Return to Article Details Book Review: Mediocracy, by Alain Deneault

مراجعة كتاب: نظام التفاهة لآلان دونو

Book Review Mediocracy by Alain Deneault **

عبد الكريم عنيات

Abdel-Karim Enayat

الملخّص

عنوان الكتاب: نظام التفاهة. عنوان الكتاب في لغته : La médiocratie . المؤلف: آلان دونو. ترجمة: مشاعل عبد العزيز الهاجري. الناشر: دار سؤال للنشر. مكان النشر: بيروت. سنة النشر: 2020. عدد الصفحات : 365 صفحة.

Abstract

Professor of Greek Philosophy in the Department of Philosophy at the University of Setif II, Algeria. anayatkarim@live.fr **  Alain Deneault, La médiocratie (Montréal: Lux Éditeur, 2015).

الكلمات المفتاحية:
  • نظام التفاهة
  • آلان دونو
Keywords:
  • Mediocracy
  • Alain Deneault

عنوان الكتاب:

نظام التفاهة. عنوان الكتاب في لغته: La médiocratie. المؤلف:

آلان دونو. ترجم ة:

مشاعل عبد العزيز الهاجري. الناشر:

دار سؤال للنشر. مكان النشر:

بيروت. سنة النشر: عدد الصفحات:

653 صفحة.

مقدمة: في نقمة التخصص

قد يكون غريبًا أن يتم استثمار الحد

الأقصى لذكاء الإنسان من أجل ترسيخ التفاهة médiocrité La التي أصبحت تتفشى كالأوبئة، وتنتقل من فرد إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى، فصار الكل ينتجها ويقع فريسة لها، وذلك في إطار حلقة مغلقة. ولم تعد الرداءة والتفاهة في حاجة إلى شرعية بيننا، بل نحن من أصبح يطلب منها أن تمنحنا الشرعية كي نستفيد من وضعها. أصبحت الرداءة وضعًا يشكّلنا جميعًا بلا استثناء، وهو الذي وقعنا فيه جميعًا من غير تفرقة بين عالم وجاهل أو خيّر وشرير، وفي الوقت الذي

وقعنا فيها أصبحنا نشترك جميعًا في إعادة إنتاجها بصورة آلية. نحن ننتج التفاهة التي أنتجتنا سلفًا وتُنتجنا دومًا. فهل يمكن العثور على منبع الرداءة الأول؟ وما الوريد الملائم لحقن المصل المضاد للرداءة؟ في هذا الكتاب، يجول بنا آلان دونو، في دراسة أهم ظاهرة معاصرة بدت مسيطرة تمامًا على العالم، وهي حُكمُ أهل الرداءة والتفاهة وتصدّرهم. وعبر مقدمة وأربعة فصول، يقدم لنا العُدّة النظرية المرتبطة بملامح هذا النظام وتمظهراته، والنماذج الواقعية التي تجسدت فيه

(((استعان الباحث الكندي آلان دونو بهذا المصطلح، والذي يقابله باللسان الإنكليزي Mediocracy، علمًا أن هذا المصطلح

ظهر وجرى اعتماده عام 1825، وهو يعني أن يتحوّت المشاهير

والأثرياء على الوعول، بحيث تُرفَع نماذج الرداءة على أصحاب الكفاءة والاستحقاق. (((باحث كندي، حاصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة باريس الثامنة Université Paris 8. وهو مدير برنامج الفلسفة في الكلية الدولية للفلسفة في باريس Collège international de philosophie. يقطن في مدينة مونتريال،

ويعمل حاليًا أستاذًا محاضرًا في تخصص علم الاجتماع بجامعة

كيبك Université du Québec.

رداءة هذا النسق والكوارث التي كان سببًا في

حدوثها. هاكم الخبر الذي يجب إعلانه على الملأ، كصيحة استغاثة عالمية تنذر بالدمار؛ "لقد تبوأ التافهون موقع السلطة" (ص. 69). بدورنا نسأل: من التافهون؟ وكيف ظهروا؟ وكيف وصلوا إلى مراكز السلطة؟ ثم من حقنا أن نطرح السؤال الذي لم يطرحه دونو: أليس من التناقض أن يعتلي التافهُ السلطة؟ أوليس في بلوغه هذه المواقع دلالة واضحة على "عدم تفاهته"؟ ولنتذكر صرخة فريدريك نيتشه Friedrich Nietzsche (1900–1844) الذي كان يدعونا من خلالها إلى الدفاع عن الأقوياء ضد زحف الضعفاء الذين سيطروا بقيمهم التافهة على تاريخ الأخلاق؛ أليس من التناقض الدفاع عن القوي؟ فنحن ننتظر أن يحمينا، فالقوي الذي يحتاج إلى دفاعٍ هو أقلُّ قوةً مما نعتقد. والتافه الذي تحَكّم في دواليب السلطة أكثرُ ذكاء مما

يظهر لنا. إنه التناقض الذي لا يستسيغه العقل، لكن منطق الواقع والتاريخ قد لا يوافق دائمًا منطق العقل. فهناك نسق ما، جعل المتواضع قويًا والذكي مُسيَّرًا سالبًا. تدل العبارة المقصودة في عنوان الكتاب نظام التفاهة على حكم ذوي المستوى المتوسط. وعلى الرغم من أن كلمة Médiocrité قد تعني التفاهة أو الرداءة، فإن المقطع الأول من الكلمة midi تعني الوسط والمنتصف، كما قد تدل على الحالة الواقعة بين الجيد والرديء، أي المستوى المتواضع. وهذا ما يفسر لنا جزءًا

(3)  Friedrich Nietzsche, Par de là le bien et le mal , Henri Albert (trad.) (Paris: Librairie Général Française, 1991), § 260, pp. 324–329.

من سؤالنا السابق، فالمتواضع ليس ضعيفًا من حيث طبيعته، والمتوسط على الأقل يمتلك قدرات تفوق الضعيف والبليد. ومن هنا أمكن له أن يحكم ويسود. وبناء عليه، ف "مصطلح نظام التفاهة يفيد المرحلة المتوسطة خلال فعل ينطوي على ما هو أكثر من التوسط: إنه يعني الدرجة الوسطى بعد رفعها إلى مصاف السلطة. بذلك، فإن نظام التفاهة يؤسس لوسط [...] يصبح هو المعيار الذي نضطر للخضوع له" (ص. 70). ومصدر ترسخ هذا النظام هو سيطرة آلية التخصص في التعليم والتوظيف؛ فبعدما امتدح آدم سميث Smith Adam (1790–1723)، وإميل دوركايم Durkheim Émile (1917–1858)، التخصص باعتباره أساس الحضارة وعماد الاقتصاد الإنساني، إذ قال الأول إن الجزء الأكبر من الكفاءة الإنسانية واستقامة الرأي قد تولد من التخصص وتقسيم الأعمال، وقال الثاني إن نمو الشخصية الفردية متوقف على ترسخ تقسيم العمل ذاته، ها هو آلان دونو وغيره من المفكرين يقرون بأنه سبب العديد من كوارث الحضارة الإنسانية في الأزمنة الراهنة. فأصبح الخبير المتخصص أداةً لصنع التفاهة وتكريسها؛ إذ يُوظَّف في سياقات تتجاوزه من دون وعي منه. وأصبح الذكي المتخصص والخبير المتمرس أداةً تُستخدم من طرف الذين هم أدنى منه علمًا وجودةً. وغدا المال مُكمِّمًا لأفواه أهل الاختصاص عن قول

(((للتوسع يمكن العودة إلى:

Adam Smith, Recherches sur la nature et les causes de la richesse des nations (Paris: Gallimard, 1976), p. 37; Émile Durkheim, De la division du travail social, 2 nde ed. (Paris: PUF, 1991), p. 399.

الحقيقة، كل الحقيقة (ص 82. وهنا تظهر) عبقرية التافه في استغلال لُب الذكاء الإنساني لصالح تكريس نظام لا يخرج هذا الذكاء المخارجَ

المُثلَى. إن عمهَ الإنسانية الجزئي تولد من الالتزام بالتخصص. وكل عقلانية متخصصة مرشحة لأن تسقط في اللاعقلانية أو العقلنة المفرطة التي هي شر الوجود، أو أن تُستغل من طرف عقلانية التفاهة التي لا تُستهدف إلا لتجييش التفاهات المشابهة لها من أجل مصالح ضيقة تهدم العالم لاحقًا. وأي إصلاح لا ينطلق من حتمية الترابط البينذاتي لا يمكن أن يكون بداية لأمل جديد للإنسانية؛ لأن الإصلاح التخصصي الجزئي المستقيل يؤول في النهاية لأن يُستغل من طرف التافهين الذين يوظفون هذا الانفصال بين التخصصات والمجالات؛ من أجل حصد منافعهم المشبوهة. فإصلاح الحياة لا ينفصل عن إصلاح الأخلاق أو إصلاح الفكر أو التربية أو السياسة أو الحضارة؛ فهناك اعتماد متبادل بينها interdépendance. وهذا الربط المعقد

(((هذا ما قاله الصحافي الأميركي كريس هيدجيز Chris Hedges: "إن الأكاديميين هم المسؤولون عن عللنا الاجتماعية [...] متخصصون في مجالات معرفية فرعية متناهية الصغر، فاقدون للقدرة على التفكير النقدي، مهووسون بالتطور الوظيفي [...] فما تم العمل عليه في الجامعات من أبحاث ومن تدريب، هو ضمن العوامل التي خلقت مشكلات مثل: الأزمة الإيكولوجية الحالية، تباين الدخل المسبب للإقصاء وطنيًا

وعالميًا، اعتمادنا على الوقود الأحفوري، الاستهلاك المتزايد،

التقادم المخطط له (توقيف منتوج قديم عن طريق توقيف إنتاجه وإنتاج قطع الغيار، وتقديم منتوج جديد لحمل المستهلك على الشراء البديل الجديد، رغم كون الأول لا يزال صالحًا

للاستعمال)، استعمار العقول من قبل الإعلان التجاري، سيطرة نظام التمويل الدولي على الاقتصاد" (ص. 88)–87 (((إدغار موران، المنهج: معرفة المعرفة، الأفكار، ترجمة يوسف تيبس، ج 4–3 (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2013)، ص.471

(7)  Edgar Morin, La Voie: Pour l’avenir de l’humanité (Paris: Librairie Arthème Fayard, 2011), p. 297.

هو الذي يغلق إمكانية الاستثمار الشيطاني من طرف صُنّاع الرداءة. لذا، فإن صرخة التكامل، اليوم تحديدًا، أهم بكثير من دعوى التخصص التي هيمنت بداية من القرن الثامن عشر إلى القرن العشرين، حتى يوم الناس هذا.

أولا: المعرفة والخبرة، أو إنتاج الحقيقة العلمية بحسب الطلب

عندما تكون المعرفة الأكاديمية والخبرات الجامعية في خدمة سوق العمل والاقتصاد، فاعلم أن نظام التفاهة هو الذي يتحكم في نسق المعرفة الحقة. وقد اعترف العديد من رؤساء الجامعات بتبعية مخابرهم للشركات التجارية التي تستهدف الربح والسيطرة، ولو على حساب الحقيقة. ولم تَسلم العلوم الإنسانية، مثل علم النفس، من هذا الاستغلال؛ لتكريس الاستهلاك وإبرام الصفقات التجارية الكبرى (ص. 93). وعندما تسبق الاعتباراتُ النفعية الاعتباراتِ العلمية الخالصة، فلا يمكن إلا أن نتيقن سطوةَ التفاهة على الخبرة. بل هناك تواطؤ مقصود من طرف بعض المخابر الجامعية من أجل تبرئة ذمة بعض المشاريع التي تمثّل تهديدًا للإنسان والبيئة؛ ما يؤكد انحراف بعض الجامعات التي ترزح تحت وطأة تأثير المال الفاسد. وذهب البعض إلى حد المماثلة بين ممارسات بعض تجار المخدرات وممارسات بعض مسؤولي الجماعات. ففي مقال نشره الباحث أليكسندر أفونسو، حمل عنوان "كيف تشبه الأكاديميا عصابة المخدرات"، عمد إلى المقارنة بين

(((أستاذ السياسة المقارنة في قسم الاقتصاد السياسي في كينغز كوليدج بلندن. تتركز أبحاثه في مجال سياسات سوق العمل وسياسات هجرة اليد العاملة.

الدخل المتفاوت بصورة مهولة في شبكات تهريب المخدرات ونظام التعويض المالي الغالب في الجامعة؛ فالكل متواطئ ضد المجتمع من أجل تحصيل المزيد من المنافع. وتفيد التقارير تورط العديد من شركات مبيدات الحشرات والمشروبات الغازية وشركات الأدوية في تزوير التقارير العلمية أو التخفيف من حدة نصائحها؛ من أجل ضمان استمرار الإنتاج وتحقيق الأرباح (ص. 144). وقد أسفر بعض التحقيقات عن العضوية المزدوجة لبعض الخبراء في المخابر العملية ومجالس إدارة الشركات الإنتاجية، وهذا ما يعرض كل تقاريرهم البحثية للشكوك العلمية في صدقيتها. هناك حلقة تضيق النطاق شيئًا فشيئًا حول قيمة المعرفة العلمية؛ إذ إن الجامعات تموَّل من

الشركات التي تتحصل على تقارير لمصلحتها. وهنا تُطرح مسألة قديمة كان لفلاسفة الإغريق رأيٌ فيها، وهي العلاقة الحقيقية بين المعرفة

والمصلحة. فالحقيقة التي توضع وسيلةً للمصلحة، لا يمكن أن تكون حقيقية بالمعنى المطلوب. إن من يخدم المصلحة المحدودة لأناس متوسطين لا يختلف عن خدام الفلسفة المزيفين وممثليها التافهين، كما لاحظ ذلك آرثر شوبنهاور

Arthur Schopenhauer

)1860–1788(. فالتفلسف في أفق الجامعة الممولة من طرف أيديولوجيا ما، مثلها مثل

(((تعود فيه حصة الأسد إلى البارونات وتجار المخدرات،

بينما يحصل البائعون في الشوارع على مقابلٍ بخسٍ دراهم معدودات.

(10)  Alexandre Afonso, "How Academia Resembles a Drug Gang," LSE Blogs, 11/12/2013, accessed on 14/9/2021, at: https://bit.ly/3AcE7mF

(1((فريدريك نيتشه، شوبنهاور مربيًا، ترجمة قحطان جاسم

(بيروت: منشورات ضفاف؛ الرباط: دار لمان؛ بغداد: دار أوما؛ الجزائر: منشورات الاختلاف، 2016)، ص.126

المَخبَر المموَّل من شركة مغرضة، ليست إلا

فلسفة مزيفة وليس إلا مَخبرًا عميلً.

ثانيًا: التجار والتمويل، أو في سيولة الخير والشر

من الاقتصاد تولدت التفاهة التي سيطرت على بقية المجالات، لأنه المصدر الأول والأخير لأي ثروة ممكنة. وفي هذا السياق، قال عالم الاجتماع جورج زيمل Simmel Georg (1918–1858)، صاحب كتاب فلسفة النقود Philosophie des Geldes (1900)، إن المال قد أصبح "تحديدًا غاية الغايات لغالبية الناس في حضارتنا [...] ففي عقل الرجل الحديث، ما عادت فكرة الاحتياج تعني احتياج السلع المادية، ولكن فقط احتياج النقود اللازمة لشراء هذه السلع" (ص. 202). وجرت تورية كل القيم الأخرى، الدينية والجمالية والأدبية وغيرها، وراء القيمة المادية. وتعمد المؤسسات الاقتصادية التي استنزفت ثروات البلدان الضعيفة، وبخاصة الأفريقية، إلى تقديم مساعدات طبية وغذائية لا تمثل أي قيمة، مقارنة بما جرى استنزافه. وهنا يتلون الخير بلون خبيث لا يمكن تسميته أو كشفه. لقد أصبح الخير شرًا

والشر خيرًا. وجرى تعطيل الحس الأخلاقي

أو تخديره، إلى درجة أننا أصِبنا بضعف نظر أخلاقي، فنرى الخير شرًا والشر خيرًا. بل أصبح

الذين تعرضوا لتصفية اقتصادية ينتجون شرًا أكثر

شرّيَّةً من خلال استغلال ضعفاء الضعفاء، مثلما

(1((وينظر: جورج زيمل، فلسفة النقود، ترجمة عصام سليمان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020)، ص.621–620 (1((زيجمونت باومان وليونيداس دونسكيس، الشر السائل:

العيش مع اللابديل، ترجمة حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2018)، ص.160

استغل عميان جوزيه ساراماغو Saramago José (2010–1922) عميان المستشفى لبيع الطعام. وأصبح الخير يُقدّم في إطار مشكوك في خيريته، وما الخيرية الإعلامية التي تقودها الشركات الكبرى إلا مثالٌ على ذلك، حيث عُقِد القران بين الأخلاق والأعمال، على حد تعبير جيل لوبيفتسكي، منتجًا "إيتيقا بزنس " Business Ethics، في مشهد يربك الأخلاقيات التقليدية ويفقد صلابة الخير طبيعته المألوفة.

ثالثًا: الثقافة والحضارة أو التفاهة في الشاشة

عندما يتحول الثراء إلى تأشيرة مرور مطلقة، فإن حكم التفاهة قد بلغ أشُدّه (ص. 251). فليست مهمة المال الإنجاز فحسب، بل التورية عن القيم السلبية لأي إنجاز. وظهرت فجأة سلعة تُشترى؛ هي الصمت. فكم من خبير سكت وكم من مخبر أخفى منشوراته وكم من رجل دولة خان شعبه... إلخ. الصمت هنا يعني صفقات بالملايين. الكل مستفيد هنا، ما عدا الضعفاء والحيوان والطبيعة. رهطٌ فقط خرج عن صمته، ليجد نفسه بلا عمل وبلا منزل يؤويه. ومن كبت الحقيقة، ظهرت على جلده بثور المرض والقلق والجنون. وليت الشركات الكبرى التزمت حدود عملها، بل إنها انتقلت إلى صناعة ثقافة جديدة وتعطيل ثقافات أخرى أو تفكيكها؛ أصبح المال الفاسد يتحكم في السياسات التي تصنع القانون والإنسان على مقاس المستهلك المثالي (ص).268–264

(1((جوزيه ساراماغو، العمى، ترجمة محمد حبيب (دمشق: دار المدى للثقافة والنشر، 2002)، ص.165

(15)  Gilles Lipovetsky, Le crépuscule du devoir: L’éthique indolore des nouveaux temps démocratiques (Paris: Gallimard, 1992), p. 313.

واستُبدل الكوجيتو الكلاسيكي بكوجيتو الاستهلاك المفرط. ولا يشعر إنسان اليوم بكينونته العميقة إلا عندما يستهلك أكثر فأكثر. يقابل زيادة الاستهلاك من طرف الشركات بتقليص ميزانيات الأمان التي يستفيد منها، مثلما فعلت شركات النقل بالسكك الحديدة الأميركية والكندية؛ ما أدى إلى وقوع المزيد من الضحايا. هنا استنجد الاقتصاد بالفن؛ لكبح عواطف سكان بحيرة ميغانتيك Lac–Mégantic الكندية سنة 2013 (ص. 282). لقد أصبح الشعور الفني مصابًا ب "الأليكسيثيميا" Alexithymia تحت تخدير المال. فمثلما يشتري المال الصمت، يشتري كذلك الأصوات الحَبُورَة. إنه تنميق للعالم du esthétisation ’ L

monde كما وصفه جيل لوبيفيتسكي وجان سيروي في كتابهما الأخير: جمالية العالم: العيش تحت كنف عصر الرأسمالية الفنية. فقد أصبحت الرأسمالية فنانة، لها صوت يكفكف الدموع. وهنا يأتي دور الشاشة العالمية الكبرى L’ecran Global في توجيه العقول، سلبيًا أو إيجابيًا، نحو أهداف مخطط لها من

طرف الشركات الاقتصادية. وفي النهاية، فإن العصابات العالمية تتكون من سلطة سياسية، وسلطة مالية، وسلطة إعلامية. أصبحت الشاشة في كل مكان، لا في السينما فقط؛ شاشة في البيت، وفي الشارع، وفي المقهى، كلها توجه نحو قيم معلومة ومدروسة. لم تمت السينما، وإنما فتحت آفاقًا جديدة لكينونتها. أصبح العالم

((1(حالة مرضية تتمظهر في العجز عن الشعور أو الفشل في

التعبير عن المشاعر أو حتى فقدان العواطف إجمالً؛ ما يؤدي إلى خلل في التواصل مع الغير.

(17)  Gilles Lipovetsky & Jean Serroy, L’esthétisation du monde: Vivre à l’âge du capitalisme artiste (Paris: Gallimard, 2013).

شاشة والشاشة عالمًا. لكن الأدهى هو انتقال

نظام التفاهة من المؤسسات إلى الشاشات: "إن النظام التافه يستمر في إلقاء ثقله علينا. إن كنا نريد انتقاده بطريقة نُسمَع معها خارج دوائرنا

الداخلية، سوف نضطر إلى محاولة استخدام لغة هذا النظام، على التلفاز، تحديدًا" (ص. 287). وهنا يشعر الإنسان أنه محاط بالتفاهة والرداءة من كل الجهات. فهل التحرر من التفاهة يكون بالدخول فيها؟ ربما تكمن إيجابية هذا الخيار في حدود احتمال الفرد للتمسك بقيمه المنافية للتفاهة. إن نظام التفاهة ساحر بقوة مذهلة، ففي الوقت الذي تعمل فيه على التخلص منه، تجد نفسك غارقًا في قيمه.

رابعًا: ثورة إنهاء ما يضر بالصالح العام أو عندما تصبح الرأسمالية كارثية

بماذا يمكن أن نصف الحالة السابقة؟ وأين يتكتل الاقتصادي مع السياسي والقانوني من أجل تحقيق مصالح الأقلية؟ بلغة بسيطة؛ هو يمثل سلسلة فساد بحلقات مترابطة. فالفساد الاقتصادي الذي جلبته الرأسمالية المتوحشة فساد مُعدٍ أو جائحي، إن صح هذا التعبير. ينتقل

من الاقتصاد إلى السياسة، ومنه إلى الجامعة، وهكذا دواليك. وحتى آليات الرقابة الديمقراطية لا يمكن أن تفعل الشيء الكثير في هذا الجو المتعفن بالفساد القائم على التفاهة (ص. 083)؛ لأن استغلال ثروات الشعوب من أجل رفاهية البعض، هو ما يمثل التفاهة الحقيقية، فلا يمكن للإنسان ذي الفكر العميق والقيم الراسخة

(1((جيل ليبوفيتسكي وجان سيروي، شاشة العالم: ثقافة،

وسائل إعلام وسينما في عصر الحداثة الفائقة، ترجمة وتقديم رواية صادق (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2012)، ص.29

أن يعيش في رفاهية على حساب موت الآخرين، سواء أكانوا بشرًا أو شجرًا أو حتى حشرات. هذه

قمة التفاهة والرداءة التي سادت هذا العالم بدرجة لم تبلغها من قبل. وفي المقابل من ذلك، نلاحظ اندلاع ثورات الشعوب التي لا تهدأ، سواء أكانت هذه الثورات سلمية بيضاء أم دموية حمراء، ونتساءل عن سببها الرئيس الذي هو في النهاية مقاومة التفاهة التي هيمنت وتعمل على بسط سيطرتها ونفوذها بلا هوادة. فالمطالبة بالإصلاح السياسي هو في الآن عينه مطالبة بالشفافية الاقتصادية والقانونية والعلمية والتربوية... إلخ، فلا يمكن أن تكون الثورة هدفًا في ذاتها، فمن العتَه أن تثور الشعوب من أجل الثورة فقط، بل كما لاحظت المنظِّرة الماركسية روزا لوكسمبورغ Luxemburg Rosa (1871–1919) أن "الناس لا يصبحون ثوريين لأنهم يحبون الأزمة أو الكارثة، بل يصبحون كذلك لأنهم يخشون هذه الأزمة أو الكارثة التي يقودنا إليها النظام الراسخ لزمننا" (ص. 013)، وذكّرت لوكسمبورغ الجميع بأن الاقتصاد الرأسمالي كان متجهًا نحو الكارثة، وكان يجلب الكارثة للناس الخاضعين لنظامه. لكن من منا لم يخضع لمنطق الرأسمالية؟ لمنطق هذه العقلانية المجنونة حتى التفاهة؟ ليس النظام الاقتصادي الحالي إلا نظام كوارث متتالية، ففي ازدهاره كوارث وفي انحساره كوراث أخرى، إنها الرأسمالية المفترسة التي لا يمكن أن تصحح الوضعية التي أنتجتها.

(1((أنتوني لوينشتاين، رأسمالية الكوارث: كيف تجني

الحكومات والشركات العالمية أرباحًا طائلة من ويلات الحروب

ومصائب البشرية، ترجمة أحمد عبد الحميد، سلسلة عالم المعرفة 78 4 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2019)، ص.372

خاتمة: سياسة الوسط المتطرف

حقيقٌ بنا أن نتساءل في خاتمة هذه القراءة الموجزة: من المسؤول عن إنتاج هذا العقل الرأسمالي الذي يلتفُّ على أي معاهدة دولية لحماية الإنسان أو الطبيعة؟ والأدهى أن الأقوياء قد تواطؤوا مع الضعفاء من أجل ضرب المسمار الأخير في نعش النظام البيئي! إن الالتفاف حول بروتوكول كيوتو Protocol Kyoto المنعقد سنة 1992، من خلال استحداث سوق لبيع وشراء حقوق تلويث الأرض، لهي جريمة شنعاء أنتجها الذكاء الرأسمالي التافه الرديء (ص 3–17 18.)3 فالإجرامية هنا مثبتة للبائع والمشتري على السواء. الضحية الوحيدة هي الأرض، وكل الموجودات التي تعيش فيها، بما في ذلك طرفا العقد الذي بيع فيه نقاء الهواء. هنا تحديدًا نفهم مدلول التفاهة والرداءة؛ تطوير ذكاء الإنسان ضد الإنسان. التفاهة هي الأنانية العمياء Egoïsme aveugle التي تُفكر بجنون وتتصرف بعتَهٍ. حتى إن بعض الجمعيات الخضراء دخلت في لعبة المصلحة الشخصية القريبة، وفي حروب ضد الطبيعة، في الوقت الذي تعمل فيه على حماية الطبيعة. أصبحت الفلسفة الإيكولوجية

أيديولوجيا La philosophie écologique

جديدة لا تقل خطرًا عن أيديولوجيا الرأسمالية

والاشتراكية التافهة، فقد زرعت ريبية قاتلة تجعلنا نعجز عن الحكم، ونفشل في التمييز بين الخير والشر. وكثُرت التقارير حول البيئة ووضعية الأرض، إلى درجةٍ أصبح البعض يتشكك في حقيقة المسألة، وهذا ما عُرِف بالإيكولوجيا

(20)  Bjorn Lomborg, L’écologie Sceptique: Le véritable état de la planète , Anne Terre (trad.) (Paris: Le Cherche Midi, 2004), p. 19.

التي سارت في L ’ écologie Sceptique الريبية سياق مخالف لخطاب التهويل والتخويف الذي انتشر بلا أي ضوابط موضوعية، وهذا ما أدى إلى تشكل خطاب مضاد لكل ما يجري تداوله، فظهرت مصطلحات من قبيل: ضد التأويل، وضد المنهج، وضد التاريخ، وضد التفكيك، وضد الدولة... إلخ. أصبح كل شيء مشكوكًا فيه وكل شيء مقبولً أيضًا. فقط المال هو الذي لا يُشكُّ فيه، لأنه أداة رفاهية وأداة تفاهة في الآن

عينه. ما يبدو لنا عيشًا رغيدًا على حساب الغير، إنسانًا كان أم طبيعة؛ هو مجرد تفاهة. وقد تؤدي المؤسسات الاقتصادية والمالية، مثلما فعلت شركة آل روكفير البترولية أو تصريحات كريستين لاغارد Lagarde Christine مديرة الصندوق الدولي (ص. 293)، دور المصحح والمعدل، لكنها في النهاية مجرد تمثيليات لإرضاء الشعور بالعدالة، وهو إرضاء وهمي في النهاية. يجتهد نظام التفاهة في أداء تمثيليات من أجل استباق الأزمات التي قد تكلفها مجهودات إضافية. فالرأسمالية مستعدة للتحالف مع الشيطان أو مع الإله – لا فرق البتة – من أجل ضمان استمرارية النظام على حاله. وهو النظام القائم على توزيع السلطة والمال على أكبر عدد من الهيئات من أجل الحفاظ على السلسلة مترابطة على الشكل التالي: "تخضع الشركات للقوانين، والقوانين تصدر بضغط من الناشطين السياسيين، والناشطون السياسيون يتحركون بناء على الإعلام، والإعلام يصغي بانتباه إلى الأسواق وكيفية تطورها، والأسواق عرضة للأوضاع الجارية، والأوضاع الجارية تتأثر بأفعال البنوك المركزية، والبنوك المركزية مستقلة عن الحكومات، والحكومات تدار من قبل أحزاب سياسية قريبة من الجريمة

المنظمة، والجريمة المنظمة 'تغسل' أموالها في كيانات الأوفشور Company Offshore، وهذه الكيانات أصبحت جزءًا من الشركات متعددة

الجنسيات، والشركات متعددة الجنسيات معتمدة على وكالات التصنيف، ووكالات التصنيف تبدي آراء في الميزانيات الحكومية، والميزانيات الحكومية مبنية على الواقعية والبراجماتية" (ص 1–350.)35 الكل متواطئ من أجل الحفاظ على التوازنات على حالها، والكل يستفيد بقدر ذكائه وطاقاته الخداعية. يبقى الإنسان الضعيف والأرض هما الوحيدَيْن اللذين يدفعان فاتورة سيطرة التفاهة ونمذجة الرداءة. والسؤال الذي لا يفارق الأذهان المتوقدة: ما مصير الأرض المسكينة؟ إن كنا نحن وقود الحياة؛ فما مصير الحياة على هذا الكوكب التعيس؟ لقد تنبأ نيتشه، على الرغم من أنه لم يعاصر ما نحن فيه من أوضاع كارثية، بخطر سقوط حكومات العالم في أيدي رجال متوسطين، في حين أن المطلوب هو سيادة أفضل الناس وأرقاهم. لقد كان الإغريق على وعي حاد بهذه الوضعية. فالأرستقراطية، على الرغم من كل مساوئها، قادرة على إدراك تفاهة البشر العادي. هل يمكن إيقاف هجمة الرأسمالية هكذا دفعة واحدة؟ عمليًا، الأمر مستبعد بالكلية، فليست

الاشتراكية جنة أرضية، كما أن الرأسمالية ليست جحيم القرن. كل ما في الأمر هو أن الطبيعة العاقلة للإنسان هي التي أوصلته إلى هذه الوضعية. وكما أن مصانع الرأسمالية جعلت

(2((كارل لوفيث، من هيجل إلى نيتشه: دراسات حول تاريخ

العالم المسيحي – البرجوازي، ترجمة ميشال كيلو، سلسلة دراسات فكرية، ج 2 (دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1988 1941[])، ص.36

الطبقة الوسطى ملوكيةً، فعلينا أن ندفع فاتورة ذلك. فالقوى البنائية تسير جنبًا إلى جنب مع القوى العدوانية. وهكذا القانون المانوي

(2((سيغموند فرويد، الغريزة والثقافة: دراسات في علم

النفس، ترجمة حسين الموزاني (بغداد/ دمشق: منشورات الجمل، 2017)، ص.139

المراجع

العربية

بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2018

السياسات،.2020

منشورات الجمل،.2017

ميشال كيلو. سلسلة دراسات فكرية. دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1988.]1941[

المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2019

ترجمة وتقديم رواية صادق. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2012

لمان؛ بغداد: دار أوما؛ الجزائر: منشورات الاختلاف،.2016

[الثنَوي] هو الحقيقة الوحيدة التي نشاهدها، فقوة الشر مستقلة عن إرادة الإنسان! ولأن النسق أقوى من الأفراد، فالكل يسعى لخيره الخاص.

((2(المانوية ديانة تقول بإلهين قديمين خالقين، أحدهما خالق للخير، والآخر خالق للشر.

References

باومان، زيجمونت وليونيداس دونسكيس. الشر السائل: العيش مع اللابديل. ترجمة حجاج أبو جبر.

دونو، آلان. نظام التفاهة. ترجمة مشاعل عبد العزيز الهاجري. بيروت: دار سؤال للنشر،.2020 زيمل، جورج. فلسفة النقود. ترجمة عصام سليمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة

ساراماغو، جوزيه. العمى. ترجمة محمد حبيب. دمشق: دار المدى للثقافة والنشر،.2002 فرويد، سيغموند. الغريزة والثقافة: دراسات في علم النفس. ترجمة حسين الموزاني. بغداد/ دمشق:

لوفيث، كارل. من هيجل إلى نيتشه: دراسات حول تاريخ العالم المسيحي – البرجوازي. ترجمة

لوينشتاين، أنتوني. رأسمالية الكوارث: كيف تجني الحكومات والشركات العالمية أرباحًا طائلة من ويلات الحروب ومصائب البشرية. ترجمة أحمد عبد الحميد. سلسلة عالم المعرفة 78.4 الكويت:

ليبوفيتسكي، جيل وجان سيروي. شاشة العالم: ثقافة، وسائل إعلام وسينما في عصر الحداثة الفائقة.

موران، إدغار. المنهج: معرفة المعرفة، الأفكار. ترجمة يوسف تيبس. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،

نيتشه، فريدريك. شوبنهاور مربيًا. ترجمة قحطان جاسم. بيروت: منشورات ضفاف؛ الرباط: دار

الأجنبية

Afonso, Alexandre. "How Academia Resembles a Drug Gang." LSE Blogs. 11/12/2013.

Lipovetsky, Gilles & Jean Serroy. L’esthétisation du monde: Vivre à l’âge du capitalisme

Lipovetsky, Gilles. Le crépuscule du devoir: L’éthique indolore des nouveaux temps

Lomborg, Bjorn. L’écologie Sceptique: Le véritable état de la planète. Anne Terre

Morin, Edgar. La Voie: Pour l’avenir de l’humanité. Paris: Librairie Arthème Fayard,

Nietzsche, Friedrich. Par de là le bien et le mal. Henri Albert (trad.). Paris: Librairie

Smith, Adam. Recherches sur la nature et les causes de la richesse des nations. Paris:

at: https://bit.ly/3AcE7mF Deneault, Alain. La médiocratie. Montréal: Lux Éditeur, 2015. Durkheim, Émile. De la division du travail social. 2 nde ed. Paris: PUF, 1991.

artiste. Paris: Gallimard, 2013.

démocratiques. Paris: Gallimard, 1992.

(trad.). Paris: Le Cherche Midi, 2004.

Général Française, 1991.

Gallimard, 1976.