Return to Article Details Transitional Justice Discourse in Tunisia and the Construction of Categories: The Matrix of Time/ Place/Body/Memory

خطاب العدالة الانتقالية في تونس وصناعة التصنيفات مصفوفة زمان/ مكان/ جسد/ ذاكرة

Transitional Justice Discourse in Tunisia and the Construction of Categories: The Matrix of Time/ Place/Body/Memory

صوفية حنازلة *

Sofia Hanezla *

الملخّص

تتناول الدراسة بالتحليل مسار العدالة الانتقالية باعتبارها خطابًا يكثف في داخله علاقات قوى متصارعة، وتطرح مصفوفة مفاهيمية جديدة لمقاربة هذا المسار في تونس؛ هي مصفوفة زمان/ مكان/ جسد/ ذاكرة التي تعتبرها الدراسة صلب بنية خطاب العدالة الانتقالية. وتطرح مجموعة من الأسئلة في هذا السياق، منها: كيف يمكن فهم مسار العدالة الانتقالية بما هو خطاب "تصنيفي"؟ وكيف تشكل العدالة الانتقالية أصنافًا من الأزمنة والأمكنة والأجساد؟ وأي ذاكرة جمعية تنتجها العدالة الانتقالية؟ وهل من الممكن تفكيك/ كسر هذا الخطاب؟ وتركز الدراسة على تقنيات اشتغال خطاب العدالة الانتقالية والنسق الناظم له، كما تحاول الكشف عن وجوه التشقق والتفكك داخل هذا الخطاب نفسه. وفي الأخير، تحاول النظر في إمكانات تفكيك/ كسر خطاب العدالة الانتقالية.

Abstract

Abstract: This paper examines the trajectory of transitional justice as a discourse within which conflicting power relations are intensified. It introduces a new conceptual matrix to approach this trajectory in Tunisia, based on time/place/ body/memory that is at the heart of the transitional justice discourse structure. Several questions are raised to this aim, including: How can the process of transitional justice be understood as a discourse with the power to produce categories? How does transitional justice create categories of times, places, and bodies? What collective memory does transitional justice produce? Is it possible to deconstruct this discourse? The paper focuses on the techniques and structures of transitional justice discourse and attempts to uncover disunity within that discourse itself. Finally, the paper considers the possibilities of deconstructing transitional justice discourse.

الكلمات المفتاحية:
  • تونس
  • مصفوفة
  • زمان
  • مكان
  • جسد
  • ذاكرة
Keywords:
  • Tunisia
  • Matrix
  • Time
  • Place
  • Body
  • Memory

مقدمة

في 31 كانون الأول/ ديسمبر 2018 انتهى عمل هيئة الحقيقة والكرامة في تونس، بعد مسار من العدالة الانتقالية عرف العديد من النقاشات وتبادل التهم. وقدمت الهيئة في التاريخ المذكور تقريرها النهائي لرئاسة الجمهورية. ويمكن أن نعدّ ذلك طيًّا لصفحة نقاشات كبيرة حول شكل العدالة الانتقالية وتقنياتها واستراتيجياتها، ولم يبق إلا تطبيق تلك التوصيات والاستنتاجات. وهو في الوقت نفسه نتيجة لمسار قانوني وسياسي، وضع مسبقًا لتصور شكل العدالة الانتقالية الملائمة والواجب تنفيذها في تونس. وسنحاول من خلال هذه الدراسة العودة إلى مسار هذه العدالة، والنظر إليها باعتبارها خطابًا يكثّف داخله علاقات قوى متصارعة ومتضاربة. ويطرح العمل مصفوفة مفاهيمية جديدة لمقاربة ذلك؛ هي مصفوفة زمان/ مكان/ جسد/ ذاكرة، ونعدّها في صلب بنية خطاب العدالة الانتقالية. ويطرح العمل لذلك مجموعة من الأسئلة: كيف يمكن فهم مسار العدالة الانتقالية بما هو خطاب «تصنيفي»؟ وكيف تشكل العدالة الانتقالية أصنافًا من الأزمنة والأمكنة والأجساد؟ وأي ذاكرة جمعية تنتجها العدالة الانتقالية؟ وهل من الممكن تفكيك/ كسر هذا الخطاب؟ وبذلك تركز الدراسة على تقنيات اشتغال خطاب العدالة الانتقالية والنسق الناظم له. كما ستحاول الكشف عن وجوه التشقق والتفكك داخل هذا الخطاب نفسه. وفي الأخير، ستحاول النظر في إمكانيات تفكيك/ كسر خطاب العدالة الانتقالية. أما عن منهج البحث فسنعتمد على منهج كيفي يقوم على تحليل المحتوى وتحليل الخطاب لبيانات مختلفة. وهي بيانات في العموم نصّيةٌ (مقالات، حوارات، نصوص قانونية، وغير ذلك) وإن تم تحويلها إلى نصوص بعد عملية الاستماع وتفريغها (فيديوهات الشهادات العلنية التي نظمتها هيئة الحقيقة والكرامة). وسنكتفي في الغالب بأمثلة للتحليل، رغبة في الاختصار.

أولا: مدخل مفاهيمي

نحاول خلال هذا الجزء من العمل أن نقدم المفاهيم المفاتيح التي من خلالها يمكن فهم المساهمة النظرية للبحث. ولن نقوم بعرض شامل لكل الأدبيات المتعلقة بكل مفهوم، ولكن سندرج النصوص التي اخترناها واعتمدناها بعد قراءات مختلفة، ونراها متعلقة بموضوع البحث. كما نحاول أن نربط بين هذه المفاهيم لتكوّن معًا عدسة مجردة متشابكة. وننبه إلى أن اختيار هذه القاعدة النظرية المخصوصة ليس نتيجة التفكير المجرد وحده، ولكنها نتيجة الجدل بين التفكير المجرد والبيانات المختلفة المحال إليها في البحث. وبناء عليه، فإن منهج العمل ومفاهيمه المركزية إنما هو حركة تقليب، بين التجريد والممارسات الاجتماعية الملاحظة.

1. طقوس العبور

نعتمد في استعمالنا مصطلح طقوس العبور تاريخًا إثنوغرافيًا كبيرًا من الأدبيات حول الموضوع. ولكننا سنحاول اختصار هذا التاريخ في مساهمات نعتبرها مؤسّسة في تمثلنا لهذا المصطلح. اعتبر فان جينب

(1957–1873) في نصه المؤسس1 أن طقس العبور ظاهرة إنسانية، بمعنى أنها متجاوزة للفروق الثقافية والتاريخية بين الشعوب. وذلك، في الأساس، لانطلاقه من مسلمة أن «داخل كل مجتمع عام توجد مجتمعات خاصة أكثر استقلالً وتحديدًا مقارنةً بالمجتمع العام»2. ويرى جينب العلاقات داخل المجتمعات الصغرى المخصوصة باعتبارها علاقات ذات قاعدة دينية/ سحرية Religieux Magico، تتطلب في كل حالة مرور من إحداها إلى الأخرى طقوسًا مضبوطة سلفًا. ولا تنفصل مساهمة جينب في هذا الإطار عن الجو العام للإثنوغرافيا الكلاسيكية في تقسيمها العالم إلى عالم متحضر وعالم متوحش، حيث تطغى العلاقات السحرية الدينية على العالم المتوحش وتحضر في الأساس في شكل احتفالات. وإذا ما تجاوزنا هذه النظرة التطورية الكلاسيكية للمجتمعات، نرى في صلب تصور طقس العبور بما هو فعل عابر زمانيًا ومكانيًا وثقافيًا منطَلقًا أوليًا للاشتغال في عملنا. وقد بنى فيكتور تيرنر (1983–1920) على مساهمات جينب، من أجل أن يعرّف أدائية الطقس انطلاقًا من موقعها داخل البنية الاجتماعية. فالأداء بحسب تيرنر هو «مرحلة مخصوصة في النسق الاجتماعي عندما تصبح الجماعة منتظمة للتغيرات الداخلية ومتكيفة مع المحيط الخارجي. ومن هذا المنطلق يصبح الطقس/ الرمز عاملً داخل الفعل الاجتماعي، قوة إيجابية ضمن مجال حركي ما»3. وما يهمنا من مساهمة تيرنر هو ما قدمه حول المرحلة البينية Phase Liminal باعتبارها مرحلة مؤسسة داخل بنية العبور نفسه. ويقسم تيرنر العبور إلى ثلاث مراحل: «المرحلة الأولى (مرحلة الانفصال) تتضمن سلوكيات رمزية تحيل على انفصال الفرد عن المجموعة [...] خلال المرحلة البينية تلتبس خاصيات الذات الطقوسية (العابر) فهو يَعبُر عبر فضاء ثقافي لا يحمل إلا قليلً، بل لا يحمل أيًا من خصائص الحالة السابقة أو اللاحقة. في المرحلة الثالثة (إعادة التركيب أو الإدماج) يُستَكمَل العبور»4. وتتميز المرحلة البينية باعتبارها «لا هنا ولا هناك» أي إن العابرين في هذه المرحلة «لا يملكون شيئًا» من حيث تصنيفات الحالات التي تُسبغها عليهم القوانين أو الأعراف أو البنية المجتمعية. فالانتقال من «حالة دنيا إلى حالة عليا يكون عبر فراغ من انعدام الحالة»5، وتبدو المرحلة البينية مفهومًا تحليليًا ناجعًا من أجل متابعة وتفكيك طقوس العدالة الانتقالية والتحولات الوظيفية التي تؤديها في تشكيل مصفوفة زمان/ مكان/ جسد/ ذاكرة. ويبني مرسيا إلياد (1986–1907) مساهمته بالاعتماد على مفهوم المرحلة البينية، ولكنه يضفي عليها تغييرات مركزية؛ إذ يعرف إلياد طقوس العبور باعتبارها «مجموعة الطقوس والتعاليم الشفوية التي تهدف إلى إحداث تغيير حاسم في الوضع الديني والاجتماعي للشخص العابر. فلسفيًا، العبور معبّر

  1. Arnold Van Gennep, Les rites de passage: Étude systématique des rites (Québec: Les classiques des sciences sociales, 2014).
  2. Ibid., p. 11.
  3. Victor Turner, The forest of Symbols: Aspects of Ndembu Ritual (New York: Cornell University Press, 1967), p. 20.
  4. Victor Turner, The Ritual Process: Structure and Anti–Structure (New York: Cornell University Press, 1991), pp. 94–95.
  5. Ibid.

عن تغير قاعدي في الظروف الوجودية» ف «المبتدئ ينبعث من الاختبار بوجود مختلف كليًا عن الوجود الذي كان عليه قبل العبور، لقد تحول إلى شخص آخر»6. ويعتبر إلياد أن العبور يسمح للمبتدئ أن يلج عالم الكبار أي عالم الروحانيات والقيم الثقافية للجماعة. كما أنه يتعلم علاقة الجماعة بالكائنات الميتافيزيقية وتاريخ وقصص الآلهة وأساطير الأولين. وكل هذه الخصائص تختزل، بحسب إلياد، ما أسماه «تصور الجماعة المخصوص للعالم» والذي يُمرَّر للمبتدئين أثناء العبور. وبدلً من المرحلة البينية، يستعمل إلياد مفهوم «الفوضى»، وهي تعبير آخر عن المرحلة البينية، باعتباره مؤسسًا في فعل الانتقال. فالفوضى، معبَّرًا عنها طقسيًّا بالموت، مرحلةٌ تسبق «الخلق الجديد، حيث يجب تدمير العالم القديم»7. ويتطلب هذا الخلق الجديد، بوصفه كذا، إرساء مرحلة هي أقرب ما تكون إلى العدم، مرحلة تُماثل تصور مرحلة ما قبل الخلق الأول حيث خلق الإله الكون من العدم. وهي مرحلة الفوضى أو انعدام البنية. ويؤدّي العبور، بحسب إلياد، دورًا مركزيًا في إرساء البنية المجتمعية، عبر إرساء ذوات أفرادها. ف «من خلال العبور [...] يصبح الإنسان ما هو عليه وما يجب أن يكونه، كائنًا منفتحًا على حياة الروح، ومن ثمّ كائنًا مشاركًا في الثقافة التي ولد فيها»8. وما يهمنا من ذلك، أن لطقس العبور قدرات انتساب وخلق. فمن جهة، تتبدى قدرات الانتساب في الوظائف الهووية التي يؤدّيها طقس العبور في إسناد فرد ما تصنيفًا/ صفة من طرف الجماعة، ومن ثم في إعادة تشكيل شبكة العلاقات الممكنة بين الفرد والجماعة في إطار تحديدات الجماعة نفسها وتصوراتها لموقع الفرد داخلها. ومن جهة أخرى، تتبدى قدرة الخلق في إعادة التعريف المتكرر زمنيًا والمتبدل من طقس إلى آخر. فطقوس معينة لديها قدرة إعادة تشكيل/ خلق الفرد، ومن ثم علاقته بالمجموعة عبر تفكيك تصور الفرد السابق، ومن بعدُ، علاقاته السابقة بالمجموعة. وتفتح هاتان القدرتان (الانتساب، والخلق) اللتان تنسبان إلى طقوس العبور القدرة على تفكيك دور طقوس العدالة الانتقالية، في تركيب وإعادة تركيب الفرد والجماعة، ومختلف العلاقات بينهما تاريخيًا، وإمكانية رصدنا لهذه الإمكانات العلائقية من خلال رصد الطقوس نفسها. المساهمة الأخيرة التي تعنينا في تعريف طقوس العبور وتكييفها ما طرحه بيار بورديو (2002–1930) حول الطقوس بوصفها فعلً مؤسسيًا9. وخلافًا للإثنوغرافيين المذكورين سابقًا، يزيح بورديو بؤرة النظر من دراسة «المجتمعات المتوحشة» ليُحاجّ بأن طقوس العبور تؤدّي في الأساس دور الفصل أو الحد بين من خاض تجربة العبور ومن لم يخضها ومن لن يخوضها أبدًا. وعلى هذا الأساس تكون طقوس العبور فعل تشريع للبنية الثقافية أو المجتمعية التي عليها الحال؛ أي إنها تُشرّع بنيةً/ حدودًا/ تصنيفاتٍ ثقافيةً اعتباطيةً وتقدمها باعتبارها بنيةً/ حدودًا/ تصنيفاتٍ طبيعيةً. ومن حيث هي تشرع فهي

  1. Mircea Eliade, Rites and Symbols of Initiation: The Mysteries of Birth and Rebirth , Willard R. Trask (Trans.) (New York: Harper & Row, 1975), p. x.
  2. Ibid., p. xiii
  3. Ibid., p. 3.
  4. Pierre Bourdieu, «Les rites comme actes d’institution,» Actes de la Recherche en Sciences Sociales , vol. 43 (Juin 1982), pp. 58–63.

تحافظ على هذه البنية/ الحدود/ التصنيفات وتبقيها وتؤبّدها. وهو ما يمكن الاصطلاح عليه بمأسسة

. Naturalisation de la difference أو طبعنة الاختلاف L ’ institution de la difference الاختلاف

تشتغل عملية طبعنة الاختلاف باعتبارها محركًا هوويًا يُمَأسسُ الهوية باعتبارها «ماهية اجتماعية» يجب التصرف على قياسها10. فالهوية بذلك ليست مستقلة عن الواقع بوصفها تعريفًا فرديًا، بل هي إحالة تستتبع أفعالً: تصرفات مخصوصة في الواقع. فالفعالية الرمزية للطقوس المؤسسية بذلك تمتلك قدرتها على الفعل في الواقع، من خلال الفعل في تمثلات الواقع. إذ «تعدّل الطقوس المؤسسية تمثلات الفاعلين، وخصوصًا التصرفات التي يتبنونها»11. ويعبّر بورديو عن ذلك في بنية «أصبح ما أنت عليه. هذه هي الصيغة التي تنضوي تحت السّحر الأدائي لكل أفعال المَأسَسة»12. وهو ما يربط بين مفهوم الهوية من جهة ومفهوم الأداء من جهة أخرى (كما سنرى عند جوديث باتلر لاحقًا)؛ إذ يصبح الأداء هو الهوية، أو هو المؤسس لهوية الفرد، وكذلك الجماعة لو أردنا أن نوسع دائرة النظر. ونبني، من خلال هذا، محاولتنا النظر إلى مؤسسات العدالة الانتقالية وكيفيات تشكيلها لهويات/ تصنيفات من خلال الأداء/ الطقس نفسه. فننظر في سمة يعتبرها بورديو مهمة في فعالية الطقوس المؤسسية، وتتمثل في طبيعة المؤسسات القائمة عليها؛ إذ على هذه المؤسسة أن تتصف بمجموعة من الخصائص التي تؤهلها لإدارة فعل العبور من أهمها: الشرعية أو السلطة والكفاءة والملاءمة من حيث الزمان والمكان والخبرة. ومن ثم يجب أن تتمثل هذه المؤسسة بوصفها «سلطة كونية معترفًا بها قائمة على إجماع كلي»13. ولا يربط بورديو هذا الإجماع بعملية سياسية أو فكرية معقلنة أو في إكراه ما، بل في فعل «إيمان جمعي» ما «يسبق فعل الطقس نفسه وهو شرط فعاليته». وهو ليس إيمانًا بواقعية مؤسسة العبور أو العبور ذاته فقط، ولكنه الإيمان بقدرتهما على إعطاء الفرد تبريرًا للوجود والقدرة على «النفاذ إلى الفئة المخصصة للكائن بديلً لا مفر منه من سقوط الفئة المكملة في العدم أو في تصنيف ما ناقص – كائن»14. وبالقدر نفسه تؤدي الطقوس المؤسسية دور تأبيد الحدود، بمعنى إبقاء المصنفين داخل تصنيفاتهم المسبقة وإبقاء من هم خارج التصنيف خارجه؛ «فمن مهمّات فعل المأسسة كذلك عدم التشجيع بشكل دائم لمحاولات العبور، الخرق، الهجر أو الاستقالة»15. وبناء عليه، فإن استخدامنا مفهوم طقوس العبور في هذا البحث إنما ينبني على مجموعة من المساهمات تتعلق أولً بالقدرة التخييلية للعبور. أي قدرة طقوس العدالة الانتقالية في تونس على إعادة تعريف/ تصنيف الفرد والجماعة والعلاقة بينهما، ومن ثم النظر في مقدرتها على إعادة تعريف الواقع التونسي من خلال عملية تمثله، ومن ثمة الفعل فيه.

  1. Ibid., p. 59.
  2. Ibid., p. 61.
  3. Ibid.
  4. Ibid., p. 63.
  5. Ibid.
  6. Ibid., p. 61.

من جهة أخرى، نستعمل مفهوم الطقوس المؤسسية كما وضعه بورديو، للكشف عن كيفية اشتغال مؤسسات العدالة الانتقالية في تونس وإمكانياتها التصنيفية/ الهووية للفرد والمجموعة (أو المجموعات) وكيفيات تحويلها هذه التصنيفات الأدائية بالأساس إلى ماهيات هووية. كما يساعدنا مفهوم الطقس في تفكيك المصفوفة التي انطلقنا منها وهي زمان/ مكان/ جسد/ ذاكرة، حيث نعالج من خلاله القدرة التصنيفية التي لطقوس العدالة الانتقالية في تونس لكل من الأزمنة والأمكنة والأجساد والذاكرات.

2. الأداء

نعتمد في تشكيلنا مفهوم الأداء أو الأدائية Performativity16 على مساهمة جوديث باتلر، والتي أعادت قراءة تراث فوكو17 حول ثنائية الجوهر Essence والمنتج اجتماعيًا Production Social. وتتلخص مساهمة باتلر في أننا «نؤدي ذاتيتنا» Subjectivity our Perform We. إذًا، فإن النوع الاجتماعي هو هوية مُؤدَّاة. وتتم بذلك إزاحة مركزية للوجود لا بما هو معطى أو جوهر، ولكن في الأساس، بما هو أداء أو منتج اجتماعي. وما يهمنا هو اشتغال باتلر على مفهوم الجسد باعتباره تركيبًا أو أداءً أو علاقةً ما خارجية (لها تأثيرها الداخلي) مع أجساد أخرى وتصنيفات تقع خارج الجسد لا في جوهره أو طبيعته. وهكذا، تقوم الأدائية بالكشف عن الصيرورة المنتجة للتصنيفات وكيفيات إنتاج الجسد باعتباره واقعة Given أو طبيعيًا Natural أو واقعيًا Real وفي الوقت نفسه الصيرورات التي يتم من خلالها إقصاء أجساد أخرى خارج هذه التصنيفات (غير واقعي، غير عادي، غير طبيعي، خيالي، ما دون إنساني)، ومن ثم تنفي باتلر القدرة على الولوج المباشر للجسد، وتبني مساهمتها حول الجسد الخطابي أو الجسد/ الخطاب الذي يتركز أداءً عبر فعلَي التقليد Enactment والتكرار Repetition في الزمن. ويُنتج التصنيف في النهاية وحدة خطابية غير قابلة للفصل بين الجسد والأداء، فيصبح الجسد هو الأداء نفسه، بما هو صيرورة من الضبط المتواصل في الزمان لا بنية متوقفة واحدة في الزمن. وسنحاول من خلال اعتماد هذه الرؤية المخصوصة للجسد/ الأداء إعادة تفكيك خطاب العدالة الانتقالية في تونس حول الجسد ذاته. كما يسمح لنا مفهوم الجسد/ الأداء/ التكرار في الزمان ملاحقة تطورات تصنيفات الأجساد داخل خطاب العدالة الانتقالية، ومختلف تقنيات التكرار والانزياح التي يعمد لها دوريًا من أجل إعادة تعريف الجسد/ الأداء. فالأداء لا ينفي عمليات التفاوض التي تجري بينه وبين القوانين والقواعد السابقة عليه. ذلك أن هذه التفاوضات نفسها هي التي من خلالها يتم إعادة تجديد/ إحياء/ تشكيل قوانين التصنيف. فداخل

  1. Judith Butler, Gender Trouble: Feminism and the Subversion of Identity (New York/ London: Routledge, 1990)
  2. ونقصد بالأساس هنا مداخلة فوكو حول وسائل الضبط الاجتماعي حيث يحضر مفهوم تطبيع السلوك of Normalization Behavior باعتباره جزءًا مركزيًا من تقنيات الضبط.

كل أداء مساحات من الارتجال Improvising التي قد تسمح، بحسب باتلر، بقلب نظام الأداء نفسه. مساحات الارتجال أو الفشل في مقاربة Approximating الأداء هي مساحات تحرر ما من قبضة الخطاب. وهو ما نعتمد عليه في محاولتنا تلمس تجارب ما للانزياح عن خطاب العدالة الانتقالية، للنظر في مدى قدرة خطابات مضادة على تفكيك خطاب العدالة الانتقالية وإعادة تركيب مصفوفة زمان/ مكان/ جسد/ ذاكرة، موازية/ بديلة/ مضادة.

3. الذاكرة الجمعية

يعرف داريو بيزان وجايمس هوفولو الذاكرة الجمعية بوصفها «معرفة مشتركة على نطاق واسع، حول أحداث اجتماعية ماضية لم يتم عيشها بصورة شخصية، ولكن تم تشكيلها جماعيًا عبر أفعال تواصلية اجتماعية. هذه التمثلات المجتمعية أو المعرفة المشتركة حول الماضي تُركب وتُتَناقل وتُحفظ داخل المجتمع، عبر التواصل بين الأشخاص وكذا مع المؤسسات»18. ونلاحظ أن هذا التعريف رغم أنه إجرائيٌّ أوليٌّ، يفيدنا في استخلاص خصائص أولية منسوبة إلى الذاكرة الجمعية. وتتعلق هذه الخصائص أولً بفكرة جماعية، أي لا فردانية الذاكرة؛ ثانيًا، إشكالية الحفاظ وتناقل الذاكرة تواصليًا؛ ثالثًا، دور المؤسسات في تركيب الذاكرة والحفاظ عليها وإعادة تدويرها وأهداف ذلك؛ رابعًا، الطابع التَّمثُّلي/ التخيلي للذاكرة باعتبارها، لا انعكاسًا للماضي، ولكن تأويلً مخصوصًا في زمان ومكان مخصوصين لماضٍ ما (ممكن، واقعي، خيالي، مجمع عليه... إلخ). كما تضيف إليزابيث هالاس في مقال لها19 إلى خصائص الذاكرة المذكورة سابقًا خاصية أخرى مركزية تتعلق بالتعددية. فالذاكرة الجمعية، بحسب الطرح ما بعد الحداثي، ذاكرات جماعية. حيث أصبحت فكرة الأحادية والكلية بذلك مطابقة لفكرة الهيمنة Hegemony. وتم المرور إلى التعدد والنسبية والخصوصية والتجربة. ومن خلال فكرة تعدد الذاكرات، نحاول النظر في مداخلة خطاب العدالة الانتقالية في تونس حول الذاكرة من أجل تفكيكها وإعادة تركيبها، باعتبارها ذاكرة تعددية في الأساس أو بمعنى أدق بما هي ذاكرات مختلفة أو في أحيان كثيرة متصارعة متضاربة، أو ما يمكن التعبير عنه ب «اللاذاكرة» memory – Anti أو الذاكرة المضادة Counter–memory في علاقتها بالذاكرة المعيارية/ الذاكرة المؤسساتية. كما ركزت هالاس على دور الأداءات الاحتفالية للذاكرة Performances Commemorative، أو الذاكرة المطقسنة Remembering Ritualized، في بناء الذاكرة الجمعية وتمريرها من جيل إلى آخر، ومن خلالها يمكن رسم التطورات أو الصيرورات أو مختلف السرديات السياسية التي عرفتها الذاكرة الجماعية. ويربط مفهوم الذاكرة المطقسنة خلال هذا البحث بين مفهوم الأداء والذاكرة. فطقوس العدالة الانتقالية، باعتبارها أداء لتصنيفات معينة، إنما تؤدي دورًا مركزيًا في عملية بناء ذاكرة مخصوصة.

  1. Dario R. Paezn & James Hu–fu Liu, «Collective Memory of Conflicts,» in: Daniel Bar–Tal (ed.), Intergroup Conflicts and Their Resolution: A Social Psychological Perspective (New York: Tylor and Francis Group, 2011), p. 105.
  2. Elżbieta Hałas, «Issues of Social Memory and their Challenge in the Global Age,» Time & Society , vol. 17, no. 1 (2008), pp. 103–118.

وسنحاول بذلك الكشف عن طبيعة هذه الذاكرة وعلاقتها الوثيقة بالمؤسسات القائمة على خطاب العدالة الانتقالية ذاتها، باعتبارها مؤسسات منتجة لصنف مخصوص من الذاكرة. إذا عدنا إلى اشتغالات دانيال شاختر20، وجدنا إشارة إلى الطاقة التركيبية/ التخييلية للماضي التي تتصف بها الذاكرة الجمعية. فهي تحضر في كتابته، باعتبارها صيرورة تركيبية، لا مجرد عملية إنتاج أو تذكر. من جهة أخرى، يركز شاختر على العلاقة التي تنظم الأحداث الماضية بالأحداث الحاضرة، وكيفية تأثير هذه العلاقة في فعل التذكر نفسه. فالماضي يتم استرجاعه/ إعادة بنائه لأسباب، وفي صورة متوافقة مع الاحتياجات والرغبات والتأثيرات التي تحدث في الحاضر. ومن ثمّ، فإن الذاكرة ليست فعلً ماضويًا/ رجعيًا، وإنما هي قراءة مخصوصة في لحظة زمنية مخصوصة للحظات سابقة. وقد بنى يان أسمان على مساهمة تركيبية الذاكرة لدى شاختر، من أجل تحليل العلاقة التي تربط بين الذاكرة الجماعية والهوية الثقافية. فاقترح أن من خصوصيات الذاكرة الجماعية كونها تعبيرًا عن حاجة هووية Identity for Need The لدى الجماعة يتم تحقيقها من خلال إعادة قراءة الماضي من أجل الحفر فيه عن جماعية ما متناسقة مع الحاجة الحادثة في الحاضر. ولذلك يرى أسمان أن الذاكرة الجماعية في الأساس هي فعل تخييلي Process Imaginative21. ويعتمد فعل التخييل في الأساس على عملية تجميع بيانات مفردة ماضية، وإعادة بناء علاقات شبكية بينها من أجل تكوين سردية ما22. ونحاول من خلال إسهامَي شاختر وأسمان قراءة الرهانات الآنية للذاكرة الجماعية، كما رسمها خطاب العدالة الانتقالية في تونس. أي القدرات التخييلية لهذه الذاكرة في تصورها للتصنيف الزمني بين ماضٍ وحاضر ومستقبل، وعملية إسناد صفات مخصوصة لهذه التصنيفات من جهة، والحاجات الهووية الراهنة التي شكلت تصور خطاب العدالة الانتقالية للذاكرة الجماعية التونسية. ونعني مختلف الدوافع والأهداف الجماعية التي سيّرت عملية تخيل تصنيفات الزمان، ومن ثمّ تخيل سردية الذاكرة الجمعية التونسية ما قبل 2011 وما بعده.

4. العدالة الانتقالية

يجد الناظر في دراسات العدالة الانتقالية كمًّا هائلً من النصوص في مجالَي العلوم السياسية والسياسات المقارنة، على الخصوص. وتنظر هذه النصوص في بنية العدالة الانتقالية ونجاعتها القابلة

  1. ينظر 2:(Daniel Schacter, Searching for Memory: The Brain, The Mind, and The Past (New York: Basic Books, 1996).
  2. ينظر 2:(Jan Assman, «Collective Memory and Cultural Identity,» Jhon Czaplika (Trans.), New German Critiques , no. 65 (Spring – Summer 1995), pp. 125–133.
  3. ينظر 2:(Elinor Ochs, «Narrative,» in: Teun A. Van Dijk (ed.), Discourse as Structure and Process (London: Sage Publication, 1997), pp. 185–207.

للقياس، من خلال مؤشرات معينة وتاريخها في مكان ما، ومقارنته بمسارات أخرى في بلدان أخرى، إضافة إلى الجوانب التقنية المتعلقة بقوانين العدالة الانتقالية23. ولكن هذه الدراسة تنخرط في تقليد أكاديمي مختلف عن هذه الدائرة البحثية؛ إذ لن تنظر إلى ظاهرة العدالة الانتقالية عمومًا أو في تونس من وجهة النظر السياسية/ التقنية الصرفة. فهي مهتمة بالعدالة الانتقالية بوصفها خطابًا مركبًا، يكثف داخله مجموعة من علاقات القوى والتناقضات المركزية. أي إن مدار اهتمام هذا البحث هو استقصاء العلاقة بين خطاب العدالة الانتقالية باعتباره، أولً، خطابًا سياسيًا درج استعماله وتكثف في تونس ما بعد 2011. وثانيًا، ينظر البحث في علاقة هذا الخطاب المخصوص بالممارسة السياسية نفسها، أي علاقات القوى المختلفة وتأثير الخطاب، باعتباره يدعي التعبير عن حقيقة ما، ويدعو إلى تأسيس واقع ما ينبني عليها، في الواقع السياسي والاجتماعي في تونس والعكس صحيح. بناء عليه، فإننا نعرّف الخطاب، أولً، باعتباره تكثيفًا لمجموعة من علاقات القوى والصراع التي من الممكن الكشف عنها، من خلال عملية تفكيك الخطاب ذاته إلى جزئياته المكونة والعلاقات بينها. ثانيًا، إن الخطاب يتميز بسلطة قهرية24 في الواقع، بسبب علاقته المخصوصة بالممارسة السياسية، وتقنيات التعمية والإقصاء والتصنيف المختلفة التي يتحكم فيها. لهذا، نركز في هذا البحث على أشكال السلطة القهرية التي يمارسها خطاب العدالة الانتقالية، من خلال الحفر في قدراته التصنيفية، وفي آليات اشتغاله وفعله، في الواقع التونسي، وفي استراتيجيات القائمين على عمليات إنتاجه وتوزيعه واستهلاكه، ومواقعهم. ولهذا، فنحن لا نسعى لتعريف ماهوي لخطاب العدالة الانتقالية (أي تعريفه باعتباره جوهرًا ما)، بل للكشف عن كيفيات تشكله، وطرق اشتغاله ومختلف الاستراتيجيات السلطوية التي تنضوي تحته وإمكانيات معارضته/ مضادته. وتتركز البنية النظرية لهذا العمل في تفكيك خطاب العدالة الانتقالية، من خلال تتبع مختلف التصنيفات التي يقوم بها لكل من الأزمنة والأمكنة والأجساد المنضبطة داخله؛ من أجل بناء تمثل مخصوص لذاكرة جماعية تونسية. ويعتمد خطاب العدالة الانتقالية في ذلك على طقوس مخصوصة، تشرف عليها مؤسسات مخصوصة. تبني هذه الطقوس، من خلال الأداء، تصنيفات (زمنية، ومكانية، وجسدية) مخصوصة، يتم تحويلها من خلال عامل التكرار في الزمان إلى هويات تتحكم في أداء الفرد نفسه في الواقع فيؤدي التصنيف المنسوب إليه. كما تفتح لنا هذه البنية النظرية إمكانية النظر في إخلالات الأداء أو انزياحاته التي من خلالها يعيد

  1. ينظر: عاطف صالح الرواتبي، «مقاربات في العدالة الانتقالية»، في: أحمد السنوسي (محرر)، في الانتقال الديمقراطي والإصلاح الدستوري في البلدان المغاربية: أعمال وحدة البحث في القانون الدستوري والجبائي المغاربي كلية الحقوق والعلوم السياسية بسوسة (تونس: مجمع الأطرش للكتاب المختص، 2015)، ص.212–201
  2. أو «قمعية» بحسب تعبير عبد العزيز العيادي، ينظر: عبد العزيز العيادي، ميشال فوكو: المعرفة والسلطة (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1994)، ص.22

خطاب العدالة الانتقالية تعريف التصنيف أو إسناده إلى أفراد أو مجموعات مختلفة. وأخيرًا تمكننا هذه البنية النظرية من مفاتيح، تلمس مساحات أخرى لتفكيك خطاب العدالة الانتقالية أو مضادته؛ من أجل عملية كسر المصفوفة أو إعادة تركيبها/ إسنادها بصورة مختلفة. ونعتمد في دراستنا مسار العدالة الانتقالية، رغم وصفنا إياه بما هو خطاب كلي، جزئيات مخصوصة أو منطوقات25Énoncé مخصوصة. وتتمثل هذه الجزئيات في البيانات التي يوفرها لنا الخطاب القانوني للعدالة الانتقالية، وعلى الخصوص القوانين والقواعد الضابطة لاشتغال هيئة الحقيقة والكرامة. كما نركز على صيرورة الشهادات العلنية التي بثتها الهيئة والتي أصبحت رمز العدالة الانتقالية في تونس.

ثانيًا: العدالة الانتقالية في الخطاب التونسي

1. مؤسسات العدالة الانتقالية

لعله من المهم بداية أن ننطلق في محاولة لتأريخ خطاب العدالة الانتقالية في تونس؛ من أجل الكشف عن مختلف الفاعلين القائمين على هذا الخطاب ومنتجيه، وكذلك من أجل التنقيب عن الأسباب التاريخية الموضوعية التي أنتجت هذا الخطاب ذاته في ظرف تونس ما بعد 2011. فقد أذن بتأسيس المؤسسات الأولى المحلية الراعية لخطاب العدالة الانتقالية منذ آذار/ مارس 2011 بقرار من محمد الغنوشي بوصفه رئيسًا للحكومة الانتقالية، وفؤاد المبزع بوصفه رئيسًا مؤقتًا للجمهورية. وبناء عليه، تم تأسيس مؤسسات ثلاث؛ هي «الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي»26، و«اللجنة الوطنية لاستقصاء الحقائق في التجاوزات والانتهاكات المسجلة خلال الفترة الممتدة من 17 ديسمبر 2010 إلى زوال موجبها»27 (وقد أعلن الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، في خطابه الأخير في 13 كانون الثاني/ يناير 2011، عن تكوين لجنة تحقيق مشابهة28، إضافة إلى العديد من الوعود الأخرى في محاولة أخيرة لتهدئة الوضع في تونس)

  1. الزواوي بغورة، مفهوم الخطاب في فلسفة ميشيل فوكو (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2000)، ص.95
  2. «إحداث الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي»، صدر قرار تأسيسها من طرف رئيس الجمهورية المؤقت في المرسوم عدد 6 المؤرخ في 18 شباط/ فبراير 2011، المصدر، 2011/3/4، شوهد في 2020/5/15، في: https://bit.ly/2yC9nO8
  3. «مرسوم العدد 8 لسنة 2011 مؤرخ في 18 فيفري 2011 يتعلق بإحداث اللجنة الوطنية لاستقصاء الحقائق في التجاوزات المسجلة خلال الفترة الممتدة من 17 ديسمبر 2010 إلى حين زوال موجبها»، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، 1 آذار/ مارس 2011، عدد 13، ص 204–203، شوهد في 2020/4/17، في: https://bit.ly/3dTsXrF
  4. «وأطلب من اللجنة المستقلة، أكرر المستقلة، التي ستحقق في الأحداث والتجاوزات والوفيات المأسوف عليها تحديد مسؤوليات كل الأطراف، كل الأطراف بدون استثناء، بكل إنصاف ونزاهة وموضوعية»، ينظر: «زين العابدين بن علي أنا فهمتكم»، نص خطاب زين العابدين بن علي في 13 كانون الثاني/ يناير 2011، باب نت تونس، 2011/1/14، شوهد في 2019/8/20، في: https://bit.ly/31ZZkiL

و«اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد»29 (والتي بدورها ظهرت بداية في خطاب بن علي قبل الأخير، باعتبارها لجنة «للنظر في ظواهر الفساد والرشوة وأخطاء المسؤولين»30). وتوقف عمل هذه اللجان مع انتخاب المجلس الوطني التأسيسي بعد تقديمها تقاريرها العامة. بناء عليه، فإن تتبع جينالوجيا ما لظهور خطاب العدالة الانتقالية في تونس يكشف أنه خارجٌ من صلب النظام السياسي السابق، لا من صلب التحولات السياسية والحراك الثوري الذي عرفته تونس في 2011؛ إذ إن المؤسسات المشرفة على إنتاج هذا الخطاب وتوزيعه إنما هي، في الأساس، مؤسسات موروثة من النظام السابق، مُن حت في إطار الصيرورة القانونية «للانتقال الديمقراطي السلمي»، الشرعية والقدرة القانونية لإنتاج هذا الخطاب. ومن الممكن تفَهّم ذلك باعتبار أن هذا الخطاب، أي العدالة الانتقالية، يمثل حماية لقيادات نظام بن علي من العنف الشعبي أو محاولات الثأر والانتقام منهم. تلا ذلك تأسيس مؤسسات من صلب انتخابات المجلس الوطني التأسيسي. ومن ذلك تأسيس هيئة الحقيقة والكرامة عبر قانون العدالة الانتقالية، والذي أقره المجلس التأسيسي في 15 كانون الأول/ ديسمبر 2013. وقد نص هذا القانون على تأسيس هيئة الحقيقة والكرامة بما هي «الهيئة المنوط بها الإشراف على مسار العدالة الانتقالية بمختلف مراحلها، وهي هيئة مستقلة تتمتّع بالشخصية المعنوية والاستقلال الإداري والمالي [...] وهي تتكوّن من خمسة عشر عضوًا من ميادين واختصاصات مختلفة»31. إذًا، فإن هيئة الحقيقة والكرامة أصبحت الهيئة الراعية والمنتجة لخطاب العدالة الانتقالية والمشرفة على تأسيسه. وهذا يعني أنها المؤسسة التي أعطيت الصلاحيات القانونية والشرعية الخطابية (في بداية عملها على الأقل)؛ من أجل تحقيق مسار العدالة الانتقالية وتفعيله. ولهذا السبب نركّز على منتجات الهيئة باعتبارها المؤسسة الوطنية الأولى المشرفة على إنتاج خطاب العدالة الانتقالية وتوزيعه واستهلاكه، مع محاولة عدم إهمال بقية الفاعلين القائمين على ذلك أيضًا. ركز الدستور التونسي، باعتباره النص القانوني المؤسس للدولة التونسية الجديدة، على مركزية خطاب العدالة الانتقالية؛ إذ أحال عليها في الفصل 148، الفقرة التاسعة: «تلتزم الدولة بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية في جميع مجالاتها والمدة الزمنية المحددة بالتشريع المتعلق بها»32. ومن خلال ذلك تأسست شرعية خطاب العدالة الانتقالية باعتباره خطابًا مؤسسًا للدولة التونسية الجديدة، واستمد شرعيته من أوجه مختلفة.

  1. تأسست بمقتضى المرسوم عدد 7 المؤرخ في 18 شباط/ فبراير 2011؛ حمادي الرديسي وعفيفة المناعي، «العدالة الانتقالية في تونس: المسار المنقوص»، مبادرة الإصلاح العربي، أوراق بحثية، 2018/8/23، ص 17، شوهد في 2019/3/16، في: 84 dGUw /3 ly. bit:// https
  2. «زين العابدين بن علي أنا فهمتكم».
  3. «عهدة الهيئة»، هيئة الحقيقة والكرامة، شوهد في 2019/3/17، في: https://bit.ly/2TJ95BV
  4. دستور الجمهورية التونسية (تونس: مجمع الأطرش للكتاب المختص، 2017)، ص.47

2. شرعية مؤسسات العدالة الانتقالية

تتأتى شرعية المؤسسات القائمة على العدالة الانتقالية، أولً، من الخطاب نفسه الذي يؤسسها، أي العدالة الانتقالية، باعتبارها حدثًا فارقًا، خارجًا عن المألوف أو لحظة/ مرحلة بينية، كما ذكرنا سابقًا، في تفكيك مفهوم طقس العبور. ولم تخلُ هذه اللحظة من طقسيّة عالية نراها في أشدّ وجوهها وضوحًا في الشّهادات العلنيّة، التي نظمت جلسات الاجتماع العلنية، وفق القانون الأساسي للعدالة الانتقالية، وخصوصًا في فصله 39، والفصل 47، إضافة إلى النظام الداخلي لهيئة الحقيقة والكرامة في فصليه الثالث والسابع، والتي قدمها الشهود والضحايا على شاشات الفضائيات التونسية، والتي اعتُبرت أيقونة كاملة عن صيرورة العدالة الانتقالية في تونس. فقد عرضت 14 جلسة علنية كانت أولاها في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 وآخرها في 14 كانون الأول/ ديسمبر 201833. كما سبق هذه الجلسات تحضير مكثف لضمان استنفارٍ كامل داخليًا وخارجيًا، من أجل مشاهدة عرض العدالة الانتقالية Justice Transitional of spectacle The. وقد شمل التحضير الومضات الإشهارية على مختلف الفضائيات والحوارات التلفزية التي لم تنقطع حول هذا الحدث34. كما شملت الحملة الإعلامية ومضات تحسيسية من أجل دفع الشهود والضحايا إلى المشاركة في العملية عبر تقديم ملفاتهم35. وثانيًا، من خلال خطابات المؤسّسات الدّولية والمنظّمات الحقوقيّة التي من خلالها يُعاد تدوير خطاب العدالة الانتقاليّة عالميًا، عبر العمل والتنسيق العملي والخطابي المشترك بينها وبين مؤسسات العدالة الانتقاليّة التونسيّة. فقد أدّت هذه المؤسسات دورها المركزي في إعادة تدوير خطاب العدالة الانتقالية محليًا، وتوفير الشرعية المؤسسية للقائمين من فاعلين ومؤسسات على هذا الخطاب36. فكانت المؤسسات الدولية حاضرة منذ بداية النقاش حول تأسيس هيئة الحقيقة والكرامة، ووضع قانون العدالة الانتقالية؛ من أجل توفير التكوين والتدريب والخبرات اللازمة للنخب السياسية التونسية قليلة التجربة في هذا المجال. والأمثلة كثيرة على ذلك، ومن أهمها نشاطات مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وبرنامج الأمم المتحدة37. ومن ذلك، أيضًا، المركز الدولي للعدالة الانتقالية38.

  1. من الممكن الاطلاع على جميع تسجيلات الجلسات العلنية في موقع الهيئة: https://bit.ly/2W7tPQN
  2. هيئة الحقيقة والكرامة، «التقرير الختامي الشامل»، كانون الأول/ ديسمبر 2018، في: « ‘ الصباح نيوز’ تنشر التقرير الختامي الشامل لهيئة الحقيقة والكرامة»، الصباح نيوز، 2019/3/26، ص 87، شوهد في 2019/8/20، في: https://bit.ly/2HfacBi
  3. ومن ذلك «ومضة تحسيسية حول قرب انتهاء آجال جلسات الاستماع السرية»، «الومضة التحسيسية حول التحكيم والمصالحة»، «الومضة التحسيسية حول جبر الضرر»، ومضة «هيئة الحقيقة والكرامة: من نحن؟»، ومضة «آخر أجل لإيداع ملفاتكم: 15 جوان 2016»، ينظر: «ومضات تحسيسية» هيئة الحقيقة والكرامة، في: https://bit.ly/2O79GHC
  4. ولنا أن نحيل هنا على التحليل الذي قدمه إسماعيل ناشف في مقال له بعنوان «نحو قراءة مادية للسجن السياسي في فلسطين» حول دور المنظمات الدولية الحقوقية في إنتاج ما يسميه «الإنسان المجرد» من خلالها دورها في «المحافظة على إعادة إنتاج نقطة توازن ما للنظام الاستعماري» أو في الحالة التونسية للنظام، ينظر: Esmail Nashif, «Towards a Materialist Reading of Political Imprisonment in Palestine,» in: Abeer Baker & Anat Matar (eds.), Threat: Palestinian Prisoners in Israeli Jails (London: Pluto Press, 2011), pp. 25–36.
  5. «التصدي للماضي: الهيئة التونسية للحقيقة والكرامة»، الأمم المتحدة، حقوق الإنسان، مكتب المفوض السامي، 2014/6/9، شوهد في 2019/8/20، في: https://bit.ly/2zdzZoM
  6. المركز الدولي للعدالة الانتقالية، تقرير برنامج المركز الدولي للعدالة الانتقالية – تونس »، 2014/6/4، شوهد في 2019/8/20، في: https://bit.ly/32035ET المصدر: من إعداد الباحثة. 2019/3/17، في: https://bit.ly/2O9EmrP 2013/5/21، شوهد في 2019/3/17، في: 26 e 19 Y /2 ly. bit:// https

والاستثمار العالي والمرتفع جدًّا الذي عرفته تونس في المجتمع المدني ما بعد 2011.

مباشرة بتفكيك الآخر.

ثالثًا: صناعة الزمان

خطاطته الزمنية وفق ثنائية مركزية هي ثنائية ما قبل الثورة وما بعدها.

بالشكل.

زمان 1: ما قبل الثورة زمان جسد الجلاد زمان الانتهاكات زمان تهميش مناطق معينة في تونس كان لهذه المؤسسات المختلفة دور مركزي، بل تأسيسي، في عملية إنشاء خطاب العدالة الانتقالية في تونس وتركيزه باعتباره الخطوة البديهية الموالية. وقد كانت هذه المساهمات إما على المستوى الفكري من خلال الدورات والورشات والخبرات والتكوين، وإما على المستوى المادّي من خلال التمويل

وبناء عليه، فإن الشرعية التي تحلّت بها مؤسسات العدالة الانتقالية هي في علاقة غير قابلة للانفصال مع خطاب العدالة الانتقالية نفسه أو هي جزء لا يتجزأ منه. ومن ثم، فإن تفكيك أحدهما يجب أن يمرّ

يعرف القانون الفترة الزمنية التي هي مرجع نظر هيئة الحقيقة والكرامة من الأول من تموز/ يوليو 1955 إلى 31 كانون الأول/ ديسمبر 2013؛ إذ يسند إلى الهيئة مهمة الكشف عن حقيقة الانتهاكات الحاصلة خلال هذه الفترة، و«فهم ومعالجة ماضي تلك الانتهاكات بما فيها الاعتداءات المفضية إلى سقوط شهداء الثورة أو إصابة جرحاها»39. ولا ينطق زمان القانون المشار إليه بأي امتداد للانتهاكات ما بعد 2014، بل إن الجزء الأخير من الفصل يتوقف عند لحظة الثورة. ويعرف بذلك خطاب العدالة الانتقالية

تقوم المداخلة الزمنية لخطاب العدالة الانتقالية على مجموعة من التصنيفات التي لنا أن نعبر عنها

شكل يوضح المداخلة الزمنية لخطاب العدالة الانتقالية زمان 2: بعد الثورة لحظة عبور: الثورة زمان جسد الضحية زمان العدالة الانتقالية زمان العدالة بين الجهات

وتُطرح هذه الزمنية المخصوصة لخطاب العدالة الانتقالية، باعتبارها زمنية واقعةً؛ أي إنها ليست نتيجة عملية صناعة/ إنتاج فكرية بالأساس. ولكن تتبع النقاشات حول قانون العدالة الانتقالية يبين أن الأمر عكس ذلك تمامًا40. يتم تقسيم الزمان وفق خطاب العدالة الانتقالية على ثلاث لحظات مركزية.

  1. «هيئة الحقيقة والكرامة، قرار عدد 1 لسنة 2014 مؤرخ في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 2014 يتعلق بضبط النظام الداخلي لهيئة الحقيقة والكرامة»، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، العدد 95، 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، ص 3406، شوهد في
  2. ينظر: «تونس: قانون العدالة الانتقالية على مائدة النقاش بين لجنة التشريع العام ولجنة الحقوق والحريات»، باب نت تونس،

اللحظة الأولى وهي لحظة الما قبل (ما قبل الثورة) وهي لحظة تتميز بالبطش الكلي لجسد الجلاد ونفيه لبقية الأجساد. أما اللحظة الأخيرة فهي لحظة الما بعد، وهي لحظة الانعتاق الكلي من براثن جسد الجلاد، هي لحظة انتصار جسد الضحية. أما اللحظة البينية فهي لحظة متناهية في التحديد، وهي لحظة الصراع المباشر المكشوف بين الجسدين المركزيين، أي لحظة عبور من الزمان 1 إلى الزمان 2. ولا نجد استثناء لذلك، إلا في جلسة الاستماع العلنية التي نظمتها هيئة الحقيقة والكرامة في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017 حول أحداث الرش بسليانة41 التي حصلت في ظل حكومة حمادي الجبالي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 إذ كان علي العريض وزيرًا للداخلية. وهكذا لا يطرح القطبان الزمنيان باعتبارهما مختلفين فقط، ولكن باعتبارهما متعارضين تعارضًا كليًّا حيث ينفي أحدهما الآخر. فلا يمكن بذلك أن يستمر الزمان الأول في الزمان الثاني، ولا أن يتراجع الزمان الثاني إلى الزمان الأول. هي الخطّية في أقصى صورها التي يتم من خلالها التأسيس لشرعية الزمان الثاني باعتباره يمثل قطيعة كلية مع الزمان الأول. أما عن لحظة العبور، أو ما أسمته هالاس باللحظة العظيمة Moment Great The42، فهي لا تحضر إلا باعتبارها كذا، أي إن وجودها يُفسَّر بفعل العبور ذاته لا غير. وهو ما يتم تثبيته وتكثيفه من خلال خطاب الانتقال الديمقراطي الذي لا تحضر فيه مرحلة الثورة، إن وجدت، إلا بدورها التوسُّطي بين مرحلتين مختلفتين. وباعتبار لحظة العبور، أي لحظة الثورة، لحظة فارقة43، يكثّف الطقسُ الدائر حولها طابعَها الأسطوري؛ إذ تتحول إلى فضاء لإضفاء المعنى على اللحظتين السابقة واللاحقة، من خلال فعل السردية الذي يربط الأزمنة ربطًا سببيًا عقلانيًا.

رابعًا: صناعة المكان

احتوى تعريف الضحية، كما أورده قانون العدالة الانتقالية، إحالة على المناطق الضحايا؛ أي إن الضحية كذلك هي «كل منطقة تعرضت للتهميش أو الإقصاء الممنهج»44. ومن نافل القول إن المقصود بذلك المناطق التي اقتادت المسار الثوري في تونس، أي ما سمي في الخطاب العام «المناطق المهمشة»، وقد أشار التقرير النهائي لهيئة الحقيقة والكرامة إلى هذه المناطق ب «المنطقة الضحية». أو ما سماها نظام بن علي «مناطق الظل»، وهي الداخل التونسي عمومًا. وتتميز هذه المناطق بحجم الحرمان والتهميش والتفقير الذي تعرضت له بنيويًا من جانب النظام، وهو ما ساهم في أن تكون من أكثر المناطق شراسة في محاربة هذا النظام نفسه.

  1. «جلسة استماع علنية لشهادات ضحايا ما يعرف ب ‘أحداث الرش’ في سليانة التونسية»، قناة الجزيرة مباشر، 2017/11/25، شوهد في 2019/8/20، في: https://bit.ly/2KLYHUa
  2. Hałas, p. 112.
  3. Ibid.
  4. «القوانين، قانون أساسي عدد 53 لسنة 2013 مؤرخ في 24 كانون الأول/ ديسمبر 2013 يتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها»، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، العدد 105، 31 كانون الأول/ ديسمبر 2013، ص 4336، شوهد في 2019/3/17، في: https://bit.ly/2TFp1oV

وقد ورد في الدستور التونسي الإحالة على مبدأ المساواة بين الجهات ثلاث مرات في سياقين أولين يتعلقان بضمان الدولة هذا المبدأ، وسياق ثالث يعرف بمهمات المجلس الأعلى للجماعات المحلية، تلك السياقات هي: • التوطئة: «وتأسيسًا لنظام جمهوري ديمقراطي تشاركي [...]، تضمن فيه الدولة علوية القانون واحترام الحريات وحقوق الإنسان واستقلالية القضاء والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين والمواطنات، والعدل بين الجهات»45. • الفصل 12: «تسعى الدولة إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، والتنمية المستدامة، والتوازن بين الجهات، استنادًا إلى مؤشرات التنمية، واعتمادًا على مبدأ التمييز الإيجابي»46. • الفصل 141: «المجلس الأعلى للجماعات المحلية هيكل تمثيلي لمجالس الجماعات المحلية، مقره خارج العاصمة. ينظر المجلس الأعلى للجماعات المحلية في المسائل المتعلقة بالتنمية والتوازن بين الجهات»47. يرى الدستور أن زمنية ما بعد الثورة، وتلبية مطالب الثوار، ستعملان على إعادة توزيع التنمية بين الجهات، مع التركيز على التمييز الإيجابي للجهات المهمشة سابقًا. وبذلك تأتي مساهمة العدالة الانتقالية لتؤسس هذه المناطق، باعتبارها مناطق التنمية المستقبلية، أو ما أسماه القانون «جبر الضرر ورد الاعتبار»، واستثمار الدولة في المساواة بين الجهات. في الحصيلة، استثمر خطاب العدالة الانتقالية، بالتوازي مع خطاب الانتقال الديمقراطي، مقولات المساواة، في البحث عن جغرافيا سياسية واقتصادية جديدة. وقد حاول الخطابان معًا إدماج جغرافيا الثورة في جغرافيا العدالة الانتقالية. فلقد بدأ المسار الثوري، كما هو معلوم، في المناطق الداخلية المهمشة في تونس، وهي في الأساس، سيدي بوزيد، والقصرين، وقفصة. وبعدها تتالت المناطق الأخرى في اندماجها مع الحراك. ولكن بقيت هذه المناطق، بسبب حجم التحركات التي عرفتها وحجم العنف الذي مُورس عليها، أيقونة الثورة أو الرمز الجغرافي الأول للحراك الثوري. وقد حاول خطاب العدالة الانتقالية أن يُدرِج هذه الجغرافيا السّياسية الجديدة التي أنتجتها لحظة العبور، في داخل خريطة تونس السياسية والاقتصادية الجديدة/ المتخيلة. فتم التركيز على الجانب الوطني لهذه المناطق ونوعية السّردية الوطنية التونسية التي حملها الحراك الثوري فيها، ومحاولة التخفيف من وطأة أي سردية أخرى، قبَلية أو عروشية أو مناطقية، كان لها دور في إشعال الحراك أو استمراره. وبذلك يعاد دمج هذه الجغرافيات، التي كانت على هامش تعريف الوطن، إلى صلبه. ولكن يبقى هذا الفعل على مستوى الخطاب لا غير، كما سنرى في الجزء المخصص لانزياحات خطاب العدالة الانتقالية.

  1. دستور الجمهورية التونسية، ص.3
  2. المرجع نفسه، ص.6
  3. المرجع نفسه، ص.41

طُرحت كذلك أماكن أخرى، كان يُنظر إليها باعتبارها أماكن نفوذ النظام/ الدولة، من حيث هي مساحات جديدة مفتوحة للعدالة الانتقالية. ومن ذلك اختيار مكان تنظيم الشهادات العلنية لهيئة الحقيقة والكرامة والتي نُظمت في نادي عليسة بمنطقة سيدي بوسعيد بالعاصمة، وهو مكان ذو قيمة رمزية؛ إذ كان ملك زوجة الرئيس المخلوع ليلى بن علي. وركزت سهام بن سدرين، رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة، على جزئية الفضاء والدور الذي يؤديه في خطاب العدالة الانتقالية؛ إذ بينت، أثناء ندوة صحفية عُقدت بمقر هيئة الحقيقة والكرامة، نادي عليسة، وعيها بتاريخية هذا المكان نفسه باعتبار أنه كان الفضاء الذي تقيم فيه ليلى بن علي زوجة الرئيس الأسبق وصديقاتها حفلاتهن الخاصة. كما أحالت بن سدرين على أهمية اختيار هذا الفضاء بعينه محيلة على أن «اختياره يندرج في إطار محاكاة التجربة الألمانية التي قامت بمحاكمة النازيين في مقراتهم»48، على الرغم من أن طقسيّة خطاب العدالة الانتقالية في تونس لم تسمح بالمحاكمة لهؤلاء بل اكتفت بالشّهادة.

خامسًا: صناعة الجسد

1. الجسد الضحية

الضحية هو «كل من لحقه ضرر جراء تعرضه لانتهاك [...] سواء كان فردًا أو جماعة أو شخصًا معنويًا. وتعد ضحية أفراد الأسرة الذين لحقهم ضرر لقرابتهم بالضحية، على معنى قواعد القانون العام، وكل شخص حصل له ضرر أثناء تدخله لمساعدة الضحية أو لمنع تعرضه للانتهاك. ويشمل هذا التعريف كل منطقة تعرضت للتهميش أو الإقصاء الممنهج»49. وبذلك تم بناء صنف الضحية بما هو مفهوم انتشاري ومميّع بحيث يضم أكبر عدد ممكن من الأفراد والجماعات من دون أن يحيل على شيء مخصوص في الوقت نفسه. كما أن جسد الضحية، كما يبدو ضمن هذا التعريف، يتضمن جسد الشاهد كذلك والذي سيتم تحليله لاحقًا. ومن أهم سمات الضحية إسناد شحنة طقوسية عالية لتأسيسه ضحية معلنة أو معلومة. فمن خلال طقوس الشهادات العلنية، تمر الضحية من موقعها اللامرئي المختفي إلى موقع الضحية المعترف بها أو الضحية المعلنة. وعلى هذا الأساس، تم تحديد الشهادات العلنية باعتبارها سمة لفئة مخصوصة من الضحايا وليست سمة لجميعهم. ولا يكفي صفة الضحية للمرور إلى المرحلة التالية من طقوسية الضحية وهي الجلسات العلنية. ولكن يجب أن تتوافر فيه/ها، أي الضحية، العديد من الشروط التي من خلالها يتم ترقية الضحية من «ضحية جلسة سرية» إلى «ضحية جلسة علنية». فلا يكفي أن يكون ضحية بل يجب عليه أن يكون محققًا لشروط من أهمها50:

  1. «هيئة الحقيقة والكرامة: نادي ‘عليسة’ بسيدي بوسعيد يحتضن أولى جلسات الاستماع العلنية مساء الخميس المقبل»، باب نت تونس، 2016/11/14، شوهد في 2019/3/17، في: https://bit.ly/2JsuU4i
  2. المرجع نفسه.
  3. المرجع نفسه.

• «ختم البحث في ملف الضّحية المعنية»؛ أي أن تكون المؤسسة قد اعترفت بتصنيفه/ها بما هو ضحية. • «الوضوح والإقناع في رواية الضّحية»؛ فصنف الضحية ليس واقعة Fact بل هو تصنيف مرتبط بواقعية (أي السلامة المنطقية) السردية التي تُقدَّم. • «المصلحة الواضحة للحالة في كشف كيفية عمل منظومة الفساد والاستبداد»؛ أي إنه يجب أن تصنَّف سردية الضحية بما هي «سردية صالحة» لهدف ما. • تنوّع التّمثيلية (النّوع الاجتماعي، العامل الجغرافي، العامل التاريخي، الأحداث بحسب المراحل التّاريخيّة، الانتفاضات الشّعبية والاجتماعية، التنوع بحسب الانتهاكات... إلخ)، وهي مختلف الشروط الموضوعية الأخرى الخارجة عن الضحية والتي تدخل في سردية المؤسسة نفسها حول الضحايا. ذلك أنه يتم تشكيل سردية المؤسسة من خلال تركيب سرديات الأفراد والجماعات المشاركة عبر تقنية النقاط Ticking Boxes المستعملة في الخطاب الحقوقي عمومًا (الجندر، والإثنية، والفئة العمرية، وغيرها). ويبيّن خطاب العدالة الانتقالية الهدف المركزي من العملية التصنيفية، بما هو إعادة إدماج الضحايا في المجتمع؛ فالطقس ذو طبيعة إحيائية يتم من خلاله إعادة الكلّ إلى الجزء من خلال بناء جزئيته المخصوصة أو الاعتراف به بما هو كذا51.

2. الجسد الشاهد

يتميز جسد الشاهد بمجموعة من الصفات المؤسسة. فهو، أولً، شاهد غير مباشر على فعل انتفاء الجسد. فالشاهد يَعرف عن انتفاء الجسد سرديًا، عبر تشكيل مجموعة معلومات شفوية أو بصرية في شكل سردية. ولكن الشاهد لا يكون موجودًا لحظة نفي الجسد الأول. وهو ما نلاحظه مثلً في شهادات أمهات شهداء الثورة؛ حيث بينت كل واحدة منهن انعدام معرفتها الكلية بما حدث أثناء عملية نفي جسد ابنها، وانتقال المعرفة لها عبر الفيديو أو حكايات شاهدين آخرين. ولنا أن نحيل على كلامهن: – «وليدي أنا رؤوف الله يرحمو يسمع فيهم يضربو في واحد بالمتراك مشى هو يجري، حب يحز عليه قالو راك تقدم نضربك مشبر فيه مصورينو بالفيديو [...] كان الكرطوش يعيط والكلام الزايد والأولاد يراعولهم مصورينهم بالتاليفون [...] مصورينهم بالتاليفون»52.

  1. ومن ذلك ما يورده القانون في بيان أهداف مسار العدالة الانتقالية أو مسار المصالحة وهي «تعزيز الوحدة الوطنية وتحقيق العدالة والسلم الاجتماعية وبناء دولة القانون وإعادة ثقة المواطن في مؤسسات الدولة. المرجع نفسه.
  2. «ابني أنا رؤوف رحمه الله سمعهم وهم يضربون أحدهم بالعصي فذهب يجري، من أجل أن يدافع عنه. فقالوا له إن تقدمت سنضربك، ووجهوا المسدس له، هناك من صورهم بالفيديو [...] كانت أصوات الرصاص تتعالى والكلام البذيء. كانت بقية الشباب ينظرون إليه وصوروهم بالفيديو [...] صوروهم بهواتفهم». شهادة وريدة الكدوسي والدة رؤوف الكدوسي، في: «جلسة الاستماع العلنية الأولى»، هيئة الحقيقة والكرامة، /11/17 2016، شوهد في 2020/5/17، في: https://bit.ly/2WD6Wrm

– «جاب ربي فمّا شاهد عيان موجود في السطح مش يصور بالتاليفون يصور بالكاميرا الي بالزوم الي تقربلك وتبعدلك حتى من نومرو متاع الكرهبة جابهولنا بالتفصيل [...] الحاجة الي نسيتها أنا وقت الي هو جاء باش يضرب ولدي باش يقمر فيه فاق بالوليد الي في السطح. قام يصيح عليه ويقلو اهبط اهبط ويقول في الكلام الخايب. معناها صوت وصورة في الكاميرا. هبط الوليد طبس ترا فيها الكاميرا كتصور في السطح وهو وقتها ضرب وليدي [...] الوليد الي معاه شاهد عيان مضروب في ساقو هو يحكيلنا بالتفصيل في الكلام هذايا. يعيطولو وثابتة عليه التهمة بتصاور وفيديو»53. – «نهار 8 جانفي خرج مع الأولاد ضربوه جوني الأولاد قالوا ليا راو صلاح تضرب قلتليهم قول مات قالوا لا راو ما ماتش [...] ونا جوني الأولاد قالولي مشيت ما خلونيش نتعدوا على الطريق الرئيسي»54. من الخاصيات الأخرى المؤسسة لجسد الشاهد هي فعل التذكر، المضاد للنسيان في هذه الحالة، باعتباره الفعل المؤسّس لشرعية وجود الشاهد. وتعلن ذلك أمهات الشهداء في شهاداتهن فيقلن: – «المهم نحنا ولدنا مات. ماناش ناسينو وماناش مسلمين في حقو وفي ثارو الا إذا تحققت أهداف الثورة الي مات عليها ولدي العدالة والكرامة والحرية. إذا هاذوما وصلناهم ساعتها نا قلبي يبرد على ولدي»55. – «أحنا ما نسيناش راهو، ما نسيناش وصحاب حق في البلاد هذي. ولدي كي مات، مات على تونس وعلى درابو تونس. وقت الي مات الدرابو في يدو يعمل بيه هكا لليوم موش مسلمة ليوم وغدوة وألف سنة أخرى كان قعدت حية وإذا مت نخلي الي بعدي يخولي حق ولدي باش بالقانون»56. فالشاهد أولً يتذكر، وثانيًا يُحوّل الذكرى إلى كلام. فهو جسد متكلم بالأساس على عكس جسد الضحية الذي بانتفائه البيولوجي تم نفي قدرته على الكلام.

  1. «الحمد لله أنه كان هناك شاهد عيان على السطح يصور لا بالهاتف، بل باستعمال آلة تصوير تستطيع أن تكبر الصورة وتقربها وتبعدها حتى ترى رقم لوحة السيارة بالتفاصيل [...] لقد نسيت كذلك أن أخبركم أنه عندما عزم أن يضرب ابني انتبه إلى الشاب الذي يصور على السطح. فبدأ يصرخ عليه ويقول له انزل انزل وكال له الشتائم. هناك صوت وصورة في تسجيل الكاميرا. نزل الشاب من السطح وكأنه انحنى، وترى عندها في تسجيل الكاميرا كيف أطلق الرصاص على ابني [...] الشاب الذي كان مع ابني شاهد عيان، هو نفسه مصاب في ساقه. لقد حكى لنا هذا الكلام بالتفاصيل. فلتجلبوه للشهادة. فالتهمة ثابته بالصور والفيديو». شهادة فاطمة الهمامي والدة أنيس الفرحاني، في: «جلسة الاستماع العلنية الأولى»، هيئة الحقيقة والكرامة، 2016/11/17، شوهد في 2020/5/17، في: https://bit.ly/2WD6Wrm
  2. «يوم 8 يناير خرج ابني مع أصدقائه. رجع الشباب وأخبروني أنهم رأوا صلاح مصابًا. قلت لهم: هل مات. فقالوا: لا لم يمت [...] وقد أتاني الشباب بالخبر فذهبت لأرى ابني ولم أستطع أن أمر من الطريق الرئيسي المغلق». شهادة ربح الدشراوي والدة صلاح الدشراوي، في: «جلسة الاستماع العلنية الأولى»، هيئة الحقيقة والكرامة، 2016/11/17، شوهد في 2020/5/17، في: https://bit.ly/2WD6Wrm
  3. «المهم مات ابننا. ولن ننساه ولن نتنازل عن حقه وثأره، إلا إذا تحققت أهداف الثورة التي مات من أجلها وهي: العدالة والكرامة والحرية. إذا وصلنا إلى هاته الأهداف، أشعر بالسلام حول رحيل ابني». شهادة وريدة الكدوسي والدة رؤوف الكدوسي.
  4. «نحن لم ننسه، ولن ننسى. نحن أصحاب حق في هذه البلاد. ابني مات من أجل تونس ومن أجل علم تونس. مات وعلم تونس في يده يرفرف. إلى اليوم لم أتنازل ولن أتنازل ولو لألف سنة، لو بقيت على قيد الحياة، وإذا مت سأترك بعدي من يسترجع حقي وحق ابني بالقانون». شهادة فاطمة الهمامي والدة أنيس الفرحاني.

نلاحظ بذلك أن الشاهد هو علاقة بينيّة، بين جسد انتفى ومجموعة من الأجساد المختصة المحتاجة إلى جسد حي للاشتغال عليه. وهكذا، فإن جسد الشاهد يتسم بداية بصفة الحياة، باعتبارها فعلً تأسيسيًا في التصنيف، المناقضة لصفة انتفاء جسد آخر. فالجسد الشّاهد أولً حيٌّ، وثانيًا متكلم، وثالثًا له علاقة ما ماضية أو متخيَّلة مع جسد منتفٍ. وبهذا المعنى فإن جسد الشاهد هو تعويض، نفي جديد، للجسد الأصلي أو ما يمكن تسميته بالقربان. فالجسد الأصلي المنتفي إنما هو قربان صعود جسد الشاهد إلى مرتبة الشاهد. وتتأسس بذلك علاقة مخصوصة بين فعل التضحية وبين الشهادة (من الشاهد) باعتبارها جزءًا من طقس عبور العدالة الانتقالية.

3. جسد الجلاد

إن متابعة الشهادات العلنية لهيئة الحقيقة والكرامة تبين أن الجلاد لا يحضر إلا بوصفه «جلادًا» في العموم. فباستثناء بن علي وبورقيبة، يعبر الشهود في العموم عن إحجامهم عن ذكر أسماء المشرفين على تعذيبهم أو المسؤولين عن الانتهاكات التي حصلت لهم. وتعلن نجوى الرزقي عن ذلك في شهادتها إذ تقول: «هذاكا علاش انا كان لاحظتو ما ذكرت حتى اسم من الأسامي متاع الجلادين متاعي لأني فقط نفكر في أولادهم. كيما أنا عندي وليدات ونحكيلهم حكايات مزيانين على بلادهم نحكيلهم حكايات مزيانين على المناضلين نحكيلهم حكايات مزيانين وباهيين على الناس هذوما الي وقفو لبن علي وقفو في وقت بورقيبة وماسلموش. يلزم نهار من النهارات البوليسية يوصلو الي عذبوني والي ما عذبونيش والي عذبو ناس اخرين يحكو هوما زادة حكايات مزيانة لأولادهم»57. ولكن رغم هذه القاعدة العامة نجد استثناءات لتعريف الجلاد اسمًا علمًا. ومن ذلك ما ورد في شهادة ربح الدشراوي والدة صلاح الدشراوي حيث ذكرت «نحنا أولادنا مشت ضحية وحقهم مشى والحكم مشوا حكم والي قتل ولدي نا والبوزيدي نعرفوه كيفك انت كي هكا وشاهدين عليه قتلهم وسام الورتاني جايبين معلومات وشهود. والأولاد الي شهدوا الزوز حتى بن جدو حاضر ليهم. هذايا راو صلاح قتلو وسام الورتاني وقتل ولد البوزيدي. ياخي احد يقتل زوز من الناس يحكموا عليه ب 3 سنين هذا حكم هذا بجاه ربي قولي ليا»58. وما نعلمه من سمات جسد الجلاد أنه الجسد المشرف على عمليات التعذيب والقتل والانتهاكات لجميع أجساد الضحايا والشهود. كما أنه الجسد الذي بانتفاء جسد الضحية يتصدر تصنيفيًا باعتباره

  1. «لهذا السبب، لو لاحظتم، أنا لم أذكر أي اسم من أسماء جلادي، لأنني أفكر في أولادهم. مثلما أنا لدي أطفال، أحكي لهم قصصًا جميلة حول بلادهم، وحول المناضلين، الذين ناضلوا ضد بن علي وضد بورقيبة ولم يستسلموا، يجب أن يأتي يوم يقدر فيه البوليس الذي عذبني والذي لم يعذبني أن يخبر أولاده حكايات جميلة»، شهادة نجوى الرزقي، في: «جلسة الاستماع العلنية الثالثة»، هيئة الحقيقة والكرامة، 2016/12/16، شوهد في 2019/8/20، في: https://bit.ly/31Pibg1
  2. «أولادنا ذهبوا ضحية وحقهم ذهب سدى. فالحكم الذي حكمت به المحكمة لا يفي بالغرض. فقاتل ابني والبوزيدي أعرفه، كما أعرفك أنت. وقد شهد الشهود بأن وسام الورتاني هو من قتلهم ولدينا معلومات وشهود. والشباب الذين شهدوا استمع لهم بن جدو (وزير الداخلية). ابني صلاح قتله وسام الورتاني وقتل ابن البوزيدي. هل يحكم على قاتل شخصين بثلاث سنوات سجن فقط؟ هل هذا حكم؟ قولي لي بحق الله؟» شهادة ربح الدشراوي والدة صلاح الدشراوي، «جلسة الاستماع العلنية»، هيئة الحقيقة والكرامة، 2016/11/17، شوهد في 2019/8/21، في: https://bit.ly/31VJ6XU

جسدًا جلادًا. أي إن شرط وجوده بالأساس دوره في انتفاء أو انتهاك جسد الضحية. كما يحضر الجلاد باعتباره الجسد الحاكم في تونس منذ الاستقلال إلى اليوم. أي الجسد القائم على عمليات التصنيف منذ 1956 إلى 2011، أي إنه جسد مؤسسي كذلك لا فقط جسد فردي قابل للتعريف علمًا. فقد عُرف جسد الجلاد في التقرير النهائي للجنة الوطنية لاستقصاء الحقائق في التجاوزات والانتهاكات المسجلة خلال الفترة من 17 كانون الأول/ ديسمبر إلى حين زواله، باعتباره القائم على الانتهاكات من عنف وقتل خلال فترة الثورة، وبالتحديد إلى الأجهزة الأمنية التونسية في ظل نظام بن علي. ولكن يبقى هذا التعريف جزئيًا ومحدودًا زمنيًا بفترة عمل هذه اللجنة ذاتها. أما التقرير النهائي لهيئة الحقيقة والكرامة فيحمل «المسؤولية المؤسساتية» للانتهاكات إلى «الجهات الراجعة بالنظر لوزارة الداخلية والقياديين القائمين عليها بعدم احترام الواجبات المحمولة عليهم عن جهل أو قصد [...] وقد ثبت تورط الجهات القضائية في التستر على الانتهاكات [...] كذلك فقد ثبت تورط بعض الأطباء خصوصًا من المنتمين لسلك الأطباء الشرعيين»59. ورغم هذه التعريفات، فشل خطاب العدالة الانتقالية في تحديد جسد الجلاد تحديدًا دقيقًا كما في عملية محاسبته بحسب ما تقتضيه النصوص القانونية. فبقي هذا الجسد الأكثر عمومية والأكثر عرضة للانزياح في تصنيفات الأجساد في خطاب العدالة الانتقالية؛ إذ لا يحضر إلا بالغيب، أي إنه غير مُعرَّف لا علَمًا ولا صفة ولا تسمية. بل هو كتلة جسدية موجودة ولكن مُعوَّمة. وقد ساهم هذا التعويم في تعريف جسد الجلاد في قدرته على التلبس لبوسات مختلفة وعلى إحداث انزياحات مهمة في تصنيفه، فهو لا يحضر في النصوص أو الخطاب إلا بوصفه جلادًا فقط.

سادسًا: صناعة الذاكرة: الذاكرة المؤسسية

يحضر مفهوم الذاكرة الوطنية باعتبارها مهمة من المهمات المركزية لهيئة الحقيقة والكرامة. كما تحضر باعتبارها حقًا لجميع أجيال التونسيين والتونسيات، وواجبًا «تتحمله الدولة وكل المؤسسات التابعة لها أو تحت إشرافها لاستخلاص العبر وتخليد ذكرى الضحايا»60. وفي الحصيلة، فالذاكرة بحسب هذا التعريف هي مُنتَج من منتجات الدولة للاستهلاك المتواصل من طرف الشعب. وتُخصَّصُ الذاكرة في هذا السياق لتصبح ذاكرة الانتهاكات الوطنية أو ذاكرة العنف المُمَارس من طرف الدولة على الناس. فهي ذاكرة مؤسساتية صرفة؛ إذ تنطلق من الدولة إلى الدولة. كما نص القانون الضابط للنظام الداخلي لهيئة الحقيقة والكرامة على تأسيس «لجنة حفظ الذاكرة الوطنية» والتي تقوم على «حفظ الذاكرة الوطنية في كل ما يتعلق بالانتهاكات المنصوص عليها»61. وتقوم عملية الحفظ هذه، في الأساس، على مجموعة من عمليات الجمع والضبط والأرشفة. كما

  1. هيئة الحقيقة والكرامة، «التقرير الختامي الشامل»، ص.111–110
  2. عهدة هيئة الحقيقة والكرامة.
  3. «هيئة الحقيقة والكرامة، قرار عدد 1 لسنة.»2014

نص الفصل 68 من القانون الأساسي للعدالة الانتقالية على إمكانية إحداث مؤسسة مختصة في حفظ الذاكرة الوطنية. ولكن رغم ذلك لم يتم تطبيق هذا الفصل بحسب ما ورد في التقرير النهائي لهيئة الحقيقة والكرامة، إذ «امتنعت السلطة التشريعية عن إحداث مؤسسة مختصة في حفظ الذاكرة الوطنية»62. تتميز الذاكرة المؤسسية بمجموعة من الخصائص لعل من أهمها قابليتها للتكميم Quantifiable؛ إذ طغى الرقم على خطاب العدالة الانتقالية، ويحضر الخطاب الرقمي التكميمي للذاكرة في الخطاب القانوني كذلك في تحديد مهمّات هيئة الحقيقة والكرامة63. فتؤسس قوانين العدالة الانتقالية لدور هيئة الحقيقة والكرامة بما هو مزيج من عمليات الحفظ والرقمنة بالاعتماد على مجموعة من التقنيات وعلى مجموعة من المختصين. ويفصّل القانون صيرورة تقنيات الحفظ/ الأرشفة. فيورد «الفصل 19: يقوم متلقيًا الإفادة بتوثيق كل ما ينشأ عن جلسة الاستماع من تسجيلات سمعية وبصرية وغيرها وحفظها بالاستعانة بإدارة المنظومات المعلوماتية [...] الفصل 20: تتولى كتابة قسم الاستماع السري مطابقة محتويات الظروف المحالة عليها مع المؤيدات المنصوص عليها في الإفادات ثم توجهها إلى مصلحة الرقمنة التي تقوم بتضمينها بالملفات الرقمية الأساسية، وتعيدها إليها لتتأكد مجددًا من محتويات الظروف، وتوجهها إلى إدارة الأرشيف لإضافتها إلى الملف الأساسي»64. تعتمد صيرورة العدالة الانتقالية على تقنيات مختلفة للتسجيل والرقمنة، من الممكن اعتبارها خطوة أولى نحو التصنيف. وينطلق هذا الهوس بفعل الحفظ (لا التذكر في هذه الحالة على الأقل) من صلب خطاب العدالة الانتقالية الذي يقيم علاقة ترابطية سببية بين الحفظ وعدم العَود. إذ تحيل أغلب النصوص القانونية والخطابات الصادرة عن الأجساد المختصة (المشرفة على مسار العدالة الانتقالية سياسيًا أو تقنيًا) بأن من أهدافها (أهداف الجلسات العلنية): «إطلاع الرأي العام على حجم الانتهاكات الواقعة وترسيخ حفظ الذاكرة الوطنية وعدم التكرار من خلال توثيق مختلف الانتهاكات والسياق التاريخي لها [...] توعية عموم التونسيين بخطورة هذه الانتهاكات لاستخلاص العبر وضمان عدم تكرارها»65. بناء عليه، فإن بنية الذاكرة المؤسسية، في الأساس، تعتمد على ربط سببي تخيُّلي بين الحفظ أو التخزين في الذاكرة، وعدم تكرر الانتهاكات مجددًا. هذا الربط السببي التخيلي يبدو الهدف المركزي الناظم لغائية طقس التذكر الجماعي، باعتباره ذاكرة مؤسسية تعتمد على الحفظ والرقمنة، وهي عددية في طبيعتها، خطابية في بنيتها، مختزلة لعلاقات قوى وصراعات داخلها، أحادية في منتجها النهائي.

  1. هيئة الحقيقة والكرامة، «التقرير الختامي الشامل»، ص.10
  2. المرجع نفسه.
  3. المرجع نفسه.
  4. «جلسات الاستماع العلنية»، هيئة الحقيقة والكرامة، شوهد في 2020/4/16، في: https://bit.ly/2Kcefzn

سابعًا: الأداء لا يكتمل أبدًا

1. انزياحات التصنيفات: محاولات تفكيك مصفوفة زمان/ مكان/ جسد/ ذاكرة

استطاع خطاب العدالة الانتقالية أن يؤسس للمصفوفة زمان/ مكان/ جسد/ ذاكرة تحولت إلى أداء يتعامل جميع الأطراف من داخله. فنجد كل جسد واعيًا بتصنيفه وقائمًا على أداء هذا التصنيف كما يجب. فنجد سامي براهم، مثلً، يعلن ذلك خلال شهادته فيقول «أنا جيت هنا في نفس الوقت ضحية ونحاول بوعي الضحية وليس بوجدانها فقط. حاولت قبل الجلسة هذي باش نعمل عملية التفريغ ونبكي ونتأثر لأني ما نحبش نضعف قدام عايلتي وقدام صحابي قدام إخوتي المهم»66. فهو واعٍ ومتعامل بصورة مخصوصة مع كل من الأداء الفكري والشعوري لصنف الضحية. ولكن تلبس المصنَّف لأداء تصنيفه، لا ينفي، كما رأينا في تعريف الأداء، قابلية الأداء للتحوير أو التطور من خلال انزياحات مختلفة تتعلق بداية بطبيعة الأداء نفسه كما بدور الفاعلين فيه عبر محاولات كسره. فقد شهدت صيرورة العدالة الانتقالية العديد من التراجعات التصنيفية والخروج عنها باعتبارها فعلً تأسيسيًا. ولعل النموذج الأكثر وضوحًا هو سحب العديد من «الضحايا» و«الشهود» ملفاتهم من هيئة الحقيقة والكرامة، بعد أن اقتنعوا بعدم جدواها في تحقيق أهداف استرجاع كرامتهم، وخصوصًا محاسبة القائمين على الانتهاكات.

2. الخطاب يعيد ترتيب نفسه

احتاجت مصفوفة العدالة الانتقالية إلى أصناف جديدة خلال تطورها وتراجعاتها المختلفة؛ فمن خلال هذه الأصناف، تتم إعادة موازنة الخطاب نفسه وطرحه باعتباره خطابًا واحدًا وغير متغير وبالخصوص عقلاني. ومن أهم هذه التصنيفات صنف جسد المجرم. وهي السمة التي أسندت لكل من قام بفعل ينتمي إلى لحظة العبور في لحظة «الما بعد». وهذا يعني أن مختلف الناشطين الذين قاموا بحرق مركز أو الاعتداء على عون أمن أو القيام بحراك احتجاجي في الشارع أو داخل المؤسسات ما بعد الثورة، تم إيقافهم وتوجيه تهم إليهم وتصنيفهم باعتبارهم أجسادًا مجرمة. وهكذا يتعارض صنف المجرم باعتباره قائمًا بفعل في زمان/ مكان خاطئ مع أصناف الأجساد القائمة بالفعل نفسه في الزمان/ المكان الصحيح. وهو ما نستشفه من قانون العفو التشريعي العام67 والذي برّأ القائمين على الأفعال نفسها في زمان «الما قبل». ومن ثم فإن خطاب «العفو»، وهو جزء تكميلي لخطاب العدالة الانتقالية، يمس أجسادًا معينة قائمة بأفعال معينة، والأهم هو في زمان معين تم الاتفاق مسبقًا على شرعيتها فيه. ويمكن التعبير عن ذلك رياضيًا، ب:

  1. شهادة سامي براهم، في: «جلسة الاستماع الأولى»، هيئة الحقيقة والكرامة، 2016/11/17، شوهد في 2019/8/20، في: https://bit.ly/2Z1B82l
  2. «قانون أساسي عدد 17 لسنة 2014 مؤرخ في 12 جوان 2014، يتعلق بأحكام متصلة بالعدالة الانتقالية وبقضايا مرتبطة بالفترة الممتدة بين 17 ديسمبر 2010 و 28 فيفري 2011 »، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، العدد  48، 17 حزيران/ يونيو 2014، ص 1619، شوهد في 2020/6/9، في: https://bit.ly/2Yhs1Yb؛ ينظر: «مراسيم، مرسوم عدد 1 لسنة 2011 مؤرخ في 19 فيفري 2011 يتعلق بالعفو العام»، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، العدد  12، 22 شباط/ فبراير 2011، ص 183، شوهد في 2019/3/17، في: https://bit.ly/2FhqV6h

جسد أ + فعل أ + زمان 1= معفو عنه/ ضحية جسد أ + فعل أ + زمان 2= مجرم/ مسجون مع العلم أن (زمان 1 = – زمان 2) فالمتغير الوحيد هنا هو صنف الزمان، والذي من خلاله يتم إلحاق الأجساد بصنف دون آخر على أساس تناقض ما مزعوم بين زمان 1 وزمان 2. فقد تتالت، في إطار خطاب العدالة الانتقالية، القضايا ضد شباب تونسي في الأساس في قضايا حرق مراكز فضلً عن بقية التهم الأخرى كقطع الطريق والتشهير والقذف العلني وتعطيل حرية السير68. كما «بدأت استدعاءات التحقيق والمحاكمات تصل إلى عدد كبير من شباب تونس [...] وتهمتهم الرئيسية ‘إضرام النار بمركز الشرطة»’69. إضافة إلى العدد الكبير من الشباب الذي وُجهت إليه تهم، على إثر حركات احتجاجية أو تهم رأي عام متعلقة بمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي أو غيرها من المنصات منذ 2011 إلى اليوم. ولنا أن نطلع على قائمة المتهمين بهذه القضايا70، مثلً، لنتبين أنها الأجساد نفسها التي تم تصنيفها في البداية بما هي ضحايا، هي أجساد القائمين بالأفعال نفسها في لحظة العبور. كما أن أفعالهم هي الأدوات نفسها التي تم توصيفها بأنها أفعال ثورية في كل النصوص والخطابات المؤسّسة لخطاب العدالة الانتقالية. ولكن الأفعال نفسها يتغير توصيفها بمجرد خلق صنف زمني جديد اسمه «ما بعد الثورة» رغم أن هذا الصنف لا يحيل على أي واقع مخصوص. من جهة أخرى لو تثبتنا من مصفوفة المكان التي رسمها خطاب العدالة الانتقالية لوجدنا التقسيم الجغرافي نفسه لهذه الأفعال متسقًا مع التقسيم الجغرافي/ الصنفي لجهات تونس. – في زمان بن علي: مناطق الظل === يتم قمعها – زمان الثورة: مناطق الثورة === يتم قمعها – زمان العدالة الانتقالية: مناطق الفوضى === يتم قمعها نتبين بذلك أن خطاب العدالة الانتقالية ليس خطابًا جامدًا كما من الممكن أن نتوهم. فهو خطاب متأثر بعلاقات القوى السياسية داخل تونس ومتطور من حيث مرجعياته ومواقفه من التصنيفات نفسها. وبناء عليه، فالتصنيفات قابلة للتطور والتغير بحسب تطور نسق خطاب العدالة الانتقالية نفسه والحاجات الراهنة التي يراها مركزية. وهو ما يفسر كذلك بعض الإرباك الذي يعتمده خطاب العدالة الانتقالية في التصنيفات التي يجريها وبالخصوص المراوحات الخطابية بين أصناف: الضحية/ الشهيد والجريح والشاهد.

  1. مريم بريبري، «تونس: تجريم الحراك الاجتماعي واستهداف الشباب الثوري من خلال تهمة ‘حرق مركز’ شرطة»،، نواة 2014/6/3، شوهد في 2019/3/17، في: Z 90 FcT /2 ly. bit:// https
  2. المرجع نفسه.
  3. المرجع نفسه.

3. نموذج «حتى أنا حرقت مركز»

لعله من المهم أن نراجع واحدًا من الأمثلة على محاولات كسر تصنيفات خطاب العدالة الانتقالية، من مجموع أمثلة أخرى كثيرة71، لاحتجاجات، وتحركات، وأفعال، تحاول إعادة تركيب البنية الزمنية/ المكانية/ التصنيفية، وهو مثال حملة «حتى أنا حرقت مركز». وهي حملة احتجاجية في بداية 2014 كانت ردًا على اتهام عشرات من الشباب التونسيين بإحراق مركز «بعد الثورة» (بحسب التصنيف الزمني لصيرورة العدالة الانتقالية) أو الاعتداء على أعوان الأمن أو تعطيل حركة المرور، أو غيرها من القضايا التي عادة ما تُنسب إلى الناشطين جراء عمل احتجاجي ما. حاولت هذه الحملة إعادة تركيب الزمان الديمقراطي لبيان تفسخه أمام حقيقة القمع. ومن أهم التكتيكات الخطابية المستعملة التلاعب بتصنيفات الزمان والمكان والأجساد على غرار: «أنا حرقت مركز، وحرضت على حرق مراكز، وساهمت في الإشهار لأولى عمليات حرق المراكز، وما دام البوليس يحط روحو، مع القاضي والسراق، فوق من مرتبة المواطن، ما دام كل باش نشوف لحظة سياسية سانحة، انجمو نتواجهو فيها، نحرق مراكز ونساهم في حرق مراكز ونحرض على حرق مراكز »72. في محاولة لكسر تصنيفات الأجساد إلى أجساد ضحايا وأجساد مجرمة، تعلن الحملةُ الثورةَ على التصنيف وكسرها للتقسيم الزمني لخطاب العدالة الانتقالية وبذلك تعيد تشكيل فعل الثورة باعتباره، لا فعلً متناسقًا مع تقويم/ روزنامة الثورة الخطابية الذي وضعته العدالة الانتقالية، بل باعتباره ردّة فعل على الاضطهاد والتخويف والعنف والبولسة. كما حاول معجم هذه الحملة أن يفك الارتباط بالعلاقة التطابقية بين ارتكاب فعل الحرق/ أو العنف عمومًا وبين تصنيف «الجسد المجرم» الذي عُرض بما هو بديهي في إطار صيرورة العدالة الانتقالية. فأعادت الحملة تعريف الجريمة باعتبارها فعلً من طبيعة مغايرة. ومن ذلك توصيف التهم الموجهة إلى هؤلاء الشباب كالتالي: «كل التهم هي الشروع في تحرير الشعب»73، أو «بعض صور للمتهمين بالثورة »74. وبذلك يتم إلحاق فعل الحرق/ العنف بصنف الثورة لا بصنف الجريمة، ويتم إعادة تشكيل منظومة التصنيفات من موقع القائمين على الفعل الثوري نفسه. فيعرفونه، أولً، بأنه فعل مقاومة أو تحرر كما يبدو في الصيغة الخطابية الأولى، أو أنه نتاج للحقرة والسرقة والحبس والتعذيب، على غرار: «حرڨنا وناوين كان حيانا ربي نزيدو نحرڨو تحڨرونا نحرڨولكم المركز تسرڨونا نحرقولكم المقر تحبسونا نحرڨولكم الحبس

  1. حملة «مانيش مسامح»، حملة «فاش نستناو»، حملة «شكون قتل شكري»، حملة «موش على كيفك»، وغيرها.
  2. صفحة الفيسبوك لحملة «حتى أنا حرقت المركز»، شوهد في 2019/3/17، في: https://bit.ly/2Dw7GVO
  3. «القائمة ما زالت مفتوحة»، ضمن حملة «حتى أنا حرقت المركز»، شوهد في 2019/3/17، في: https://bit.ly/2RMMS5a
  4. «بعض صور للمتهمين بالثورة»، ضمن حملة «حتى أنا حرقت المركز»، شوهد في 2019/3/17، في: https://bit.ly/2MsfQ4q

تعذبونا نحرڨولكم المحكمة نحرڨوكم وما نحرڨوش رواحنا»75. وفي النهاية تقوم الحملة بالتعرية الكلية لتهافت خطاب العدالة الانتقالية أمام تصنيفات القائمين على الفعل الثوري وتعلن بصورة مباشرة أن «الثورة ليست جريمة»، ومن ثم فإن حدث الثورة، أو العبور، لم يُستكمل بعد، وأن الترتيب الزمني لخطاب العدالة الانتقالية ما هو إلا نفي لزمنية الثورة نفسها.

خاتمة

إن إعادة تركيب مداخلات العدالة الانتقالية في تونس، ولعلنا نستطيع أن نمدّ الحجة على مداخلات خطاب العدالة الانتقالية في عمومه، تبين قدرات الهيمنة التي لها في تصنيع مصفوفة زمان/ مكان/ جسد/ ذاكرة وفي إجراء تراتبية داخل منتجات المصفوفة نفسها. ورغم الفصل المنهجي الذي أجريناه في متن النص، فإن المصفوفة لا تعمل مفصولة، بل هي شبكة مترابطة من علاقات القوى متغيرة ومتطورة زمنيًا، يتم تقديم منتجها بما هو الشكل الطبيعي، البديهي الواحد الممكن. ويتم بذلك طرد ما لا يتوافق مع مداخلات المصفوفة خارج الطبيعي والبديهي والممكن. من جهة أخرى، تعتمد العدالة الانتقالية على تكثيف مسرحي لطقوس العبور أو ما يمكن تسميته «طقوس التذكر الجماعية». وهي طقوس تراوح بين فعل التنظيم المحكم من طرف القائمين على خطاب العدالة الانتقالية، وبين أداءات متنوعة يتم طرحها نهائيًا بما هي تنويعات على شكل واحد من الخطاب. في النهاية، يطرح خطاب العدالة الانتقالية نفسه باعتباره الحل الأكثر نجاعة لحل إشكاليات الشعوب ما بعد الثورات والأزمات المجتمعية الحادة. ورغم أننا لسنا من مناقشي مداخلة النجاعة، فإن هذا الادعاء يتطلب التوقف للنظر. وكما رأينا من خلال التحليل، فإن منطق النجاعة لا يعني غير محو آثار نفي سابق. أي إن خطاب العدالة الانتقالية لا يوفر غير غطاء أيديولوجي رقيق جدًا، يتم من خلاله التعمية على عمليات نفي أجساد وأزمنة وأمكنة وذاكرات متواصلة. وهو بذلك ليس حلً لأزمات اجتماعية، لكنه تفتيت لقدرة الجماعات على إحداث تصنيفاتها الخاصة من مواقعها المحددة وانتزاع لإمكانيات الفعل في الواقع باستعمال التصنيف نفسه.

References

المراجع

العربية

بغورة، الزواوي. مفهوم الخطاب في فلسفة ميشيل فوكو. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2000 دستور الجمهورية التونسية. تونس: مجمع الأطرش للكتاب المختص،.2017

  1. «حرڨنا وناوين كان حيانا ربي نزيدو نحرڨو»، ضمن حملة «حتى أنا حرقت المركز»، 2019/3/17، شوهد في 2019/3/17، في: https://bit.ly/2FHBxNr

الرديسي، حمادي وعفيفة المناعي. «العدالة الانتقالية في تونس: المسار المنقوص». مبادرة الإصلاح العربي. أوراق بحثية (آب/ أغسطس 2018:). في JjMnLW /2 ly. bit:// https

السنوسي، أحمد (محرر). في الانتقال الديمقراطي والإصلاح الدستوري في البلدان المغاربية: أعمال وحدة البحث في القانون الدستوري والجبائي المغاربي كلية الحقوق والعلوم السياسية بسوسة. تونس: مجمع الأطرش للكتاب المختص،.2015

العيادي، عبد العزيز. ميشال فوكو: المعرفة والسلطة. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع،.1994

المركز الدولي للعدالة الانتقالية. تقرير برنامج المركز الدولي للعدالة الانتقالية – تونس. 2014/6/4. في: ET /32035 ly. bit:// https

الأجنبية

Assman, Jan. «Collective Memory and Cultural Identity.» Jhon Czaplika (Trans.). New

Baker, Abeer & Anat Matar (eds.). Threat: Palestinian Prisoners in Israeli Jails.

Bar–Tal, Daniel (ed.). Intergroup Conflicts and Their Resolution: A Social Psychological

Bourdieu, Pierre. «Les rites comme actes d’institution.» Actes de la Recherche en

Butler, Judith. Gender Trouble: Feminism and the Subversion of Identity. New

Dijk, Teun A. Van (ed.). Discourse as Structure and Process. London: Sage Publication,

Eliade, Mircea. Rites and Symbols of Initiation: The Mysteries of Birth and Rebirth.

Gennep, Arnold Van. Les rites de passage: Étude systématique des rites. Québec: Les

Hałas, Elżbieta. «Issues of Social Memory and their Challenge in the Global Age.» Time

Schacter, Daniel. Searching for Memory: The Brain, The Mind, and The Past. New York:

Turner, Victor. The Forest of Symbols: Aspects of Ndembu Ritual. New York: Cornell

________. The Ritual Process: Structure and Anti–Structure. New York: Cornell

German Critiques. no. 65 (1995).

London: Pluto Press, 2011.

Perspective. New York: Tylor and Francis Group, 2011.

Sciences Sociales. vol. 43 (Juin 1982).

York/ London: Routledge, 1990.

Willard R. Trask (Trans.). New York: Harper & Row, 1975.

classiques des sciences sociales, 2014.

& Society. vol. 17, no. 1 (2008).

Basic Books, 1996

University Press, 1967.

University Press, 1991.