Return to Article Details Book review: Hanbali Islam, by George Makdisi

مراجعة في كتاب: الإسلام الحنبلي لجورج مقدسي

Book review Hanbali Islam by George Makdisi

شمس الدين الكيلاني

Chamseddin Alkilani

* باحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

Researcher at the Arab Center for Research and Policy Studies.

الملخّص

عنوان الكتاب: الإسلام الحنبلي . المؤلف: جورج مقدسي. ترجمة: سعود المولى. مراجعة وتقديم: رضوان السيد. الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر. مكان النشر: بيروت. سنة النشر : 2017. عدد الصفحات: 128 صفحة.

Abstract

Book Title: Hanbali Islam Author: George Makdisi Translation: Saud Al-Mawla Reviewed by: Radwan Al-Sayed Publisher: Arab Research and Publishing Network Location and Date of Publication: Beirut, 2016 Pages: 128

الكلمات المفتاحية:
  • الإسلام الحنبلي
  • جورج مقدسي
Keywords:
  • Hanbali Islam
  • George Makdisi

عنوان الكتاب: الإسلام الحنبلي. المؤلف: جورج مقدسي. ترجمة: سعود المولى. مراجعة وتقديم: رضوان السيد. الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر. مكان النشر: بيروت. سنة النشر: عدد الصفحات: 128 صفحة.

مقدمة

يقدم كتاب جورج مقدسي (2002–1920) عن أحمد بن حنبل (ت. 241 ه/ 855 م)، مدخلً مهمًّا للتعرف إلى جوانب أخرى غير التي عممتها رؤية الاستشراق القديم، وعلامة فارقة في الدراسة الاستشراقية. وتشكل دراسات مقدسي وانفتاحه على التراث العربي استمرارًا لدراسات أستاذه هنري لاوست (1983–1905)، الذي كتب من قبل عن ابن حنبل في بحثه الشهير: "الحنابلة تحت الخلافة في بغداد"1، حيث وصفه بأنه صاحب نسق منهجي عقدي وفقهي، وكان هذا بفضل شخصية ابن حنبل وشخصيات الأجيال الأولى، فكان هذا النسق العقدي والفقهي من العوامل الأهم في تكوين الثقافة الإسلامية (ص. 15) كان لاوست على علاقة مبكرة بالعرب، حيث درس مرحلة الثانوية العامة في الرباط، في سنة 1926، ليكمل بعد ذلك المرحلة الجامعية في باريس، ويحصل على شهادة الليسانس في اللغة العربية والفلسفة. وأكمل تعلمه اللغة العربية في دمشق، وعيِّن مديرًا للمعهد الفرنسي بدمشق، واختار البحث في: نظريات شيخ الإسلام ابن تيمية في السياسة والاجتماع2، لتكون رسالته لأطروحة الدكتوراه. انتقد مقدسي النظرة الاستشراقية التقليدية السلبية لابن حنبل، خلال القرن التاسع عشر، حيث قدمت صورة متخيلة سلبية عنه، وتضمن كتابه أربعة موضوعات: الأول عن الاستشراق الغربي في تاريخ الفكر الديني الإسلامي، والثاني عن مؤسسات التعليم والحركات الدينية، والثالث عن الصوفية والحنبلية، والرابع عمّا وصفه ب  "الأرثوذكسية الإسلامية". رأى مقدسي أن الحنبلية تقع في أصل تكوين "أهل السنة والجماعة"، متابعًا آراء أستاذه لاوست عن السلفية الحنبلية، ودورها في التاريخ الاجتماعي السياسي في القرنين الرابع والخامس الهجريين، والتي تصارعت مع الشيعة ولا سيّما إبّان استيلاء البويهيين على السلطة في بغداد، واستدل على المكانة التي احتلها الإسلام الحنبلي في تاريخ الفكر الديني الإسلامي (ص. 16)، واعتبر أن الحنبلية كانت عقيدة سنية محافظة مثلها مثل الأشعرية. وقد لاقت الأشعرية الاضطهاد حتى مجيء السلاجقة، فأصبحوا أحسن حالً، على الرغم من أنهم لاقوا الاضطهاد زمن أرطغرل بك بن سليمان شاه القايوي التركماني (586 ه/ 1191 م 679–ه/ 1281 م). لكنهم لم ينتصروا قبل منتصف القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، إذ صار الكلام الأشعري (الإلهيات والأصول) معترفًا به رسميًا (ص. 43). وقد استخدم المستشرقون وعلماء الكلام كتاب العالم الشافعي تاج الدين السبكي (ت. 771 ه/ 1370 م) طبقات الشافعية، والذي حمل ميولً معادية للحنبلية، على الرغم من إظهاره بالغ الاحترام لابن حنبل، بينما اتجه عبد الرحمن بن رجب الحنبلي (795 ه/ 1393 م)، بخلاف السبكي، إلى حزب أهل الحديث الذي كان يمثل الأغلبية في المذهب الحنبلي. لذا حذر مقدسي من هذين المؤرخين للتراجم، بسبب انحيازاتهما العقدية، فالسبكي يميل إلى علم الكلام الأشعري ضد النقلية الأثرية لأصحاب الحديث، في حين يميل ابن رجب الحنبلي إلى النقلية التقليدية (ص. 48).

ويشكو مقدسي من قلة الوثائق المتوافرة عن تركة ثلاثة عشر قرنًا مضت من الإسلام، إلى درجة يصعب فيها تصور مدى الخسارة التي أصابت الدراسات الإسلامية، فيكفي الاطلاع على الفهرست لابن النديم (ت. 380 ه/ 990 م)، وكتاب كشف الظنونلحاجي خليفة (ت. 1017 ه/ 1657 م) ليدرك المرء حجم ما فقده التراث الثقافي الإسلامي. فليس في أيدينا إلا نسبة ضئيلة من الأعمال والمؤلفات (ص 22–19 يقول مقدسي: "إن التاريخ الديني)، الإسلامي سيبقى متأثرًا ومنكوبًا بندرة المصادر طالما بقيت هذه الأخيرة مخبأة في مكتبات الغرب والشرق" (ص 18–17). كما يشكو من الوضع المأساوي للمخطوطات العربية والصعوبات التي تكتنف أي جهد يُبذل لتجميع وثائق تاريخية ذات صلة بالإسلام الوسيط وفحصها. ويضاف إلى ذلك صعوبة أخرى، تكمن في وجوب فهم مصطلحات تبدو عادية في الظاهر لكنها محملة بمعانٍ تقنية ذات أهمية قصوى (ص 50). كما يرى أن كتابات المستشرقين في القرن التاسع عشر غلب عليها المنهج الفيلولوجي Philology، وهذا ما جعلهم يبدون لغويين أكثر منهم مؤرخين. وحين يتعلق الأمر بمؤسسات التعليم: الجامع الكبير، والمسجد الذي يقوم بدور معهد التدريس، والمدرسة، فإن هذه المؤسسات لا تتعاطى مع ما يسمّى "علوم الأوائل"، أي العلوم الأجنبية الدخيلة، ولا علم الكلام، فهي تتعاطى فقط مع العلوم الشرعية علوم القرآن والحديث والفقه وأصول الفقه والنحو المشتمل على الأدب والوعظ. وينطبق هذا على المدرسة النظامية (ص 51–50). ويذهب جولدتسيهر Goldziher) 1921–1850(إلى أن المدرسة النظامية المرتبط اسمها بوزير ألب أرسلان السلجوقي، الملقّب بنظام الملك.(ت 485 ه/ 1092 م)، عم مت المذهب الأشعري في أرجاء الخلافة العباسية، والتي بدورها كرست المذهب السني الأشعري مذهبًا رسميًا للدولة، ونظمت لتلك المدارس الراتب والإجازات (الشهادات) لمدرسي الفقه والخطباء وأمناء المكتبة، غير أن مقدسي يعارض هذا الرأي، فنظام الملك عيتَّن أبا حامد الغزالي (. 505 ه/ 1111 م) المتكلم الأصولي الأشعري مدرسًا للفقه الشافعي، وعيتَّن أبا إسحاق الشيرازي (. 476 ه/ 1083 م) في النظامية وهو فقيه شافعي ولديه مشاعر معادية للأشعرية، لذلك لا يمكن اعتبار المدرسة النظامية مختصة بتدريس الأشعرية. وكنا قد صرنا في زمن انفصل فيه الكلام عن الفقه، فقد كان القاضي عبد الجبار (ت. 415 ه/ 1025 م) المعتزلي الشهير، شافعيًا في الفقه. والمالكية كان أغلبهم أشاعرة. وكان إلى جانب المدرسة النظامية مدارس أخرى تؤدي دور التدريس، لكن تتميز النظامية من سواها من المدارس بأن لنظام الملك حق تعيين مدرّسيها وعزلهم (ص 60–59)، بينما المدارس الأخرى المنافسة للنظامية، مثل مدرسة مقام أبي حنيفة (وتسمّى مدرسة أبي حنيفة)، كان تعيين مدرسيها يأتي من السلطات المحلية، ويوافق عليهم القاضي الحنفي، وكان من مدرسيها نور الدين الزينبي (ت. 569 ه/ 1174 م). وعلى الرغم من كون المدارس سنّية الاتجاه في العقائد والفقه، فإن ذلك لم يمنع من وجود مؤلفات ابن سينا (ت. 428 ه/ 1037 م)، وابن رشد الحفيد (ت. 595 ه/ 1198 م) إلى جانب كتب الأصوليين ومنهم أبو بكر الباقلاني (ت. 403 ه/ 1013 م)، وأبو يعلى الحنبلي (ت. 458 ه/ 1066)م وفخر الدين الرازي (606 ه/ 1209(ص م))63. ويبدو لمقدسي أن هناك تحولً في المؤسسة التعليمية حدث في القرن الحادي عشر، وهو متوافق مع العهد السلجوقي، فقد كانت المساجد،

في البداية، تقوم بدور تعليم العلوم الشرعية النقلية الأثرية، والنحو، ثم تطورت، إلى جانب المسجد، مؤسسات تعليمية فتحت أبوابها للعلوم "الدخيلة"، وكانت هذه بالأساس مكتبات (خزانة الكتب، وبيت الحكمة ودار العلم). وإلى جانب دور الثقافة هذه توجد بيوتٌ خاصة تجري فيها "المناقشات الفكرية، وتسمّى المجالس، وتضم علماء في كل الحقول ومن دون قيد"، فتطورت سلسلتان من المؤسسات، الأولى نقلية أثرية مثالها "أهل الحديث"، والثانية تعنى بالعقل والمنطق، ومثالها "المتكلمون". والحال أن انتعاش مؤلفات الكلام المعتزلي والأشعري حصل قبل نشوء المدرسة واستمر بعدها. غير أن مؤسسات التعليم المعتزلية اختفت في القرن الحادي عشر ميلادي، واستمرت العلوم المسماة "دخيلة" في النمو في البيوت الخصوصية، وعن هذا الطريق وصلت الفلسفة إلى أوروبا القروسطية، خصوصًا بواسطة الأطباء (ص 65–64). وكان التنافس يدور على النفوذ والمكانة التي يمكن أن يتمتع به المؤسس على الذي يعيّنهم ويرتب لهم التدريس، والعزلة في مؤسسته. لذا كان نظام الملك يتمتع بأوسع نفوذ. ميز مقدسي بين الحالة التي وصلت إليها مؤسسة التعليم الإسلامية من حيث التنظيم، ودور "الإجازات" التي تمنحها الدارسين لديها، وبين الجامعة الأوروبية القروسطية، فالإجازة تختلف في مكانتها ودورها ووظيفتها عن "دبلوم التدريس" في الجامعة الأوروبية القروسطية، فهذه الأخيرة عندما تَمنح الدبلوم فإنها تمنح إجازةً تعليمية (ليسانس)، وتمنح رتبة ووظيفة، بينما الإجازة في زمن نظام الملك، تَمنح رخصةً في تدريس كتاب معين، ثم تطورت لتصبح إجازة في تدريس الفقه، وإصدار الفتوى. لكنها لم تكن تُعطى من المؤسسة التعليمية حال كونها مؤسسة، بل "كانت دائمًا تُعطى من طرف أستاذ/ مدرس وليس من طرف كلية". ولهذا يستنتج مقدسي أن الجامعة الأوروبية القروسطية لم تكن امتدادًا لمؤسسة التعليم الإسلامية، بل وصلت علوم المكتبة الإسلامية إلى الجامعة الأوروبية "بواسطة الكتاب، الذي كان يحميه الوقف وتنقله الإجازة" (ص 66 ويعتقد مقدسي أن تاريخ المؤسسات). التعليمية الإسلامية قد بلغ خط الذروة في القرن الحادي عشر الميلادي ثم شرع في الهبوط، ففي "هذا القرن بالذات اقتدرت السلفية الأثرية أن تهزم أندادها في حقول المؤسسات، والتي على رأسها مؤسسات التعليم [...] وفي ذلك القرن نلحظ تخريب آخر ‘دار علم’ في بغداد في العام 451 ه، وفي القرن الذي يليه أقيمت ‘دار الحديث’ ومن بعدها ‘دار القرآن’، فكانت هاتان الداران تعبيرًا عن غلبة أهل الحديث لأهل صناعة الكلام، ونزلتا منزَل دار الحكمة ودار العلم والمكتبات المستقلة، التي تم ضمها من لدُن داري الحديث والقرآن. وواصل كل من صُناع علم الكلام المُنظر له عقليًا وأهل الحديث نزاعهما داخل كل مذهب فقهي" (ص).68 وقد تضافرت العديد من العوامل، في القرن الحادي عشر، لتجعل للحنبلية تأثيرها على مجرى التحولات العقيدية، ف "على مستوى كونها مذهبًا فقهيًا حظيت الحنبلية باهتمام ضئيل نسبيًا، ولكن إذا نظرنا إلى نفوذها في مجال العقدي والكلامي لوجب أن نعطيها موقعًا مميزًا وسط الحركة الأثرية النقلية (السلفية) الواسعة " (ص 69 وكل). ذلك بفضل مقاومة ابن حنبل الكلام في عصره، حتى أضحى بطل الحركة السلفية النقلية الأثرية ورمز انتصارها على خصمها.

الهوامش

  1. Henri Laoust, Le Hanbalisme sous le califat de Bagdad (Paris: Librairie orientaliste P. Geuthner, 1959).
  2. هنري لاووست، نظريات شيخ الإسلام ابن تيمية في السياسة والاجتماع، ترجمة محمد عبد العظيم علي (القاهرة: دار الأنصار،.)1979