Return to Article Details Biomedicine between the Political and the Ethical

الطب الحيوي بين السياسي والإيتيقي

Biomedicine between the Political and the Ethical

المولدي عزديني *

Mouldi Ezdini *

الملخّص

بات الوضع البشري في عالمنا اليوم مجبرًا على التكيّف مع معطيات تطوّر العلوم المختلفة. ولئن مثّل طلب العلم، نظريًا وعمليًا، خدمة للإنسان والحياة والطبيعة وضرورة ملحّة من الجهة الإبستيمولوجية، فإنّه أضحى من جهة التوظيفات المؤسساتية في واقع الناس ومعيشهم مجالًا لطرح الكثير من الأسئلة المربكة. ومردّ ذلك إلى أن التطبيقات العملية، وخصوصًا الإكلينيكية منها، على الكائن الحي عمومًا والإنسان بالأخص صارت، لا تقدِّر من الجهة الإيتيقية حقوق الناس الشخصية في الحرية والكرامة والصحّة الجيّدة. ولعلّ التعديلات المهجِّنة للكائنات الحيّة، وتحديدًا الإنسان، هي المشكل الحيوي بامتياز. من ذلك، مثلًا، الاتّجار بالأعضاء والتدخّل في نمو الخلايا والعضويات وحتى السلوكيات والأمزجة. وفي هذا السياق، يتمّ في راهننا التفكير الفلسفي النقدي في مآلات حياة الإنسان وكونه. فنشأت البيوإيتيقا أساسًا لمعالجة الخشية الإنسانية العامّة من سوء تدبير المؤسسات وبعض موظفي المخابر للنتاجات النظرية للعلوم. ولعلّ الفرع العلمي الذي أعضل اليوم على النقاد هو مجال الطب الحيوي وعلاقته بمشاريع الجينوم البشري. وهنا يمكن أن تُفكِّك فلسفةُ القيم النقدية بعضَ المسكوت عنه سياسيًا واقتصاديًا وماليًا ومعلوماتيًا من عمل الجماعة العلمية. كلّ هذا بغرض الإسهام في تحرير الإنسان ممّا ينذر حياته والطبيعة خطرًا.

Abstract

Abstract: Nowadays, the human condition is that we are forced to adapt to the data streaming from developments in various sciences. While in theory and in practice the pursuit of knowledge in the service of humanity and nature has represented epistemic urgent necessity, it has also become an arena of daunting questions in terms of institutional investment in the everyday reality of people and their livelihoods. The reason for this is that practical and clinical applications regarding the living organism and the human being do not place an ethical value on people’s personal rights to freedom, dignity and good health. Perhaps the hybrid modification of living organisms, specifically humans, constitutes par excellence a critical problem: trafficking in organs and interventions into the

الكلمات المفتاحية:
  • الطب الحيوي
  • البيوإيتيقا
  • السياسة
  • الأخلاق
  • الطبيعية
  • الجينوم
  • الكائن الحي
  • المريض
  • الصحة
  • الجماعة العلمية
Keywords:
  • Biomedicine
  • Bioethics
  • Politics
  • Ethics
  • Nature
  • Genomics
  • Organism
  • Patient
  • Health
  • scientific community

المختلفة. ولئن مثّل طلب العلم، نظريًا وعمليًا، خدمة ل نإإسان والحياة والطبيعة وضرورة

ملحّة من الجهة الإبستيمولوجية، فإنّه أضحى من جهة التوظيفات المؤسساتية في واقع الناس

ومعيشهم مجالً لطرح الكثير من الأسئلة المربكة. ومردّ ذلك إلى أن التطبيقات العملية،

وخصوصًا الإكلينيكية منها، على الكائن الحي عمومًا والإنسان بالأخص، صارت لا تقدِّر، من

الجهة الإيتيقية، حقوق الناس الشخصية في الحرية والكرامة والصحّة الجيّدة. ولعلّ التعديلات

المهجِّنة للكائنات الحيّة، وتحديدًا الإنسان، هي المشكل الحيوي بامتياز. من ذلك، مثلً،

الاتّجار بالأعضاء والتدخّل في نمو الخلايا والعضويات وحتى السلوكيات والأمزجة. وفي

هذا السياق، يتمّ في راهننا التفكير الفلسفي النقدي في مآلات حياة الإنسان وكونه. فنشأت

البيوإيتيقا أساسًا لمعالجة الخشية الإنسانية العامّة من سوء تدبير المؤسسات وبعض موظفي

المخابر للنتاجات النظرية للعلوم. ولعلّ الفرع العلمي الذي أعضل اليوم على النقاد هو مجال

الطب الحيوي وعلاقته بمشاريع الجينوم البشري. وهنا يمكن أن تُفكِّك فلسفةُ القيم النقدية

بعضَ المسكوت عنه سياسيًا واقتصاديًا وماليًا ومعلوماتيًا من عمل الجماعة العلمية. كلّ هذا

بغرض الإسهام في تحرير الإنسان ممّا ينذر حياته والطبيعة خطرًا.

Assistant Professor, Department of Philosophy, Faculty of Arts and Humanities, Sfax University, Tunisia.

growth of cells, organisms, and even behaviors and moods. Such is the context of critical philosophical reflection on man’s fate, life, and the universe at the present time. Bioethics arose as a field mainly to address the generalised human fear that institutions and laboratory personnel may mismanage the theoretical results of science. Perhaps the most challenging branch of science for critics today is in the domain of biomedicine in relation to human genome projects. Here, philosophy of critical values can perhaps deconstruct some of the political, economical, financial and informative silences and taboos in the scientific community – all aimed at contributing to the liberation of man from any danger that threatens life and nature.

«اعلم أنّ العلمَ أشرفُ ما رغب فيه الرّاغبُ، وأفضلُ ما طلب وجدّ فيه الطّالبُ، وأنفعُ ما كسبه واقتناه الكاسبُ؛ لأنّ شرفَه يُثْمِرُ على صاحبِه، وفضلُه ينمِّي على طالبِه».

مقدمة

تحتاج مدنية الإنسان إلى كثرة من الأسس؛ منها تعزيز شروط تعرُّفه العقلاني إلى ما هو

مبسوط من مسائل علمية، ومنها تمكينه من التمتّع بمنزلته القيمية في أثناء انخراطه في ممارسة تواصلية. وأيًّا كانت هذه الأخيرة، فهي محتاجة سياسيًّا إلى ما يثبِّت في انتمائه إلى الجماعة

البشرية كلّ إحساس بالمواطنة والعدل. ومن جهة ما يُبْسط اليوم من مسائل ذات صلة بعضوية الإنسان

وتطبيبها، نشأت العديد من أسئلة العدل والكرامة والحرية النظرية والعملية. فكيف لنا أن نعالج المفارقة بين الحاجة الإبستيمولوجية إلى الاستزادة النظريّة من البحوث العلميّة والتقدير الإيتيقي

للمحاذير العمليّة من آثارها العرضيّة المحتملة؟ ربّما يشهد نص قسَم أبقراط، والتعديلات اللاتينيّة

والإسلاميّة له، لاحقًا، بثلاثة أمور لا فكاك منها: أوّلً، كيف تحتاج الممارسة الطبيّة الحينيّة والمباشرة

دومًا إلى «إيتيقا الحاضر» من لدن العالِم والسياسي؟ ثانيًا، كيف يتعيّن الالتزام الأخلاقيّ في شخص

الطّبيب – الباحث قاعدة للعمل؟ ثالثًا، لِمَ كانت علوم الطبّ بعامّة، منذ العصر القديم، مثار معضلات

سياسية وأخلاقية لدى الناس؟ ففي نص أبقراط، كما في ما جانسه من النصوص الوسيطة والمعاصرة، ما يفيد الاستهانة الأخلاقيّة

الجاهلة بمن هو الإنسان لدى البعض. ما جدارته بالحياة الحرة والكريمة؟ وما الذي يؤمِّن قيمة حياة الناس بعضهم لدى بعض؟ أمّا في عصرنا، فبات مؤكّدًا أن آخر الكشوفات العلميّة والممارسات

التكنولوجيّة بشأن حياة الكائن البشريّ تثير معضلات مؤرِّقة للعلماء والسّاسة وعلماء الدين وفلاسفة

الأخلاق والسياسة ولجان الإيتيقيات التطبيقيّة... إلخ. وفي هذا السياق نشأت مناقشات عدّة،

(((أبو الحسن علي بن محمد الماوردي، أدب الدنيا والدين (الجزائر: الشركة الجزائرية اللبنانية، 0062)، ص.28

(2) Gilbert Hottois [et al], Aux fondements d’une éthique contemporaine , Collection: Problèmes et Controverses (Paris: Vrin, 1993), p. 225.

وما زالت، حول الإحراجات القيميّة التي أصبحت تطرحها البحوث الطبية الحيوية في سياق مشاريع

الجينوم. وذلك لحساسية نسَبها إلى الإنسان وحياته الصحيّة والخُلقيّة والاجتماعية والسياسيّة. ومن

هذه المناقشات: • في عالم امتزاج العلمي بالسياسي والأخلاقي، كيف لنا التوفيق بين الحاجة الإبستيمولوجية

النقدية لتعميق مناهج البحث العلمي ومضامينه من جهة، وتأمين حياة سويّة للإنسان من جهة

أخرى مثلما تحتاج هذه الحياة إلى قيم أخلاقيّة في الأساس؟ وهل تُثْنينا التوظيفات العمليّة

المزعجة للنتائج النظريّة للبحوث الجينومية عن تقدير مجهودات العلماء حتى نقع في خطيئة

التراجع عن تطوّرات العقل العلمي والنكوص حيال سياسة الحقيقة؟ • في سياسة الحقيقة العلمية وتصريفها، هل الجماعة العلميّة التي تدبِّر البحوث هي المسؤولة،

وحدها، عمّا قد يشوب الممارسات الطبية الحيوية من انزياحات تهدِّد المنظومة القيميّة التي

تُكْرِمُ الكائن البشري؟ ثمّ ألا تتقاسم الإدارة السياسيّة المؤطِّرة للبحوث الجينيّة المسؤولية مع

العلماء الأطبّاء؟ • في عصر هيمنة السياسة الحيوية biopolitique La وتنزيلها في معظم الصراعات الإنسانية،

أليست مصائر حيوات النّاس وسلوكياتهم من صميم البحوث البيولوجيّة بعامّة؟ وهل يحظى

علماء البيولوجيا بما يكفي من الاستقلالية التدبيريّة والحسِّ الأدبيّ في مجال أخلاقيات التطبيب

حتى يستأهلوا منحهم الثقة اللازمة متى عُهِدَ إليهم بأدقّ البحوث التي قد تُرتهن فيها حياة المريض

وعافيته الجسمية وكرامته الخلقيّة؟ • في السياسات الراهنة وقد امتزج فيها المدني بالقوّتيْن العسكريّتَيْن (المحلية والاستعمارية)،

ما الذي يمكن أن يُعْهد به إلى الدّولة من استراتيجيا وطنية وإدارة سياسيّة حكيمة، قادرتيْن على

تأطير البحوث الجينيّة بما يسهم في تقدُّم الطبِّ الحيويِّ؟ ومَنْ في وسعه أن يؤمِّن في آنٍتقدير

القيم البشريّة السويّة والخادمة للإنسان والحياة بالحماية والرعاية؟

(((يمكن الرجوع إلى هذا الفصل، ومنه اقتطعنا بشأن الانحرافات الممكنة للمعطيات النظريّة في أثناء التوظيف: «إذ تقلقنا

التضمينات الاجتماعية والأخلاقية لمشروع الجينوم: ليست المعلومات التي تتبقى داخل النظام، وإنما المعلومات التي تمضي

خارجه»، إلى: روث شوارتز كوان، «التكنولوجيا الوراثية والخيار التناسلي: أخلاقيات لحرية الإرادة»، في: الشفرة الوراثية للإنسان:

القضايا العلمية والاجتماعية لمشروع الجينوم البشري، دانييل كيفلس وليروي هود (محرران)، ترجمة أحمد مستجير، سلسلة عالم المعرفة 172 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1997)، ص 68–267.2 (((سواء أكانت المنظومة الإسلاميّة كما يُناقش الأمر في بلاد العرب أم الفلسفيّة انطلاقًا من نصوص البيوإيتيقا المعاصرة. (((لمزيد التدقيق فيما يتعلّق بالمسؤولية الخلقيّة والعلميّة، ينظر هذا النّص: «ومع تحركنا نحو القرن الواحد والعشرين

ستتسارع عجلة هذه الثورة بظهور تطورات أبعد مدى، لا سيما فك شفرة الجينوم البشري، مخطِّط الحياة. إن مشروع الجينوم

البشري في طريقه إلى كتابة موسوعة الحياة»، ليروي هود، «البيولوجيا والطب في القرن الواحد والعشرين»، في: الشفرة الوراثية

للإنسان، ص. 157 (((ينظر بشأن هذا الموضوع من الصلة بين القيمي والبيولوجي هذا النّص، وتحديدًا الفقرة التالية: «إنّها تقدِّم الأنماط النظريّة

لتفسير سلوكيات غاية في التعقيد، بلغةٍ بيولوجيّة بسيطة»، دوروثي نيلكين، «القوّة الاجتماعيّة للمعلومات الوراثيّة»، في: الشفرة

الوراثية للإنسان، ص.197

• أخيرًا، هل لنا شيء من الوسع العلمي والأخلاقي كي نأمل في استقامةِ علاقةِ الثقة الأخلاقية

بين الطّبيب العالم والمواطن المريض والسياسي الرّاعي للجماعة البشرية في الدولة؟ ومن ثمّة

مَن ذا الذي قد يتفرّد بإحكام السيطرة على حيوات الناس وتوجيه سلوكيّاتهم وتطويع قيمهم

لتطلُّعات قوى سياسيّة واقتصادية وعسكريّة وثقافيّة؟ وكيفما كانت المعضلات التي تحتاج إلى أجوبة عمليّة من شأنها أن تذلِّل، على الأقلّ، المخاوف

الأخلاقية بشأن مصير البشريّة، فإنّ في وسعنا أن نأتمن على وفاقٍ بين المطلوب الإبستيمولوجي من

البحث النظري في الحقيقة العلميّة والمطلوب الأكسيولوجي من الثّبْتِ العمليّ للقيم الذاتية الرفيعة

والمُكْرِمة للكائن البشري. وفي كلّ الأحوال، نحسب أنّ «اللّوم يقع إلى حدٍّ كبير على الإنسان،

خاصّةً عندما لوّث ماءه وطعامه وشرابه بالمبيدات»، غير أنّه ليس مطلق إنسان.

أولا: عمل الجماعة العلميّة في مجال الطبّ الحيويّ

ربّما تحتاج برامج تطوير الجينوم البشري، كما هي مبسوطة للسجالات العلمية والعمليّة في معظم

الدّول، وخاصّةً في سائر الدّول العربية والإسلاميّة المنشغلة بها، إلى تناول استفهامات قيميّة بما يَلزم

من الصدقية العلميّة والنزاهة الأخلاقية والحكمة السياسية. ففي هذه البرنامج العلميّة – الحياتيّة ما

يشي بوجوب توفير الحدِّ الأدنى من الحلول العملية لأسئلة باتت حياة الناس رهنًا لها بوجهٍ من الوجوه. وبناء عليه، في وسعنا الانطلاق هنا من تحديد منزلة الجماعة العلميّة ووظيفتيْها العلمية والإيتيقيّة.

معلوم أنّ البحث العلميّ وتدبيرَ نتائجه العرضيّة يسوِّغان الإقرار بالاقتران الضّروري بين لازمتيْن، هما: • الحرص على تجويد البحوث النّظريّة من أجل مزيد الإلمام بالمطلوب المعرفي عادة في

البحوث من رصدٍ للحقائق العلميّة. وفي هذا السياق، تقدّمت البحوث منذ سنوات في تكوين

صِنَافَةٍ من البيانات والنتائج النّظرية التي يهتدي بها الباحثون من الأطبّاء العلماء، في مسعى

تجويد كفايتهم العلميّة.

(((يمكن مراجعة هذا الموقف العملي نقديًّا. وأساسًا بالرجوع إلى أنّ «القيم هي الاستراتيجيات التي نرشد بها سلوكنا في مواجهة

المشاكل غير القابلة للحلِّ في العلاقات الإنسانيّة، والتي نسير بها على الحدِّ، الفاصل بين رغباتنا الفرديّة، واحتياجاتنا الاجتماعيّة»،

سعيد محمّد الحفار، البيولوجيا ومصير الإنسان، سلسلة عالم المعرفة 83 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،

1984)، ص.196 (((ثمّة تمييز بين علم نافع وآخر ضارّ بحسب عبد الوهّاب بوحديبة. ينظر قوله: «ولئن كنّا دومًا مع العلم السّليم (لا أجد عبارة أفضل

من هذه)، ولئن كنّا دومًا مع التجارب العلميّة السّليمة (وتراثنا العلمي العربي الإسلامي يشهد لنا بهذا)، فإنّنا لا نقبل أن يكون جسد

الإنسان وروحه مرتعًا لعلمٍ غير أخلاقي وغير إنساني ولا يمكن الاطمئنان لما تخفيه نزواته الجامحة السّائبة من أخطاء فادحة في حقِّ

الإنسان والإنسانيّة»، عبد الوهاب بوحديبة، «القيم الأخلاقيّة والاجتماعية والمسكوت عنه في قضية الاستنساخ»، في: الاستنساخ:

أبحاث ندوة المجلس الإسلامي الأعلى صفر 1418/ جوان 1997 (تونس: شركة فنون الرّسم والنشر والصحافة، 1998)، ص.57 (((عبد المحسن صالح، من أسرار الحياة والكون، سلسلة كتاب العربي 15 (الكويت: مطبعة الحكومة، 1987)، ص.57 ((1(من ممكنات البيولوجيا المستقبلية مزيد التدقيق في بنية الكائن الحي. يمكن الرجوع إلى هذا الرأي بغرض الإشارة والتنبيه:

«والآن، يعتزم البيولوجيون أن يخرطنوا وأن يسلسلوا طاقمًا بأكمله من الجينات لكائنٍ غاية في التعقيد؛ هو الإنسان، طاقمًا يحمل من

الجينات ما لا يقلُّ عن خمسين ألفًا، بل وربّما بضعة أضعاف هذا العدد. ذاك بالطّبع هو مشروع الجينوم البشري»، هوارس فريلاند

جدصون، «تأريخ للأسس العلمية والتكنولوجية لخرطنة الجينات وسلسلتها»، في: الشفرة الوراثية للإنسان، ص.52

• ما تقتضيه حساسيّة الوظيفة من الناحية العمليّة. حيث يتموقع العلماء بين: التزامهم بآداب

العلماء الخُلقيّة، وبين واجب تطبيب المرضى واستباق المخاطر الصحيّة المحتملة عليهم

وسائر أفراد المجتمع بالإشارة والتنبيه والتدخُّل المباشر متى اقتضى الأمر ذلك، وأنّهم يعدّون البحوث ضمن سياقٍمجتمعيّ له سلطاته السياسية والثقافيّة والقانونيّة، فضلً عن أخلاقياته

الفلسفيّة والدينيّة الرّاسخة في نفوس معظم الناس، السويِّ منهم والمعتلّ. ويترتّب على هذا التموقع سعي الجماعة العلميّة إلى توسيع دائرة تدبيرها لشأنها الطبيّ الحيوي فيما يتعلّق بمشروع دراسة الجينوم. وهو ما يقتضي عمليًّا: أولً، التدقيق في المعطيات العلمية وبياناتها احترامًا لواجب الجهر بالحقيقة العلميّة متى كانت مفضية إلى تأمين حياة المرضى والمعنيين بها عمومًا من مجتمعٍ ودولة. ثانيًا، اعتبار الجماعة العلميّة الحقيقةَ العلميّةَ صنو القيمة الأخلاقية الرفيعة. ثالثًا، ألّ تصرفها الإحراجات العملية المترتبة على النتائج العرضيّة عن مزيد طلب العلم، وعلى الأقلّ نظريًّا. وبناءً على ما تقدّم، سننظر في وجهيْن من وجوه عمل الجماعة العلميّة المعنية بمشاريع الجينوم، ضمن مبحث الطب الحيوي. ويتعلّق الأوّل بسياسة الحقيقة النظرية، أمّا الثّاني، فيتعلّق بسياسة القيم الخُلقيّة.

1. التدبير العلميّ النّظريّ

توجد في كلّ تدبير علميّ عمومًا وفي الطب الحيوي خصوصًا جملة من المقتضيات الموضوعيّة للدراسة العلميّة، وهي شرط استقامتها التي نصطلح عليها في الفلسفة بالشروط الإبستيمولوجيّة. ويمكننا تصنيفها إلى أربعة شروط:

((1(من المشكلات اللاّحقة: كيف يمكن أن تُدار الأمور أخلاقيًّا؟، «لقد تزايدت مسؤوليات الأطباء في المجالات غير الإكلينيكيّة،

ومن ثمّ تزايدت أيضًا مآزق الأخلاقيات المهنيّة»، نيلكين، ص.210 ((1(يرى بعضهم في هذا السياق إمكان أن «يضمّ كل الأفراد المتباينة التي يمكنها أن تتناسل سويًّا»، والتر جيلبرت، «رؤية للكأس

المقدّسة»، في: الشفرة الوراثية للإنسان، ص.102 (1((هنا تحديد وجه من وجوه المسؤولية الإيتيقيّة للعالمِ. يمكن الرجوع إلى هذا النّص: «إنّني أعتقد أنّ على الجماعة العلميّة إذا

أرادت أن تكون مسؤولة أخلاقيًّا أمام المجتمع، أن تسأل عمّا إذا كانت تنفق أموال البحوث بطريقةٍ تقدِّم أفضل المحاولات لكشفِ

الأمراض»، جيمس واطسون، «رأي شخصي في المشروع»، في: الشفرة الوراثية للإنسان، ص. 183 ((1(بشأن مخاوف التقدُّم العلمي التقني، يمكن النّظر في النص التالي: «توفِّر التقدّمات السريعة في التكنولوجيا القائمة على الدنا

والتي شهدتها السنين الأخيرة، توفِّر عُدّةً فعّالة لدراسة الوقائع البيولوجيّة، كما تَع دُ أيضًا بتغيُّرٍ مثيرٍ في ممارستنا للطبِّ. لقد تمكنّا

بالفعل من قدرة على فحص الجسم البشري، من الخلايا المفردة إلى الدنا النووي ونماذج تعبير الجين، قدرة كانت أبعد من أن

تُصدّق منذ عشرين عاما لا أكثر»، توماس كاسكي، «طبٌّ أساسه الدّنا: الوقاية والعلاج»، في: الشفرة الوراثية للإنسان، ص. 132 (1((ينظر كيف أنّ «هذا المضمون للقيم الإنسانيّة لعلم الحياة هو بعدٌ من أبعادِ المعرفة البيولوجيّة، أقلّ انتشارًا من الاهتمام بالنتائج

المتعلِّقة بالأخلاقيّات العامّة والنُّظم الاجتماعيّة التي قد تترتّب على فوائد البحث البيولوجي. فإلمامنا بمعرفة عن الجنين لتشخيص

العيوب الوراثيّة يساعد على إزالة عبء الصّدمة الخاصّة بالطِّفل المُصاب بالمنغوليّة، وذلك بأن توضّح طريقة نموّ الخليّة وتُصحّح

أخطاؤها الوظيفيّة. إذ إنّ تحسين صحّة الفرد، وإسعاده هو هدف اجتماعي إلزامي»، الحفار، ص.200 ((1 (تجمع بين ما هو من قبيل العلوم الدقيقة وما هو من العلوم الإنسانية، وذلك لتداخل العضوي organique ’ l بالنفسي psychique Le في الطب الحيوي.

• الموضوعية: تتمثّل في الحرص العلمي من لدن الطبيب الباحث على اتخاذ مسافة أوليّة بينه

وبين موضوع الدراسة (المريض أو الشخص المعالَج بعامّة)، وذلك لإلجام العناصر الذّاتية

عن الاندفاع والتدخّل في مسار البحث حتى لا يُوَجّه غير الوجهة العلمية المرجوّة قصدًا نظريًّا.

والغرض من هذا، في سياق مبحثنا البيولوجي، أن يرى الطبيب في هذا الطّور المبدئي أنّ «المسار الطّبيعي لبحوث الجينوم البشري هو التوجُّه نحو تحديد هويّة الجينات التي تتحكّم

في الوظائف البيولوجية الطبيعيّة، والجينات التي تتسبّب في الأمراض أو التي تتفاعل بعضها

مع بعض لتعجِّل بحدوث أمراض وراثيّة. يمضي تحديد مواقع الجينات بشكلٍ أسرع بكثير

من تطوير علاجات للأمراض التي تسبِّبها، وسيؤدِّي مشروع الجينوم البشري إلى تفاقم هذا

الاتجاه. باختصار، إنّ اكتساب المعارف الوراثيّة يسبق بكثير تجميع القوى العلاجيّة، وهذا

وضع يطرح صِعَابًا استثنائيّة أمام المعرفة الوراثيّة». ويتمثّل جلُّ الصعوبات العلمية في

ما قد يظلّ مستغلقًا على دائرة النّظر العقلي أو البحث المخبري من لدن العالم – الطبيب. وليس لهذه الصعوبات أن تبرّر الانكفاء أو العدول عن البحث العلمي؛ إذ من فضيلة العقل أن

يداوم على اشتغاله، ولو بعسر أو بملامسة الحافة النظرية من خريطة المعرفة. • تشغيل مقولة السببية: مفاده سعي الطبيب قدر مستطاعه (بوصفه فردًا أو ضمن جماعة) إلى

رصدٍ دقيق لما يسمّى عادة العلاقة السببيّة بين العلل والنتائج. وفي مجال مشروع الجينوم،

تكون الدراسة النظرية و/ أو المخبريّة على غاية من الدقّة، نتيجةً لتحوُّل عناصر الموضوع إلى

خلايا وذرّات وكيانات مجهريّة لامتناهية في الصغر ومتناسبة في بنيتها العضويّة. وعليه، فإنّ

تحديد الجينات الحاملة للأمراض، أو التي قد يحتاج إلى تحسينًا نافعا للنسل... إلخ، يحتاج

إلى براعة مهنيّة ونباهة عقلية. وكلّما كانت روابط النسبة بين عناصر المبحث أكثر دقّة وتحديدًا،

أدّى إيجابيًّا إلى مزيد تطوير البحث الجيني. ويحتاج تشخيص الأسباب متناسبةً ونتائجها إلى

معرفة إجمالية (شبه موسوعيّة) بسائر العلوم الأخرى ذات النّسب بالمبحث الدّقيق، وبالأخصّ

العلوم الإنسانية الأقرب من جهة النظر والممارسة إلى ماهية الإنسان. ومن ثَمّ «ليس مشروع

الجينوم مجرّد مشروع منعزل يقوم به البيولوجيون الجزيئيون. إنّه تطوير طبيعي للمواضيع

الشائعة في البيولوجيا ككلٍّ: إنّ فكرة سلسلة الجينوم البشري هي بأبسط معنى محاولة لتحديد الجينات التي تجعل منّا بشرًا». فنستخلص تبعًا لذلك، كيف تُسْهِمُ المعارف المتداخلة، متى

أحسن الطبيب العالم استيعابها وتملّك منطق تناسبها واشتغالها، في التوصّل إلى نتائج بحثيّة

تعزِّز التقدّم أكثر في اتجاه تطوير مشروع تنمية المعرفة بالجينوم البشري. • تدقيق لغة الجهاز المفهومي: يعني تدقيق الطبيب الباحث في الأحياء والأجنّة لمصطلحات مبحثه. وذلك بجعلها مفاهيم تقنيّة قابلة للمشاركة مع سائر المخابر العلميّة الأخرى ومع

سائر البلدان ولغاتها، شرط أن يأمن في مدبِّريها الحياديّة الأيديولوجيّة والنزاهة الأخلاقيّة؛

(1((ماري ويكسلر، «الاستبصار والحيطة: ترجيعات من مشروع الجينوم البشري»، في: الشفرة الوراثية للإنسان، ص.231 ((1(جيلبرت، ص.101

إذ في تحديد الجهاز المفهومي للمبحث العلمي ما يعود بالنفع الإبستيمولوجيّ على العلوم ونمائها.

ومفاد ذلك: أولً، أن يصير الباحث الطبيّعلى دراية لغويّة بالمفاهيم التقنية التي تندرج تحت طائلة علمه.

ثانيًا، أن يكون قادرًا على معرفة علاقات التناسب بين المفاهيم المتداخلة (مثل الدنا ADN) أو المفاهيم

المركّبة. ولا يتعلّق التدبير العلمي هنا بمجرّد تجريد للمفاهيم وعزلٍ لها، كما قد يبدو في الظّاهر، وإنّما

تعكس التدقيقات المفهوميّة ما بين المعارف المخصوصة من تداخل وقرابة مضمونيّة لمزيد التمكّن

من ناصية العلم والتحكّم في مباحثه المتداخلة. من ذلك دراية الطبيب الباحث أنّ معارف الكيمياء chimie La والحي bios Le والنّفس âme ’ L في تناسبٍ تامّ، متى تعلّق الأمر بالكيمياء الحيويّة

والعلل اللاعضويّة. ثالثًا، أن يتحلّل الطبيب الباحث من اللغة الإنشائيّة، أي المفردات الأدبيّة السّائدة

حتى لا يتحوّل القول العلمي في الطب الحيوي إلى سرديات شعرية أو أدبية... إلخ. رابعًا، أن يتبيّن

الطبيب الباحث أنّ مجمل الجهاز المفهوميِّ، وإن كان يبدو مجرّدًا تبعًا لصياغته في لغة تقنيّة، إنّما هو

ينتسب في النهاية إلى وضعيات بشرية حياتية واجتماعيّة لها قيمها المخصوصة. • قابلية النظري للتطبيق العملي والترجمة التقني – الأداتية: معنى ذلك أن تكون المعارف النّظريّة

والمصوغة في لغة علميّةٍ مقعّدة قابلة للترجمة البحثية المخبريّة وللتحوّل إلى أدوات تقنيّة

تسهم في تطوير المباحث ذاتها التي من حقولها نشأت؛ إذ يُفترض في العلوم أن تكون خادمة

للناس ومعيدة لإنتاج الطبيعة ومحترمة للحياة. وكلّ ذلك فيما وراء التجاذبات القائمة على تأويلات مقيِّدة للعلم السّليم. ولا يبلغنّ الاشتغال بالعلم هنا منتهى غرضه الإنساني إلّ متى دُبِّر

((1(من قبيل: البيوكيماء: biochimie La أو الكيمياء العضوية: organique chimie La أو البيوإيتيقا: bioéthique La. (2((اعتُبر هذا المبحث على غاية من الدقّة العلمية والخطر الأخلاقي. وفي الواقع «يحاول مشروع الجينوم البشري حقًّا أن يحوِّل

مبلغًا أكبر قليلً نحو البحوث المرتكزة على الدنا. ولمّا كان في استطاعتنا الآن أن نرسم خرائط وراثيّة جيِّدة تسمح لنا بتحديد

الكروموزومات المسؤولة ثمّ بأن نحدِّد بالفعل عليها جينات المرض [...] فلا بدّ أن يكون لعلم الوراثةِ أولويّة أولى في جدول أعمال

بحوث المعاهد القوميّة للصحّة»، واطسون، ص.185 (2((أمّا في المستقبل، فربّما «يسعى علم الأحياء الحديث إلى فهم العمليّة الحيويّة، والتحكّم فيها. ومن ثمّ، فإنّه يضارعها بعدًا

عن الأخلاقيات. لكن، الفهم يثير من جديد، وينبئ بأسئلة عميقة عن الحياة، ومن ثم، يعطي فرصة لتجديد القيم التي تُعاشُ بها

الحياة»، الحفار، ص.203 (((2 ولعلّنا نعي كلّ ذلك «بفضل مفاهيم علم الحياة المعاصر، ظهر وضع اجتماعيٌّ جديدٌ، عميق الأهميّة، فهناك اختيار لم يكن

موجودًا فيما مضى (الإجهاض، إطالة العمر، تحديد نمو السكّان وتزايدهم) وهي كلُّها أمور تُعْتبر اقتحامًا لاهتمامات جوهريّة مثل

القيمة الذاتية لحياة الإنسان، التوازن بين حقوق الفرد والحقوق الاجتماعية، اعتمادات وسلطة الأخلاقيّات والتقاليد. فكان ذلك سببًا

في تبرير الفهم المعاصر للملامح السّابقة للوضع الإنساني بقانون عصري للأخلاق تجعل من عالَمِ الأخلاقيّات في القرن العشرين

إنسانًا عليه ألا يتجاهل، بل يفيد من الأبعاد التي تعلِّمه إيّاها بصائر من الماضي لها مكانتها، في وقت يزداد فيه تطوُّر البحث

البيولوجي وخاصّةً في خاتمة القرن العشرين حيث يرتجي العالَم من المعرفة البيولوجيّة أن تزيد فهمها بأمورٍ عدّةٍ أهمُّها: القدرات

المتزايدة على تنظيم الإنجاب في الإنسان. انحلال الخليّة. الآليات الوراثيّة»، المرجع نفسه، ص.200 (((2 يراجع هذا الموقف: «وفي التحليل الأخير، لا تتمثّل أغلبُ التقنيّات الأكثر تطوّرًا والتي اخترعها النّاس، في خلق قطع الظّواهر

ذات النماذج الموجودة دومًا في الطّبيعة، وإنّما ببساطةٍ في تغيير زمن ردِّ الفعل»، ينظر:

Gaston Bouthoul, Biologie sociale , 2 ème ed. (Paris: PUF, 1964), p. 33.

(2((يمكن الاستئناس بهذا الموقف: «جدُّ مفهوم، فاحترام الشّخص هو في المقام الأوّل مطابق لاحترام حياته. بدايةً، لا تضر:ّ

حكمة قاعدة كلِّ طبٍّ». ينظر:

Lucien Sève, Pour une critique de la raison bioéthique , Collection: Philosophie (Paris: Odile Jacob, 1994), p. 119.

على النّحو الذي لا يتنافى وإكرام الذّات البشرية في منظومة أخلاق الرفعة من النصوص الفلسفية والإسلامية وغير الإسلامية. غير أنّه جدير بالملاحظة، في هذا السياق، أنّ هاجس الاستزادة من العلوم الطبيّة لا يعني إطلاقًا نهَمًا

معرفيًّا من جنس المجرّدات النظريّة. فلقد ولّى عصر المعرفة النّظريّة لمتعة المعرفة. فلا تكون المعرفة

في مشروع الجينوم البشري مستقلّة عمّا قد يشكّل الدائرة القيميّة للإنسان، بوصفه كائنًا أخلاقيّا ومدنيًّا

واجتماعيًّا واقتصاديًّا... إلخ. ولعلّه من أهمّ ما طرحه هذا المبحث، ما درج أهل الرّأي والاختصاص

على تسميته بالبيوإيتيقا.

2. التدبير الإيتيقيّ العمليّ

بداية، علينا الاعتراف إيتيقيًّا أنّ هذا المبحث الحادث في الطبّ الحيوي يثير إشكالً عمليًّا. ومداره

جملة الأسئلة التي هي في الواقع غير مستقلّة عن المبحث في أفقه النّظري. وتترجم أسئلة الناس من المختصّين وغيرهم عن هذا الإشكال الأخلاقي البيِّن، لارتباطه الحصري بالقيم عامّة، والإيتيقية

منها خاصّة. فقد ظهرت للعيان محاذير شتى، يمكن صياغتها لِمَامًا في المساءلة التالية: كيف يمكن ضمان البراءة الأخلاقية في تساوق والبراعة الطبيّة التي لعلماء الوراثة والأجنّة والطب الحيوي والطب

الشّرعي؟ ويعود منشأ النّظر الفلسفي في الإشكال أساسًا إلى أنّ «تعدّدية القيم والتطوّر التقني – العلمي والعقل الرّاسخ في التفاعل اللساني هي الأخرى عناصر مفاقمة اليوم لعسْرِ صياغة نظرية إيتيقيّة». فمن

متمِّمات استيفاء العلماء لصفة الطبيب في شخوصهم في أثناء الممارسة، قدرتهم على التجرّد قدر

الإمكان من حمل العناصر اللاعلميّة (كالأيديولوجيا أو الميز العنصري أو الطائفية الدينية) على

موضوعات بحوثهم. وألّ يُسْقِطوا ما بذواتهم من أهواء أو نزوات أو قناعات شخصيّة على المرضى

والمعالَجين عمومًا. فليس العلم نظريات مجرّدة، وإنّما هو أيضًا نزاهة أخلاقيّة. ويمكن القول: «إذا

صان ذو العلم نفسه حقّ صيانتها، ولازم فعل ما يلزمها، أمِنَ تعيير المُوالي وتنقيص المُعادي، وجمع إلى فضيلة العلم جميل الصيانة وعزّ النزاهة فصار بالمنزلة التي يستحقّها بفضائله». لكنّ موطن الإشكال هنا أنّ مباحث الجينوم البشريّ هي أكثر من غيرها التصاقًا بالحياة والموت، وبالسياسة والأخلاق،

(((2 يمكن اعتماد هذا السؤال: «هل تسمح قيمنا الأخلاقيّة الإنسانيّة المتأصِّلة في هويّتها وكياننا أن نقدِّم، وإن للعلماء، صكًّا على

بياض، قبولً منّا لعلمهم ذاك؟». ينظر: بوحديبة، ص.57–56 (2((ثمّة استثناء، مفاده التمثُّل غير الدّقيق أحيانًا لوظيفة البيوإيتيقا. «غير أنّ إيتيقا الطب الحيوي غنيمة في كلّ مكان لهذا الجدل

من التأويلات المتنافسة بشأن الاحترام، واحدة محافظة والأخرى مغامرة. وهكذا، أيعني احترام الشّخص عدم تغيير أي شيء في

التركيبة الحالية للإنسان وبما في ذلك الأمراض الجينيّة أم ننقذ منها الأجيال القادمة المعرّضة للأغلاطِ الفظيعة». ينظر:

Sève, p. 118. (27) Hottois [et al], p. 131.

(2((والمسمّاة عندنا في الإبستيمولوجيا النقدية للعلوم الإنسانيّة ب «الذّاتيّة.» (2((الماوردي، ص.34

وبالمجتمع والدّولة. ولهذا نجد اليوم من أسئلة النّاس ما يضاعف عسر وظيفة الطبيب الحيويّ في أثناء أداء مهمّاته، كما تجاه مسؤولياته نحو منظوريه من الناس. والطارئ في المباحث البيولوجيّة أنّها

أفضت، من جهة تطبيقاتها السريريّة والعلاجيّة والاستباقيّة، إلى تساؤلات شخصيّة وأخرى أمنيّة باتت

واضعة موضع شكٍّ صدقيّة استثمار البحوث. فأين تُوَجّه؟ ولخدمة مَن قد تُوَجّه في هذا المكان دون

ذاك، وفي هذا الظرف دون ذاك؟ من يستفيد منها مباشرة: أهو الشخص المعنيّ بالتطبيب أم مؤسّسات

أخرى غير ذات صلةٍ بحماية حيوات الناس؟ وتبعًا لذلك، أصبح «الكثير من العلماء متخوِّفين من نتائج هذه الثورة البيولوجية، ويعتقدون بأنّ الخطر

قد يكمن في نتائج بعض تجارب العلماء من حيث خلق سلالات بكتيريّة تحمل صفات لها أثر مرَضي

مميت على النّاس تتسرّب إلى الطّبيعة ناشرة وباء ليس له وسيلة لتحصين الناس». نستنتج، إذًا، أنّ

المسار العملي الذي على أهل الطِّبابة انتهاجه هو مزيد إحكام التدبير الأخلاقي لبحوثهم، حتى لا تستحيل إلى أدوات نفي لهم أو استرقاقٍ أو ابتزازٍ من لدن مؤسّسات العقاقير (صناعةً وتجارةً). فمن

حصافة الطبيب الأخلاقية والسيكولوجيّة أن يأنس فيه الناس رفعة الخلُقِ، حتى يحسُّوا بالطمأنينة على

أنفسهم وأسرارهم وأمراضهم ومخاوفهم وآرائهم، وكلّ ما من شأنه أن يتكشّف عليه من خصوصيات شخصيّة في أثناء البحث والمعالجة والمتابعة الإكلينيكيّة... إلخ. إنّه لمن المسؤولية الإيتيقيّة أن يقرن

الطبيب بين المعرفة والتفكير في مصائر الناس، وذلك ضمن رؤية جامعة لكيفيات ممارسة التطبيب (منهجًا علميًّا ومقصدًا قيميًّا). ولعلّنا نقترح في هذا السياق الأخلاقي أن يتدبّر علماء الطب الحيوي،

ومنهم على وجه التخصيص طائفة الهندسة الجينية والوراثيّة، مهنتهم وفقًا لأخلاقيّات التعايش

الاجتماعي والتواطن المدني والتسالم السياسي بين النّاس. وهي أخلاقيّات حفظ الكرامة البشريّة

والرفعة السياسية والحصافة العقليّة، تلك التي لا تختلف كثيرًا عمّا يسمّى اليوم بالإيتيقيّات التطبيقيّة.

وهنا نذكر بعضًا من مبادئ هذه الأخيرة: • على العالم تشريف العقل البشري بالعمل وفقًا لمعايير عليا. ومن أهمّها: أولًِ، المداومة

على إنجاز البحوث بما يُثَبِّت تنامي نضج العقل العلمي في شخوصهم. وممّا يشهد على ذلك

أيضًا الاستمارات الشفويّة والمكتوبة وشهادات المرضى المعبِّرة عن درجةِ رضاهم. ثانيًا، اعتبار

الكفاية العلمية من متمِّمات إيتيقا العالم وملمحه المهني الاجماليّ. ثالثًا،ِألّ يتردّد في التوجُّه

(3((يمكن استدعاء هذه المعطيات في الفرز الأخلاقي، ووفقًا للموقف التالي: «ثمّة شيئان على الأقلِّ يتفوّق فيهما – في القوّة –

العاملون بالنظام الطبِّيِّ على غيرهم بالنظام العلمي: 1) القرارات الشخصيّة–القرارات الأخلاقية، المتعلِّقة بالحياة والموت،

و 2) القرارات الجماعية–القرارات السياسيّة التي تتعلّق أيضًا بالحياة والموت». ينظر: كوان، ص 68.2 (3((الحفار، ص.194 (((3 بشأن هذا التلازم، يمكن القول «إنّ فحص المعرفة والتفكير في مدى تأثيرها على القيم الإنسانيّة والحقوقيّة والأخلاقيّة سيلزم

العلماء الباحثين، وخاصّةً في نطاق ‘هندسة الجينات’ الخطرة وتطبيقاتها، لجعل منجزاتهم على شكلِ معرفة تُصاغُ بدقّةٍ ليشاطرها

النّاس، ولذلك لا بدّ من أمريْنِ يتبنّاهما العالَم كلُّه وهما: التخطيط والمعرفة. فنحن اليوم نفهم أنّ معرفة الإنسان ليست بالضّرورة

كاملةً. ومن ثم، لا تكون خططنا مجرّد حسابات، فالحساب في حدِّ ذاته خطّة تكتيكيّة لحلِّ مشكلة عمل فوريّة ومحدودة. لكن،

المشكلات الضخمة للسلوك الذي يشكِّل حياتنا ليست فوريّة ومحدودة. فيجب أن نبتكر لها خططًا أكثر عموميّة بكثير، أي

الاستراتيجيّات العظيمة التي نسمِّيها القيم»، المرجع نفسه، ص.196–195

بالنّصح إلى الناس، وفقًا لضوابط التناصح الأخلاقي المعترَف بها بوصفها غير فاضحة لأهلها

ولا للمنتفعين بها. • على العالم، أيضًا، التمييز بين مقامات النّصح والإرشاد والمصارحة، بحسب استقرائه لخصوصية

المريض ومن قد يعنيه المقال الصريح والجهر بالحقيقة. فللطبيب أن يَعْلمَ التناسب الأخلاقي

والبسيكولوجي بين المقام والمقال في هذه الوضعية (أ)، مقدار علمه النشاز بينهما في تلك (ب)، وأن يكون، تبعًا لذلك، قادرًا على التمييز بين المقامات بحسب خصوصياتها. فيمكن للمصارحة أن

تفيد هذا الشخص دون ذاك. كما أن الجهر بالحقيقة يمكن أن يفيد إدارة المؤسّسة البحثية والصحيّة

أحيانًا، وقد لا يفيدها أحيانًا أخرى. وعليه، وجب على الطبيب التمييز بين مَن مِن حقِّه معرفة الأمور

وأسرارها، ومَن لا يحقُّ له ذلك. • ألّ يعمد إلى تزوير البيانات، وخاصّة متى تعلّق الأمر بمعالجة النّسَبِ والنظر في مظلمةٍ مدنية

أو سياسية أو معاشرة جنسية خارج إطار الزّوجيّة أو تحديد الأبوّة... إلخ. ههنا تتضاعف حساسية

مسؤولية الطبيب. وعليه ألّ ينتهك حرمة الآخرين في قوله وفعله. وألّ يستهين بكرامة هذه أو تلك

من مريضاته. فلا يشفعنّ له غير حسن خلُقِه وحكمته في تدبير شأن الناس بمنتهى الكياسة. ويعلم

الأطبّاء أكثر من غيرهم، كالقضاة والأمنيين والسّاسة، «أنّ الإتاحة المتزايدة للاختبارات البيولوجيّة

تتحدّى أيضًا معايير المسؤوليّة المهنيّة، ولا سيما منها واجبات السرِيّة. فبكشفِ الأسس البيولوجيّة

والوراثيّة للمرض تزداد أهميّة دور الخبير الطبي في المجالات غير الإكلينيكيّة. ولقد اضطلع طبيب

الشّركة، وسيكولوجيُّو المدرسة، والطبيبُ النّفسيُّ الشرعيُّ، اضطلعوا بمسؤوليات أكبر في مواقعهم

المختلفة، بل قد يُطْلَقُ أحيانًا على الطبيب اسم ‘العميل المزدوج’ لقيامه بدوريْنِ مشبوهَيْنِ: الولاء

للشركة التي يعمل بها، والولاء لمرضاه». ولذلك، تستحيل الإبستيمولوجيا الطبية إلى ناقدة فيما نقدِّره من منظور فلسفيٍّ. • نعتبر من المتمِّمات الإيتيقيّة التطبيقيّة في الممارسة الطبيّة، في مجال الهندسة الوراثية وعلم

الأجنّة، أن يكون الطبيب الباحث على سعة اطِّلاع بالنصوص القانونية وبمواثيق حقوق الإنسان وبالتشريعات الأخلاقيّة والحقوقيّة المثبِّتة لإنسانيّة الإنسان. فعليه بالتمييز عمليًّا بين المعني

وغير المعني، كما بين الأصل والفرع، وحتى بين المخطئ ومن لا ذنب له. كلُّ ذلك وفقًا لمبدأ المسؤوليّة الفرديّة. فمثلما توجد تقنيات تكنولوجية لازمة للبحث، توجد بالمقدار الأخلاقي ذاته

التزامات بالاعتراف بحقوق المرضى ومسؤولياتهم. • نعتبر من قبيل الإيتيقا التطبيقيّة اعتناء الطبيب بأدواته التقنيّة عناية المدبِّر الحكيم. وأن يكون حريصًا

على نجاعة تقنياته مقدار حرصه النّظري على معرفة الحقيقة العلميّة؛ إذ إنّ سلامة التقنيات وجودتها

ونظافتها تقترن أيّما اقترانٍ بجودة الخدمات الطبيّة وآثارها على صحّة النّاس، إذ الكلّ معنيّ بعافيته.

(((3 نيلكين، ص.210 3(((ربّما لا يخفى علينا ما يمكن أن «تثير وراثة الإنسان من عقبات بيولوجيّة وأخلاقيّة تطلّبت تطوير مجموعةٍ من طرقٍ تقنيّةٍ أبعد

من تلك المطلوبة لمعظم الدراسات الأخرى»، جدصون، ص.85

ثانيًا: وضعيات المريض (حقوقه ومسؤولياته)

يُعتبر مطلب العافية الجسميّة والعقلية والنفسية حقًّا من حقوق الناس الطبيعية والشّرعيّة والكونيّة

والتاريخيّة. وينبغي إقراره شرطًا من شروط تعافي الأفراد في يومهم ومصيرهم ومجتمعهم، وأن تتبنّى

مشاريع الجينوم البشري النّظر في هذه العافية والعمل على تأمينها قدر المستطاع؛ فذلك من فضائل مؤسّسات المجتمعيْن السياسي والمدني الحامية لمواطنيها. ولعلّه من حقوق الإنسان في الإسلام كما

في غيره من المرجعيات الفلسفية – الحقوقية الوضعية المعاصرة أن يحظى المواطن كما الجماعة بالرعاية الصحيّة والحماية المجتمعيّة. ومن هذه الحقوق: تحسين النّسل وتطهيره من الأمراض الوراثيّة،

والعمل على استمراره حفاظًا على تعمير الإنسان للأرض. غير أنّ الجدل قائم اليوم في مستوييْن اثنيْن: أوّلهما: أنه يتمّ العمل من منظور الأخلاق الرّفيعة على تدبير المعايير الأخلاقية والاجتماعية والسياسية

والأمنية اللازمة لحماية قيم النّاس من التهافت والانحلال. ويقتضي هذا، من جملة ما يقتضيه، المحافظة على طبيعيّة التناسل، ومن ثمّ تطوير علم الوراثة درءًا لتشوّهات أو علل قد تشمل جماعة

بشريّة بأكملها. ثانيهما: أن بعض الناس يرى في علم الوراثة والتناسل ما يشي بنشأة خطرٍ. ومفاد هذا أنّ التوظيف اللاأخلاقي، بمعنى اللاإنساني، لبعض الاختبارات لم يعد مقتصرًا على التنبّؤ بما هو عضوي بيولوجي،

وإنّما تعدّى ذلك إلى التنبّؤ بالسلوك القيمي للأفراد وموجِّهاته. فقد بات البعض متوجِّسًا من هذه

الحقيقة: «ستتنبّأ الاختبارات بالسّلوك مثلما تتنبّأ بالأمراض». أمّا موقع المريض من كلِّ هذا، فهو

الحاجة العمليّة للتطبيب وتحسين مقوِّمات تعافيه من الأمراض. لذا، ينبغي النّظر إليه في هذا المقام

بوصفه مواطنًا جديرًا بالتقدير. وفي المقابل، تتحدّد مسؤوليّته على النحو التالي: عليه أن يشارك الجماعة التي ينتسب إليها مجتمعيًّا

وكونيًّا الالتزام ذاته الذي يتعهّد بمقتضاه كلّ واحد من أعضائها بحفظ حياة الآخرين في شخصه (عملً

وسلوكًا وكتابة وقولً... إلخ). ولا نستبعد أن تكون من مسؤولياته المقاوَمة من أجل علم حياة ينفع

الناس في صحّتهم وأخلاقهم. فليس على المعالجة البيولوجيّة أن تندفع باسم الكشوفات العلمية

المتقدِّمة لتبرِّر له، في غياب مسوِّغٍ صحيٍّ بيِّنٍ، ولادةً مبتسرةً مثل. كما ليس من حقِّ المعايير

الأخلاقية العليا أن تبرِّر، باسمِ فهمٍ مّا للحداثة، توجيه مورِّثات سلوكية لخدمة حضارة التنميط. وعمليًّا،

(((3 في الغالب تُحْشَدُ جموع الناس من خلال تطويق أمزجتهم وأذواقهم وأفكارهم وآرائهم، كما بيّن ذلك: ب. ف. سكينر،

تكنولوجيا السُّلوك الإنساني، ترجمة عبد القادر يوسف، مراجعة رجا الدريني، سلسلة عالم المعرفة 32 (الكويت: المجلس الوطني

للثقافة والفنون والآداب، 1980)، ص.109–93 (3((نيلكين، ص.196 3(((يمكن تحديد وجه من وجوه الإشكال كما يلي: «علم الوراثة – تفسير الطّريقة التي تورِّث بها الكائنات الحيّة إلى سلُاّنها

صفات التشريح والفسيولوجيا والسُّلوك، والكيفيّة التي يعبِّر بها كلُّ فرد عن هذه الصفات أثناء تكوُّنه وعبر حياته – هذا العلم هو

القضيّة الرّئيسية للبيولوجيا»، جدصون، ص.51 (3((لا يمكن القبول أخلاقيًّا وروحيًّا وجماليًّا ببعض التشوُّهات كآثار سلبيّة لمثل هذه الولادة التي شاعت في عصرنا إلا عند

الضرورة القصوى المشكِّلة لخطر على حياة الأمِّ. فلا ننسى أنّ للأزواج أن يتمتع بعضهم بجمالية أجساد بعض.

من مسؤولية الخاضع للاختبارات البيولوجيّة بدافع المرض أو الوقاية استباقًا، ألّ يتردّد في نقد الحضارة

المولعة اليوم في الغرب كما في الشرق أساسًا باصطناعِ إنسانٍ أحاديّ البعد. وكان هاربرت ماركوز قد

بيّن تهافت القصد منه، فهو لاعقلاني ولاأخلاقي ولاإنساني، بمعايير فلسفة القيم النّقديّة.

1. صحيًّا

سنعتبر في هذا المقام الحاجة إلى صحّة جيّدة من أوكد حقوق المرضى وحتى الذين يُحتمل توريثهم

بعض العاهات الموهنة للجسم والعقل والخلُقِ. وفي علاقة بمشاريع الجينوم، نرى أنّه من الضروري حماية الأفراد بحفظ حقوقهم في الأبوّة والأمومة الطّبيعيّيْن. ففيما يتعلّق بما يُصطلح عليه ببنوك

الجينات تصير الرابطة الطّبيعيّة بين المولود وأمّه مهدّدة. وفي الواقع، «قد تنشأ مشاكل نفسيّة للأم

الحقيقيّة، فغريزة الأمومة تنبع أساسًا من إحساسها بنشأة الجنين في بطنها، ثمّ حمله ووضعه وإرضاعه،

وذلك يختلف حتمًا عن وليد جاءها جاهزًا في رحم أنثى غيرها، ممّا قد يؤثِّر على شعورها بعض

الشّيء». ولعلّه ممّا يحتاج إليه مشروع الجينوم البشري أيضًا من حلولٍ عمليّة، لردِّ بعض المخاطر

المترتِّبة على ممارسات هندسية وراثية بعينها، هو التقدّم في البحوث المتناسبة وعادات الناس البيئيّة.

فالتقاليد التي عليها المجتمعات توجب توجيه البحوث الجينية الوجهة التي لا تحفظ حياة الناس العضويّة فقط، وإنّما أيضًا الأخلاقية والنفسيّة. ومن شروط هذا الأمر احترام التناسل الطبيعي. وهو ما

يتطلّع إليه «الأسوياء روحًا وعقلً، فلا أظنُّهم ممّن يستهويهم هذا النّوع من الإنجاب اللاإنساني. وحتى

إن هم رغبوا كغيرهم في الاستفادة من العلم الحديث المتطوِّر جدًّا، فبشروط وضوابط معلومة». وما

لم تطرأ بعض الحالات الاستثنائية التي يمكن معالجتها اصطناعيًّا، ولكن في حدود ال «هنا» و«الآن»،

ودونما تركٍ لآثار تشكِّك في النّسب أو تُفْقِدُ الإحساس بالانتماء الأسري. وعلى أيّ حال، يمكن من

الناحية الصحية العملية القبول باستثناءات يُؤْتَمن معها عدم تحوُّلها إلى ظاهرة عامّة أو قاعدة خارقة

بصفة بيِّنة ونوعيّة للمسارات الطبيعيّة للمعالجة والوقاية والرعاية والتعايش والاطمئنان على النّسَبِ

والحياة السويّة. وفي الحصيلة، «تبرز قيمة وميزة التناسل البيولوجي الطّبيعي والإنساني بحقٍّ، هذا

التناسل يمنح الشخصيّة البشريّة شرعيّة هويتها وكيانها، ويحفظ لها كرامتها، ويؤكِّد فرادتها وتميُّزها،

ويركِّز توازنها وحيويّتها». وعلى هذا النحو، فإنّه من ماهية البحث العلمي أن يتطوّر في انسجامٍ

وعدم الإضرار بكرامة الناس؛ إذْ لو افترضنا عكسيًّا عزوف الناس عن مخابر البحوث الجينيّة والهندسة

الوراثيّة، فما عسى أن تكون حينئذٍ مادّة الاختبارات وموضوعاتها؟ مَنْ سيُخْتبر إذًا؟ ومَن سيختبر؟ هل

يكفي اختبار الحيوانات والنباتات لاستخلاص قوانين علميّة دقيقة؟ أليست مراعاة البحوث الطبيّة

الحيويّة لأسئلة الناس من رفعة الأخلاق؟ أليست من شروط تأمين هذه البحوث لدوام نمائها العلميّ؟

3(((أمّا الآن «ومهما يكن – وما سيكون – من أمر هذا المدّ العلميّ الجارف فإنّ الإنسان يظلُّ كائنًا إنسانيًّا قادرًا على تجاوز

ضروراته البيولوجيّة دون التنكُّر لها أو التخلِّي عنها بأيِّ حالٍ من الأحوال. فالأبوّة حقٌّ كما الأمومة حقٌّ، ولا حقّ لأحد أن يتجاهل

هذا الحق». ينظر: بوحديبة، ص.59–58 ((4(صالح، ص.51 ((4(بوحديبة، ص.58 ((4(المرجع نفسه.

يمكننا اعتبار الوقاية بالعلاج الاستباقي أو الإرشاد والنصح من حقوق المرضى والناس كلهم، إن كانت الإدارة السياسية للدّولة جادّةً في رعاية مواطنيها. ومن ثمّ، نرى في تقديم الوقاية على العلاج تجديدًا

في علوم الصحّة والتمريض وتحسين النّسل. لهذا تساءل بعضهم: «أيلزم أن يُخْطرَ القرين (أو القرينة)

أو الأبناء إذا كان الشّخص يحمل مرضًا وراثيًّا؟ لقد قيل إنّ ثمّة مصالح اجتماعيّة ملزمة تستدعي إجراء

الاختبار الوراثي إجباريًّا لمن هم في خطر المرض الوراثي، كما تستدعي إخطار أفراد العائلة عن

الوضع البيولوجي لأقاربهم». ربّما تمثِّل قضيّة الإخطار الإجباري معضلة عمليّة ذات آثار عرضية

اجتماعيًّا ونفسيًّا وأخلاقيًّا. ولكنّها، قد تعود في المقابل، بالنفع العميم على أصحابها في ظلّ التحلّي

بأخلاقيات التسامح والاصطبار على المحاذير أو المخاطر غير المستبعدة الحدوث. وهو ما نراه أولى قياسًا على المقامرة الخطرة إن تمّ التكتُّم على علّة ما قد تلحق أسرة بأكملها أو أقارب لها. وأيًّا كان

حجم المعنيين بالإخطار فإنّه من حقوق النّاس أن تعمل مخابر الجينوم البشري، بوصفها من مؤسّسات

الدّولة العلميّة، على أخذ المخاطر الصحية المحتملة لاحقًا محمل الجدّ. وهنا لا بدّ من حماية أسرار

النّاس من جانب الأطبّاء والفاعلين الإداريين والسياسيين وحتى تجّار الأدوية إن كان قد عُهِد إليهم

بأرشيف البيانات الصحية للمرضى الفعليين و/ أو المحتملين. وفي السياق ذاته، من حقوق المريض الصحيّة أيضًا، أن تضطلع المؤسّسات الموازية في الدّولة العادلة

اجتماعيًّا وسياسيًّا بتوفير ما يلزم من حظوظ التنشئة التربويّة السّليمة والثقافيّة الخلّقة لجميع الناس.

ونحسب أنّهم قد يألفون بهذا، صدقية التعامل مع تطلُّعات المشروع الجينومي والإحساس بالراحة في أثناء التعامل مع مَن عُهِدَ إليهم بالمباشرة الإكلينيكيّة للناس. فتوفير ما يكفي من الثقافة الصحيّة ووفقًا

لمعايير جودة الحياة قد يعزِّز لدى المرضى المبادرة التلقائيّة بطلب المعالجة درءًا منهم لتوريث عاهةٍ

أو ما جانسها.

2. أخلاقيًّا

قد يرى البعض في البيولوجيا وحدها وجهًا آخر مغايرًا تمام المغايرة لعلم الأخلاق. وذلك لاختلاف

سياقيْهما. ولكنّنا، نحسب أنّ القول في الطبيعة البشريّة عمومًا هو قول في كليّة الشّخص الإنساني.

وسواء أكانت هذه الطّبيعة مدروسة من منظور الأنثروبولوجيا التاريخية أم البيولوجيا العضويّة أم

الأكسيولوجيا القيميّة أم الطب الحيوي، فإنّ ماهية الإنسان تظلّ متكثِّرة العناصر. ثمّ إنّه ممّا يتمِّم القول

عندنا في الإنسان والنّظر عمليًّا في النتائج العرضيّة المترتبّة على وضعه في مختبرات مشاريع الجينوم،

أن نردف الحلول الأخلاقيّة لنظيرتها البيولوجيّة ضمانًا لتماسك هويّة الكائن البشري وما يستلزمه هو

بدوره من تعزيز لوحدة كيانه في أثناء سعيه لإشباع حاجياته وتلبية رغباته المتنوِّعة. وفي هذا المقام،

يقول الحفار: «من هنا تُعْتبر القيم الآن جزءًا مكمِّلً للطبيعة الإنسانيّة، الطّبيعة البيولوجيّة للإنسان.

وعلى الرّغم من الحوار المألوف في الفلسفة حول فكرة ‘أنّ القيم لا يمكن أن تُسْتنبط من المعرفة’

((4(نيلكين، ص.198 ((4(هناك ازدواجيّة، مفادها أنّ «للوراثة بالضرورة هذا الوجه الثنائي: هي انتقال الصفات من جيل إلى الجيل الذي يليه، وهي أيضًا

التعبير عن الصفات في عمليّة التنامي التي يبني بها الكائن الحي الفرد نفسه»، جدصون، ص.53

فإنّ المجادلة من ماذا؟». أمّا الوجه الآخر من الإحراجات القيميّة التي قد يُساق إليها المريض أو

المعالَج بعامّة، فهو ما درج عليه بعضهم في عصرنا من زرعٍ للأعضاء واستلافها من الآخرين (أمواتًا

وأحياء، أقارب وأجانب). من الصحيح أنّ الحاجة إلى أعضاء الآخرين قد تكون ملحّة، غير أنّه علينا التثبُّت ممّا إذا كان مدبِّرو

عمليات الزرع والأطبّاء والمطّلعون العرضيون من الإداريين، قد انتهجوا سبيل حماية الكرامة البشرية

وأسرارها أم لا. وعلى الرّغم من أنّ «التداوي باستعمال أعضاء ومكوِّنات حياتيّة بشريّة أصبح متداولً

بكثرةٍ، وحتى منذ عهدٍ بعيدٍ [...] فإنِّي أتساءل عمّا إذا كان هذا النّوع من التداوي يخضع إلى شروط

موضوعيّة إنسانيّة وتتوفّر فيه الضوابط الأخلاقيّة والاجتماعيّة اللازمة؟». نستخلص، إذًا، ما يمكن

العمل به من صيغ التدبير الحكيم حتى لا يشعر المريض بأي نشازٍ قيميٍّ أو تمزُّقٍ نفسيٍّ، من شأنهما

أن ينعكسا عليه بالنكوص أو الانكفاء على الذات. فعلى المريض مسؤولية الانتظام مع سياقٍ اجتماعيٍّ

عامٍّ. ولهذا الأخير أخلاقياته وروابط قرباه ونسبه... إلخ. وعليه، فالمسؤولية تكون في هذا المقام مزدوجة ومحمولة معًا على الفاعل الطبيّ والمريض. فلكليهما النسب المجتمعي ذاته والانخراط في

الحياة ومساراتها التاريخيّة ذاته. ومن هنا لا بدّ من مراعاة السياق المجتمعي واعتبار كل المفاعيل

البيولوجيّة أجزاء منه. فالسياق الاجتماعي للحياة أوسع من عمليات بيولوجية محضة، هي في الغالب

تتمّ في حدود زمانيّة ومكانية محدودة. لذا، يرى بعضهم أنّه «لا يمكن وضع الواقع الاجتماعي بين

قوسيْن وكأنّما الفرد البيولوجي هو كلُّ شيءٍ، والحال أنّه الجزء الذي لا يمكن فصله عن الواقع

الاجتماعي. فهو ابن بيئته وما يكتنفها من ظروفٍ وملابسات». ومفاد هذا أنْ بات التشريع لإيتيقيات الحياة والطب الحيوي من المتمّمات اللازمة للعصر علميًّا وقيميًّا. فما المقتضيات العمليّة الرئيسة

للالتزام الإيتيقي مع الذّات من جانب المريض نفسه، ومع سائر الآخرين من جانب الإطار الطبيِّ

الباحث في مشروع الجينوم؟ • ربّما يخشى بعضهم ممّا آلت إليه بعض الممارسات المؤسّساتية كلّما استفادت من النتائج

العلميّة للاختبارات الحيويّة. فثمّة هاجس التجارة بالأشياء وحتى بالنّاس وبالأعضاء والبيانات

البيولوجيّة لجماعة بشرية مّا. وثمّة هاجس الصراع بين الأيديولوجيات والدُّول والأمم... إلخ.

فهل لنا أن نغفل عمّا قد يستثمره بعضهم في هذه الصراعات من معارف علميّة قد تنتهي إلى تشيئة

الإنسان والاتّجار به؟ وربّما يكون لزامًا علينا، من منظوريّة قيم الفلسفة الرّفيعة أخلاقيًّا والرّائعة

جماليًّا، أن نقف «وقفة أخلاقيّة واجتماعيّة تجاه بحوث وتجارب لم تفتأ تشيِّئ الإنسان أكثر فأكثر

((4(الحفار، ص.196 ((4(بوحديبة، ص.58–57 ((4(المرجع نفسه، ص.58 (4((ينظر في هذا المقام، ما ذهب إليه بعضهم: «ومع ذلك إنّه لصحيح: فل قاء هذه الاعتراضات الكبرى، إنّ لإيتيقا جودة الحياةِ

أنصارها. فهل بوسعنا إدانتها دونما اكتراث بالاختيار الحرِّ للأفراد؟ ولا تُؤْخذ الحجّة على بساطتها هنا، اللّهمّ بطرحِ تهافت النظام

الأخلاقي من نظرتنا»، ينظر:

Sève, p. 122.

لتنتهي به – ذات يوم – إلى ما يصعب راهنًا تصوُّره من احتمالات» قد تُحدث منقلبات خطرة

في عالَم الأحياء. • من مسؤوليات المريض أن ينهض هو الآخر بذاته من جهة كونه مواطنًا وكائنًا مدنيًّا وتربويًّا.

فعليه أن يسهم، وفقًا لهذا الاعتبار، في إشاعة ثقافة التفاعل: التواطن المدني والتعايش السياسي والتثاقف العلمي والتواصل الأخلاقي مع غيره من بني جنسه عمومًا ومن بني وطنه خصوصًا.

وبقدر حرص المرء على تقدير ثقافة الضوابط الأخلاقية وهو متعافٍ، يغنم من ذلك بالنتيجة إنْ هو مرِض. ولعلّ ممّا يدلّ على شمولية مناظر الحياة البشريّة الماديّة واللاماديّة، إثارة مشاريع الدّول

للجينوم البشري هذه الإرهاصات العملية والاستفهامات الأخلاقيّة في علاقةٍ بمبحثٍ بيولوجيٍّ.

وكلّما استوعب الأفراد في تنشئتهم المواطنيّة الأولية ومنذ بواكيرهم الأولى بالمؤسّسات التربويّة

والتعليميّة، أنّ المعارف البَيْنيّة هي توليفة بين العلوم الإنسانية والدّقيقة (النّظريِّ منها والخبريِّ)،

وكلّما أدرك الإنسان أنّ استقامته وسويّة سلوكه من استيعابه لهذا التداخل المعرفي، غَنمَ من

ذلك لاحقًا في استنباط الحلول الملائمة لما استشكل لديه. والواقع، أنه «ليس بالعلم وحده يحيا الإنسان، وليس للعلماء وحدهم حقّ تقرير مصير الإنسانيّة، إذ لا بدّ أن تكون هناك ضوابط

أخلاقية واجتماعيّة يتمُّ الاتفاق عليها احترامًا للذاتية البشريّة وصونًا لها من التفسُّخ والتلف». • لمّا كان الإنسان كائنًا علائقيًّا، فمعنى ذلك أنّ ما قد يبسطه بشأن أخلاقيات المعالجة والبحث

الطبيّيْن سيشمل بالضّرورة أهله وأقاربه. فهل ستمسُّ النتائج العرضيّة لبعض البحوث الجينيّة،

إنْ وُجِدت، وجدانه نفسانيًّا وعلاقاته اجتماعيًّا والتزاماته أخلاقيًّا أم لا؟ وإن كانت ستمسّها فمن

سيكون المريض عضويًّا؟ ومن سيكون المُحْرَجُ أخلاقيًّا؟ وربّما «يولِّد إحراز المعلومات الوراثيّة

أيضًا إشكاليات إكلينيكيّة. بدأ المستشارون الوراثيون يسألون أسئلة من قبيلِ: من هو المريض:

الشخص؟ عائلته؟ الزوجة أم الزوج؟ الأخت، الأخ؟ أم الطفل؟». وبناء على ذلك، فالكل المجتمعي معنيٌّ بالمعالجة البيوطبية. ولذلك، اعتبرناها ذات عمق سياسي – مدني بهذا الوجه. • على المريض الإسهام بدوره في المحافظة على الحياة وصونها من الانتهاك الأخلاقي والاعتلال العضوي. وقد يتسنّى له ذلك إن هو قنع بما في المحافظة على الحياة في شخصه سويّةً وشخوص

الآخرين واجبًا أخلاقيًّا كانطيًّا وغير كانطيٍّ، وحتى من الناحية الدينيّة، فللمسلمين تمامًا ما لغيرهم

من أهل الأديان الأخرى من الجدارة بالحياة. ويسعى المريض والطبيب كلاهما إلى أسانيد الأخلاق الفلسفيّة والدينيّة وغيرها في المعاملة النافعة للجميع. وهنا لا بدّ من استحضار هذه الحقيقة:

«لا شكّ في أنّ حبّ النّفس يدفعنا إلى ‘التشبُّث بالحياة’، وبذل الجهد للبقاء على قيد الحياة

للأفضل أو للأسوأ، ومقاومة أي شيء يهدِّد بالانتهاء المبكّر أو المفاجئ للحياة، وحماية لياقتنا،

((4(بوحديبة، ص.56 (5((المرجع نفسه. (5((نيلكين، ص.198

وحيويتنا، وزيادتهما، من أجل نجاح تلك المقاومة». وبالتوازي، ليس على المريض، في بعض الحالات، الإفراط في الإلحاح على الطبيب التدخُّل العاجل بالجراحة أو غيرها، إن كان

التشخيص الطبِيّ مقدِّرًا لنتائج عرضيّة غير مُطَمْئنة بيولوجيًّا أو أخلاقيًّا أو جماليًّا. فالعمل بإشارات

الطبيب وتنبيهاته هو الآخر من المسؤوليات الأخلاقية المشتركة بين كلّ المعنيّين.

ثالثًا: ممكنات الإدارة السياسيّة للطب الحيوي

جدير بالتذكير في هذا المستوى الثالث والأخير من تعقّب بعض الحلول العملية لأسئلة مشاريع الجينوم البشري، أنّ ممارسة البحث العلمي، في المجتمعات كلها تقريبًا، تُدار اليوم ضمن مؤسّسات الدّولة. فالمدرسة بكلّ مراحلها التربويّة والتعليميّة والبحثيّة والتكوينية إنّما هي من تأطير الدّولة المحليّة عمومًا. وعليه، فإنّ محاولة رصد بعض الحلول لمشاكل التطبيب واختباراته، إنّما تشترك في مسؤولياته التدبيريّة وترتيباته الإداريّة هيئات ثلاث: الإطار الطبيّ الباحث علميًّا، والمريض الفعليّ و/ أو المحتمَل، والفاعل السياسيّ من مدبّري الشأن العام للدّولة. وعلى هذا الأساس، تنخرط سياسة الدّولة – ولا ريب – شريكًا مساهمًا في تمويل البحوث الطبيّة

وإدارتها والائتمان على قاعدة المعطيات العلميّة بصفتها موروثًا وطنيًّا. وبناءً عليه، نتناول بالنّظر المسؤوليّتَيْن اللازمتيْن للدّولة: الأولى، مسؤولية مباشرة من جهة حمايتها الإجمالية لخياراتها وتوجّهاتها الوطنيّة، والبحوث العلميّة جزء مهمّ منها. وهو ما سنهتمّ به في المقام الأوّل اللاحق. أمّا المسؤوليّة الثانية للدّولة فهي غير مباشرة، وإن كانت تعنيها تخصيصًا في إدارتها للشّأن العام. وتتمثّل في منح الجماعة العلميّة ما تحتاج إليه من استقلاليّة بحثيّة حتى لا ترتهن بإكراهات سياسيّة أو أخلاقيّة أو اجتماعية. فتتمكّن هذه الجماعة من التدبير الأخلاقي السليم لما قد يواجهها من إشكاليات عمليّة في أثناء الممارسة. وهو ما سنهتمّ به في المقام الثّاني.

1. جودة تأطير الممارسة الطبيّة الحيويّة من الحكمة السياسيّة للدّولة

لا يغيب عنّا اليوم أنّ المشاريع البحثية، وخاصّة في المجالات الطبيّة، قد تشكّل لدى الدّول عناصر قوّة أو ضعفًا في علاقاتها مع سائر الدّول. وفضلً عن ذلك، تشكّل البحوث ذاتها مقوّمًا من مقوّمات المناعة الوطنيّة للدولة الحريصة على عافية شعبها في المال والأبدان والأخلاق وغيرها. وبالنتيجة،

تُختبَر حكمة الدّولة السياسيّة في علاقةٍ بمشروع الجينوم البشري على نحويْن أساسيّيْن:

(((5 زيجمونت باومان، الحبّ السّائل: عن هشاشة الروابط الإنسانيّة، ترجمة حجاج أبو جبر، تقديم هبة رءوف عزت (بيروت:

الشّبكة العربيّة للأبحاث والنّشر، 0162)، ص.119 (((5 في وسعنا أن نتبيّن من بين هذه المشكلات العملية، وجود «تعارض واضح بين مبدأيْنِ من مبادئ الأخلاقيات الطبيّة: إنّ الأمر

ب ‘ألّ تَضُرّ’ يمنع الأطبّاء من اتخاذ أي إجراءات جراحيّة ليس لها مبرِّر طبِّي، أمّا الأمر بأن ‘تُحْترم إرادة المريض’ فتشجِّعهم على تقديم

كلِّ المعلومات ذات العلاقة، وعلى الالتزام بطلبات المريض بالنسبة إلى العلاج». ينظر: كوان، ص 76.2 (5((إذا كان للدّولة سيادة وطنية على ذاتها ومجتمعها.

أ. أولهما في علاقة بالمجتمع المحليّ: على الدّولة، إن هي عزمت حقًّا على الإسهام الفعّال في

إيجاد حلول لمشكلات عمليّة قد يثيرها مشروع الجينوم البشري، أن تعمل على تأمين سلامة

لوازم التحصيل العلمي والتربوي للناشئة بوصفها مستقبل المجتمع. ونتيجة لذلك، ف «الأمر في رأينا يتطلّب تربية الإنسان المعاصر تربية خاصّة، وتربية الإنسان المعاصر مشكلة من أصعب

المشكلات». ومن متمِّمات الفعل التربوي: أولً، انتهاج طرائق تعليميّة وبحثيّة محرِّرة للعقول

ومحفِّزة ذهنيًّا وتربويًّا وأخلاقيًّا إلى البحث العلمي. ثانيًا، ألا تقع سياسة الدّولة رهينة لهواجس

ربحيّة قد تسعى إلى إملائها، من حين لآخر، بعض المؤسّسات التجارية ولو كانت ذات صلة

بالبحث العلمي. ثالثًا، أن تنفق الدّولة على البحوث الطبيّة من ماليتها؛ إذ من شأن هذا الإسهام في

نماء المشروع المتعلِّق بصحّة المواطنين ومهابة الدّولة وقوام سيادتها. رابعًا، ألّ تَسْقُطَ الدّولة في

الولاء الأيديولوجيِّ لجماعةٍ ما قد تكون مهيمنة عقائديًّا أو ماليًّا أو سياسيًّا أو اقتصاديًّا. خامسًا،

أن تجدول الدّولة مخطّطات البحوث العلميّة ضمن مخطّطاتها الاستراتيجية، إن هي جدّت حقًّا

في تعافي المجتمع والوطن والدّولة والأرض. ولعلّ أجدر الدّول بالتقدير العالميّ هي التي تستثمر

في البحث العلميّ وعلى النحو الأخلاقيّ المطلوب من إيتيقا العلم. فالأمن العلميّ هو من

المقام الأمني الأرفع للمجتمع غذائيًّا وصحّيًّا وسياسيًّا... إلخ. وعلى الدّولة في هذا السياق ألّ

تغفل عن عقاقير خطرة قد تنتجها بعض مؤسّسات البحث العلميّ الخاصّة والموجّهة لأغراض

تجاريّة وربحيّة وحتى استعماريّة أحيانًا. سادسًا، أن تعهد الدّولة لمؤسّساتها البحثيّة الوطنيّة

بحفظ كلّ المعطيات النظريّة والنتائج القيميّة العرضيّة وأن تعتبر ذلك من شرائط أمنها الوطني.

(((5 الحفار، ص.184 5(((بشأن بعض الممارسات غير الحياديّة، ينظر هذا النّص: «ليس الاختبار مجرّد إجراء طبيّ، إنّما هو طريق لخلق فئاتٍ اجتماعيّة،

فلقد يُسْتخدم في حفظ تنظيماتٍ اجتماعية قائمة، وتعزيز سيطرة جماعات معيّنة على غيرها. ليست هذه بالفكرة الجديدة، فلقد اعتبر

ميشيل فوكو مثلً أنّ الاختبارات التربويّة هي استراتيجية للهيمنة السياسية، طريقة ‘للتسوية بين الأفراد’». نيلكين، ص.199 (5((وفي الواقع «هناك تطلّعات غير علميّة يتوق بعض النّاس إلى تحقيقها، ولكن العلم الحديث يغذّيها وينمّيها حتى يتمكّن من

المضيّ قدُمًا في بحوثه وتجاربه، وحتى يستطيع الحصول على مزيدٍ من الدّعم المالي والقانوني». ينظر: بوحديبة، ص.58 (5((هنا يرى بعضهم في «واقع الأمر أنّ أغلب الأموال المنفقة، وكثيرًا من النموّ في الإنفاق يذهب لتمويل الحرب ضدّ ‘الأمراض

العلاجيّة’ في المجتمع الاستهلاكي، وهي الأمراض التي يسبّبها إنعاش حاجيات وصيحات الأمس ثمّ تخفيفها». ينظر: باومان، ص.106 (5((لا بدّ من الحسّ النقدي في مثل هذا المقام، فربّما «لا تتقبّل الأيديولوجية التي تستخدم الطبّ إلا تلك المواد التي تباركها

السُنّة العلمية وشركات العقاقير»، ستيفن روز [وآخرون]، علم الأحياء والأيديولوجيا والطبيعة البشرية، ترجمة مصطفى إبراهيم

فهمي، مراجعة محمد عصفور، سلسلة عالم المعرفة 148 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1990)، ص.272 ((6(أمّا الوجه الآخر اللاّزم نقده فهو كيف «يمكن أن تُسْتخدم الاختبارات في إعادة تعريف متلازمات ذات أصل اجتماعي فتصبح

مشاكل أفراد، ليوجّه اللّوم بطرق تختزل المسئوليّة الاجتماعية وتحمي الممارسات الروتينيّة للمؤسّسات. والواقع أنّ وجود الاختبارات

البيولوجيّة يقدّم للمؤسّسة وسيلة علميّة لمعالجة الإخفاق أو المشاكل غير العاديّة، دون تهديد لقيمها الجوهريّة أو برامجها الجارية».

ينظر: نيلكين، ص.202 ((6(بشأن هذا الاعتبار العملي يُعتبر «التخطيط الفعّال أمرًا ضروريًّا في إدارة الخطط الطبيّة المدفوعة مقدّمًا، تشجّع المآزق الماليّة

لشركات التأمين وسياسات الحكومة، تلك التي تربط ما بين قرارات التعويض وبين فئات تشخيصيّة معيّنة، تشجّع المديرين الطبيين

على التنبُّؤ بالمخاطر المستقبليّة والسيطرة عليها». المرجع نفسه، ص.203 ((6(ينظر هذه المعادلة: «إنّ قيمة أي قاعدة للبيانات تعادل قيمة من يحفظونها»، تشارلس كانتور، «التحديات أمام التكنولوجيا

والمعلوماتية»، في: روز [وآخرون]، ص.130

سابعًا، أن تراقب الدّولة سوء تصرّف المؤسّسات الخاصّة، وبالأخصّ منها ذات التوجّه التجاري

الاستهلاكي التي قد لا تراعي الحدّ الأدنى من العدالة القيميّة اللازمة بين المستهلكين، لعدم تكافؤ

حظوظهم في النيل من البضائع والمنتجات ذاتها. ب. ثانيهما، في علاقةٍ بالمجتمع العالميّ: لمّا كان العقل العلميّ كونيًّا وإنسانيًّا، فلا يوجد،

من جهة المبادئ النّظريّة على الأقلّ، ما يمنع من تبادل الخبرات العلميّة مع سائر الدّول، وما

لم تكن معادية. غير أنّ ذلك لا يمنع، في ما هو متاح للجميع وفي إطار الشراكة النديّة والسويّة

وتبادل البحوث، أن تشارك غيرها من الدّول الأخرى ما لا يضرّ بسيادتها المجتمعيّة أو ما قد يهدّد

أجيالها اللاحقة. ويمكننا تحديد بعض معايير التبادل العلمي بين الدّول، على النحو التالي: أولً، من الصحيح أنّ كتمان العلم ليس من شمائل أخلاق الرّفعة. لكن متى تأكّد للدولة الوطنيّة أنّ

ضررًا ما قد يلحق بها من جرّاء مشاركة بعض الدّول الأخرى نتاجات بحوثها العلمية والأخلاقية

والاجتماعيّة، فعليها أن تعدل عن تقديم نفسها غنيمة لمن لا يقدِّر البحوث العلمية ويسعى

لاستخدامها في استرقاق النّاس. ثانيًا، أن تتحقّق الدّولة الواهبة لبيانات الاختبارات العلمية أو

المبادِلة لها، وخاصّة في مجال الجينوم البشري، من عدم استغلال المعلومات والخطط العلمية

الرامية إلى تحسين صحّة الناس والنّسل في تعميق الفجوة القائمة بين الأغنياء والفقراء، أو حتى

تلك المطموسة بين المختلفين عرقيًّا أو الخصوم السياسيّين... إلخ. وإجمالً، للدّولة الوطنيّة أن

تتبيّن، وفقًا لضوابط الأخلاق الإنسانيّة الرّاقية، نجاعة استثمار الدّولة الممنوحة للنتاجات العلمية

في ما يخدم الحياة ويعزّز التعارف بين الشعوب ليتساكنوا ويتسالموا فيتعايشوا. ثالثًا، للدّولة

ألّ تُشيع كشوفاتها العلميّة إن كانت ستُسْتثمر في الحروب المعاصرة وتهجير السكّان الأصليّين

من أرضهم ووطنهم، خاصّة أنّ الكثير من الأسلحة الجرثوميّة والبيولوجيّة تحتاج أيّما حاجة إلى

اختبارات الطب الحيوي والنووي والجيني، بل قد تعمل بعض الدّول حتى على تهجين الأغذية والعقاقير في إطار صراعٍ حياتيّ وتجاريّ وسياسيّ بين الدّول والمجتمعات. وعلى الدّولة عمومًا ألّ تغفل عمّا في الحروب المترحِّلة في عصرنا من توزيعيّة لقسمة الحياة والموت.

فثمّة أعراق بشريّة باتت مهدّدة ديموغرافيًّا بمنقلبات في مصائر أجيالها وجغرافياتها السياسيّة. ومن

شأن اختبارات الجينوم البشريّ أن تُسدي من الخدمة المجانيّة لأعداء الإنسانيّة ما قد لا تغنمه من

النزاعات العسكريّة المباشرة. ومن بين الحيل المستنبَطة في عصرنا لاسترقاق «الشعوب النامية» تسويق

((6(«والواقع أنّ القدرة التنبئية للاختبارات البيولوجية تسمح للمؤسّسة بأن تختار زبُنَها على أساس حاجياتها الاقتصادية والإداريّة.

الاختبارات الوراثيّة أدوات جدُّ فعّالة». ينظر: نيلكين، ص.202

(6((مثلً يمكن استحضار هذا المعطى الدّولي غير المطمئِن، ومفاده أنّ «الولايات المتّحدة هي القائد في مجال البيوتكنولوجيا

الآن بلا منازع، وسيسهم مشروع الجينوم في تأكيد احتفاظها بقيادة العالَم. ثمّة سؤالٌ جوهريٌّ هو: إلى أيِّ مدى يمكن للولايات

المتّحدة أن تستغلّ هذه القيادة؟». ينظر: هود، ص.179 ((6(على أهل التدبير التحوُّط في هذا الاتجاه، حيث «لا بدّ من حذر الوقوع في منزلق يزيد الهوّة اتساعًا بين الدّول المتقدِّمة علميًّا

وتقنيًّا وبين الدّول النامية من حيث قدرة الأولى علميًّا على إنتاج صنفٍ من البشر يفوقون أفضل البشر قدرة وإمكانات، فيصبح هؤلاء

شكلً جديدًا من أشكال الاستعمار الذي لا يقهر ممّا يحدونا جميعًا إلى التساؤل، كيف ستكون الحياة الإنسانية في ظلّ هذه

التطوُّرات؟». ينظر: الحفار، ص.194

مؤسّسات بعينها على أنّها مجرّد هياكل علميّة بحثيّة. والواقع أنها مُسْنِدة لجهود المستعمِر، هذا الذي

له القدرة الفائقة على التلوّن والتلولب والتقنُّع عبر ما يسمّى الجمعيات والمراكز البحثيّة.

2. التدبير الإيتيقيّ للآثار العرضيّة

كما سبق أن أشرنا، يُعزى إلى ساسة الدّولة كلُّ الفضل إن هم كفُّوا عن الاختلاط بشؤون العلماء،

ما داموا مسالمين في أوطانهم أو غير متخابرين مع كيانات تجسُّسيّة لدول استعماريّة ومعادية. ذلك

أنّ ما يُمنح لهم من هامش حريّة بحثية، وتدبير لأخلاقياتهم العلميّة، إنّما ينعكس بالضّرورة إيجابيًا

على عطائهم العلمي. ويتجلّى ذلك في الرّويّة والنباهة، وخصوصًا أنّ مبحث الجينوم البشري على

أوثق صلةٍ بحياة البشر في الدّاخل والخارج. وكلّما تحقّق غرض التنشئة الأخلاقيّة السّليمة منذ

المراحل الأولى من التربية والتعليم، ساعد ذلك على الثقة الأخلاقيّة اللازم تبادلها بين ساسة الدّولة

وأبناء المجتمع والأطبّاء الباحثين. ومن فضائل إيتيقا الطب الحيوي المطلوبة الحكمة في المعالجة

العملية للأسئلة الأخلاقية التي تثيرها الاختبارات، ونتائجها الملموسة في نفوس المرضى وآثارها كالتيه والهلوسة وقلّة التركيز. فالاستماع إلى تحفُّظات الناس والعمل على إدراجها ضمن شروط التقدّم العلمي في البحوث، يَشْهَدُ بالكفاية الأخلاقيّة المفترَضة في الأطبّاء وقد تساندوا (تفاعلوا)

بمنتهى الصراحة ومرضاهم. وبالنتيجة، تجد النتائج العرضيّة تدبيرًا أخلاقيًّا حصيفًا لها. وهو ما من

شأنه طمأنة الناس بشأن ما يقلقهم من أسئلة. فضلً عن تعزيز ذلك، بالنتيجة، للنماء البحثي في الطب الحيوي. وفي وسعنا هنا اقتراح بعض المؤشّرات الدّالّة على جودة التدبير الأخلاقي للنتائج العرضيّة للبحوث الجينيّة. • تتعيّن إيتيقا الطبيب بمقدار خفضه مشكلات النتائج العرضيّة والإسهام في حلول إيتيقيّة لها.

ومن ممكنات ذلك تعديل الطبيب الباحث للملمح الحاليّ لنسقه العلميّ، وليكن في هذا المقام

الطب الحيوي متعالقًا وسائر الفنون. ونعني بذلك أن يتبنّى ما صرنا نتحدّث عنه اليوم من معارف

متداخلة interdisciplinaires Savoirs. لكن من أين لنا باعتبار المعارف البينيّة حلً عمليًّا وعلميًّا

لمعالجة النتائج العرضيّة؟ فالمعارف في الواقع ليست كلّها علميّة محضة، وحتى العلميّ منها

ليس كلّه دقيقًا بما فيه الكفاية. ولعلّه «أصبح من البديهيِّ في العصر الرّاهن أنّ القضايا الأساسيّة

((6(من يدري فربّما، «ينزع كلُّ مجتمع إلى منح شكل المؤسّسة، يعني عرفًا أو قانونًا للضرورات التي تُفْرض عليه من الخارج.

وتُعَبِّرُ الحلول الممنوحة من قِبَلِ كلّ حضارة عن نفسها في شكل اختراقات أخلاقية أو تشريعيّة». ينظر:

Bouthoul, p. 70.

((6(في الآن ذاته من طرح الأسئلة «وبالرّغم من ذلك فمن الضّروري مناقشة المضامين الاجتماعية للبحوث البيولوجيّة وفي ذلك

تبرير لمشروعيتها. والمعايير التي تُقاس بها صفة هذه البحوث هي كالآتي: أولً، هل ستكون فائدة هذه البحوث عامّة للمجتمع

أم خاصّة للنخبة والباحث؟ ثانيًا، هل ستؤدِّي هذه البحوث إلى حلِّ مشاكل التطوُّر والتنمية؟ ثالثًا، هل سيكون تقدُّم هذه البحوث

في خدمة العالَمِ أجمع، أم أنّ ذلك سيؤدِّي إلى توسيع الفجوة بين الدُّول المتقدِّمة والنامية؟ رابعًا، هل ستؤدِّي هذه البحوث إلى

تعميق الوعي العلمي للنّاس مكوِّنةً بذلك قاعدة لتقاليد علميّة أصيلة تفخر بها هذه الشُّعوب؟ خامسًا، هل ستكون التكنولوجيا

المعنية جاهزة لاستخدامها في أغراضٍ عدوانيّةٍ أم سلميّة؟ وعلى أساس هذه المعايير يمكننا تقييم البحوث العلميّة الجارية حاليًا في

موضوع الهندسة الوراثيّة وزراعة الجينات»، محمد علي الربيعي، الوراثة والإنسان: أساسيات الوراثة البشرية والطبية، سلسلة عالم

المعرفة 100 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1986)، ص.162–161

في علم الحياة لا يمكنها أن تُحَلّ باتجاه تطوير طريقة بحثيّةٍ واحدة. فما يحدث ليس فقط تفاضل

المسائل البحثيّة وتوسُّع جبهة المعرفة وتخصُّص الأخيرة، بل وتوطُّد عمليّات التكامل والتفاعل

بين الطرق والعلوم المختلفة، بيولوجيّة كانت أو غير بيولوجيّة». ولمّا كان الإنسان، بوصفه

كائنًا حيًّا، موضوعًا تتناوله كلّ المعارف بنسبٍ متفاوتة، فإنّه من باب حرص الطبيب الحيوي

على تكوينه الشموليّ أن يلمّ بأكثر عناصر معرفيّة متاحة حتى يتسنّى له حسن قراءة المريض

واستنباط مقاصده وميوله وآرائه وعيوبه ومحاسنه... إلخ. كلّ ذلك تقريبًا حتى يأنس في ذاته

تقديم المعالجة الخصوصيّة الأنسب لهذا المريض أو ذاك. فضلً عن ذلك، نعلم في الفلسفة

والعلوم الإنسانيّة عمومًا أنّ إيتيقا العلم من متمِّمات كفاءته العلميّة. وهذا ما يمكن أن يلتمسه

بعض المرضى في شخص الطّبيب. ثمّ من المعلوم أنّ الطبيب كلّما حاز تكوينًا أقرب من القيم

والآداب والفنون والإنسانيات، كان أقرب إلى العالم النّشطِ غير الآلي في تفكيره. ونحن نعلم أنّ العلوم الدقيقة تجعل في العادة من تفكير أهلها، وإن هم اقتصروا عليها وحدها، تفكيرًا ميكانيكيًّا.

فالإنسان كائن ديناميكيّ. ومرضاة الطّبيب عنه وجدانيًّا وأخلاقيًّا ونفسانيًّا واجتماعيًّا قد تشكِّل

العامل الأساس في المعالجة. • يزداد المريض (الفعليّ أو المحتمل) استئناسًا بشخص مُطَبِّبه كلّما تيقّن من عدم إفشائه لأسراره

وعنايته بعافيته. فلا يبلغنّ التدبير الأخلاقيُّ مقصدَه الصحِّي ما لم تترجم فِعال المعالجة عمّا يتوفّر

عليه الطبيب من استيهال الثقة الأخلاقيّة؛ إذ من شأن ذلك أن يعاضد الجهد المبذول في إقناع

مريضٍ بأمر ما أو يخفّف عنه من حدّة توتُّرٍ أو يشجّعه على المضيّ قدُمًا في المعالجة مؤتمنًا

على خصوصيته وقد أودعها أمانة أخلاقيّة في الشخص الأخلاقيّ للطبيب. وليس على الطبيب

الوقوع في محاولة استمالة بعض المؤسّسات له حين تطلب منه بعض البيانات الصحية حول

المرضى. فضلً عن ذلك، قد تتعلّق بعض فحوص الدنا بقضايا توريث أو نسب أو جريمة.

وفي هذا المقام يُدْعى الطبيب المعالج إلى اقتصار المقال على ما توجبه حصْرًا إيتيقا المهنة:

القانون الشرعي والأخلاق الفلسفيّة وحتى الإسلاميّة وغيرها، ومع من يخوِّلهم القانون الاطلاع

على البيانات. وعليه أن يكتفي بالكشف عن المطلوب من دون زيادة أو نقصانٍأو تحريفٍ، بل، وربّما غدا متاحًا اليوم في ظلّ سرعة انتشار المعلومة ويُسْرِ تداولها أن يعرف الناسُ النّزيهَ

من الأطبّاء. ولعلّنا ما عدنا نعتبر «هذه القضيّة كبقيّة القضايا الأخرى التي اعتدنا التحاور فيها

(6((أ. ي. إيلين وإ. ت. فرالوف، البحث العلمي والصراع الفلسفي في البيولوجيا، ترجمة محمد أحمد شومان، سلسلة العلوم الاجتماعية، دفاتر الفلسفة 7 (بيروت: دار الفارابي، 1982)، ص.65 ((6(والاستثناء ممكن في عصرنا، لأنّ «الوضع البيولوجي لجسم الإنسان – كما تبيِّنه الاختبارات – قد يُسْتخدم ذريعةً لاستبعاده

من التأمين». ينظر: نيلكين، ص.204 ((7(وهكذا نلاحظ كيف «بدأت قضيّة التمكُّنِ من معلومات الدنا البشري تطرح بالفعل مشاكل أخلاقية خطرة. أعتقد أن علينا

بشكلٍ ما أن نضمِّن القانون ما يقول إنّ دنا أي شخصٍ – الرسالة التي به – هو أمر خصوصيٌّ، وأنّ الشّخص الوحيد الذي يُسْمح له

بالنظر فيه هو صاحبه. لكن، الأخلاقيات تغدو معقّدة إذا كان في مقدورك أن تكشف في طفلٍ وليدٍ جينًا يسبِّب مرضًا لا علاج له».

ينظر: واطسون، ص.191

أو حولها بقليل أو بكثير من الأخذ والردّ. فنحن هنا أمام قضيّة معقّدة إلى أبعد حدود التعقيد،

وأكاد أقول إنّها توشك أن تصبح مستعصية على الحلّ إن هي ازدادت استفحالً إزاء تذبذب القيم وغياب الضوابط الأخلاقيّة. فهل من حلٍّ لذاك اللاحل؟». ألّ يعرِّض الطبيب حياة المرضى

إلى خطر أو خصوصياتهم إلى مشاع متاح يطّلع عليه عموم الناس، يعني من الجهة الأدبيّة استيفاء

صفة البيوإيتيقي في شخصه. وعلى هذا النحو، لا تكون حياة المرضى عرضة للوقوع في نشازٍ والسياق الاجتماعي العام أو الآداب العامّة. • أن يتّصف الطبيب الباحث بما يكفي من الحياديّة والموضوعية في التشخيص والمعاينة والمعالجة

والمتابعة الإكلينيكيّة. فيترجم عن حُسْنِ خلُقٍ متى نأى بنفسه عن غلطة الوقوع في التمييزات الجنسية

أو العرقية أو الدينيّة أو الاجتماعية أو النسابيّة... إلخ. فكلّ معرفته ستارة أدبه وسمعته ومهنته. وعليه

الحذر من الاندفاع عُجْبًا بما قد حصّله من معرفةٍ بأدقِّ كيانات عالَم الحياة، فربّما تزداد المعرفة دقّة

متناهية في مُقْبِل البحوث. ولهذا، أقرّ بعضهم منذ مدّة ما يلي: «نتيجة لمشروع الجينوم البشري.

إنّني أعتقد أنّنا سنعرف عن تنامي الإنسان، وأمراضه خلال الخمسة والعشرين عامًا القادمة أكثر ممّا

عرفنا خلال الألفيْ سنة الماضية». كما يمكننا اعتبار الحياديّة الأخلاقيّة مثبتة في الشخص المهني

والعلمي للطبيب كلّما تفطّن إلى طلبات قد ترد عليه من غير جهةٍ جادّة في البحوث الطبية الحيويّة.

فقد يحصل أحيانًا أنّ مسؤولً ما – أو جهة مؤسّساتية – يرغب في مزيد من المعطيات البيولوجية

والفيسيولوجية بشأن شخصٍ ما أو مجموعة بغرض توجيهها وتطويعها واستعبادها. غير أنّه قد يكون التوجيه الطبيّ السويّ لبعض المرضى من مقتضيات معالجتهم. وهنا تُخْتبر حياديّة الطبيب

الأخلاقية والسياسية والاجتماعية فيما لو اكتفى حصرًا بتوجيهات دقيقة يقتضيها مقام المعالجة أو

المتابعة السريريّة؛ إذ قد ترغب، بالتوازي، بعض الكيانات الشّاذّة في توجيه المرضى هذه الوجهة أو

تلك. وهنا، لنا أن نميِّز عمليًّا بين توجيهٍعلاجيّ لازم وتوجيهٍآخر قائمٍ على انتهاك الضوابط الإيتيقيّة

لممارسة البحث الطبيّ الحيوي، وخصوصًا أنّ للطبيب المعالج تقديرات أوليّة بشأن سلوكٍِمعيّن قد

يأتيه المريض ضمن ظروفٍ بعينها.

((7(يحسن بنا القول في حقل العلم الفلسفي: قضية مركّبة أفضل من قولنا «قضية معقّدة». فالفيلسوف يقول بالتركيب لا بالتعقيد.

وهذا من الأخطاء الثقافية الدّارجة ندعو إلى تجنُّبه. ((7(بوحديبة، ص.57 ((7(وخصوصًا في المجتمعات العربيّة والإسلاميّة. ((7(هود، ص.180 ((7(يمكن الرجوع إلى مثل هذه النصوص الموضِّحة للغرض: «فالتصوير القطاعي بانبعاث البوزيترون والتكنولوجيات المرتبطة

به – ولبعضها رموز رائعة مثل، SQUID, SPECT, BEAM – هي في الأصل وسائل لخرطنة المخ. لا تهدف التجارب التي تستخدم هذه التقنيات إلى أن تُبْدى تراكيب المخ للعيان، وإنّما تهدف إلى كشف الطريقة التي يعمل بها المخ تحت الظروف المختلفة حتى

يمكن دراسة العلاقة بين عملِ المخِّ وسلوكيات معيّنة». ينظر: نيلكين، ص.196 ((7(والسبب في ذلك أنّ «القدرات التنبئيّة للاختبارات البيولوجيّة تفيد المنظّمات أيضًا في تسهيل التخطيط الفعّال البعيد المدى.

الشركات ليست فقط أصحاب أعمال، هي أيضًا مؤمِّنون، والمؤمِّنون يكرهون أن يوظِّفوا من يؤهِّلهم أسلوبُ حياتهم أو وراثتُهم

للمرض في المستقبل». المرجع نفسه، ص.203

خاتمة

في الحصيلة، تبدو لنا جملة الإشكاليات العمليّة التي يبسطها موضوع الجينوم البشري من جنسِ

القضايا الإنسانيّة الضّاغطة. وذلك لانتسابها المزدوج إلى الكائن البشري. فهي من الناحية البيولوجيّة

قضيّة حياة وموت للمتعافي والمعتلِّ. أمّا من الناحية القيميّة، فهي معضلة أخلاقيّة واجتماعيّة واقتصاديّة

وسياسيّة لدى النّوع البشريّ. وأيًّا كان حظُّ هذا المجتمع أو ذاك من التحصيل العلميّ والبحثيّ

والاستفادة منه في مجال علم الجينوم البشريّ أو حتى غيره، فإنّنا «لا نلوم الطّبيعة، بل يقع اللّوم على الإنسان». وفي الحقيقة، كيف لنا أن نتمثّل قدرة النّاس اليوم على التحرّر من الكوارث والعاهات

والأمراض والعلل الموهنة؟ ومن أين للناس بالتحرّر دونما إضرارٍ بعنصر الحياة فيهم؟ لعلّه من سداد الرّأي أن نعمل على تخيُّر طرائق تدبير البحث العلمي وتوظيفاته. وذلك ما لا يُعْهَدُ

به إلى غير الإنسان. فهو من يتعيّن عليه في هذا المقام العلميّ والقيميّ أن يصون العلوم الحياتيّة،

ويحمي المعايير الخُلقيّة لإسعاد نفسه ونوعه قدر مستطاعه. فالإنسان هو الطبيب والمريض

والسياسي والمرشد التربوي والشرطي... إلخ. وإن أردنا بحقٍّ أن نجعل من مشروع الجينوم البشري كشفًا علميًّا نافعًا للحياة والنّاس، فلا مهرب من الإلقاء بالمسؤوليّة على الإنسان عمومًا من جهة

تدبيره لقيمه الأخلاقيّة. فهل يُحْسِنُ الإنسان تصريف القيم والعلوم في توافقٍ تام وأمان الحياة فيه

وفي الآخرين؟ أليس من الحكمة العمليّة تقديم رغبة الكلِّ في المداومة على التعايش السلمي

والتحاور تأمينًا لشروط الاستمرار في الحياة وتثبيتًا في آن لإرادة الحياة السويّة والمتحرِّرة؟ أليس

يتموقع الإنسان في مدارٍ من الإكراهات اليوميّة في السياسة والدين والأخلاق والعلم والتجارة؟

أليس للسياسيّ معاضدة جهد الطبيب والمريض في حماية الاختبارات الجينيّة حتى لا تتحوّل

إلى موضوع صراعٍ بين قوى ما تنفكّ مراهِنة على الظّفر وحدها بصورةٍ ما عن إنسانٍ ما وضبطها وتسويقها؟ يمكننا اعتباره خدمة للعلوم الإنسانيّة والتطبيقيّة كلّما كان أي مشروع للجينوم البشري متملِّكًا للحدّ

الأدنى من الحماية المعلوماتية والأخلاقية والعلميّة والاقتصادية. وهو ما يشهد به هذا العزم العلميّ

المُسْنَدُ سياسيًّا من لدن الدّولة الوطنيّة العادلة، لاستشراف سبيل نمائه فيما وراء التعارض مع قيم الناس

وخاصّة في مجتمع عربيّ و/ أو إسلاميّ. لذلك، اعتبرنا من جملة الحلول الممكنة عمليًّا لزوم ظفَرِ

الطبيب الباحث بالأسانيد السياسية والتشريعية أخلاقًا وحقوقًا واجتماعًا؛ إذ من شأن هذا تعزيز جهد الجماعة العلميّة في تحصيل المشروعيّة الأخلاقية الكافية لتطوير مشروع الجينوم البشري. ونحسب

أنّ الإدارة السياسيّة والتدبير الأخلاقي في تواشجهما سيعينان تلك الجماعة في تخيُّر البحوث الطبية

((7(صالح، ص.48 ((7(يمكن مراعاة الخصوصيات المجتمعيّة «انطلاقًا من ثوابتنا الأخلاقيّة والاجتماعيّة، المتفتِّحة على كلِّ ما فيه الخير للإنسان

والإنسانيّة، أقول: لم يعد السكوت عن ‘المسكوت عنه’ في هذه القضيّة الكبرى ممكنًا. فالإنسان يعيش، من المهد إلى اللّحد، في

إطار ضوابط أخلاقيّة واجتماعيّة لا يمكنه الاستغناء عنها، حتى وإن ‘تجاهل’ العلماء هذه الضوابط من خلال ما يحقِّقونه يوميًّا من

انتصارات علميّةٍ مدهشةٍ!». ينظر: بوحديبة، ص 5.9

الحيوية بمنأى عن التوظيفات التي تُفْرَضُ من حين إلى آخر في بعض المجتمعات على الناس بما

يتنافى وكرامة الإنسان وحقّه في العدالة والحريّة. ينبغي في السياق ذاته تحييد البحوث الحيويّة عن النزاعات الحربيّة؛ إذ الإنسان هو المهدّد فيما لو

أسيء التدبير الأخلاقي والإدارة السياسيّة لتلك البحوث. وإجمالً، وجب تحرير العلم من غير أهله

الذين لا يجلُّونه كما يجلّون الإنسان والحياة والطّبيعة والتاريخ والجغرافيا والأخلاق. وعلى هذا النحو، يكون تنزيل الحكماء من أهل السياسة وحضورهم في «المعمعة» العالمية اليوم من ممكنات رصد الحلول الملائمة للعناية بعلم الأحياء. وليس هذا من هيِّن الأمور إذا علمنا اليوم قيام العديد من

الدّول بالتمييز الحياتي بين هذا المجتمع وذاك، على أسس غير أخلاقيّة وغير شرعيّة وغير إنسانيّة.

وعليه، بتنا، من حيث لا يستشعر بعضنا وزر المقامرة، كأننا «نخاطر بخلق طبقة وراثية دنيا»، إن فُرِضت علينا توزيعيّة عالميّة معولمة للعلوم وتطبيقاتها وفقًا لروح التوزيعيّة الاقتصاديّة – السياسيّة

للمجتمعات البشريّة (إثنيًّا وديموغرافيًّا). فهل لنا أن نتنصّل من المقاومة الفكريّة والسياسيّة من

أجل تثبيت ضوابط أخلاقيّة تحمي الطبيعة البشرية والجغرافية والفيزيائيّة لتخْرجها من دائرة التهديد

بالحروب البيولوجية وغيرها؟ إنّ العمل اليوم على تقدير الحياة وقيمها من واجبات الإنسان السياسيّة والأخلاقيّة والشرعيّة. وإلا

صرنا لا نأمل في غير «استشراف الرُّعب ودور المخيِّلة». وأخيرًا، ليس للإنسان كامل الحق الأخلاقي

في التنكّر لذاته بتنكّره لكونه هو صانع قيمه، وهو الذي ينتهج بها سبل الكون والفساد. ولعلّ أهم ما في الإيتيقا الطبيّة الحيويّة أنّها تعلّمنا العمل بالحسّ النّقديّ. فنفعِّله كلّما باتت توظيفات البيولوجيا

تنذر حياتنا عدمًا.

References

المراجع

العربية

الاستنساخ: أبحاث ندوة المجلس الإسلامي الأعلى صفر 1418/جوان 1997. تونس: شركة فنون الرّسم والنشر والصحافة،.1998 إيلين، أ. ي. وإ. ت. فرالوف. البحث العلمي والصراع الفلسفي في البيولوجيا. ترجمة محمد أحمد شومان. سلسلة العلوم الاجتماعية. دفاتر الفلسفة 7. بيروت: دار الفارابي،.1982

((7(نيلكين، ص.210

(80) Hottois [et al], p. 232.

((8(بناء عليه، نعتبر «أنّ البشر يخلقون قيمهم في رأينا، يصنعون مبادئهم الخلقيّة، لأنّهم يوجِّهون آمالهم نحو التحكُّم في الطّبيعةِ،

بطريقِ المعرفةِ بالوسائل التي تستعملها الحيوانات الأخرى. فطريق المعرفة ضرورة بيولوجية بالنسبة إلينا وإلى أجيالنا من بعدنا.

وخلق القيم في نطاقِ الثورة البيولوجيّة أهم من طعامنا وشرابنا، إنّه عالَمنا الذي يميِّز طبيعتنا كطبيعةٍ بشريّةٍ، فقد أضحت صورة

الإنسان واضحة ومبهجة في القرن العشرين لكنّه ابتدأ التلاعب بذاته بفضل ‘هندسة الجينات’». ينظر: الحفار، ص.196

باومان، زيجمونت. الحبّ السّائل: عن هشاشة الروابط الإنسانيّة. ترجمة حجاج أبو جبر. تقديم هبة

رءوف عزت. بيروت: الشّبكة العربيّة للأبحاث والنّشر،.2016 الحفار، سعيد محمد. البيولوجيا ومصير الإنسان. سلسلة عالم المعرفة 83. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1984 الربيعي، محمد علي. الوراثة والإنسان: أساسيات الوراثة البشرية والطبية. سلسلة عالم المعرفة. 100 الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1986 روز، ستيفن [وآخرون]. علم الأحياء والأيديولوجيا والطبيعة البشرية. ترجمة مصطفى إبراهيم فهمي. مراجعة محمد عصفور. سلسلة عالم المعرفة 148. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1990 سكينر، ب. ف. تكنولوجيا السُّلوك الإنساني. ترجمة عبد القادر يوسف. مراجعة رجا الدريني. سلسلة

عالم المعرفة.32 الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1980 الشفرة الوراثية للإنسان: القضايا العلمية والاجتماعية لمشروع الجينوم البشري. دانييل كيفلس وليروي هود (محرران). ترجمة أحمد مستجير. سلسلة عالم المعرفة 17.2 الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1997 صالح، عبد المحسن. من أسرار الحياة والكون. سلسلة كتاب العربي 15. الكويت: مطبعة الحكومة،

الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد. أدب الدنيا والدين. الجزائر: الشركة الجزائرية اللبنانية،.2006

الأجنبية

Bouthoul, Gaston. Biologie sociale. 2 ème ed. Paris: PUF, 1964. Hottois, Gilbert [et al]. Aux fondements d’une éthique contemporaine. Collection: Problèmes et Controverses. Paris: Vrin, 1993. Sève, Lucien. Pour une critique de la raison bioéthique. Collection: Philosophie. Paris: Odile Jacob, 1994.