهدها مفهوم الأدب، مبررًا كافيًا للقول إن الرواية أقل صدقًا من التاريخ. «إذا كان العالم اليومي يغدو خياليًا من خلال الكشف عن الحياة السرية للأفراد الذين يعيشون فيه، فإن العكس صحيح أيضًا: الشخصيات المتخيلة التي تتمتع بقدر كبير من الأصالة، والتي لديها عمق أكبر، هي الشخصيات التي نعرفها أكثر عن كثب، معرفة يتعذر علينا امتلاكها في الواقع»53. وبناء عليه، فالرواية تقدم تمثيلات اجتماعية حول العالم، ومن شأن التموضع في سياقها أن يجعل منها مصدرًا شديد الأهمية والخصوبة. يُظهر الانتقال إلى المتن السّردي أن الروائي شربل داغر ينجز في هذا النص تقصيًا عميقًا من خلال الذاكرات الفردية للشخصيات، وتعدد زوايا السرد والاحتفاء بالخيال الجموح. ويمكن أن نتلمّس العلامات المميزة لهذا الإنجاز من خلال العناصر التي يستدعيها الروائي لتكثيف السياق التاريخي والإيهام بواقعية الأحداث والوقائع المتضمنة في نسيج الرواية. ومن بين تلك العناصر مكون الوصف الذي يتناول أمكنة الذاكرة المتعددة التي تدور فيها أحداث الرواية (القاهرة بعد حملة بونابرت إلى الشرق) وباريس، والإسكندرية وعكا، ومرسيليا، فضلً عن شواطئ صقلية وتونس والجزائر وبيروت وغيرها، إضافة إلى استحضار التفاصيل ذات الصلة بأسلوب العيش خلال المرحلة الممتدة بين عامَي 1811 و 1825 والأزياء والتقاليد ووسائل النقل، والصناعات، خاصة العسكرية منها. هذه المساحة الجغرافية الواسعة التي تتحرّك فيها أحداث الرواية وشخصياتها المتخيلة، تعكس دلالة مفادها أن
أثر الحملة الفرنسية لم يقتصر على المصريين وحدهم، بل شمل أمكنة أخرى. لنقل إن قوة التمثيل السردي الذي يقرّب القارئ من أجواء تلك المرحلة تظهر اطلّاع الروائي على وثائق ومصادر أدبية وفنية وتاريخية ذات صلة بالموضوع. وهذا ما تشير إليه الرواية من خلال ملفوظات بعض شخصياتها التي تستحضر أعمالً من قبيل روح القوانينلشارل لوي دي سيكوندا مونتسكيو de Louis Charles Montesquieu Secondat (1689–1755)، و كانديد لفرانسوا ماري آروويه فولتير François–Marie Voltaire Arouet (1778–1694)، فضلً عن أشعار فيكتور هوغو Hugo Victor (1885–1802)، وأعمال تصويرية لكبار مبدعي تلك الفترة وفنانيها. إذا كانت الرواية التاريخية تستمد قيمتها وجدواها من كونها تعيد صوغ التجارب الماضية والأحداث التاريخية المفصلية عبر وساطة التخييل، فإن ذلك لا يعني أنها تريد أن تؤرخ للمرحلة التي تكتبها، ولا أن تحتكر لنفسها حق التذكر أو الانتصار لذاكرة معينة على حساب ذاكرات أخرى مغايرة ومختلفة. إن ما تتقصد إليه هذه الكتابة السردية هو اختراق الصمت الذي ظل يلفّ الحملة الفرنسية، وإعادة سرد الأحداث المؤلمة التي شهدتها مرسيليا خلال إطاحة الجنرال، والمصائر المفجعة التي تمثلت في القمع والقتل الذي تعرّض له «المماليك» الذين رافقوا بونابارت في رحلة العودة إلى فرنسا. ومن خلال إعطاء الكلمة لشخصيات مهمشة أو منسية، تعبّر الرواية عن انكسار موجة الأمل العظيم عبر سرد يوميات المجزرة وتسليط الضوء على ما حدث خلالها من انتهاكات جسيمة لحقوقهم. ومن ثم يتبيّن أن الرواية على الرغم من القيود التاريخية التي تثقل كاهلها، سواء على مستوى الإشارة إلى سنوات بعينها، أو من خلال وصف أمكنة لها علاقة بالأحداث التاريخية التي عرفتها فرنسا (سفينة الشرق) أو استحضار شخصيات معروفة في التاريخ الحديث من قبيل محمد علي، وعبد الرحمن الجبرتي، والجنرال جاك فرانسوا مينو Menou François Jacques (1810–1750) الذي اعتنق الإسلام وتزوج من سيدة مصرية تسمى زبيدة، فإنها تقرّب القارئ من الأبعاد الإنسانية لهذه الشخصيات التاريخية ومن مشاعرها وأحاسيسها وهواجسها الوجودية، كما تجعل من بعض الأحداث، خاصة الحدث المتعلق بالطفلة نور التي عثر عليها أمام مدخل فندق القدّيس بطرس وروما بعدما تخلّت عنها والدتها، بؤرة لتوليد قيم إنسانية ومشاعر مضطربة تلامس معاناة الشخصيات وتعثر مصائرها في عالم يضيق بالتنوع والاختلاف. وبهذا الشكل الفني الذي يجترح فضاء لتنويع الأسئلة، تتموضع الرواية في مساحة تميزها على مستوى تمثيل الزمن الماضي. فالرواية التاريخية عندما تضفي البعد الإنساني على الحدث، فهي تمنحنا إمكانيات أوفر للتأويل وإعادة بناء الحقيقة التاريخية. يتأسس التمثيل السردي للماضي على عمليات من الانتقاء والاختيار يتجلّى معها أن الرواية، وهي كتابة مشبعة بالقيم والتقويم54، لا تبتغي البحث عن الحقيقة وإنما استخلاص قيم ودلالات معينة من خلال تلك الأحداث المستعادة، ما يعني أن الرواية التاريخية لا تتجلى أهميتها من خلال إخضاعها لمقياس الحقيقة والزيف، بل من خلال إسهامها في التوجه نحو المستقبل. ومن هذا المنظور تشارك رواية ابنة بونابارت المصرية في تمثيل الماضي وإنتاج معرفة متجددة به، كما يعزّز ذلك الحضور
المكثف للذاكرة ولأمكنتها. وقد اختار شربل داغر أن يغوص في أعماق هذه المرحلة من خلال استثمار سجلات مختلفة، خاصة المذكرات، حيث تستهل الرواية بدفاتر السيدة جولي بييزوني زوجة أحد الضباط في جيش بونابارت المصري التي كانت مقربة من الجنرال ومن السيدة بونابارت، ومن شخصيات معروفة في عالم السياسة والفن والأدب. وانطلاقًا من دفاتر السيدة جولي التي انفصلت عن زوجها، وتخلى عنها أبناؤها، تتعرض الرواية لبعض التفاصيل التي تخصّ شخصيات وأمكنة ورموزًا متعددة تشدّ القارئ إلى أجواء مرسيليا خلال مرحلة ما بعد خروج نابليون من القاهرة، خاصة حدث إطاحة الإمبراطور وعودة الملكية ودخول الحلفاء إلى فرنسا. ورغم أن الدفاتر تكشف عن التجربة الذاتية الخاصة بهذه السّيدة التي تتخذ من التذكر والكتابة أداة للنفاذ إلى أعماق الذات، وبعث بروميثيوس الكامن في أحشائها، فإن قربها من بونابارت ومن أجواء المعارك والمؤامرات والخيانات الكامنة في صميم السلطوية، جعلها تلتقط، عبر سرد يتخلله إحساس بالخيبة والألم، علامات ولحظات مختلفة من حيوات من عاشوا هذه المرحلة واكتووا بنار توتراتها وصراعاتها، وما تعرّضت له كنوز مصر وآثارها من نهب وتدمير من ضباط جيش بونابارت. هناك أيضًا، دفاتر السيد أنطونيو دو باسكالينو Scaleno de Antonio، وهو صحافي إيطالي حل بمرسيليا بعد إطاحة الجنرال، من أجل التحقيق في المجزرة التي تعرّض لها المماليك في «ميدان بوفيه» و«مرتفعات مازارك» في مرسيليا، إما بسبب اللباس أو اللون أو الهوية أو عدم القدرة على نطق اللغة الفرنسية، وذلك على إثر تلقيه رسالة من مجهول يبدو على معرفة بالصحافي وباهتماماته، حيث يخبره بواقع الحياة اليومية للمهاجرين المصريين والشوام والإثيوبيين. وتؤدي الرسالة دورًا مهمًا في وصل الرواية بمعاناة هذه الشخصيات وهمومها وآلامها، من خلال استراتيجية التحقيق، حيث يجري التقاط آراء وتسجيل ملاحظات وشهادات يغلب عليها البوح والنفاذ إلى الأعماق، مما يضفي على كتابة الرواية سمات ذاتية تنبثق من ربط النص بالحياة والتجربة التي اختبرتها الشخصيات. ومن أهم المصادر التي اعتمد عليها الصحافي في إنجاز التحقيق مذكرات جولي بييزوني ومساعدة زوجها جيراردون والخادمة كوليت التي كانت تعمل بالفندق خلال وقوع المجزرة. تكتسي شهادة كوليت أهمية كبيرة؛ لأنها فتحت المجال لطرح أسئلة مؤلمة تتعلق بآمنة التي اختفت ولم يرد أي خبر عنها، وحسين الذي اختفى هو الآخر من دون أن يعرف مصيره. وبهذا المعنى لا تسهم دفاتر الصحافي الإيطالي التي سجّل فيها أيام المجزرة في توسيع الرواية وفتحها على محكيات جديدة فحسب، بل تقرّبها أيضًا من أدب الشهادة بمرتكزاته وأسسه الواقعية. تنطوي الرواية على دينامية سردية يعمق أثرها التحقيق الذي قامت به جانيت نور الفتاة المصرية التي فقدت والدتها في ظروف غامضة، من دون أن تتمكن من بناء صورة واضحة عن الظروف والأسباب التي جعلت والدتها تأتي إلى فرنسا، مع أنها كانت أمية لا تعرف القراءة والكتابة. ومن خلال المحكيات الذاتية التي دونتها نور في دفاترها بعد سنوات من دخولها الميتم، يرسم السرد التذكري صورة لآمنة المنصوري وهي تترك ابنتها نور أمام عتبة مدخل الفندق، وتفرّ هاربة من دون أن تعود أو يُعلم عنها شيء، كما يعرّي لحظات وفضاءات وتجارب مفصلية راسخة في ذاكرة هذه الطفلة، من مثل الميتم
الذي تعلّمت فيه القراءة والكتابة، واتصالها بروائع الأدب العربي ك مقامات الحريريوكليلة ودمنة، وكذلك علاقتها بكوليت وانتقالها للعيش تحت رعايتها، ما أتاح لها الاحتكاك بأجواء الكنيسة من دون أن يفارقها هاجس السؤال عما إذا كانت حقًا تنحدر من أصول مسيحية، فضلً عن مشاهدة عروض مختلفة وأعمال فنية عديدة، قربتها من أجواء العائلة المالكة. ويمثل شعور الطفلة بفداحة غياب والديها، خاصة أمها («كنت أراقب الموج أكثر مما أسمع: لعلها تخرج من بين الأمواج وتناديني [...] لعلّي أركب السّفينة وألحق بها [...] قد تكون غادرت مع حسين)»55؛ لحظة فارقة في مسار البحث عن هويتها، وترميم شروخ الذاكرة. هكذا، تتخذ نور قرار بدء رحلة البحث عن أمها انطلاقًا من مرسيليا، فتشرع في تقصّي أخبارها بدءًا من الأشخاص الذين كانوا قريبين منها، خاصة ريمون وكوليت وحسين. وفي هذا السياق تبرز قراءتها بعض الأعمال التي عثرت عليها في المكتبة العمومية، مثل كتاب مسار بونابارتالذي أيقظ في داخلها دهشة السؤال عما إذا كانت والدتها من بين النساء اللائي اصطحبهن بونابارت معه إلى فرنسا، وكتاب تاريخ مرسيليا الذي نبهها إلى الحضور العربي المتجذر في هذه المدينة، كما يبرز تحكمها في الترجمة وإمساكها بناصيتها، ما يجعل منها امتدادًا لشخصية الخوري روفائيل زاخور مترجم بونابارت ذي الأصل اللبناني. وبما أن نور لم تجد في مرسيليا ما يشفي غليلها حول هوية والدها وظروف اختفاء أمها، فقد حرك فيها كتاب مسار بونابارتمجموعة من الشكوك حول هويتها، وهذا ما دفعها إلى الذهاب إلى مصر بحثًا عن سردية مقنعة عن والدتها. هاهنا تمثل الرحلة إلى القاهرة مع حسين العامل في المرفأ فرصة لاستعادة «المجزرة» التي تعرّض لها المصريون. يقول حسين لنور: «كانت أيامًا كريهة [...] لماذا تريدين استعادتها؟! أتعرفين أن كثيرين منا بدّلوا ثيابهم المصرية والعثمانية بعد ‘المجزرة’، وباتوا يرتدون البنطلون والسترة والفستان؟ أتعرفين أن بعضنا انتقل إلى السكن في أحياء أخرى؟ أتعرفين أن عشرات منا ضاعوا في الطبيعة لا نعرف عنوانًا لهم»56. كما تسمح لشخصيات في التاريخ الحديث كي تلج عالم الرواية وأحداثها مثل المؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي، ومحمد علي، والسيدة زبيدة زوجة الجنرال مينو التي ستزود الطفلة نور بمعلومات مؤثرة عن والدتها وعلاقتها بالضابط ألفيران، إضافة إلى جنرالات كثيرين كانوا قريبين من بونابارت، والضابط بيار بودري الذي سيكشف لها عن مقتل والدتها. وعبر هذه الخيوط التي تنسجها الرواية يأخذ التماس بين الشخصيات طابعًا كثيفًا رغم اختلاف الهويات والثقافات واللغات. في هذا السياق تبرز العلاقة بين آمنة وضابط الجيش الفرنسي، وبين كوليت والصحافي الإيطالي بيزوني، والاتصال بين حسين وعائلته بعد انفصال دام سنوات عدة. هذا التفاعل، إذًا، يجد كثافته في ملفوظ نور: «أنا ابنة بونابارت المصرية بأية حال. أنا ابنته حتى لو لم يكن والدي الطبيعي. هو من دون شك من جعل هذه الحيوات تلتقي، ما جعل شرايين دمي تعبر المتوسط في الاتجاهين»57. لنقل إن اختيار الروائي شربل داغر تمثيل هذه الفترة المفصلية في التاريخ العربي والعالمي، وما فرّعه
عنها من محكيات ويوميات وتجارب وحوارات لم يكن اختيارًا عشوائيًا، وإنما هو اختيار نابع من تمرّس شديد بهذه المرحلة التاريخية وبنصوصها الأساسية التي يعد داغر من أبرز دارسيها ومحققيها58. وبخلاف بعض النصوص الروائية التي راهنت على محاكاة التاريخ، وإعادة صوغ أحداثه ووقائعه من دون أن تتسلّح بما يكفي من العمل على إبراز إمكانات الشكل الروائي اللامحدودة، في تجاوز نمط الكتابة السائد ومواضعاته، جاءت هذه الرواية، المتحققة داخل التاريخ وخارجه، منطوية على إمكانات فنية وفكرية واسعة، يستمدها الكاتب من أحداث ونصوص وأعمال فنية وتجارب ماضية، مما يظهر قدرة الرواية بوصفها جنسًا أدبيًا مرنًا على التقاط الحقائق العميقة حول الحياة والفكر المعاصرَين. وبناء عليه، فحضور البعد التاريخي فيها لا يعني أن الروائي يستعيد، بكيفية مباشرة، الأحداث والوقائع والشخصيات التي لها صلة بالمرحلة التاريخية التي يقوم بتمثيلها عبر وساطة اللغة والتخييل؛ لأن ذلك يتنافى ومقتضيات الشكل الروائي الذي يشيد عالمًا، من خلال اللغات والشخصيات المتخيلة التي تعبر عن مواقف وأفكار مختلفة، قد لا تكون بالضرورة متداولة خلال تلك المرحلة. إن هذه البنية المركبة التي يشيدها الكاتب، ويدخل عبر منافذها وفجواتها شخصيات وأحداثًا ولغات إلى عالم روايته، هي ما يضخ الحياة في جسد الماضي، ليفصح عبر الفعل التذكّري عن الالتباسات والمجهولات الثاوية في الأحداث والتجارب الإنسانية، والمغامرات التي عاشتها شخصيات من الجيل الأول والثاني، رغم التقائها على مستوى الاكتواء بنار المجزرة، فإنها تختلف على صعيد الخبرة والإحساس بالهوية والموقف من الحياة. وبهذا المعنى لا يقتصر دور الرواية على إيقاظ الذاكرة الجماعية ودفعها لعرض الألم الذي لحق بها، بل يتعدى ذلك إلى توسيع السرديات المنجزة حول هذه الحقبة، بما تفتحه من أبواب على الحياة الاجتماعية لتلك المرحلة، وبما تنجزه من ضروب الكشف عمّا هو قابع تحت السطح، لتقدمه بثقوبه وثغراته وضوضائه. يعكس هذا البناء الفني المفتوح الذي يحتفي بالفنون والآداب واللغات والتجارب الإنسانية المختلفة، فكرة مفادها أن الرواية التي تستحق اسمها لا يمكن أن تكون سوى معركة ضد الصّمت والنسيان.
خاتمة: على سبيل التركيب
نستنتج من هذه الدراسة أنّ التمثيل السردي للذاكرة، في أبعادها الفردية والاجتماعية والسياسية، أصبح من بين المهمات الأساسية التي ينهض بها الأدب بمختلف أجناسه. وبناء عليه، لم تبق، كما كانت من قبل، مهمّة منوطة بالتاريخ بوصفه حقلً معرفيًا يعنى بدراسة الزمن الماضي، وإعادة تصوير أحداثه. ورغم أن الشعور الذي يولده العمل الفنّي حول الحدث الماضي هو نتاج الكتابة والقول، فإنه يمكن مشاركته من قبل الجميع، بما في ذلك القرّاء الذين لم يعيشوا ذلك الحدث. هذا ما تبيّن من خلال رواية ابنة بونابارت المصرية. فالتواشج العميق في النسيج النّصي بين المادة التاريخية والمتخيّل الروائي،
أتاح لشربل داغر إبداع رواية تاريخية غير تقليدية، يعززها ما شدّد عليه هايدغر من كون الأدب، والشعر خاصة، يساهم بطريقة جمالية بامتياز في تأتّي الحقيقة59. فالشخصيات الواقعية والمتخيلة، والأمكنة والأزمنة المختلفة التي يستدعيها الكاتب لبناء العالم الرّوائي، واللغات والنصوص المتخللة، كل ذلك لم يكن حائلً دون أن يرتكز التخييل التاريخي على وثائق مهمة، ومصادر مختلفة استعان بها الكاتب لدعم الخلفية التاريخية لروايته، وإسنادها. فهذه الرواية لا تستمدّ هويتها بوصفها عملً معنيًا بالذاكرة الجماعية فقط من خلال الأحداث الواقعية والمتخيّلة المؤثثة لعالم الرواية، وإنما تستمدها كذلك من استراتيجيات التناص وإعادة الكتابة، ومن المنطق السردي المختلف الذي بمقتضاه يتأكد للقارئ أنّه بإزاء نص قادر على أن يخلق لديه إحساسًا بالتاريخ. هذا ما يميز الرواية التاريخية الجيدة من التاريخ، ذلك لأن رهانها الأساس يتمثل في تمكين القارئ من أن يرى عالمًا، وأن يتعرّف إليه ويفهمه. إن الإمساك بهذا الوعي الفني والاقتراب مما يطرحه علينا من أسئلة، يتطلّب التخلي عن النظرة إلى الرواية التاريخية باعتبارها مجرّد متن يضمّ مجموعة من الوثائق. لا شك في أن هذا الاستعمال يمكن وصفه بأنه اختزالي، لأنه لا يسمح بفهم خصوصية الرواية التاريخية، وإدراك ما تنطوي عليه من قيمة جمالية وفكرية باعتبارها مرآة لعصرنا. فالرواية التاريخية الجيدة لا تحكي لنا عن الماضي الذي خلفه الإنسان وراءه فحسب، بل تتحدّث كذلك عن اللحظة الراهنة. وبهذا المعنى تكون الرواية ذاكرة للمستقبل «على رغم أنها تقدّم محكيات ووقائع وحبكات منتهية، لأن من عادة الروائي أن يضع إحدى عينيه على المستقبل في وصفه بعدًا جوهريًا لا يستقيم تصور الزمن من دونه»60.
References
المراجع
العربية
إبراهيم، عبد الله. السرد، والاعتراف، والهوية. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.2011
أحمد، إعجاز. في النظرية: طبقات، أمم، آداب. ترجمة ثائر ديب. سلسلة ترجمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2019
إدريس، سماح. المثقف العربي والسّلطة بحث في روايات التجربة الناصرية. بيروت: دار الآداب برادة، محمد. «الرواية أفقًا للشكل والخطاب المتعددين». فصول. المجلد 11، العدد 4 (شتاء.)1993 _______. الرواية ذاكرة مفتوحة. القاهرة: دار آفاق للنشر والتوزيع،.2008
التاريخ واشتغال الذاكرة في الرواية العربية. تحرير وتقديم نجم عبد الله كاظم. الدوحة: المؤسسة العامة للحي الثقافي–كتارا،.2019
حافظ، صبري. «الرواية العربية والتحولات الاجتماعية والثقافية». تبيّن. المجلد 1، العدد 2 (خريف الخضراوي، إدريس. الرواية العربية وأسئلة ما بعد الاستعمار. القاهرة: دار رؤية،.2012
________. سرديات الأمة تخييل التاريخ وثقافة الذاكرة. الدار البيضاء: دار أفريقيا الشرق،.2017
الخوري، خليل. وَي. إذن لستُ بإفرنجي. تحقيق وتقديم شربل داغر. بيروت: دار الفارابي،.2009 داغر، شربل. ابنة بونابارت المصرية. بيروت: المركز الثقافي العربي،.2016
دراج، فيصل. الذاكرة القومية في الرواية العربية: من زمن النهضة إلى زمن السقوط. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2008
زيتوني، لطيف. الرواية والقيم. بيروت: دار الفارابي،.2018
سافرانسكي، رودريغر. معلّم ألماني: هايدغر وعصره. ترجمة عصام سليمان. سلسلة ترجمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018
سوكاح، زهير. «حقل دراسات الذاكرة في العلوم الإنسانية والاجتماعية: حضور غربي وقصور عربي». أسطور. العدد 11 (كانون الثاني/ يناير.)2020
شارتييه، بيير. مدخل إلى نظريات الرواية. ترجمة عبد الكبير الشرقاوي. الدار البيضاء: دار توبقال، عون، مشير. هايدغر والفكر العربي. ترجمة إيلي أنيس نجم. سلسلة ترجمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015
كار، ديفيد. «السرد والعالم الواقعي». ترجمة ثائر ديب. أسطور. العدد 10 (تموز/ يوليو.)2019
كاظم، نادر. استعمالات الذاكرة في مجتمع تعددي مبتلى بالتاريخ. البحرين: مكتبة فخراوي،.2008 كوثراني، وجيه. الذاكرة والتاريخ في القرن العشرين الطويل: دراسات في البحث والبحث التاريخي. بيروت: دار الطليعة.2000
ليفي، جيوفاني. «استعمالات البيوغرافيا». ترجمة محمد الطاهر المنصوري. أسطور. العدد 3 (كانون الثاني/ يناير.)2016
مراش، فرنسيس. دُرّ الصَّدف في غرائب الصُّدف. تحقيق ودراسة شربل داغر. بيروت: دار الفارابي، ميتشيل، كيت. التاريخ والذاكرة الثقافية في الرواية الفكتورية الجديدة. ترجمة أماني أبو رحمة. دمشق: دار نينوى،.2015
مينة، حنا. حوارات وأحاديث في الحياة والكتابة الروائية. بيروت: دار الفكر الجديد،.1992
هتشيون، ليندا. «رواية الرواية التأريخية: تسلية الماضي». ترجمة شكري مجاهد. فصول. المجلد 12، العدد 2 (صيف.)1993
وايت، هايدن. محتوى الشكل: الخطاب السردي والتمثيل التاريخي. ترجمة نايف الياسين. البحرين: هيئة البحرين للثقافة والآثار،.2017
الأجنبية
Anne, Barrère & Martuccelli Danilo. Le roman comme laboratoire De la connaissance
littéraire à l’imagination sociologique. Villeneuve–d’Ascq: Presses Universitaires du
Septentrion, 2009.
Brenda, Dunn–Lardeau & Denis Geneviève. «De l’histoire au roman ou l’Histoire des
Républiques italiennes du Moyen âge (1807–1818) de Simonde de Sismondi comme
source de Tous les hommes sont mortels (1946) de Simone de Beauvoir.» Revue
d’histoire littéraire de la France. vol. 102, no. 2 (2002). at: https://bit.ly/3frKUza
Cohn, Dorrit. La transparence intérieure: Modes de représentation de la vie psychique
dans le roman. Traduit de l’anglais par Alain Bony. Paris: Seuil, 1981.
Fabiani, Jean–Louis. «Le roman, une science humaine?» Sciences Humaines. no. 321
(Janvier 2020).
Jablonka, Ivan. L’Histoire est une littérature contemporaine: Manifeste pour les sciences
sociales. Paris: seuil, 2014.
Pavel, Thomas. La pensée du roman. Paris: Gallimard, 2003.
Suleiman, Susan Rubin. Crises de mémoires, Récits individuels et collectifs de la
Deuxième Guerre mondiale. Traduit de l’anglais par Mrine Le Ruyet et Thomas Van
Ruymbeke. Rennes: Presses universitaires de Rennes, 2012.
White, Hayden. L’Histoire s’écrit. Philippe Carrad (trad. & prés.). Paris: Editions de la
Sorbonne, 2017.