المرض بوصفه تجربةً وخطابًا: بحث في سياسات المرض عند ميشيل فوكو ودورها في الفلسفة الاجتماعية المعاصرة
Illness as Experience and Discourse: Research on Foucault’s Policies of Illness and their Role in Contemporary Social Philosophy
الملخّص
«لما اندمج الموت إبستيمولوجيًا بالتجربة الطبية، تمكن المرض من الانفصال عن مضاد الطبيعة، ليتجسد في الجسد الحي للأفراد». ميشيل فوكو **.1
Abstract
Abstract: In this paper I will try first to analyze Foucault’s definition of the illness experience seen in basic concepts of his discourse. Second, I attempt to follow this discourse in the domain of contemporary social philosophy, particularly in the philosophy of Didier Fassin (1955), a French anthropologist, and Guillaume Le Blanc (1966), a French philosopher. Thus, in the first section of this study I analyze Foucault’s approach to illness, and, in the second section, the deployment of his concepts in social philosophy, to draw some preliminary conclusions.
- المرض
- الطب
- السياسة الحيوية
- السياسة الاجتماعية فوكو
- فاسان
- لو بلان
- Illness
- Medicine
- Biopolitics
- Social Philosophy
- Foucault
- Fassin
- Le Blanc
مقدمة
يحضر المرض في الأعمال التاريخية والفلسفية للفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (–1926 1984) من أولها إلى آخرها، كما يحضر في حياته وسيرته الذاتية، فقد أصيب بمرض العصر، وتوفي بسببه: مرض نقص المناعة المكتسب Sida. ومنذ كتابه الأول: المرض العقلي والشخصية Maladie mentale et personnalité (1954) إلى آخر درس من دروسه التي كان يلقيها في الكوليج دو فرانس France de College لعام 1984، وعنوانه: «شجاعة الحقيقة» vérité la de courage Le، شكّل المرض محورًا من محاور تفكيره وتحليله. يؤكد هذا: أولً كتبه الثلاثة التي نشرها وهو على قيد الحياة: المرض العقلي والشخصية، الذي أعيد نشره بعنوان المرض العقلي وعلم النفس Maladie mentale et psychologie (1962)؛ وتاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي Histoire de la folie a l’âge classique (1961)؛ ومولد العيادة،
). 1963(Naissance de la clinique, Archéologie du regard médicale أركيولوجيا النظرة الطبية
وثانيًا: بعض دروسه التي ألقاها في الكوليج دو فرانس، ونُشرت بعد وفاته، ومنها السلطة الطب–نفسية Le pouvoir psychiatrique (1973–1974)؛ واللا أسوياء Les anormaux (1975–1974)، إضافة إلى بحوث وحوارات عديدة نقرؤها في المجلدات الأربعة وعنوانها أقوال وكتابات Dits et écrits، تناول فيها أشكالً مختلفة من المرض العقلي والجسمي، وعلاقتها بالطب النفسي والجسدي والمؤسسات الطبية والمجتمع والسياسة أو السلطة، والمعرفة والحقيقة، والموت والحياة. ولدراسة هذه المدونة وتحليلها، فإن جملة الأسئلة التي يتعين علي بحثها تتمثل في الآتي: ما المرض؟ وما أشكاله؟ وما علاقاته بالمجتمع والسلطة والحياة؟ وما دور التحليلات التي قدمها فوكو حول المرض في تلك الدراسات التي استعملت مفاهيمه ووظفتها في دراسة الأشكال الجديدة للمرض، وبخاصة تلك التي قدمها الأنثروبولوجي الفرنسي ديديي فاسان Didier Fassin، والفيلسوف الفرنسي غيوم لو بلان Guillaume Le Blanc؟ وما علاقتها بالفلسفة الاجتماعية باعتبارها مبحثًا فلسفيا معاصرًا يعطي الأولوية للمجتمع في دراسته المشكلات الأخلاقية والسياسية ضمن أفق تنويري نقدي؟ للإجابة عن هذه الأسئلة، أحاول في القسم الأول من البحث تحليل مقاربة فوكو للمرض، وأتابع في القسم الثاني عملية توظيف مفاهيمه ضمن منظور الفلسفة الاجتماعية، وأنهي التحليل ببعض النتائج الأولية.
أولا: في تجربة المرض
يقول ميشيل فوكو Michel Foucault «عندما أنهيت دراستي في حدود سنوات 1955–1950، كانت إحدى المشكلات المطروحة هي تلك المتعلقة بالمكانة السياسية للعلم ووظائفه الأيديولوجية التي يمكن أن يحملها [...] وبالنسبة إلي يعني ذلك أن أقول الآتي: إذا طرحنا على علم معين مثل علم الفيزياء النظرية أو الكيمياء العضوية مشكلة علاقاته بالبنى السياسية والاقتصادية للمجتمع، ألا يعني ذلك أننا
نطرح مشكلة شديدة التعقيد؟ [...] وهل يمكننا يا تُرى عندما يتعلق الأمر بعلم ‘مشكوك فيه’ مثل الطب النفسي، أن نحدد بطريقة مؤكدة تشابك آثار السلطة والمعرفة؟ إن هذا هو السؤال الذي أردت طرحه في كتابي مولد العيادة Naissance de la clinique بالنسبة إلى الطب. إن الطب، بلا أدنى شك، يتمتع ببنية علمية أقوى بكثير من الطب النفسي، ولكنه مندمج بعمق أكثر في البنى الاجتماعية»2. يمكن اعتبار هذا النص مدخلً منهجيًا لكيفية معالجة فوكو موضوع المرض في علاقاته بالطب النفسي والطب البدني، والمؤسسات الطبية والاجتماعية والسياسية أو السلطة، مستخدمًا قاموسًا فلسفيًا ينتمي في معظمه إلى علم النفس والطب وعلم الأحياء (البيولوجيا)، وذلك منذ كتابه الأول المرض العقلي والشخصية في تشخيص المرض وتحليله3. لم يلق هذا الكتاب اهتمامًا من الباحثين، بل هناك من قلل من قيمته، واعتبره جزءًا من المحاولات الأولى للفيلسوف الذي كان متأثرًا بالنظرية الماركسية، وبانتمائه إلى الحزب الشيوعي. ولعل ما عزز هذا التأويل أن المؤلف نفسه، عمد في عام 1962 إلى تغيير عنوان الكتاب إلى المرض العقلي وعلم النفس، وكذلك عناوين القسم الثاني من الكتاب4، ورفض ترجمته إلى اللغة الإنكليزية، وذلك لرغبته في أن يُنظر لكتابه تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي Histoire de la folie à l’âge classique (1962)، على أنه يمثل المنطلق أو البداية الحقيقية لأعماله الفلسفية، وهو ما نقرأه عند أغلب الباحثين الذين درسوا فلسفته، في حين أن الناظر في هذا الكتاب الصغير في حجمه، المهم في موضوعه، يدرك في تقديري، أنه يشكل البداية الأولية لما سيسميه فوكو لاحقًا «المنهج الأركيولوجي» Archaeological method. ومسوغ ذلك أن قراءة هذا الكتاب سواء في طبعته الأولى أو الثانية يقف عند استعمال جملة من المصطلحات التي شكلت خطاب فوكو حول المرض، وأهمها: المرض والصحة، المرض العقلي والمرض العضوي، الطب العقلي والطب العضوي، السوي والمرضي، المرض والمجتمع، تجربة المرض والبنيات الاجتماعية أو ما يسميه العلاقة الداخلية والخارجية للمرض، المرض والمعيار، تجربة المرض والتاريخ، المرض والوجود، المرض والحياة، المرض والفلسفة.
وإذا كان صحيحًا أن فوكو قد تقاسمته في السنوات الأولى من الخمسينيات، مقاربتان متعارضتان؛ الأولى ذات منحى فينومينولوجي ووجودي، نقرؤها في بحثه المتميز: مدخل في كتاب لودفيغ بنسفنجر الحلم والوجود5، والثانية ذات منحى علمي تاريخي نقرؤها في كتابه المرض العقلي والشخصية، فإن المتابع لمسار فلسفته، يدرك أن المقاربة الثانية هي التي استمرت وتعدلت، واغتنت بجملة من التحليلات التاريخية والفلسفية التي سأتوقف عندها في هذا البحث. والناظر في الطبعة الثانية لكتاب المرض العقلي وعلم النفس، يمكنه أن يستشف هذه النقلة التي أجراها، بحيث انتقل من التحليل الفينومينولوجي إلى نوع من الإبستيمولوجيا النقدية التاريخية التي تميزت بها المدرسة الفرنسية، وعبرت عنها أعمال غاستون باشلار Bachelard Gaston (1962–1884)، وألكسندر كويري Koyré Alexandre (1964–1892)، وجورج كانغيلام Canguilhem Georges. (1904–1995)6يؤكد هذا الطرح مفهوم المرض العقلي الذي حلله وفقًا للشروط التاريخية التي لا تُستنتج من «الاغتراب الجماعي»، وإنما من تعاقب أحداث غير منتظرة، وتحتاج إلى إعادة تشكيل تسلسلها التاريخي7. وهذه المقاربة التاريخية هي التي ستظهر بجلاء في كتابه تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، وبخاصة بعد أن عدل عنوان القسم الثاني من كتاب المرض العقلي والشخصية، الذي كان بعنوان «شروط المرض »، وأصبح عنوانه «الجنون والثقافة». وإذا كان هناك نقاش حول طبيعة هذا التحليل التاريخي، وبخاصة من جهة مرجعيته الهيغلية أو الهايدغرية، فإن المؤكد هو أنه تحليل سيظهر باسم القبلي التاريخي historique priori A الذي له صلة أكبر بالفيلسوف إيمانويل كانط Kant Immanuel (1804–1724)، مقارنة بغيره من الفلاسفة، وسيشكل أحد العناصر الأساسية في منهج تحليل الخطاب من الناحية الأركيولوجية8. فما الشروط التاريخية والاجتماعية للمرض؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب تحليل المرض العقلي والمرض العضوي بالفصل بينهما، لأنه رأى عدم وجود علاقة تلازم بين العضوي والعقلي، وأنه، كما يقول:
«ليس لأننا مرضى لذا فنحن مغتربون، وإنما لأننا مغتربون فنحن مرضى»9. تمثل هذه الجملة انقلابًا في المقاربة الإبستيمولوجية لظاهرة المرض العقلي، لأن الأولوية التاريخية والاجتماعية تتقدم الأولوية المرضية، أو بتعبير آخر، أصبح المرض محكومًا بالشروط التاريخية والاجتماعية، وليس بالشروط العضوية والنفسية. سمحت عملية القلب هذه لفوكو، سواء كانت صحيحة أو خاطئة، دقيقة أو تحتاج إلى تحديد، بنقد الاتجاهات الكبرى في علم النفس المرضي Psychopathology في القسم الثاني من الكتاب، وهي التطورية Evolutionary، والتحليل النفسي Psychoanalytic، والطب العقلي الفينومينولوجي. وذلك لأن التطورية ترى في المرض العقلي نوعًا من التقهقر نحو مرحلة الطفولة، والتحليل النفسي عند سيجموند فرويد Freud Sigmund (1939–1856) القائم على التعارض بين نزعة الحب Eros، والموت Thanatos، في دراسة الحالات العُصابية Névrose التي أصابت بعض الأفراد أثناء الحرب العالمية الأولى، وأخيرًا علم النفس الوجودي الذي استلهم الفينومينولوجية، والذي يقر بتناقض غربة الإنسان في الوجود التقني مقارنة بالوجود الإنساني العام، وعدم قدرته على «التعرف على الدلالات الإنسانية والحية لمنتجات أنشطته»10؛ بمعنى إجراء عملية ربط بين الأبعاد النفسية لتجربة المرض والشروط الاجتماعية والتاريخية، وذلك من خلال عملية إظهار النزاعات والأزمات التي تعرفها الشخصية في الوسط الاجتماعي. وبناء عليه، فإن تجربة المرض في نظر فوكو ما هي إلا ذلك: «الاغتراب الذي يفقد فيه الإنسان ما هو إنساني في ذاته»11. ولكن هذه المقاربة ستعرف تحولً أساسيًا يتمثّل، من جهة، في التطورات التي عرفتها النظريات النفسية نفسها، وبخاصة تلك التي ارتبطت بالماركسية، وعلى رأسها نظرية إيفان بافلوف Pavlov Ivan (1936–1849)، وما لحقها من توظيف سياسي مفرط، وكذلك التحفظات والانتقادات التي شملت نظرية التحليل النفسي الفرويدي، وظهور ما يعرف بتيار مناهضة التحليل النفسي. وتزامن ذلك مع ابتعاد فوكو عن الماركسية وخروجه من الحزب الشيوعي الفرنسي، وما أدى إليه من إعادة النظر في بعض منطلقاته المعرفية، ومنها تلك المتعلقة بعلم النفس والتحليل النفسي. ولقد شكلت هذه المعطيات الثقافية والمعرفية الأولية في مجموعها ما سيظهر في بداية الستينيات في الكتاب الذي اشتهر به، وهو تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، الذي خصصه لدراسة الجنون، لا بوصفه تجربة مرضية عقلية أو نفسية فحسب، وإنما بوصفه تجربة مرضية ثقافية أو حضارية، رسم خطوطها العامة وفقًا للتاريخ الثقافي الغربي الذي قسمه إلى ثلاث مراحل، هي: عصر النهضة، والعصر الكلاسيكي، والعصر الحديث. وكان للجنون في كل حقبة أو عصر من هذه العصور حالاته وظروفه وسماته التي توقف عندها الكثير من الدارسين. ولذا، فإنني سأكتفي بالإشارة إلى العناصر الآتية: 1. إذا كان فوكو قد رفض اختزال المرض العقلي في بعده النفسي أو العقلي أو الجسمي، ليؤكد على علاقاته بالمجتمع والتاريخ، فإن تحليله لظاهرة الجنون سيؤكد هذا التوجه المنهجي، بحيث وصف تجربة الجنون في مختلف أبعادها الطبية والاجتماعية والسياسية والثقافية والفنية في علاقتها بالمجتمعات الأوروبية، وبخاصة المجتمع الفرنسي.
.2 إذا كانت الأطروحة الأساسية التي أقام عليها تحليله في كتاب المرض العقلي والشخصية، تتمثل في «أننا نريد أن نبين أن أصل كل مرض عقلي (باثولوجيا عقلية)، لا يجب البحث عنه في شيء يتجاوز المرض، وإنما فقط في تفكير الإنسان ذاته»12 – وهو ما يعني إقامة نوع من الأنثروبولوجيا الفلسفية – فإنه في الطبعة الثانية للكتاب، قد عدل هذه الأطروحة بحيث أصبحت «دراسة للعلاقة التاريخية المتموضعة situé، من الإنسان إلى الإنسان المجنون ومنه إلى الإنسان الحقيقي»13. وهو ما يعني أن الاغتراب لا يمكن أن يحلل مختلف مظاهر المرض العقلي، رغم قيمته في عملية التفسير، وأن ثمة عناصر أخرى أساسية تدخل في عملية التفسير، أهمها ظاهرة الحجز أو الحجر internement. فلم يعد التحليل مقتصرًا على معادلة تتكون من المعطيات الثلاثة الآتية: الرأسمالية تؤدي إلى الاغتراب، والاغتراب يؤدي إلى المرض العقلي، وإنما استبدلت بمعادلة أخرى هي: الحجر يؤدي إلى المعرفة الطبية الوضعية، والمعرفة الطبية الوضعية تؤدي إلى حقيقة الإنسان. وما تجدر الإشارة إليه بالنسبة إلى المعادلة الثانية، إن صح التعبير، هو أن الحجر يعتبر حدثًا تاريخيًا بامتياز، أرّخ له ولميلاده في المجتمع الغربي عمومًا، والمجتمع الفرنسي على وجه التحديد. من هنا يمكنني القول إن المقاربة الجديدة في تحليلات فوكو هي مقاربة تاريخية مع ما تطرحه من مشكلات سواء من جهة مفهومها، أو منهجها، أو مكانتها، والتي نوقشت، ولا تزال موضوع مناقشة، من الباحثين والمهتمين بفلسفته14. ولقد ظهرت المعالم الأولى لهذه المقاربة في كتابه تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي. وعبّر عنها بطرق مختلفة، ومنها البحث، كما يقول، في «كيف التقت الثقافة الغربية بوصفها ثقافة وضعية وعقلانية بحدودها في شكل ملتبس من الباتوس Pathos [الانفعال] الذي شكل في الوقت نفسه عنصرًا مؤثرًا ومكانًا لمولد المرض أو الباثولوجيا»15..3 بسَط في كتاب تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، جوانب تاريخية لا يتسع المجال لمناقشتها، لأنها شملت حقبة زمنية تمتد أكثر من ثلاثة قرون، وصف فيها تجربة الجنون في عصر النهضة، والعصر الكلاسيكي أي في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وفي العصر الحديث، أي القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وفصل القول في هذه التجربة المرضية في المرحلة الكلاسيكية، وحلل مظاهرها المختلفة، وبخاصة تلك المتعلقة بمؤسسات الحجر المتمثلة في المستشفيات، ونوعية المعرفة المشكلة حول هذه التجربة. وإن قراءة الجزء الثاني من الكتاب تكشف عن هذه الجوانب، وبخاصة تلك التي عقدها ل «الأطباء والمرضى»، وطرق علاج الجنون باعتباره مرضًا جسميًا قبل أن
يكون مرضًا عقليًا، وهو ما تكشف عنه طرق العلاج، ومنها: التقوية consolidation la، والتطهير
purification la، والغطس immersion ’ l، وانتظام الحركة mouvement du régulation la16.
4. إذا كانت المعرفة الطبية في العصر الكلاسيكي قد نظرت في الجنون بوصفه مرضًا جسميًا في المحل الأول، فإنها لم تستبعد العامل النفسي. والدليل على ذلك بعض طرق علاجها التي ركزت على الإيقاظ réveil le، والإخراج المسرحي la réalisation théâtrale، والعودة إلى المباشر immédiat ’ l à retour le17. إن هذا الجانب الهامشي في المعرفة الطبية للعصر الكلاسيكي، سيعرف تحولً جذريًا في العصر الحديث أو القرن التاسع عشر، والنصف الأول من القرن العشرين، وذلك بفضل جهود الفيلسوف فريدريك هيغل Hegel Friedrich (1831–1770) وفرويد، بحيث سينظر إلى الجنون بوصفه مرضًا عقليًا ونفسيًا بالدرجة الأولى. وأجريت عملية مماثلة بين «المجنون بالمريض عقليًا، وبذلك اكتشف الأطباء أصنافًا جديدة من الأمراض، أُطلق عليها اسم المرض العقلي. وأنشأ لهذا الغرض العيادات النفسية، وذلك بالتوازي مع المستشفيات الخاصة بالأمراض الجسدية18..5 إن الفكرة الأساسية التي يمكن استنتاجها من تحليل فوكو لتجربة الجنون في مختلف المراحل التاريخية التي وصفها هو أنه لا وجود لجنون خالص أو سابق عن المجتمع أو في استقلال عنه، وأنه لا وجود لجنون في حالة «التوحش» أو «البدائية»، وإنما الجنون يوجد في المجتمع، وناتج منه. لذا وجب دراسة المجتمع، ومعرفة آليات الإقصاء أو الإبعاد التي يمارسها مع بعض الفئات التي يتشكل منها. من هنا جاء وصفه لتجربة الجنون، ولم يتحدث عن الجنون على نحو مطلق. وبتعبير آخر، حلل تجربة الجنون في مرحلة تاريخية معينة، وفي مجتمع معين، وبين علاقات هذه التجربة بغيرها من التجارب التي عرفتها الفئات الاجتماعية الأخرى، وبخاصة الفقراء، والمجرمون، والمنحرفون، والمعارضون السياسيون... إلخ. ولعل أكبر دليل على ذلك هو حذفه لنصه الموسوم ب «الجنون غياب الأثر»، في الطبعة الثانية من كتابه، لأن هذا النص يتحدث عن الجنون في شكله المطلق19. ولكن إذا كان فوكو قد اهتم في بداية مساره العلمي والفلسفي بعلم النفس والطب النفسي، وبالمرض العقلي والجنون، سواء بحكم اختصاصه، بما أنه أعد شهادتين جامعيتين في علم النفس العام وعلم النفس المرضي أو لرغبته في ذلك، فإنه في بداية الستينيات قد وسع مجال اهتمامه ليشمل ظاهرة المرض في شكلها العقلي والعضوي، وهو ما ظهر في كتابه مولد العيادة، أركيولوجيا النظرة الطبية (1963)، حيث درس مرحلة تاريخية قصيرة نسبيًا لا تتجاوز نصف قرن، تبدأ مع نهاية القرن الثامن عشر وتنتهي في بداية القرن التاسع عشر، رصد فيها ثلاثة أشكال من الطب، هي: الطب التصنيفي، وطب الأوبئة،
والطب العيادي والتشريحي للمرض. ولقد كان لكل شكل من أشكال الطب هذه، تصوره للمرض، أي طريقة لتمفصل الأسباب والأعراض المرضية، ومعطياته الفيسيولوجية، ولكل واحد منها طرقه في التدخل والعلاج والشفاء. وهو ما يؤكد فكرته أن التصور الحديث للمرض مبني اجتماعيًا، وينتمي إلى سياق تاريخي محدد. ويؤدي كذلك إلى القول بالطابع النسبي والمتعدد للمرض. وبالنظر إلى أن المجال لا يتسع لتناول مختلف الأفكار الواردة في هذه الأشكال، فإنني سأكتفي بالإشارة إلى الشكلين الأخيرين باعتبارهما من أشكال الطب الحديث والمعاصر، ويمكن إجمالهما في العناصر الآتية: 1. يحتل مفهوم الوباء في طب الأوبئة مكانة مركزية، ويتميز بطريقة خاصة في فهم الواقعة الباثولوجية، تتمثل في إصابة الوباء عددًا معتبرًا من الأفراد. وهو ما يعني أن هذا النوع من الطب قد أدخل البُعد الكمي والتوزيع الجغرافي في عملية تشخيص الأمراض، والبحث، كما يقول في «تقاطع نسقي لسلسلة من المعلومات المتشابهة فيما بينها، أما الغريبة بعضها عن بعض، فسلاسل عدة تُغلف مجموعة غير محددة من الحوادث المنفصلة، لكن اتفاقها يؤدي، في استقلالها الذي يقبل العزل، إلى ظهور الواقعة الفردية»20..2 لا يكتفي طب الأوبئة بمعالجة المرضى، وإنما يحاول أن يتدخل في البيئة الطبيعية والاجتماعية أو في المحيط الطبيعي والاجتماعي، وذلك بقصد تحديد الظواهر الوبائية. من هنا الحاجة الضرورية للاستعانة بجهاز إداري قوي أو كما يقول: «لا يمكن أن يكون هنالك طب وبائي إلا بوجود شرطة»21. ومن الناحية التاريخية، فقد تزامن عمليًا ظهور الطب الوبائي مع ظهور الاختبار أو التحقيق الطبي médicale expertise ’ l في المجال الاجتماعي الفرنسي تحديدًا. وبذلك، حدث تحول أساسي في مفهوم الطب نفسه، بحيث لم يعد الطب مجموعة من المعارف والتقنيات التي تهدف إلى الشفاء وعلاج الأمراض والأوبئة، وإنما أصبح الهدف هو معرفة الحياة الطيبة bonne vie la، وهو ما يعني أن المعرفة الطبية لم تعد معرفة وضعية محايدة، وإنما أصبحت معرفة معيارية، لها سلطتها التي تظهر في مفهوم مركزي في الفلسفة السياسية والاجتماعية عند ميشيل فوكو وعند بعض تلامذته، وأعني به مفهوم السلطة الحيوية أو السياسة الحيوية كما سأبين ذلك لاحقًا..3 أعقب الطب الوبائي الطب العيادي الذي يتصف بمركزية النظرة الطبية، وعزل السمات أو الأعراض، وتحديد المتماثل والمختلف منها22. يجب على النظرة الطبية أن تُعاين الجسد الحي في كل تفاصيله، وأن تتوقف عند كل مظهر من مظاهر اعتلاله. من هنا فإن المرض في الطب العيادي يتحدد بكونه لا يحيل إلى جوهر يجب اكتشافه، وإنما يتفق مع تركيبة من الأعراض. يقول: «بعيدًا عن الأعراض، ليس ثمة جوهر مرضي (باثولوجي) [...] إن تجميعها أو تركيبها [الأعراض] هو الذي يشكل المرض»23.
4. يختلف الطب العيادي عن الطب التصنيفي Nosologique في طابعه الكمي، أو ما يسميه المنطق الكمي. يقول: «ليس للمعرفة الطبية من يقين، ما لم تستند على نسبة عددية من الحالات التي اختبرتها»24. وبذلك يكون الطب العيادي قد أدخل الفكر الاحتمالي في المعرفة الطبية، وذلك بحكم أن الطب العيادي يتميز بموضوعه المعقد والمتعدد، والذي لا يمكن للعقلانية الرياضية أن تستغرقه مقارنة بالفيزياء. لذا فإن المعرفة الطبية تتسم بعدم اليقين Incertitude، ومع ذلك يمكنها أن تحلل درجات من اليقين قابلة لأن تخضع لحساب صارم..5 المرض في الطب العيادي واقعة متنوعة ومتغيرة، وتتفق وإمكانات عديدة قابلة للتركيب والبناء، وبذلك يكون التغير سمة ملازمة للمرض. وهذا يعني أن المقاربة العيادية للمرض لها مفهوم مغاير للعلاقة بين النظرية والممارسة، وللتصور والتطبيق، وللفرض والتحقيق. إن المعرفة العيادية تفرض نوعًا من المسافة بين النظريات الطبية العامة والمعطيات العيادية. على الطبيب أن يحذر من النظرية العامة مقارنة بالمعطيات التي ينظر فيها أو يختبرها. وعلى الطبيب أن يسمح للمعطيات التي تمت ملاحظتها أن تتكلم بنفسها. يقول: «لا تظهر النظرة التي تلاحظ فضائلها إلا في صمت مضاعف: صمت نسبي خاص بالعلاقة بالنظريات، والتصورات وكل ما يعرقل الإحساس المباشر. وصمت مطلق خاص بلغة سابقة عن المرئي»25. 6. يعطي الطب العيادي أهمية كبيرة لعامل الزمن مقارنة بالطب التصنيفي، ويعمد إلى رسم التسلسل الطبيعي، وتعاقب الأعراض، وإعادة بناء التطور الزمني للأمراض. من هنا فإن الطب العيادي مجهز بمؤسسات لإدارة ملفات الأمراض والمرضى. وهو ما يظهر جليًا في مؤسسة المستشفى التي تميز المعرفة الطبية الحديثة والمعاصرة. 7. يعتمد الطب العيادي على التشريح بوصفه منهجًا أساسيًا في المعرفة الطبية، والذي أنجز عملية التركيب بينهما هو الطبيب الفرنسي كْسفيه بيشا Bichat Xavier (1802–1771)، وذلك من خلال ملاحظته للجثث، وإجراء المقارنات المفيدة بين الأجساد الصحية والمرضية، وبين الأجساد التي تحمل أمراضًا متماثلة. وبذلك يكون التحليل الطبي قائمًا على التحليل الفيسيولوجي، ومتجذرًا في الجسد الملموس. ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل اكتفى فوكو بهذا التحليل التاريخي والإبستيمولوجي والخاص بفترة وجيزة، أم أنه توسع في تحليله اجتماعيًا وسياسيًا؟
ثانيًا: في علاقة المرض بالمجتمع والمعرفة والسلطة
لم يكتف فوكو بدراسة تاريخ الطب، وأشكال المرض، وبخاصة المرض العقلي والعضوي، وإنما توقف عند جانب جديد من جوانب المرض، ويتمثل في ذلك التحول الذي عرفته الأزمنة الحديثة عندما رفعت الطب والمعرفة الطبية إلى معيار Norme، ونقلت الاهتمام من التقابل بين المرض والصحة إلى التقابل بين المرضي والسوي. ووفقًا لتحليله التاريخي، فإنه إلى غاية نهاية القرن الثامن عشر كانت المعرفة الطبية تُحيل إلى الصحة في مقابل المرض، ولكن ابتداءً من القرن التاسع عشر
أصبحت هذه المعرفة تُحيل إلى الحالة السوية في مقابل الحالة المرضية، وذلك بحكم تحوّل المعرفة الطبية إلى معيار معرفي واجتماعي. يقول: «ما عاد الطب مجرد مجموعة من تقنيات العلاج ومعرفة بهذه التقنيات، فهو سوف يتضمن أيضًا معرفة بالإنسان المعافى، أي خبرة بالإنسان غير المريض، وبتعريف الإنسان الأنموذج في الوقت ذاته. ففي إدارة الوجود البشر، يتخذ [الطب] وضعًا معياريًا لا يسمح بأن يوزع النصائح عن حياة صحية فحسب، بل أن يؤسسها أيضًا على التحكم في الصلات البدنية والأخلاقية التي يقيمها الفرد في المجتمع الذي يعيش فيه»26. يمكنني القول إن هذا التقابل الذي أرّخ له فوكو، يعود بالدرجة الأولى إلى أستاذه جورج كانغيلام الذي بسَطه في كتابه السوي والمرضي)1966(27، والذي قدَم فوكو لترجمته إلى اللغة الإنكليزية28. وبناء عليه، فإن تحليل هذا التقابل الذي يتصل بالمعرفة الطبية وبمعاييرها، في حاجة إلى النظر في جملة من نصوصه، وبخاصة في دروسه التي قدمها في العام الدراسي 1975–1974 وعنوانها: اللا أسوياء. فما الذي يعنيه هذا التقابل؟ وما مكانة المعيار أو المعايير في فلسفته؟ حاول فوكو رسم ثلاثة تواريخ أساسية للا أسوياء، أو وفقًا لعبارته: ثلاثة مجالات للاسوية Anomalie التي من خلالها يظهر الإنسان اللاسوي Anormal؛ أولها، الإنسان المسخ أو المشوه الخِلقة monstre Le، وثانيها، الفرد الذي لا يمكن تقويمه incorrigible individu ’ L، وثالثها، الطفل الذي يستمني masturbateur enfant ’ L. ولكنه اكتفى بكتابة جنيالوجيا المجال الأول والثالث، ولم يتناول المجال الثاني الذي يمكن استخلاصه من الأول والثالث. وفي هذه الدروس يحيل مباشرة إلى تحليلات أستاذه كانغيلام، وإلى الزوج: السوي والمرضي، ويطرح مسألة المعيار، والمعياري أو الطبيعي Normal، والسلطة المعيارية أو سلطة التطبيع normalisation de Pouvoir، والانتقال من المعيار إلى العملية العامة للتطبيع normalisation de Processus السياسية والتقنية التي بدأت في نهاية القرن الثامن عشر، وظهرت في مجال التعليم، وتحديدًا في المدارس، وكذلك في مجال الطب والمؤسسات الاستشفائية، وفي المجال الصناعي29.
لا يتحدد المعيار بطابعه الطبيعي، أي باعتباره قانونًا طبيعيًا، وإنما بدوره في عمليات التصحيح التي يقوم بها في المجال الذي يطبق فيه. ولهذا فإنه عرف المعيار باعتباره «ليس مبدأ للمعقولية Intelligibilité، وإنما هو عنصر من خلاله يمكن لممارسة السلطة أن تجد أساسها وشرعيتها»30. ويعترف فوكو استنادًا إلى تحليلات أستاذه أن المعيار موضوع سجالي وخلافي، وله طابع سياسي، ويحمل في ذاته «مبدأ التأهيل Qualification، ومبدأ التصحيح Correction »31. وليس للمعيار في نظره صفة الإقصاء أو الإبعاد فقط، وإنما هو يرتبط بتقنية وضعية خاصة بالتدخل Intervention والتحويل Transformation. وأنه، وفقًا لعبارته، يتعلق بمشروع معياري Projet normatif32. لا يمكن مناقشة هذا الطرح، ما لم أتوقف، ولو قليلً، عند علاقة فوكو بأستاذه كانغيلام، وبخاصة من جهة تاريخ العلوم وعلوم الحياة أو البيولوجيا على وجه التحديد. وهو ما بينه في الدراسة التي خصها لكتاب أستاذه. ومن وجوه هذه العلاقة عملية الربط التي أجراها بين تاريخ العلوم ومشروع التنوير الأوروبي، وأهمية إسهام كانغيلام في هذه العملية، هذا من جهة أولى، وأما من جهة ثانية، فإن ما توقف عنده هو تميز مقاربة كانغيلام في تاريخ العلوم مقارنة بالمدرسة الإبستيمولوجية الفرنسية. ويتمثل هذا التميز في جملة من العناصر، وأهمها: توجيه تاريخ العلوم نحو علوم الأحياء بدلً من تاريخ العلوم الرياضية والفيزيائية السائد، والقول بالانفصال Discontinuité، وهو، كما نعلم، مفهوم مركزي في تحليلات فوكو للخطاب والتاريخ. والتأكيد على خصوصية علوم الحياة مقارنة بعلوم الفيزياء والكيمياء. ولذا فإن ما قدمه كانغيلام في كتابه: السوي والمرضيفي نظر تلميذه، يمثل «الأثر الأكثر دلالة في عمله»33. لماذا؟ لأنه وقف عند مفهوم الحياة، بما هي القدرة على الخطأ. وأنه انطلاقًا «من هذا المعطى الأساسي يجب القول أن مسألة الشذوذ تَعْبُر البيولوجيا من أقصاها إلى أقصاها. كما يجب التساؤل عن هذا الخطأ ولكن الوراثي، والذي يدفع الكائن الحي إلى الخطأ»34. لا يسمح مجال هذا البحث بتحليل مختلف العناصر التي يتضمنها هذا الطرح، بما أنه لا يتوقف عند حدود السوي والمرضي فقط، وإنما يتعداه إلى الأسس الإبستيمولوجية لعلوم الحياة، ولمفهوم الحياة نفسه الذي سأشير إليه لاحقًا بإيجاز، باعتبار أن كل حديث عن المرض يقتضي تصورًا معينًا للحياة، وللحياة الطيبة أو السعيدة، ولأنني سأخصص عنصرًا للفيلسوف المعاصر غيوم لو بلان أحد تلامذة فوكو الذين بحثوا موضوع السوي والمرضي، والحياة. لذلك، فإن ما يجب التأكيد عليه هو أن مسألة المرض في فلسفة فوكو يجب النظر إليها ضمن هذه الثنائية المتعلقة بالمرضي والسوي، والتي تحتل مكانة مركزية في المعرفة الطبية، وفي التحليلات الإبستيمولوجية والفلسفية، وبخاصة في المجالين السياسي والأخلاقي اللذين يشكلان مجال الفلسفة الاجتماعية.
يسمح هذا المهاد النظري الموجز الذي كشف عن دور المعيار في مفهوم المرض، بالوقوف عند بعض عناصر التحليل التي قدمها فوكو حول السوي والمرضي، ومنها: 1. كل حديث عن اللاسوية يتجاوز بالضرورة المجال الطبي البحت، ليشمل المجال القانوني، بحيث لم تعد الظاهرة المرضية النفسية والعضوية هي المعنية بهذا الوصف فقط، وإنما ظواهر اجتماعية يصنفها القانون والمؤسسات القانونية، وعلى رأسها القضاء أو العدالة ضمن دائرة الأفعال السوية وغير السوية. من هنا يمكن القول إن تحليل فوكو للاسوية يتجاوز المعطى الطبي ليصب في المعطى الاجتماعي والسياسي. يقول: «عندما نتحدث عن حياة المجموعة والمجتمعات، وحياة العرق، وحتى على ‘الحياة النفسية’، فإننا لا نفكر في البنية الداخلية للكائن العضوي فقط، وإنما في ثنائية طبية قطبيها السوي والمريض»35. ويعتبر بحثه في مفهوم الإنسان الخطر دليلً أو مؤشرًا على هذا التحليل36..2 يخضع اللاسوي لجملة من المعارف وأشكال من السلطة بغرض تشخيصه وإعادة تكوينه. وتعتبر حالة بيير ريفيير Rivière Pierre التي حققها ودرسها، مثالً نموذجيًا لهذه الحالة التي تتقاطع فيها المعارف الطبية والنفسية والطب النفسي، والقضاء والشرطة37. وكذلك الحال فيما يتعلق بموضوع الطفل الذي يستمني، وهي حالة جنسانية درست من قبل في جملة من المعارف العلمية والمؤسسات الاجتماعية على رأسها العائلة، والطبيب، والمربي38. ولقد سمحت اللاسوية في المجال الجنسي تحديدًا بظهور ما يسميه بخطابات متعددة، تنفي الفكرة السائدة أن الجنس قد خضع للصمت، بما أن ثمة كثرة من الخطابات المتعددة التي تناولتها..3 تخضع الحالة السوية لجملة من العمليات والإجراءات الفردية، لأن اللاسوي فرد يحتاج إلى العودة للحالة السوية. فقبل كل شيء إن الفرد هو اللاسوي حتى وإن تجاوز الأمر ذلك، وشمل جماعة معينة، بناء على بعض التشريعات، وهو ما يظهر في مفهوم المنحرف Délinquant الناتج في نظر فوكو من الآليات الخاصة بالاعتقال، ويظهر في مؤسسة السجن، أو يصيب عرقًا معينًا من خلال الآليات العنصرية التي عرفتها بعض المجتمعات.
4. اهتم فوكو على نحو خاص بالجسد اللاسوي والمتمثل تحديدًا في الجسد المتشنج convulsif corps le. لماذا؟ لأنه اعتبره نموذجًا للطب العقلي، ويسمح ب «الانتقال من تحليل المرض العقلي بوصفه هذيانًا Délire إلى تحليل اللاسوية باعتبارها اضطرابًا غريزيًا»39. من هنا رأى أن اللاسوي لا يدخل ضمن ثنائية المجنون والعاقل أو المريض والصحي أو المعافى، وإنما يدخل ضمن ثنائية السوي واللاسوي. ويعتبر الطب النفسي أشبه بالتكنولوجيا الموجهة نحو الحالات اللاسوية. وليس من باب التعبير المجاني وصف فوكو للطب النفسي بالتكنولوجيا، وإنما قصد من ذلك إظهار طابعه السلطوي، وهو ما حلله بإسهاب في دروسه لعام 1974–1973 باسم السلطة الطب–نفسية..5 إذا كان المجال لا يسمح بتحليل مختلف الجوانب المتعلقة بسلطة المعرفة الطب – نفسية وغيرها من المعارف، وبخاصة المعرفة الطبية التي تتمتع بمكانة مركزية في موضوع المرض، فإن ما يجب التأكيد عليه هو تلك العلاقة العامة التي تربط المعرفة بالسلطة، والتي أصبحت إحدى السمات العامة المميزة لفلسفة ميشيل فوكو. ويعنيني في هذا السياق الإشارة إلى أنه سواء تعلق الأمر بالمعرفة النفسية أو البيولوجية أو غيرهما من المعارف، فإن فوكو يشدد على العلاقة الترابطية بين المعرفة والسلطة، وأنه من غير الممكن تاريخيًا أو اجتماعيًا الفصل بينهما. والدليل على ذلك تحليل المعرفة الطبية والنفسية في علاقتها بمؤسسة المستشفى وبالسياسة الصحية المتبعة في المجتمع، وتحديدًا المجتمع الفرنسي الحديث. وإثبات أن المستشفى هو المجال الذي يكشف عن المعرفة بالمرض وحقيقته، أي «طبيعته الخاصة، ومميزاته الأساسية، وتطوراته الخاصة، التي ستصبح بفعل عملية الاستشفاء حقيقته»40. 6. لم يكتف فوكو بدراسة المؤسسات الصحية أو الاستشفائية في علاقتها بالمعرفة الطبية41، وإنما قدم مفهومًا سياسيًا، أو بالأحرى شكلً من أشكال السلطة، وفقًا لتحليلاته التاريخية والسياسية، وأعني بذلك السلطة أو السياسة الحيوية Biopouvoir/Biopolitique التي تُعنى على نحو حصري بالمرض الذي يصيب الأفراد والسكان. ولكن بالنظر إلى أن هذا الشكل من السلطة قد لقي، وما يزال يلقى، الكثير من اهتمام الدارسين والباحثين، ليس أقلها صدور قاموس كامل يتناول هذا المفهوم42، ويوظف على نحو مفرط في وصف وباء كورونا (كوفيد 19–) في أيامنا هذه، وبخاصة في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعية، لذا فإنني سأكتفي بالإشارة إلى بعض سماته، ومنها:
أ. تكشف التحليلات التاريخية والسياسية التي أجراها فوكو عن المجتمعات الأوروبية في العصر الحديث عن بُعد أساسي يتمثل في دخول عنصر الحياة في الممارسة السياسية43. ويقصد بها الممارسة التي تجعل حياة الناس، بوصفهم كائنات حية، موضوعًا لاستراتيجيات سياسية44. وتعتبر حرب الأعراق races des Guerre، على سبيل المثال لا الحصر، أنموذجًا لكيفية توظيف العرق race La في الدولة الحديثة، وما أدى إليه من ظهور لعنصرية الدولة في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، وذلك من خلال تحول الحياة إلى شأن من شؤون الدولة45. ب. تتميز السياسة الحيوية مقارنة بالسلطة السيادية souverain Pouvoir والسلطة الانضباطية disciplinaire Pouvoir بمختلف الممارسات الحكومية التي تهدف إلى ضمان وتعزيز صحة السكان أو الجسد الاجتماعي. وتظهر في خمسة أشكال؛ أولها: مراقبة ظاهرة الإنجاب، والأعمار، والوفيات، وتنظيم السكان، وثانيها: الاهتمام الصحي والطبي بمختلف الأمراض، وبخاصة تلك التي تتحول إلى وباء أو جائحة تقضي على حياة الأفراد والجماعات، وما تسببه من تكلفة اجتماعية واقتصادية، وما يتطلب ذلك من إقامة أنظمة تسيير صحية لمختلف القوى الاجتماعية، وثالثها: مراقبة الأحداث والظواهر التي تصيب الأفراد، كحوادث المرور، والعمل، والشيخوخة، والتشوهات، والإعاقات، ومختلف أشكال العاهات والعجز، وما تحتاج إليه هذه الحوادث من مؤسسات اجتماعية واقتصادية خاصة بالتأمين والضمان الصحي. وبهذا المعنى، فإن السياسة الحيوية تعتبر تدخلً في العلاقة القائمة بين السكان والمحيط الطبيعي (الجغرافي–المناخي) باعتباره ناتجًا من حركة العمران، ويؤثر في حياة السكان والأفراد. وهذا يعني ضرورة الاعتناء بالوسط الطبيعي، ومراقبة آثاره في حياة السكان. ورابعها: تمارس السياسة الحيوية على المستويين الفردي والاجتماعي معًا، وذلك نتيجة تطبيق آليات على جسد الفرد والنوع المتمثل في السكان. ولقد استخدمت السياسة الحيوية من قبل مختلف النظم السياسية التي عرفتها أوروبا سواء تعلق الأمر بالنظم الليبرالية أو النظم الشمولية. وخامسها: تتميز السياسة الحيوية بجاهزيتها الأمنية sécuritaire Dispositive القائمة على صحة السكان. وبناء عليه، فإنه إذا كانت السيادة تمارس على إقليم معين، فإن الأمن يمارس على مجموع السكان. وتعتبر المدينة فضاء نموذجيًا لهذا الإجراء الأمني46. 7. لا يمكن لهذا التحليل ألّ يشير إلى الصلة بين المرض والصحة والحياة والفلسفة عند فوكو. وإذا لم يخصص نصوصًا كاملة لهذه الموضوعات، فإنه أشار إليها، وأكثر من هذا فإن اهتمامه بالمرض
يكشف، ولو على نحو غير مباشر، عن مفهومه للصحة والحياة، ونوعية الحياة التي يجب على الإنسان أن يحياها، وكذلك لعلاقة الفلسفة بالمرض، باعتبار أن مجال بحثه هو الفلسفة حتى وإن كان البحث التاريخي يطغى عليه. 8. لا تشكل الحياة في فلسفة فوكو أساسًا فلسفيًا غايته إقامة نوع من الفلسفة الطبيعية، أو نوع من الأنطولوجيا الحيوية Vitalisme، وإنما تشكل أحد الموضوعات التي درسها ضمن دراسته للفلسفة القديمة اليونانية والرومانية في دروسه الأخيرة بالكوليج دو فرانس. صحيح أننا نقرأ عن النزعة الحيوية عند الطبيب بيشا أو عند أستاذه كانغيلام، إلا أن ذلك كان من باب العرض التاريخي، ولكنه في دروسه لعام 1981، والتي كانت بعنوان الذاتية والحقيقة Subjectivité et vérité، وكذلك لعام 1982، وكانت بعنوان تأويل الذات L’herméneutique du sujet، ودروسه الأخيرة لعام 1984 بعنوان شجاعة الحقيقة Le courage de la vérité، استعمل مفهوم الحياة في صيغتها اليونانية Bio، من أجل تقديم تحليل فلسفي يسمح له بإعادة النظر في العلاقة بين المعرفة والسلطة، وذلك باسم الذات، وفي الوقت نفسه لتفادي استعمال مفهوم الإنسان أو الإنسانية الذي انتقده كثيرًا في أعماله السابقة، وكما يظهر جليًا في كتابه الكلمات والأشياء)1966(47. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يقول في دروسه الذاتية والحقيقة: «إن جزءًا مهمًا من الطب اليوناني والروماني كان معنيًا، ليس فقط بكيفية علاج الأمراض، وإنما بتحديد فن للحياة، يكون، بمعنى ما، فنًا فيزيائيًا، وجسديًا، وفيزيولوجيًا، ونفسيًا، وكذلك، فنًا حياتيًا. وهو أيضًا نظام للروح وكيف يمكن التحكم والسيطرة في الانفعالات...إلخ»48. والأمر نفسه في دروسه تأويل الذات، حيث يحضر مفهوم الحياة في علاقته بالمرض الجسدي والنفسي على نحوٍ مكثف مما يتطلب دراسته موضوعًا مستقلً. 9. تناول في دروسه الأخيرة شجاعة الحقيقة، في عام 1984 وهو العام الذي توفى فيه، موضوع، المرض والحياة وعلاقتهما بالفلسفة، وذلك من خلال شخصية سقراط، بحيث لم يعد المرض مرضًا نفسيًا أو جسديًا، وإنما أصبح له علاقة بطريقة التفكير، وله أبعاد رمزية أخرى، ما دام سقراط يستحضر إله الطب والعلاج والشفاء أسكلبيوس Asclepius، وعليه فهو: «يحيل [...] إلى نوع من المرض. ولكن هذا المرض هو المرض الذي نقدر على الشفاء منه عندما نهتم بأنفسنا، وعندما تكون لنا القدرة على هذه العناية بأنفسنا والتي تمكننا من معرفة أنفسنا وكيفية ارتباطها بالحقيقة»49. ومما لا شك فيه أن هذه المستويات المتعلقة بالمرض والحياة، وعلاقة المرض بالفلسفة من خلال الاهتمام بالذات، تتجاوز الأسئلة التي أحاول تحليلها في هذا البحث، لذا فإنني سأكتفي بالنظر في السؤال الأخير المتعلق بكيفية توظيف مفاهيم فوكو في بعض مباحث العلوم الإنسانية.
ثالثًا: في الاستعمال والتوظيف
ثمة، بلا شك، أوجه عديدة لحضور مفاهيم فوكو وتحليلاته في البحوث الإنسانية والاجتماعية، ويعنيني التوقف عند تلك البحوث التي تتصل بالفلسفة الاجتماعية، بما أنني أحاول أن أقدم قراءة للمرض ضمن هذا الأفق المعرفي، ومنها على وجه التحديد.
1. ديديي فاسان: نحو أنثروبولوجيا للسياسة الحيوية
يرتبط فاسان بتحليلات فوكو من جهة الموضوع أولً، لأنه توسع في دراسة مواضيع المساجين والأقليات والمهاجرين والمرضى وأوضاعهم الصحية، وبخاصة مرضى فقدان المناعة50. وثانيًا من جهة المفاهيم، لأنه استعمل مفاهيم فوكوية كثيرة، وعلى رأسها مفهوم السياسة الحيوية51. وثالثًا، لأنه يستعين بمنهج تحليل الخطاب. ورابعًا، قدم إضافات أساسية ليس أقلها إنجاز العديد من الدراسات الميدانية، وبعض البدائل النظرية والسياسية والأخلاقية، ومنها تلك المتعلقة بالعدالة في مجال الصحة، والصحة العمومية publique Santé. والحق أنني لو اكتفيت بهذا المستوى الرابع لتبين لنا مدى التوظيف الذي قام به فاسان لمفاهيم فوكو، وفي الوقت نفسه التجديد الذي أحدثه في مجال الأنثروبولوجيا وأنثروبولوجيا الصحة أو أنثروبولوجيا السياسة الحيوية، كما يظهر في الكتاب الذي أشرف عليه، وعنوانه نقد الصحة العمومية: مقاربة أنثروبولوجية، وبخاصة في الفصل الثالث الذي كتبه وعنوانه «في قلب المدينة الصحية: الصحة العمومية بين الكلمات والأشياء ». يبدأ فاسان نصه بالإحالة إلى نص مطولٍ لفوكو عنوانه «التكنولوجيا السياسية للأفراد »52، طارحًا سؤالً وجيهًا، وهو: ألا تعتبر الصحة العمومية بمنطوقات مواثيقها، وقواعد أحكامها، وممارساتها الفعلية تجسيدًا للسياسة الحيوية، وإدخالً لمسألة الحياة في حكم الناس؟ قد لا نتردد في الإجابة بالإثبات إذا ما احتكمنا إلى جائحة كورونا (كوفيد 19–)، التي تجتاحنا منذ مدة تقترب من عام، ولكن هل كل سياسة حيوية تطرح بهذه الصيغة؟ يبدو، بحسب تحليل فاسان، أن السياسة الحيوية تتصل دائمًا بحياة الناس أو السكان الصحية وبعلاقتهم بالحكم، سواء أكانت هذه السياسة مُفرِطة في الرقابة الأمنية الصحية أم مفرطة في الأمن الصحي للسكان، وسواء تعلق الأمر بالأمراض على وجه العموم أو بالأوبئة والجوائح على وجد التحديد. إن السياسة الحيوية في الحالتين تعبّر عن التغير الذي عرفته المجتمعات الحديثة،
وفي الوقت نفسه عن التحديات والأخطار التي تواجهها عندما ربطت الحياة بالسياسات الصحية. لماذا؟ لأن الصحة العمومية تبدو، من جهة، نوعًا من الأيديولوجيا المعيارية normalisatrice Idéologie، بما أنها تدعي الانتشار في الجسد الاجتماعي كله، وتشمل مختلف أفراد المجتمع، كما تظهر أشبه بنوع من اليوتوبيا Utopie، بما أنها لا تحقق أهدافها دائمًا، ومحكومة بعدم الاكتمال الدائم. وبناء عليه، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: إذا قبلنا بهذا الوصف العام للصحة العمومية بما هي سياسة حيوية، فهل يجب علينا أن نتخوف منها بسبب إمكاناتها، أم يجب علينا أن ننتقدها بسبب قصورها؟ وبتعبير آخر، هل يجب النظر في الصحة العمومية بوصفها أيديولوجيا خطرة أم بوصفها يوتوبيا غير منجزة؟ أ. تعتبر الصحة العمومية قيمة مشتركة أو خيْرًا مشتركًا أو منفعة مشتركة commun Bien، إلا أن مشكلتها تبدأ فور شروعنا في مناقشة مفهوم الصحة نفسه، وكذلك مفهوم العموم Publique أو المشترك Commun، ذلك أنه إذا كانت الصحة العمومية تمثل منفعة عمومية، فإن هذا التصور يدخل في باب القيمة أكثر منه في باب الواقع، ويدخل في المثل الأعلى للمجتمع أكثر منه في باب التحقيق والإنجاز، وينتمي إلى اليوتوبيا أكثر منه إلى الحقيقة الواقعية، والسبب في ذلك أن المثال Ideal الذي ترفعه المنظمة العالمية للصحة، على سبيل المثال، وهو «الصحة للجميع»، يبدو أنه ينتمي إلى عالم الطوباويات أكثر منه إلى عالم الوقائع والحقائق. صحيح أن ثمة إنجازات قد تحققت، إلا أن المسافة بين المثال والواقع، تبدو، بجميع المقاييس، مسافة كبيرة. وهو ما يجعل من الصحة العمومية فكرة أيديولوجية، وتصورًا يوتوبيًا، أكثر منها حقيقة واقعية. ب. إذا كانت الصحة العمومية تظهر في شكل أيديولوجيا ويوتوبيا، مع ما يطرحه هذان المفهومان من تعقيدات في التعريف والتحديد، فإن أفضل السبل لاختبار الأيديولوجيا بوجه خاص، وذلك بسبب حضورها الأكبر في الحياة الاجتماعية مقارنة باليوتوبيا، هو تحليلها من زاوية نظرية أفعال الكلام أو نظرية الأفعال الإنجازية Speech Acts53، أو بحسب عبارته «عندما نتحدث عن الصحة العامة علينا أن ننجزها [...] وأن نعتبر الممارسات الخطابية جزءًا لا يتجزأ من واقع الصحة العمومية»54. وهو ما يعني أن البعد الخطابي في الصحة العمومية يعتبر بعدًا تكوينيًا55. وفي تقديره، إن ما قدمه فوكو في مجال الجنس والجنسانية Sexualité، يعتبر في هذا السياق أنموذجيًا56، ويسمح باستخلاص فكرة أساسية، وهي «إذا شئنا أن نفهم التفاوت الدائم بين تضخم الخطابات حول الصحة العمومية، وتواضع المنجزات، فإنه يجب ألّ نفهم ذلك على
أنه تعبير عن خلل مؤقت، وإنما يجب اعتباره عنصرًا بنيويًا في هذا المجال. وأن حقيقة الصحة العمومية تظهر في ممارستها الخطابية مثلما تظهر في ممارساتها الإجرائية»57. ج. تعاني الصحة العمومية دائمًا، وليس مؤقتًا، الهشاشة. والأدلة على ذلك كثيرة، ليس أقلها حالة الجائحة التي نعيشها في أيامنا هذه، وكذلك ما قدمه فاسان نفسه من دراسات ميدانية، سواء تعلق الأمر بمرض نقص المناعة، أو ببعض المشكلات التي عرفتها الصحة العمومية في المجتمع الفرنسي على وجه التحديد، ومنها المشكلة المعروفة ب «الدم الملوث». ولأن هذه المشكلة أحدثت أزمة في المنظومة الصحية الفرنسية، فإن التفسير المقدم من كثير من الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والعلميين، وعلى رأسهم الأطباء الفرنسيون، يقوم على الحجة القائلة بغياب الوعي الصحي أو الثقافة الصحية العامة، سواء في المجتمع أو في مؤسسات الصحة نفسها. وفي تقديره، إنه إذا كان الهدف من هذه الحجة هو إيجاد المسوغات الجديدة لشرعية السياسة الصحية المتبعة، فإن ما يجب التنبيه إليه هو أنها تحيل أزمة الصحة العمومية إلى سبب واحد من طبيعة ثقافية، وأن هذا السبب سواء كان حقيقيًا أو وهميًا، فإنه يحيل المسؤولية إلى عنصر غير قابل لتحمّلها، هو «الثقافة الصحية»، ولأنه ليس سببًا ماديًا، فإنه يحقق قدرًا عاليًا من الإجماع، وهذه هي الغاية من استعماله. د. كل سياسة في الصحة العمومية بوصفها سياسة حيوية معنية بإيجاد ذلك التوازن الصعب بين حقوق الفرد وضرورة حماية السكان. وفي الحالتين، فإن الصحة العمومية، تتقدم بطريقة براغماتية Pragmatique، يمكن التعبير عنها كما يقول ب «‘العمل مع’ أيديولوجيات اللحظة القائمة، ومع الإكراهات المختلفة، ومع مختلف الاعتبارات الأخرى التي تدخل في حلبة المنافسة»58. ه. كل سياسة صحية عمومية تطرح مسألة العدل الصحي أو ما يسميه، استنادًا إلى جون ألستير Jon Elster59، العدالة المحلية Local Justice/Justice Locale التي تطرح السؤال الآتي: بناء على أي أساس من المعايير النظرية والعملية، نعطي الأفضلية لهذا الفرد مقارنة بغيره أو لهذه المجموعة مقارنة بغيرها فيما يتعلق ببعض الأمراض، مثل القصور الكلوي المزمن insuffisance chronique rénale، وذلك بالنظر إلى العدد المحدود للأماكن في المستشفى وكذلك زراعة الكلى؟ مهما كانت الاختيارات التي تتخذها الصحة العمومية، فإن ثمة دائمًا معايير أخلاقية تفرض حضورها، وتؤدي إلى طرح مسألة التفاوتات أو انعدام المساواة وغياب العدالة في مجال الصحة. وإذا كان النهج الغالب هو النهج الكمي في دراسة هذه القضية، فإن ما يجب التأكيد عليه هو ضرورة الإقرار بجملة من الحقوق الاجتماعية التي تسمح بإقامة أخلاق في الصحة العمومية
éthique de santé publique التي تعمل على الحد من الإقصاء والتهميش، وفي الوقت نفسه تسعى إلى تعميق الاندماج الاجتماعي من خلال قيمتي التضامن والإنصاف60. و. لتحقيق ذلك لا بد من تعزيز المنهج النقدي في دراسة الظواهر الاجتماعية والإنسانية، ولن يتأتى ذلك إلا من خلال فتح المجال لقيام علوم اجتماعية وإنسانية نقدية، مع التشديد على بيان فائدتها ومنفعتها للفرد والمجتمع، والتركيز على دراسة بعض المجالات الجزئية، كالحالة الصحية للسكان وربطها بمجمل النسق الاجتماعي القائم. والمثال الذي قدمه في هذا السياق جدير بالاعتبار؛ فعندما اندلعت انتفاضة المسجد الأقصى في أيلول/ سبتمبر 0022، عقب زيارة أرييل شارون Ariel Sharon، كانت منظمة أطباء العالم monde du Médecins تعمل منذ مدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفي مدينة القدس تحديدًا، وتُجري عملياتها الطبية المختلفة. وبالنظر إلى الوضعية الجديدة المتسمة بالعنف من طرف الجيش الإسرائيلي، فإن هذه المنظمة وكذلك منظمة أطباء بلا حدود frontières sans Médecins قدموا شهادات متعلقة بتجاوزات الجيش الإسرائيلي، أدت إلى تحميل الدولة الإسرائيلية مسؤولية «عدم احترامها ل ‘قانون النزاعات العسكرية’، ومطالبتها بإجراء تحقيقات مستقلة، ومعاقبة الجناة، وتعويض الضحايا»61. ومن خلال هذا المثال، والدراسات الميدانية التي أنجزها أو أشرف عليها، توصل فاسان إلى النتيجة الآتية: «تكمن الفائدة الاجتماعية للعلوم الاجتماعية في وظيفتها النقدية، أي في قدرتها على عدم التسليم ببداهة العالم كما هو معطى، وبالمقولات التي نفكر بها في هذا العالم، وباللامفكر Impensé الذي نبني عليه. إن ممارسة عملية الكشف ليست فعلً سحريًا يقوم به الباحثون، وإنما هو خلاصة للقيام بأبحاث وتحقيقات تستلزم الانتباه الشديد نحو الفاعلين الاجتماعيين، وطريقتهم في فهم بيئتهم الاجتماعية وتحويلها. وهذا هو ما يمكن تسميته بالعمل النقدي»62. في تقديري، فإنه سواء وافقنا على هذا الطرح أو اعترضنا عليه، فإن المؤكد هو أن مفهومه للعمل النقدي الذي تقوم به العلوم الاجتماعية والإنسانية يقربه من الفلسفة الاجتماعية، باعتبارها مبحثًا نقديا تعمل من أجل التغيير، سواء باسم الأنثروبولوجيا النقدية أو بغيرها من التسميات.
2. غيوم لو بلان: في الفلسفة الاجتماعية
تجب الإشارة، بداية، إلى أن الفيلسوف غيوم لو بلان كان تلميذًا لميشيل فوكو63، وهو باحث متخصص في فلسفة جورج كانغيلام، ومن المساهمين في دراسة المجال الاجتماعي الذي يعرف بالهشاشة
Vulnérabilité/Précarité/Fragilité، ويصيب أفرادًا وفئات اجتماعية كثيرة. ويشكل المرض، بمختلف أنواعه النفسية والجسمية، الفردية والجماعية، صورة من صور الهشاشة التي تصيب الوجود الإنساني. وإذا كان فوكو قد اهتم بالفئات المهمشة والمُقصاة اجتماعيًا، كفئة المجانين والمرضى والمنحرفين والفقراء، فإن هذه الفئات الاجتماعية نفسها هي فئات هشة ومحدودة وقابلة للعطب والانكسار، لذا يمكنني القول إن الهشاشة والإقصاء وجهان لظاهرة واحدة، وإن التحليلات التي قدمها لو بلان تعد مكملة لتحليلات فوكو، وفي الوقت نفسه تعميقًا وتطويرًا لها. والحق أن مسألة الهشاشة لا ترتبط بالتحليلات التي وظفت مفاهيم فوكو فقط، وإنما تتجاوز ذلك لتشمل اتجاهات سياسية وأخلاقية واجتماعية عديدة، ترتبط كلها بما أصبح يسمى «النظرية النقدية المعاصرة»؛ النسوية، وما بعد الكولونيالية، ومدرسة فرانكفورت، والنظرية الجمهورية الجديدة عند فيليب بوتي Philip Pettit64، ونظرية أخلاق العناية65... إلخ، وذلك لأن الهشاشة أصبحت مقولة وجودية، أو تشكل بعدًا من أبعاد الوجود الإنساني. وهي من الناحية الاجتماعية حاضرة في كل تشخيص للواقع الاجتماعي، بما أن المؤسسات الاجتماعية تنحو، في الغالب، إلى حماية بعض الأفراد وتعريض بعضهم الآخر لصنوف من التجاوز والضرر. وهو ما يشهد عليه واقع الفقراء والمعاقين أو ذوي الاحتياجات الخاصة، والشباب المهمش، وكبار السن أو العجزة... إلخ. ولقد توقفت بعض فروع العلوم الاجتماعية عند هذه الظواهر، ورصدت بعض العناصر مثل الدخل المحدود أو انعدامه، والبطالة التي تصيب فئات عديدة، وبخاصة فئة الشباب في مجتمعات يسيطر عليها الاستهلاك، وهي عناصر ذات بعد اقتصادي واجتماعي يضاعف من ظاهرة الهشاشة الاجتماعية، إلا أن الفلسفة الاجتماعية في صورتها المعاصرة تنظر إلى ظاهرة الهشاشة على أنها ليست ظاهرة اجتماعية معقدة فقط، وإنما تحولت إلى ظاهرة وجودية تحتاج إلى إسهام مختلف الفروع العلمية والفلسفية الإنسانية والاجتماعية66. ولا يخفى على الباحثين مدى ارتباط مقولة الهشاشة بجملة من المفاهيم الاجتماعية والسياسية، ومنها: الاستقلالية الذاتية، والحرية، والعدالة، والسلطة، والمساواة، والعيش المشترك أو العيش المشترك vivre–ensemble... إلخ67. وتتميز الهشاشة في صورتها الاجتماعية بالتبعية والمعاناة، وترتبط بتطور النظم الاجتماعية والاقتصادية الليبرالية الحديثة التي أرست قواعد النظام الاقتصادي الرأسمالي، بما
أن الليبرالية تقوم على مبدأ أساسي، وهو حرية الفرد واستقلاله وازدهاره، وأن ثمة ما يشبه الإجماع عند الباحثين على أن هذه الفردانية تمثل أرضية للهشاشة68. ومن البيّن في ذاته أنه لا يمكنني في هذا البحث أن أنظر في مختلف مستويات هذه المسألة، على أهميتها، وإنما سأقتصر على بعض جوانب من إسهام الفيلسوف غيوم لو بلان الذي طور تصورًا معينًا للهشاشة انطلاقًا من مفهوم المرض، وحلل جملة من العناصر منها: أ. مساءلة ما سماه: أمراض الإنسان السوي normal homme ’ L، وذلك من أجل إعادة النظر في المعايير الاجتماعية التي تتمتع بالأغلبية في مقابل تلك المعايير التي توصف بمعايير الأقلية. ويؤدي هذا التمييز في المعايير إلى المعاناة، ومنها أن لا يتمتع الإنسان بالمعايير السائدة، رغم رغبته التي تدفعه لاكتساب تلك المعايير. كما تؤدي هذه الحالة في نظره إلى طرح مسألة مفهوم الذات نفسها، وعمليات تشكلها، ومنها رغبتها في أن تكون ذاتًا سوية. يؤكد هذا تعريفه الأولي للسوية بما هي خضوع للمعايير السائدة. يقول: «هي صورة عن الحياة قبل الحياة نفسها، والتي نسقطها على حياتنا الخاصة حتى نكون ضمن مجال الحقيقي، وحتى نكون ذاتنا عينها، ونصبح أناسًا أسوياء»69. إن هذا التصور مع السعي إلى تحقيقه هو الذي يؤدي إلى أمراض الإنسان السوي، والمتمثلة على وجه التحديد في المعاناة الناجمة عن الخضوع لضغط المعايير الغالبة، والتي ترتبط في الغالب بالعمل والنجاح والصحة والتميز والتقدير في مجتمعاتنا الحديثة والمعاصرة. ب. في مقابل الإنسان السوي الخاضع للمعايير الغالبة، هنالك الإنسان العادي homme ’ L ordinaire الذي يحيا حياة عادية، ويدخل تعديلات جزئية أو طفيفة على المعايير المسيطرة. إنه ذلك الشخص الذي «يحقق التوصيف المعياري الذي يجول في ذهنه من دون أن يغرق في التوصيف نفسه»70. وبهذا المعنى تكون الحياة العادية عبارة عن مختلف المحاولات التي تجريها الذات من أجل الخضوع للمعيار، وفي الوقت نفسه مقاومته، مع ما في هذه العملية من نزاع قد يصل إلى حد التمزق والأزمة. ج. ينجم عن هذا إعادة النظر في مفهوم المرض نفسه، فلم يعد المرض يعني تلك الحالة التي استقرت عليها الأفهام سواء تعلق الأمر بالمرض النفسي أو الجسمي ويصيب أفرادًا أو جماعات معينة في وقت معين ولمدة معينة، وإنما أصبح المرض يشمل حتى أولئك الذين يعتبرون أنفسهم أسوياء، ويدوم ما دام المعيار السائد بعيد المنال. ومن البيّن أن الهدف من هذا التحليل هو إعادة النظر في مفهوم المرض نفسه، وتعميمه وفي الوقت نفسه إصباغه بصبغة نسبية، مع ما يؤدي إليه من نتائج، لعل أهمها عدم اعتبار الإنسان السوي أنموذجًا بالنسبة إلى الذي يعاني الإقصاء. ثمة
في نظر لو بلان حياة مرضية بأشكال متعددة ومتنوعة، تظهر في صور مختلفة من المعاناة النفسية على وجه التحديد. د. ليس هذا المفهوم النسبي للمرض إلا جزءًا من نقد المعايير السائدة، ومنها تلك التي تتعلق بفئات اجتماعية كثيرة، ونجملها تحت اسم «الهشاشة الاجتماعية» التي خصها بدراسات كثيرة، بدأها بدراسة «الهشاشة الحيوية» vitale Vulnérabilité ضمن تحليلات كانغيلام المتعلقة بدراسة الحالات المرضية بالمعنى الطبي، ثم انتقل إلى المجال الأخلاقي والاجتماعي، وذلك من خلال البحث في السؤال الآتي: كيف يمكن تأسيس فلسفة في المعايير تكون عنصرًا أساسيًا في النقد الاجتماعي؟71ليست المعايير في نظره مجرد إكراهات خارجية تفرض على الأفراد تصرفات وسلوكيات اجتماعية معينة، وإنما هي على حد تعبيره، عبارة عن «فضاء استقطابي من الألعاب التي تتشكل من خلالها الذات بواسطة التملك، والتكرار، والمرونة، وهو ما يتطلب جاهزية Dispositif معيارية، وأخرى سلطوية لتعيين ‘الفقر’، و‘الهشاشة’، و‘الإقصاء’، و‘اللامرئية’ invisibilité ’ L »72. ه. مهما كانت سمات الهشاشة وأبعادها، فإنها عبارة عن بناء اجتماعي وليست معطى طبيعيًا، يمكن التعرف إليها من خلال ما تتقدم به هذه الفئات من مطالب إلى المؤسسات الاجتماعية بهدف الحصول على العون والحماية والمساعدة، والتي لا تلقى، بالضرورة ودائمًا، الموافقة عليها. ويتعين على التحليل الفلسفي أن يجيب عن الأسئلة الآتية: كيف يمكن التعرف إلى الحياة الهشة وتحديدها؟ كيف تتصل التعريفات بالتجارب التي تصفها؟ وكيف يمكن هذه الحياة أن تخرج من هذا التحديد، وتتمكن من مقاومة المعايير السائدة؟ وهذا يعني كما يقول: «ضمن سياق الفهم القائم في العلوم الاجتماعية والفلسفة الاجتماعية، فإنه من المهم إدخال البعد الأخلاقي في المسألة الاجتماعية »73. ولا أجانب الصواب إذا قلت إن هذه هي مهمة الفلسفة الاجتماعية، وهذا ما يميزها من بقية فروع العلوم الإنسانية الاجتماعية، وبعض المباحث الفلسفية، وبخاصة الفلسفة السياسية والأخلاقية في صورتهما التقليدية، وأعني بذلك إجراء عملية ربط بين المجال الأخلاقي والسياسي والاجتماعي على مستوى الموضوع، وتحليل الأحكام المعيارية والواقعية التي تميز الحياة الاجتماعية للإنسان على مستوى المنهج. وهو ما يفرض عليّ الوقوف عند بعض النتائج التي تميز هذا التحليل الذي أجريته للمرض بوصفه تجربةً وخطابًا.
رابعًا: في النتائج الأولية
1. يثبت التحليل الذي قدمته، وبخاصة في جزئه الأول أن المرض يشكل عنصرًا أساسيًا في فلسفة ميشيل فوكو، سواء من جهة الموضوع أو التحليل، ودليل آخر على تميز فلسفته بالاستمرارية
والتواصل، وذلك بخلاف تلك القراءات والمقاربات التي تقدمها على أنها فلسفة تتصف بالانقطاع والانفصال والتغير، بحيث تقسم هذه الفلسفة قسمين أو مرحلتين: مرحلة أولى هي مرحلة الممارسات الخطابية، ومرحلة ثانية هي مرحلة الممارسات غير الخطابية، وتحليل السلطة تحديدًا74..2 ليس ثمة تعريف جوهري أو ثابت للمرض، وإنما هنالك وصف لتجارب مرضية وأمراض نفسية وعضوية ضمن سياقات اجتماعية وتاريخية، ومحاولة لخلخلة المفاهيم القائمة، والمعايير السائدة، وإقامة علاقات مختلفة، وبخاصة تلك التي تربط المرض بالمجتمع والمعايير والاقتصاد والسياسة أو السلطة، وتعبّر عن تعقد ظاهرة المرض، وأنه ليس فقط ظاهرة طبيعية أو عضوية، يمكن للعلوم الطبية أن تفصل فيها، وإنما هي ظاهرة اجتماعية وتاريخية معقدة ومتشابكة في عناصرها وآثارها، وتستدعي تظافر مختلف العلوم في تشخيصها وتحليلها..3 لا نقرأ عند فوكو بدائل نظرية للمواضيع التي بحثها، ومنها موضوع المرض، أو بالأصح، تجربة المرض بوصفها تجربة ثقافية، وكل ما نقرؤه هو نوع من المنهج الذي يكتفي بالوصف والتحليل والنقد. إن هذا الخط العام الذي يميز فلسفته ينطبق على موضوع المرض، فثمة وصف للأمراض، وتحليل لعلاقات المرض بالمجتمع والسلطة والمؤسسات، وثمة نقد ليس للنقائص والسلبيات فحسب، وإنما للمنطق الذي تقوم عليه المؤسسات وخطاباتها. ولكننا، في المقابل، لا نقف عند مفهوم للصحة مثلما فعل الفيلسوف الألماني هانز جورج غادامير Gadamer Georg – Hans –1900(002 2)، على سبيل المثال لا الحصر، في كتابه فلسفة الصحة Philosophie de la Santé الذي بيّن فيه أنّ الصحة شيء مخفي أو لها سمة مخفية Caché Caractère، وأنها تنفلت من النظرة الموضوعية للخطاب العلمي، وأن على الفلسفة أن تترجم هذا البعد الخفي للصحة بما هي تجربة في التوازن Equilibrium، وهكذا فإن المرض ليس إلا نوعًا من فقدان التوازن، سواء أكان ذلك داخل أعضائنا أم في علاقتنا بمحيطنا. وبذلك تكون الصحة نوعًا من الاندماج مع كلية هشة ومعرّضة لمخاطر فقدان التوازن وانعدام الاندماج، لأن هذه الكلية، بحسب رأيه، في حالة حركة دائمة75. وهناك من يرى أن تحديد مفهوم الصحة قضية فلسفية في الأساس قبل أن تكون قضية خاصة بالعلوم الطبية حصرًا، وقبل أن تعمل العلوم الاجتماعية على ربط الصحة بالمجتمع، وأن على الفلسفة أن تتجاوز ذلك، وتجري دراسة شاملة تاريخية وبينتخصصية Interdisciplinaire للمفهوم76. إن هذا المطلب المنهجي يصب مباشرة في مفهوم الفلسفة الاجتماعية ووظيفتها المعرفية والنقدية.
4. مهما كان الموقف من التحليلات المقدمة، فإنها قد حاولت أن ترسم طريقًا مغايرًا لطريقين سائدين في الفلسفة الفرنسية المعاصرة، وأعني بذلك طريق التحليل الفينومينولوجي الذي كان ولا يزال يتمتع بحضور قوي في المشهد الفكري والفلسفي في فرنسا، وطريق التحليل الماركسي الذي تميز بدراساته التاريخية والاجتماعية لمختلف الظواهر والقضايا التي تتصل بالمجتمع، ومنها المرض الذي حلله فوكو في بداياته الأولى، وكما يظهر في كتابه الأول المرض العقلي والشخصية، إلا أنه تجاوز ذلك التحليل، وتمكن من تأسيس منهج سمّاه في البداية المنهج الأركيولوجي، ثم أضاف له في بداية السبعينيات المنهج الجنيالوجي الذي استمده من أستاذه الروحي فرديريك نيتشه Nietzsche Friedrich (1900–1844) ليقدم تحليلات تاريخية واجتماعية وفلسفية متميزة، سواء بالنسبة إلى موضوع المرض أو غيره من الموضوعات التي درسها، وبخاصة بعد أن عززها بالدراسات الإبستيمولوجية التي وسمت المدرسة الفرنسية، سواء على مستوى النقد، أو الكشف عن القواعد والمبادئ التي تتحكم في هذه الموضوعات، أو في عملية ربطها بمشروع التنوير، وظهر في خطاب فلسفي متميز بمصطلحاته وممارساته..5 على الرغم من أن ما قدمه فوكو لا يشكل نسقًا فكريًا، أو منهجًا متسقًا، أو نظرية متكاملة، فإن جملة المفاهيم التي قدمها في تحليلاته التاريخية والاجتماعية والفلسفية، قد سمحت لكثير من الباحثين بتوظيفها في أبحاثهم الجديدة، بحيث شكلت أدوات للبحث، أو بحسب عبارته «عدة العمل» boîte à outil. يؤكد هذا ما قُدم في هذا البحث باسم الأنثروبولوجيا والفلسفة الاجتماعية. وما تجب الإشارة إليه، في هذا السياق، هو أن إسهامات فوكو في موضوع المرض لا تزال تلقى اهتمام باحثين كثيرين في ميدان العلوم الاجتماعية والإنسانية. لذلك، يمكنني القول إن السؤال عن قيمة التحليلات التي قدمها فوكو في موضوع المرض خصوصًا، لا يمكن الإجابة عنه ما لم نأخذ في الاعتبار مساره الفلسفي العام، وإسهاماته التاريخية والاجتماعية، ودورها في عديد الأبحاث التي استلهمت مفاهيمه، ومنها الفلسفة الاجتماعية التي يعتبر من كبار روادها، وهو ما حاولت أن أبينه في هذا البحث، سواء من جهة التحليل أو التعليق أو المقارنة أو الدور والوظيفة. ولكن مع ذلك، فإن ثمة سؤالً يفرض نفسه، وهو: لماذا لم يطرح ميشيل فوكو سؤال المرض الاجتماعي sociale Pathologie الذي يشكل مفهومًا مركزيًا في الفلسفة الاجتماعية، على الرغم من أنه حلل جوانب مختلفة من علاقات المرض بالمجتمع؟
References
المراجع
العربية
التريكي، فتحي. فلسفة الحياة اليومية. بيروت/ تونس: الدار المتوسطية للنشر،.2009 بغوره، الزواوي. مدخل إلى فلسفة ميشيل فوكو. بيروت: دار الطليعة،.2013
________. الخطاب، بحث في بنيته وعلاقاته عند ميشيل فوكو، دراسة ومعجم. بيروت: مكتبة لبنان ناشرون،.2015
دريفوس، أوبير ورابينوف، بول. ميشيل فوكو، مسيرة فلسفية. ترجمة جورج أبي صالح. بيروت: مركز الإنماء القومي، [د. ت.].
فوكو، ميشيل. إرادة المعرفة. ترجمة ومراجعة وتقديم مطاع صفدي وجورج أبي صالح. بيروت: مركز الإنماء القومي،.1990
________. تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي. ط.2 ترجمة سعيد بكراد. بيروت: المركز الثقافي العربي،.2014
________. ما التنوير؟. ترجمة الزواوي بغوره. ط.2 الكويت: دار آفاق للنشر،.2016
________. ولادة الطب السريري. ترجمة إياس حسن. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018
________. مولد السياسة الحيوية. ترجمة الزواوي بغوره. الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية، ________. يجب الدفاع عن المجتمع. ترجمة الزواوي بغوره. ط.2 الكويت: دار صوفيا،.2020
________. تأويل الذات. ترجمة الزواوي بغوره. ط.2 الكويت: دار صوفيا،.2020
هيلد، فرجينيا. أخلاق العناية. ترجمة ميشيل حنا متياس. سلسلة عالم المعرفة، رقم 6.35 الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 008.2
الأجنبية
Aux risque de Foucault , textes réunis par Dominique Franche [et al.]. Paris: Centre
Georges Pompidou, 1997.
Braunstein, Jean–François [et al.]. L’Epistémologie historique, Histoire et méthodes.
Paris: Editions de la Sorbonne, 2019.
Canguilhem, Georges. Le normal et le pathologique. 2 ème Editions. Paris: PUF, 1972.
Châtel, Vivianne & Shirl Roy (sous. dir). Penser la vulnérabilité: Visages de la
fragilisation du social. Québec: Presses de l’université du Québec, 2008.
Desforges, Frédérique. «Histoire et philosophie: Une analyse de la notion de
sante.» Histoire, économie et société , no. 3 (2001).
Dozon, Jean–Pierre & Didier Fassin (sous. dir). Critique de la santé publique, Une
approche anthropologique. Paris: Editions Balland, 2001.
Dreyfus, Hubert & Paul Rabinov. Michel Foucault: Beyond Structuralism and
Hermeneutics. Chicago: The University of Chicago Press, 1982.
Fassin, Didier. «Évaluer les vies, Essai d’Anthropologie biopolitique.» Cahiers
internationaux de sociologie. no. 128–129 (2010).
________. «La biopolitique n’est pas une politique de la vie.» Sociologie et sociétés.
vol. 38, no. 2 (2006).
________. Les Enjeux politiques de la santé. Études sénégalaises, équatoriennes et
françaises. Paris: Karthala, 2000.
________. Quand les corps se souviennent. Expérience et politique du sida après
l’apartheid. Paris: La Découverte, 2006.
________. «Une science sociale critique peut–elle être utile?» Traces. no. 9 (2011).
Ferrarese, Estelle. «Vivre à la Merci: Le care et les trois figures de la vulnérabilité dans
les théories politiques contemporaines.» Multitudes. no. 37–38 (2009).
Foucault, Michel. Dits et écrits 1954–1988. vol. 3. Paris: Gallimard, 1994.
________. Histoire de la folie à l’âge classique. Paris: Gallimard, 1972.
________. L’Archéologie du savoir. Paris: Gallimard, 1969.
________. Le courage de la vérité, Le gouvernement de soi et des autres II, Cours au
Collège de France, 1984. Paris: Gallimard –Seuil, 2009.
________. Le pouvoir psychiatrique, Cours au Collège de France. 1973–1974. Paris:
Gallimard–Seuil, 2003.
________. Les Anormaux, Cours au Collège de France, 1974–1975. Paris: Gallimard–
Seuil, 1999.
________. Maladie mentale et personnalité. Paris: PUF, 1954.
________. Maladie mentale et psychologie. Paris: PUF, 1962.
________. Moi Pierre Rivière, ayant égorgé ma mère, ma sœur et mon frère…Un cas de
parricide au XIX siècle. Paris: Gallimard, 1973.
________. Naissance de la Clinique. Paris: PUF, 1983.
________. Sécurité, Territoire, Population, Cours au Collège de France.1980–1981.
Paris: Gallimard –Seuil, 2004.
________. Subjectivité et vérité, Cours au Collège de France, 1980–1981. Paris:
Gallimard –Seuil, 2014.
Gadamer, Hans–Georg. Philosophie de la santé. Marianne Dautré (Trad.). Paris:
Grasset, 1998.
Honneth, Axel. «Les maladies de la sociétés.» Réseaux. no. 193 (2015).
Leclerc, A. [et al.] (sous dir.). Les inégalités sociales de sante. Paris: La Découverte.
Le Blanc, Guillaume. «Archéologie et bioéthique.» Revue de métaphysique et de
morale. no. 82 (2014).
________. «Etre assujetti: Althusser, Foucault, Butler.» Actuel Marx. no. 36 (2004).
________. «Les nouvelles formes de précarités. Regards croisés entre la philosophie et
la sociologie.» Sociologie. vol. 2, no. 4 (2011).
________. Canguilhem et la vie humaine. Paris: PUF, 2010.
________. Canguilhem et les normes. Paris: PUF, 1998.
________. La pensée Foucault. Paris: Editions Ellipses, 2007.
________. Les maladies de l’homme normal. Paris: Editions Vrin, 2007.
Macherey, Pierre. «Aux sources de la folie. Une rectification et ses limites.» Critique.
no. 471–472.
Oribon, Didier. Michel Foucault (1926–1984). Paris: Flammarion, 1991.