مراجعة كتاب: السلف المتخيَّل: مقاربة تاريخية تحليليّة في سلف المحنة أحمد بن حنبل وأحمد بن حنبل المتخيَّل لرائد السمهوري
Book review Imagined Ancestors: An Analytical Historical Approach to the Idea of the Ancestors in the Context of the Mihna, Ahmed bin Hanbal and the Imagined Ahmed bin Hanbal by Raed Al–Samhouri
الملخّص
عنوان الكتاب: السلف المتخيَّل: مقاربة تاريخية تحليليّة في سلف المحنة، أحمد بن حنبل وأحمد بن حنبل المتخيَّل. المؤلف: رائد السمهوري. الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. سنة النشر: 2019. عدد الصفحات: 450 صفحة.
Abstract
Book Title: Imagined Ancestors : An Analytical Historical Approach to the Idea of the Ancestors in the Context of the Mihna, --Ahmed bin Hanbal and the Imagined Ahmed bin Hanbal Author: Raed Al-Samhouri. Reviewed by: Muhammad Salah. Publisher: Arab Center for Research and Policy Studies Location and Date of Publication: Beirut, Doha , 2019 . Pages: 450
- السلف المتخيَّل
- سلف المحنة
- أحمد بن حنبل
- أحمد بن حنبل المتخيَّل
- رائد السمهوري
- Imagined Ancestors
- the Ancestors in the Context of the Mihna
- Ahmed bin Hanbal
- the Imagined Ahmed bin Hanbal
عنوان الكتاب: أحمد بن حنبل وأحمد بن حنبل المتخيَّل. المؤلف: رائد السمهوري. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات: 450 صفحة.
السلف المتخيَّل: مقاربة تاريخية تحليليّة في سلف المحنة،
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
مقدمة
يؤدي التاريخ دورًا خطيرًا في صناعة الشخصيات وإعادة تمثلها مرارًا، حتى تغدو الشخصية، أحيانًا، مع مرور الوقت، شخصية أخرى، ربما لا تكاد تربطها بالواقع صلة، أو على الأقل لا يبقى من حقيقتها إلا القليل، وليس أدلّ على ذلك من تعدد المذاهب والتيارات التي تنتسب إلى شخصية تاريخية بعينها، غير أنّها تختلف فيما بينها، وكل منها يدّعي أنّه الممثل الحقيقي، والتابع القويم، ويسري هذا على كثير من الشخصيات التاريخية المؤثرة، من الأنبياء إلى الفلاسفة والأئمة والقادة. وفي السياق الإسلامي لم تغب هذه الظاهرة؛ أعني ظاهرة إعادة الإنتاج، وإعادة التمثل، وكان من أهم هذه الشخصيات الإمام أحمد بن حنبل الشيباني.(ت 241 ه/.)855 م يُعَدُّ أحمد بن حنبل من أبرز الشخصيات في التاريخ الإسلامي، وأعمقها أثرًا؛ ليس لأنه أحد أئمة المذاهب الأربعة المشهورة المعتمدة، وأنّه قد علا ذكره في الآفاق بعد محنة خلق القرآن – المعروفة – أي ليس فقط لمكانته التاريخية فحسب، بل أيضًا لحضوره في واقعنا، عبر المنتسبين إليه من حركات مثل الوهابية وبعض التيارات السلفية الجهادية، ولا يخفى أثرهم الراهن. أتنتمي هذه التيارات المعاصرة فعلً إلى أحمد بن حنبل التاريخي، أم أنّها تعيد إنتاج هذه الشخصية كما تعيد إنتاجها وتخيّلها، بصورة تنأى قليلً أو كثيرًا عن شخصية ابن حنبل التاريخية، عبر إعادة صياغته التي أخذت مجراها عبر عملية طويلة، وتنتمي إليه على أنّه ابن حنبل الحقيقي؟ يجيب عن هذا السؤال وغيره من الأسئلة، من خلال دراسة وافية مهمة، الباحث رائد السمهوري في كتابه السلف المتخيل: مقاربة تاريخية تحليلية في سلف المحنة، أحمد بن حنبل وأحمد بن حنبل المتخيل، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (2019)، حيث يتتبع بالنقد والتحليل مراحل سيرة أحمد بن حنبل في سياقه التاريخي، ويبحث في الكيفية التي أصبح من خلالها «إمام السنة» و«بطل المحنة»، وكيفية غُدوّه على الصورة التي هو عليها الآن في المُتخي.َّل السلفي الإسلامي وكما يرى المؤلف، «ليس المتخيّل بالضرورة كذبًا ودجلً، متعمدًا أو غير متعمد، بقدر ما يعني إعادة الإنتاج، وإعادة التمثّل والإسقاط والانتقاء، فالمنتسب إلى جماعة لم يتصل بها اتصالً مباشرًا، ولا سيما إذا كانت هذه الجماعة مغرقة في القدم، هو في الحقيقة منتسب إلى جماعة متخيلة، أو صورة ذهنية، يعيد تمثلها وإنتاجها عصرًا فعصرًا، على حسب الحاجة والتوظيف، بقصد أو من دون قصد» (ص. 13) هكذا، إذًا، يكون قدَر الجماعات أو الشخصيّات التي ينتمي إليها أتباع كُثر، خاصة إن كانت قديمة؛ أن يعمل فيها التاريخ عملَه، ويعاد إنتاجها وتمثلها، حتى يختلط الواقع بالخيال، والحقيقة بالأسطورة، وتتسع الفجوة بين التاريخي والمتخيّل.
أهمية الكتاب
تتضح أهمية الكتاب الذي بين أيدينا من خلال أمور، منها:
• قلة الدراسات التي ركزت على الجانب المتخيل من شخصية الإمام أحمد بن حنبل. فعلى الرغم من الاهتمام الاستشراقي به، خاصةً من بعد هنري لاوست Laoust Henri –1905(1983)، وتلميذه جورج مقدسي –1920()2002، وعلى الرغم من الإشارات المقتضبة إلى بعض المتخيّل، مثلما أشار نيمرود هورويتز Hurwitz Nimrod إلى أنّه قد «ظهرت بين القرنين الرابع والتاسع للهجرة تراجم وسير ابن حنبل في العديد من كتب التراجم والمعاجم [...] وقد قام مؤلفو هذه المجموعات بتشكيل وإعادة تشكيل سيرته طبقًا لحاجاتهم الجدلية. وقد مضوا في بعض الأحيان، شوطًا بعيدًا، وصل إلى حد أنهم عمدوا إلى حشر عناصر أسطورية»، فإنه يعود فيقول: إنّ «هذه الدراسة تفترض أنّ هناك سلسلة من نقلة المعرفة أو المحدثين قد بدأت بابن حنبل واستمرت على التوالي، وبلا انقطاع، عبر القرون التالية. وعلى الرغم من أنّ الأجيال اللاحقة من الحنابلة قد أحدثت الكثير من التغييرات والمراجعات وإعادة تشكيل الآراء ضمن المذهب وطروحاته، فإن الأسس والقواعد قد تكونت في أثناء حياة ابن حنبل أولً». وعلى هذا النحو، كان موقف عدة دارسين عرب بدراسته، ولكنْ لا يكاد يركز أحدهم على التفريق بين أحمد بن حنبل تاريخي وآخر متخيل، اللهم إلا بصورة عابرة، باستثناء جورج طرابيشي الذي تطرق إلى صناعة أحمد بن حنبل «أسطوري» في فصل من كتابه من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث: النشأة المستأنفة، كما تطرق فهمي جدعان إلى الدور السياسي لمحنة خلق القرآن الذي يُعد أحمد بن حنبل بطلها بلا منازع، في كتابه المحنة: بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام. ومع هذا، كما أسلفتُ، لم يفرد أيّ باحث – فيما نعلم – دراسة وافية، تُعنَى بتفكيك شخصية أحمد بن حنبل المتخيلة وكيف تمّت صناعتها وإعادة تمثلها مثل الدراسة التي بين أيدينا. أهمية الشخصية نفسها وما • آلت إليه من مكانة عظيمة حتى في خلال حياتها، لا سيما بعد المحنة؛ ما جعل علي بن المديني يقول: «إن الله أعز هذا الدين برجلين ليس لهما ثالث، أبو بكر الصديق يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة»، فترى كيف أصبح ابن حنبل في مخيلة أحد معاصريه مساويًا في أهميته لأول الخلفاء الراشدين، وأكبر الصحابة، فماذا عمّن هم من بعده؟ من أهم ما • يجعل هذه الدراسة راهنة وملحّة حضور أحمد بن حنبل في عالمنا، من خلال التيارات التي تزعم نسبتها إليه؛ لا مذهبيًا وفقهيًا فحسب، بل حركيًا أيضًا، مثل التيارات السلفية الجهادية التي تنتسب إلى الإمام من
خلال ابن تيمية خاصةً، والتي يفك ك الكتاب علاقاتها المتخي لة بسلفها، ويحاول أن يوضح أن هذا السلف ما هو إلا سلف «متخي ل»، ليس إلا صورة ذهنية «مُنمذَجة»، تحملها تلك التيارات.
منهج الكتاب ومعاييره
توسّل المؤلفُ المنهجَ التاريخي في دراسته، واهتم بربط الأفكار بالتاريخ، مؤكدًا أنّ البحث التاريخي لا قطع فيه في الغالب، وأنّ سبيل البحث فيه «المقاربة» و«الترجيح وغالب الظن» (ص. 14) وقد اعتمد الباحث، فيما يخص الأخبار التاريخية والنصوص والوثائق، على أقدم المصادر المتعلقة بالموضوع، وأقربها إلى الحدَث، وحاول الجمع بين روايات من أسماهم «الإخوة الأعداء» الذين اشترط أن يكونوا «شهود عيان» للمحنة وما جرى فيها، مثل كتاب ذكر محنة أحمد بن حنبل لحنبل بن إسحاق، وكتاب سيرة الإمام أحمد بن حنبللصالح بن أحمد بن حنبل، التي سجّل فيها سيرة والده، وتناول تفاصيل المحنة، ورسائل الجاحظ، وتاريخ الطبري، إضافة إلى بعض المصادر المتأخرة التي رجع إليها، على حذرٍ، وذلك لتأخّرها عن الحدَث، مما يوجب التأنّي في قبولها، مثل كتاب تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، ومناقب الإمام أحمد لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي، وطبقات الحنابلة، لابن أبي يعلى الفراء، وسير أعلام النبلاء، وتاريخ الإسلامللذهبي، وغير ذلك (ص).16–15 أما المعايير التي على أساسها فرق المؤلف بين أحمد بن حنبل التاريخي وأحمد بن حنبل المتخياَّل، فمن أهمّها م يعبّر عنه بقوله: «جعلت لي معيارين؛ الأول: الكتب التي رواها أصحابه المباشرون [...] من حيث آراؤه وأحكامه على الرجال والطوائف، والثاني: المتفق عليه من أخلاقه وسيرته وصفاته. وبهذين المعيارين أقبل ما يرد في المصادر المتأخرة أو أشك [...] فما كان ينتمي إلى طريقة أحمد في فتاواه وآرائه في التوقف والورع الشديد والتحرز وعدم القطع وعفة اللسان قبلته، على وفق ما هو سائد في الكتب التي رواها عنه تلاميذه المباشرون، وما لم يكن كذلك رفضته وعددته من المتخيّل» (ص. 17)
محتويات الكتاب
قسّم المؤلف كتابه إلى مقدمة وتمهيد، وبابَين وخاتمة، واحتوى الباب الأول على فصلين، والباب الثاني على ثلاثة فصول. في المقدمة، استعرض المؤلف بعض أهم الأعمال الأجنبية والعربية التي تناولت أحمد بن حنبل بشيء من النقد والتحليل، ووضّح أنّها إما لم تلق بالً إلى أحمد بن حنبل المتخيل، وإما أنها ساهمت في صناعة ما هو متخيل وتكريسه. وفي التمهيد استقرَى المؤلف معنى كلمة «السلف»، بدءًا من المدونات المتقدمة، وتتبع تطور دلالاتها حتى زمن أحمد بن حنبل، وكان من اللافت للانتباه أنه لم يجدها، أول ما وجدها، عند أحد من المنتسبين إلى أهل الحديث، بل عند أديب من أهل المنطق والفلسفة؛ هو ابن المقفع (142 ه/ 759 م) في رسالة الصحابة. كذلك، يرى المؤلف أنه استعملها فقيه، هو القاسم بن سلام (224 ه/ 838 م)، ومتكلم، هو الجاحظ (255 ه/ 868 م)، وصوفي، هو الحارث المحاسبي (243 ه/ 856 م)، وأنّ هذه الاستعمالات كانت أكثر من استعمالها في مدونات أحمد بن حنبل ذاته.
يبدأ الفصل الأول بشرح الأحداث التاريخية التي اجتمع في ظلالها التشيع، ثم التجهم والرأي، وكيف أنّ تلك الآراء هيمنت في خراسان منبع الدولة العباسية، وكيف أنّ التشيع كان إطارًا سياسيًّا، قبل أن يتطور إلى عقائد منفصلة، إضافةً إلى السياق الذي صاحب صعود أهل الحديث، ومدى تأثير سلطتهم الرمزية، وكيفية تعاظم شأنهم، وانتشارهم في بغداد، حتى أصبحت هناك طائفة حديثية بغدادية لها مزاجها الخاص، وأقوالها المحددة. ثم تطرّق في الفصل الثاني إلى ما أسماه «لحظة الانفجار» عبر المحنة، وبداية نشوء «سلف المحنة»، إلى أن وصل إلى تأسيس عقائد المحنة وسلفها في الفصل الثالث من الكتاب، ثم يأتي الفصل الرابع ليطرح بعض أهم التساؤلات منها: هل ترك أحمد بن حنبل متنًا عقَديًّا؟ لقد ذكر المؤلف خطوطًا عريضة لمنهجه وموقف ابن حنبل من المخالفين، مقارنًا بين ما في كتب المسائل القديمة وما كان بعد ذلك مما أضيف إليه، حتى يصل إلى أنّ هناك «أحمدين»؛ أحمد بن حنبل الموجود في المدونات القديمة، وأحمد بن حنبل المتخيل الموجود في بعض المدونات المتأخرة التي تشكلت في ظل ظروف وأزمنة وسياقات خاصة بها، ومن ثمّ أصبحت من المدونات التي صارت معتمدة عند السلفية المعاصرة. ويأتي الفصل ل الخامس والأخير من الكتاب ليؤكد تعدُّدَ المتخي داخل المدونة الحنبلية نفسها، وقد بيّن المؤلف أنّ هناك اتجاهات حنبلية مختلفة ومتعددة، كل منها يزعم انتسابه إلى ابن حنبل، ويتهم غيره بالتخيل والوهم، أو الانحراف، ثم تأتي الخاتمة بعنوان «خلاصات وتعليقات»، ليلخص فيها المؤلف أهم ما توصل إليه في كتابه، ويعيد تأكيد – فضلً دور التاريخ الفعال في تشكيل الأفكار عن كيفية تكوّن المتخيّل – الذي يتصوره أصحابُه معطى ناجزًا ونهائيًا، ولكنه بعد التدقيق لا يخلو من وهم وتخيل.
أهم المحطات في الكتاب: نظرة موجزة
1. مفهوم السلف ونظرية خير القرون
استقرَى المؤلف دلالة مفهوم «السلف » لغويًا واصطلاحيًا وعرج، أولً، على مذاهب الأصوليين في حجية «قول الصحابي»، ثم تتبع المفهوم في المدونات الحديثية والفقهية إلى أوائل القرن الثالث الهجري، ثم إلى عصر أحمد بن حنبل. وبعد تحليل ونقد، توصل المؤلف إلى استنتاجات استخلصها من المدونات حتى نهاية القرن الثاني وأوائل القرن الثالث الهجريين، منها ما يلي (ص:)66 • كلمة «السلف» ترددت بين المعنى اللغوي المجرد، أي ما يدل على ما سبق ومضى، وبين الدلالة على جيل الصحابة تحديدًا، ولم تصل بعد إلى أن تكون ذات معنى اصطلاحي عقائدي بمقولات محددة. هذه الكلمة لا • تحضر إلا لمامًا في ثنايا الكتب، تجدها المرة البعيدة بعد المرة البعيدة، وفي درَج الكلام، ولا تحضر مقصودة لذاتها، ولا على سبيل الحجاج، وإن حضرت للحجاج فلا تحضر إلا على استحياء. • لا وجود، في تلك المدونات، ل «حزمة» عقائد، وآراء فقهية، و«وصفات» معلبة وجاهزة وناجزة، معدودة في متون مختصرة، تسمّى «منهج السلف» أو «مذهب السلف».
• لا تعريف اصطلاحيًا، لا مباشرًا واضحًا، ولا غير مباشر على سبيل غلبة الظن، يحدد المقصود بكلمة «السلف» في تلك العصور، وإنما كانت تجري على المعنى اللغوي في الغالب. • كان يقصد بتلك الكلمة غالبًا الصحابة من دون التابعين وتابعيهم؛ أي إنها لم تتسع لغير الصحابة. بالنسبة إلى المدونات الحديثية والفقهية إلى عصر ابن حنبل، تتبع المؤلف مفهوم السلف، ووجد تطورًا دلاليًا «طفيفًا» في المفهوم، يشمل الصحابة والتابعين وربما تابعيهم، ثم استنتج ما يأتي (ص:)75–74 • واضح أن هذا العصر عصر بداية «توسيع» دلالة السلف ليشمل الصحابة، غالبًا، وتابعيهم، ويتوسع ليشمل تابعي التابعين، ومن بعدهم أحيانًا. • واضح أنّ الذين ردّدوا كلمة «السلف» ليسوا فقط من المحدثين الذين لم يعرفوا إلا بعلم الحديث، بل هم إما فقهاء ولغويون كأبي عبيد القاسم بن سلام، وإما صوفية كالحارث المحاسبي، وإما متكلمون كالجاحظ. • ظهر أنّ مصطلح «السلف» بدأ يتخذ بداية نضجه، واستعماله على جهة التعميم في الاحتجاج في بوادر أولى، ليست على طريقة الأصوليين، لكن على طريقة تتجه إلى التعميم غير الدقيق، على غرار ما عند البخاري، ليتكامل لاحقًا بعد عصر أحمد بن حنبل. وتطرّق المؤلف إلى نظرية «خير القرون» التي تؤسسها عدة روايات حديثية. وبعد استعراضها، بيّن أنّ مناط الخيرية إنما هو الأخلاقي، حيث «ذكرت الخيرية في القرآن الكريم غير مربوطة بعصر ولا ةٍ زمان بل بعمل أخلاقي ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أ مُ أخْرِجَتْ لِلنمرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ اسِ تَأْ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِنَّ﴾ (آل عمرا:.)110 فالمعروف والمنكر يلخصهما حديث نبوي: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئًا فهو عند الله سيئ». ويذهب المؤلف إلى أن «هذا راجع إلى ما يعرف جميع الناس حسنه، وجميع الناس قبحه، أي إنه راجع إلى الإجماع الذي هو إجماع الأمة، أي بحسب تعبير الشافعي ‘خبر العامة’» (ص. 77) ثم خلص المؤلف إلى أنّ أصحاب المدونات الحديثية الرئيسة إنما أوردوا حديث «خير القرون» في سياق «بيان أفضلية الصحابة، وللاستدلال به في خيرية الجيل الأول، وأحيانًا من يليهم، أخلاقيًا (الصدق والأمانة والشهادة بالحق والوفاء، وغير ذلك). ولم يوردوه البتة في قضايا الاحتجاج العلمي، ولا في قضايا الاستدلال المعرفي على مسائل الاجتهاد [...] على أن من تتبع تاريخ الإسلام يجد أن أهل القرون المفضلة أنفسهم، لم يشهد بعضهم لبعض بالخيرية على هذا الإطلاق المذكور في الحديث» (ص. 79) هكذا، إذًا، لم يكن مفهوم «السلف» مفهومًا ناجزًا نهائيًا، بل تطور كمفهوم تاريخي، ومر بمراحل في المدونات المختلفة، وكذلك مفهوم «خير القرون» الذي ربما استعمله معاصرون
في حجاج عقدي أو في مسائل اجتهادية بحتة؛ فقد كان مناطه أخلاقيًا، بل لم تخلُ هذه القرون من خلافات، كانت سببًا في ألّ يشهد أصحابها بعضهم لبعض بالخيرية المطلقة، وما أحداث الفتنة بين الصحابة أنفسهم إلا دلائل على هذا.
2. صناعة المتخيَّل
تعددت مظاهر «أسطرة» الإمام أحمد بن حنبل، ويمكن تلخيص هذه المظاهر في لحظة المحنة، ومصادر أحمد المتخييَّل، وتعدد المتخ ل داخل المذهب نفسه.
أ. لحظة المحنة
لا شك في أن المحنة تُعَدُّ حدثًا فارقًا في حياة أحمد بن حنبل، حتى قيل إنه لما امتُحِن ارتفع ذكره في الآفاق. إلا أنها ساهمت، أيضًا، في صناعة أحمد بن حنبل المتخيل، إما من خلال المبالغة فيما تعرض له من عذاب، وإما من خلال سرد بعض الخوارق والكرامات وانتشارها في الكتب التي تؤرخ للمحنة، فضلً عن جانب المحنة السياسي الذي يؤكده المؤلف مرارًا؛ إذ إنها كانت محنة سياسية، في رأيه، لبست لبوسًا دينيًا، أريد بها إقرار سلطة الخلافة في مواجهة السلطة الرمزية لطائفة معينة من أهل الحديث. ويقترب السمهوري من فكرة فهمي جدعان في أن «هذا الحدث لم يكن إلا وجهًا لجدلية متجذرة في طبيعة الحياة الاجتماعية في الإسلام، هي جدلية الديني والسياسي»، إلا أنه لا يدّعِي أنها «دولة دينية» كما قال جدعان الذي قرر «أن هذه الدولة كانت دولة دينية في طبيعتها وماهيتها»، ولكنه يقرّ أنه لم يكن من المتصور في تلك الأزمة قيام دولة بلا دعوة عقائدية تبشر بها. وقد فتحت المحنة أبوابًا لابن حنبل المتخي ل، الذي تم «تطويبه». وبما أن المحنة هي التي كرست ابن حنبل شبيهًا بأبي بكر الصدّيق، ف «قد كان من الطبيعي أن يؤتى أولى معجزاته أثناء محنته. هكذا يروي أبو نعيم الأصفهاني على لسان علي بن محمد القرشي: لما قُدِّم أحمد بن حنبل ليُضرب بالسياط أيام المحنة وجُرد وبقي في سراويله، فبينما هو يضرب إذ انحل السراويل، فجعل يحرك شفتيه بشيء. فرأيت يدين خرجتا من تحته وهو يُضرب فشدتا السراويل. قال: فلما فرغوا من الضرب قلت له: ما كنت تقول حين انحل السراويل؟ قال: قلت: يا من لا يعلم العرش منه أين هو إلا هو، إن كنت أنا على الحق فلا تُبْدِ عورتي. فهذا الذي قلت». وقد وردت عدة روايات مشابهة امتلأت بها الكتب التي تؤرخ للمحنة. ولا تقتصر صناعة المتخيل على الكرامات والخوارق التي نُسِبت إلى الإمام، بل تعدت ذلك إلى تضخيم عدد الجَلدات التي ضُرِبَها، فكم سوطًا ضُرب أحمد بن حنبل؟ يؤكد المسعودي في مروج الذهبأنه «ضُرب ثمانية وثلاثين سوطًا، وينقل ابن الجوزي عن إبراهيم بن محمد بن عرفة في تاريخه أنه ضُرب ستة وثلاثين سوطًا. أمّا الجاحظ، فيقول إن أحمد قد ضُرب ثلاثين سوطًا مع تحديد أنها كانت مقطوعة الثمار، أي لينة لا تؤذي. بل إن هناك رواية ساقها حنبل بن إسحاق في السيرة
التي كتبها تقول إن المعتصم قال لابن أبي دؤاد بعدما ضرب أبو عبد الله: كم ضُرب؟ قال: أربعة أو نيفًا وثلاثين سوطًا. وهي الرواية التي يستعيدها الصفدي بحرفها تقريبًا في الوافي بالوفيات. ورغم شِبْهِ الإجماع هذا على رقم الثلاثين ونيف، ف «إن أجهزة الدعاية الحنبلية والحديثية لم تحجم عن تضخيم هذا العدد إلى عشرة أضعافه، وعن رفع عدد من ضربوا الإمام إلى مئة وخمسين جلادًا. هكذا روى ابن عساكر على لسان أبي بكر الشهرزوري أنه قال: رأيت أبا ذر بشهرزور وقد قدم مع واليها [...] وكان ممن ضَرب أحمد بن حنبل، قال: دعينا في تلك الليلة ونحن خمسون ومائة جلاد، فلما قمنا بضربه كنا نغدو حتى نضربه ونمرّ، ثم يجيء الآخر على إثره ثم يضرب. وعلاوة على هذا الغلو في كم الضرب والضاربين، كان لا بد أيضًا من التهويل في شدته. وهكذا روي على لسان خبير في الضرب والعلاجات جيء به ليعالج أحمد بن حنبل بعد ضربه أنه قال: والله قد رأيت من ضُرب ألف سوط، ما رأيت ضربًا أشد من هذا. كما قيل على لسان أحد جلاديه بعد أن تاب، وهو المسمى بشاباص التائب، إنه قال: لقد ضربت أحمد بن حنبل ثمانين سوطًا، لو كانت في فيل لهدّته. كما قيل على لسانه أيضًا: والله لقد ضربته، لو أبرك لي بعير فضربته ذلك الضرب لنقبتُ عن جوفه» (ص. 246)
ب. تشكل المذهب ومصادر صنع ابن حنبل المتخيل
يرى المؤلف أنه لم يكن لأحمد بن حنبل إلا مشروع واحد أوحد «هو الحديث النبوي، رواية ودراية فقط لا غير، من دون وضع «مانفيستو» عقائدي، بأي اسم من الأسماء، وهو ما شاع بعد أحمد، ليتحول الإيمان إلى حزمة عقائد ومقالات محددة ومعينة، من خالف جزئية منها خرج عن السنة والجماعة وسبيل أهل الحق. كان أحمد محدثًا ومفتيًا فقط. لم يكن يطرق على الناس أبوابهم، ولا يرسل الدعاة لاستقطابهم. وليس له من كتاب فقهي ولا عقائدي، ولا غير ذلك، يمكن توكيد نسبته إليه إلا المسند، وهو كتاب حديثي محض، أشبه بالمسودة التي لم يكتمل تبييضها» (ص. 246) وبالرغم من ذلك، تعددت الكتب التي نُسِبت إليه، وقد فنرَّدها المؤلف، وعدّها من مصاد أحمد بن حنبل المتخيل. لقد بدأت مسيرة صناعة أحمد بن حنبل المتخيل في حياته، كما يقول المؤلف؛ إذ لم يسلم من كثرة التقول عليه، أي إن انطلاقة بناء أحمد بن حنبل المتخيل كانت معاصرة له، وكان ربما يُنقل إليه القول منسوبًا إليه، فينكره مغضبًا، وقد بلغَنا نحن بعض هذه الإنكارات، ووصل إلينا غضب أحمد من بعض ما نسب إليه من أقوال، ووصفه بالكذب، فما القول في ما لم يبلغنا؟ (ص. 302) بل كان يأتيه من يقول له إن الناس في الكرخ يحكون عنك كذا وكذا، فيغضب ويقول: ما أكثر الكذب عليّ (ص. 304). وهكذا كان الأمر في حياة الإمام، فما القول بعده؟ يرى المؤلف أن هناك نصوصًا مؤسِّسة لأحمد بن حنبل المتخيل، وهو الذي كان يقول: «لا يعجبني شيء من وضع الكتب، ومن وضع شيئًا من الكتب فهو مبتدع» (ص. 301) تناول المؤلف، بالتحليل والنقد، المصادر التي عدّها مؤسسة لابن حنبل المتخيل، وهي:
• كتاب السنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل: يقرر المؤلف أن أحمد بن حنبل كان ينأى عن السلطة، ولا يحب الاتصال بالسلطان، بل كان يرد روايات من يفعل ذلك؛ ولهذا، يرى المؤلف، بناءً على مقاييس أحمد بن حنبل نفسه، أنه ينبغي أنه تُرَدّ روايات ابنه عبد الله الذي لبس السواد، وانتمى إلى السلطة (ص. 309)
وبيّن المؤلف عدة ملاحظات على كتاب السنة، منها أن راوي الكتاب عن عبد الله بن أحمد بن حنبل شخصية هي في أقل أحوالها «مستورة الحال»، بحسب اصطلاح المحدّثين، مما في سلامة الكتاب، وأنّ هناك بابًا بأكمله عن ا له مما لا يوجد في أبي حنيفة ينضح تكفيرًا عيني كتب المسائل التي رواها تلاميذ أحمد المباشرون، وأن عبد الله لم يتوانَ في أن ينقل عن «كذّابين» في مواجهة خصومه، وأن في الكتاب تخصيصَ قسمٍ للحديث عن المرجئة والقدرية والرافضة والخوارج مما لم يكن في زمن أحمد بن حنبل الذي كانت معظم أحكامه في الجهمية وأهل الرأي، ويجعل عبد الله الإيمان بالدجال من أصول الدين، ويخصص لذلك بابًا كاملً، مع أن أحمد بن حنبل قال إنه لا يصح في الملاحم شيء، وغير ذلك؛ ما جعل المؤلف يُدرِج هذا الكتاب – أي كتاب السنة لعبد الله بن أحمد – في عداد كتب تأسيس أحمد بن حنبل المتخيل (ص. 316)–312
• مسائل الكرماني، ورسالة الإصطخري، وكتاب السنة للخلّل: عدّ المؤلف هذه الكتب الثلاثة، من مصادر أحمد بن حنبل المتخيل، وتناولها بالتحليل والنقد، وذهب إلى أن حرب بن إسماعيل الكرماني «أغْربَ» على أصحابه، أي إنه كان يأتي بالغريب الذي لا يعرفه أصحاب الإمام أحمد، وأنه قد كتب عقيدة أشبه بالمتن، أو «المانفيستو» الهوياتي الذي يميز أهل السنة من غيرهم، جعلها في آخر جامع المسائل التي نقلها عن أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وهي مطعون فيها عند بعض أهل الحديث، وعلى الرغم من ذلك كانت مصدرًا لأحمد بن حنبل المتخيل.)324–317(وكذلك الأمر بالنسبة إلى رسالة أحمد بن جعفر بن يعقوب الإصطخري المنسوبة إلى أحمد بن حنبل؛ إذ يذهب المؤلف إلى أنها هي عينها يشكك رسالة الكرماني، من دون فروق مهمة تُذكر، وإلى أنّ النقد نفسه الذي ينطبق على رسالة الكرماني ينطبق عليها. ويشير المؤلف إلى أنه على الرغم من تشكيك شمس الدين الذهبي فيها، وما فيها من خرافات، فإن السلفيين المعاصرين ينسبونها هي ورسالة الكرماني إلى أحمد بن حنبل؛ إصرارًا على إعادة إنتاج المتخيل.)352–324(ويرى المؤلف، أيضًا، أن كتاب السنة، لأبي بكر الخلّل من مصادر أحمد بن حنبل المتخيل، ويذهب إلى أنّ من يقرأ كتاب السنة للخلّل، فإنه يجد روايات كثيرة مشوبة بالرواية عن «مجهولين» و«ضعفاء»، بل عن «متروكين» و«متهمين بالكذب والوضع»، ثمّ إنّ الخلّل لم يكتفِ بهذا؛ إذ أدخل الرؤى والمنامات في إثبات العقائد (ص. 327) وهكذا فإن كتاب السنة للخلّل «كان منتجًا لصورة ليست هي صورة أحمد التاريخي، وفيه نرى كثيرًا من النصوص التي تشتد قساوة واضطرابًا، لم تدوىَّن في مسائل الطبقة الأول من تلاميذه» (ص. 334)
3. تعدد المتخيل
لم يقتصر المتخيل على ما ذُكر، بل تعداه إلى ما أسماه المؤلف «حنبلة» ابن حنبل نفسه؛ فقد بين المؤلف أن أحمد بن حنبل «لم يترك متنًا عقائديًا، أي إنه لم يصغ عقيدة مرتبة ترتيبًا، بل لم يصغ حتى مذهبًا فقهيًا على نحو ما كان يفعل الفقهاء الذين ألفوا كتبًا كالشافعي وأبي ثور وغيرهما. بل كان منهجه أصلً على الضد من هذا، ولم يكن يرى إلا تدوين الحديث فقط، لكن الحنابلة كتبوا بعده المتون، فكتب الكرماني، وكتب الإصطخري، وكتب عبد الله بن أحمد كتابه في الرد على الجهمية المشهور باسم السنة، في مخالفة صريحة لمنهج الإمام، ليؤول الأمر إلى أن يرتبط لفظ ‘السنّة’ بطائفة محددة هي الطائفة البغدادية من أهل الحديث لها عقائد محددة، وليضحي الانتماء إلى هذه المعتقدات انتماءً إلى أهل السنة بهذا المعنى الأخص المحدد، وصار إذا أطلق لفظ أهل الحديث لم يقع، على جهة الارتباط الشرطي، إلا على أقوالها وعقائدها تحديدًا، لا على أهل الحديث بما هم أهل الحديث، وقد كانوا متعددي المذاهب [...] وما نشأت هذه الطائفة البغدادية إلا في ظروف سياسية اجتماعية صعبة، استمرت بل تفاقمت حتى بعد المتوكل، وأيضًا كان للنزاع العجمي العربي بحمولاته دور فيها» (ص. 338)–337 لقد بيّن المؤلف دور الأحداث التاريخية والاضطرابات السياسية، والصراع بين العجم والعرب، وصعود الرافضة سياسيًا؛ ما زاد في الحساسية تجاه كل ما له علاقة بالتجهم والرفض أو الاعتزال. ثم قسّم مرحلة تعدد المتخيل إلى مرحلتين؛ الأولى: مرحلة المروذي وتلميذه البربهاري، والثانية: مرحلة تعدد اتجاهات الحنبلية. ووضح أنّه من الصعب الزعم «أن هناك اتجاهًا حنبليًا محافظًا وآخر غير محافظ. إلا إذا عنينَا بالمحافظة الابتعاد تمامًا عن مناهج المتكلمين، لا المحافظة على أقوال أحمد بن حنبل بدقة، وعلى منهجه بدقة؛ ذاك أنه حتى التيار الذي يمكن تسميته محافظًا من حيث الاقتصار على الآثار، وتجنب القياس ما أمكن، لم يلتزم منهج أحمد بن حنبل تمام الالتزام، لا من حيث القضايا موطن الاهتمام، ولا من حيث الاتصال بالسلطة مناوأة أو تعاونًا، ولا من حيث تدوين المذهب، ولا من حيث التحرك به سياسيًا واجتماعيًا» (ص. 365) وأوضح المؤلف العلاقة بين الحنبلية والتصوف، فحتى ما سمّاه «التيار المحافظ»، هو «على الرغم من تشدده، وميله إلى الأخذ بظواهر الكتاب والسنة، كان فيه جانب صوفي، متمثل في الغالب، بالزهد والورع، وله بعض المصطلحات الصوفية مما يتجاوز الزهد والورع» (ص. 367) بي ن المؤلف، أيضًا، العلاقة بين الحنبلية وعلم الكلام، وانقسام الحنابلة إلى تيارات، منها ما يذم التأويل، ومنها ما يتخذ موقفًا لاأدريًا، ومنها ما ينفتح – ولو نسبيًا – على التأويل نفسه. وهكذا تتنازع هذه التيارات على «أحمد بن حنبل (السلفي)، وترى أنها تتمثل منهج السلف الصالح داخل المذهب الحنبلي الذي كان يباهي بأنه هو المذهب الوحيد الملتزم بمنهج الحديث والأثر» (ص. 383)
خاتمة
يبدو أن التاريخ يأبى إلا أن يؤدي الدور الأكبر في تشكيل المذاهب والأفكار وإعادة تشكيلها؛ فهو
لا يؤثر في صناعة الأفكار التي ليست إلا ابنة زمانها فحسب، بل إنه – وهذا هو الأخطر – يعيد إنتاجها، عبر بعض الفاعلين، عصرًا بعد عصر، حتى يختلط التاريخي بالمتخيّل، وربما تبعد الشقة بينهما كثيرًا أو قليلً؛ ما يستلزم إعادة قراءة الأفكار في تاريخها. هكذا كان الأمر مع أحمد بن حنبل والمذهب الحنبلي؛ إذ أعيدت إعادة صناعة الإمام وإعادة إنتاجه وتمثله، كما يذهب المؤلف، وصار أتباعه لا يتبعون إلا «سلفًا متخيلً»، مهما ادعى المنتسبون إليه أنهم على المذهب القويم، وقل مثل ذلك في كل المذاهب والأفكار التي يتقاتل الناس بسببها.
المراجع
للأبحاث والنشر،.2014 دار القبلة للثقافة الإسلامية،.1997 الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2017 يخبرنا المؤلف أن «خبر العامة هو المظلة الوحيدة التي يمكن أن تجتمع تحتها طوائف المسلمين. أما تفصيلات العقائد والفقه التي تقوم عليها المذاهب والفرق ويقتات عليها الطائفيون اليوم، ويعاد تمثّلها وتخيلها عصرًا فعصرًا، فما هي إلا اجتهاد بشري، تاريخي، متأثر بسياقاته السياسية والاجتماعية، وهذا ما لا معظم يعيه أبناء الطوائف الإسلامية. فكل عقائدهم التفصيلية الموروثة لا يرونها إلا ناجزة، وتامة، ومستقرة منذ وجدت، وميتاتاريخية، وخالدة، وعابرة للزمان والمكان أبد الآبدين ودهر الداهرين» (ص. 386)
References
البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب. تاريخ مدينة السلام وأخبار قطانها العلماء من غير أهلها ووارديها. حققه وضبط نصه وعلق عليه بشار عواد معروف. بيروت: دار الغرب الإسلامي،.2001 جدعان، فهمي. المحنة: بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام. ط 3. بيروت: الشبكة العربية الزيلعي، جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف بن محمد. نصب الراية لأحاديث الهداية مع حاشيته بغية الألمعي في تخريج الزيلعي. تحقيق محمد عوّامة. بيروت: مؤسسة الريان للطباعة والنشر؛ جدة: طرابيشي، جورج. من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث: النشأة المستأنفة. ط 3. بيروت: دار الساقي، مقدسي، جورج. الإسلام الحنبلي. ترجمة سعود المولى. راجعه وقدم له رضوان السيد. بيروت: هورويتز، نيمرود. أحمد بن حنبل وتشكل المذهب الحنبلي: الورع في موقع السلطة. ترجمة غسان علم الدين. راجع النص على المصادر وقدّم له رضوان السيد. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،