Return to Article Details Rationalism and the Political Imaginary in Modern Political Philosophy

العقلانية والمخيال السياسي في الفلسفة السياسية الحديثة

Rationalism and the Political Imaginary in Modern Political Philosophy

منوبي غبّاش *

Manoubi Ghabbach *

الملخّص

صيغت النظرية الفلسفية السياسية استنادًا إلى مبادئ عقلية، وراهنت على تحقيق نتائج عملية، أهمها تنظيم المجتمع وضمان سلامته انطلاقًا من حل إشكالية المشروعية السياسية. لا يعني ذلك أن الخيال استُبعد تمامًا باعتباره نقيضًا للعقل؛ إذ لم تخلُ النظريات السياسية لدى فلاسفة السياسة المحدثين من فرضيات خيالية. طُرح النموذج السياسي العقلاني، بعد صياغة النظرية السياسية وتحققها في الواقع، كما لو كان النموذج الأوحد. وقد تجلّى ذلك، من جهة، في هيمنة الأيديولوجيا في أشكالها المختلفة، ومن جهة أخرى، في احتقار اليوتوبيا وإخراجها من نطاق التفكير العقلاني الإيجابي. تهدف هذه المحاولة إلى التأكيد على أهمية المخيال السياسي، من خلال تبيين دور أشكال الخيال الاجتماعي وبخاصة الأيديولوجيا واليوتوبيا في تحديد النظرية وتوجيه الممارسة السياسية، وكذلك إلى التفطين إلى الحاجة الراهنة إليه.

Abstract

Abstract: Political–philosophical theory was formed on the basis of rational principles, and was set out to make practical achievements, the most important of which being organizing society and ensuring its safety, starting by addressing the issue of political legitimacy. That does not mean the imaginary was ruled out entirely as contrary to rationality; the political theory of modern political philosophers is by no means free of imaginaries and fictional suppositions. The rationalist political model was put forth after the formulation of political theory and its fulfillment in reality as if it were the sole model. On one hand, this is manifested in the dominance of ideology in its various forms; on the other, in a disdain for utopia and its exclusion from the scope of positivist rational thought. This paper aims to emphasize the importance of the political imaginary, by demonstrating the role of forms of the social imagination, especially ideology and utopia, in determining theory and directing political praxis, and to raise awareness of the present need for this imaginary.

الكلمات المفتاحية:
  • الفلسفة السياسية
  • المخيال
  • السلطة
  • الأيديولوجيا
  • اليوتوبيا
  • الدين
Keywords:
  • Political Philosophy
  • Imaginary
  • Power
  • Ideology
  • Religion

عملية، أهمها تنظيم المجتمع وضمان سلامته انطلاقًا من حل إشكالية المشروعية السياسية.

لا يعني ذلك أن الخيال استُبعد تمامًا باعتباره نقيضًا للعقل؛ إذ لم تخلُ النظريات السياسية لدى

فلاسفة السياسة المحدثين من فرضيات خيالية. طُرح النموذج السياسي العقلاني، بعد صياغة

النظرية السياسية وتحققها في الواقع، كما لو كان النموذج الأوحد. وقد تجلّى ذلك، من جهة،

في هيمنة الأيديولوجيا في أشكالها المختلفة، ومن جهة أخرى، في احتقار اليوتوبيا وإخراجها

من نطاق التفكير العقلاني الإيجابي. تهدف هذه المحاولة إلى التأكيد على أهمية المخيال

السياسي، من خلال تبيين دور أشكال الخيال الاجتماعي وبخاصة الأيديولوجيا واليوتوبيا في

تحديد النظرية وتوجيه الممارسة السياسية، وكذلك إلى التفطين إلى الحاجة الراهنة إليه.

مقدمة

تعتبر النظرية السياسية جزءًا أساسيًا من العقلانية الحديثة Rationalism Modern بحيث إن تحديد الواحدة منهما لا يكتمل إلا بتحديد الأخرى. إن تعريف النظرية السياسية الحديثة السائد هو أنها تصور للواقع يستند إلى مبادئ عقلية وقواعد عملية، ولا يعطي صور المخيلة وأوهامها أهمية إلاّ بقدر ما يتطلبه منطق بناء النظرية ذاتها. إن السياسة هي التدبير والتنظيم العقلانيان لشؤون البشر، بما فيها من صراعاتٍ وتناقضاتٍ ومصالحَ وأهداف مشتركة. والممارسة السياسية هي المجال الذي تنطبق فيه تلك المبادئ العقلانية والقيم العملية. لا يعني ذلك أن السياسيين لا يأخذون في الاعتبار «أحلام» المحكومين و«أمانيهم» و«هواجسهم»، فتلك أمور لها أهميتها. إنها تُستعمل كمعطيات قابلة للتحليل وصالحة للاستخدام، بحسب منطق يراهن على نجاعة الفعل السياسي. من نافلة القول أن تصوّرًا للسياسة باعتبارها تدبيرًا عقلانيًا له جذور في الفكر الفلسفي القديم؛ فقد رأى أفلاطون Plato (2873–4 ق.م 3 ق.م) أن على الفيلسوف المدافع عن اللوغوس Logos (العقل) ضدّ الميتوس Mythos (الأسطورة) أن يهتم أساسًا بأمرين هما الفلسفة (طلب الحكمة) والسياسة، باعتبار الأخيرة هي المجال الذي تطبق فيه مبادئ الأولى. عندما نتحدث عن «الحداثة السياسية»، فنحن نقصد ضربًا جديدًا من النظر إلى الإنسان والمجتمع والسلطة ضمن تصور للعالم ولمكانة الإنسان ودوره فيه، وهو ما سمي «العصور الحديثة». ليس الوجود الإنساني، بحسب النظرة الحديثة، مجالً لمفاعيل قوى متعالية، وليست المدينة الأرضية نسخة من «المدينة السماوية» كما رسم ملامحها القديس أوغسطين Augustine Saint (0–35443 م)، وليس الحاكم الزمني ممثلً لله على الأرض. لقد اعتبرت هذه الأفكار ومثيلاتها من رواسب الفكر الأسطوري الذي لم يعد ملائمًا لإنسان العصور الحديثة. إن التصورات والاعتقادات الدينية التي بموجبها تتأكد تبعيّة الإنساني للحكم الثيوقراطي وتُفهم شؤون البشر نتاجًا لإرادة إلهية من خلال بشر، كما التمثلّات الأسطورية والخرافية، لا تحيل على وقائع أو على موجودات، بل هي مجرّد تمثلّات اجتماعية من صنع البشر أنفسهم. لقد تم تحديد الحداثة باعتبارها لحظة صحوة الوعي، لحظة تفطن الإنسان إلى «بؤس» وضعه: كان الإنسان يعتقد أن العالم تسيّره آلهة عديدة خارقة لا قبل له بها، ولكنه أدرك أن تلك الآلهة ليست إلاّ تمثلّات وأوهامًا من صنع خياله صيغت في شكل حكايات وخرافات، أي في شكل سرديّات جماعية اكتسبت عبر الزمن والعادة ثباتًا وقداسة، وصارت جزءًا من الوعي الجمعي. استعمل كثير من المفكرين والفلاسفة عبارات مختلفة للدلالة على هذا التحول الكبير في تاريخ الوعي الإنساني عمومًا وفي التاريخ السياسي خصوصًا، فاستعملت عبارات من مثل «رفع السحر عن العالم»

(((أرسطوطاليس، السياسة، ترجمة أحمد لطفي السيد (بغداد/ بيروت: منشورات الجمل، 2009)، ص 219، 238،.290

Platon, La République , Robert Baccou (trad.) (Paris: Garnier–Flammarion, 1966(; Platon, Le politique ou de la royauté , traduction notices et notes par Émile Chambry (Paris: Garnier–Flammarion, 2011).

world the of Disenchantment، الانتقال من «الحالة اللاهوتية » Stage Theological إلى «الحالة الوضعية» stage Positive، وغيرها من العبارات الدالّة على الدخول في «العصور الحديثة». وكان عنوان ذلك التحوّل الكبير هو التفكير العقلاني، والتنظيم العقلاني، والموضوعية العلمية، وما يترتب على ذلك. لعله يجب التنبيه إلى أن التصور الوضعي العقلاني، رغم أنه هيمن على الفكر الغربي الحديث والمعاصر، لم يستغرق كل الفضاء الروحي للغرب ولم يلغ تصورات ورؤى أخرى في الثقافة الغربية أسندت إلى الخيال والحدس والشعور مكانة أساسية. لكنْ، مع هذا، نُقِدَ الفكر الوضعي، واعتبر محاولة محدودة لتفسير الفكر البشري تجاهلت تاريخية الحضارة الإنسانية على نحو كلي. يقوم الخطاب الفلسفي السياسي، بما هو خطاب عقلاني، على استبعاد التمثلات الأسطورية والرؤى المتخيلة من الفضاء العقلي. ليس للمتخيّل والوهمي قيمة معرفية أو عملية لأنه فاقد للمرجعية

الأنطولوجية، فالخيالي لا وجود له، والمتخيل لا يحيل على واقع محدد ولا يمكنه أن يكون موضوع نظر. كيف لنا أن نتحدث عن مخيال سياسي Imaginary Political والحال أن النظرية السياسية، التي عرفت صيغها الواضحة والدقيقة في الفلسفة السياسية وفي «العلوم السياسية» Political Sciences، قامت بالتحديد على استبعاد الخيال باعتباره مرادفًا للوهم والخطأ؟ ما معنى المخيال السياسي؟ هل هو بعد من أبعاد السياسي؟ بأي معنى يحدّد الممارسة السياسية؟ إذا أقررنا بصلاحية مفهوم المخيال السياسي، فهل يحق لنا الحديث عن نظرية سياسية عقلانية؟ وبعبارة أخرى: هل ثمة مكان للمخيال في الخطاب السياسي الذي يحيل على تصور عقلاني للسياسي وعلى تدبير سياسي عقلاني؟ المخيال السياسي هو مخيال اجتماعي Imaginary Social؛ بمعنى أنه شكل من أشكال الوعي الجمعي الخاص بمجموعة بشرية تكوّنت في ظروف معينة، ونظّمت وجودها بطريقة خاصة. المخيال

(((تعني عبارة Welt der Entzauberung عند ماكس فيبر أن السحر لم يعد وسيلة لتحقيق الخلاص، وذلك في إطار صيرورة تاريخية لعقلنة الوجود والسيطرة التقنية على الطبيعة، ينظر:

Max Weber, L’éthique protestante et l’esprit du capitalisme , Jacques Chavy (trad.) (Paris: Plon, 2010), p. 117; Max Weber, Le savant et le politique (Paris: La découverte, 2003), p. 83; Marcel Gauchet, Le désenchantement du monde: Une histoire politique de la religion (Paris: Gallimard, 1985). (3) Auguste Comte, Cours de philosophie positive (Paris: Librairie Larousse,1936).

(((هيجل، العقل في التاريخ، المجلد الأول من محاضرات في فلسفة التاريخ، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام (بيروت: دار التنوير، 2007)، ص 71، 78.

(5) Edmund Husserl, La crise des sciences européennes et la phénoménologie transcendantale , Gérard Granel (trad.) (Paris: Gallimard, 2004).

(((تدل عبارة «السياسي» على مبادئ السلطة وأسس المشروعية وتنظيم الوجود المشترك ولا تدل على ممارسة السلطة بحسب قواعد محددة في إطار نظام حكم (وهو معنى السياسة). ينظر:

Jacques Rancière, Aux bords du politique (Paris: Gallimard, 1998), p. 13.

الاجتماعي السياسي هو، إذًا، نتاج وجود سياسي، فالجماعة السياسية هي التي تنتج مُتخيَّلَها، ونظامها

الرمزي، وأساطيرها، وقيمها، ومعاييرها التي تمكّنها من البقاء متماسكة. يبدو أن هذا البعد الرمزي الأساسي في الوعي الجمعي هو الذي عملت النظرية السياسية الحديثة على إخراجه من مجال الخطاب واستبعاده من مجال التفكير؛ فهو ليس جديرًا بأن يكون موضوع بحث لأنه

غير منطقي وغير عقلاني. يمكن القول إن الخطاب السياسي قام أساسًا ضدّ المتخيّل السياسي أي ضد

التمثلّات الأسطورية والعقائدية بل حتى الميتافيزيقية التي ترجع الوجود الاجتماعي إلى مبدأ أو أصل مفارق له: المدينةُ تحاكي الكونَ (الكوسموس Cosmos) وتنظيمها السياسي (القانوني والتشريعي)، هو انعكاس أو محاكاة للنظام الكوسمولوجي System Cosmological. مدينة البشر الفانين هي محاكاة لنموذج «مدينة الله» الكاملة. إذا كانت التصورات السياسية القديمة حاولت البحث عن نموذج وجود معياري مفارق للمجتمع والتاريخ، فإن الفكر الفلسفي الحديث قطع مع تلك الطريقة في النظر والبحث: الإنسان هو واضع المبادئ والمعايير والقيم التي تنظم مجالات الوجود المختلفة. ثمة مقاربة ممكنة لعلاقة المخيال بالنظرية السياسية تقوم على فكرة التقابل والتعارض بينهما. فالخيالي يتحدد عادة بصفته نقيضًا لما هو عقلاني. إذا كان المتخيّل يحيل على الصور والأوهام والخيالات

والرموز لا على وجود حقيقي، فإن العقلاني مطابق للحقيقي بمعنى الواقعي أو الشيء الذي يمكن أن يوجد (الجائز/ الممكن). ربّ مقاربة إبستيمولوجية محددة عمادها فكرة مركزية العقل باعتباره الملكة التي يتميز بها الإنسان وباعتباره يمثل قيمة في حد ذاته. اعتبر الخيال، في ظل هيمنة التوجه العقلاني المميّز للثقافة الحديثة، مصدرًا للأوهام والأخطاء، واعتبرت الخيالات الفردية والجماعية

تعبيرًا عن انعدام العقلانية. لقد تحدّدت مكانة المخيال السلبية بالنظر إلى القيمة المرجعية للعقل

منظورًا إليه كعقل نظري، أي كمصدر لمبادئ المعرفة وقواعدها. يمكن أن نجادل في هذا السياق بالقول إن فلاسفة السياسة المحدثين مثل توماس هوبز Hobbes Thomas (79–158816)، وجون لوك Locke John (702–16321)، وباروخ اسبينوزا Spinoza Baruch (77–163216)، وجان جاك روسو Jean–Jacques Rousseau (788–17121)، وغيرهم لم ينتجوا تصورات نقية تمامًا من عناصر الخيال وشوائب المتخيّل؛ أي إن نظرياتهم تضمّنت عناصر من متخيلّات اجتماعية قديمة أو من تلك

التي كانت سائدة في عصرهم. تحدّث هؤلاء المفكرون المؤسسون عن «حالة الطبيعة» باعتبارها حالة وجود ما قبل سياسي، حالة متخيّلة ولكنها تؤدي دورًا مساعدًا على اكتشاف طبيعة الوجود البشري.

يقضي العقل (النور الطبيعي في مجال بناء النظرية السياسية العقلانية) بأن يبحث البشر عن مخرج من تلك الحالة. يتحدث لوك في المقالة الأولى في كتابه في الحكم المدني (8916) عن المجتمعات الأولى التي كان فيها الآباء قادة وزعماء، ولم يكن لهم «حق الحياة والموت» على ذريتهم؛ أي إن

(7) Léo Strauss, Qu’est–ce que la philosophie politique ? Sedeyn (trad.) (Paris: PUF/ Quadrige, 2016), p. 19. (8) Jean–Jacques Wunenberger, Imaginaires du politique (Paris: Ellipses, 2001), p. 8.

سلطتهم لم تكن مطلقة، كما رأى روبرت فلمر Filmer Robert (88–156531)، في سياق سعيه إلى إضفاء المشروعية على الحكم الملكي المطلق. يتعلق الأمر بمجتمع متخيّل لا تتوافر بخصوصه

معرفة كافية أكثر مما تقوله نصوص وسرديّات خيالية. وفي المقابل أطروحة أخرى تسوّغ المخيال السياسي ولا ترى فيه نقيضًا للنظرية السياسية. يمكن أن

يدلّ المخيال على ما لا يوجد الآن، على ما هو مرتجى وغير محدد المضمون. ومن البديهي القول إن المتخيلات تختلف فيما بينها باختلاف المجتمعات؛ نظرًا إلى كونها تتحدد بظروفها التاريخية.

وبالرغم من وجود تعارض بين التنظيم العقلاني للمجتمع – مثل وضع قواعد وقوانين ثابتة لتنظيم الزواج والإنتاج والتبادل وعقلنة الممارسة السياسية – والمخيال الاجتماعي، فإنّ التنظيم العقلاني للمجتمع يمكن أن يمثّل مضمون ذلك المخيال في لحظة معينة. نقصد أن المخيال الاجتماعي يتضمن دائمًا بديلً أفضل عن واقع موسوم بالنقص أو الاختلال أو الحرمان، وذلك بغض النظر عن الوسائل والطرائق لبلوغ ذلك الهدف. تمثل الديمقراطية، على سبيل المثال، وهي عنصر أساسي في العقلانية السياسية الحديثة، مضمون المخيال الاجتماعي لدى مجتمعات كثيرة باعتبارها عنوانًا للدولة الحديثة. وكذلك الشأن بالنسبة إلى التحرّر الوطني الذي مثّل، خلال الحقبة الاستعمارية، مخيالً مشتركًا بين

الشعوب والأمم الواقعة تحت الهيمنة. ما أشكال المخيال التي يمكن أن تُقبَل وتُعتبر ملائمة للممارسة السياسية العقلانية؟ يفترض هذا

السؤال أن السياسة لا يمكن أن تستبعد الخيالي من مجالها، وأن العقلانية السياسية لا تتطابق مع عقلانية خِبرية وحسابية. إن للخيال مكانته في العقلانية السياسية، مكانة لا يمكن تجاهلها إذا رمنا فهم الوجود السياسي وأردنا توجيه الفعل السياسي وجهة صحيحة. نريد أن نبيّن، في هذا البحث، أن مفهوم المخيال السياسي يحتل مكانة مهمة في النظرية السياسية

وفي بناء الخطاب الذي يراهن على فهم الواقع الاجتماعي التاريخي. لا شك في أن إعادة النظر في المكانة الإبستيمولوجية للخيال والخيالي ستمكن من مراجعة العقلانية السياسية وتحديد القيمة السياسية والعملية للمخيال الاجتماعي. هل نستطيع اليوم فهم السياسة كمجال للصراع بين الجماعات والكيانات السياسية من دون أن نأخذ المخاييل الاجتماعية – السياسية في الاعتبار مثل العنصرية Racism والشوفينية Chauvinism والاستعلاء القومي Superiority National والهوية Identity وغيرها، وهي متخيلات لا تحدّد فقط الخطابات والمشاريع السياسية بل تحفّز وتوجّه الفعل السياسي محليًا وعالميًا؟

أولا: تعريف المخيال

يقترن المخيال بالخيال والظن والوهم. تستعمل هذه الكلمات الثلاث عادة بوصفها مترادفات. نقرأ في معجملسان العربلابن منظور: «خال الشيء يخال خيْلً وخِيلة وخَيْلة وخالً وخِيَلً وخيلَانًا ومخالة

(((جون لوك، في الحكم المدني، ترجمة ماجد فخري (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2015)، ص.59–51

(10) Wunenburger , p. 11.

ومخِيلة وخيلولة: ظنّه. وفي المثل: من يسمع يخل أي يظن [...] [ويقال] تخيَّلت السماء أي تغيَّمت.

والخيال والخيالة الشخص والطيف. ورأيت خياله وخَيالَته أي شخصه وطلعته، والخيال لكل شيء تراه كالظل وكذلك خيال الإنسان في المرآة، وخياله في المنام صورة تمثاله، وربما مر بك الشيء شبه الظل فهو خيال». يدل الخيال على الصورة الدالة على الشيء أو على الشخص، كما يعني احتمال الحدوث. ولكن يجب التنبيه إلى الاختلاف بين معنى «التخيّل» ومعنى «المتخيَّل»، فالتخيّل (الفانتازيا = Phantasia

في اليونانية) هو عملية ذهنية قوامها تمثيل موضوع غائب أو استحضاره سواء تعلق ذلك الموضوع بفكرة أو بشيء مادي. وأما «المتخَيّل» فهو موضوع التخيّل وموضوع الخيال وهو نتاج لهما، «كانت كلمة

فانتازيا الإغريقية القديمة توحي بالإبداع واللعب العقلي مع تضمين محتمل يتعلق بها خاص بالوهم أو الخداع الحسي والحرية في اللعب بالصور. أما مصطلح الخيال Imagination [...] فله – على العكس من ذلك – صلابة رومانية مستمدة من الكلمة الأصلية Image، التي تشير إلى مفهوم عقلي يماثل في طبيعته الصورة البصرية الخارجية». وهناك أيضًا تمييز آخر بين المخيال والمخيّلة. المخيّلة مَلكة إبداع

وإنتاج الصور والتمثلات. وأما المخيال Imaginary فهو يتضمن فكرة الرموز والدلالات الاجتماعية significances social and symbols Social وكذلك فكرة التعبير عنها. لا شك أن مفهوم المخيال ملتبس وصعب التحديد، وربما يزداد التباسًا عندما نحاول مقاربته موضوعيًا. «ليس من اليسير البتة تعريف

المخيال، لأنه ليس نسقًا ثابتًا من الصور الجاهزة فقط، بل هو من صنع مخيلة جماعية متحركة تستعمل كل أصناف ميكانيزمات الانتساب والإبهار والتحويل». ومع ذلك يمكننا أن ننطلق من التعريف التالي: المخيال الاجتماعي هو مجموعة الصور والدلالات والرموز المتعلقة بموضوع معيّن، والتي تشكل رؤية

جماعة بشرية لذاتها وللعالم. لقد اهتم كثير من الفلاسفة والباحثين في مجالات معرفية مختلفة بمسألة المخيال. وقد يكون تحديد الفيلسوف تشارلز تايلور Taylor Charles لمفهوم المتخيل الاجتماعي مفيدًا في هذا المستوى من البحث: «أعني بالمتخيّل الاجتماعي شيئًا أوسع وأعمق من الصيغ الفكرية التي قد يعتمدها الناس عندما

يفكرون في الواقع الاجتماعي بعيدًا عن الانخراط فيه. وأنا أفكر في الطرائق التي يتصور الناس من خلالها وجودهم الاجتماعي، وكيف ينسجمون مع الآخرين، وكيف تجري الأمور بينهم وبين أقرانهم،

(((1 جمال الدين بن منظور، لسان العرب، تحقيق خالد رشيد القاضي، ج 4 (بيروت: دار الابحاث، 2008)، ص.258 1(((شاكر عبد الحميد، الخيال من الكهف إلى الواقع الافتراضي، سلسلة عالم المعرفة (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2009)، ص.46

(13) Wunenberger, p. 82.

ملاحظة: تعريب الشواهد المستعملة في هذا البحث، باستثناء النصوص المترجمة المعتمدة، هو من إنجاز الباحث. (((1 يمكن الإحالة على بعض الكتب باللسان الفرنسي التي تناولت مسألة المخيال:

Jean–Paul Sartre, L’imagination (Paris: PUF, 2012); Jean–Paul Sartre, L’imaginaire (Paris: Gallimard, 2005); Cornélius Castoriadis, l’institution imaginaire de la société (Paris: Seuil, 1999); Paul Ricœur, Idéologie l’utopie (Paris: Seuil, 1997); Gilbert Duran, Les structures anthropologiques de l’imaginaire, 11 ème ed. (Paris: Dunod, 1993); Régis Debray, Critique de la raison politique (Paris: Gallimard, 1981); B. Baczko , Les imaginaires sociaux (Paris: Payot, 1984).

وكذلك في التوقعات التي تجري تلبيتها عادة، إضافة إلى الأفكار والصور المعيارية الأعمق الكامنة خلف هذه التوقعات». يُبيّن تايلور أن هذا التحديد يرتبط بثلاث أفكار أساسية يدور حولها معنى التخيل الاجتماعي: أولً،

المتخيّلُ الاجتماعي هو «الطريقة التي يتخيّل بها الناس العاديون محيطهم الاجتماعي بواسطة

القصص والرموز والأساطير». ثانيًا، المتخيّل الاجتماعي هو «موضوع مشترك بين مجموعات

مختلفة من الناس». ثالثًا، «المتخيّل الاجتماعي هو الفهم المشترك الذي يجعل الممارسات

الاجتماعية ممكنة، إضافة إلى الإحساس العام المشترك بالمشروعية». يتميز المخيال الاجتماعي بثلاث خصائص أساسية: أنه عام ولا يخص جماعة أو ثقافة دون غيرها، وأنه يتيح لجماعة بشرية فهم ذاتها وعالمها، وأنه يساعدها على تنظيم العلاقات بين أفرادها وتحديد وجهتها ككيان موحد. يقوم المخيال كذلك بتسويغ نظام اجتماعي قائم على الهيمنة، كما يؤدي دور التبرير الأيديولوجي من خلال توفيره المشروعية للسلطة السياسية القائمة. يدل المخيال، إذًا، على رؤية جماعية لنمط الواقع الاجتماعي أو شكله، ولا سيما أنه جزء منه. إن المخيال السياسي نوع من أنواع المخاييل الاجتماعية، مرتبط بإنتاج السلطة وممارستها وتبريرها. وبطبيعة الحال تمارسه كل سلطة في إطار اجتماعي. وستتوضح هذه المسألة لاحقًا. إنّ ما يهمنا من خلال الإحالات السريعة التي قمنا بها هو التنبيه إلى الاهتمام الذي حظيت به مسألة المخيال الاجتماعي لدى المفكرين المعاصرين. ولعل ذلك يمثل تحوّلً حاسمًا أو انعطافًا في التوجه العقلاني للفكر الحديث. ولا نقصد أن الخيال لم يكن محل اهتمام من المفكرين المحدثين، فقد اهتم به فلاسفة مثل بليز باسكال Pascal Blaise (2–1623166)، وديفيد هيوم Hume David 1–711(7761)، وباروخ سبينوزا، وغيرهم، ولكنا نريد التفطين إلى أن الفكر السياسي الحديث قلّل من شأن الخيال وجعل من العقل مرتكزًا لبناء النظرية وتنظيم الممارسة السياسيين، ولعل ذلك التوجه يمكن أن يفسر، إلى حد ما، أزمة الحداثة وخاصة في بعدها السياسي.

ثانيًا: العقلانية السياسية

يتمثل معنى السياسة العميق في كونها تنظيمًا للمجتمع بطريقة تضمن استمراره ووحدته. من الصعب تاريخيًا الفصل بين الممارسة السياسية والفكر السياسي. ولا شك في أن بروز الفكر السياسي كان نتيجة

(((1 تشارلز تايلور، المتخيلات الاجتماعية، ترجمة الحارث النبهان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.35 (((1 المرجع نفسه، ص..35 (1((المرجع نفسه. (1((المرجع نفسه.

(19) Ricœur, p. 19.

تطوّر اجتماعي أدى إلى ظهور الدولة كشكل مميز للتنظيم الاجتماعي يتسم بالمركزية والاستمرارية.

ظهرت الفلسفة السياسية في بلاد اليونان في العصر الذي ولدت فيه المدينة – الدولة كفضاء سياسي للعيش المشترك بين مواطنين متساوين في الحقوق. ولكن المشكلة الأولى التي اهتم بها الفلاسفة هي مشكلة تحديد طبيعة الحكم الأفضل: من يجب أن يحكم؟ الفرد أم المجموعة الممتازة أم الشعب؟ بطبيعة الحال، تطور الفكر السياسي خلال العصور، وتنوعت مشارب الفلسفة السياسية. ولكن نقطة الالتقاء بين المفكرين السياسيين، بغض النظر عن الاختلافات بينهم، تمثلت في الإقرار بعقلانية التفكير والممارسة السياسيين. إذا كانت الفلسفة السياسية جزءًا من الفلسفة، فمن البديهي أن تعتمد

منهجًا عقلانيًا في تصورها للسياسة وفي دراستها للوقائع السياسية، وأن تراهن على ممارسة سياسية

عقلانية قابلة للتحقق على ضوء المبادئ والمفاهيم التي وضعتها. تعني العقلانية السياسية أن «السياسة يجب أن تنظّم وتعاش بواسطة تمثلات وأفعال متعقّلَة ومعقولة، بمعنى أن تكون موضوع برهنة وتبرير وإثبات بحكم كونها حقائق». تتمثل مهمة الفلسفة السياسية في دراسة السياسة من جهة تحديد طبيعة الأشياء السياسية والنظر في وسائلها وأهدافها. بهذا المعنى وظّفت مفاهيمها لشرعنة Legitimization السلطة بما هي محور الوجود السياسي. ولكن السؤال الذي يجب أن يطرح هو المتعلق بحدود العقلانية في مجال السياسة.

1. ديكارت: هل السياسة العقلانية ممكنة؟

لئن اعتبر ديكارت رائد العقلانية الحديثة Rationalism Modern فإن تأصيله للعلم والتفكير العقلاني لا يعني أنه دافع بصراحة عن العقلانية في السياسة. يوجد موقفان من التصور الديكارتي للسياسة: موقف يرى أنه لا وجود لفلسفة سياسية عند ديكارت، والدليل على ذلك أن «شجرة الفلسفة» ذات الجذور الميتافيزيقية لا تحتوي على فرع سياسي. كما أن الفلسفة، وفق تصوره المثالي، تهدف إلى إقامة نظام عقلاني مطلق أي متعال على الواقع الاجتماعي التاريخي. وبما أن السياسة تتعلق بالشؤون الزمنية والتاريخية فبدهي أن يدرج موضوعها خارج نطاق العقلانية. يترتب عن ذلك أن «مشروع إقامة سلطان العقل في الميدان السياسي سيكون مناقضًا لمنطق رؤية ديكارت للعالم». يستند هذا الموقف إلى قول ديكارت نفسه في رسالته إلى إليزابيث في 15 أيلول/ سبتمبر 645:1 «وإذا كان رجل واحد أهم، لوحده، من مدينته كلها، فإنه ليس هناك من سبب يدعوه إلى أن يخسر نفسه من أجل

(2((جوزيف شتراير، الأصول الوسيطة للدولة الحديثة، ترجمة محمد عيتاني (بيروت: دار التنوير، 2010)، ص.14

(21) Wunenberger, p.7

(2((يميز ليو شتراوس في كتابه ما هي الفلسفة السياسية؟ بين «الفلسفة السياسية » و«الفكر السياسي»، فالفكر السياسي يتعلق بالأفكار السياسية ويهتم بعرضها، وأما المقصود بالأفكار السياسية فهو كل خيال وكل معنى وكل نوع أو أي شيء آخر يمكن للعقل أن يستعمله للتفكير في أسس السياسة. ما يميز الفكر السياسي هو عدم الفصل بين الرأي والمعرفة وأما الفلسفة السياسية فهي «محاولة لفهم طبيعة الأمور السياسية» أو «هي محاولة لتعويض الرأي المتعلق بطبيعة الأمور السياسية بمعرفة طبيعة تلك الأمور». بالرغم من هذا التمييز، تعتبر «كل فسفة سياسية فكرًا سياسيًا، ولكن ليس كل فكر سياسي فلسفة سياسية». ينظر:

Strauss, pp. 18–20. (23) Henri Gouhier, Essais sur Descartes (Paris: Vrin, 1949).

إنقاذها». الفرد هو القيمة الأولى وسعادته الشخصية هي مطلبه الأساسي، وهو مطلب لا يتناغم دائمًا مع مطالب الآخرين ولا سيما مع ما يعتبر مصلحة عامة. أما الموقف الثاني فيرى أصحابه أنه

يمكن استخلاص سياسة عقلانية من حياة الفيلسوف الفرنسي وكتاباته. يسمح كتاب خطاب المنهج (وقد ترجم إلىمقال عن المنهج) Discourse on Method 361) 7(باستخلاص فكرة صعوبة وضع سياسة عقلانية؛ نظرًا إلى أن البشر مختلفون فيما بينهم، وأهواؤهم

متعارضة ومصالحهم متناقضة. من الصعب وربما من المستحيل أن «يقوم فرد ما بوضع مخطط لإصلاح دولة ما من خلال تغيير كل أسسها». ولكن عدم وجود سياسة عقلانية لا ينفي إمكانية تكوين موقف عقلاني من الناحية السياسية وذلك من خلال الالتزام بالقاعدة الأولى للأخلاق المؤقتة: طاعة قوانين وأعراف البلاد بما فيها احترام الملك والخضوع للسلطة القائمة.

2. العقل والخيال والسياسة في تصور هوبز

ما أهمية الخيال في تصور هوبز السياسي؟ للإجابة عن هذا السؤال علينا أن ننظر في دلالات مفهومَي العقل والخيال. يعني العقل ملكة الحساب والاستدلال والاستنتاج. يتطلب الاستدلال العقلي استعمالً دقيقًا للكلمات؛ أي تسمية الأشياء بطريقة لا لبس فيها، بحيث تتبين طبيعة الموضوع من خلال التسمية. «العقل ليس إلا حسابًا (أي جمع وطرح) لتعاقب التسميات العامة المتّفق عليها لتحديد أفكارنا والدلالة عليها». وأما الخيال فهو حضور صور الأشياء الحسية في الذهن بعد زوال الشيء المحسوس أو بعد مرور الإدراك الحسي. عندما يصبح الحس من الماضي، فإنه يسمى ذاكرة،

(24) René Descartes, "Lettre à Elisabeth, 15 septembre 1645," in: René Descartes, Œuvre s de Descartes, Ch. Adam & P. Tannery (eds.) (Paris: Vrin, 1996), p. 293.

((2(رأى كل من بيار مينار (969–1900:)1، في

Pierre Mesnard, Essai sur la morale de Descartes (Paris: Bovin, 1936).

وألبير شيرال (962–1880:)1، في

Albert Chérel , La pensée de Machiavel en France (Paris: L’artisan du livre, 1935).

أن ديكارت ينتمي إلى المكيافلية ويقبل بداعي مصلحة الدولة العليا State of Reason. لكن روجي لوفيفر (981–19071)، في:

Roger Lefèvre, L’humanisme de Descartes (Paris: PUF, 1957).

رأى أن المساهمة الديكارتية في الفلسفة السياسية تمثلت في نقد مكيافلي وبالتحديد في رفض فصل السياسة عن الأخلاق، ويتضح

ذلك في شرحه لكتاب مكيافلي خطب حول العشرية الأولى لتيت ليف (Discourses on the first Ten of Titus Livy) وفي رسالته

إلى إليزابيث to Elisabeth Letter (تشرين الثاني/ نوفمبر 1646). (2((ينظر: رينيه ديكارت، مقال عن المنهج، ترجمة محمود محمد الخضيري، ط 2 (القاهرة: دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، ((2(المرجع نفسه، ص.414 ((2(المرجع نفسه. (2((توماس هوبز، الليفياتان: الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة، ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب (بيروت: دار الفارابي، 2011)، ص.51 (3((المرجع نفسه، ص.27

ولذلك يطابق هوبز بين الخيال والذاكرة. يميّز هوبز بين الخيال البسيط (تخيّل الموضوع البسيط كما

لو كان ماثلً أمامنا) والخيال المركّب (تخيّل صورتين لشيئين مختلفين والتأليف بينهما). الخيال، إذًا،

ملكة معرفية أقل مرتبة من العقل الذي يعتبر مصدر الاستدلال والحكم. إن التخيّل في حد ذاته لا يُعدّ

فضيلة فكرية ولذلك فهو يحتاج إلى الحكم. تتحقق معرفة موضوع معيّن بواسطة النظر والاستدلال

والقياس والتعبير عن ذلك بواسطة الخطاب. إن الاستدلال ليس أمرًا فطريًا بل هو مكتسب، وشروطه

هي «أولً إعطاء التسميات الملائمة، وثانيًا اتباع منهج جيّد يذهب من التسميات إلى التأكيدات

المكوّنة بربط تسمية بأخرى، ومن ثمّ إلى القياسات التي هي الربط بين تأكيد وآخر، وصولً إلى معرفة

كل تعاقبات التسميات المتعلقة بالموضوع قيد البحث وهذا ما يسميه البشر علمًا». اعتبر هوبز أن الموضوع السياسي الأساسي هو السلطة. وقد عرض في كتاب اللفياتان Leviathan تصوره لحل المشكل السياسي – اللاهوتي Problem Political and Theological: بناء الجسم السياسي انطلاقًا من وضعية البشر (الحالة الطبيعية) وخصائصهم الطبيعية. من أهم الانفعالات الطبيعية التي تحدد أفعال الإنسان نجد انفعال الخوف من الموت. يُعدّ الخوف من الموت العنيف

انفعالً سياسيًا أساسيًا في نظرية هوبز السياسية. إن انفعال الخوف هو حالة نفسية راهنة ناتجة من

تخيّل أذى أو شرّ يمكن أن يحصل في المستقبل. يدفع انفعال الخوف كل فرد إلى التنازل عن حقه

الطبيعي وعن حريته لفائدة صاحب السلطة المطلقة الذي ينتظر منه حماية حياته. بما أن الأفراد «عبارة عن كمية سلطة، فإنه يجب ويكفي لكي يتوحدوا أن يبنوا فوقهم كمية سلطة أعلى بما لا يقارن من سلطة أي واحد منهم، وعلى نحو أدق، يجب ويكفي أن يبنوا فوقهم أكبر سلطة يمكنهم تخيّلها».

يتحقق ذلك عندما يتنازل كل فرد عن حقه الطبيعي ويلتزم بطاعة صاحب السلطة المطلقة الأوحد. إن العقل في تصور هوبز هو أساس اشتغال النظام السياسي System Political. ولكن يجب فهم العقل بمعنيين: أن يدرك الأفراد أن الدولة، بواسطة جهازها القانوني واستعمالها القوة، ضرورية للمحافظة على وجود الجميع. المعنى الثاني هو أن «يتقيّد السلطان بالقواعد التي تحكم الوجود السياسي أي أن

يراعي خير الشعب كغاية». يمكن القول إذًا إن العقل يوفّر معقولية مشتركة Rationality Commun بين المحكومين والحاكمين. وتلك المعقولية هي ما تهدف النظرية السياسية إلى توضيحه. يمكن أن نتبيّن من خلال نظرية العقد الاجتماعي Theory Contrat Social كما صاغها هوبز أن

الخيال لم يُستبعَد تمامًا، ف «الحالة الطبيعية» و«الحق الطبيعي» و«العقد الأصلي» ليست إلّ فرضيات

خيالية، لا تحيل إلى وقائع وإن كانت تؤدّي دورًا استدلاليًا في سياق بناء النظرية الفلسفية السياسية.

(((3 المرجع نفسه، ص.28 (3((المرجع نفسه، ص.78 (((3 المرجع نفسه، ص.55 (((3 فرانسوا شاتليه [وآخرون]، معجم المؤلفات السياسية، ترجمة محمد عرب صاصيلا (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2014)، ص.1170 (((3 هوبز، ص.205

(36) Yves–Charles Zarka, "Politique et fiction," Archives de philosophie, no.  63 (2000), pp. 373–390.

3. حالة الطبيعة في تصور لوك: لم لا تعَنْوِن للخيال كما في حالة هوبز؟

تدل فرضية الحالة الطبيعية Nature of State، بغض النظر عن ملامحها المختلفة بحسب اختلاف التصورات السياسية، على استعمال الخيال لإسناد نظرية سياسية تمّ تمثُّلُها كجزء من العقلانية الحديثة. إن ما يعطي قيمة نظرية لفرضية حالة الطبيعة الخيالية هو الهدف المقصود من وراء بناء النظرية السياسية ككل؛ أي الغاية العملية المتمثلة في حل الإشكالية السياسية – اللاهوتية. ويمكن القول أيضًا إن الخيال السياسي كان مرتبطًا إلى حد ما بالواقع، فحالة الطبيعة، كما تصورها لوك، هي صياغة نظرية تعكس وضعية السكان الأصليين لأميركا المستكشفة آنذاك. يقول هذا الفيلسوف: «كثيرًا ما يسأل السائلون وفي خلدهم أن ذلك اعتراض خطير: أين نجد البشر في مثل هذا الطور الطبيعي الآن أو بالأمس؟ في الجواب على هذا السؤال نكتفي بالقول الآن: لمّا كان كل الملوك ورؤساء الحكومات المستقلة في جميع أنحاء الأرض في طور طبيعي، فمن الواضح أن العالم لم يخلُ ولن يخلو من فئة من البشر ما زالت في مثل ذلك الطور». يدل مفهوم الحالة الطبيعية على حالة اجتماعية متخيَّلَة تتميز بالفوضى؛ أي متناقضة مع الوجود المدني السلمي الذي تراهن النظرية السياسية على إقامته. وكونها فرضية متخيّلة لا يعني أنها لم توجد قط. في الفقرة 94 من المقالة الثانية نجد تحديدًا جغرافيًا للحالة الطبيعية: «وهكذا كان العالم كله، في البدء، مثل أميركا، بل قل أبلغ من أميركا اليوم لأن المال لم يكن معروفًا بعد». ولكن إحالة لوك على أميركا لا تعني أن الحالة الطبيعية هي واقعة تاريخية فقط، إنها أيضًا «تخيل أخلاقي» Fiction Moral. إن تخيل حالة الطبيعة هو أمر تحكمه اعتبارات الواقع، فهذه الحالة المتخيّلة هي حالة الأميركيين الذين لا ينتمون إلى أي جماعة سياسية، وهي أيضًا الحالة التي سيعود إليها الأوروبيون عندما يخوضون الحرب ضد سكان أميركا الأصليين وفيما بينهم من أجل اقتسام العالم الجديد، إنها حالة الحرب. إن الواقع هو الذي يحدد المتخيّل؛ أي إن المتخيّل ليس إلّ الواقع منظورًا إليه من جوانب أخرى، أي من حيث هو موضوع للتمثل. كيف يمكن أن تكتسب السلطة مشروعية فتحظى بطاعة المحكومين التامة من دون أن تعتمد على العنف حصرًا؟ هذا هو المشكل السياسي الواقعي الذي سعى هوبز ولوك وغيرهما من فلاسفة السياسة المحدثين إلى حله. «المشكلة السياسية هي مشكلة الطاعة الشرعية للفرد وبشكل لا ينفصل عنها مشكلة التمثيل السياسي».

(3((ينظر: «الكتاب الثاني»، في: لوك، ص 201، الفقرة.14 (3((المرجع نفسه، ص 241، الفقرة.49

(39) Richard Ashcraft, "Locke’s State of Nature: Historical Fact or Moral Fiction?" American Political science , vol. 62 (September 1968), pp. 898–915. (40) Matthieu Renault, L’Amérique de John Locke. L’expansion coloniale de la philosophie européenne (Paris: Éditions Amsterdam, 2014), p. 80.

(((4 شاتليه [وآخرون]، ص.1165

يعتبر جيرمي بنتام Bentham Jeremy)1832–1748( ودافيد هيوم من بين الفلاسفة المحدثين البارزين الذين رفضوا الخطاب الفلسفي السياسي الحديث لأنه مبنيّ على فرضيات خيالية تحجب

حقيقة الواقع ولا تساعد على إدراكه، فالحق الطبيعي Right Natural، مثلً، ليس إلا خيالً يُخفي المطالبة بالحق السياسي. والشيء نفسه يمكن أن يقال عن العقد الأصلي Contract Original: لا حاجة إلى عقد أصلي كي يحترم الناس الالتزامات والعقود، وما يفسر طاعة الناس لقوانين الحكومة هو رغبة كل واحد في تحقيق مصلحته وتحصيل منفعة خاصة في إطار المنعة العامة. وعلاوة على ذلك فالناس لا يطيعون السلطة بسبب اتفاق أصلي أو توافق بين الأفراد بل خضوعًا للقوة الغاشمة. يمكن القول، إذًا، إن الخطاب الفلسفي السياسي لم يكن متجانسًا من حيث مضامينه كما أن مكانة

الخيال فيه لم تكن موضوع اتفاق.

4. حدود العقلانية السياسية

إذا كانت الفلسفة السياسية القديمة قد اهتمت بمشكل النظام السياسي الأفضل، فإن الفلسفة السياسية الحديثة طرحت مشكل السلطة باعتباره محور الوجود السياسي. وقد أدى تغيير أفق النظر الفلسفي في السياسي إلى إعادة النظر في العلاقة بين الفكر والواقع، وبين العقل والوجود. لا تتمثل المعرفة في إخضاع الواقع المعطى للمفهوم العقلي، بل في تناول الواقع كما هو باعتباره يتضمن حقيقة أو معنى يمكن استكشافه بواسطة العقل. لقد تغيرت النظرة إلى المعرفة فأصبحت تقيّم من جهة قيمتها التداولية

والاستعمالية. بما أن السياسة جزء من الواقع الاجتماعي، فمن البديهي أن تشملها حركة العقلنة. والسؤال الذي يجب أن نطرحه هنا هو: إلى أيّ حدّ يمكن عقلنة السياسة؟ إذا قبلنا بأن عقلانية السياسة Politics of Rationality تعني تنظيم السلطة والتحكّم بها وفق حساب المصالح والمنافع وبحسب توجيه الانفعالات والميول الفردية والجماعية توجيهًا عقلانيًا، فإن

الواقع يدل على أن الممارسة السياسية هي من التعقيد بحيث يكاد يكون من المستحيل إخضاعها لقواعد عقلية صارمة ومن ثم توجيهها في مسارات محددة. كما أن الفعل السياسي لا يتعلق بالواقع المعطى الآن وهنا، بل إنه ينتمي إلى الماضي (الدوافع والمحفزات) كما ينتمي إلى المستقبل (النتائج المتوقعة). لا تكون القرارات السياسية دائمًا عقلانية، وقد تكون عقلانية من دون أن تكون ناجعة. إن فكرة السياسة العقلانية لا تتطابق بالضرورة مع الواقع السياسي بما هو مجال الاحتمالي والجائز. ذلك ما نبه إليه مايكل أوكشوت Oakeshott Michael (990–19011)، أحد أهم نقاد توجه السياسة الحديثة العقلاني. إن السياسة العقلانية هي السياسة التي تحددها الحاجة الملحة، وتلك الحاجة يؤولها العقل ويلبيها بحسب طريقة خاصة تتلاءم مع أيديولوجيا معيّنة. يتحدث أوكشوت عن السياسات العقلانية

المسطرة في الكتب والمستندة إلى أيديولوجيا Ideology تتضمن تمثلات وقواعد واستراتيجيات أي

(42) Jeremy Bentham, Introduction aux principes de la morale et de la législation (Paris: Vrin, 2011). (43) David Hume, Essais moraux, politiques et littéraires , essai sur le contrat primitif , traduction anonyme (Amsterdam: J.H. Scheiner Éditeur, 1752); David Hume, The History of England from the Invasion of Julius Caesar to the Revolution in 1688 , 6 vol (New York: Liberty Classics, 1983).

معرفة تقنية خاصة بالفعل السياسي. تراهن المعرفة العقلية في المجال السياسي على النتائج ولا تولي القيم الأخلاقية والتقاليد أهمية. لقد تعاملت العقلانية مع الواقع السياسي بطريقة اختزالية، فرامت تفسيره من خلال نماذج وقوالب جاهزة، ولم تحاول إدراكه كما هو في تنوّعه وثرائه. يطرح هذا الباحث فكرة كون السياسة العملية في البلدان الأوروبية ارتكزت وتحققت في إطار عقلانية منحرفة وسيئة، وأن جزءًا كبيرًا من فشلها (الذي يُردُّ عادة إلى أسباب أخرى مباشرة) يعود إلى عيوب خاصة بالعقلانية

ذاتها. يرى أوكشوت أن المجتمع الحديث المنظّم عقلانيًا، على المستوى السياسي خصوصًا،

هو مجتمع فاشل ولذلك يجب إصلاحه عبر الحد من سيطرة العقلانية على كل مجالات والسلوك البشري، وذلك يعني إيلاء الدين والإستيطيقا المكانة التي يستحقانها في المجتمع. يعتبر أوكشوت من أبرز المفكرين المعاصرين المعارضين للعقلانية بصورة جذرية، ولا يعني ذلك أنه يعادي العقل في حد ذاته بل إنه يرفض مزاعم العقلانية وادعاءها الإحاطة بكل مجالات الواقع. إن مقاربة السياسة من منظور عقلاني خالص هي بالضرورة مقاربة محدودة؛ لأن ثمة عناصر لاعقلانية كثيرة تتدخل في تشكيل السياسي وتوجيهه. إن الفضاء السياسي هو مجال الصراع على السلطة بين الأفراد وبين الجماعات، وهو المجال الذي تفرض فيه الإرادات المنتصرة القرارات المتعلقة بالوجود الجماعي وتلك القرارات ليست بالضرورة عقلانية. إن السياسي باعتباره بعدًا من أبعاد الوجود الاجتماعي لا يخلو من عناصر غير قابلة للتفسير منطقيًا ولا يمكن ردّها إلى معيار العقل. إن العلاقات الاجتماعية المادية والسلطوية والرمزية

تحددها ميول ودوافع انفعالية وتتدخل في توجيهها أهداف وغايات خيالية. تؤدي الأهواء والمشاعر والمعتقدات والرموز والخيالات أدوارًا أساسية في تكوين التمثلات الشخصية والرؤى الجماعية، ومن ثم لا يمكن أن يُفهم السياسي كمجال للعقلانية فقط. لا نكتشف حقيقة السياسي، إلا إذا أخذنا في الاعتبار الجوانب اللاعقلانية فيه. إن المعرفة العقلية لا تحصل إلا إذا تنبه العقل إلى ما ليس عقلانيًا

في الموضوع الذي يدرسه. يمكن أن يمثل الخيال دعامة للتعقل السياسي. تبدو هذه العبارة متناقضة. كيف ذلك؟ التخيل هو نتاج ملكة المخيلة التي تشكل جزءًا من العقل بمعناه العام. وهو ليس منفصلً تمامًا عن واقع

(44) Michael Oakeshott, Rationalism in Politics and Other Essays (Indianapolis: Liberty Fund, 1991), pp. 129, 143. (45) Michael Oakeshott, "Le rationalisme en politique," Olivier Sedeyn (trad.), Cités, vol. 2, no. 14 (2003), pp. 121–157. (46) Elizabeth Campbell Corey, "Being Otherworldly in the World: Michael Oakeshott on Religion, Aesthetics and Politics," Doctoral Dissertation, Louisiana State University and Agricultural and Mechanical College, The Department of Political Science, 2004, p. 569.

(4((ميز كانط بين معنيين للعقل: العقل بما هو مجموعة ملكات معرفية هي الحساسية (تلقى معطيات الحس) والفهم (إنتاج المفاهيم اللازمة للتأليف بين معطيات الحساسية) والعقل (إنتاج الأفكار والمثل التي من شأنها أن توجه الممارسة). والعقل بما هو جملة الملكات الثلاث. ولكن معنى العقل لا يكتمل الا إذا أخذنا في الاعتبار ملكة المخيلة التي تقوم بدور الوسيط بين الإدراكات الحسية والمفاهيم المجردة وذلك من خلال تشكيلها «الترسيمات» Shemas المُمَثلة للموضوعات. والترسيمة أشبه ب «قاعدة تصلح

لتحديد حدسنا طبقًا لمفهوم معين». ينظر:

Emmanuel Kant, Critique de la raison pure , Jules Barni (trad.) (Paris: GF–Flammarion, 1987), pp. 188–189.

البشر المادي والاجتماعي، فموضوعه هو الإمكانيات والتجارب والوسائل التي من شأنها أن تساعد على التحكم في ذلك الواقع. لا تتمثل ممارسة السلطة في إدارة الشؤون العامة الآن وهنا فقط، بل إن لها بعدًا آخر هو البعد الاستشرافي: تخيّل الحالة أو الحالات التي سيكون عليها المجتمع في

المستقبل، وتخيّل الطرائق والوسائل المناسبة للتعامل معها. يتعلق الأمر بخيال سياسي تقتضيه طبيعة

الممارسة السياسية. يمكن الحديث إذًا عن خيال سياسي معقلن ووظيفي، يجد ترجمته في «اليوتوبيا العقلانية». وبالرغم من أهمية الخيال في المجال السياسي، فقد ظل موسومًا بعدم الواقعية. ولعل

ذلك ما يفسر تلقي التصورات السياسية الراديكالية السلبي، إن لم نقل تجاهلها وإنكارها، وخاصة تلك التي صيغت في أشكال طوباوية (اليوتوبيات السياسية).

ثالثًا: السياسة والمخيال

1. العقل النسبي والخيال المطلق

لئن أدرجت الفلسفة السياسية الحديثة الخيال ضمن مهمش النظرية السياسية باعتباره متناقضًا مع العقل وغير ناجع على مستوى الواقع، فإن مفكرين معاصرين مثل جلبار دورون Durand Gilbert (2012–1921)، وكاستورياديس Castoriadis (997–19221)، وريجيس دبراي Debray Régis وفيننبرغر Wunenberger، قطعوا مع ذلك التوجه وتناولوا مسألة المخيال السياسي كعنصر أساسي في النظرية والممارسة السياسيتين. يُقبَل الفكر الحديث، بصفة عامة، كعقلانية نقدية Rationalism Critical. وإذا أردنا أن نعرّف العقلانية

النقدية، فإننا لن نجد أفضل من التعريف الذي قدمه كانط: «لا أقصد بالنقد نقد الكتب والأنساق، بل نقد قدرة العقل بصفة عامة بالنظر إلى كل المعارف التي يمكنه بلوغها في استقلال عن كل تجربة». تعني العقلانية النقدية إذًا نقد العقل ذاته وتحديد قواه وملكاته ورسم حدود المعرفة التي يمكنه أن يبلغها. تتضمن العقلانية في حد ذاتها جانبًا نسبيًا، كما أنها تؤكد، باعتبارها تصورًا موضوعيًا، على تنوّع

التصورات والرؤى واختلافها، وهي بذلك تتخلى عن الإطلاقية، وتفسح مكانًا لتصورات أخرى غير عقلانية. في هذا السياق يمكننا الحديث عن المخيال بوصفه نتاجًا للمخيلة الجماعية وعن دوره في

. Political Practice الممارسة السياسية لقد نبّه كثير من المفكرين المعاصرين إلى أن النزعة العقلانية الموضوعية هي تتويج لمسار الوعي الإنساني

خلال تاريخه الطويل. يرى كاستورياديس أن النزعة الموضوعية الحيادية ظهرت في الثقافة اليونانية ولم تكن معروفة في الثقافات الأخرى. «تأسست المجتمعات، حتى عصر اليونان وخارج التقليد الإغريقي الروماني، على مبدأ الانغلاق التام: رؤيتنا للعالم هي الوحيدة التي لها معنى وهي الصحيحة، وأما الرؤى

4(((بول ريكور، محاضرات في الأيديولوجيا واليوتوبيا، ترجمة فلاح رحيم (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2002)، ص.383 (4((المرجع نفسه، ص.382

(50) Kant, p. 31.

الأخرى فهي غريبة ودونية ومنحرفة وسيئة ومخادعة... إلخ. وكما لاحظت حنا أرندت Arendt Hannah 975–1906(1) فإن عدم التحيّز ظهر مع هوميروس، وهو ليس عاطفيًا بل إنه يتعلق بالمعرفة والفهم». ليس العقل إذًا مصدرًا مطلقًا للمبادئ والقيم الثابتة، والعقلانية ليست إلا رؤية نسبية محكومة بشروط تكوّنها الاجتماعية والتاريخية. «بما أن العقل إبداع تاريخي فهو عرَضي، ولدلالته قيمة الدلالات

الموضوعة الأخرى نفسها. وبهذا المعنى فهو يثير كره الأجنبي أو التمسك بالإقليم... إلخ. لا يمثل العقل، بما هو دلالة مكوَّنة من بين دلالات أخرى، سلطة فوق تاريخية من شأنها أن تفكر في ما يجب

أن يكون بحسب القواعد العقلية للعدالة المتعالية على كل مجتمع جزئي». انطلاقًا من فكرة الطابع النسبي للعقل ومن تحديده كمجرد دلالة اجتماعية، يمكننا أن نعيد النظر في مكانة المخيال في العقلانية السياسية في بعدها النظري وفي بعدها العملي. يعتبر بعض الباحثين أن نيكولو مكيافيلي Machiavelli Niccolo (27–146915) هو رائد الملاحظة «الموضوعية» في مجال السياسة وإمام السياسة «العلمية». لقد تضمنت كتاباته نظرية عقلانية في السياسة، عناصرها مستمدة من ملاحظة الوقائع السياسية في عصره واختبارها. ولكن يجب التأكيد هنا على المعنى الخاص لكلمة عقلانية. تميز التصور السياسي القديم بإدراج الملكات المختلفة التي يتمتع بها الحاكم تحت سلطة العقل. وبذلك تكون السياسة، بحسب هذا التصور، ممارسة غائية تقتضي الالتزام بالفضائل. وأما تصور مكيافيلي، فهو من دون شك يولي التدبير العقلي (الحيلة) أهمية، ولكنه يأخذ في الاعتبار العوامل المختلفة التي تتدخل في مجرى الأوضاع السياسية مثل الانفعالات (خاصة خشية الموت) والمعتقدات الدينية والحظ Fortuna. كيف يمكن أن يحافظ الحاكم على سلطته؟ على الحاكم، إذا أراد أن يضمن هيمنته على الرعية ويصون حكمه، أن يبني سياسته على مبدأين: القوة والخداع (الإيهام). وذلك لأن الحكم لا يقتضي التقيد بالأخلاق، بقدر ما يقتضي الالتزام بمقتضيات الحيطة والحذر إضافة إلى القوة الرادعة. ومن أجل فرض الطاعة وتكريس الخضوع، لا بد من إنتاج الخيالات المناسبة التي تجعل الأفراد يخضعون طوعًا. بالنسبة إلى مكيافيلي السلطة والمخيلة هما العنصران الأساسيان المكوّنان للسياسة.

2. مفهوم المخيال السياسي

لا تخلو السياسة، باعتبارها مجموع علاقات السلطة Power of Relationships في مجتمع ما، من خيالات وصور ورموز؛ فهي ليست مجرد علاقة قانونية بين الحكام والمحكومين تسندها المؤسسات

(51) Cornelius Castoriadis, Domaines de l’homme: Les carrefours du labyrinthe II (Paris: Seuil, 1999), p. 262. (52) Hugues Poltier, "De la praxis à l’institution et retour," Revue européenne des sciences sociales , vol. 27, no. 86 (1989), pp. 419–439. (53) Pierre Manent, Naissance de la politique moderne (Paris: Gallimard, 2007), p. 12. (54) Ibid., pp. 45, 48. (55) Nicolas Machiavel, Discours sur la première décade de Tite–Live , Toussaint Guiraudet (trad.) (Paris: Bibliothèque Berger–Levrault, 1980), pp. 142–144.

ويضمنها العنف الشرعي، ولكنها تحتوي أيضًا على بعد رمزي وشعوري. لقد أصبحت هذه الفكرة متداولة بفضل الدراسات الأنثروبولوجية المعاصرة التي اهتمت بالمخيال السياسي. رأى الباحث شارل إيف زركا Charles–Yves Zarka أن الاتجاه الأساسي في الفكر السياسي الحديث، من هوبز إلى روسو، الاتجاه الذي تشكّل حول مفاهيم الحالة الطبيعية والعقد الاجتماعي ينتمي إلى السجل الاستدلالي للخيال. يؤدّي الخيال في هذا الاتجاه السياسي الدور الاستدلالي (المنطقي) الذي أدّاه التاريخ من قبل، فالخيال هو ما يسمح ببلوغ طبيعة الأشياء (المجتمع، الإنسان) وهو المجال الذي تظهر فيه حقيقة السياسي. يتميز السياسي ببعد رمزي وخيالي، وذلك ما يجعله يشتغل بحسب نمط عدم التطابق. وبعبارة أخرى، لا يتطابق السياسي مع الواقع بل مع الواقع المتخيل. إن الخيال هو الذي يشكّل رأي جماعة بشرية معينة واعتقادها (عقيدتها)، ويضمن استمرار وحدتها. إن الجماعة السياسية، أو الشعب، لا تطيع القوانين لأنها عادلة أو لأنها تتضمن حقيقة، بل لأنها يعتقد أن قِدمها دليل على حقيقتها. ليس مثل هذا المعتقد حقيقيًا بل هو من صنع المخيّلة الجماعية التي تجعل من النسبي شيئًا مطلقًا، ومن العرَضي

شيئًا جوهريًا. رأى باسكال، في هذا السياق، أن السياسي يشتغل وفق نمط الخيال، وذلك لأنه يقوم على

حقيقة خفية يجب أن تبقى مخفيّة. لقد رأى في كتابه ثلاثة خطابات حول وضعية العظماء)1670(،

أن هناك فكرتين تشغلان الملك المؤسس أو خليفته (الذي يحل محل الملك المتوفى): واحدة يتعامل بها كملك، والأخرى يعترف بواسطتها بوضعه الحقيقي. تتمثل ممارسة السلطة في إخفاء الفكرة الثانية، وهي أن المصادفة أو الحظ لا غير هو الذي وضعه على عرش السلطة، والتعامل مع الشعب أي ممارسة السلطة فعليًا بإظهار معنى الفكرة الأولى. الحقيقة السياسية الخفية هي أن امتلاك السلطة

حصل مصادفة، وأن الوهم الجماعي هو الذي مكّن من استتباب الحكم للسلطان الجديد. وبعبارة أخرى لا يكمن مصدر السلطة أبدًا في الحق والمشروعية. ترتبط هذه «الفكرة المزدوجة» التي للملك عن نفسه بفكرة «جسما الملك» Bodies Two s ’ King التي شكّلت مخيال المَلكِيّة ووسمت تاريخها،

وهو الموضوع الذي عالجه إرنست كنتاروفتش Kantorowicz Ernest)1963–1895(. للملك جسم مادي وجسم متخيَّل (سياسي)، الأول خاص والثاني عمومي. هاجس الملك الأساسي هو

أن يخفي حقيقته الجسمية (الجسم المادي)، وأن يُظهر بواسطة البهرج والزخرف المصطنع جسمه السياسي (السلطة)، وأن يجعله بذلك موضوعًا للتوهم والتخيل الجماعي. إن الوظيفة الأساسية التي

يقوم بها مخيال الملكِيّة أو الصورة المتخيّلة للملك هي تكريس السلطة المطلقة، من خلال التأكيد

(56) Durand; P. Clastres, Recherches d’anthropologie politique (Paris: Seuil, 2012); G. Balandier, Anthropologie politique (Paris: PUF, 1967). (57) Charles–Yves Zarka, Philosophie politique à l’âge classique (Paris: PUF, 1998). (58) Blaise Pascal, Trois discours sur la condition des grands (Paris: Mille et une nuits, 2009). (59) Blaise Pascal, "Trois discours sur la condition des grands," in: Blaise Pascal, Œuvres complètes (Paris: Seuil, 1963), cité par Zarka, Philosophie politique, p. 366. (60) Ernest Kantarowiz, The King’s Two Bodies (Princeton: Princeton University Press, 1957); Ernest Kantarowiz, Les deux corps du Roi (Paris: Gallimard, 1989).

على أن الملك لا يموت أبدًا رغم موت أشخاص الملوك، وهو التمثل الذي تدل عليه عبارة: «مات الملك، عاش الملك». يلاحظ زركا أن هذه الصورة تَعلْمَنتْ أو تمّت علْمنَتها على يد هوبز من خلال اعتبار الدولة شخصًا معنويًا يتمتع بنفوذ مطلق Power Absolute. لقد اعتُبر الملك، في الفكر السياسي اللاهوتي القديم، صورة الله. ولكن الفكر السياسي الحديث تجاوز هذا التصور، بأن عوّض مخيال المَلكية بمخيال سياسي جديد تمثل في صورة الدولة كشخص معنوي مستقل يقوم بأعمال ويسنّ قوانين ويضع خططًا ويحتكر العنف الشرعي وينفذ الجزاء والعقاب. الحقيقة السياسية الخفية هي أن أصل السلطة هو القوة والاغتصاب، وهو الأصل الذي يحدد بنية السلطة ككل. تتمثل عملية الإخفاء في الإيهام بوجود أصل آخر وبوجود حقيقة أخرى للسلطة تعطيها الأحقية في الطاعة والقبول. وبحسب هذه الآلية، تتحول القوة إلى حق، ويقبَل ما حدث بمحض

المصادفة كما لو كان استحقاقًا. يمكن القول إن المخيال السياسي يخفي حقيقة السلطة، ويغيّب

مصدرها، وهكذا يضمن استمرارها. تستند شرعية الحكم إلى القبول، ولكن هذا القبول لا يستند إلى إدراك ضرورة السلطة ومعرفة بملابسات تشكلها، بل إلى مخيال جماعي. إن المخيلة الجماعية Imagination Collective هي مصدر الآراء والمعتقدات التي تتبناها جماعة معينة. إن ما يجعل وضعًا سياسيًا قابلً للاستمرار هو كونه موضوع تخيّل من قِبل المحكومين

(باسكال). لقد أكد الأنثروبولوجيون المعاصرون على الدور المعرفي للمخيلة، وساهموا في تثبيت الوظيفة السياسية للمخيال الاجتماعي. بيّن دورون أنه لا يمكن بناء نظرية أنثروبولوجية، إذا لم تعطِ

المخيلةَ الرمزية قيمتَها الحقيقية. فالمخيلة تتعلق بتصرفات الإنسان كلها ودوافعه واستعداداته اللغوية الكامنة وراء إبداعه السرديات الثقافية الكبرى الأسطورية والدينية والعلمية والسياسية. لا يمكننا أن نفصل نقد الحداثة بصفة عامة، ونقد السياسة بصفة خاصة، عن المحاولات الفلسفية التي تناولت مسألة المخيال. تُعتبر نظرية «المخيال الجذري» التي عرضها كاستورياديس في كتابه تأسيس المجتمع تخيليًا إضافة مهمة في مجال نظريات المخيال وفي مجال الفلسفة السياسية. افترض كاستورياديس وجود مخيال أصلي Imaginary Radical، هو مصدر التعدد التاريخي للأشكال الاجتماعية وللإبداع الإنساني. تقوم نظرية «التشكل الخيالي للمجتمع» على فرضية أن مصدر المؤسسات الاجتماعية يتمثل في قوة أنطولوجية لا ترد إلى أفعال الأفراد الذين يكوّنون المجتمع. تتمثل الآلية الواقعية لتكوّن المجتمعات في إنتاج «دلالات خيالية اجتماعية» بواسطة «المخيال الجذري» الخاص بالمجتمع. وهذه الدلالات الخيالية هي نوع من الأفكار الموجهة لجملة الأنشطة في مجتمع معين.

(61) Zarka, "Politique et fiction." (62) Gilbert Durand, L’imagination symbolique , 5 ème ed. (Paris: Quadrige/ PUF, 2003), pp. 24–25. (63) Castoriadis , L’institution imaginaire de la société. (64) Ibid., p. 525.

يُعتبر الدين، من حيث هو صادر عن الخيال الجذري، مؤسِّسًا للمجتمع، ولكنه يُعدُّ أيضًا مصدرًا لإنتاج دلالات أخرى تكرس تبعيّة الإنسان لقوى متعالية. «إذا كان ثمة ثابت فوق تاريخي للاجتماعي فهو، بحسب كاستورياديس، ليس الديني (دبراي) وليس السياسي (غوشيه) بل الخيالي، قوة بلا ذات ومصدر للإبداع في المجال الاجتماعي التاريخي بصفة خاصة وفي مجال الكائن الحي بصفة عامة».

3. أشكال المخيال السياسي

كل محاولة لفهم الواقع، وكل مشروع لتغييره، يجب أن يأخذا في الاعتبار البنية الرمزية للحياة الاجتماعية. لا يمكن فهم الواقع، إذا لم نأخذ الوسائط الرمزية في الاعتبار. «إذا لم نقرّ بأن للحياة الاجتماعية بنية رمزية، فليس هنالك من وسيلة لفهم كيف نعيش ونقوم بالأشياء، ونعبر عن تلك النشاطات في أفكار، ولا من وسيلة لفهم كيف يمكن أن يتحوّل الواقع إلى فكرة أو كيف يمكن للحياة الواقعية أن تنتج الأوهام. ستكون جميعها أحداثًا غامضة وغير قابلة للفهم». تمثل الأيديولوجيا Ideology واليوتوبيا Utopia شكلَي المخيال الاجتماعي الأساسيين. وإذا كان في الإمكان التمييز بينهما بالنظر إلى الشكل الذي يتخذه كل منهما، وكذلك بالنظر إلى الوظيفة الخاصة لكل منهما، فثمة نقطة مشتركة يلتقيان عندها، وهي السلطة. تسعى كل أيديولوجيا إلى شرعنة نظام السلطة من خلال وظيفتي التبرير والإدماج الاجتماعي، وتواجه كل يوتوبيا مشكل السلطة بطرحها صورة مجتمع آخر لا وجود له في أي مكان. سنحاول في ما يلي أن نبيّن أهمية المخيال السياسي من خلال الأيديولوجيا واليوتوبيا والدين.

أ. الأيديولوجيا

تعرف الأيديولوجيا بأنها «علم الأفكار» أو «نسق الأفكار» الذي يعتمده نظام اجتماعي – سياسي بهدف تبرير سلطته وضمان مشروعيته. وتُعرّف أيضًا بأنها الإطار الفكري النظري الذي لا صلة له بالواقع الذي ينشغل به السياسي. تحيل كلمة أيديولوجيا إلى تصور معين للعلاقة بين الفكر والواقع، وكذلك إلى حركة فكرية تبلورت ملامحها في القرن التاسع عشر في أوروبا. «الأيديولوجيون مجموعة من الفلاسفة الفرنسيين الذين يرفضون الميتافيزيقا بحسب تقليد كانديلاك De Candillac 1) 780–1714(ويسعون إلى إقامة العلوم الثقافية على قواعد أنثروبولوجية وثقافية». لقد نشأ تصور الأيديولوجيا الحديث، حينما وصف نابليون أولئك الفلاسفة المعارِضين لطموحاته التوسعية بأنهم «أيديولوجيون»، وهو وصف لا يخلو من تهكم وتحقير.

(65) Thibault Tranchant, "Autonomie et institution du social selon Debray, Gauchet et Castoriadis," Revue Phares, XV–11, no. 4 (2015), pp. 213–235. (66) Ricœur, p. 25. (67) Ibid., p. 37. (68) Karl Mannheim, Idéologie et utopie , Louis Wirth (trad.) (Paris: Librairie Marcel Rivière et Cie, 1956), p. 66.

يمكن اعتبار نظرية فرانسيس باكون Bacon Francis)1626–1561( في «الأيدولا » Idola استباقًا لمفهوم الأيديولوجيا. تعني الأيدولا الأوهام والتصورات المسبقة. وتتميز «الأيدولات» على اختلافها بكونها مصادر للخطأ والوهم، وقد تكون ناتجة من الطبيعة الإنسانية أو خاصة بأفراد بعينهم، كما يمكن نسبتها إلى المجتمع أو إلى التقاليد. تعني الأيديولوجيا مجموعة تمثلات تتسم بعدم مطابقتها للواقع. وعدم التطابق يتأتى من كون التخيل الاجتماعي لا يتقيد بالواقع بل ينتج صورًا ورموزًا تشكل ما يمكن اعتباره عالمًا غير واقعي. اكتسبت كلمة الأيديولوجيا قيمة نظرية ومفهومية، فقد استعملها كارل ماركس عنوانًا لأحد كتبه هو كتاب في الأيديولوجيا الألمانية الذي ألفه مع فريدريك إنجلز، ولكنه لم ينشر إلا بعد وفاته، وتحديدًا عام 932.1 في هذا الكتاب، تدل الكلمة على الهيغليين الشبان، ولكنها تعني أيضًا كل أشكال الإنتاج التي ليست اقتصادية حصرًا مثل الحق والدولة والفن والدين والفلسفة. إن المعنى الأساسي للأيديولوجيا هو «التمثل»، أي التفكر والتصور. التمثل هو مقاربة الموضوع عبر مثال أو صورة لا كما هو في وجوده الواقعي. لا تهتم الأيديولوجيا بمعرفة الواقع كما هو، ولا بتغييره، وذلك لأنها ترى أن الحقيقة متعالية على الواقع وتنتمي إلى نظام مغاير. عبّر ماركس في أطروحته الشهيرة حول لودفيغ فيورباخ Feuerbach Ludwig

(872–1804 1) عن المعنى الأساسي للأيديولوجيا – وهو أيضًا المعنى الذي ينطبق على الفلسفة المثالية – حينما قال: «لم يفعل الفلاسفة شيئًا حتى اليوم سوى تأويل العالم بطرق مختلفة، لكن الأمر الأهم هو تحويله». تخفي الأيديولوجيا كنسق من التمثلات الواقع الحقيقي، وتقدّم بدلً منه صورة متخيّلة أو مشوّهة، وبهذا المعنى فإنها تُعتبر قلبًا للواقع وتزييفًا للحقائق. يقول لويس ألثوسير Louis

Althusser 990–1918(:)1 «عَرَّف ماركس الأيديولوجيا في الأيديولوجيا الألمانية بأنها وهم خالص، حكم خالص أي لا شيء. كل واقعيّتها توجد خارج ذاتها. لقد تم التفكير في الأيديولوجيا كبناء خيالي

مكانته شبيهة بالمكانة النظرية للحلم لدى الكتّاب السابقين على سيجموند فرويد Freud Sigmund (939–1858.)1 بالنسبة إلى هؤلاء الكتّاب الحلم نتيجة خيالية أي لا شيء، بقايا ليلية». يعني نقد الأيديولوجيا عند ماركس، في نهاية التحليل، معرفة الواقع بطريقة موضوعية أي كشف طبيعة العلاقات الاجتماعية وقوى الإنتاج المحددة لها. إن «مفهوم الطبقة المهيمنة هو الحامل المباشر لنظرية ماركس في الأيديولوجيا، ومن ثم فإن كشف قناع الأيديولوجيا يعني كشف بنية السلطة المتخفية وراءها وإظهارها. وما يوجد خلف الأيديولوجيا ليس الفرد بل البنية الاجتماعية». تعبّر الأيديولوجيا

عن علاقة البشر الخيالية بالواقع، فهي لا تدل على علاقات الإنتاج الواقعية، بل عن علاقة الناس الخيالية بعلاقات الإنتاج. إن المخيال مُكوّن لعلاقتنا بالعالم، وقبل أن نتساءل عن الوظيفة المُحرِّفة

(69) F. Bacon, The physical and Metaphysical Works of Lord Bacon (London: C. Bell & Sons, 1891), p. 389. (70) Mannheim, p. 51.

(7((كارل ماركس وفريدريك إنجلز، الأيديولوجية الألمانية، ترجمة فؤاد أيوب (دمشق/ بيروت: دار دمشق، 9761)، ص.653

(72) Louis Althusser, Pour Marx (Paris: Maspero, 1965), p. 99, cité par Ricœur, l’idéologie et l’utopie , p. 197. (73) Ricœur, p. 129.

للخيال أو المُشوّهة للواقع، يجب أن نسأل عما إذا كان للمخيال وظيفة تكوينية. تتعلق الأيديولوجيا بعلاقة الناس بعالمهم وتحديدًا بالوحدة بين علاقتهم الواقعية وعلاقتهم الخيالية بوضعيات وجودهم الواقعية. ليست علاقة الناس بعالمهم المادي مباشِرة، بل هي علاقة غير مباشرة تتشكل من خلال الصور والأوهام والرموز والمتخيلات الاجتماعية. تحدث ماركس عن السلعة المنتجة باعتبارها شيئًا يُنتَزع من ماديته الأصلية فيصبح متخيلً أو متوهّمًا وموضوع تعبد Fetechism. في الأيديولوجيا يحدّد الخيالي الواقعي، ويحدّد الواقعي الخيالي، ولهذا لا يمكن الجزم بطابعها السلبي. لا تردّ الأيديولوجيا إلى الخيالي فحسب، فهي معطى تاريخي، والمتخيّل فيها هو شكل من أشكال الكينونة، ولكن ذلك لا يضعها في مرتبة العلم. يؤكد ألثوسير، في هذا السياق، على التعارض بين العلم والأيديولوجيا. يجب أن يكون كل نقد أيديولوجي نقدًا علميًا، نقدًا يستند إلى مبادئ المنهج المادي الجدلي الذي وضعه ماركس. لا تأتي معرفة الواقع العيني في البداية بل تحصل في نهاية التحليل، «ولا يكون التحليل ممكنًا إلا على قاعدة المفاهيم التي صاغها ماركس لا على قاعدة الملاحظات المباشرة للعياني». ونحن هنا نستطيع مساءلة أطروحة ألثوسير: ما الذي يمنع من أن يكون نقد الأيديولوجيا على الطريقة الماركسية أيديولوجيًّا؟ ما الذي يُثبت أن تحليلات ماركس المتعلقة بعلاقات الإنتاج وقوى الإنتاج، بالبنية التحتية، بالاستغلال، بطبيعة السلطة، وغير ذلك، متطابقة مع الحقيقة؟ لقد أكّد كارل منهايم Mannheim Karl (947–18931) أن كل خطاب عن الأيديولوجيا هو خطاب أيديولوجي. إن موقف من يتهم الخصوم بأنهم أيديولوجيون – كما فعل نابليون – هو موقف أيديولوجي. لا يرفض منهايم التحديد الماركسي للأيديولوجيا باعتبارها إخفاء للحقيقة وتزييفًا للوعي، ولكنه يرفض فكرة التعارض بين الماركسية والأيديولوجيا. إن الماركسية في نظره أيديولوجيا، وعي زائف، تصور نخبوي أو طبقي لا يتطابق مع الحقيقة الموضوعية للأشياء. إن القول بأن «روح الماركسية هو التحليل العياني لوضعية واقعية » هو قول أيديولوجي لا يتطابق مع الواقع (يميّز عدم تطابق الواقع مع الأيديولوجيا واليوتوبيا باعتبارهما شكلين للمخيال الاجتماعي)، وذلك لأن الواقع ليس محددًا بصورة مطلقة. بما أن الواقع هو التجربة الاجتماعية التاريخية فإن كل التصورات والتمثلات والرؤى التي تستعمل للتعبير عنها متساوية القيمة. يمكن أن تتحوّل أيديولوجيا معيّنة، بالرغم من أن وظيفتها الأساسية إدماج الأفراد والجماعات في النظام السياسي وتكريس طاعة المحكومين، من خلال تبرير السلطة القائمة، في يوتوبيا عندما تكف عن القيام بتلك الوظيفة وتطرح إمكانية إقامة عالم آخر، وضعية وجودية جديدة مناقضة لما هو موجود.

(74) Althusser, p. 99. (75) Ricœur, p. 240. (76) Louis Althusser, Positions (Paris: Éditions sociales, 1976), p. 171. (77) Mannheim, p. 70. (78) Althusser, Positions , p. 171. (79) Mannheim, p. 124.

ب. اليوتوبيا

لكلمة يوتوبيا معان مختلفة بحسب سياقات الاستعمال. فهي تعني اللامكان Outopia أو المكان الذي لا وجود له، كما تعني مكان السعادة Eutopia. وتعني كذلك، في السياق الدلالي نفسه، البلد الخيالي أو المثالي، وتدل أيضًا على التنظيم المثالي للمجتمع الإنساني. وقد تُستخدم الكلمة للدلالة على برنامج أو خطة حكومية وكذلك على كل مشروع غير واقعي. ليس المصدر الاشتقاقي للعبارة فقط هو ما يدل على دلالتها الخيالية، بل يدل على ذلك أيضًا الأثر الأدبي الذي ارتبطت به منذ البداية: رواية يوتوبيا (أي اللامكان) لتوماس مور Moore Thomas)1535–1478(. لقد حدّد هذا الأصل الأدبي الخيالي للكلمة دلالتها السلبية بالنظر إلى العقل وإلى الواقع. درس بول ريكور Ricœur Paul (2005–1913) العلاقة بين الأيديولوجيا واليوتوبيا بالرجوع إلى أهم الكتّاب والفلاسفة الذين تناولوا الموضوع مثل توماس مور، وسان سيمون Simon – Saint 1–760(8251)، وتشارلز فوريي Fourier Charles (837–17721)، ومنهايم، وماكس فيبر Weber Max 1–864(9201)، ويورغن هابرماس Habermas Jürgen. وقد رأى أن للأيديولوجيا ثلاثة أدوار أساسية: أولً، تشويه الواقع وتقديم صورة زائفة عنه بحيث يتم إخفاء مصالح الطبقة المهيمنة. ثانيًا، تبرير السلطة القائمة. ثالثًا،

دور الإدماج الاجتماعي. ولكن التمييز بين هذه الوظائف المختلفة يبقى نظريًا، لأنها في الواقع مترابطة ومتداخلة. «تجد وظيفة الإدماج الاجتماعي امتدادها الكامل داخل وظيفة التبرير، كما أن وظيفة التبرير تجد امتدادها داخل وظيفة إخفاء الواقع وتشويهه». إذا كان الخيال يحتل مكانة رئيسة في الأيديولوجيا (ماض متخيّل، تبرير السلطة بحسب مخيال سياسي يرجع حاضر الجماعة إلى الماضي الأصيل)، فإن

«وظيفة اليوتوبيا هي انتشال الخيال الاجتماعي من داخل الحدود الضيقة للواقع المعيش وإسقاطه خارج ذلك الواقع غير أنه خارج ليس له مكان معيّن». يميّز منهايم بين «حالات الفكر الأيديولوجية» و«حالات

الفكر اليوتوبية»، وهذه الأخيرة تختص بنزوعها إلى تجاوز الواقع والانفصال عن النظام القائم. كما أكد منهايم على البعد الثوري لليوتوبيا: «في كل حقب التاريخ ظهرت أفكار تجاوزت الواقع القائم ولكنها لم تُشكّل ‘يوتوبيا’ بقدر ما شكلت أيديولوجيات خاصة بتلك الحقبة ومندمجة في الفكر السائد أي إنها لم تكن تحمل إمكانيات ثورية». تبدو الأيديولوجيا أقرب إلى التبرير والتسويغ السياسي لواقع سلطة معيّن، ويمكن أن تكون ذات طابع إصلاحي على عكس اليوتوبيا التي ترفض الواقع بالكلية وتراهن على

إنشاء عالم جديد، لاواقعي، في لامكان، وعالم غير محدد المعالم.

(80) André Lalande, Dictionnaire technique et critique de la philosophie (Paris: Delta/ PUF, 1996), pp. 1178–1179.

(8((توماس مور، يوتوبيا، ترجمة أنجيل بطرس سمعان (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.)1987

(82) Ricœur.

(8((بول ريكور، «الخيال الاجتماعي ومسألة الأيديولوجيا واليوتوبيا»، ترجمة منصف عبد الحق، مجلة الفكر العربي المعاصر، العدد 67–66 (9891)، ص.98–89 ((8(المرجع نفسه، ص.95

(85) Mannheim, p. 124. (86) Ibid., p. 125.

بما أن الخاصية التي تميّز اليوتوبيا هي تجاوز الواقع نحو عالم آخر لا يوجد في أي مكان، فإن كل

اليوتوبيات ستكون منفصلة عن الواقع الاجتماعي والتاريخي الذي ظهرت فيه. اليوتوبيا هي ردة فعل على الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي وصرخة احتجاج ضد واقع القهر والحرمان وعدم المساواة. وهي، علاوة على ذلك، نقد جذري لكل الأيديولوجيات. ذلك ما يفسر اتساع نطاق الخيال اليوتوبي وتنوع اليوتوبيات بمعنى تخيل أشكال وجود بديلة: تنظيم اجتماعي صارم أو وجود يتسم بالحرية التامة للأفراد، إشباع تام للأهواء والرغبات الإنسانية أو تقشف وورع تام... إلخ. «ما تُدينه اليوتوبيا هو استعمال السلطة في إطار مؤسسات الاقتصاد والعائلة والدين»، إنها شكل من أشكال الاحتجاج الخيالي على انحرافات العصر الذي تظهر فيه. قد يُعتبر تنوّع اليوتوبيات دليلً على تناقض الفكر اليوتوبي وعلى مفارقات اليوتوبيا، ولكن ‘التناقض’ و‘المفارقة’ وغيرهما مفاهيم منطقية لا قيمة لها في «الذهنية اليوتوبية» التي تحكمها المخيلة اللامحدودة. يمكن اعتبار اليوتوبيا تعبيرًا عن حدود العقل السياسي أو عن ضيق أفقه. إن ما لا يقبل به العقل يمكن

أن يكون أصلً لتكوّن المجتمع الإنساني. تُعبّر الذهنية الطوباوية Mentality Utopian عن جانب من

التجربة الإنسانية التاريخية تَستبعدُه المقاربة العقلانية. وبما أن تلك التجربة هي بطبيعتها ثرية وعميقة، فإن يوتوبيا واحدة لا يمكنها أن تحيط بها. لقد صيغ الفكر اليوتوبي في أشكال وتعبيرات مختلفة. ويمكن القول إن الأفكار الطوباوية واليوتوبيات المختلفة التي ظهرت عبر العصور كانت تعبيرًا خياليًا

ورمزيًا عن المشكلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وعن الأزمات الروحية والأخلاقية التي واجهها مجتمع ما في فترة معيّنة من تاريخه. قد ينجح المخيال الاجتماعي في اجتراح حل «خيالي»

لمشكلة «عينيّة». وفي هذا المستوى يمكن أن نشير إلى أن الاختلاف بين اليوتوبيات من حيث التوجهات

والمضامين كان مرتبطًا بالمراحل التاريخية التي ظهرت فيها. تعتبر مدينة الشمس (0216) للراهب الدومينكاني كمبانلا Campanella (9–1568163) صدى للتحولات الاجتماعية والدينية والسياسية التي عرفتها أوروبا خلال عصر النهضة. لقد تميز ذلك العصر بهيمنة الكنسية (محاكم التفتيش) وبظهور حركة الإصلاح الديني وبالعودة إلى الأصول الإغريقية والرومانية، وكذلك ببروز أفكار فلسفية جديدة (الذاتية، المعرفة العلمية). يدل العنوان الفرعي لهذا الكتابعلى المضمون السياسي للمتخيل الطوباوي: «حوار حول الجمهورية تمّت البرهنة فيه على أن فكرة إصلاح الجمهورية المسيحية متّفقة مع الوعد الذي قطعه الله للقديسة كاترين والقديسة بريجيت». لقد ركّزت يوتوبيات القرن الثامن

(87) Ricœur, pp. 36–37. (88) Mannheim, p. 155.

(8((يميز منهايم في كتابه الأيديولوجيا واليوتوبيا بين أربعة أصناف من اليوتوبيات: اليوتوبيا الألفية Chiliasme, Millénarisme التي تنحو نحو الثورة الاجتماعية انطلاقًا من دوافع دينية، ويوتوبيا النزعة الإنسانية الليبرالية، واليوتوبيا المحافظة، واليوتوبيا

الاشتراكية–الشيوعية. ينظر:

Mannheim, pp. 154–196. (90) Tommaso Campanella, La cité du soleil , Arnaud Tripet (trad.) (Paris:Mille et une nuits, 2000).

((9(شاتليه [وآخرون]، ص.810–807

عشر في أوروبا على السلطة المطلقة والتنظيم المحكَم للمجتمع بهدف تجنّب الفوضى والانحلال الأخلاقي والعوز المادي، ولم تُعر الحريةَ الفردية أهميةً تذكر. ورغم ذلك فإن بعض اليوتوبيات، مثل كتابات دي فوانييه Foigner De (92–163016)، وديدرو Diderot (784–17131)، خرجت عن التراث الطوباوي التقليدي «بإضفائها أهمية كبرى على حرية الفرد، فقد أراد كلّ من جابريل مابلي Gabriel 1) أن يقيما المساواة 782–1717(Étienne – Gabriel Morelly 1) ومورلّلي 785–1709(Mably الطبيعية بين البشر، وأن يضعا مجموعة من القوانين والتنظيمات الصارمة التي تهدف إلى جعل البشر متساوين بحق». يقوم الخيال الاجتماعي على «التوتر بين وظيفة الإدماج ووظيفة الهدم [...] ويبدو أنه لا يمكنه أن يمارس وظيفة المغايرة والغرائبية والانفتاح إلاّ من خلال اليوتوبيا. ولا يمكنه كذلك أن يمارس وظيفة تكرار الواقع وتصويره إلا من خلال الأيديولوجيا». لا يعني ذلك أن للأيديولوجيا واليوتوبيا، بما هما شكلان للمخيال الاجتماعي، الأهمية نفسها دائمًا. اقترنت اليوتوبيا برفض الواقع القائم وبالتطلع إلى عالم آخر تتحقق فيه كل الحاجات والرغبات والآمال. وأما الأيديولوجيا فهي ليست دائمًا تبريرية ومحافظة، إذ يمكن أن تكون ثورية وحاملة لرؤية يوتوبية. يمكن أن «تظهر اليوتوبيا في فعل سياسي أو في خطاب فلسفي مجسّدة أو مشرعنة بذلك مسلّمةَ قابلية الإنسان الضرورية والقطعيّة للتحسن». إن للخيال الجماعي دورًا أساسيًا في تكوين الواقع المادي الذي يوجد فيه البشر؛ فهو يضفي على

الأشياء معاني، ويحوّلها إلى رموز ضرورية لاستمرار التلاحم بين أفراد المجتمع. يمكّن المخيال الاجتماعي مجموعة معيّنة من الوعي بذاتها، ويسمح لها بتمثّل وضعيتها في العالم. إنه يتعلق بكل

جوانب الحياة الاجتماعية، وهو لا يحدد الذات الجماعية فقط بل يحدد انتماء الأفراد إلى ذلك المجتمع بحكم أنه مصدر الدلالات والمعاني والتمثلات الضرورية لوحدة المجتمع وديمومته. يمكن القول إن المخيال السياسي ليس إلا شكلً من أشكال المخيال الاجتماعي الذي يمكن أن يتخذ أشكالً مختلفة مثل الأساطير التأسيسية والأيديولوجيا واليوتوبيا والدين. اليوتوبيا شكل من أشكال المخيال الاجتماعي ووسيلة رمزية للاحتجاج على الواقع. وهي أيضًا اجتراح لإمكانية إيجاد واقع بديل. إنها تساعد مجموعة بشرية على تحمّل واقع موسوم بالشدة. ولكن يجب ألّ نكتفي فقط بالنظر إلى اليوتوبيا من هذا الجانب فقط. بما أن اليوتوبيا ضرب من ضروب المخيال الاجتماعي لا يخضع لمعايير وقواعد العقلنة، فمن الممكن أن تتطابق مع رؤى وتصورات شمولية لا تعير طبيعةَ الواقع ومقتضياتِ العقلانية أهميةً. لقد عرَف

التاريخ السياسي أنواعًا من اليوتوبيا، تحوّلت إلى أيديولوجيات رهيبة، حينما راهنت على خلق مجتمع

(9((ماريا لويزا برنيري، المدينة الفاضلة عبر التاريخ، ترجمة عطيات أبو السعود، سلسلة عالم المعرفة 225 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 9971)، ص.265 ((9(ريكور، «الخيال الاجتماعي ومسألة الأيديولوجيا واليوطوبيا»، 9891، ص.97

(94) Castoriadis, L’institution imaginaire de la société , p. 21.

نمطي باستعمال كل الوسائل بما في ذلك التهجير والقتل. ولعل التجربة النازية في النصف الأول من القرن العشرين دليل كاف على ذلك. برّر العقل السياسي الطوباوي العنف والحرب والجريمة باسم

قداسة المَثل الأعلى، وانطلاقًا من متخيّل جماعي ذي مضامين وهمية مثل نقاء الهوية والامتياز العرقي

والرفعة الحضارية. باسم الثورة الشعبية، تحوّلت اليوتوبيا الشيوعية الحديثة، على سبيل المثال، إلى جهاز أيديولوجي ضخم تماهى مع الدولة. من المعروف أن الدولة الثورية في الفترة الستالينية تحولت إلى دولة العنف الأقصى الذي شهدت معسكرات الغولاغ Goulag على فظاعته. ما تزال المرجعية الطوباوية إلى اليوم تشكل مرجعية للأيديولوجيا الشوفينية التي تقبل بكل أشكال العنف والإقصاء، والمثال البارز على ذلك هو أيديولوجيا «شعب الله المختار» المستندة إلى أوهام لاهوتية قديمة. تمثل الأيديولوجيا واليوتوبيا شكلين أساسيين من أشكال المخيال الاجتماعي، وسواء وُجدا معًا وقام كل واحد منهما بالدور الخاص به في لحظة ما من تاريخ مجتمع معين أو ساد واحد واختفى الآخر، وسواء تكاملا أو تناقضا من حيث الوظائف والأدوار، فإن الثابت هو أن المخيال الاجتماعي له بُعد أنطولوجي أي إنه يتميز بوظيفة تكوينية. هذه الوظيفة التكوينية أو التأسيسية هي التي تميّز ما يسميه

كاستورياديس «المخيال الجذري للمجتمع». يجب قبول هذا المفهوم باعتباره دالًّ على سلطة وضع الصور والدلالات الأولية، بمعنى أن تلك الصور لا تنحدر من شيء سابق يُعدّ سببًا لها بل «إنها إبداع

عفوي لا تبرير له ولا طائل من السعي إلى تفسيره». لا تتعارض اليوتوبيا مع الأيديولوجيا بصورة مطلقة، فاليوتوبيات يمكن أن تتحوّل إلى خطط اجتماعية وبرامج سياسية تستمد قوّة تحشيدها من عناصر المخيال الجماعي المشترك، والتي تُطرح كمعالم لعملية تغيير واقع الجماعة نحو الأفضل. إن هيمنة التصور العلمي للعالم Conception s ’ World Scientific لا تعني أن الفكر الحديث قطع مع كل رؤية خيالية للعالم، وأن الفكرة اليوتوبية فقدت كل وجاهة ولم تعد مقبولة. بما أن الناس لا يكتفون بمجرد حياة حسية مادية ويتطلعون باستمرار إلى تغيير أوضاعهم المادية وحالاتهم الروحية، فإنهم يتخيلون ما ليس موجودًا الآن. إن تصوراتهم، بما فيها تلك التي تبدو عقلانية صرفًا، لا تخلو من مضمون خيالي أو طوباوي. لقد تضمنت التصورات السياسية الكبرى أو ما سمي «الديانات العَلمانية»، بُعدًا طوباويًا قد يكون هو الذي جعلها تتحوّل، في الواقع، إلى نقيض ما كانت تدعو إليه. ولا ريب في أن صعود الشعبوية Populism في المجتمعات الديمقراطية المعاصرة دليل على فاعلية المخيال الطوباوي ودوره في توجيه الناس وتحديد الخيارات السياسية. لا يكفي لإدراك حقيقة المخيال السياسي، ومعرفة وظيفته، وتحديد قيمته العملية في الحياة الاجتماعية،

(95) Poltier, pp. 419–439. (96) Marcel Gauchet, La démocratie contre elle–même (Paris: Gallimard, 2002), p. 29.

(9((ورد في: برتران بادي ودومينيك فيدال (إشراف)، عودة الشعبويات، ترجمة نصير مروّة (بيروت: مؤسسة الفكر العربي، 2019)،

ص.32–9

التركيزُ على الأيديولوجيا واليوتوبيا فقط. يجب إيلاء الدين، بما هو شكل أساسي من أشكال المخيال الاجتماعي، الأهمية التي يستحقها ولا سيما أن وظيفته السياسية – الأيديولوجية ووظيفته الاجتماعية – الإدماجية تكادان تكونان محل إجماع بين جمهور الباحثين.

ج. المخيال السياسي الديني

ماذا يعني المخيال السياسي الديني؟ وهل المخيال السياسي الديني منفصل عن الأيديولوجيا واليوتوبيا؟ طرح ريجيس دبراي منذ بداية ثمانينيات القرن العشرين تصورًا نقديًا للعقل السياسي يقوم على فكرة الأصل الديني للمجتمعات البشرية. لم تكن أطروحته ردة فعل على التوجه العقلاني للفلسفة السياسية الحديثة من هوبز إلى هابرماس فقط، بل كانت مقاربة مختلفة للسياسي مقارنةً بالمقاربات المتداولة. لا يتمثل أساس المجتمع في النشاط الاقتصادي (البنية التحتية) أو في المخيال الجماعي أو في السياسة، بل في الشعور الديني الأصلي الذي يجعل الإنسان تابعًا لقوة مفارقة ومتعالية. يوجد سبب وجود المجتمع وشرط استمراره خارجه، إنه مصدر متعالٍ ومفارق (الآلهة، الأرواح، الله). إن الاعتقاد في ذلك المبدأ المتعالي هو الذي يضمن وحدة الجماعة واستمرارها، وما دام الأفراد أعضاءً في الكل الاجتماعي فإن المعتقد يمارس عليهم ومن خلالهم فاعليته. ليس المعتقد الديني أمرًا عارضًا وليس ظاهرة تاريخية، بل هو شأن ملازم للوجود الإنساني، ولذلك يمكن افتراض أن الدين يؤسس المجتمع. يقول دبراي: «من العقلاني أن يوجد ما ليس عقلانيًا في المجموعات البشرية، إنه شرط وجودها. توحّد الأساطير المجتمع وتضمن استمراره. ومن الطبيعي أن يوجد ما هو مفارق للطبيعة لأن الجماعي لا يوجد من تلقاء نفسه». هل يمكن فصل الدين عن المخيال الاجتماعي؟ أليس الدين في كل أشكاله التاريخية نظامًا رمزيًا، رؤية رمزية للعالم وتمثلً خياليًا للطبيعة وللمجتمع ولمَا يتجاوزهما (عالم آخر، خفي، ومجهول)؟ يقوم التصور الديني على فكرة التعالي: ثمة كائن متعال، مطلق، مغاير للوجود الإنساني ومفارق للوجود الطبيعي بصورة مطلقة. إن الإلهي منفصل عن الطبيعة والإنسان. يدرك الإنسان ذلك الانفصال فيسعى إلى الاتصال بالمطلق بواسطة ملكة التخيّل. انطلاقًا من هذه الفكرة ستعرّف التمثلات الدينية والتصورات اللاهوتية كمتخيلات مشتركة. يمكّن المخيال الديني البشر من الاتصال بالمتعالي والارتباط بالمقدس الإلهي. يؤدّي المخيال دورًا أساسيًا في التجربة الدينية فردية كانت أم جماعية: جوهر المتعالي (الغيرية المطلقة) الذي لا يدرك بواسطة مقولات العقل الخبري يصبح موضوع انفعال ووجدان وحدس بواسطة التخيّل. لقد أدى تخيّل الآلهة في الثقافات القديمة إلى تجسيدها في ظواهر

(98) Debray, pp. 178–180. (99) Ibid., p. 262.

طبيعية وكائنات حية. وما عقيدة التجسّد (حلول الرب في الإنسان) إلا شكل من أشكال المخيال الديني. لا تتحدد قيمة الدين من جهة مضامينه العقدية وأبعاده الروحانية فقط، بل تتحدد كذلك من جهة الوظيفة الاجتماعية المزدوجة التي تميّزه، نقصد الوظيفة التأسيسية والوظيفة الإدماجية. تنظّم التعاليم

الدينية العلاقة الروحية بين الجماعة البشرية والمطلق، كما تنظّم العلاقات الزمنية بين الأفراد والجماعة ككل، من جهة، والحكام من جهة أخرى. وظيفة السلطان السياسي هي إذًا دنيوية وزمنية بحكم اندراجها في التاريخ، إلا أنها تتضمن بعدًا مقدسًا. إن ما يجعل طاعة السلطة الزمنية واجبة لا يكمن في طبيعة وظيفتها بل في مصدرها المفارق. نستطيع في هذا المستوى أن نستحضر فكرة الملك – الإله God – King، لدى المصريين القدامى، أو نظرية «الحق الإلهي» في الفكر السياسي الأوروبي القروسطي، أو النظرية السياسية – الدينية في التراث الإسلامي (الخلافة السنية والإمامة الشيعية). إن ما يعطي التصورَ السياسي – الديني أهميةً وخطورةً هو أنه يؤسس السلطة خارج المجتمع والتاريخ، بحيث تعتبر الطاعة عنصرًا من عناصر العقيدة. كيف تحددت السلطة خياليًا في الدين؟ أو ما ملامح

السلطة في المخيال الديني؟ لقد جرى تبرير السلطة السياسية دينيًا خلال فترة طويلة من تاريخ البشرية، وأسست المشروعية السياسية

Legitimacy Political للحكام على الدين، وبصورة أدق على تأويل سياسي معيّن للدين. اعتُبر

الحاكم الزمني، في الفكر السياسي اللاهوتي، تحققًا فعليًا لنموذج الحكم الإلهي: الملك أو الأمير هو

ظل الله في الأرض وطاعته من طاعته، بل إن الطاعة الثانية لا تكتمل إلا بالأولى. من النافل القول إنه في التاريخ السياسي الأوروبي تم تبرير الحكم المطلق بتفسير نصوص العهد القديم وتأويلها، حيث أُبرزت فكرة السلطة المطلقة التي كان يتمتع بها الآباء ليشتق منها «الحق الإلهي للملوك». يمكن أن نلاحظ الشيء نفسه في التاريخ السياسي الإسلامي، حيث ظهرت كتابات سياسية يمكن إدراجها تحت عناوين «الآداب السلطانية» أو «فقه السياسة» وهي تمثّل، رغم تباينها، عناصر خطاب أيديولوجي يسعى إلى تبرير السلطة المطلقة دينيًا. حقًا، إن «العقل السياسي العربي مسكون ببنية

المماثلة بين الإله والأمير (سواء كان الأمير فرعون أو بختنصر أو خليفة أو ملكًا أو سلطانًا أو رئيسًا أو زعيمًا)، البنية التي تؤسس على مستوى اللاشعور السياسي ذلك النموذج الأمثل للحكم الذي يجذب

10(((جيمس ج. فرايزر، الغصن الذهبي: دراسة في السحر والدين، ترجمة نايف الخوص (دمشق: دار الفرقد، 2014)، ص –130 (10((المرجع نفسه، ص.137

(102) Robert Filmer, Patriarcha and other Writings (Cambridge: Cambridge University Press, 1991), pp. 41–42; Robert Filmer, Patriarcha ou du pouvoir naturel des rois (Paris: L’Harmattan, 1991).

10(((عبد الجواد ياسين، السلطة في الإسلام، ج 2 (بيروت: دار التنوير، 2012)، ص.65–60 10(((محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 9901)، ص –329

العقل السياسي العربي منذ القدم إلى اليوم، نموذج ‘المستبد العادل»’. يوفّر الدين العناصر الخيالية المكوّنة لصورة المقدس والضرورية لإنتاج وإعادة إنتاج مخيال السلطة. إن السلطة لا محدودة،

عظيمة، مقدسة، ربانية، وهي تحتاج إلى البهرج كي تظهر وتطاع. إنها ليست في متناول أي كان، بل هي حكر على بعض المصطفين والأشراف. لا يعني اعتبار النظام السياسي الحديث نظامًا «عقلانيًا» أن السياسي تحرّر تمامًا من الديني. من

الصعب أن تتخلص التجارب السياسية وأشكال التنظيم السياسي المختلفة من «سيناريوهات المقدس وصوره وأشكاله»، وحتى إن كنا مقتنعين تمام الاقتناع بانفصال السياسي عن الديني أو بضرورة ذلك الانفصال فمن اللازم، لفهم السياسي، أن يؤخذ التقارب أو التواطؤ بين السياسي واللاهوتي في الاعتبار. يدل تأثير الديني الذي نلاحظه اليوم في المجتمعات المعاصرة، وبصورة خاصة في المجتمعات التي لا تزال تحافظ على ثقافة وقيم تقليدية، على أن التنظيم العقلاني للمجتمع لا يتعارض مع الرؤية الدينية للإنسان والعالم. إن القول بأن الدين يمثّل شكلً من أشكال الوعي الجمعي البدائي لا يفسّر

حقيقة الدين ولا يفسر سبب استمرار دوره في تنظيم المجتمع المعاصر وتأثيره في السياسة. في هذا السياق، كثيرًا ما يتم استحضار أطروحة كارل شميدت Schmidt Karl (985–18881) القائلة بأن

المفاهيم الأساسية في النظرية الحديثة للدولة هي مفاهيم لاهوتية معلْمنَة. مصدر الفكر السياسي

الحديث، في نظر شميدت، هو الدين المسيحي. نستطيع أن نستخلص من ذلك أن ذلك الفكر لا يمكنه أن يتجاوز الأفق اللاهوتي الذي يستمد منه حقيقته وغاياته. نُقلت المفاهيم اللاهوتية خلال مسار تطور المجتمعات التاريخي إلى مجال الفكر السياسي وأسندت إليها دلالات جديدة تتلاءم مع التوجه التاريخاني فحل «المشرع المقتدر» محل الله القادر على كل شيء، وحلّ الاستثناء في علم التشريع محلّ المعجزات التي تحدثت عنها النصوص الدينية وبرّرها علم اللاهوت.

الديني إذًا هو الذي يؤسس السياسي. لقد بيّن دبراي أن المجتمع البشري لا يتأسس من تلقاء

نفسه أو استنادًا إلى عناصره الخاصة ولكنه يحتاج إلى مصدر خارجي يكون مبرّرًا لوجوده وضامنًا

لاستمرار وحدته. وتتأكد فاعلية ذلك المصدر من خلال الاعتقاد الجماعي فيه. ليس الاعتقاد، في نظر دبراي، أمرًا عرَضيًا وليس ظاهرة تاريخية بل هو أمر ملازم للاجتماع البشري. الاعتقاد الديني،

وهو بطبيعته لا يحتاج إلى تبرير عقلاني أو منطقي، هو أساس المجتمع، والدين هو الأيديولوجيا الأساسية التي يعبّر المجتمع عن نفسه من خلالها. «إن السياسة شأن يتعلق بالآراء، وحتى إن

(10((المرجع نفسه، ص.356

(106) Wunenberger, p. 107. (107) Ibid., p. 107.

10(((كارل شميت، اللاهوت السياسي، ترجمة رانيا الساحلي وياسر الصاروط (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص 94؛

Karl Schmidt, Théologie politique (Paris: Gallimard, 1988), p. 46. (109) Debray, p. 180.

كان ‘الرأي العام’ خيالً ليس له أسس موضوعية، فإن مجرّد الاعتقاد في وجوده يجعل منه حقيقة

سياسية موضوعية». يمكن أن تكون الأيديولوجيا صرخة احتجاج ضد الظلم الاجتماعي أو الاستبداد السياسي أو الاضطهاد الديني فتطرح بدائل وجودية متخيّلَة، قوامها العدل والمساواة والتعارف بين البشر أو بدائل لأنماط

عيش مغايرة سماتها الوفرة أو اللذة أو الزهد. ويمكن كذلك أن تتحوّل اليوتوبيا إلى أيديولوجيا قهرية

تسلطية. ومن دون شك نستطيع أن نقول الشيء نفسه عن الدين بسبب قابليته للتوظيف الأيديولوجي. يمكن للعقل، بالنظر إلى احتمال انحراف المخيال الاجتماعي في أشكاله المختلفة، أن يكون مرجعية من شأنها أن توجّه المخيال الاجتماعي – السياسي، بحيث يؤدّي دورًا إيجابيًا، ويكون وسيلة للعمل

والنضال من أجل تحسين ظروف وجود البشر. لا تختزل العقلانية المعاصرة في العلم والتقنية، فهي تشمل، إضافة إلى البعد المعرفي والتقني، الإيتيقا والسياسة.

خاتمة

لقد أدى نقد العقل السياسي إلى إعادة النظر في ادعاء العقل صلاحية إنتاج مفاهيم وتصورات السياسي بصورة حصرية. كشف النقد أن «السياسيَّ»، باعتباره بعدًا من أبعاد الوجود الإنساني، لا يُختزل ولا يُردّ

إلى «العقلي» فالواقع العياني لا تنطبق عليه بالضرورة مبادئ ومقولات العقل. يُنتج العقل مفاهيم

وتصورات تطرح كقوالب أو نماذج يُشكَّل وفقها الوجود الاجتماعي. ولكن هناك عناصر أخرى مكوّنة

للمجتمع لا يمكن إدراجها ضمن التصور العقلاني. اعتُبرت العقلانية السّمة الأساسية للحداثة في بعدها الفكري – العلمي وفي بعدها المادي – التقني.

ووفق الرؤية الحديثة للعالم، تمّ إخضاع كل ما يتعلق بالطبيعة والإنسان لمعيار النظر العقلي. وفي

المستوى السياسي طرح العقل كقاعدة أساسية لتأسيس المجتمع ولتنظيمه وتحديد غاياته. انطلاقًا من مركزية العقل تم تقييم تاريخ البشرية سلبيًا، واعتبر التاريخ السياسي في مُجمله حقبة طويلة من الطغيان

بسبب هيمنة التمثلات الأسطورية والدينية المتعلقة بالسلطة؛ أي بسبب انعدام الوعي العقلاني بحقيقة الظواهر السياسية. اهتم الفكر السياسي الحديث بالبرهنة على مبادئ الوجود السياسي وضرورة تنظيم المجتمع سياسيًا، وعلى مستوى الممارسة تجسدت السياسة الحديثة كاقتدار على تنظيم المجتمع

وتوجيهه بحسب مخططات عقلانية. وباختصار، عُرّفت السياسة الحديثة ومُورست كتقنية وكهندسة

اجتماعية. رأينا أن الفلسفة السياسية الحديثة – وهي عقلانية بحكم انتمائها إلى الحداثة – لم تتخلص تمامًا من

الخيال ولم تتمسّك بالتعارض بين العقلي والخيالي؛ فقد استعمل فلاسفة العقد الاجتماعي، على

سبيل المثال، فرضيات خيالية مثل «حالة الطبيعة» و«العقد الأصلي» أو «العقد الاجتماعي» و«الإنسان الأول» والحيوان الأسطوري (اللفياتان)... إلخ.

(110) Ibid., p. 177.

لم يتمتع الخيال في النظرية السياسية الحديثة إلا بمكانة هامشية، وقد تم استعماله في حدود التوضيح اللازم للنظرية. إن الواقع، موضوع المعرفة، هو الذي حدّد مضمون العنصر الخيالي في سياق النظرية. إن السياسي هو، في الوقت نفسه، موضوع التأمل والنظر العقلي (وضع المبادئ، استنباط المعايير، حساب علاقات القوى)، وموضوع الممارسة أي الفعل الجماعي المنظّم والهادف إلى تحقيق غايات معيّنة. بهذا المعنى تكون السياسة العقلانية تقنية (مكيافيلي، هوبز). ولكن ألا يكون الاعتقاد في

العقلانية وفي شموليتها مجرّد وهم عقلي، ولا سيما أن للعقل أوهامه الخاصة كما بيّن كانط. ليست

الأوهام خاطئة بالضرورة لأنها تعبير عن آمال البشر. لا يحدّد الأمل أو الرجاء بحسب مقولات الخطأ والصواب. لعل الآمال الكبرى التي علّقها المحدَثون على العقلانية هي السبب الذي جعلهم يُهملون

أبعادًا أخرى للواقع ومن أهمّها المخيال الاجتماعي. لقد ظهرت في الحقبة المعاصرة مقاربة أخرى للسياسي تشكّلت بصورة خاصة في ميادين الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع السياسي والفلسفة السياسية، وكان عنوانها الأساسي هو المخيال السياسي. لا تنفصل السياسة عن المخيال باعتباره رؤية جماعية لنمط الوجود الاجتماعي تقوم على مجموعة من الصور والرموز والخيالات والأساطير والأوهام. لقد تبينّا أن للمخيال السياسي دورًا تأسيسيًا ودورًا تنظيميًا.

لا تستمر جماعة ما، إلا من خلال اشتراك أفرادها في المخيال نفسه الذي يصل واقعها بماضيها (الأحداث التأسيسية) وفي الوقت نفسه، يفتح أمامها إمكانيات المستقبل. المخيال الاجتماعي نتاج الواقع الاجتماعي والتاريخي لشعب أو أمة، وهو ذو فاعلية في مستوى تغيير ذلك الواقع. مخيال «السيادة الشعبية»، مثلً، كان عاملً حاسمًا في الانتقال من الحكم الملكي

المطلق إلى الحكم الديمقراطي. إن الواقع ليس أبدًا تجسيدًا لخطة عقلية قبلية، بل هو مجال مركّب يتداخل فيه الحقيقي والوهمي، المادي والمثالي، الزمني والروحي، العقلاني والخيالي. يُمكّنُ الخيال

من تجاوز حدود الواقع المادي ومن التطلع إلى الممكن واستشراف المستقبل. رأينا كيف أن اليوتوبيا تخترق حدود التصور السياسي العقلي وتفتح آفاقًا واسعة لإمكانيات وجود أخرى. إن اتساع المتخيّل

اللامعقول يعوّض ضيق الواقعي المعقول. هناك من يذهب إلى القول بنهاية اليوتوبيا؛ لأنها منفصلة عن الواقع الاجتماعي التاريخي. وعلى ذلك، يترتب القول بانتهاء كل دور ممكن للمخيال في المجال السياسي. بحسب هذه الدعوى، لم يعد في الإمكان تخيّل شكل وجود آخر مختلف عن المجتمع الليبرالي القائم على الفردانية المتملّكة

وسلطة القانون، كما لم يعد في الإمكان تخيّل نظام سياسي آخر مغاير للديمقراطية السياسية المنظّمة

لتداول النخب على السلطة بطريقة سلمية. الحرية والديمقراطية والسوق، تلك هي الأقانيم الثلاثة التي طرحت كمحدّدات للوجود البشري في جانبه الأخلاقي (الحرية الفردية) والسياسي (الديمقراطية

(111) Kant, "Préface de la deuxième édition (1781)," in: Kant, pp. 31–32.

1(((1 كارل بوبر، المجتمع المفتوح وأعداؤه، ترجمة السيد نفادي، ج 1 (بيروت: دار التنوير، 2014)، ص.270–269 (((11 فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ والإنسان الأخير، ترجمة فؤاد شاهين [وآخرون] (بيروت: مركز الإنماء القومي، 1993)، ص.269–268

الليبرالية) والاقتصادي (الرأسمالية). وهي، على غرار الأقانيم المسيحية، تشكل موضوع اعتقاد (عقيدة) لا يجوز نقدها أو التشكيك فيها، ومن يتجرأ على ذلك هو إما فوضوي، وإما اشتراكي، وإما شيوعي متمسك بأيديولوجيا تجاوزها الزمن. يرى أصحاب هذه الرؤية، مستلهِمين فكرة «نهاية التاريخ» الهيغلية، أنه لم يعد ثمة مجال لظهور يوتوبيات جديدة، وذلك لأن عقلية المعاصرين لم تعد تقبل بالخيالات والأوهام؛ فقد ألغت الثورات السياسية والتحولّات الاقتصادية والاجتماعية إضافة إلى التطورات العلمية والتقنية شروط إمكان تحقق الفكرة اليوتوبية. لم يعد البشر في حاجة إلى بناء خيالي لمجتمعٍ تتحقق فيه الحاجات وتُشبع فيه الرغبات، ولم يعد للمتخيلات الاجتماعية أهمية تذكر؛ فقد أصبح كل شيء في المجتمع وفي العالم قابلً للتحليل الكمي والتفسير العقلاني بل إن الخيالي صار قابلً للتحقق. لا تخرج هذه الدعوى عن نطاق الرؤية الأيديولوجية التي تتجاهل أو تخفي حقيقة الواقع. لا ينفصل المخيال السياسي عن المجتمع. يتجلى ذلك المخيال في أشكال تختلف باختلاف المجتمعات ودرجة تطورها المادي والفكري. لقد أبرزنا الأشكال الثلاثة التي اعتبرناها ذات قيمة وراهنية: الأيديولوجيا، واليوتوبيا، والدين. ولكن يجب أن نلاحظ أن هذه الأشكال، بحكم جوهرها المشترك (المخيال الاجتماعي)، يمكن أن تتماهي فتأخذ شكلً متميزًا قد يغلب عليه عنصر بعينه يكون أيديولوجيًا، أو يوتوبيًا، أو دينيًا. يمكن أن يكون للأيديولوجيا مضمون يوتوبي، كما يمكن أن تتحوّل

اليوتوبيا إلى أيديولوجيا، كما أن الدين يمكن أن يؤدّي في آنٍ واحد دور التبرير الأيديولوجي والوعد بالخلاص الطوباوي. إن العقلانية الحديثة ابتكار خطير، وخطورته تتجلى في التطور التقني الهائل الذي لم يغير الطبيعة والإنسان فحسب، بل غير نظرة الإنسان إلى ذاته وجعله يعيد النظر في تصوراته القديمة وفي قيمه التقليدية. لقد انفصلت العقلانية عن العقل مفهومًا كمصدر للأفكار والقيم الكونية. ولعل الإنسانية هي اليوم أحوج ما تكون إلى إعادة توجيه العقلانية الأداتية وفق عقلانية معيارية وأخلاقية. يُفترض ضمن هذه العقلانية المعيارية أن يحتل المخيال السياسي حيزًا مهمًا. نحن في حاجة إلى المخيال من أجل ابتكار مقوّمات وجود مشترك يتطلبها الواقع العالمي الجديد.

References

المراجع

العربية

أرسطوطاليس. السياسة. ترجمة أحمد لطفي السيد. بغداد/ بيروت: منشورات الجمل،.2009 بادي، برتران ودومينيك فيدال (إشراف). عودة الشعبويات. ترجمة نصير مروّة. بيروت: مؤسسة الفكر العربي،.2019 برنيري، ماريا لويزا. المدينة الفاضلة عبر التاريخ. ترجمة عطيات أبو السعود. سلسلة عالم المعرفة 225. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1997

بوبر، كارل. المجتمع المفتوح وأعداؤه. ترجمة السيد نفادي. ج.1 بيروت: دار التنوير،.2014 تايلور، تشارلز. المتخيلات الاجتماعية. ترجمة الحارث النبهان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 الجابري، محمد عابد. العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1990 ديكارت، رينيه. مقال عن المنهج. ترجمة محمود محمد الخضيري. ط 2. القاهرة: دار الكاتب العربي للطباعة والنشر،.1968 ريكور، بول. «الخيال الاجتماعي ومسألة الأيديولوجيا واليوتوبيا». ترجمة منصف عبد الحق. مجلة الفكر العربي المعاصر. العدد 1).989(67–66 ________. محاضرات في الأيديولوجيا واليوتوبيا. ترجمة فلاح رحيم. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.2002 شاتليه، فرانسوا [وآخرون]. معجم المؤلفات السياسية. ترجمة محمد عرب صاصيلا. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2014 شتراير، جوزيف. الأصول الوسيطة للدولة الحديثة. ترجمة محمد عيتاني. بيروت: دار التنوير،.2010 شميت، كارل. اللاهوت السياسي. ترجمة رانيا الساحلي وياسر الصاروط. بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 عبد الحميد، شاكر. الخيال من الكهف إلى الواقع الافتراضي. سلسلة عالم المعرفة. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2009 فرايزر، جيمس ج. الغصن الذهبي: دراسة في السحر والدين. ترجمة نايف الخوص. دمشق: دار الفرقد،.2014 فوكوياما، فرانسيس. نهاية التاريخ والإنسان الأخير. ترجمة فؤاد شاهين [وآخرون]. بيروت: مركز الإنماء القومي،.1993 لوك، جون. في الحكم المدني. ترجمة ماجد فخري. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2015 ماركس، كارل وفريدريك إنجلز. الأيديولوجية الألمانية. ترجمة فؤاد أيوب. دمشق/ بيروت: دار دمشق،

مور، توماس. يوتوبيا. ترجمة أنجيل بطرس سمعان. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.1987

هوبز، توماس. الليفياتان: الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة. ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب. بيروت: دار الفارابي، 2011. هيجل. العقل في التاريخ، المجلد الأول من محاضرات في فلسفة التاريخ. ترجمة إمام عبد الفتاح إمام. بيروت: دار التنوير، 2007. ياسين، عبد الجواد. السلطة في الإسلام. ج 2. بيروت: دار التنوير، 2012.

الأجنبية

Althusser, Louis. Positions. Paris: Éditions sociales, 1976. ________. Pour Marx. Paris: Maspero, 1965. Ashcraft, Richard. "Locke’s State of Nature: Historical Fact or Moral Fiction?" American Political science. vol. 62 (September 1968). Bacon, F. The physical and Metaphysical Works of Lord Bacon. London: C. Bell & Sons, 1891. Baczko , B. Les imaginaires sociaux. Paris: Payot, 1984. Balandier, G. Anthropologie politique. Paris: PUF, 1967. Bentham, Jeremy. Introduction aux principes de la morale et de la législation. Paris: Vrin, 2011. Campanella, Tommaso. La cité du soleil. Arnaud Tripet (trad.). Paris: Mille et une nuits,

Castoriadis, Cornelius. Domaines de l’homme: Les carrefours du labyrinthe II. Paris: Seuil, 1999. ________. L’institution imaginaire de la société. Paris: Seuil, 1975. Ricœur, Paul. Idéologie l’utopie. Paris: Seuil, 1997. Chérel , Albert. La pensée de Machiavel en France. Paris: L’artisan du livre, 1935. Clastres, P.  Recherches d’anthropologie politique. Paris: Seuil, 2012. Comte, Auguste. Cours de philosophie positive. Paris: Librairie Larousse,1936. Corey, Elizabeth Campbell. "Being Otherworldly in the World: Michael Oakeshott on Religion, Aesthetics and Politics." Doctoral Dissertation. Louisiana State University and Agricultural and Mechanical College. The Department of Political Science, 2004. Debray, Régis. Critique de la raison politique. Paris: Gallimard, 1981. Descartes, René. Œuvre s de Descartes. Ch. Adam & P. Tannery (eds.). Paris: Vrin, 1996. Durand, Gilbert. L’imagination symbolique. 5 ème ed. Paris: Quadrige/ PUF, 2003. ________. Les structures anthropologiques de l’imaginaire. 11 ème ed. Paris: Dunod,

Filmer, Robert. Patriarcha and other Writings. Cambridge: Cambridge University Press, 1991. ________. Patriarcha ou du pouvoir naturel des rois. Paris: L’Harmattan, 1991. Gauchet, Marcel. La démocratie contre elle–même. Paris: Gallimard, 2002. ________. Le désenchantement du monde: Une histoire politique de la religion. Paris: Gallimard, 1985. Gouhier, Henri. Essais sur Descartes. Paris: Vrin, 1949. Hume, David. Essais moraux, politiques et littéraires , essai sur le contrat primitif. traduction anonyme. Amsterdam: J.H. Scheiner Éditeur, 1752. ________. The History of England from the Invasion of Julius Caesar to the Revolution in 1688. 6 vol. New York: Liberty Classics, 1983. Husserl, Edmund. La crise des sciences européennes et la phénoménologie transcendantale. Gérard Granel (trad.). Paris: Gallimard, 2004. Kant, Emmanuel. Critique de la raison pure. Jules Barni (trad.). Paris: GF–Flammarion,

Kantarowiz, Ernest. Les deux corps du Roi. Paris: Gallimard, 1989. ________. The King’s Two Bodies. Princeton: Princeton University Press, 1957. Lalande, André. Dictionnaire technique et critique de la philosophie. Paris: Delta/ PUF,

Lefèvre, Roger. L’humanisme de Descartes. Paris: PUF, 1957. Machiavel, Nicolas. Discours sur la première décade de Tite–Live. Toussaint Guiraudet (trad.). Paris: Bibliothèque Berger–Levrault, 1980. Manent, Pierre. Naissance de la politique moderne. Paris: Gallimard, 2007. Mannheim, Karl. Idéologie et utopie. Louis Wirth (trad.). Paris: Librairie Marcel Rivière et Cie, 1956. Mesnard, Pierre. Essai sur la morale de Descartes. Paris: Bovin, 1936. Oakeshott, Michael. "Le rationalisme en politique." Olivier Sedeyn (trad.). Cités. vol. 2, no. 14 (2003). ________. Rationalism in Politics and Other Essays. Indianapolis: Liberty Fund, 1991. Pascal, Blaise. Œuvres complètes. Paris: Seuil, 1963. ________. Trois discours sur la condition des grands. Paris: Mille et une nuits, 2009. Platon. La République. Robert Baccou (trad.). Paris: Garnier–Flammarion, 1966. ______. Le politique ou de la royauté. traduction notices et notes par Émile Chambry. Paris: Garnier–Flammarion, 2011. Poltier, Hugues. "De la praxis à l’institution et retour." Revue européenne des sciences sociales. vol. 27, no. 86 (1989).

Renault, Matthieu. L’Amérique de John Locke, L’expansion coloniale de la philosophie

Strauss, L. Qu’est–ce que la philosophie politique? Olivier Sedeyn (trad.). Paris: PUF,

Tranchant, Thibault. "Autonomie et institution du social selon Debray, Gauchet et

Weber, Max. L’éthique protestante et l’esprit du capitalisme. Jacques Chavy (trad.).

Zarka, Charles–Yves. Philosophie politique à l’âge classique. Paris: PUF, 1998.

Rancière, Jacques. Aux bords du politique. Paris: Gallimard, 1998.

européenne. Paris: Éditions Amsterdam, 2014. Sartre, Jean–Paul. L’imaginaire. Paris: Gallimard, 2005. ________. L’imagination. Paris: PUF, 2012. Schmidt, Karl. Théologie politique. Paris: Gallimard, 1988.

Castoriadis." Revue Phares. XV–11, no. 4 (2015).

Paris: Plon, 2010. ________. Le savant et le politique. Paris: La découverte, 2003. Wunenberger, Jean–Jacques. Imaginaires du politique. Paris: Ellipses, 2001.

________. "Politique et fictio." Archives de philosophie. no.  63 (2000).