Return to Article Details Ibn Taymiyya’s Use of Ibn Rushd to Refute the Incorporealism of Fakhr al-Din al-Razi

استدعاء ابن تيمية لابن رشد في نقده لنفي صفة الجسمية عند فخر الدين الرازي

Ibn Taymiyya’s Use of Ibn Rushd to Refute the Incorporealism of Fakhr al-Din al-Razi

جون هوفر *ترجمة يوسف مدراري **

Jon Hoover Youssef Madrari **

الملخّص

تعالج هذه الدراسة تلقّي فكر ابن رشد في المشرق الإسلامي، حيث حظي باحتفاء وتوظيف من قِبَل المتكلم الحنبلي تقي الدين بن تيمية الذي استدعى العدة الفلسفية لابن رشد، من أجل الرد على بعض الأفكار الكلامية الأشعرية لفخر الدين الرازي، خصوصًا نفي هذا الأخير لصفة الجسمية عن الذات الإلهية. اقتصرت هذه الدراسة على حضور ابن رشد عند ابن تيمية من خلال عملين مهمين هما بيان تلبيس الجهمية، ودرء تعارض العقل والنقل. كما أنها سلطت الضوء على أن ابن تيمية كان ينقل من نسختين لكتاب الكشف عن مناهج الأدلة لابن رشد، وأنه كان يختار بعناية، النسخةَ التي تهدف إلى مقصده، كما سلط هذا العمل الضوء على الأسباب التي جعلت ابن تيمية يهتم بفيلسوف قرطبة.

Abstract

Professor of Islamic Studies at Nottingham University, United Kingdom. Jon.Hoover@nottingham.ac.uk

Moroccan Researcher Received his PhD Degree from Dar al–Hadith al–Hassaniyya Institution in Rabat, Morocco. youssefmadrari@hotmail.com

الكلمات المفتاحية:
  • ابن رشد
  • ابن تيمية
  • فخر الدين الرازي
  • الجسمية
  • الجهة
  • التحيز
Keywords:
  • Ibn Rushd
  • Ibn Taymiyyah
  • Fakhr Al-Din Al-Razihysicality Modes
  • Bias

جون هوفر | Jon Hoover * ترجمة يوسف مدراري | Youssef Madrari **

الضوء على الأسباب التي جعلت ابن تيمية يهتم بفيلسوف قرطبة.

أود أن أشكر الدكتور حكيم أجهر الذي قدم لي يد العون في ترجمة هذا العمل. (المترجم) والنصوص العربية الأخرى فقام الباحث بترجمتها.

هذا الأخير لصفة الجسمية عن الذات الإلهية. اقتصرت هذه الدراسة على حضور ابن رشد عند ابن تيمية من خلال عملين مهمين هما بيان تلبيس الجهمية، ودرء تعارض العقل والنقل. كما أنها سلطت الضوء على أن ابن تيمية كان ينقل من نسختين لكتاب الكشف عن مناهج الأدلة لابن رشد، وأنه كان يختار بعناية، النسخةَ التي تهدف إلى مقصده، كما سلط هذا العمل

كمات مفتاحية: ابن رشد، ابن تيمية، فخر الدين الرازي، الجسمية، الجهة، التحيز.

ideas of Fakhr al–Din al–Razi, especially the latter’s denial of the physicality of the divine self. This article is solely devoted to the study of two works of Ibn Taymiyyah where Ibn Rushd’s presence can be felt: "The Jahmiyya Exposed", "Guarding Against Conflict between Reason and Revelation". The article brings to light the fact that Ibn Taymiyyah copied from two versions of Ibn Rushd’s Kitab al–Kashf ‘an Manahij al–Adilla and that he was deliberately choosing the version that suited at his purpose. This work also explains the Reasons which lie behind Ibn Taymiyyah’s interest in the philosopher of Córdoba.

مقدمة

اشتهرت مقولة إرنست رينان (1892–1823) أن أبا الوليد بن رشد (ت. 95/5 ه 1198 م)، كان "آخر ممثل" للفلسفة في العالم العربي والإسلامي. ونعرف أن ابن رشد Averroes لم يكن، بأي حال من الأحوال، آخر ممثل للفلسفة. في حين نجد أن فلسفة ابن سينا (ت. 284 ه/ 1037 م) قد أحدثت "جائحة سينوية"؛ انتشرت عبر بلاد الإسلام في العصر الوسيط، وأدت إلى إعادة تشكيل الفكر الإسلامي جذريًا حتى القرن التاسع عشر. لكن ابن رشد لم يحظ بالاحتفاء الذي لقيه ابن سينا. فبينما أثار ابن رشد نقاشًا في أوروبا في العصر الوسيط، ظل تأثيره في العالم الإسلامي ضعيفًا. قام بيتر أدمسون Adamson Peter (2002–1930) في مقدمته للكتاب الذي نسق أعماله في عصر ابن رشد سنة 2011، بذكر الأسباب الداعية إلى خفوت تأثير ابن رشد؛ من بينها كون ابن رشد عاش في الأندلس بعيدًا عن مركز العالم الإسلامي، لكن أدمسون يعتبر هذا سببًا

غير كافٍ لتفسير خفوت وهج ابن رشد في الشرق الإسلامي، ويذهب إلى القول إن من المحتمل أن يكون ذلك راجعًا إلى علاقات ابن رشد بالحكام الموحديين، الذين رماهم خصومهم بالابتداع، والأكثر رجحانًا أن ابن رشد لم يتعامل على نحو مباشر مع فلسفة ابن سينا السائدة، حيث حاصرها

(((هذا التصريح موجود في كل من الإصدار الأول والأخير لكتاب إرنست رينان:

Ernest Renan , Averroès et l’averroïsme: Essai historique (Paris: A. Durand, 1852), p. 1; Ernest Renan , Averroès et l’averroïsme: Essai historique , 4 th ed. (Paris: Calmann Lévy, 1882), p. 2. (2)  Jean R. Michot, "La pandémie avicennienne au VIe/XIIe siècle: Présentation, editio princeps et traduction de l’introduction du Livre de l’advenue du monde (kitāb hadathu al–ʿaāam) d’Ibn Ghaylan Al–Balkhi," Arabica , vol. 40, no. 3 (November 1993), pp. 287–344.

من أمثلة البحوث التي درست تأثير ابن سينا في الفكر الإسلامي الوسيط وقبل الحديث، ينظر:

Robert Wisnovsky, "Avicenna’s Islamic Reception," in: Peter Adamson (ed.), Interpreting Avicenna: Critical Essays (Cambridge: Cambridge University Press, 2013), pp. 190–213; Heidrun Eichner, "Handbooks in the Tradition of Later Eastern Ashʿarism," in: Sabine Schmidtke (ed.), The Oxford Handbook of Islamic Theology (Oxford: Oxford University Press, 2016), pp. 494–514.

بالدعوة إلى العودة إلى تعاليم أرسطاطاليس Aristotle 22–384(3 ق.م.). ولا يزال العالم الإسلامي يحتفي بابن سينا أكثر من ابن رشد. لكن الفيلسوف الأندلسي لم يتعرض للتجاهل كليًّا، فالمتكلم الدمشقي الأثري أحمد بن عبد الحليم بن تيمية (ت. 728 ه/ 1328 م) لديه الكثير ليقوله حول ابن رشد؛ فقد أحال عليه إحالات مكثفة. وهذا الاهتمام بابن رشد يبدو استثنائيًا، خصوصًا أنه لم يظهر شخص آخر في الشرق الإسلامي في العصر الوسيط اهتمامًا كبيرًا بابن رشد. وهذا يتطلب تفسيرًا؛ لماذا اهتم ابن تيمية بابن رشد ولم يهتم به الآخرون؟ قبل الإجابة عن السؤال، لا بد من التعرض للنصوص ذات الصلة بالموضوع، إضافة إلى الدراسات الحديثة المتعلقة به. يحيل ابن تيمية على ابن رشد في الكثير من كتبه، وأحال عليه بكثرة في كتابين من كتبه الكبيرة وهما كتاب بيان تلبيس الجهمية [سنشير إليه ب  البيان] ثم كتاب درء تعارض العقل والنقل[سنشير إليه ب  الدرء]. فكتاب البيانيقع في ثمانية مجلدات في طبعة سنة 2005 بالمدينة المنورة، وهو يعدُّ ردًا على المتكلم الأشعري فخر الدين الرازي (ت. 606 ه/ 1210 م)، وكتابه تأسيس التقديس، الذي هو رد على التشبيه الكرّامي والحنبلي. كتب ابن تيمية البيانبين رمضان 705 ه (نيسان/ أبريل 1306 م) وذي الحجة 706 ه (حزيران/ يونيو 1307 م) حينما كان مسجونًا في القاهرة

(3)  Peter Adamson, "Introduction," in: Peter Adamson (ed.), In the Age of Averroes: Arabic Philosophy in the Sixth/ Twelfth Century (London: Warburg Institute, 2011), pp. 1–7; Oliver Leaman (ed.), Averroes and his Philosophy (Richmond: Curzon Press, 1998), pp. 176–177,

حيث سرد حججًا أخرى طرحها باحثون آخرون بخصوص ضعف تأثير ابن رشد.

)4(Henry Corbin, "En Orient, après Averroès," in: Jean Jolivet (ed.), Multiple Averroès: Actes du Colloque International organisé à l’occasion du 850e anniversaire de la naissance d’Averroès (Paris: Belles lettres, 1978), pp. 323–332.

يدّعي هنري كوربان أنه لم يجد إحالة على ابن رشد في الشرق الاسلامي قبل القرن السابع عشر:

Ibid., pp. 323–324; Yamina Adouhane, "Al–Miklatı, A Twelfth Century Ašʿarite Reader of Averroes," Arabic Sciences and Philosophy, vol. 22, no. 2 (2012), pp. 155–197.

وتحاجّ يامنة دوحان بأن المتكلم الأشعري المغربي أبا الحجاج المكلاتي (ت. 626 ه/ 1229 م) اعتمد على ابن رشد، لكن من دون

أن يذكره بالاسم، في كتابه لباب العقول في الرد عل الفلاسفة في علم الأصول. (((ينظر على سبيل المثال: تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، تحقيق علي بن حسن بن ناصر وعبد العزيز بن إبراهيم العسكر وحمدان بن محمد الحمدان، ج 5 (الرياض: دار العاصمة، 1999–1993)،

ص 1–19 3؛ تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، الرد على المنطقيين، تحقيق عبد الصمد شرف الدين الكتبي (بومباي:

المطبعة القيمة، 1949)، ص 148؛ تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، الصفدية، تحقيق محمد رشاد سالم (المنصورة: دار

الهدى النبوية، 2000)، ج 1، ص 149؛ ج 2، ص 186؛ تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، النبوات، تحقيق عبد العزيز بن صالح الطويان (المدينة المنورة: الجامعة الإسلامية، 2000)، ج 1، ص 364، 945؛ ج 2، ص 760؛ تقي الدين أحمد بن عبد الحليم

بن تيمية، منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية، تحقيق محمد رشاد سالم (الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1986)، ج 1، ص 199، 236، 246، 323، 348، 356، 357، 374، 375، 399، 024؛ ج 2، ص 281. (((تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، تحقيق يحيى بن محمد الهنيدي [وآخرون]، ط 2 (المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 2005)، تتضمن المجلدات 8–1 النص المحقق،

والمجلد 9 يتضمن دراسات عن النص المحقق، والمجلد 10 يتضمن الفهارس؛ فخر الدين الرازي، تأسيس التقديس، تحقيق أنس

محمد عدنان الشرفاوي وأحمد محمد خير الخطيب (دمشق: دار الصباح، 2011)، يعرف كذلك ب  أساس التقديس، ينظر: فخر الدين

الرازي، أساس التقديس، تحقيق أحمد حجازي السقا (القاهرة: المكتبة الأزهرية، 1986).

بتهمة التجسيم. في البيان، ينقل ابن تيمية مطولً عن كتاب الكشف عن مناهج الأدلة [نشير إليه ب  الكشف]، الذي رسم فيه ابن رشد الخطوط العريضة لما يجب على العامة الإيمان به، كما نقل ابن تيمية مقتطفات من كتاب ابن رشد فصل المقالالذي يشرح فيه ابن رشد المبررات الدينية للخوض في الفلسفة. أما كتاب ابن تيمية الضخم درء تعارض العقل والنقل[سنشير إليه ب  الدرء] الذي يقع في عشرة مجلدات في طبعة رشاد سالمن فقد كتبه سنة 713 ه/ 1313 م أو بعد ذلك، وفيه يحاجّ بأنه ليس هناك أيّ تعارض بين العقل والوحي، حيث اقتبس عدة مقاطع من الكشف، وتهافت

التهافت الذي يرد فيه ابن رشد على كتاب الغزالي (ت. 05/5 ه 1111 م) تهافت الفلاسفة، إضافة إلى اقتباس كل الضميمة تقريبًا. هناك سؤال آخر يتعلق بأي نص من نصوص الكشفنقل منه ابن تيمية؟ في سنة 2005 أصدر مارك جوفري Geoffry Marc دراسة يشرح فيها أن ابن رشد كتب نسختين مختلفتين ل الكشف؛

(((من أجل التأريخ وظروف تأليف ابن تيمية بيان تلبيس الجهمية، ينظر:

Jon Hoover, "Early Mamluk Ashʿarıs against Ibn Taymiyya on the Nonliteral Reinterpretation of God’s Attributes (taʾwīl)," in: Jan Thiele & Ayman Shihadeh (eds.), Philosophical Theology in Islam: The Later Ashʿarite Tradition (Leiden: Brill, [forthcoming]).

(((تحقيقات كتاب الكشف عن مناهج الأدلة لعقائد الملة لابن رشد سنناقشها فيما بعد، أما الإحالات الأخرى من فصل المقال فستكون من:

Averroës, Decisive Treatise & Epistle Dedicatory [Arabic and English], Charles E. Butterworth (trans.) (Provo: Brigham Young University Press, 2001), pp. 1–33.

ونجد ترجمة مبكرة في:

Averroes (Ibn Rushd), On the Harmony of Religion and Philosophy: A Translation, with Introduction and Notes, of Ibn Rushd’s Kitab fasl al–maqal, with Its Appendix (D’amima) and an Extract from Kitab al–kashf ʿan manahij al–adilla (London: Luzac, 1961)

من أحدث التحليلات في كتاب فصل المقال:

Caterina Belo, Averroes and Hegel on Philosophy and Religion (Farnham: Ashgate, 2013), pp. 21–47.

وللإحالات والاقتباسات التي أخذها ابن تيمية في كتابه بيان تلبيس الجهمية من كتب ابن رشد، ينظر الكشافات في: ابن تيمية،

البيان، ج  10، ص 210 (محمد بن أحمد بن محمد بن رشد)؛ ص 257–256 21  (فصل المقال)؛ ص (الكشف عن مناهج الأدلة). (((تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، تحقيق محمد رشاد سالم، 11 ج (الرياض: جامعة الإمام

محمد بن سعود الإسلامية، 1983–1979)؛ وحول تاريخ درء تعارض العقل والنقل، ينظر:

Jon Hoover, Ibn Taymiyya’s Theodicy of Perpetual Optimism (Leiden/ Boston: Brill, 2007), pp. 10–11.

(1((محمد بن أحمد بن رشد، تهافت التهافت، تحقيق موريس بويج (بيروت: المطبعة الكاثوليكية، 1930)، ترجمه:

Simon Van Den Bergh, Averroes’ Tahafut al–tahafut (London: Luzac, 1954), 2 vols. (11)  Abu Hamid Muhammad Al–Ghazali, The Incoherence of the Philosophers , Michael E. Marmura (ed. & trans.) (Provo: Brigham Young University, 1997).

(1((طبعت رسالة الضميمة (رسالة الإهداء) مع ترجمة إنكليزية في:

Averroës, Decisive Treatise & Epistle Dedicatory , pp. 38–42.

من أجل الإحالات والاقتباسات من ابن رشد في درء تعارض العقل والنقل، ينظر: الكشافات في: ابن تيمية، الدرء، ج  11، ص –77

78 (عبارة: "ابن رشد")؛ ص 0–32933 (عبارة "تهافت التهافت")؛ 6–345 34 (عبارة: [الكشف عن] "مناهج الأدلة"). كما ينقل

ابن تيمية عن الضميمة في: درء تعارض العقل والنقل، ج  9، ص.390–383

النسخة الأولى كتبها سنة 75/5 ه 1180–1179 م، يقسم في بدايتها الناس إلى طبقتين: الجمهور، ثم العلماء، ويشرح أن هذا الكتاب خصصه لبيان ما يجدر على العامة الإيمان به. فعلى سبيل المثال، إذا كان العلماء ينفون عن الله صفة "الجسمية"، فلا يجدر بالعامة إنكار صفة الجسمية لله، حتى لا يكون هناك اعتبار بوجود لبس في ما ورد في الوحي. ومن ثم، يزيح ابن رشد، بحذر، الموقف الأشعري السائد إبان الحكم الموحدي بالأندلس وشمال إفريقية في ذلك الوقت، لصالح آراء قابلة للتوافق مع الأرسطية. فجوفري يقترح أن ابن رشد كان هدفه من هذا هو أن يمنح تعبيرًا بديلً من

العقيدة الموحدية. لكن هذه المحاولة فشلت، وأظهر جوفري أن ابن رشد، على ما يبدو وبسبب الأمر الغالب، أعاد كتابة أقسام من الكشفحول قضية صفة الجسمية؛ من أجل التوافق مع ما قرره ابن تومرت (ت. 24/5 ه 1130 م) القاضي بأن كل الناس، وحتى العامة، ملزمون بالإقرار بأن الله منزه عن الجسمية. ولم يبرّر ابن رشد موقفه الجديد انطلاقًا من نصوص الوحي، بل من ضرورات الوقت

لدرء خطأ المجسمة. النسخة الأولى من الكشفمحفوظة في مكتبة الإسكوريال تحت رقم: 74r – v 0 32, fols. 2 6 والتي تمثّل الأساس الأول لتحقيق الكشفالذي أنجزه مولر سنة 1859، ومثّلت أيضًا المصدر الأول للتحقيقات اللاحقة، مثل تحقيق محمود قاسم 1964، والجابري 1998. فمحمود قاسم رجع إلى

(13)  Marc Geoffroy, "À Propos de l’almodhadisme d’Averroès: L’anthropomorphisme (tajsim) dans la seconde version du Kitab al–kashf ʿan manahig al–adilla," in: Patrice Cressier, Maribel Fierro & Luis Molina (eds.), Los Almohades: Problemas y perspectivas (Madrid: Consejo superior de investigaciones científicas – Instituto Miguel Asin, 2005), vol. 2, pp. 853–894.

حول إعادة كتابة الكشفلابن رشد، ينظر:

Maribel Fierro, "The Religious Policy of the Almohads," in: Schmidtke (ed.), pp. 679–692 (681–683). (14)  Marcus Joseph Müller, Philosophie und Theologie von Averroes (Munich: G. Franz, 1859), pp. 27–127 (Arabic), pp. 26–118 (German).

(1((محمد بن أحمد بن رشد، مناهج الأدلة في عقائد الملة، تحقيق محمود قاسم، ط 2 (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية،.)1964

وقد نشر محمود قاسم تحقيقًا في دار النشر نفسها سنة 1955، معتمدًا على مخطوطة التيمورية، حكمة 133، والتي كانت نسخة عن

تحقيق مولر Muller. من أجل تفاصيل أكثر، ينظر:

Geoffroy, pp. 856–857.

وقد تُرجم تحقيق محمود قاسم، ينظر:

Averroes, Faith and Reason in Islam: Averroes’ Exposition of Religious Arguments , Ibrahim Najjar (trans.) (Oxford: Oneworld, 2001).

ونجد الترجمة شبه الكاملة لكتاب الكشفانطلاقًا من طبعة قاهرية سنة 1910 في:

J. Windrow Sweetman, Islam and Christian Theology , 2 parts in 2 vols. each (London: Lutterworth, 1945–1967), pp. 82–

كما توجد ترجمة إسبانية لكتاب  الكشف، ينظر:

Manuel Alonso, Teología de Averroës: Estudios y documentos (Madrid: Consejo Superior de Investigaciones Científicas – Instituto Miguel Asin, 1947), pp. 203–355.

(1((محمد بن أحمد بن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، تحقيق محمد عابد الجابري (بيروت: مركز دراسات

الوحدة العربية، 1998)، الإحالات على الكشففي هذا البحث ستكون من خلال هذا التحقيق.

مخطوطة التيمورية، حكمة 129، الموجودة في دار الكتب المصرية في القاهرة، وأشار إلى أنها تتضمن زيادات كثيرة، لكنه لم يضمّنها في تحقيقه، ولم يدرك أهمية النص المراجع. في حين تعرّف جوفري إلى مخطوطة كوبريلي بإسطنبول تحت رقم: 1601, fols. 117v–194v باعتبارها شاهدًا على النص المراجع نفسه. وتتضمن هذه المخطوطة إضافات تحتوي على ابن تومرت وتزكّي المذهب الموحدي وتحذف كذلك المواد التي تتعارض مع الحساسيات الكلامية للموحدين. وقد أنجز جوفري تحقيقًا للفصل المتعلق بصفة الجسمية من خلال النسخة الثانية من الكشف، وترجم مقاطع مختارة من أجل أن يبين تراجع ابن رشد عن مواقفه السابقة. وقد لاحظ جوفري أن ابن تيمية اقتبس أجزاء من النسخة الثانية من الكشف، وبالتحديد الفصل المتعلق بالقول في صفة الجسمية في كتابه الدرء. ومن هذا المنطلق، خمّن جوفري أن النسخة الثانية من الكشفهي التي كانت رائجة في الشرق الإسلامي. ولكننا نجد أن ابن تيمية ينقل عن النسخة الأولى من الكشففي ما يتعلق بالنقاشات بخصوص صفة الجسمية ويدرجها في البيان، ولم يُضمِّن المراجعات الموجودة في النسخة الثانية. وهذا يظهر أن ابن تيمية كان مطّلعًا على

(17)  Geoffroy, pp. 886–894 (Arabic text).

ويتضمن النص العربي الزيادات بلون بارز، ثم يشير إلى ما تم حذفه بين خطين عموديين صغيرين بحجم صغير.

Marc Geoffroy, "Ibn Rushd et la théologie almohadist: Une version inconnue du Kitab al–kashf ʿan manahig al–adilla dans deux manuscrits d’Istanbul," Medioevo , vol. 26 (2001), pp. 327–356.

وفي هذا البحث يزود جوفري القارئ بمقدمة وافية لمخطوطة إسطنبول (1601 Köprülü)، آخر شاهد من إسطنبول على النسخة الثانية من  الكشف. ثم توسعت سيلفيا دي دوناتو في هذا الموضوع في بحثها:

Silivia Di Donato, "Le Kitab alkashf ʿan manahig al–adilla d’Averroès: Les phases de la rédaction dans les discours sur l’existence de Dieu et sur la direction, d’après l’original arabe et la traduction hébraïque," Arabic Sciences and Philosophy , vol. 25 (2015), pp. 105–133.

ويدرس هذا البحث ترجمة عبرية مجهولة لكتاب  الكشفتتضمن إضافات للنسخة العربية الأولى منه، خصوصًا في القسم الأول

المتعلق بوجود الله. ونجد أغلب هذه الإضافات متضمنة في النسخة الثانية من الكشفمع إضافات أخرى وتعديلات. ولا تتضمن الترجمة العبرية مراجعات لبعض المقاطع التي تتضمن المعتقد الموحدي، وتذهب دي دوناتو إلى القول إن الترجمة جرت انطلاقًا من نسخة مفقودة روجعت بناء على النسخة الأولى للنص العربي التي روجعت باعتبارها النسخة الثانية والتي تسترضي العقيدة الموحدية. (1((ابن تيمية، الدرء، ج  10، ص 00–2483؛

Frank Griffel, "Ibn Tumart’s Rational Proof for God’s a Existence and Unity, and His Connection to the nizamiyya Madrasa in Baghdad," in: Cressier, Fierro & Molina (eds.), vol. 2, pp. 753–813 (795, n 127).

وقد أشار غريفيل إلى تضمين ابن تيمية نسخة مراجعة ل  الكشففي الفصل المتعلق بالله والجسمية في الدرء، وقام بترجمة اثنين من الإضافات المهمة، ينظر: Griffel, pp. 797–800.

(19)  Geoffroy, p. 861.

(2((نتجاوز الفصل المتعلق بصفة الجسمية في الكشفالتي درسها جوفري، وقامت دي دوناطو في ,: Donato Di. 128–130 pp بفحصٍ فيه، إضافة إلى فصل القول في الجهة التي أشارت إلى ابن تومرت. ولم يتضمن اقتباس ابن تيمية لهذا المقطع، في  1، ص 162 البيان، ج، تلك الزيادة، والتي تبيّن أنه يحيل فيها على النسخة الأولى من الكشف. كما أن ابن تيمية

لم يدرج تلك الزيادات عندما اقتبس المقطع نفسه في الدرء، ج  6، ص 216، مما يدل على أنه ينقل من كلتا نسختي الكشف في الدرء.

النسختين من الكشف، على الأقل في الوقت الذي كتب فيه الدرء. ومن المحتمل أن يكون اطلع على النسخة الأولى، فقط، من الكشفعندما كان يكتب البيان، ولكن يمكن كذلك أن يكون في ذلك الوقت مطلعًا على كلتا النسختين، لكنه اختار عدم الاعتماد على النسخة الثانية، بسبب دعوتها العامة إلى اعتقاد انتفاء صفة الجسمية عن الله، وهذا لا يخدم مقصده، لأسباب أخرى نبينها لاحقًا. من البديهي، من خلال ملاحظات جوفري، أن معرفة اهتمام ابن تيمية بابن رشد ليست قضية جديدة في الدراسات الحديثة. فعندما نُشِرَ كل من فصل المقالوالكشفمعًا في بداية القرن العشرين في

القاهرة، أضيفت إليهما تعليقات ابن تيمية في الدرء على الفصلين الأولين من الكشف، وجزء موجز من تعليقه على الفصل الثالث؛ حيث تم ضمها وإضافتها ملحقًا. إضافةً إلى دراسات متعددة، أغلبها باللغة العربية، فحصت علاقة ابن تيمية بابن رشد؛ تُظهر هذه الدراسة أنه رغم القواسم المشتركة المتعلقة بالتوفيق بين العقل النقل، فقد توجّه ابن تيمية بنقد لاذع لابن رشد بخصوص تقسيمه الناس قسمين: العلماء الذين يمكنهم إدراك الحق والوصول إليه عن طريق البرهان، ثم العامة الذين يظلون ضمن مجال الخطابة، كما انتقده كذلك لافتراضه أن الوحي ما هو إلا تمثيلات تتناسب مع المستوى المعرفي للعامة، ولكنه مختلف عن الحقائق العقلية التي ليست إلا في متناول العلماء. ولكن ابن تيمية وابن رشد يتفقان، إلى حد بعيد، في المعنى الذي تشير إليه ظواهر النصوص، وأيضًا في أن النص القرآني لا ينفي الجسمية عن الله، وإذًا، فهما يرفضان الأدلة الأشعرية القائلة بانتفاء الجسمية عن الله. وكذلك يتفقان على أن الوحي يدل على الخلق الإلهي الدائم للعالم منذ الأزل، ومن ثم يرفضان نظرية الفيض السينوية، وأدلة علم الكلام على وجود الله المبنية على حدوث العالم. ولكن ابن تيمية، رغم استعماله أدلة ابن رشد من أجل الرد على المتكلمين وابن سينا، يشدد على أن ظواهر الوحي هي حقيقة لكل إنسان وليست فقط حقيقة للعوام. وبالنسبة إلى ابن تيمية، فابن رشد، على مستوى العامة، يتعامل مع نصوص الوحي كأنها شبيهة بالمغالطات، وعلى مستوى العلماء يثبت أن الله منزه عن الجسمية ومجرد

(2((محمد بن أحمد بن رشد، فلسفة القاضي الفاضل محمد بن رشد الأندلسي المشتمل على كتابين جليلين، الأول فصل المقال

في ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال وذيله، والثاني الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، ط 2 (القاهرة: المطبعة الجمالية،

1910)؛ تعليقات ابن تيمية المقتبسة من الفصل الأول المتعلق بوجود الله، في: ابن تيمية، الدرء، ج  9، ص 73–72، 84–78، 90–89، 113–110، 124–123، 126، 129–128، 131، 133–132، 324، 1–33033؛ وتعليقاته على وحدانية الله هي من: المرجع نفسه، ص 338، 351–348، 354، 373–371، 83–3823؛ وتعليقاته الموجزة عن صفات الله من خلال الفصل الثالث هي في: المرجع

نفسه، ج 10، ج 10، ص 199–198. ويعلق ابن تيمية كذلك على فصول أخرى من الكشففي الدرء، لكن تلك التعليقات غير

مضمنة في الملحقات. وذكر دومينيك أورفوي نشرتين صدرتا في القاهرة لكتابي  فصل المقالوالكشف، تضمنتا نصوص ابن تيمية باعتبارها ملاحق؛ الأولى طبعت في المطبعة الشرقية سنة 1903 (1321 ه)، والثانية لم يذكر تاريخها محمود علي صبيح. ولم أستطع

الاطلاع على تلك النشرتين، ولكن يبدو أنهما قد طبعتا تحت عنوان: فلسفة ابن رشد (القاهرة: المكتبة المحمدية التجارية، 1968)،

وتتضمن مقاطع لابن تيمية من الدرء في الهوامش. ينظر:

Dominque Urvoy, Averroès: Les ambitions d’un intellectual musulman (Paris: Flammarion, 1998), p. 215, n 1.

((2(أي: المعاني التي ليست مؤولة. (المترجم)

من الصفات، وخصوصًا صفات الفعل، ومن ثم وصفُ ابن رشد لله لا يعدو أن يكون إلا الوصف الأرسطي لله بأنه المحرك الذي لا يتحرك. الأبحاث بخصوص علاقة ابن رشد إلى حدود هذه النقطة كان مرتكزها كتاب الدرء والنقاشات الموجودة في العديد من الرسائل الأخرى، ولكنها لم تولِ أهمية تذكر للعلاقة بين ابن رشد وابن تيمية من خلال كتاب من الكتب الأوائل لابن تيمية هو كتاب البيان. ستركز هذه الدراسة على توظيف ابن تيمية كتاب الكشفلابن رشد في معالجة قضايا مرتبطة؛ مثل علاقة الله بصفة الجسمية والجهة ورؤية الله في الآخرة. وهذا سيبين أن موقف ابن تيمية من ابن رشد في البيانهو، إلى حد بعيد، الموقف نفسه الذي أبانت عنه دراسات سابقة لكتب ابن تيمية الأخرى. لكن هذه الدراسة تبدأ بالسؤال بطريقة مباشرة وصريحة أكثر من الدراسات السابقة حول الفيلسوف الذي وجده ابن تيمية مفيدًا له في مقاصده، وبالخصوص في ما يتعلق بالذات الإلهية وصفة الجسمية التي هي محل نظر هنا. ويقع نقاش ابن تيمية بخصوص ابن رشد في المجلدين الأولين من كتاب البيانفي الطبعة التي تقع في

((2(ينظر بالخصوص:

Anke von Kügelgen, "Dialogpartner im Widerspruch: Ibn Rushd und Ibn Taymiya über die 'Einheit der Wahrheit'," in: R. Arnzen & J. Thielmann (eds.), In Words, Texts and Concepts Cruising the Mediterranean Sea: Studies on the Sources, Contents and Influences of Islamic Civilization and Arabic Philosophy and Science Dedicated to Gerhard Endress on His Sixty–Fifth Birthday (Leuven: Peeters, 2004), pp. 455–481.

فحصت كوجيلجين في بحثها نقاش ابن تيمية لابن رشد في الدرء، وركزت على نقد ابن تيمية لنخبوية ابن رشد وإشكالية التجسيم.

وينظر: عبد العزيز العماري، مناحي نقد ابن تيمية لابن رشد (بيروت: جداول للنشر والتوزيع، 2013)؛ إذ قام الكاتب بعرض نسقي

لآراء ابن تيمية بخصوص ابن رشد من خلال مصادر كثيرة باستثناء بيان تلبيس الجهمية. ومن الدراسات كذلك: عبد المجيد الصغير،

"مواقف رشدية لتقي الدين بن تيمية؟ ملاحظات أولية"، في: الطاهر وعزيز [وآخرون]، دراسات مغربية مهداة للمفكر المغربي محمد

عزيز الحبابي، ط 2 (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 1987)، ص 182–164؛ محمود سعد الطبلاوي، موقف ابن تيمية

من فلسفة ابن رشد: في العقيدة وعلم الكلام والفلسفة (القاهرة: مطبعة الأمانة، 1989)؛ عبد الرحمن التليلي، "آثار ابن رشد في

المشرق العربي: طبيعة الرد التيمي على فلسفة ابن رشد"، المشكاة، العدد 3 (2005)، ص 70–55 (أنا ممتن لنجاة زوكار لتمكيني من هذه المقالة)؛ ينظر كذلك:

Yahya J. Michot, "A Mamluk Theologian’s Commentary on Avicenna’s Adhawiyya: Being a Translation of a Part of the Darʾ taʿarud of Ibn Taymiyya, with Introduction, Annotation, and Appendices (Part I)," Journal of Islamic Studies , vol. 14, no. 2 (2003), pp. 149–203; Yahya J. Michot, "A Mamluk Theologian’s Commentary on Avicenna’s Adhawiyya: Being a Translation of a Part of the Darʾ taʿarud of Ibn Taymiyya, with Introduction, Annotation, and Appendices (Part II)," Journal of Islamic Studies , vol. 14, no. 3 (2003), pp. 309–363.

الصفحات 172–168 من الجزء الأول من الدراسة مخصصة لنقد ابن تيمية لباطنية ابن رشد؛ ثم دراستي:

Jon Hoover, "Perpetual Creativity in the Perfection of God: Ibn Taymiyya’s Hadith Commentary on God’s Creation of This World," Journal of Islamic Studies, vol. 15, no. 3 (September 2004), pp. 287–329, 290–291, 295.

بالنسبة إلى التعليقات حول التشابه بين ابن رشد وابن تيمية بخصوص الخلق المستمر منذ الأزل، ينظر:

Richard Taylor, "Averroes: God and the Noble Lie," in: R.E. Houser, Essays in Honor of Armand Maurer, CSB (Notre Dame: University of Notre Dame Press, 2007), pp. 38–59.

حيث يصنف عددًا من الفهوم الغربية لابن رشد، ثم يقدم تحليل لرأيه بأن الدين ما هو إلا "كذبة نبيلة"، مما يتماشى مع قراءة ابن يتيمة

لابن رشد، الذي يميز بين الحقيقة البرهانية للخاصة والخطابية للعامة. (2((يقتبس ابن تيمية كذلك في البيانمن الكشفومن فصل المقالعندما يناقش أدلة وجود الله، وخلق الله للعالم، وتأويل الصفات الإلهية. لكن هذه النقاشات سوف نتركها جانبًا من أجل أن الدراسة محكومة بعدد كلمات محدد.

ثمانية مجلدات، وهنا يبدو بجلاء أن النقل عن الفيلسوف والتعليق عليه ليسا نقدًا للفيلسوف، بل بدلً من ذلك، يوظف ابن تيمية ابنَ رشد من أجل تهميش خصمه فخر الدين الرازي في دعواه بأنه يمثّل الاتجاه العقلاني من المتكلمين، وكذلك بيان تهافت أدلته. وهناك، في الحقيقة، عديد من المواضع في البيان، يترك فيها ابن تيمية ابنَ رشد يقوم بالمهمة الشاقة المتمثلة في صياغة الأدلة العقلية من أجله، وهذا يحدو بنا إلى افتراض أن ابن تيمية ربما كان يجد مشقة في الدفاع عن آرائه، بالاستناد إلى أدلة عقلية، وهذا ربما دفعه كي يتعلم من ابن رشد كيفية صياغة الأدلة.

أولا: استدعاء ابن رشد من أجل بيان تهافت دعوى الرازي المتمثلة في "جمهور العقلاء المعتبرين"

كما أشرنا سابقًا، يعد كتاب البيانلابن تيمية ردًا على كتاب أساس التقديسلفخر الدين الرازي، الذي خصصه الأخير للرد على الاتجاهات التشبيهية في علم الكلام. وفي كتاب أساس التقديس، يستدل الرازي مطولً على أن الله لا يمكن أن يُشار إليه بالحواس؛ إذ إن الله منزه عن الحيز والجهات، وهو غير حال في العالم، ولا مباين عنه في أي جهة من الجهات الست. وما يُفهَم منه في نصوص الوحي أن الله لديه جسم أو يثبت له الفوقية، فتلك الأخبار يجب تأويلها وصرفها عن ظاهرها أو تفويض العلم بمعناها إلى الله. في نظر ابن تيمية، إلهٌ ليس قابلً لإدراك الحواس ولا يوجد داخل العالم ولا خارجه هو غير موجود، أي هو مجرد عدم. وفي البيان، يبين ابن تيمية أن الله قابل للإدراك بحواس الإنسان مثل الرؤية والسمع، ويرد على أدلة الرازي التي حشدها ضد من يثبت لله الجسمية والجهة والمكان، ويدافع (ابن تيمية) عن ظواهر النصوص التي تثبت لله الفوقية والعلو والاستواء على العرش. ويزيد الأمر تفصيلً، فيبين أن جلوس الله على العرش صفة خبرية لا يمكن العلم بها إلا عن طريق الوحي المنزل، بينما صفة الفوقية تُعرف عن طريق العقل والفطرة. وعبر إسهاب في سرد الأدلة العقلية، ينحت ابن تيمية مفهومًا خاصًا لصفة الجسمية، ولكنه لا يثبت صفة الجسمية لله إثباتًا صريحًا. ولكنه في الوقت نفسه لا ينكره، ويؤكد أنه لا الإثبات ولا النفي كان مذهب السلف. وخشية أن يُتهم بالتشبيه الغليظ، يؤكد ابن تيمية أن الله ليس كمثله شيء: فرغم أن ظاهر النصوص واضح، فليس هناك شبه بين الله والخلق، كما أن كيفيات الصفات لا يعلمها أحد. وهذا يؤدي بابن تيمية إلى رؤيتين كلاميتين؛ فمن جهة، ليس هناك شبه بين الله ومخلوقاته، ولكن في الوقت نفسه، يوصَفُ الله بأسماء وصفات تحمل معانيَ واضحة

باللغة البشرية، والتي من المفروض أن تُشرح بطريقة ملائمة، ويستحق أن يوصف بها الله. أدلة

(2((الرازي، تأسيس التقديس، ص  64 (تقرير الرازي للمقدمات)، ص 228–227 (دور التأويل.) (2((ينظر على سبيل المثال: ابن تيمية، البيان، ج  2، ص.355–353 ((2(المرجع نفسه، ج 1، ص 54، 94؛ ج 2، ص.454 ((2(المرجع نفسه، ج 1، ص 290–289؛ ج 8، ص.546–536 ((2(المرجع نفسه، ج 2، ص.350–347

ابن تيمية التي نتعرض لها في ما تبقى من الدراسة تنحو للاشتغال وفق المقاربة الأخيرة، وهي الرؤية التي تستند إلى الدلالات اللغوية للمصطلحات المنطبقة على الذات الإلهية. وأدلته التي نناقشها في بقية هذه الدراسة تعمل ضمن المقاربة الأخيرة للمعاني اللغوية المطبقة على الله. المقاربة الأولى المتعلقة بتنزيه الله تبقى في خلفية المناقشة. يستدعي ابنُ تيمية ابنَ رشد للمعترك، أولً في البيانمن أجل تقليل وتهميش ما يطرحه فخر الدين الرازي من دعوى أنه يتحدث عن جمهور العقلاء المعتبرين. يموضع الرازي نفسه باعتباره ممثلً للعقلانية السائدة من خلال الدعويين الآتيتين: الأولى، أن جمهور العقلاء اتفقوا على أن الله ليس بمتحيز ولا مختص بشيء من الجهات، وأنه غير حال في العالم، ولا مباين عنه. ويُدخل الرازي ضمن

جمهور العقلاء الفلاسفةَ الذين اتفقوا على إثبات موجودات ليست بمتحيزة ولا حالة في المتحيز مثل العقول والنفوس والهيولى. والثانية أن خصومه من الكرامية والحنابلة يجب عليهم الاعتراف بوجود شيء على خلاف حكم الحواس، وإلا لو كان الله مشارًا إليه بالحس لكان ذلك الشيء منقسمًا فيكون

من ثم مركبًا. يوظف ابنُ تيمية ابنَ رشد من أجل إرباك دعاوى الرازي. وبالنسبة إلى الدعوى الأولى، يعارض ابن تيمية ما يذهب إليه الرازي من كون موقفه يمثل موقف "جمهور العقلاء المعتبرين"؛ حيث يسرد ابن تيمية العديد من النقولات عن علماء معتبرين يثبتون لله جهة الفوقية، ومن بينهم مالك بن أنس.(ت 179 ه/ 795 م)، وأبو مطيع البلخي (ت. 199 ه/ 814 م) تلميذ أبي حنيفة (150 ه/ 767 م)، وأحمد ابن حنبل (ت 241.ه/ 855 م)، ثم العالمان الحنبليان أبو يعلى الفراء (ت. 8/45 ه 1066 م)، وابن قدامة.(ت 620 ه/ 1223 م)، ثم المتكلمون الأوائل مثل ابن كُلّب (ت. تقريبًا 240 ه/ 855 م)، والأشعري

.(ت 24/3 ه 935 م). وعلى طول استدلاله، يلاحظ ابن تيمية أن "فضلاء الفلاسفة كأبي الوليد ابن رشد يحكون مذهب الحكماء إثبات العلو فوق المخلوقات". ثم بعد ذلك بقليل، يقدم ابن تيمية ابن رشد باعتباره شارح أرسطو، وأنه صاحب كتاب تهافت التهافتالذي يرد فيه على الغزالي، حيث يوجّه النقد إلى ابن رشد في دعواه أن المعرفة التي أوجبها البرهان أرفع منزلة وأنها من حظ الخاصة

وليست تلك المعرفة في متناول الجمهور. ولكنه كان مسرورًا بأن ابن رشد "نقل عن الفلاسفة إثبات الجهة وقد قرر ذلك بطرقهم العقلية التي يسمونها البراهين". ثم مضى ابن تيمية قدمًا في نقل كل

القسم المتعلق ب "القول في الجهة" من كتاب الكشف.

3(((الرازي، تأسيس التقديس، ص  7، ج 4؛ ابن تيمية، البيان  1، ص 9.5 ويذكر ابن تيمية كذلك دعوى الرازي باختصار في:، الدرء ج 6، ص.246 3(((الرازي، تأسيس التقديس، ص  0، ج 5؛ ابن تيمية، البيان  1، ص 231–230. ويلمح ابن تيمية إلى دعوى الرازي باختصار، في

الدرء، ج  6، ص 245، فيقول: "إن النزاع في ذلك [صفة العلو] ليس إلا مع الكرامية والحنابلة." 3(((ابن تيمية، البيان، ج  1، ص 217–61. (((3 المرجع نفسه، ص.149–148 (((3 المرجع نفسه، ص.156 (((3 المرجع نفسه، ص 166–158؛ ابن رشد، الكشف، ص  149–145؛ pp. 62–67 , Faith and Reason , Averroes.

وفي هذا القسم، يبيّن ابن رشد في البداية أن المسلمين الأوائل كانوا يثبتون الجهة حتى نفتها المعتزلة،

ثم تبعهم في ذلك متأخرو الأشعرية مثل الجويني (ت. 87/4 ه 1085 م)، الذين ساروا على دربه. ثم يسرد بعد ذلك الأدلة النقلية على مذهبه ذلك، ويشدد على كونه المذهب السائد، فيقول: "وظواهر الشرع كلها تقتضي إثبات الجهة"، ويعزز موقفه بأدلة قرآنية مثل ﴿الرَّحْمَٰنُ علَى الْعَرْشِ اسْتوَىٰ﴾

(طه: 5)، ﴿وَالْملَكُ علَىٰ أرْجَائِهَا ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثمَانِيَةٌ﴾ (الحاقةَ: 17)، و"تَعْرجُ

الْملَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سنَةٍ﴾ (المعارج: 4). ثم إضافة إلى ما تقدم،

يؤكد ابن رشد أن الشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء وأن منها تنزل الملائكة بالوحي إلى الأنبياء، ثم يضيف أن "جميع الحكماء قد اتفقوا أن الله والملائكة في السماء كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك". ثم يتوجه ابن رشد بعد ذلك إلى المعتزلة ومتأخري الأشعرية الذين يزعمون أن إثبات الجهة يوجب إثبات المكان، وإثبات المكان يوجب إثبات الجسمية. ويعتبر ابن رشد أن ذلك غير لازم، ومن أجل بيان تهافت هذا الرأي، يستدعي ابن رشد دليلً من الكوسمولوجيا الأرسطية Aristotle’s Cosmology التي تميز بين الجهة والمكان. لأن ابن رشد يؤكد أن الجهات الست هي سطوح الجسم فليست بمكان للجسم، فقط سطوح الأجسام المحيطة بذلك الجسم هي التي تعتبر مكانًا له، مثل الهواء المحيط بالإنسان هو مكان للإنسان، أو مثل سطوح الفلك المحيطة بسطوح الهواء هي أيضًا مكان للهواء. فإذًا، سطحُ آخر الأجسام في العالم ليس مكانًا أصلً؛ إذ لا يمكن أن يوجد فيه جسم، لأن كل ما هو مكان

يمكن أن يوجد فيه جسم؛ فلا يمكن وجود جسم أو أجسام أخرى خارج الفلك الخارجي لأنه لو وجب ذلك لوجب أن يكون خارج الجسم جسمٌ آخر إلى ما لا نهاية. إضافةً إلى ذلك، يبيّن ابن رشد بأرسطيته

امتناع الخلاء، ومن ثم يستبعد وجود الخلاء خارج الفلك الخارجي، لأنه ليس هنالك أبعاد. يبيّن ابن رشد أن القدماء يتحدثون عن الفلك الخارجي أنه مسكن الروحانيين، يقصدون بذلك الله

والملائكة، التي هي خارج الزمان والمكان. ويخلص ابن رشد "أن إثبات الجهة واجب بالشرع والعقل". وهذا يدل على أن كلً من العقل والوحي يؤكدان أن الله في السماء، ولكن ليس في مكان ومن دون إثباتٍ للجسمية. لكن ابن رشد يوضح أن من الصعوبة إثبات الجهة وإنكار الجسمية،

3(((ابن تيمية،  1، ص 158 البيان، ج؛ ابن رشد، الكشف، ص  145؛ , pp. 62–63 Faith and Reason , Averroes (ترجماتي لمقاطع

من الكشفلا تتوافق مع ترجمة الأخير.) 3(((ابن تيمية،  1، ص 159 البيان، ج؛ ابن رشد، الكشف، ص  145؛ , p. 63 Faith and Reason , Averroes. (3((لمزيد تحليل لحجاج ابن رشد حول الجهة وطبيعته الأرسطية، ينظر:

Barbara Canova, "Aristote et le Coran dans le Kitab al–kashf ʿan manahig aladilla d’Averroès," in: Jean–Baptiste Brenet (ed.), Averroes et la averroïsmes juif et latin: Actes du colloque international (Turnhout: Brepols, 2007), pp. 193–213,

من أجل بيان رؤية/ فكر ابن رشد بخصوص الخلاء، ينظر:

Miklós Maróth, "Averroes on the Void," in: Ahmad Hasnawi (ed.), La lumière de l’intellect: La pensée scientifique et philosophique d’Averroès dans son temps (Leuven: Peeters, 2011), pp. 11–22.

3(((ابن تيمية،  1، ص 162 البيان، ج؛ ابن رشد، الكشف، ص  147؛ 64.  p , Faith and Reason , Averroes.

لأنه ليس في الشاهد مثال عليه. ولأجل هذا، لم يصرح الشرع بنفي الجسمية عن الله. لكن حقيقة الأمر لا يعلمها إلا الراسخون في العلم، أي الفلاسفة، بينما الجمهور فحرَّم عليهم الشرع السعي في

الحصول على معرفة عن الجسمية، أو ضرب لهم بعض الأمثلة بخصوصها من الشاهد. وختم ابن رشد هذا المبحث المتعلق بالجهة في الكشفبمناقشة لكل من العلماء والجمهور، ثم هؤلاء الذين فوق العامة ودون العلماء من الذين عرضت لهم شكوك، وهو يشير باستخفاف إلى علماء الكلام. بعد أن نقل لنا ابن تيمية كلام ابن رشد، لم يعلّق البتة على الطابع الأرسطي لموقف ابن رشد ولا على جوانبه الجوهرية. وكان مقصده في الأساس أن يثبت أن الفلاسفة يثبتون لله الفوقية، بعكس ما يذهب إليه الرازي، ثم استمرّ في استدعاء آراء علماء آخرين تُظهر أن الآراء الكلامية للرازي كانت هامشية. ولم يجد ابن تيمية أيّ حرج في أن يكون ابن رشد هو الفيلسوف الوحيد الذي يدعم وجهة نظره ضد الرازي. ويستدعي ابن تيمية باحتشام في البيانمقاطع حول الجهة من الكشف، من أجل أن يسجل أن الفلاسفة يدعمون إثبات الجهة ضدًا على ما يقوله الرازي. في حين يتحاشى ابن تيمية إيراد تعليقاته، ولكنه يشير إلى أرسطو باعتباره مصدر ابن رشد غير المصرح به في مفهومه للمكان: "إذ المكان عند أرسطو هو السطح الباطن من الجسم الحاوي الملاقي للسطح الظاهر من الجسم المحوي". وعلى الرغم من ذلك؛ ليس لدى ابن تيمية الشيء الكثير ليحدثنا به حول المفاهيم الأرسطية لابن رشد لكل من المكان والحيز في بداية البيان، لكنه سيعمل على توظيف تلك المفاهيم فيما بعد في البيان، من أجل بناء حجاج عقلي ضد الرازي. فالأخير في كتابه التأسيسيتصور الحيز قائمًا بذاته، مستغنيًا

في وجوده عما يحل فيه. ويحاجّ بأن الله لو كان مختصًا بالحيز والجهة لكان محتاجًا في وجوده إلى ذلك الحيز وتلك الجهة التي يشغلها في داخل امتداد أوسع لمكان قائم بذاته. ويتحرج ابن تيمية من التحدث عن الله باستعمال مصطلح التحيز الذي لم يرد ذكره في نصوص الوحي، لكنه يقدّم حجة مضادة بما اتفق من أجل محاصرة أخطاء الرازي المزعومة. وينفي ابن تيمية وجود حيز قائم بذاته يُعتقد أن الله يمكن أن يشغله. فالحيز لا يمكن أن يستغني عما يتمكن ويستقر فيه، بل الحيز الذي يقال

4(((ابن تيمية،  1، ص 159 البيان، ج؛ ابن رشد، الكشف، ص  149–145؛ pp. 63–67 , Faith and Reason , Averroes. 4(((ابن تيمية، البيان، ج  1، ص.406–403 (4((المرجع نفسه، ص 05 4؛ ابن تيمية،  6، ص 5؛ ج 7، ص 140 الدرء، ج. ويناقش ابن تيمية مطول قضية إثبات الجهة لله، مضمنًا

ذلك انتقادات لنصوص ابن سينا والرازي في هذا النقاش، في: ابن تيمية، الدرء، ج  6، ص 237–212، ينقل ابن تيمية من: ابن رشد،

الكشف، ص 159–145  , pp. 62–77) Faith and Reason Averroes, (في ما يتعلق بالجهة، والتأويل، والرؤية؛ من أجل أن يبين أيضًا

أن الفلاسفة باستثناء ابن سينا وأتباعه، يثبتون الفوقية لله. نقاش ابن تيمية المرافق هنا نجده في: ابن تيمية، الدرء، ج  6، ص –210

212، 249–237 أكثر إطنابًا ووضوحًا من البيان. وكذلك يسلط الضوء على أرسطو باعتباره مصدر ابن رشد في مفهومه للمكان، لكنه

لا يضيف أي شيء جديد ذي أهمية. كذلك ينقل ابن تيمية هنا من النسخة الأولى ل  الكشفالتي حددها جوفري، وليس النسخة

الثانية التي يحيل عليها فيما بعد في الدرء، عندما ناقش صفة الجسمية، كما ظهر ذلك في: Di Donato, pp. 128–130. ويتضمن

نقاش ابن رشد للجهة في النسخة الثانية ل الكشفزيادات دفاع ابن رشد عن موقف ابن تومرت القاضي بنفي الجهة، رغم أنه لم يتفق

معه بصفة تامة، وهذا لا يخدم حجاج ابن تيمية، ويفترض أنه قد قرأ هذا الجزء من النسخة الثانية من الكشف، وهذا يجعل الأمر مفهومًا أنه فضّل تجاهل هذا الجزء والتزم بمنطوق النسخة الأولى. (((4 الرازي، أساس التقديس، ص. 89–86

إن الله المتحيز يشغله مفتقر إلى الله. ولا يمكن أن يستغني عن الله، ولا يفتقر الله في وجوده البتة إلى ذلك الحيز. إذًا، عند ابن تيمية في محاجّته ضد الرازي على الأقل، الإله أشبه بامتداد مكاني واسع. بتعبير آخر، ربما يمكن القول إن ابن تيمية بنى على الكوسمولوجيا الأرسطية لابن رشد، عن طريق إضافة فلك آخر فوق الفلك الخارجي، هذا الفلك الإضافي هو الله. الدعوى الثانية التي يفترضها الرازي هي أن ذهاب خصومه الحنابلة والكرامية إلى القول بأن الله يُدرَك بالحواس يؤدي إلى القول بأن الذات الإلهية يدخلها التركيب والجسمية. ولكن ابن تيمية ينكر هذا الاتهام، فيذهب إلى أن هذا القول ينطبق على بعض الحنابلة في خراسان، وأنه لا ينطبق على خيرة الحنابلة، ولا ينطبق أيضًا على كل الكرامية. بل يذهب ابن تيمية إلى القول إن الرازي يعارض كل الرسل والسلف الصالح وأعلام الأمة الإسلامية وعلماء الكلام مثل الأشعري والباقلاني (ت. 03/4 ه 1013 م)، وكذلك حذاق الفلاسفة. لكن، مع هذا، لم يجد ابن تيمية غير ابن رشد ليقدمه مثالً على هؤلاء الحذاق من الفلاسفة، فيذكر ابن تيمية له تهافت التهافت، وفصل المقال (يسميه تقرير المقال)، والكشف عن مناهج الأدلة (يسميه مناهج الأدلة) الذي يذهب فيه ابن رشد إلى القول بعدم صواب نفي الجسمية عن الله من حيث الظاهر عن العامة، رغم أن الخاصة تنكرها على المستوى الباطن. ويصف ابن تيمية الكشفبما يلي: "وقد ضمن هذا الكتاب بيان الاعتقاد الذي جاءت به الشريعة ووجوب إلقائه إلى الجمهور. كما جاءت به الشريعة، وبيان ما يقوم عليه من ذلك البرهان للعلماء كما يقوم به ما يوجب التصديق للجمهور. وذكر فيه ما يوجب على طريقته أن لا يصرح به للجمهور، وذكر فيه ما يوجب من الأمور التي قام عليها البرهان على طريقة ذويه، كما ذكر أنه لا يصلح في الشريعة أن يقال إن الله جسم أو ليس بجسم مع أنه يقول في الباطن إن الله ليس بجسم. ومع هذا فأثبت الجهة باطنًا وظاهرًا وذكر

أنه قول الفلاسفة". ومباشرة بعد هذا العرض لكتاب  الكشف، ينقل ابن تيمية كل ما أورده ابن رشد في الكشففي ما يتعلق بالله وصفة الجسمية، من أجل تقويض النزعة التعطيلية المتطرفة عند الرازي. وقد نقل ابن تيمية عن النسخة الأولى من الكشف، ولم ينقل عن النسخة الثانية التي قدّم فيها ابن رشد تنازلات لصالح ابن تومرت. ومقدمات حجج ابن رشد هي كالتالي: الوحي سكت عن صفة الجسمية؛ إذ أشار الوحي إلى وجه الله ويديه، لكنه لم يصرح من خلال ظواهر النصوص أن الله جسم، وفي الوقت ذاته لم ينفِ الجسمية، ولا يجدر بالعامة، باتباعهم الوحي، جحد جسمية الله كذلك، وذلك لثلاثة أسباب:

(((4 ابن تيمية، البيان، ج 3، ص.675–590 (((4 المرجع نفسه، ج 1، ص 235–231.)235((4((المرجع نفسه، ج 1، ص 236–235. 4(((كما أشرنا سابقًا، ينقل ابن تيمية من النسخة المتأخرة من الكشففيما يتعلق بنقاش ابن رشد لصفة الجسمية، تلك النسخة

التي تضمنت زيادات تتحدث عن ابن تومرت، ينظر: ابن تيمية، الدرء، ج  10، ص 00–2483 (الاقتباسات تتخللها تعليقات وردود

لابن تيمية). ويهدف ابن تيمية في كتاب الدرء من نقاش هذا النص إلى نقد آراء ابن رشد وابن تومرت نقدًا مباشرًا، وليس توظيف

النص من أجل التقليل من اختيارات الرازي. وبناء عليه، تخدم النسخة الثانية من الكشفهدف ابن تيمية في الدرء أفضل من النسخة الأولى التي تعتبر الأقرب إليه في الرأي.

الأول أن الطريق التي سلكها المتكلمون في نفي الجسمية عن الله ليست برهانية، كما أن قولهم بأن الله ذات وصفات زائدة على الذات، فإنهم يوجبون أنه جسم أكثر مما ينفون عنه الجسمية؛ والثاني أن الجمهور لا يستطيع أن يتخيل شيئًا لا يمكن إدراكه بالحواس، وإذًا، قد يؤدي إنكار الجسمية إلى إنكار وجود الله؛ والثالث أن نفي الجسمية عن الله يمكن أن يلقي بالشكوك في نفوس العامة بخصوص ما أورده الوحي من أمور متعلقة بالدار الآخرة ورؤية الله، وهذا ما ينبغي تجنبه حتى لا ينمحي الدين في النفوس. وقد قارن ابن رشد سكوت الشرع عن الجسمية بسكوت الشرع عن ماهية "النفس" (الروح)؛ فلم يذكر الشرع طبيعة الروح "لأنه يعسر قيام البرهان عند الجمهور على وجود موجود قائم بذاته ليس بجسم". وبعد ذلك، يطرح ابن رشد السؤال حول كيف يجب على الجمهور أن يعتقد بخصوص الله إذا لم يثبت الوحي الجسمية ولم ينفها؟ يجيب ابن رشد بأن عليهم أن يعتقدوا الله نورًا، لأن القرآن يقول:

﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالرْضِ﴾ (النور:.)35 والنور قابل للإدراك من الحواس وهذا مهم بالنسبة إلى العامة، مع أن النور ليس بجسم، كما أن أهل البرهان يجدر بهم الاعتقاد أن الله نور. ويعلق ابن تيمية بعد أن أنهى نقله عن ابن رشد نقاشه حول الله والجسم: "قلت: وقد تبين في هذا الكلام أنه في الباطن يرى رأي الفلاسفة في النفس أنها ليست بجسم، وكذلك في الباري، غير أنه يمنع أن يخاطب الجمهور بهذه، لأنه ممتنع في عقولهم، فضرب لهم أحسن الأمثال وأقربها، كما ذكره في اسم النور، وهذا قول أئمة الفلاسفة في أمثال هذا، من الايمان بالله واليوم الآخر، وقد بيّن

بالحجج الواضحة أن ما يذكره المتكلمون في النفي مخالف للشريعة، وهو مصيب في هذا باطنًا وظاهرًا، وقد بيّن أن ما يذكره المتكلمون في نفي الجسم على الله بحجج ضعيفة، وبيّن فسادها وذكر

أن ذلك إنما يعلم إذا عُلم أن النفس ليست جسمًا. ومعلوم أن هذا الذي يشير إليه هو وأمثاله من المتفلسفة أضعف مما عابه على المتكلمين: فإن المتكلمين أفسدوا حججهم هذه أعظم مما أفسدوا به حجج المتكلمين. فيؤخذ من تحقيق الطائفتين بطلان حجج الفريقين على نفي الجسم، مع أن دعوى الفلاسفة أن النفس ليست بجسم، ولا توصف بحركة ولا سكون ولا دخول ولا خروج، وأنه لا يحس إلا بالتصور لا غير، يظهر بطلانه، وكذلك قولهم في الملائكة. وظهور بطلان قول هؤلاء أعظم من ظهور بطلان قول المتكلمين بنحو ذلك في الرب". يرفض ابن تيمية أدلة ابن رشد بخصوص نفي صفة الجسمية عن الله على المستوى الباطن، بل يعتبره أضعف من أدلة المتكلمين. وقد كان ابن تيمية مبتهجًا في تركه المتكلمين والفلاسفة ينسف بعضهم أدلة بعض، لأن هذا يقوي وجهة نظره – ووجهة نظر ابن رشد في مستوى الظاهر – بأن الجسمية ليست ثابتة لله ولا منفيّةً عنه. ولم يصُغ ابن تيمية "قضية عقلية" خاصة به من أجل الدفاع عن وجهة نظره،

4(((ابن تيمية،  1، ص 241 البيان، ج؛ ابن رشد، الكشف، ص  141؛ , p. 60 Faith and Reason , Averroes. 4(((ابن رشد، الكشف، ص  145–138؛ 62 – , pp. 56 Faith and Reason , Averroes. 5(((ابن تيمية، البيان، ج  1، ص 248–247. يتبع هذا الشرح ابن تيمية في: المرجع نفسه، ص 249–248، ويعيد الاقتباس من الجزء

الأول من نقاش ابن رشد بخصوص الجهة، ينظر: ابن رشد، الكشف، ص  145؛ pp. 62–63 , Faith and Reason , Averroes،

الذي يتبع مباشرة القسم المتعلق بصفة الجسمية في الكشف.

بل بدل ذلك يترك ابنَ رشد يتحدث بحرّية، ويتكئ عليه من أجل صياغة قضية عقلية بخصوص مقاربة

العامة للوحي. إلى جانب ذلك، لم يكن هدف ابن تيمية المشار إليه في اقتباسه هذه المقاطع المتعلقة بالجسم والجهة من الكشفإلا من أجل الرد على دعاوى الرازي أن الفلاسفة يتفقون معه، وأن خصومه هم الحنابلة والكرامية فحسب. ويشدد ابن تيمية على أن ابن رشد يمثل الاتجاه العام للفلاسفة، وأن الرازي لا يواجه معارضة شديدة من الحنابلة والكرامية فحسب، ولكن من الفلاسفة كذلك. ولا يمكننا أن ننكر أن مجادلة ابن تيمية لخصومه قد تميزت بالمكر، إذ لم يكن الرازي واعيًا بابن رشد بالقدر

الذي نعرفه الآن؛ فابن رشد والرازي متعاصران ينتميان إلى القرن الثاني عشر الميلادي، يعيش كل واحد منهما في أقصى العالم الإسلامي؛ الرازي في الشرق، وابن رشد في الغرب. وعلى الرغم من شجاعة ابن تيمية وبراعته في استدعاء ابن رشد من أجل إزاحة ابن سينا وتهميش الرازي، لم ينظر ابن تيمية إلى الفيلسوف الأندلسي باعتباره حليفًا يمكن الاعتماد عليه، خصوصًا

في مشكلة الله والجهة. فبعد ذلك بقليل، يقتبس ابن تيمية في البيانمقاطع من فصل المقالالتي يميّز من خلالها ابن رشد بين نوعين من المعنى الظاهر في علاقته بالتأويل. النوع الأول من الظاهر

الذي لا يتطرق إليه التأويل من قبل أيٍّ كان، بينما الصنف الثاني ظاهر يجب على الخاصة تأويله؛ أي

أصحاب البرهان، لأن حمله على ظاهره كفر. ويندرج ضمن الصنف الأخير نصوص الوحي التي تشير إلى الاستواء والنزول. فأهل البرهان وجب عليهم تأويل تلك النصوص، لكن العامة الذين ليسوا من أهل البرهان قد يتخيلون تلك النصوص مستحضرين معانيَ تجسيمية. ويعتبر ابن تيمية أن ما قاله

ابن رشد يتعارض مع ما قرره في الكشف؛ حيث ذكر أن ظواهر النصوص التي تشير إلى الجهة لا تحتاج إلى التأويل، لا من العامة ولا من الخاصة؛ لأن الله والملائكة في الكون الأرسطي لابن رشد يقعون في الخلاء، مسكن الروحانيين.

ثانيًا: استدعاء ابن رشد من أجل إثبات رؤية الله

كان استخدام ابن تيمية الأخير في البيانلأعمال ابن رشد استخدامًا جزئيًا، وهذا مثال واضح على

استدعاء ابن تيمية لابن رشد من أجل بناء حجاج عقلي، في هذه الحالة، ضد الجهود الأشعرية من أجل إثبات رؤية الله في الآخرة. ويقع نقاش ابن تيمية في سياق رد مسهب على جزم الرازي بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه. ويحاج ابن تيمية بأن الله يجب أن يكون موجودًا مُدركًا بالحواس، لأن

القول بغير ذلك يقتضي أن الله عدم. ويقرر أن: "أهل السنة والجماعة المقرين بأن الله تعالى يُرى، متفقون على أن ما يمكن معرفته بشيء من الحواس فإنما يكون معدومًا لا موجودًا". ومن ثم، يشرح

5(((ابن تيمية، البيان، ج  2، ص –90 93؛ , pp. 19–20 Decisive Treatise , Averroës. 5(((ابن تيمية، البيان، ج  2، ص 2،.94–93 (((5 المرجع نفسه، ص 2555–3.4 ومن أجل نظرة عامة حول قضية الرؤية في التراث الإسلامي المبكر، ينظر:

Claude Gilliot, "La vision de Dieu dans l’au–delà: Exégèse, tradition et théologie en islam," in: Mohammad Ali Amir– Moezzi et al., Pensée grecque et sagesse d’orient: hommage à Michel Tardieu (Turnhout: Brepols, 2009), pp. 237–269.

(((5 ابن تيمية، البيان، ج  2، ص.341

فهمَ الرازي لله الذي لا يمكن للحواس إدراكه أنه من قبيل المعدوم، على الرغم من أن الرازي يؤكد أن الله حقيقة القائم بذاته، مع وجود خواص تميزه من سائر الحقائق. بالانتقال إلى قضية الرؤية في الآخرة، يسجل ابن تيمية أن المعتزلة والفلاسفة ينكرون رؤية الله؛ لأنها تستلزم أن يكون الله جسمًا متحيزًا، وأن يكون في حيز أو جهة معينة بالنسبة إلى الرائي. ويؤكد ابن تيمية نفسه أن الله يُرى في الدار الآخرة بالأبصار، وأنه يكون متحيزًا في جهة بالنسبة إلى الرائي. ويسجل كذلك أن بعض الأشاعرة والمتكلم الحنبلي أبو يعلى يؤكدون أن الله يُرى بلا جهة. إضافة إلى أنه ادعى أن بعض متأخري الأشاعرة، مثل الغزالي والرازي، اقتربوا في الرؤية من قول المعتزلة عن طريق تفسير الرؤية بزيادة العلم. في حين يقول البعض إن الله يرى لكن: "يُرى لا فوق الرائي ولا عن يمينه ولا عن شماله ولا في شيء من جهاته". ويتهم ابن تيمية هذه الآراء بكونها إنكارًا للرؤية التي

ثبتت بالنصوص ودلائل المعقول والفطرة، ثم يقتبس كل النقاش بخصوص الرؤية من الكشف، من أجل جعل ابن رشد يقوم بالعمل الشاق المتمثل في هدم الحجج الأشعرية القاضية بجواز الرؤية مع انتفاء الجسمية. يلاحظ ابن رشد في البداية أن المعتزلة ينفون الجسمية والجهة عن الله، وإذًا، ينفون الرؤية كذلك، لأن كل مرئي موجود في جهة من الرائي. ويسجل ابن رشد أن الأشاعرة قد عَسُر عليهم الجمع بين انتفاء

الجسمية وجواز رؤية ما ليس بجسم، ما ألجأهم إلى حجج سفسطائية. وتلك الحجج نوعان: حجج موجهة ضد المعتزلة، وحجج في إثبات جواز الموقف الأشعري. بالنسبة إلى النوع الأول من الحجج، يوضح ابن رشد أن الأشاعرة ضادّوا المعتزلة بالقول إنه ليس كل مرئي محتاجًا أن يكون في جهة من الرائي، لأن هذا المبدأ ينطبق فقط على الشاهد وليس على الغائب.

فليس بالضرورة تعيّن الجهة إذا كان الإنسان يرى من دون العين الجارحة. يرفض ابن رشد هذا؛ لأنه

يؤدي إلى الخلط بين العقل الذي يدرك ما ليس في جهة أو مكان، والقوة المبصرة؛ لأن إدراك البصر من شرطه أن يكون المرئي في جهة، ويتطلب ضوءًا، وجسمًا شفافًا متوسطًا، وكون الشيء المُبصر ذا

لون. وبالنسبة إلى ابن رشد لا يُبصَر إلا ما له لون. أما النوع الثاني من الحجج التي يسلكها الأشاعرة فيهدف إلى إثبات إمكان رؤية الله الذي هو ليس

(((5 المرجع نفسه، ص.365–363 (5((المرجع نفسه، ص.49233–3 (5((من أجل الاطلاع على النقاش بخصوص أدلة الرازي على رؤية الله في الآخرة، ينظر:

Yasin Ceylan, Theology and Tafsır in the Major Works of Fakhr Al–Din Al–Razi (Kuala Lumpur: International Institute of Islamic Thought and Civilization, 1996), pp. 146–154.

وبالنسبة إلى آراء الأشعري والمتكلمين الأوائل، ينظر:

Daniel Gimaret, La doctrine d’al–Ashʿari (Paris: CERF, 1990), pp. 329–344.

5(((ابن تيمية، البيان، ج  2، ص 435–433.)435((5((المرجع نفسه، ص 0–436 45؛ ابن رشد، الكشف، ص  191–185؛ , pp. 71–77 Faith and Reason , Averroes.

بجسم. وفي ذلك يورد ابن رشد حجتين؛ الأولى تُعرض على هذا النحو: الشيء لا يخلو؛ إما أن يُرى من جهة ما هو ملوَّن، أو من جهة أنه جسم، أو من جهة أنه لون، أو من جهة أنه موجود. لكن الصعوبات

تكمن في القول إن شيئًا يُرى من جهة أنه ملون، أو من جهة أنه جسم، أو من جهة أنه لون. ومن ثم، فالأشاعرة يحاجّون بأن ما يجعل الشيء مرئيًا على نحو قاطع هو كونه موجودًا. يرفض ابن رشد إمكانية

أن يرى الإنسان شيئًا لا لون له، ويضيف أنه لو كان الشيء إنما يرى من حيث هو موجود فقط لوجب أن تُبصرَ الأصوات، إضافة إلى ما ينتج من هذا القول من محالات أخرى. الدليل الثاني ينسبه ابن رشد

إلى المتكلم الأشعري الجويني. وبحسب هذا الرأي، فإن الحواس إنما تدرِك ذوات الأشياء في نفسها، وليس بحسب الأحوال التي تتميز بها الموجودات بعضها من بعض؛ لأن تلك الأحوال ليست أشياء قائمة بذاتها. وابن رشد يرفض هذا الرأي ويعتبره فاسدًا، لأن البصر لن يكون في مقدوره التمييز بين الأشياء بناء على اللون إذا كانت الأشياء غير قابلة للتمييز بناء على أحوالها. وبحسب ابن رشد، فإن سبب الحيرة الأشعرية بخصوص رؤية الله هو التصريح بنفي الجسمية للجمهور في منافاة مع نصوص الوحي. والشرع لم يصرح بنفي الجسمية عن الله، لأن هذا يرجع إلى كون الجمهور يجد صعوبة في اعتقاد أن أحدًا يمكن أن يرى شيئًا ليس بجسم. وعقل الجمهور

مرتهن بما يكنّه تخيّله، وكان من الممكن أن يصرّح الوحي بوضوح أن الله ليس بجسم إن أريدَ ذلك.

وبدلً من ذلك، أشار ابن رشد، كما أشير إليه قبلً، في نقاشه حول الله وصِفة الجسمية، أن الوحي قد وصف الله بالنور، لأن النور أشرف المخلوقات القابلة لإدراك الحواس والتخييل، ومن ثم أشار الوحي كذلك إلى أن الناس سيرون الله في الآخرة كما تُرى الشمس، مما لا يعرّض جميعه جماهير

الناس للشك. ومثل تلك التصورات تلائم العلماء أيضًا؛ لأنها قد تبرهن عندهم أن الرؤية في الحقيقة هي مزيد علم. ومن هذا، يستنتج ابن رشد أن الرؤية يجب أن تؤخذ في معناها الظاهر الذي صرح به الشرع، من دون التصريح بنفي إثبات صفة الجسمية لله. بعد اقتباسه كل القسم المتعلق بالرؤية من الكشف، يوجه ابن تيمية ردًا قويًا: "قد عرفت أن هذا الرجل يرى رأي الفلاسفة، وأن ما أخبرت به الرسل في الإيمان بالله واليوم الآخر أكثره أمثال مضروبة، وهذا من أفسد الآراء، وهو قول حذاق المنافقين الزنادقة. وإن كانوا قد لا يعلمون أن ذلك نفاقًا [كذا] وزندقة، بل يحسبونه كمال التحقيق والمعرفة، كما يحسب ذلك هؤلاء المتفلسفة. وليس هذا الموضع موضع بيان ذلك. وإنما المقصود أنه مع كونه في الباطن يرى رأي الفلاسفة والمعتزلة في الرؤية وأنها مزيد علم كما يرى نحوًا منه طائفةٌ من متأخري الأشعرية. فقد علم أنه لا يمكن إثبات الرؤية التي أخبر بها

الشرع مع نفي ما يقولون إنه الجسم، بل إثباتها مستلزم لما يقولون إنه الجسم والجهة. فقد تبين أنه من جمع بين هذين فإنه مكابر للمعقول والمحسوس، وهذا مما قد بيّنه بالدليل فيقبل منه. وأما زعمه أنها

في الباطن مزيد علم. فهو لم يذكر عليه دليل حجة، وقد بين فيما تقدم أنه لا حجة له على أصل ذلك وهو نفي كونه جسمًا إلا إثبات أن النفس الناطقة ليست بجسم، وبين فساد ما احتج به المتكلمون على أنه ليس بجسم بحجج واضحة، ومعلوم أن الأصل الذي بنى عليه هو هذا النفي، وهي مسألة النفس، أضعف بكثير، وأن جمهور العقلاء يضحكون مما يقوله هؤلاء في النفس من الصفات السلبية، أكثر

مما يضحكون ممن يثبت رؤية مرئي ليس هو في اصطلاحهم بجسم ولا في جهة، كما قد بيناه في غير هذا الموضع. وأما دعواه ودعوى غيره من الجهمية، من المعتزلة ونحوهم: أن الرؤية التي أخبر بها الرسول مزيد علم. فمن سمع النصوص علم بالاضطرار أن الرسول إنما أخبر برؤية المعاينة. وأيضًا فإن أدلة المعقول الصريحة تجوز هذه الرؤية وإن لم يسلك في ذلك ما ذكره من المسالك الضعيفة: فإن تلك المسالك الضعيفة إنما ضعفت لأن أصحابها أثبتوا رؤية ما ليس في جهة، ولا هو متحيز ولا حال في متحيز، فاحتاجوا لذلك أن يحذفوا من الرؤية الشروط التي لا تتم الرؤية من دونها؛ لاعتقادهم امتناع تلك الشروط في حق الله تعالى. فأما إذا قيل إن الرؤية المعروفة يصح تعلقها بكل قائم بنفسه، وإن شرط فيها أن يكون المرئي بجهة من الرائي وأن يكون متحيزًا وقائمًا بمتحيز كانت الأدلة العقلية على إمكان هذه الرؤية ما لا يمكن العقلاء أن يتنازعوا في جوازها، وإنما ينفيها من نفاها؛ لظنه أن الله تعالى ليس فوق العالم، وأنه على اصطلاحهم ليس بجسم ولا متحيز ولا حال في المتحيز ونحو ذلك من الصفات السلبية التي ابتدعوها، مع مخالفتها لصحيح المنقول وصريح المعقول. والمقصود أن المنازعين للمؤسس [الرازي] يقولون له: نحن نثبت بالكتاب والسنة والإجماع، ونثبت بالأدلة العقلية الصريحة: إمكان رؤية الرب، ونثبت بالضرورة وبالنظر أن الرؤية لا تتعلق إلا بما يكون في اصطلاحهم في جهة، وإلا بما يكون متحيزًا أو حالً في المتحيز، وإذا ثبت أن الرؤية لا تتعلق إلا بمتحيز أو حال في المتحيز، مع أن المصطلح لها هو الوجود وكماله، ثبت أنه ليس في الموجودات ما لا يكون متحيزًا ولا حالً في المتحيز، بل ثبت امتناع وجود ذلك. وهذا يبقي هذه الصفة في النفس وفي الملائكة وفي الرب سبحانه وتعالى، كما تقدم من الوجوه، وكما ذكروه من الضرورة العقلية". في هذا النقاش مع تعليقات ابن رشد حول رؤية الله في الكشف، ينتقد ابن تيمية باطنية ابن رشد، لكنه، بامتنان، يقبل أدلة الفيلسوف العقلية ضد الأشاعرة: لأنه، بكل تأكيد، لا يمكن إثبات رؤية الله ونفي الجسمية عنه في الوقت نفسه. بل يذهب ابن تيمية إلى نقد تأويل ابن رشد للرؤية بكونها "زيادة العلم"، ويبين أن أصل ابن رشد في ما تقدم – وهو نفي كونه جسمًا – ليس إلا الزعم أن النفس ليست بجسم. ويرفض ابن تيمية هذا الدليل بكونه أضعف حتى من أدلة الأشاعرة. والآن قد خلا الجو لابن تيمية ليقول رأيه؛ فيؤكد أن الرؤية أخبر بها الرسول، وأن أدلة العقول تجيزها، ويمكن الحجاج عليها عقليًا. وإذا أردنا التحدث باصطلاحات المتكلمين: الموجودات التي هي بالفعل موجودات ويمكن رؤيتها، هي الموجودات التي لها امتداد مكاني. والمعنى المتضمن الذي لم يخرجه إلى العلن على نحو صريح أن الله نفسه متحيز؛ وإلا لا يمكن أن يُرى الله في الآخرة. والعمل الذي قام به ابن ارشد لابن تيمية بخصوص رؤية الله هو رد عقلي على الموقف الأشعري، الأمر الذي عبد الطريق لابن تيمية لإثبات أن المؤمنين سيرون الله في الآخرة في جهة معينة. وهذا الموقف الذي نصح به ابن رشد نفسه للجمهور.

(6((ابن تيمية، البيان، ج  2، ص.453–450

خاتمة

نختم بالسؤال الذي بدأنا به: لماذا كان ابن رشد في صلب اهتمام ابن تيمية تحديدًا؟ ليس لمجرد أن ابن تيمية وابن رشد يتفقان بخصوص إجراء النصوص على ظواهرها في كل ما يتعلق بالصفات الخبرية فحسب، ولكن بسبب أن ابن رشد في الكشفيدعم تأويلات ابن تيمية مع عقلانية رفيعة، ويزوده بحجج عقلية ضد خصومه. ويدرك ابن تيمية هذا، فجعله في خدمة أهدافه، وربما تعلم منه عندما كان يطور نظرياته الكلامية. لم يكن لدى ابن تيمية أي تعاطف مع باطنية ابن رشد ونفيه الظاهر لصفة الجسمية بالنسبة إلى الخاصة (أهل البرهان)، لكن كما رأينا في هذه الدراسة ل  البيان، رحّب

ابن تيمية بعقلانية ابن رشد الأرسطية في ما يتعلق بإثبات الفوقية، ودفاعه عن كون الوحي سكت بخصوص جسمية الله بالنسبة إلى الجمهور، وكذلك رده على الأدلة الأشعرية بإمكانية رؤية الله مع نفي الجسمية عنه. ويزود ابن رشد ابن تيمية بموارد عقلية من أجل المقاومة وتهميش موقف الرازي القاضي بنفي الجسمية، وإثباته (أي ابن تيمية) الفوقية من دون الالتجاء إلى أي تأويل ينفي الجسمية عن الله. إن نفي الجسمية بالنسبة إلى الرازي وأمثاله قد ساد في الأشعرية المتأخرة، وكذلك في التقليد الكلامي السني والشيعي على نحو واسع. وفي هذا المستوى من معرفتنا، يظهر أن ابن تيمية كان أول المؤيدين – وربما أوحدهم – لأفكار ابن رشد، أو على الأقل بعض أفكاره في الشرق الإسلامي. لم يكن ابن تيمية فيلسوفًا رشديًا، بل وظف ابن رشد من أجل غاياته المحافظة.

References

المراجع

العربية

ابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم. الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح. تحقيق علي بن حسن بن ناصر وعبد العزيز بن إبراهيم العسكر وحمدان بن محمد الحمدان. الرياض: دار العاصمة،.1999–1993 _______. الرد على المنطقيين. تحقيق عبد الصمد شرف الدين الكتبي. بومباي: المطبعة القيمة،

_______. الصفدية. تحقيق محمد رشاد سالم. المنصورة: دار الهدى النبوية،.2000 _______. النبوات. تحقيق عبد العزيز بن صالح الطويان. المدينة المنورة: الجامعة الإسلامية،.2000 _______. بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية. تحقيق يحيى بن محمد الهنيدي [وآخرون]. ط 2. المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف،.2005 _______. درء تعارض العقل والنقل. تحقيق محمد رشاد سالم. الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1983–1979. _______. منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية. تحقيق محمد رشاد سالم. الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية،.1986

ابن رشد، محمد بن أحمد. الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة. تحقيق محمد عابد الجابري. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1998 _______. تهافت التهافت. تحقيق موريس بويج. بيروت: المطبعة الكاثوليكية،.1930 _______. فلسفة القاضي الفاضل محمد بن رشد الأندلسي المشتمل على كتابين جليلين، الأول فصل المقال في ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال وذيله، والثاني الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة. ط 2. القاهرة: المطبعة الجمالية،.1910 _______. مناهج الأدلة في عقائد الملة. تحقيق محمود قاسم. ط 2. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، التليلي، عبد الرحمن. "آثار ابن رشد في المشرق العربي: طبيعة الرد التيمي على فلسفة ابن رشد." المشكاة. العدد). 2005(3 الرازي، فخر الدين. أساس التقديس. تحقيق أحمد حجازي السقا. القاهرة: المكتبة الأزهرية، 1986. _______. تأسيس التقديس. تحقيق أنس محمد عدنان الشرفاوي وأحمد محمد خير الخطيب. دمشق: دار الصباح،.2011 الطبلاوي، محمود سعد. موقف ابن تيمية من فلسفة ابن رشد: في العقيدة وعلم الكلام والفلسفة. القاهرة: مطبعة الأمانة،.1989 العماري، عبد العزيز. مناحي نقد ابن تيمية لابن رشد. بيروت: جداول للنشر والتوزيع،.2013 وعزيز، الطاهر [وآخرون]. دراسات مغربية مهداة للمفكر المغربي محمد عزيز الحبابي. ط 2. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.1987

الأجنبية

Adamson, Peter (ed.). In the Age of Averroes: Arabic Philosophy in the Sixth/Twelfth Century. London: Warburg Institute, 2011. _________. Interpreting Avicenna: Critical Essays. Cambridge: Cambridge University Press, 2013. Adouhane, Yamina. "Al–Miklatı, A Twelfth Century Ašʿarite Reader of Averroes." Arabic Sciences and Philosophy. vol. 22, no. 2 (2012). Al–Ghazali, Abu Hamid Muhammad. The Incoherence of the Philosophers. Michael E. Marmura (ed. & trans.). Provo: Brigham Young University, 1997. Alonso, Manuel. Teología de Averroës: Estudios y documentos. Madrid: Consejo Superior de Investigaciones Científicas – Instituto Miguel Asin, 1947. Amir–Moezzi, Mohammad Ali et al. Pensée grecque et sagesse d’orient: Hommage à Michel Tardieu. Turnhout: Brepols, 2009. Arnzen, R. & J. Thielmann (eds.). In Words, Texts and Concepts Cruising the Mediterranean Sea: Studies on the Sources, Contents and Influences of Islamic Civilization and Arabic Philosophy and Science Dedicated to Gerhard Endress on His Sixty–Fifth Birthday. Leuven: Peeters, 2004.

Averroes (Ibn Rushd). On the Harmony of Religion and Philosophy: A Translation, with Introduction and Notes, of Ibn Rushd’s Kitab fasl al–maqal, with Its Appendix (D˙amima) and an Extract from Kitab al–kashf ʿ an manahij al–adilla. London: Luzac, 1961. _________. Decisive Treatise & Epistle Dedicatory [Arabic and English]. Charles E. Butterworth (trans.). Provo: Brigham Young University Press, 2001. _________. Faith and Reason in Islam: Averroes’ Exposition of Religious Arguments. Ibrahim Najjar (trans.). Oxford: Oneworld, 2001. Belo, Caterina. Averroes and Hegel on Philosophy and Religion. Farnham: Ashgate,

Brenet, Jean–Baptiste (ed.). Averroes et la averroïsmes juif et latin: Actes du colloque international. Turnhout: Brepols, 2007. Ceylan, Yasin. Theology and Tafsır in the Major Works of Fakhr Al–Din Al–Razi. Kuala Lumpur: International Institute of Islamic Thought and Civilization, 1996 Cressier, Patrice, Maribel Fierro & Luis Molina (eds.). Los Almohades: Problemas y perspectivas. Madrid: Consejo superior de investigaciones científicas – Instituto Miguel Asin, 2005. Di Donato, Silivia. "Le Kitab alkashf an manahig al–adilla d’Averroès: Les phases de la rédaction dans les discours sur l’existence de Dieu et sur la direction, d’après l’original arabe et la traduction hébraïque." Arabic Sciences and Philosophy. vol. 25 (2015). Geoffroy, Marc. "Ibn Rushd et la théologie almohadist: Une version inconnue du Kitab al–kashf an manahig al–adilla dans deux manuscrits d’Istanbul." Medioevo. vol. 26

Gimaret, Daniel. La doctrine d’al–Ash ʿ ari. Paris: CERF, 1990. Hasnawi, Ahmad (ed.). La lumière de l’intellect: La pensée scientifique et philosophique d’Averroès dans son temps. Leuven: Peeters, 2011. Hoover, Jon. "Perpetual Creativity in the Perfection of God: Ibn Taymiyya’s Hadith Commentary on God’s Creation of This World." Journal of Islamic Studies. vol. 15, no. 3 (September 2004). Hoover, Jon. Ibn Taymiyya’s Theodicy of Perpetual Optimism. Leiden/ Boston: Brill,

Houser, R.E. Essays in Honor of Armand Maurer, CSB. Notre Dame: University of Notre Dame Press, 2007. Jolivet, Jean (ed.). Multiple Averroès: Actes du Colloque International organisé à l’occasion du 850e anniversaire de la naissance d’Averroès. Paris: Belles lettres, 1978. Leaman, Oliver (ed.). Averroes and his Philosophy. Richmond: Curzon Press, 1998 Michot, Jean R. "La pandémie avicennienne au VIe/XIIe siècle: Présentation, editio princeps et traduction de l’introduction du Livre de l’advenue du monde (kit ā b hadathu al– ʿ a ā am) d’Ibn Ghaylan Al–Balkhi." Arabica. vol. 40, no. 3 (November 1993).

Michot, Yahya J. "A Mamluk Theologian’s Commentary on Avicenna’s Adhawiyya: Being a Translation of a Part of the Darʾ taʿarud of Ibn Taymiyya, with Introduction, Annotation, and Appendices (Part I)." Journal of Islamic Studies , vol. 14, no. 2 (2003). ________. "A Mamluk Theologian’s Commentary on Avicenna’s Adhawiyya: Being a Translation of a Part of the Darʾ taʿarud of Ibn Taymiyya, with Introduction, Annotation, and Appendices (Part II)." vol. 14, no. 3 (2003). Müller, Marcus Joseph. Philosophie und Theologie von Averroes. Munich: G. Franz,

Renan, Ernest. Averroès et l’averroïsme: Essai historique. Paris: A. Durand, 1852. _________. Averroès et l’averroïsme: Essai historique. 4 th ed. Paris: Calmann Lévy,

Schmidtke, Sabine (ed.). The Oxford Handbook of Islamic Theology. Oxford: Oxford University Press, 2016. Sweetman, J. Windrow. Islam and Christian Theology. 2 parts in 2 vols. each. London: Lutterworth, 1945–1967. Thiele, Jan & Ayman Shihadeh (eds.). Philosophical Theology in Islam: The Later Ash ʿ arite Tradition. Leiden: Brill, [forthcoming]. Urvoy, Dominque. Averroès: Les ambitions d’un intellectual musulman. Paris: Flammarion, 1998. Van Den Bergh, Simon. Averroes’ Tahafut al–tahafut. London: Luzac, 1954.