دور المخيلة في نظرية المعرفة الكانطية: بين الطبعة الأولى والثانية من كتاب نقد العقل المحض
The Role of Imagination in Kantian Epistemological Theory: Between the First and Second Editions of the Critique of Pure Reason
الملخّص
لم يعقد إيمانويل كانط Immanuel Kant (1724 - 1804) فصلًا خاصًا عن "المخيلة" في كتبه، بل جاءت معظم آرائه فيها، في الطبعة الأولى من كتابه نقد العقل المحض (والمعروفة أكاديميًا باسم الطبعة 1781-A)، وتحديدًا في فصل "استنباط المفاهيم المحضة للفاهمة" The Deduction of the Pure Concept of Understanding، ثم ألغى، في الطبعة الثانية للكتاب (الطبعة 1787-B)، معظم ما كتبه بشأن الاستنباط المتعالي Deduction Transcendental أو تعديله، وكذلك دور المخيلة في عملية التأليف. أدى موقف كانط هذا من موضوع المخيلة إلى عدم توافق الدارسين حول دور المخيلة وأهميتها عنده؛ ما ولد العديد من الدراسات والآراء، وذلك لتعقد الموضوع وأهميته في فهم فلسفته النقدية. لذا، جاء هذا البحث ينشد تبيان الفارق بين الطبعتين فيما يخص موضوع المخيلة ودورها في إنتاج المعرفة. ومن المعلوم أن حدود هذا البحث تقتصر على كتاب نقد العقل المحض، ولا يدخل في نطاق بقية كتب كانط النقدية إلا في حدود الحاجة. وقد توصل البحث إلى أن الفارق بين الطبعتين فيما يخص دور المخيلة ليس فارقًا شكليًا، بل هو تغيير عميق، يشمل أساس نظرة كانط للمخيلة، ويبدو هذا الفارق جليًا في عملية "التأليف"، التي تُعدّ من أهم الأسس التي يقوم عليها الإدراك والمعرفة عمومًا في نظرية المعرفة الكانطية، وكيف وزع كانط مهمات هذا التأليف على قوى النفس الأساسية.
Abstract
Abstract: Immanuel Kant did not dedicate a special chapter of his works to "imagination," with most of his views on the topic presented in the first edition of the Critique of Pure Reason (known as Edition A of 1781) in the chapter on the deduction of pure concepts, in the section on "Deductions of the pure concepts of the understanding." In the second edition of the book (Edition B of 1787) he went on to modify or omit most of what he had written regarding Transcendental Deduction and the role of the imagination in the process of synthesis. Kant’s
- كانط
- الفلسفة النقدية
- المخيلة
- نقد العقل المحض
- الاستنباط المتعالي
- Kant
- Critical Philosophy
- Imagination
- Critique of Pure Reason
- Transcendental Deduction
آرائه فيها، في الطبعة الأولى من كتابه نقد العقل المحض (والمعروفة أكاديميًا باسم الطبعة
A–1781)، وتحديدًا في فصل «استنباط المفاهيم المحضة للفاهمة» The Deduction of the Pure Concept of Understanding، ثم ألغى، في الطبعة الثانية للكتاب (الطبعة B–1787)، معظم ما كتبه بشأن الاستنباط المتعالي Deduction Transcendental أو تعديله، وكذلك دور المخيلة في عملية التأليف. أدى موقف كانط هذا من موضوع المخيلة إلى عدم توافق الدارسين حول دور المخيلة وأهميتها عنده؛ ما ولد العديد من الدراسات والآراء، وذلك لتعقد الموضوع وأهميته في فهم فلسفته النقدية. لذا، جاء هذا البحث ينشد تبيان الفارق بين الطبعتين فيما يخص موضوع المخيلة ودورها في إنتاج المعرفة. ومن المعلوم أن حدود هذا البحث تقتصر على كتاب نقد العقل المحض، ولا يدخل في نطاق بقية كتب كانط النقدية إلا في حدود الحاجة. وقد توصل البحث إلى أن الفارق بين الطبعتين فيما يخص دور المخيلة
ليس فارقًا شكليًا، بل هو تغيير عميق، يشمل أساس نظرة كانط للمخيلة، ويبدو هذا الفارق
جليًا في عملية «التأليف»، التي تُعدّ من أهم الأسس التي يقوم عليها الإدراك والمعرفة عمومًا
في نظرية المعرفة الكانطية، وكيف وزع كانط مهمات هذا التأليف على قوى النفس الأساسية.
Associate Professor in the Department of Philosophy at Qatar University.
position led to a disagreement among scholars on the role and importance he attached to the imagination, generating multiple studies. This research thus seeks to clarify the difference between the two editions in the treatment of imagination and its role in producing knowledge. The study is limited to the Critique of Pure Reason and does not consider other works, unless necessary. The author concludes that the difference between the two editions regarding the role of the imagination is not superficial, but rather testifies to a profound change at the very root of Kant’s view. This is evident in his writing on the process of "synthesis," which is one of the most important foundations in Kantian theory of knowledge, and specifically so in the manner in which Kant distributes the fundamental tasks of this synthesis to powers of the self.
مقدمة
ما دور المخيلة في فلسفة كانط؟ وما الدور الذي تؤديه في نظرية المعرفة الكانطية؟ لم يعط دارسو إيمانويل كانط Immanuel Kant (1804–1724)،، على المستوى الفلسفي العربي، العناية الكافية لاستكشاف هذا الدور؛ ويعزى ذلك، في اعتقادي، إلى صعوبة البحث في فلسفة كانط عمومًا، وفي موضوع المخيلة خصوصًا، ولكن قراءة معمقة لكلا الطبعتين ستكشف لنا هذا الدور مع
تبيان الفارق بينهما. تنبع معرفتنا، بحسب ما ذكر كانط في الجزء الثاني من كتاب نقد العقل المحض، في فصل «علم العناصر الترنسندنتالي»، بأنه «من مصدرين رئيسيين للروح البشرية، أولها تَلقي التمثلات (قابلية التأثر بالانطباعات)، والثاني القدرة على معرفة موضوع، بواسطة هذه التمثلات (تلقائية المفاهيم – العفوية)، يعُطى لنا بأولها موضوع، وبالثاني يفكر فيه، في علاقته بذلك التمثل». وبذلك تتمركز نظرية المعرفة لدى كانط، في أن جميع معارفنا تتطلب، أورّلً، قابلية التأث Receptivity،
ومن ثم تلقائية المفاهيم Spontaneity. ويسمي كانط ما تقدمه ملكة المعرفة من ذاتها (قدرتنا الخاصة) بالتلقائية، ولذلك تكون المعرفة عبارة عن مركب من القابلية والتلقائية معًا، فالفاهمة ملكة تلقائية أي «إنها تعمل بدون مؤثرات خارجية، بعكس الحساسية التي تعتمد على المؤثرات الخارجية». لذلك، فإن سؤال المعرفة في الفلسفة الكانطية عن إمكانية الأحكام القبلية التأليفية، يجد إجابته في دمج كلا القابلتين، فالمعرفة نتاج وحدة المختلفين (الحساسية – الفهم)، ويبقى كل منهما غير كاف وحده لإنتاج أي معرفة، وهذا هو معنى جملة كانط في أن «الأفكار من دون محتوى فارغة، والعيانات من دون مفاهيم عمياء».
(((إمانويل كنت، نقد العقل المحض، ترجمة غانم هنا، مراجعة فتحي المسكيني (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2013)، ص.125
(2) Thomas Land, "Kant’s Spontaneity Theses," Philosophical Topics , vol. 34, no. 1 & 2 (Spring–Fall 2006), pp. 189–190.
(((كنت، ص.126
فقد أخذ كانط بقضية أن كل معارفنا تبدأ من التجربة، أي من خلال عملية استقبال تؤثر في حواسنا كمسلملاَّة، و يوجد داع، بحسب كانط، لمناقشتها مطواّلً، ولذلك لن ينصبّ جُهد كانط، فيم بعد، على
شرحٍ أو تبيان لتلك القضية، بل على أمر آخر، وهو أنه على الرغم من أن معارفنا تبدأ من التجربة، فإن ذلك لا يعني أنها كلها تنبع من التجربة. وبذلك يكون الجهد الحقيقي في شرح الأجزاء التي لا تنبع من التجربة وبيانها، فالمعرفة، في رأي كانط، لا بد أن تكون «مركبًا مؤلفًاَّا مم نتلقاه عن طريق الانطباعات
الحسية، ومما تقدمه قدرتنا الخاصة على المعرفة من عندها هي نفسها، بإعطائه ما يحتاج». ولذلك فإن الفلسفة الكانطية اتخذت لنفسها منذ البداية دورًا مهمًّا، وهو تحديد الرابط بين مصدري المعرفة، وهذا التحديد يثير أسئلة عديدة حول مدى موضوعية المقولات وصحّتها، ودور المخيلة وعملها (ربط الحكم بالعالم). فهذا التحديد بين مصدري المعرفة البشرية (الحساسية والفاهمة)، يكشف لنا دور المخيلة من الناحية المعرفية في كتابه نقد العقل المحض، وسينكشف أيضًا، ميتافيزيقيًا
وأخلاقيًا وجماليًا، في بقية كتب كانط النقدية. لذلك تبدأ الحبكة في الفلسفة الحديثة من نظرية المعرفة، بوصفها العلاقة بيننا وبين العالم، بمعنى: كيف أفهم العالم؟ يشترك كل من التجريبييَّين (جون لوك، ودافيد هيوم) والعقلان ين (رينيه ديكارت، وإيمانويل كانط)
في أننا لسنا على علاقة مباشرة بالعالم فيما يخص المعرفة، بل تنتقل المعرفة عبر تمثلات ذهنية Representations بحسب التفسير العقلاني، وأفكار Ideas بحسب التعبير التجريبي، فمثلً: أنا أعرف الشجرة التي أمامي عبر الصور التي تنطبع لدي من الشجرة، ومن ثم هناك فرق ما بين الشجرة التي أمامي والانطباع أو الفكرة التي أكونها في عقلي. يكمن الفرق بين التجريبيين والعقلانيين في أن مصدر هذه المعرفة (التمثل/ الفكرة)، إما أن يأتي من الخارج، كما هو عند (التجريبيين)، وإما يأتي من العقل وتمثلاته كما هو عند (العقلانيين). أما في حالة كانط (نظرية المعرفة عنده)، فنجد أن ديفيد هيوم التجريبي (1776–1711) أدّى دورًا رئيسًا في بلورة نظرية المعرفة لديه، وهذا ما عبر عنه كانط في جملته المشهورة بأن هيوم قد أيقظه من سباته الدوغمائي. درس هيوم الطبيعة البشرية عبر المنهج التجريبي، بهدف الوصول إلى المبادئ الأساسية التي تحكم الطبيعة البشرية، ولذلك بحث في الملكات المعرفية التي يمتلكها الإنسان (كالفهم والمخيلة)؛ فالمعرفة لديه تبدأ من إدراكات بسيطة، تتحد وتتحول إلى مركّبة مرتبطة فيما بينها في المخيلة. وقد عبر هيوم عن هذا الترابط من خلال نظرية ترابط الأفكار، فالخطوة الأولى في نظرية المعرفة لديه تتمثل في القدرة على تلقّي الانطباعات عبر الحواس، التي بدورها تتحول إلى أفكار، ويجري الربط بينها في المخيلة والذاكرة. وما شد كانط إلى فلسفة هيوم يكمن في الفارق الذي بيّنه هيوم بين ما يأتي من
(((المرجع نفسه، ص.57
الخارج عبر الخبرة الحسية وما يتكون في العقل عبر الانطباعات والأفكار، وخصوصًا عمليتَي التركيب والتأليف الذهني لهذه الانطباعات والأفكار. يقوم البناء الاستدلالي لدى هيوم على عنصرين: يُعنى الأول بالاستدلال العقلي والبرهاني، ويعنى الثاني بالاستدلال العملي والتجريبي، فقد هاجم هيوم العنصر الأول عبر إثارة الإشكالية الشهيرة والتي تعرف ب «مشكلة الاستقراء»، فاعتبر التعميم غير مبر ر، ووصفه بأنه «خروجٌ عن الواقعية»، وأراد من هذا
التعبير إثبات أن أي نشاط عقلي استدلالي برهاني إنما هو نشاط منتهٍ ولا فاعلية فيه. لذا اتجه أساسًا
إلى نشاط التجربة، وكان التحدّي الذي اعتمده هيوم يتمثل في كيفية تفعيل دور العقل في النشاط التجريبي، مع رفض البعد الاستدلالي البرهاني فيه. لذلك كانت أول مشكلة واجهته في هذا هي «إشكالية السببية»، و«الضرورة» التي تجعل من السببية متحققة، حيث اعتُبِرت تلك الضرورة فاعلية عقلية، أي إن العقل يربط حوادث الظواهر الخارجية بالضرورة المنطقية، والتي رفض هيوم أنها منطلقة من العقل، ولهذا أبطل رابطة الضرورة بين الأشياء، واتجه إلى مفهوم «التداعي»، أي إن ما يربط الأشياء والحوادث في العالم الخارجي من علاقات ليست هي الضرورة، بل «مجرى العادة والمألوف»، وما يبرر تلك العادة ثلاثة مبادئ: التشابه، والتماس في الزمان والمكان، والسبب والمفعول. عارض كانط أفكار هيوم، فقال: إننا لا نستطيع تكوين تمثّل واحد عن الموضوع، إلا من خلال وجود عملية مركبة، تكون مهمتها الاهتمام بمضامين كل الحالات المعرفية، التي تشترك فيها حواس الإنسان (كلها) عبر أزمنة مختلفة، وذلك على عكس مفهوم التداعي. يقبل كانط مفهوم هيوم في تداعي الصور، ضمن ما يسميه قوة الخيال التجريبي (وليس المتعالي)؛ فكانط يقسم قوة الخيال إلى (تجريبي ومتعالٍ). ولكن ما يُصر عليه كانط هو تقديم التجريبي على المتعالي، فالمتعالي هو الذي يجعل التجريبي ممكنًا لتحويله إلى معرفة، وهذا هو السبب وراء تسمية كانط للبعد
المتعالي ب «المنتِج» أو «الخلّق»؛ لأن تداعي الصور التجريبية ما هو إلا ناقل، ولا ينتج شيئًا جديدًا، بعكس الخلّق الذي ينتج شيئًا جديدًا ومختلفًا، وهنا يظهر السؤال المتعلق بدور التركيب/ التأليف في فلسفة كانط. لذلك قام التجريبيون، بحسب كانط، بتفسير عملية الإدراك على نحو خاطئ، حينما ظنّوا أن الحواس لا تعطينا الانطباعات فقط، ولكن أيضًا تقوم بجمعها وتركيبها في عملية الإدراك وإنتاج الصور Images. وعلى العكس من ذلك، اعتقد كانط أن عملية إنتاج الصور في حاجة إلى عملية أشدّ تعقيدًا، وخصوصًا أنها في حاجة إلى ما يسميه «فعالية المخيلة التأليفية.» لا شك في أن موضوع المخيلة قد تغير كثيرًا على يد كانط، حتى إن أحد دارسيه قال: إن موضوع
المخيلة قد تغير إلى الأبد بعد كانط. وقد تعددت وتنوعت الدراسات ال «ما بعد كانطية»، والمدارس الكانطية الجديدة، ولكن يمكن تعداد ثلاث مدارس رئيسة ما بعد كانطية. ولكل منها توجهاتها الخاصة، فيما يتعلق بفهم النصوص الكانطية من جهة، ومستقبل هذه النصوص من جهة أخرى.
(5) Michael Thompson, "Roots and the Role of the Imagination in Kant: Imagination at the Core," PhD. Dissertation, University of South Florida, 2009, p. 19.
تُعدّ مدرسة ماربورغ Marburg من أهم تلك المدارس، وقد فضلت تأويل النصوص الكانطية بما يتفق مع منطق غوتلوب فريجه Frege Gottlob (1925–1848) الوضعي الذي يهتم بالمسائل الإبستيمية على حساب المسائل الميتافيزيقية، والتي تَعدّ الطبعة الأولى من كتاب نقد العقل المحض هي الأفضل، ويعتبر إرنست كاسيرر Cassirer Ernst أحد مؤيديها. كما فضلت مدرسة هيدلبرغSchool Heidelberg The الطبعة الأولى من نقد العقل المحض، واعتبرتها أكثر أصالة من الطبعة الثانية، وامتازت باهتمامها بالدراسات الثقافية World–View، ونظريات القيمة Value. فمهمة الفلسفة، بحسب هذه المدرسة، هي فحص الادعاءات التي تحمل قيمًا وأحكامًا مطلقة أو كلية، والتي يعتبر مارتن هايدغر Heidegger Marten (1976–1889) من أهم مؤيديها. بينما ترى المدرسة الأنكلو – أميركية Anglo–American أن الطبعة الثانية من كتاب نقد العقل المحضهي الصيغة الأفضل والأهم، والتي حاول فيها كانط تمييز مثاليته المتعالية من مثالية باركلي، وهكذا، يتجهون نحو دراسة المنطق وفق ما يدعم أعمال فريجه، وتحليلات مدرسة ماربورغ. تعدّ كتابات هايدغر حول كانط عمومًا، والمخيلة خصوصًا، نقلة نوعية في الدراسات ما بعد الكانطية. ويعتقد هايدغر أنه قد أعطى تأويلً جديدًا لفلسفة كانط، تجاوز التأويلات السائدة حول كانط، وأنه قد حاول أن يسترد مشروع كانط الذي قد تخلى عنه هو نفسه (أي كانط). وقد أوضح هايدغر وجهة نظره هذه في كتاب كانط ومشكلة الميتافيزيقا الذي ظهر عام 1929. ولذلك يمكن القول إن قارئ فلسفة كانط عبر المدارس الكانطية الجديدة عليه أن يعرف مسبقًا أيّ كانط يقرؤه، بعبارة أخرى: بتأثير أي مدرسة أو تأويل يقرأ كانط؟ يمكننا القول إن موضوع المخيلة في الفلسفة الكانطية جاء هامشيًا في غالبية الدراسات، أو جرت
معالجته من خلال الاعتماد على نص أو اثنين على الأكثر، من دون الرجوع إلى جميع نصوص كانط ذات العلاقة. ولكن يمكن اعتبار دراسة سارة جيبونز Gibbons Sarah من المؤلّفات القليلة التي حاولت النظر في ثلاثية كانط النقدية، لتصل إلى فهم متكامل حول المخيلة في فلسفته النقدية عمومًا.
(((أنشأها جماعة من المفكرين في جامعة ماربوغ في ألمانيا، في منتصف القرن التاسع عشر، وكان من أشهر منتسبيها فريدريك ألبرت لانجه Lange Albert Friedrich (1875–1828)، وهارمان كوهين Kohen Hermann (1918–1842)، وبول ناتورب Paul Natorp (1924–1854). ويمكن اعتبار أرنست كاسيرر أحد منتسبيها. (((تُدعى «المدرسة الكانطية الجديدة» School Kantian – Neo The لجنوب غرب ألمانيا، وتعرف كذلك بمدرسة بادن Baden
School. من أهم ممثليها: وليام ويلدنباند Windelband Wilhelm (1915–1848)، وهاينريش ريكرت Rickert Heinrich –1863(
(8) Paul Guyer (ed), The Cambridge Companion to Kant’s Critique of Pure Reason (Cambridge: Cambridge University Press, 2010), p. 372.
(((تُعرف كذلك بالمدرسة التحليلية، في مقابل المدرسة القارية التي اهتمت بقراءة هيغل إلى جانب كانط. ((1(سعيد الغانمي، الوجود والزمان والسرد: فلسفة بول ريكور (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1999)، ص.70
(11) Sarah Gibbons, Kant ’ s Theory of Imagination: Bridging Gaps in Judgement and Experience (Oxford: Clarendon Press, 1994).
إن اختلاف مفهوم المخيلة بين الطبعتين الأولى والثانية كان من أسباب الخلاف بين مدارس الكانطية الجديدة؛ فصياغة كانط للمخيلة، باعتبارها وسيطًا بين ملكتين (الفاهمة والحساسية)، أثارت جدلً كبيرًا حول الوضع العام للمخيلة، وقد تطور هذا الجدل عبر مسارين مختلفين: • يرى الأول المخيلةَ ملكةً منفصلةً، ذات صلاحيات وقدرات مستقلة عن الفاهمة، ويمثل هذا الاتجاهَ كثيرون (مثل هايدغر، ورودولف مكريل Makkreel Rudolf، وسارة جيبونز)، وفي
الوقت ذاته، يشترك هؤلاء بتفضيلهم الاستنباط، في صيغته الأولى A–deduction، من كتاب كانط نقد العقل، لأنه يبرز العمليات المطلوبة من أجل الحصول على تمثّل واحد Presentation Single مما تقدمه الحواس، قبل حصول عملية تأليف المفاهيم للفاهمة، وذلك كدليل على عمل المخيلة، خارج إطار الفاهمة. بينما • يعطي الثاني الأفضلية للطبعة الثانية B–deduction؛ كونها تُظهر المخيلة على أنها أحد أقسام الفاهمة وتابعة لها (مثل هنري أليسون Allison Henry، وبول جوير Guyer Paul، وبيتر فريدريك ستراوسون Strawson Frederick Peter)، وأن دورها متوقف على مدى ارتباطها بالفاهمة. هذا عدا أن هذه الفئة تعتقد أن قبول المخيلة والفاهمة، بوصفهما ملكتين منفصلتين، قد فشل تمامًا في شرح كيف يمكن استنباط المفاهيم المحضة للفاهمة من جدول الأحكام المنطقية. يعتبر النقاش الذي جرى بين هايدغر وكاسيرر حول كانط في مدينة دافوس (1929) من المعالم البارزة في النقاشات حول فلسفة كانط وتأويلاتها المختلفة. فقد اعتبرت مدرسة مالبورغ الطبعة الأولى من الكتاب نظرية في المعرفة عمومًا، والعلمية خصوصًا، ومن هنا يجب على الكانطيين الجدد توسيع هذه الرؤية الكانطية لتشمل العلوم الثقافية. وعلى العكس من ذلك، يرى هايدغر الطبعة الأولى من الكتاب تؤسس للأنطولوجيا وليس للإبستيمولوجيا كما يرى كاسيرر. وإذًا، بحسب هايدغر، وضْعُ كتاب كانط في طبعته الأولى ضمن الإبستيمولوجيا إجحاف في حق كانط وفهم خاطئ لفلسفته. لقد رأى هايدغر أن المسألة الرئيسة في الطبعة الأولى هي محدودية الإنسان وتناهيه، علمًا أن هذا التناهي الإنساني لا يجب النظر إليه نظرة سلبية، فهو ما يميز الإنسان ويجعله ما هو عليه. فالتناهي قابع في داخل بنية التكوين الإنساني. وللكشف عنه لا بد أو لً من التحري عن بنية المعرفة. وقد وصل هايدغر من خلال قراءته لكانط إلى أن المعرفة البشرية هي في الأساس معرفة حدسية، وبحسب هايدغر، ما دمنا لم ننظر إلى نقد العقل المحضمن خلال هذه الرؤية، فستبقى قراءتنا غير مكتملة.
(((1 للاستفاضة في هذا الموضوع يمكن الرجوع إلى كتاب:
John Llewellyn, The Hypocritical Imagination: Between Kant and Levinas (New York: Routledge,1999). (13) Geoffrey Waite, "On Esotericism: Heidegger and /or Cassirer," Political Theory Journal , vol. 26, no. 5 (October 1998), p. 616. (14) Martin Heidegger, Kant and the Problem of Metaphysics , Richard Taft (trans.), 5 th ed. (Bloomington: Indiana University Press, 1997), p. 50. (15) Calvin O. Schrag, "Heidegger and Cassirer on Kant," Kant Studien , vol. 58, no. 1–4 (January 1967), p. 90.
فالتفكير، كما يرى هايدغر، هو من مسؤولية الحدس. ولذلك لا يمكن أن تكون المعرفة حصرًا على
الأحكام المنطقية. من أهم الانتقادات التي وجهها كاسيرر إلى هايدغر الربط بين المخيلة المتعالية والمعرفة الأنطولوجية. فالعقل المحض والعملي، بحسب هايدغر، يجدان أساسهما في المخيلة المتعالية. ومع إبداء كاسيرر إعجابه بالتحليل الهايدغري لقسم السكيما (التخطيطية)، والذي أدى إلى عودة دارسي كانط إلى هذا القسم المهم، فإنه – أي كاسيرر – انتقد هايدغر بسبب إرجاعه كل شروط المعرفة إلى المخيلة المتعالية. وفي المقابل يعتقد كاسيرر أن هايدغر فشل في الكشف عن الجانب الاستقلالي للتفكير في فلسفة كانط. ومع قبول كاسيرر بوجود علاقة وثيقة بين الفاهمة والحدس، فإن ذلك، في رأيه، لا يعني أنها تعتمد على الحدس، بل إن تأليف الفاهمة هو الذي يحدد الحساسية أوةّلً، فالفاهمة تمثل التلقائية الفعال. فعلى الرغم من أنه لا ينفي أهمية المخيلة، فإنه يرى أن دورها محصور في جمع ما يتم إدراكه في التجربة.
أولا: مصادر المعرفة الرئيسة
عرّف كانط ثلاثة مصادر رئيسة ذاتية لكل تجربة ممكنة: الحواس Sense، والمخيلة Imagination،
والإبصار Apperception، حيث تمت تسميتها ملكات تستلزم مجتمعةً الشروط الضرورية لكل تجربة ممكنة. فالحواس مسؤولة عن استقبال المؤثرات على شكل مادة خام، والإبصار يعي الحدوس في موضوع، والمخيلة تقع بين الاثنين (الحواس والإبصار)، ولها دور رئيس في المعرفة، ويختلف هذا الدور، كما أشرت، بين الطبعتين الأولى والثانية.
1. المخيلة في الطبعة الأولى
قدم كانط المخيلة في الطبعة الأولى، على أنها «ملكة أساسية للنفس البشرية»، وتتوسط الحساسية والفاهمة، وتظهر المعرفة من جراء الربط الضروري لكليهما، وهي أيضًا المركز الموحد للحس والفكر، ولذلك فهي شرط أي معرفة ممكنة. وقد لخص كانط دور المخيلة، في نهاية الاستنباط الأول، بأنها «تقع في أساس كل معرفة قبليًا،
وبواسطتها نحن نربط بواسطة مختلف العيان من جهة، وشرط وحدة الإبصار الضرورية من جهة أخرى، ببعضهما البعض».
(16) Van Gorkom, "The Third One: Imagination in Kant, Heidegger and Derrida," PhD. Dissertation, Tilburg University, Holland, 2009, p 74. (17) Schrag, p. 96.
(((1 كنت، ص 177،.190 (((1 المرجع نفسه، ص 196 (123–124 A.) (((2 المرجع نفسه.
تؤدي المخيلة عملها التوسطي هذا من فعل التأليف الذي تقوم به، من خلال وضع كثرة الحدوس تحت وحدة الإبصار، فتؤدي المخيلة دورها التوسطي بارتباطها الفعال بكليهما؛ فهي تعمل على المعطى الحسي، بدمج كثرة Manifold مع شكل Form الحدس الداخلي، أي الزمان، وبهذا المعنى ما ينتجه التأليف هو دومًا حدوس حسية. تنتمي المخيلة، من وجهة النظر هذه، إلى الحدس الحسي: أي أنها تمد الفاهمة بمحتوى، وعليه يمكن القول إنها تبقى متلقية Receptive ومجرد قابلية للتعيين، ولكن من جهة أخرى، تعمل المخيلة بعلاقة مع وحدة الإبصار وتحصل على خصائصها المتعالية كشرط لأي معرفة، ويجب أن يكون ما تنتجه مع الحس الداخلي متوافقًا مع وحدة الإبصار، بمعنى أن المخيلة تؤلف كثرة الحدوس على أساس القاعدة التي قُدِّمت من المقولات، وهنا تظهر المخيلة بكونها تلقائية Spontaneous، أي قوة فعالة، تنتمي إلى الفاهمة، وبحسب كانط؛ الفاهمة تعتبر «وحدة الإبصار في علاقتها مع تأليف المخيلة». وهنا تكون المخيلة ملكة توسطية، ولكن ليس بمعنى ملكة ثالثة مع ملكة الفهم والحس، ولكن بمعنى أن لها وضعًا ثنائيًا – كتلقائية وقابلية – يرتبط بفعالية مع كلتيهما (الحس والفاهمة). إن المخيلة من المصادر الذاتية للمعرفة، إضافة إلى الحس والإبصار، كما تنتمي المخيلة إلى مصدر المعرفة (الفاهمة والحساسية)، وتجعلهما بمعنى ما، ما هما عليه، أي من دونها لما كانتا ما هما عليه. وبحسب هايدغر، يمكن اعتبار المخيلة «الجذر المشترك – الشائع Common root للحساسية والفاهمة كقوة أصيلة موحدة لكليهما». يعتقد كانط أن التمثلات Representations ستفقد المعنى المرجو منها في غياب عملية التأليف؛ فالتأليف هو العملية الأساسية التي يتم عملها على التمثلات من أي مصادر كانت (إمبريقية أو قبلية)، فالتأليف هو عبارة عن جمع عدة تمثلات معًا (جمعها ضمن فعل معرفي واحد)، وفهم ما هو مشترك بينها. فالتأليف هو العنصر الرئيس في المعرفة، وهو، كذلك، إحدى الوظائف الأساسية لملكة التخيل؛ فهي التي تربط وتقارن التمثلات المتعددة التي تأتي أو لً من ملكة الحساسية على شكل ملخصات/ لمحات Synopsis، وقد وصفها كانط بكونها «وظيفة عمياء من وظائف النفس، مع أنه لا غنى عنها، ومن دونها لن يكون باستطاعتنا الحصول على أي معرفة أينما كانت، لكننا نادرًا ما نكون حتى واعين بفعلها». وهذا يعني أن كانط قد أعطى المخيلة مهمة أساسية، باعتبارها مصدرًا للتأليف، بالرغم من وصفها بالملكة العمياء، علمًا أن هذا الوصف (العمياء) قد جلب لكانط بعض النقد.
(((2 المرجع نفسه، ص.192
(22) Heidegger, p. 106.
(((2 كنت، ص.151
(24) Tugba Ayas Onol, "Reflections on Kant’s View of the Imagination," Ideas Y Valores , vol. 64, no. 157 (January– April 2015), p. 2.
(((2 كنت، ص.151
ويتحقق التأليف (في الطبعة الأولى)، في المخيلة، على نحو عام، عبر ثلاث مراحل: تأليف الإدراك Apprehension في العيان (الحدس)، وتأليف إعادة الإنتاج Reproduction في المخيلة، وتأليف التعرف Recognition في المفهوم. فكل عيان – حدس يتم تلقيه من الحساسية، يحتوي على متعدد/ كثرة Manifold. وهذا المتعدد/ الكثرة لا يمكن أن يظهر كثرةً، إلا إذا جرى تصوره على أنه سلسلة من الانطباعات في الزمان. فكل التمثلات تكون خاضعة للحس الداخلي (الزمان)، فتأليف الإدراك في الحدس يشير إلى «تأليف كثرة الحدوس Manifold of Intuition في تمثل واحد موحد». وفي النتيجة، فإن تأليف الإدراك يقدم الكثرة في تمثل واحد، وبهذه الطريقة تخدم كمنظم أولي لكثرة الحدوس، والتي لا تحوي أيّ ضرورة، ولذلك يمكن القول إنه في تأليف الإدراك يجري وضع – تأليف الحدوس التجريبية المتعددة معًا. إن تأليف الحدوس في الإدراك هو فعل تجريبي للمخيلة، أما الفعل المتعالي للمخيلة فهو تأليف إعادة الإنتاج، ومن ثم فإن عملية التركيب تعطي فعل إضافة تمثلات مختلف بعضها عن بعض، واحتوائها وتنوعها في معرفة واحدة. وعليه، فإن أي عملية معرفة هي في بدايتها عملية تركيب عقلي بما يتم حدسه من العالم. إن هذا التركيب الأولي هو عبارة عن تأليف عدة عناصر Appearances، تم رؤيتها من خلال عدة حواس في لحظة واحدة (مثل لقطة من آلة تصوير)، تجمع عدة مشاهد/ لقطات في لحظة واحدة وفي رؤية واحدة يسميها كانط وحدة الإبصار، وذلك لأن العين لا تستطيع أخذ أكثر من لقطة واحدة – في كل مرة، مثل من ينظر إلى الشارع ويرى عدة أمور في لحظة واحدة (الشارع، والسماء، والبنايات، والسيارات، وغيرها)، فالمشهد عبارة عن كُلٍّ يحوي أجزاء، وبهذا يمكن تشبيه هذه المرحلة بتجميع عدة مشاهد مفردة في كلٍّ واحد: لقطة + لقطة + لقطة = وحدة الإبصار. وعليه، لا يمكن أن تلتقط العين كل ما يأتي من الحواس، فالعين ترى والأنف يشم والأذن تسمع، فتتغير رؤيتنا كل لحظة. ولأجل ذلك، لا يمكن العين في هذه المرحلة الأولى إلا أن تجمع لقطات فردية في لحظة واحدة، ومن ثم يجري جمع اللقطات المتجمعة في وحدة (وحدة الإبصار)، مع ملاحظة أن هذا التأليف جرت معالجته زمنيًا في الحس الداخلي (لحظة + لحظة... إلخ)، أي إنها
عملية تجميع تعتمد على الزمن. وبذلك يعطينا أي تركيب ماهوي إما وصفًا للموضوع، وإما بيانًا «لوجود» ذلك الموضوع. وفي مرحلة لاحقة، إذا أردنا أن نصدر حكمًا على ذلك، فيجب الجمع بين هذه المفاهيم الماهوية (النابعة من
الحس) ومفاهيم العقل المحض، وهذا أيضًا نوع من التأليف. إن الحكم، بحسب كانط، هو في الأساس فعل توحيد بين التمثلات، ولكن لا تعتمد عملية الحكم
(((2 المرجع نفسه، ص.177 (((2 المرجع نفسه، ص.151
على الحدوس على نحو مباشر، بما أنه «لا يمكن لأي تمثل أن يكون على علاقة مباشرة مع الموضوع، وهذا خاص بالعيان وحده، فلن تكون لمفهوم صلةٌ على الإطلاق بموضوع مباشرة [...] فالحكم هو إذن المعرفة غير المباشرة بموضوع، وبالتالي تمثلٌ لتمثلِه». فبدلً من تمثلٍ مباشر، يجري استعمال تمثلٍ أعلى، يندرج تحته هذا التمثل – وغيره الكثير – في معرفة واحدة، وهنا تبدأ المشكلة في الظهور، فحيث إن المفاهيم لا تستطيع أن تنطبق مباشرة على الحدوس، فالمعرفة، إذًا، في حاجة إلى قوة جديدة يمكنها أن تعمل وسيطًا ما بين الحساسية والفاهمة. لماذا يجب أن يكون هناك تأليف من الأساس عند كانط؟ لأن ما يأتينا من العالم هو «كثرة» Manifold. ولكن نحن نستقبل هذه الكثرة عبر عدة حواس (السمع، والبصر، والطعم، واللمس)، مثل اختبار التفاحة، يجري عبر حاسة الشم وحدها، أو حاسة الطعم وحدها... إلخ. ومن ثم، فإن مجموعة من الإدراكات الحسية المختلفة تحصل بالذهن باستقلال، ويجب تأليف هذه المُدَركات الحسية المختلفة
وكثرتها في حزمة واحدة، ويتم هذا التأليف في المخيلة، عبر عدد من التأليفات السالفة الذكر: الفهم، والإنتاج، والتعرف. فحتى يحدث الإدراك، بحسب كانط، لا يكفي أن تقدم لنا الحساسية حدوسًا، بل إنها في حاجة إلى
تدخل المخيلة في عملية التأليف؛ لكي تضعا معًا هذه التمثلات الحسية من أجل إنتاج صورة Image على ذلك الأساس. وهذا يعني أن كانط يفرق بين أن تحدس شيئًا وأن تُدرك ذلك الشيء. فمن أجل أن يتم الإدراك، يجب أن يحصل شيء يسميه كانط «تأليف الإدراك». وهذا التأليف لا يحدث في الحساسية، بل في المخيلة، والفرق بين أن تحدس شيئًا وأن تُدركه هو أن عملية الحدس، مع أنها تنتج لمحات إجمالية Synopsisأي تمثلات متعددة لشيء ما – فإنه لا – يتم من خلالها تشكيل تصور كامل موحد Holistic. أما المخيلة، فهي التي تعمل ما لم تستطع الحساسية والحدوس إنتاجه وهو الإدراك الموحد للمتعدد عبر تأليف واحد، ومن ثم نستطيع القول: إن عملية الإدراك، في الطبعة الأولى معتمدة على نحو بعيد على المخيلة؛ كونها مركز التأليف. وعليه، فإنّا في تأليف الفهم نجمع (نؤلف) بين الطعم، والملمس، واللون، والتي حدثت في زمن متوالٍ، فنحن لا نستطيع أن نفكر في الطعم وحده، من دون اللون، أو اللمس، بل لكي نفكر في التفاحة (مبدئيًا) يجب الجمع (التأليف) بين هذه الصفات الثلاث في تأليف واحد، وهو التفاحة، ولكي تكون
هذه المكونات الجزئية جمعيًا حاضرة في مشهد واحد يجب إنجاز هذا التركيب (والذي سماه كانط
«تأليف الإدراك أو الفهم» Apprehension)، حيث يكون من سماته التركيب لما هو جزئي ومباشر من الحواس. وباختصار (هذا التأليف في حاجة إلى مكانٍ ما في الذهن) المخيلة. وعملُ المخيلة في هذه المرحلة هو تأليف الفهم، مع الأخذ في الاعتبار أن عملية الإدراك أو عملية التركيب هذه تكون –
(((2 المرجع نفسه، ص.142
(29) Samantha Matherne, "Images and Kants Theory of Perception," Ergo , vol.2, no. 29 (2019), p. 750.
(((3 كنت، ص.178 (((3 المرجع نفسه، ص.128
مبدئيًا – مرتبطةً بأشياء أخرى، منها الزمان والمكان والمفاهيم المحضة للحدوس. فنحن حينما قلنا في
مثالنا عن التفاحة إننا نحدس اللون أو الشكل أولً، يليه الطعم، ثم الملمس؛ فنحن هنا أدخلنا مفهوم الزمان (يليه) تلقائيًا عند إدراكنا للتفاحة. فالزمان ليس جزءًا مما جاءنا من الخارج بل هو شيء داخلي؛
إنه شرط قبلي لتكون الحدوس ممكنة؛ تجميع اللمس، واللون، والشكل، والطعم (والتي حصلت في أزمنة مختلفة)، في مكان واحد. ومن ثم ننتقل إلى مرحلة متقدمة أخرى يسميها كانط «تأليف الإنتاج» Reproduction في المرحلة الأولى (تأليف الفهم)، حيث يجري جمع الأجزاء في وحدة واحدة. فالآن، يجب التعامل مع هذه الوحدة؛ بمعنى أننا وضعنا الأجزاء في المخيلة (في المرحلة الأولى) والآن تأتي العملية الثانية، وهي إعادة إنتاج هذه الأجزاء في وحدة واحدة جديدة، في تركيب واحد يسميه كانط «إعادة الإنتاج». فنحن لا نستطيع أن نفكر في التفاحة ككل، إذا نُسِيَ جزء من الحدوس التي جمعناها في الخطوة الأولى، أي
أننا إذا نسينا صفة واحدة مثلً، فإنه سيكون طعمها لذيذًا/ حلوًا، قبل التعرف إلى صفتها الثانية (لونها
أخضر مثلً). وبهذا فإن عملية التأليف لن تتكون. يبدو أن كانط يعتقد، في المرحلة الأولى، أن الصور الحسية (كاللون، والطعم) ليست ثابتة، وغير واضحة المعالم مع إضافة الزمان والمكان، بينما الذي يجعل الأجزاء ثابتة ومستقرة في وحدة واحدة هو التأليف الثاني أي إعادة الإنتاج (في المرحلة الثانية). إن تأليف الحدوس في الإدراك هو فعل تجريبي، أو هو الجانب التجريبي للمخيلة، وهو تأليف إدراك التمثلات في العيان. أما الجانب الثاني، فهو الجانب الترنسندنتالي للمخيلة. وهذا الجانب يعبر عن النقطة التالية Synthesis Representation in Imagination، أي «إعادة الإنتاج في المخيلة»، ويعنى بها كانط أن هذه الخطوة الثانية هي الخطوة الضرورية ليتم بها فهم التجربة وإعادة إنتاج الظاهرة (A 101). وهذه المرحلة الثانية تكشف عن القدرة على تذكر الخبرات السابقة أو إعادة تذكر التمثلات السابقة في الذاكرة؛ أي إنه في هذه المرحلة تجري من الذاكرة استعادة ما تم تخزينه عن تلك التمثلات السابقة، ومن ثم إعادة إنتاج ما تم تخزينه بالذاكرة في صور جديدة، أي إنتاج جديد. وإلا لكان كل مشاهدة/ كل حدس هو رؤية جديدة. مثلً: رؤيتكَ الفيل أول مرة، إذ ليس لديك أي خبرة سابقة عن الموضوع. إذًا، نعيد هنا إنتاج التمثلات، من خلال استدعاء ما هو موجود في الذاكرة وله علاقة بهذا التمثل: أي إضافة ما تمت رؤيته الآن مع ما تمت رؤيته في الذاكرة (إعادة إنتاج جديد). وهنا يمكن القول إن كانط اعتبر هذه المرحلة الثانية Synthesis Representation in Imagination قدرةً للعقل ترنسندنتالية، لا تجريبية، وذلك لأن استدعاء ما في الذاكرة يعدّه كانط قبليًا لا تجريبيًا. ففي التأليف الأول (الإدراك) الذي جرى إنتاجه، أصبحت اللقطات من الماضي وانتهت؛ هي لحظة فائتة وسابقة. ولذلك نحن في حاجة إلى إعادة إنتاجها لكي نضعها جنبًا إلى جنب مع اللحظة الحالية
(الحاضرة). ويعطي كانط مثال الخط المستقيم الذي نرسمه في خيالنا: «لو أردتُ رسم خط بالفكر يصل بين ظهيرة اليوم وظهيرة الغد، أو حتى أن أتمثل ببساطة رقمًا معينًا، فإنني سأكون مضطرًا أو لً
(((3 المرجع نفسه، ص.180
إلى أن أمسك بالفكر هذه التمثلُات المختلفة الواحد تلو الآخر. أما إذا تركت قليلً فقليلًالتمثلُات السابقة (الأجزاء الأولى من الخط، الأجزاء السابقة من الزمان أو الوحدات المتمثلة بالتتالي) تفلت
من أفكاري، وبالتالي لم أعد إنتاجها حين المرور بالأجزاء التالية، فلن يكون أبدًا بالإمكان إنتاج تمثل كامل، ولا أي من أفكار ذُكرت سابقًا، لا بل لن يكون بالإمكان أن تنشأ التمثلُات الأساسية الأولى والأشد خلوصًا عن الزمان والمكان». وأعتقد أن هذه الفقرة في غاية الوضوح. ولكن من الجدير
ذكره أن استعمال كانط لكلمات مثل «أمسك» و«تفلت» له دلالة مهمة في فهم ما يقصده من عملية إعادة الإنتاج عمومًا، ودور المخيلة خصوصًا، من حيث هي عملية إمساك في التمثل السابق الذي
ربما لم يعد حاضرًا، وإلا ستنفلت عملية الفهم والإدراك ككل متصل؛ ولهذا يصف كانط المخيلة بأنها
«القدرة على تمثل موضوع حتى بدون حضوره بالعيان». وبعد هاتين المرحلتين السابقتين، تأتي المرحلة الثالثة؛ «التعرف إلى التمثلات في مفهوم». وتتطلب هذه المرحلة وحدة التأليف التي تجعل The Synthesis of Reorganization in Concept من التفكير بهذه التمثلات ممكنًا من خلال المفاهيم؛ فالمفاهيم كلية من حيث الشكل Form. وتظهر
في هذه المرحلة، ملكة التخيل ملكةً أساسية؛ كونها تمكن الفاهمة من أن تعمل من خلال تصنيف التمثلات المختلفة للشيء، تحت مفهوم ذلك الشيء، ومن ثم نستطيع أن نفكر في ذلك الشيء وأن نحصل على معرفة عنه. أي إن هذه الخطوة الثالثة هي عملية وعي بأن ما تم تجميعه في التأليف الثاني (إعادة الإنتاج) هو نفسه، وتابع لما جرت مشاهدته في التأليف الأول (الإدراك)، ومن دون ذلك لن يكون لأي تأليف أو أي تجربة من معنى. لذلك يقول كانط: «إذا نسيت، وأنا أعدُّ، أن الوحدات الماثلة أمامي الآن قد جُمعت من قبلي وحدةً وحدةً، فإنني لن أعرف ناتج الكمية التي حصلت بواسطة الإضافة التدريجية
لواحد إلى واحد، وبالتالي لن أعرف أيضا العدد؛ لأن هذا المفهوم لا يجد قوامه إلا في الوعي بوحدة التأليف هذه». فعندما نقول: «تأليف في مفهوم»، فنحن، إذًا، نتكلم عن المقولات التي ستتيح لنا لاحقًا إصدار الأحكام المختلفة عن التجربة. فإذا كان التأليف الأول من ناحية زمانية يمثل الماضي، والتأليف الثاني يمثل الحاضر، فإن التأليف الثالث سيمثل بالتأكيد المستقبل. ولكن كانط يضيف تأليفًا جديدًا على التأليفات السابقة وهو «السكيما/ التخطيطية» Schema. والسبب، بحسب كانط، أن التأليفات الثلاثة السالفة الذكر، يمكن أن تجيبنا عن سؤال: كيف تمت العملية؟ أي يمكنها أن تعمل وصفًا، ولكنها لا يمكن أن تجيب عن سؤال الشروط الضرورية الواجب توافرها لكي تتم هذه العمليات (وهذا سؤال متعال). ولذلك يضع كانط شيئًا جديدًا يسميه «وحدة الإبصار المتعالي» Transcendental Unity of Apperception. وذلك من أجل البحث عن الشروط
(((3 المرجع نفسه. (((3 المرجع نفسه، ص.216 (((3 المرجع نفسه، ص.183 (((3 المرجع نفسه، ص.181
الممكنة التي تسمح بدمج المفاهيم مع الحدوس. ولأنه متعالٍ؛ فستكون هذه الشروط قبلية، بطبيعة الحال. يقول كانط: وحده «الوعي» هو القادر على جلب توحيد كهذا «لا يمكن أن تكون لدينا معارف ولا يمكن أن يكون ثمة ربط أو وحدة لهذه المعارف فيما بينها من دون وحدة الوعي هذه التي تتقدم على كل معطى العيانات والتي بالنسبة إليها فقط يصبح كل تمثل للموضوعات ممكنًا. هذا الوعي المحض، غير القابل للتقلب، أريد أن أسميه إذًا الإبصار الترنسندنتالي». هذا الوعي هو وعي متعالٍ وليس تجريبيًا؛ وذلك لأن الوعي التجريبي لا يفي بالغرض المطلوب، بمعنى أنه لا يوفّر الشروط
الممكنة، بل يعمل وصفًا للحوادث فقط. يمكن القول إن الإبصار هو الخلفية التي تفي بالمتطلبات المنطقية للمعرفة المحضة (حيث يُعدُّ تابعًا للمخيلة في الطبعة الأولى). إن أهمية الدور الذي تؤديه وحدة الإبصار الأصلية (ويُعنى ب «الأصلية» هنا: المتعالية؛ لتميزها عن وحدة الإبصار التجريبية)، بالنسبة إلى الفاهمة، تشبه إلى حد بعيد (من حيث الأهمية) الدور الذي يؤديه الزمان والمكان بالنسبة إلى الحدوس، ويسميه كانط «المبدأ الأعلى» لكل استعمال للفاهمة. فنحن لسنا في حاجة إلى هذا المبدأ لنعرف شيئًا فحسب، بل يجب أن نُخضع لها أيضًا كل حدس حتى يصير «شيئًا» لنا، لأن المتنوع لن يغدو واحدًا في وعينا بطريقة أخرى من دون هذا التأليف. وذاك لأنه من دون ذلك «لا يمكن لأي شيء أن يُفكر أو يُعرف لأن التصورات المعطاة التي تشترك في حيازة فعل الإبصار – الأنا أفكر – لا تكون مجتمعة في تأليف واحد». يمثل تأليف الإبصار، على نحوٍ ما، تأليف كل التأليفات السابقة في وحدة واحدة، وهو الذي ينتج «الأنا أفكر». إنه الوعي، الوعي بأنني أنا من أقوم بكل هذه التأليفات (هذه التأليفات هي تأليفاتي أنا) والتي تشكل وتُظهر «حالتي». ولكن مع ملاحظة أنه لكي يحصل هذا التأليف (الإبصار)، يجب، أولً، أن تحدث التأليفات السابقة بوصفها شرطًا مسبَقًا لحدوثها. وأخيرًا يربط كانط هذا الوعي (الإبصار) بعملية
الحكم؛ فالحكم هو أن أميز أن هذه التمثلات هي أمامي، وأنا شيء مختلف عنها. ومن ثَم أستطيع أن أقدم حكمًا عليها؛ فالحكم ليس إلا «نمط إحالة معارف معطاة إلى وحدة الإبصار الموضوعية». تعطي هذه المراحلُ المخيلةَ أهميتها ودورها الرئيس في عملية المعرفة، ف «نحن نملك إذًا مخيلة محضة كملكة أساسية للنفس البشرية، تقع في أساس كل معرفة قبلي أو بواسطتها نحن نربط بواسطة مختلف العيان من جهة، وشرط وحدة الإبصار الضرورية من جهة أخرى، بعضه ببعض. وعلى هذين الطرفين المتباعدين إلى أقصى حد، أي الحساسية والفهم، أن يكونا مرتبطين حتمًا على أساس هذه الوظيفة الترنسندنتالية للمخيلة، وإلا لما كانت الحساسية لتوفر فعلً إلا ظاهرات، ولكن ليس موضوعات معرفة تجريبية، وبالتالي تجربة».
(((3 المرجع نفسه، ص.184 (((3 المرجع نفسه، ص.205 (((3 المرجع نفسه، ص.210–209 (((4 المرجع نفسه، ص 196
إذًا، عامل كانط في هذه الطبعة A) (، المخيلةَ بوصفها ملكةً مستقلة ومتميزة للعقل. فهي تعمل وسيطًا بين الحساسية والفاهمة. وبهذا، تظهر المخيلة في الاستنباط A من الكتاب (1871) وسيطًا أساسيًا بين
المعرفة القبلية والمعرفة التجريبية من جهة، وعنصرًا أساسيًا في المعرفة، لا تكون المعرفة إلا به.
2. المخيلة في الطبعة الثانية B 1871) (
لقد وصلت الطبعة الأولى A–deduction) (إلى نتيجة أن القوة الترنسندنتالية للمخيلة هي قوة أساسية، تؤسس إمكانية كل تجربة أو معرفة. أما في الطبعة الثانية B–deduction) (، فيظهر أن هناك تغييرًا مهمًا
في عمل المخيلة مقارنةً بالطبعة الأولى؛ فلم تعد المخيلة تعامل بصفتها قوة أساسية ومستقلة، توحد الحس والفهم، بل أصبح ينظر إليها على أنها «وظيفة مميزة، ولكن ضمن الفاهمة». وصف كانط، في الطبعة الثانية، عمل التأليف الترنسندنتالي للمخيلة «كفعل الفهم على الحساسية»، أو «تعيين الحساسية داخليًا». إن التغيير المهم الذي طرأ على المخيلة (في الطبعة الثانية) هو منح
السيادة للفاهمة، بحيث تظهر المخيلة محدودة بالمعطى الحسي وتعمل ملحقًا للفاهمة، من أجل تطبيق مقولاتها، حتى إن كانط قد وصف تأليف الفاهمة بأنه تأليف مميز «بدون مساعدة المخيلة». فقد تخلت الطبعة الثانية عن التقسيم الثلاثي (الحس، والمخيلة، والفاهمة)، وتحولت إلى تقسيم ثنائي للمعرفة (الحساسية، والفاهمة). وبذلك تعطي الطبعة الثانية الفاهمة الأولوية على حساب المخيلة، عبر تحويل دور التأليف الرئيس للفاهمة وليس المخيلة، بينما كانت الطبعة الأولى تضع الفهم كهيكلية كلية خاضعة Yield للمخيلة الترنسندنتالية في علاقتها مع وحدة الإبصار. يبدو الفرق واضحًا بخصوص دور المخيلة، منذ بداية الطبعة الثانية B) (، في القسم الخامس عشر من
كتاب نقد العقل المحض، حيث أسند كانط التأليف للفاهمة وليس للمخيلة، ف «كل ربط – سواء وعيناه أم لم نعه، وسواء كان ربطًا للمختلف العياني أو لشيء من المفاهيم، وفي الحالة الأولى لمختلف حسي أو غير حسي – هو فعل الفهم الذي يمكننا أن نطلق عليه تسمية عامة، هي التأليف». وبخصوص علاقتها بالحساسية Sensibility، يقول كانط: «بما أن كل عياننا حسي، فالمخيلة، بحكم الشرط الذاتي الذي بموجبه فقط يمكنها أن تعطي مفاهيم الفهم عيانًا مطابقًا، إنما تنتمي إلى الحساسية». ولهذا السبب كتب العديد من دارسي كانط أن أهمية المخيلة ودورها في الطبعة الثانية، اختلفا عمّا هو عليه في الطبعة الأولى؛ إذ تتحول المخيلة «من كونها ملكة أساسية للروح الإنسانية إلى
(41) Charles M. Sherover, Heidegger, Kant & Time (Indiana: Indiana University Press, 1972), p. 175.
(((4 كنت، ص.217 (((4 المرجع نفسه، ص.218
(44) Ozlem Barin, "The Role of Imagination in Kant’s First Critique," Master Thesis, M.E.T.U, Ankara, 2003, p. 132.
(((4 كنت، ص.217 (((4 المرجع نفسه، ص.201 (((4 المرجع نفسه، ص.206
مجرد وظيفة في الفاهمة»، بمعنى أن دورها محصور في تمهيد الطريق لوحدة التأليف في الإبصار، أي الوعي ب «الأنا أفكر»، الذي يرافق كل تمثلاتي. وإذا ما أردنا إجراء مقارنة بين الطبعتين، يتفق معظم دارسي كانط على أن دور المخيلة في الطبعة الثانية أقلّ حضورًا منه في الأولى. يقول هايدغر في كتاب كانط ومشكلة الميتافيزيقا: «إن الطبعة الأولى A–deduction) (من كتاب نقد العقل المحضأفضل من الطبعة الثانية B–deduction) (. وذلك بسبب الدور الرئيس الذي تؤديه المخيلة في الطبعة الأولى»، «لقد قام كانط بتعديل الفقرة التي شرح بها لأول مرة القوة التخيلية في نقد العقل المحض، من وظيفة لا غنى عنها للروح الإنسانية إلى وظيفة للفاهمة». أيكون الفارق بين الطبعتين، فيما يتعلق بدور المخيلة، فارقًا جوهريًا أم أنه لا يتعدى كونه فارقًا في المصطلحات والتسميات؟ هناك عدم اتفاق بين دارسي كانط حول أي طبعة من الطبعتين تعكس حقيقة فلسفة كانط؛ فهناك من يرى أن كانط أراد من هذا التغيير تمييز فلسفته جيدًا من الفلسفة المثالية، أي تمييز فلسفته من المثالية الميتافيزيقية التي جاء بها بركلي George Barkley (1753–1685)، فأعاد صياغة جزء الاستنباط المتعالي، وأضاف إليه نقدًا للمثالية، ومن هنا فإنهم يعتبرون أن الطبعة الثانية كانت مصمَّمة للرد على النقاد الذين أساؤوا فهم فلسفته. وعلى هذا الأساس يعتبرون أن الطبعة الأولى هي التعبير الحقيقي عن فلسفة كانط، والثانية نتيجة ردة فعل، أكثر من كونها نظرة متأنية. لذلك هناك احتمالان لفهم هذا التغيير بين الطبعتين: إما أن هذا التغيير ردة فعل غير متأنية، ومن هناك كان تفضيل الطبعة الأولى على الثانية، وإما أن نقول إن كانط غيّر من آرائه في بعض المسائل
(وخصوصًا أن بين الطبعتين نحوًا من خمس سنوات)، وبهذا تكون الطبعة الثانية تطورًا فكريًا لكانط. ولكن من الواضح أن هناك تغييرًا مفاهيميًا من جهة، وانزياحًا في مركز الاهتمام من جهة أخرى، بين
الطبعتين؛ فبدلً من البدء من مراحل الزمن الثلاثية، والعمليات المرافقة التي تعمل على ظهور العالم من خلالها، كما في الطبعة الأولى، اعتمد كانط، في الطبعة الثانية، وصفًا لوحدة الإبصار المتعالية التي يعتمد عليها كل تمثل، مُذكرًا قارئيه في بداية الطبعة الثانية بأن أي تأليف، عمومًا، لا يمكن أن يحصل عن طريق
الحواس. وذلك لأن التأليف هو فعل التلقائية، والتي لا تعود ضمنًا إلى ملكة الحساسية بل إلى الفاهمة. وهكذا، فإن كانط يحدد هنا وبوضوح الملكة المسؤولة عن أي تأليف، فيقول: «إن كل ربط – سواء وعيناه أو لم نعِه، وسواء كان ربطًا للمختلف العياني أو لشيء من المفاهيم، وفي الحالة الأولى لمختلف حسي أو غير حسي – هو فعل الفهم الذي يمكننا أن نطلق عليه تسمية عامة، هي التأليف». فيفتح كانط
(48) Onol, p. 3. (49) Heidegger, pp. 113–114 (50) Thompson, p. 16. (51) Ibid., p. 225.
(((5 كنت، ص.130
هنا الطريق لإمكانية بعض التأليفات للمتعدد/ الكثرة في الحدس المحض، وذلك ليبرهن على إمكانية استخدامها في إنتاج المعرفة، أي أن نمتلك مزيجًا من الحدوس للكثرة، ليس مصدره تجريبيًا، وفي الطبعة
الثانية من الاستنباط يرى كانط أن تأليفات الفاهمة تُقدم الكثرة كتمثل مفرد واحد وكوحدة. ويرى كانط أيضًا أنه يجب أن يكون هناك وحدة Unity سابقة على أي وحدة، وهذه الوحدة الأساسية لا يمكن أن تكون هي نفسها مقولة الوحدة الموجودة في المقولات (المقولات ليست مصدر هذه الوحدة). وعليه، يقول كانط إنه يجب علينا البحث عن هذه الوحدة من مصدر آخر «أهم» وأشمل وأعلى، بحيث تكون هذه الوحدة هي أساس أي وحدة تالية للمفاهيم في أي حكم. يضع كانط في هذه الفقرات B 130–131) (الأسس الجديدة لعملية التأليف، بعيدًا عن المخيلة التي كانت الأساس في عمليات التأليف في الطبعة الأولى. فقد أضاف كانط في الطبعة الثانية أشكالً جديدة من التأليف، مثل التأليف المجازي – البياني Figurative Synthesis، والتأليف الفهمي – الذهني
. Intellectual Synthesis
يُقر كتاب نقد العقل المحضفي كلا الطبعتين، بنسب مختلفة، بأهمية الوحدة المتعالية للإبصار، والعلاقة الترابطية بين التجربة والوحدة. لقد وصف كانط العيان بأنه «كل تمثل قبل التفكير فيه»، وأضاف أن «الربط لا يمكن أن يُعطَى لنا بالحواس»، ولا يمكن أن يكون متضمنًا بالعيان الحسي، وإذًا، فعملية الربط والتأليف، من دون شك، هي المفهوم المركز والأساس في نظرية المعرفة الكانطية. ولذلك كان السؤال المحوري هو: أين تتم عملية الربط هذه؟ فالظاهرات كما يقول كانط «ليست الأشياء في ذاتها، بل هي مجرد لعبة تمثلُاتنا التي تتحول في النهاية إلى تعيينات للحس الداخلي»، فلا معرفة من دون عملية تأليف؛ فلا الإمكانات القبلية ولا التجريبية وحدها قادرة على إنتاج معرفة، فكل تجربة تفترض بالضرورة قابلية إعادة إنتاج الظاهرة، وخضوع التجربة لقاعدةٍ ما يحكم تتاليها؛ هو الذي يجعل من التأليف التجريبي لإعادة الإنتاج ممكنًا. وهذا يعني أن إعادة الإنتاج تعني – من ضمن ما تعنيه – عملية الربط والتأليف، التي تجعل المعرفة ممكنة. إن دخول مفاهيم التأليف الجديدة على الطبعة الثانية، حصرًا، كان من أجل اختصار الدور الزمني
الثلاثي المذكور في الطبعة الأولى؛ فبدلً من سرد التأليفات الثلاثة الضرورية للإدراك، حوّل كانط أدوارها (أي التأليفات المشار إليها)، إلى التأليف المجازي، وتأليف الفهم، لمختلف العيان الحسي، وهما اللذان وصفهما كانط ب «المتعاليين كونهما يؤسسان قبليًا إمكانية معرفة أخرى».
(((5 المرجع نفسه، ص.202 (((5 المرجع نفسه. (((5 المرجع نفسه، ص.132 (((5 المرجع نفسه، ص.129 (((5 المرجع نفسه، ص.102–101 (((5 المرجع نفسه، ص.151
إن التأليف البياني هو تأليف تابع للمخيلة ويتصل مع وحدة الإبصار، ويسميه كانط أيضًا «تأليف المخيلة الترنسندنتالي». وذلك لكونه يعمل من الحدوس المتعددة «وحدة»، وفقًا للمقولات. يكمن وصف دور المخيلة في الطبعة الثانية، بأنه دور مساعد للفاهمة عمومًا، في تمهيد الطريق للتأليف الأصلي لوحدة الإبصار The Original Synthesis of Apperception، والتي هي وعي «الأنا أفكر» والتي ترافق كل تمثل بالضرورة. ولهذا قال كانط: إن «المخيلة بموجب كونها قدرة على تعيين الحساسية قبليًا، يجب أن يكون تأليفها وفق المقولات، تأليف المخيلة الترانسندنتالي». من الملاحظ أن عملية التأليف في الطبعة الأولى تعود إلى وحدة الإبصار، والتي تعمل تحت مظلة المخيلة، بينما في الطبعة الثانية ليست العلاقة بين المخيلة ووحدة الإبصار، ولكن بين الفاهمة والإبصار، وفي النتيجة، إن «الفاهمة ومفاهيمها يحويان في ذاتهما قوة التأليف»، فقد وجهت الطبعة الثانية عنايتها إلى وحدة الإبصار المتعالية، ولم يعد هناك دور محوري للمخيلة. لا يمكن التعبير عن هذا التغير المحوري، فيما يتعلق بدور الفاهمة في الطبعة الثانية، بأنه مجرد تغيير في أسماء المفاهيم الرئيسة، ولكنه تغيير جذري، وقد عالجه كانط في القسم 24«» من الطبعة الثانية بتفصيل معقد. فعندما يصف كانط المخيلة في هذا القسم ب «القدرة على تمثل موضوع من دون حضوره في العيان»، فإنه يقول إن فعل التأليف هو تأليف الإبصار، بينما كانت المخيلة (في الطبعة الأولى) «تعمل مباشرة على الحدس». فقد كانت تجمع الكثرة في لحظة الرؤية بربطها بالزمنية Temporality، وكان الإبصار هو الخلفية التي تفي بالمتطلبات المنطقية للمعرفة المحضة، ولكن مع فارق هو كون هذا الإبصار فعلً من أفعال المخيلة في الحصيلة.
خاتمة
لا شك في أن دراسة موضوع المخيلة، وخصوصًا من الناحية الفلسفية، شائكة ومعقدة، لا سيما أن هناك تراثًا فكريًا طويلًاختار عدم البحث فيها، بحجة تعقيدها أو عدم أهميتها. ويبدو أن الاتجاه الثاني الذي فضل الابتعاد عن البحث فيها، وجد سنده في الفلسفة اليونانية، وخصوصًا أفلاطون الذي ربط الخيال بالوهم والمحاكاة مقابل الحقيقة والأصل. ومن الجدير ذكره هنا تأثر الفلسفة والأدب على نحو لافت بنظرة أفلاطون هذه، والتي تضع المخيلة مسكنًا إما لغير المعقول وإما للمحاكاة، فطرافة موقف كانط من المخيلة، تكمن في محاولته بناء أساسيات التفكير والمعرفة على الجزء الذي تم استبعاده من حقل المعرفة، باعتباره مصدرًا للوهم، وليفاجئنا كانط أيضًا لا بجعل المخيلة من أهم أركان المعرفة بل شرطًا لكل ما هو موضوعي وواقعي.
(((5 المرجع نفسه، ص.153–152 (((6 المرجع نفسه، ص.154 (((6 المرجع نفسه. (((6 المرجع نفسه، ص.99
من وجهة النظر هذه، تُعدُّ تجربة كانط رائدة، بل شجاعة. وذلك لكونه اختار خوض غمار البحث المضني والصعب؛ للكشف عن خبايا العقل البشري، والإجابة عن سؤال: ما الإنسان؟ بكل ما تحمله من تفاصيل شائكة، بينما فضل آخرون الابتعاد عنها وعدم المخاطرة بالبحث فيها، فصعوبة البحث في ثنايا المعرفة الإنسانية عمومًا، والمخيلة خصوصًا، تدفعنا لنلتمس لكانط العذر، من جراء المدة الزمنية
الطويلة التي قضاها في كتابة كتابه نقد العقل المحض، أو من جراء التعديلات التي قام بها في الطبعة الثانية. وعلى ذلك، فالتأليف للمتعدد الآتي من الحواس هو أساس العملية المعرفية لدى كانط، والمخيلة هي المكان الذي تجري فيه ومن خلاله عملية التأليف هذه، بمعنى أنه إذا كان التفكير هو أساسًا فعل
التركيب، فإن المخيلة هي ساحة المعركة أو غرفة العمليات لهذا التركيب. ومن هنا، نجد أحد أهم الفوارق بين الطبعة الأولى والثانية (والتي هي موضوع البحث)، يكمن في أن عملية التأليف هذه ترتكز في الطبعة الأولى على المخيلة. فالتأليف هنا هو «فعل إضافة تمثلات مختلفة إلى بعضها البعض واحتواء تنوعها في معرفة واحدة. ومثل هذا التأليف هو تأليف محض إذا لم يكن المتنوع معطى تجريبيًا [...] ومع ذلك يبقى التأليف هو وحده ما تُربط به عناصر معرفتنا بالمعنى
الصحيح، وتوحد في محتوى معين، فهو إذن أول ما يجب أن نوجه انتباهنا نحوه إذا أردنا أن نحكم على الأصل الأول لمعرفتنا». وقد رأينا أن كانط قد صنف ثلاثة أنواع من التأليفات في الطبعة الأولى: تأليف الإدراك، وتأليف إعادة الإنتاج، وتأليف التعرف، وقد أرجع كانط التأليف الأول والثاني إلى المخيلة والثالث (الذي هو التعرف) إلى الفاهمة. وعلى العكس من ذلك نجد في الطبعة الثانية أن كانط قد عزا مهمة التأليف إلى الفاهمة «لكن الربط Conjunction، ربط ما هو مختلف بعامة، لا يمكن أبدًا أن يعطى لنا بواسطة الحواس، ولا يمكن أيضًا أن يكون في الوقت نفسه متضمنًا في العيان الحسي. إنه بالفعل، فعل تلقائية القدرة على التمثل، وهي، لكي يتم تميزها من الحساسية، تُدعى فهمًا، ومن هنا، يبدو التغير في
توجهات كانط واضحًا، من حيث إعطاء مهمة التأليف للفاهمة حصرًا، وأصبحت المخيلة وعملها
وكأنها جزء من عمل الفاهمة. وإذا ما نظرنا إلى عملية الإدراك ذاتها، نجد كانط في الطبعة الثانية، قد أعطى الدور الأكبر فيها للفاهمة؛ فمثلً «عندما أعمد إلى تحويل حدثٍ مشاهدٍ بالعين لبيت ما، على سبيل المثال، إلى إدراك حسي بواسطة إدراك مختلف، عندئذ تكون وحدة المكان الضرورية، وعياني الحسي الخارجي بعامة في أساس هذا الفعل، وأكون كأنني أرسم مظهره الخارجي وفقًا لوحدة تأليف المختلف. هذه في المكان، لكن هذه الوحدة التأليفية نفسها، إذا ما جُردت صورة المكان، لها مقرها في الفهم، وهي مقولة تأليف
المتجانس في عيان بوجه عام، أي مقولة الكم، التي يجب أن يتم تأليف الإبصار سابق الذكر، أي
(((6 المرجع نفسه، ص.151 (((6 المرجع نفسه، ص.177
نفسها، من أن فعل الإدراك هو من عمل الفاهمة واختصاصها.
المراجع
العربية
فتحي الشنيطي. الجزائر: موفم للنشر،.1991
الأجنبية
(((6 المرجع نفسه، ص 224–223 (160–131 B.) (الجزائر: موفم للنشر،.)1991
الإدراك، وفقًا لها بشكل تام». ويؤكد كانط فكرته هذه في الملاحظة التي وضعها أسفل الصفحة
لم يحسم دارسو كانط مدى الاختلاف في دور المخيلة بين الطبعتين الأولى والثانية. ولكن من الواضح لنا أن هناك اختلافًا منهجيًا، وليس الأمر مجرد إعادة ترتيب للأفكار أو توضيحًا لها كما حدث في كتابه
مقدمة لكل ميتافيزيقا ممكنة؛ كون الهدف من وراء ذلك الكتاب كان توضيح المفاهيم والأفكار التي نشرها في الطبعة الأولى، من جراء الانتقادات التي توالت من قرائه بسبب صعوبة فهم الكتاب.
References
الغانمي، سعيد. الوجود والزمان والسرد: فلسفة بول ريكور. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،
كانط، إمانويل. مقدمة لكل ميتافيزيقا مقبلة يمكن أن تصير علمًا. ترجمة نازلي إسماعيل حسين ومحمد
_______. نقد العقل المحض. ترجمة غانم هنا. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2013
Barin, Ozlem. "The Role of Imagination in Kant’s First Critique." Master Thesis. M.E.T.U. Ankara–Turkey, 2003. Gibbons, Sarah. Kant’s Theory of Imagination: Bridging Gaps in Judgement and Experience. Oxford: Clarendon press, 1994. Gorkom, Van. "The Third One: Imagination in Kant, Heidegger and Darrida." PhD. Dissertation, Tilburg University. Holland, 2009. Guyer, Paul (ed.). The Cambridge Companion to Kant’s Critique of Pure Reason. Cambridge: Cambridge University Press, 2010. Heidegger, Martin. Kant and the Problem of Metaphysics. Richard Taft (trans.). 5 th ed. Bloomington: Indiana University Press, 1997. Kant, Immanuel. Critique of Pure Reason. Paul Guyar & Allen wood (trans.). Cambridge: Cambridge University Press, 1997. Land, Thomas. "Kant’s Spontaneity Theses." Philosophical Topics. vol. 34, no. 1–2 (Spring–Fall 2006).
((6(إمانويل كانط، مقدمة لكل ميتافيزيقا مقبلة يمكن أن تصير علمًا، ترجمة نازلي إسماعيل حسين ومحمد فتحي الشنيطي
Matherne, Samantha. "Images and Kant’s Theory of Perception." Ergo. vol. 2, no. 29
Onol, Tugba Aya. "Reflections on Kant’s View of Imagination." Ideas Y valores. vol. 64,
Schrag, O. Calvin, "Heidegger and Cassirer on Kant." Kant–Studien. vol. 58, no. 1–4
Sherover, Charles M. Heidegger, Kant & Time. Bloomington: Indiana University Press,
Thompson, Michael. "Roots and the Role of the Imagination in Kant: Imagination at the Core." PhD. Dissertation. University of South Florida. Florida – United States, 2009. Waite, Geoffrey. "On Esotericism: Heidegger and/ or Cassirer at Davos." Political
no. 157 (January–April 2005).
(January 1967).
Theory. vol. 26, no. 5 (October 1998).