العلموية وأخلاقيات البيولوجيا
Scientism and Bioethics
الملخّص
تسعى هذه الدراسة إلى تحديد الأخلاق المطلوبة اليوم بغية تسييج الأبحاث البيولوجية بثوابت معيارية، ولا سيما في عصرٍ فُرِض على الأخلاق أن تكون في مواجهة مفهوم "التقدّم". وتكمن إشكالية الدراسة في البحث عن إجابة عن السؤال: كيف يمكن الأخلاق أن تقوم بعمل المراقب أو المرشد، رغم ما تعانيه من أزمة في التأسيس، بسبب علائقيتها مع مؤثرات معرفية وثقافية ودينية شتى؟ وبالاعتماد على أدوات المنهج التحليلي، فإن ما ستتناوله الدراسة، على وجه التحديد، هو الحجاج الفلسفي الأخلاقي حول التقنيات البيولوجية الراهنة، انطلاقًا من علم الواجبات الأخلاقية، وممّا هو كائن، إلى ما يجب أن تكون عليه هذه الممارسات البيولوجية، في سياق فلسفي يروم إثبات خطر "العلموية"، ومشروعية التخوف البيولوجي، في نهاية الأمر.
Abstract
Abstract: This study seeks to define the ethics required today in order to constrain evolutionary biological thought with normative constants, especially in an era where ethics is forced to oppose the concept of progress. The objective of this study is to search for an answer to the question: How can ethics perform the work of an observer and guide, despite suffering from a foundational crisis due to its relationship with various cultural and religious influences? Relying on the analytical method, this study will specifically address the ethical philosophical arguments about current biological techniques, starting from the notion of moral obligation together with what it entails for biological practice. The philosophical goal is to prove the danger of Scientism, and the legitimacy of concern about biological research.
- ديونطولوجيا
- الجينوم
- المسؤولية
- قدسيّة الحياة
- العلموية
- التطور
- القلق البيولوجي
- Deontology
- Genome
- Responsibility
- Sanctity of Life
- Scientism
- Evolution
بثوابت معيارية، ولا سيما في عصرٍ فُرِض على الأخاق أن تكون في مواجهة مفهوم "التقدّم".
وتكمن إشكالية الدراسة في البحث عن إجابة عن السؤال: كيف يمكن الأخاق أن تقوم بعمل المراقب أو المرشد، رغم ما تعانيه من أزمة في التأسيس، بسبب عائقيتها مع مؤثرات معرفية وثقافية ودينية شتى؟ وبالاعتماد على أدوات المنهج التحليلي، فإن ما ستتناوله الدراسة، على
وجه التحديد، هو الحجاج الفلسفي الأخاقي حول التقنيات البيولوجية الراهنة، انطاقًا من علم الواجبات الأخاقية، وممّا هو كائن، إلى ما يجب أن تكون عليه هذه الممارسات
البيولوجية، في سياق فلسفي يروم إثبات خطر "العلموية"، ومشروعية التخوف البيولوجي، في نهاية الأمر.
البيولوجي.
مقدمة
لا مراء في أن لتطور العلم، ومتعلقاته من تقنية حديثة، دورًا مهمًّا في تحسين شروط الحياة
الإنسانية، وعلى الرغم من الأهداف النبيلة المعلنة لهذا التطور، فإنها لا تخفي مشكات جمّة، على المستويات الاجتماعية والصحية والأخاقية والقانونية، نجمت من جرَّاء هذا التطور،
لا سيما لدى الحديث عن علم البيولوجيا تحديدًا؛ لما لهذا الاختصاص من دور مؤثر في حياة الكائنات الحية، وعلى رأسها الإنسان نفسه. أدى تطور النقاشات الأخاقية والقانونية في مجال البيولوجيا، إلى تبنّي منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" هذه النقاشات منذ عام 993.1 وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي تقوم بها المنظمة من خال تشكيل الهيئات الاستشارية للمسائل الأخاقية والقانونية لجملة القضايا التي تولدت من جرّاء تطور العلوم المعاصرة، فإنها تبقى ب تأثير يُذكر على أرض الواقع. والأمر راجع إلى كونها ليست
منظمة ذات سلطة فوق سلطة الدول المتقدمة، ومن ثم لا تملك وسائل مادية سلطوية لمنع التاعب العلمي الاأخاقي لبعض الدول، لتقتصر مهمتها على وضع المعايير، وإدارة الحوارات والمؤتمرات حول أخاقيّات البيولوجيا، إلى جانب البرامج والنشرات التوعوية، والتحذيرات الورقية من خال لجان
استشارية للبحث والتوصية. ويبقى السؤال المطروح: ما مدى التزام الدول بتلك التوصيات؟ وما الذي تملكه اليونسكو من بدائل في حال لم يؤخذ بتوصياتها؟ قد تبدو الإجابة واضحة في خضم تسارع وتيرة الانحرافات البيولوجية التي تحايثها على الدوام حساباتٌ سياسية وعسكرية واقتصادية في آن واحد؛ ما أدى إلى تحويل العلم من غاياته الإنسانية النبيلة، إلى آلة قتل متطورة جدًّا. لا تَعِدُ هذه الدراسة بمعالجة النقاشات حول مسائل: الإنجاب الصناعي، والقتل الرحيم، والهندسة الوراثية، والأغذية والكائنات المعدلة جينيًّا، والخايا الجذعية، والإجهاض، والاستنساخ، وعمليات
تغيير الجنس، وغيرها من القضايا الطبية والبيولوجية والكيميائية، بسبب تعدّد القضايا الأخاقية، وتشابكها في هذه المسائل، بل تحاول إثبات عدم اتساق أو تهافت Incoherence التصوّر المشرّع
للتدخل الجيني التحسيني، بما هو انحراف أخاقي بيولوجي، من حيث خطورته على النوع الإنساني، وآثاره السلبية المستقبلية. وذلك بمناقشة الموقف الرامي إلى التحسين أو التعديل الجيني، وإثبات صحة الموقف الرافض لتوسيع عمل التقنيات البيولوجية عن الغايات العاجية، امتثالً لقاعدة أوليّة
مفادها احترام الإنسان بوصفه مركبًا من نفس وجسد، وعدم إهانة هذا المركّب "المقدس" أو التعدّي
عليه، لما لذلك من عواقب وخيمة على الإرث الجيني للنوع الإنساني.
أولا: أخلاقيات البيولوجيا: أزمة المفهوم والتأسيس
يعود الفضل في انطاق اصطاح Bioethics (أخاقيات البيولوجيا) إلى عالم الكيمياء الحيوية والباحث المتخصص في طب السرطان فان رينسيار بوتر Potter Rensselaer Van (2001–1911) من خال مقالته "البيوتيقا: علم البقاء" " Survival of Science The: Bioethics " التي نشرت عام 9701، ثمّ
أتبعها بكتابه الأخلاقيات البيولوجية: جسر للمستقبل Bioethics: Bridge to The Future (9711)؛
ليؤكد ضرورة أن تكون أخاقيّات البيولوجيا جسرًا لمستقبل آمن للحياة البشرية، من خال محاصرة التقدم
العلمي أخاقيًّا، نتيجة ما يمثله هذا التقدم من تهديد للطبيعة والإنسان، وبذلك استطاع بوتر أن يبرز أهمية
مفهوم "الاستدامة المركزية لأخاقيّات البيولوجيا" Bioethics to Central Sustainability، ويضعه على
رأس أولويّات هذه الأخاقيّات، بما هي جملة تداولات لمواقف أخاقية خافية، تنصبّ أساسًا على
الآثار الناجمة من التطورات البيولوجية والطبية التي كشفت التفاوت بين هذه التطورات العلمية، وبين الفكر الأخاقي الكاسيكي (ولذلك أعلن تأسيس علم جديد: علم البقاء أو الاستمرار على قيد الحياة، وهو علم يرمي إلى إقامة تحالف بين علوم الحياة Bio والقيم الإنسانية والقواعد الأخاقية Ethics)، وذلك بالتزامن تقريبًا مع مؤلَّف بول رامسي Ramsey Paul (1936–2014) بعنوان المريض شخصًا:
The Patient as Person: Explorations in Medical Ethics استكشافات في أخلاقيات الطب
(2006)، وهي دراسات سبَّاقة، أنذرت بقيام انحرافات للعلوم البيولوجية والطبية، قد تشمل خطورتها
جميع الكائنات الحية، لتشترط ضرورة مراقبة عمل البيولوجيين، لما سيؤديه هذا الاختصاص، بمعزل عن المعايير الأخاقية والقانونية، إلى آثار خطرة تهدّد الحياة نفسها. لا يخفى على أحد اليوم تأثير الفكر العلموي Scientism والتقاني، ولا سيما في علم البيولوجيا، وتقدُّمه الذي قد يوصف بالنبل في بادئ الأمر، ولكنه تطور يكشف إمكانية عدم استبعاد الخطر الناجم عن الاستخدام الامنضبط وفق المعايير الأخاقية والقانونية للبيولوجيا، وما يثيره من مخاوف أخاقية تشكل تهديدًا للحياة الإنسانية، نتيجة تحوُّل الإنسان إلى ضحية لهذا التطور، وما تولَّد من هذا الأمر
من نقاشات وخافات أخاقية وقانونية، بل حتى دينية وثقافية؛ الأمر الذي كشف حقيقة أنّ البيولوجيا اليوم مأزومة أخاقيًّا من جرّاء تطورها الذي أدى إلى نقاشات أخاقية لا انفصام لها عنها؛ ما يستبعد
أي محاولة للحديث عن التقدم العلمي بمعزل عن المعايير الأخاقية. وعلى الرغم من انتشار مصطلح "أخاقيّات البيولوجيا"، فإن الغموض لا يزال يعتريه، نتيجة عدم وضوح أسسه المرجعية. لذلك،
فتعريف هذا المصطلح يعدّ شرطًا أساسيًّا للحجج Arguments الأخاقية التي قد تساعد في رؤية
الجوانب المختلفة للقضايا المتعلقة بالممارسة البيولوجية، وإيجاد لغة مشتركة قائمة على الحقائق والقيم Values. فالتعريف "الجيّد" هو عمل أساسي عند الانخراط في الجدل الأخاقي، لأنه يقوم
على إبراز السمات الأساسية لمراجع المصطلح (المفهوم). وانطاقًا من هذا التحديد، يقدّم بيتر ألبرت ديفيد سنجر Singer David Albert Peter تعريفًا وصفيًّا
Descriptive لأخاقيّات البيولوجيا، وذلك بأنها دراسة القضايا الأخاقية Issues Ethical الجدليّة،
المثارة في الرعاية الصحية والعلوم البيولوجية، بما في ذلك القضايا الاجتماعية والقانونية والاقتصادية المتعلقة بهذه القضايا الأخاقية. وإلى جانب هذا التعريف الوصفي، يمكن تقديم تعريف إلزامي
(1) Mary C. Rawlinson, "Bioethics: A bridge to the future," in: Daniel Callahan et al., Global Bioethics: What for? (Paris: The United Nations Educational, 2015), p. 31.
(((عمر بوفتاس، "البيوإتيقا: نحو فكر أخاقي جديد"، دفاتر فلسفية، العدد 9 (2015)، ص.8–7
(3) Sirkku K. Hellsten, "Why 'Definitions' Metter in Defining Bioethics?" in: Tuija Takala et al., Cutting Through the Surface: Philosophical Approaches to Bioethics (Amsterdam: Editions Rodopi, 2009), p. 10.
Prescriptive لهذه الأخاقيات، ينص على أن يكون الهدف منها النظر في كيفية الحفاظ على كرامة الإنسان Dignity Human، وحمايته في ضوء معرفتنا المتزايدة بعلوم الحياة وتطبيقاتها. يمكن أيضًا تعريف أخاقيات البيولوجيا بالقول: "إنها التفكير أو البحث الأخاقي، مطبقًا على ما يطرحه التقدم السريع الذي يشهده الطب البيولوجي من مسائل"، ليكون الهدف من أخاقيات البيولوجيا – شأنها في ذلك شأن أخاقيات الطب – هو العمل على تطبيق قواعد أخاقية كونية "من نحو تجنب القتل وتجنب إحداث الضرر وما إلى ذلك" في الميدان الطبي، وقواعد شبيهة بها في ما يتعلق بواجب الطبيب "من نحو أن يكون هدفه الرئيس السعي إلى تحقيق مصلحة المريض". فالإلزامات الأخاقية وتطبيقاتها في شتّى ميادين العلوم، تحظى بضرورة بالغة، بما هي صورة "قبلية مشروعة". فكل ممارسة تستلزم اللجوء إلى معايير أو مبادئ تستهدف "إنارة العمل" بتعبير جاكلين روس Jacqueline Russ؛ ما دفع نحو تبلور فكر أخاقي جديد، يعرف بالأخاق التطبيقية Applied Ethics بما هي الأخاق المطبّقة على قضايا
الطب، وهي ما تسمّى أحيانًا بالأخاق السريريّة Clinical Ethics المرتبطة بالحكم الأخاقي السريري،
للحالات المرضية وغير المرضية، إلى جانب التصدي للمعضات Dilemmas التي تواجه "الكرامة الإنسانية" و"حقوق الإنسان" في خضم تطور الأبحاث والتجارب الطبية والبيولوجية، التي كشفت عجز الفكر الأخاقي الكاسيكي عن استيعابها؛ ما يدفع بالحاجة إلى فكر أخاقي يجاري تلك التطورات العلمية، ويعمل على جسر الهوّة بين هذه التطورات، وبين ما يقابلها من تأخر أخاقي. تُعرَّف الأخاق التطبيقية – السريريّة بأنها دراسة لمجموعة من المعضات الأخاقية المثقلة بالقيم
التي تنشأ في البيئة السريرية، وخاصة في العاقة بين الطبيب والمريض، وبناءً على هذا يمكن السؤال:
ما دور النظرية الأخاقية في مجال الأخاقيات التطبيقية؟ وعلى نحو أدقّ: هل يمكن أن يعمل الفكر الأخاقي الكاسيكي، أساسًا معياريًا نحكم بموجبه على خيار أخاقي بأنه أفضل من الآخر؟ يصر البراغماتيون Pragmatism على ربط الأخاق بواقع التجربة الحيّة للكائنات البشرية المرتبطة
بيولوجيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا، كيما ترتبط الحياة الأخاقية بالظروف التي تعزز ازدهار الإنسان والتقليل
من معاناته. إنّ ما هو "حق"، وما هو "جيد"، هما نهايتا التحقيق الأخاقي Moral Inquiry في التصور البراغماتي الذي يستبعد الافتراضات القائمة على الدين أو الفلسفات المثالية، وعلى الرغم ممّا تعانيه
(4) Ibid., p. 11.
(((بيير أندريه تاغييف، "أخاقيات البيولوجيا: نحو مشروع قضية فكرية"، ترجمة عبد الهادي الإدريسي، مجلة دفاتر الشمال، العدد 7 (2003)، ص.115 (((المرجع نفسه. (((ينظر: جاكلين روس، الفكر الأخلاقي المعاصر، ترجمة عادل العوا (بيروت: عويدات للنشر والطباعة، 2001)، ص 08.1
(8) David Thomasma, "Aristotle, Phronesis, and Postmodern Bioethics," in: Mark G. Kuczewski & Ronald Polansky (eds.), Bioethics: Ancient Themes in Contemporary Issues (Cambridge: The MIT Press, 2000), p. 67.
(((ينظر: بوفتاس، ص.6–5
(10) Wayne Shelton, "The Role of Empirical Data in Bioethics: A Philosopher’s View," in: Liva Jacoby & Laura A. Siminoff, Empirical Methods for Bioethics: A Primer , vol. 11 (Amsterdam: JAI Press, 2008), p. 13.
الأخاق اليوم من نسبية Relativism، وأزمة في مفهوم القيمة الأخاقية، فإنّ البراغماتيين يعتقدون ضرورة فهم الدور الحيوي للبشر في تشكيل مصيرهم، وتعزيز مجتمع أفضل لهم، حيث تكمن أعلى تطلعات البشر في العدل والسام وتخفيف المعاناة (الألم)، وفي تعزيز فهم أفضل لكيفية صياغة مستقبل أفضل للجميع، وهو أمر مشروط بتفكير أخاقي ينطلق من مفهوم التجربة (الخبرة)، وليس من
.Pre–established, A priori Patterns أنماط التفكير المسبق – القبلي
ومع الاهتمام المتزايد بأخاقيّات البيولوجيا، تأكد أنها لن تتقدّم بوصفها حقلً أخاقيًّا فلسفيًا، ما لم يكن
لها أساس نظري متين، وهو ما تحقق في سبعينيات القرن العشرين مع بروز موقف يهدف إلى تأسيس نظرية شاملة لهذا المجال. وقد حُدِّدَت أربعة مبادئ فلسفية، هي بمنزلة الأساس البنيوي المنوط به
أيّ محاولة لاتخاذ قرار أخاقي خاص بتطبيقات البيولوجيا على الإنسان. وهذه المبادئ هي: احترام
المريض، وعدم الإيذاء أو إلحاق الضرر به Non–maleficence، والإحسان Beneficence، والعدالة. وهي مبادئ عامة سرعان ما هيمنت على أخاقيّات البيولوجيا. فعلى الرغم من تأخر الأخاق عن آخر
التطورات العلمية، فإنها سرعان ما تشكلت تحت مسمّى "الأخاق التطبيقية" التي دخلت حيّز التنفيذ
بوصفها محاولة للجمع بين التحليل الفلسفي والأدلة التجريبية. في هذا السياق، يرى جون أراس Arras John أن ثمّة العديد من المختصين في أخاقيّات البيولوجيا،
ومن بينهم فاسفة، يشكّكون في أيّ محاولة لخلق مقاربة بين نوعية الأخاق المطلوبة هنا، بما هي
أخاق تطبيقية، وبين نظريات أخاقية كاسيكية عاجزة، في نظرهم، عن مواجهة المشكات العلمية اليوم، فقد بلغت البيولوجيا تقدّمًا لا يمكن معه استدعاء نظريات أخاقية من الأدبيات الفلسفية السابقة، فالمعضات الأخاقية الناجمة عن تطور البيولوجيا نزعت سمة الراهنية عن هذه النظريات، ولذلك "يمكن للأخاقيّات البيولوجية، بل ويجب عليها، أن تكون شكلً من التأمل الأخاقي، بعيدًا عن أي
تعويل على نظرية أخاقية تحلق عاليًا"، وتنأى بنفسها عن الوضع التطبيقي الجديد للأخاق، كنظرية
إيمانويل كانط في الواجب لذاته Duty for Duty’s sake، التي أسَّسها ميتافيزيقيًّا – قبليًّا، وتستند إلى
فكرة الأمر الأخاقي Ethics Imperative بما هو التزام أخاقي غير مشروط، ملزم للفرد في جميع الظروف، ولا يعتمد على ميل أو نزوع Propensity بموجب رغبات هذا الفرد. فالفعل الخلقي يستمد قيمته الذاتية من القانون الأخاقي المؤسس قبليًّا، وليس تجريبيًّا. ولكن، ومن أجل الحصول على تفسيرات قابلة للتطبيق في مجال أخاقيّات البيولوجيا، يرى أنصار
التوجه التجريبي، أن على علماء الأخاق أن يكونوا قادرين على توليد المعرفة التجريبية، وهذا يتطلب الاعتماد على الأساس المنهجي التجريبي ذاته الذي تعتمده العلوم الاجتماعية. لذلك، يرى
(11) Ibid., p. 15. (12) Daniel Callahan, "Bioethics: Its Past and Future," in: Callahan et al., pp. 20–21.
1(((جون أراس، "النظرية والبيوإتيقا"، ترجمة شيماء عطية وأحمد فاروق، دفاتر فلسفية (2015)، ص.34–33
(14) Immanuel Kant, Groundwork for the Metaphysics of Morals , Allen Wood (trans.) (New Heaven: Yale University Press, 2002), p. 88.
بعض ممثلي الأخاق التطبيقية أن النظرية الأخاقية لم تعد اليوم معزولة عن التجربة، كما هو حال الأخاق التقليدية لا سيما المثالية، ولكنها باتت مرتبطة بالتجربة وتستنير بها، فلم يعد دور الأخاق يتمثل كانطيًّا في تحديد واجب أخاقي نهائي duty A final moral، بل يروم إصدار "بيانات مؤقتة"
Provisional Statements قابلة للمراجعة باستمرار بحسب الحاجة، ليستبدل السعي الفلسفي القاصد إجابات عقانية نهائية، بالالتزام بتحسين مؤقت لبعض جوانب الحياة البشرية، والمشروط تجريبيًّا. وعلى نحو مغاير، ترى سوزان شيل، في بحثها عن الجذور الكانطية لمفهوم الكرامة الإنسانية، أنه عادة ما يجري استدعاء كانط في النقاشات الأخاقية للبيولوجيا، على اعتبار أنه قد وضع مفهوم الكرامة الإنسانية على "خريطة الخطاب الأخاقي". وتتجلى راهنية كانط، بحسب شيل، في دعوته الإنسانَ إلى أن يُعامِل الإنسانية كلها في شخصه، وأن يُعامل الآخرين بوصفهم غايةً لا وسيلة. حاول كانط مأسسة Foundation مفهوم عقاني صرف Strictly Rational لكرامة إنسانية عالمية، والغرض الأساسي لديه، هو إظهار كيف يمكن أن تظل الحرية والمسؤولية الأخاقيتان ممكنتين في عالم تحكمه قوانين الفيزياء الرياضية، فكانط، بالاتفاق مع الرواقيين Stoics The، يرى أنّ الكرامة الإنسانية هي القيمة الجوهرية للإنسان الذي يتمتع بها، نتيجة استقاليته العقانية Rational Autonomy، بمعنى قدرته على الطاعة الحرّة للقانون الأخاقي الذي أصدره من لدن إرادته
الحرّة. حيث تنص خُلقية كانط على احترام مبدأ المساواة بين جميع البشر، وتحظر Forbids استخدام
الإنسان وسيلةً لتحقيق غايات معينة، ف يمكن تبرير القول بحق الاستفادة من الإنسان لأي غاية، ما دام هو نفسه غاية وليس وسيلة، في تصوّر يعزز مركزية الإنسان في الوجود، وهو الموقف الذي كان
له التأثير في أخاقيّات البيولوجيا راهنًا، ولا سيما في أخاقيّات التجارب الطبية البشرية. ومع ذلك، يرى آدم شولمان أنّ محاولة تطبيق نظرية كانط الأخاقية على أخاقيّات البيولوجيا تواجه
مشكات لعدّة أسباب، منها: أنه موقف يرتكز على مفهوم الاستقالية العقانية، وهو موقف يهمل الجوانب والأمثلة المعقدة في أخاقيّات البيولوجيا، والتدخات الطبية البيولوجية التي تثير حاليًّا
جدلً أخاقيًّا وقانونيًّا؛ فإذا كانت الكرامة مرتبطة حصرًا بمفهوم الاستقالية، فماذا سيكون حال من
لا يمتلكون تلك الاستقالية العقانية (كالأطفال الرضّع)، أو الذين فقدوها (أولئك الذين يعانون
الخرف)، أو الذين لم يمتلكوها قط (أولئك الذين يعانون خللً عقليًا خِلقيًّا)؟ في مثل هذه الأمثلة
وغيرها من الحالات المعقدة أخاقيًّا وطبيًّا، يرى شولمان أن تصور كانط لا يقدّم لنا عن الكرامة
الإنسانية أيّ "إرشادات أخاقية" واضحة، ومن ثم من الصعب في أخاقيّات البيولوجيا جعل الإرادة
الحرّة أو الاستقالية العقانية، وحدها أساسًا للكرامة الإنسانية، إلى جانب أنّ خُلقيَّة كانط تركت
(15) Jacoby & Siminoff, pp. 15–16. (16) Susan Shell, "Kant’s Concept of Human Dignity as a Resource for Bioethics," in: Adam Schulman et al., Human Dignity and Bioethics , Essays Commissioned by the president’s council on Bioethics (Washington, DC: The President’s Council on Bioethics, 2008). pp. 334–336. (17) Adam Schulman, "Bioethics and the Question of Human Dignity," in: Schulman et al., p. 10.
تمييزًا صارمًا بينها وبين أخاقيّات المنفعة Utilitarianism التي تتمسّك بتابيب آثار الفعل ونتائجه.
بينما يرى شولمان أنّ أخاقيّات البيولوجيا اليوم تعيش مشكل هذا التمايز، بما لا يمكن لها أن تُختزل
في هذين التصورين الأخاقيين، فهي راهنًا تتطلب في الممارسة مقياسًا أخاقيًّا وصحيًّا، لذلك
لا يخدمها الالتزام الدوغمائي Adherence Dogmatic بالتقسيم أو التباين بين أخاقيات المبادئ الكانطية، وبين أخاقيات النتائج النفعية. إنّ البحث عن معايير أخاقية تطبيقية تتسم بالكونية هو ميدان عمل أخاقيات البيولوجيا لحفظ الطابع الإنساني الأصيل من التدخات البيولوجية والطبية غير المبرّرة، ومن التاعب Manipulation
بخصائص الإنسان الوراثية، بما هو نزوع علمي نحو التحكم والسيطرة حدّ التغيير في النوع الإنساني. ولذلك تحدّد جاكلين روس مجال الأخاق البيولوجية/ الحياتيّة في التفكير بالقيم الخاضعة للحياة Bios
(تعني حياة باللغة الإغريقية)، أو تدل على الميتا–أخاق Metaethics ("ما وراء الأخاق)". يمكن تقديم وصف أوتفريد هوف Hoffe Otfried، إذ يقول: "إن مجال اهتمام أخاقيات البيولوجيا هو المسائل الأخاقية المتعلقة بالولادة والحياة والموت، وذلك في عاقة مع ما يأتي به البحث البيولوجي الطبي من اكتشافات وما يهيئه من إمكانات". وهو ما يقارب موقف بيير دي شامب Champs Des Pierre الذي يرى أنّ "الأخاق الحياتية هي العلم المعياري للسلوك الإنساني الذي يمكن قبوله في مجال الحياة والموت". ولكن ممّا لا شك فيه أن القول بكونية المعيار الأخاقي
يواجه صعوبة بالغة، نتيجة المؤثرات الثقافية والدينية المختلفة حول العالم لأخاق البيولوجيا؛ ما يعني استحالة حصول إجماع ما، حول المعايير المؤسسة لتلك الأخاقيات. لكن على الرغم من هذا التعدد في منشأ الأخاقيات البيولوجية، فإن مفهوم الحياة يبقى المفهوم المركزي لهذه الأخاقيّات. في مواجهة سؤال التعدد أو التنوع في المؤثرات الثقافية لأخاقيات البيولوجيا، ومطلبها الكوني، يرى رويشي إيدا Ida Ruichi أنّ هذا التنوع يجب ألا يعني "التجزئة"، فالعالم في تنوعه "واحد"، وليس "مجزوءًا"، والبشرية تجمعها "وحدة أو ترابط المصير"، ولا يمكن لفرد أو لدولة الزعم "بالاكتفاء
الذاتي". وانطاقًا من هذه "الحقيقة" يعتقد إيدا إمكانية التأسيس لأخاقيات كونية. فحقيقة الاختاف أو التنوع، لا تعني نفي "الكرامة الإنسانية" بصفتها قيمة أساسية، إذ إن هذا التنوع هو نتيجة الاختاف في ممارسة الكرامة الإنسانية حول العالم، ففي المجتمعات الغربية يبرز مفهوم "الفردية"، على عكس المجتمعات الآسيوية التي تعلي من شأن مفهوم الجماعية، إلا أن هذا لا يلغي أهميَّة الحفاظ على
الكرامة الإنسانية، فالاختاف هنا في أساليب ممارسة الكرامة، وليس في أفضلية هذه القيمة على تلك في فضاءاتها المتعددة، وإلى جانب هذا، يرى إيدا ضرورة إبراز أهمية "حقوق الإنسان" بوصفها التعبير
(18) Ibid., pp. 10–12.
(1((روس، ص.110 ((2(تاغييف، ص.115 ((2(روس، ص.111
القانوني عن تلك الكرامة الإنسانية، فيحدّد ثاث ركائز يمكن من خالها التأسيس لأخاقيات كونية، هي: التنوع، والمصير المشترك، وحقوق الإنسان. في سياق الحديث عن مفهوم أخاقيات البيولوجيا، فإنّ غاي دوران Durand Guy، وهو أحد المختصين بأخاقيات البيولوجيا، يقدم تعريفًا موجزًا لها بقوله: "إن أخاقيات البيولوجيا هي البحث في ما يتطلبه احترام الحياة البشرية والكائن البشري في مجال الطب البيولوجي". ويقدّم ديفيد روي Roy David تصوره عن هذه الأخاق، بما هي "دراسة تداخل جملة الشروط التي تقتضيها إدارة مسؤولة للحياة الإنسانية في إطار صنوف التقدم السريعة والمعقدة للمعرفة وللتقانات الحيوية الطبية". ينص قسم أبقراط Hippocrates في الطب على "تجنيب المريض الضرر والألم". وفي سبيل فهم عمق المشكل الخافي لأخاقيات البيولوجيا، علينا ألا نغفل أن قسَم أبقراط قابل للتداول في الأفق التأويلي. فعندما نتحدث عن مشكل مثل مسألة "القتل الرحيم" Euthanasia أو الموت بمساعدة الغير بدافع الشفقة، كما يصفه بعضهم، علينا أن نتساءل: أين المقصود تحديدًا بكلمة "الضرر" التي نصَّ عليها ذلك القسم؟ هل في الإبقاء على مريض ميؤوس من عاجه؟ أم في قتله وتخليصه نهائيًّا من عذابات استحالة شفائه؟ وفقًا لهذا المشكل يمكن التساؤل أخاقيًّا: ما "الضرر" طبقًا للقاعدة الأبقراطية؟ هل يمكن أن يفهم هنا
القتل الرحيم أو الموت، من باب تجنيب المريض الألم أو الضرر؟ إن هذا المشكل، وغيره من مسائل البيولوجيا والطب، مفتوح على شتى أنواع المؤثرات الثقافية والعرفية والدينية المختلفة في العالم، والتي تؤثر تأثيرًا كبيرًا في أخاقيات البيولوجيا؛ ما يجعلها تعاني من
جرَّاء هذه التعددية في القيم المؤسسة لها، والمؤثرة فيها. لكن يبقى الأمر الأكثر شيوعًا، بما هو مبدأ
أخاقي إيجابي، هو أن العمل على تجنيب الناس الألم ومساعدتهم على التخلص منه، هو في حد ذاته عمل أخاقي. فالأمر يتعلق بفرع من فروع المبدأ المبني على تقدير العواقب، الذي يقتضي "ألّ نُقدِمَ إلا على ما سينجم منه أكبر قدر ممكن من النفع على الوجه العام". وتأكيدًا لفكرة التقدير Treasuring لحياة الكائن البشري Being Human، التي تعني أنه أينما وجدت حياة إنسانية، ف بدّ من تقديرها واحترامها لكونها الأعلى قيمة. ثمّة عديد من الأسباب التي تجعل من الصعب حلّ الصراعات في أخاقيّات البيولوجيا التي تعيش
حالة من الانقسام الأخاقي، ومن أبرز تلك الأسباب: عدم الاتفاق على بعض المسائل الفلسفية
(2((جيروم بيندي [وآخرون]، القيم إلى أين؟ مداولات القرن الحادي والعشرين، ترجمة زهيدة درويش جبور وجان جبور (بيروت: دار النهار؛ قرطاج: المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، 2005)، ص.361–360 ((2(تاغييف، ص.116 ((2(روس، ص.111 ((2(تاغييف، ص.116 (2((ناهدة البقصمي، الهندسة الوراثية والأخلاق، سلسلة عالم المعرفة 741 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 9931)، ص.102
الأساسية، من قبيل تفسير "المبادئ الأخاقية"، وما يسمى "بالوضع الأخاقي" للإنسان في سن معينة أو حالة معينة، بما هي معضات أخاقية أنطولوجية في آن معًا. فهل يجب التركيز عند الحديث عن الحكم الأخاقي على عواقب الإجراء الطبي – البيولوجي؟ أم يجب التفكير في المقام الأول على الإجراء نفسه؟ لا شكّ في أنّ الحديث عن العواقب أو النتائج هو مدار عمل مذهب المنفعة القائل بأنّ الفعل الخلقي (الخيّر) هو الفعل الحاصل عنه أعظم فائدة لأكبر عدد ممكن، وهو الموقف
الشائع اليوم في أخاقيّات البيولوجيا. ومن ثم يحدّد أنصار هذا التوجه تفكيرهم بالمنفعة المترتبة على
العمل الطبي – البيولوجي؛ أي إنتاج أكبر قدر ممكن من الخير للإنسان، وعلى هذا النحو يتم تسويغ الاختبارات التجريبيّة، بما في ذلك على الأجنة، من حيث تعظيم "الصالح العام" أو "المنفعة" المترتبة
على هذه الاختبارات، وهو موقف يمكن نعته بالتبعيّة، من حيث تبعية الحكم الأخاقي للنتائج المترتبة
على الفعل. ولكن بعض الفاسفة يرون أن هذا الموقف النفعي ينتهك مبدأ الإحسان، ويعزز فكرة عدم التساوي أو عدم التكافؤ بين الناس، ويتساءلون: لماذا علينا دومًا الاهتمام بأكبر عدد ممكن من الناس على حساب إنسان واحد؟ إنّ هذا السؤال يفتح الباب لإدخال مفهوم العدالة في هذا الحجاج الأخاقي؛ أي الحق في الحياة لجميع البشر، على الرغم من صعوبة تحديد مفهوم عام للعدالة نتيجة اختاف السياقات الحياتية لهذا المفهوم، إلى جانب صعوبة تحديد المعايير التي تحدد الإجراءات العادلة وتمايزها من غيرها. ولكن هذا لا يعني الاستحالة المطلقة لمفهوم العدالة أو رفضها، فهي في معناها الأوسع تعني منح كلّ ذي حق حقه، ومن أهم هذه الحقوق، الحق في الحياة والعاج وحفظ الكرامة لكلّ مريض – إنسان. على الرغم من تعدّد المعايير المؤسسة لأخاقيَّات البيولوجيا، فإنه بحسب بيير–أندريه تاغييف
Taguieff Andre – Pierre قد أضحى واضحًا التناقض بين مقولتين لاتجاهين أخاقيين، هما: نوعية الحياة Quality Life وقداسة الحياة Sanctity Life. فالاتجاه الأول يساند فكرة التطور البيولوجي، ولكنه يسعى لوضع المعايير الضابطة والمرافقة لتغيير إيجابي محمود يصنعه العلم بالنوع الإنساني، من خال ما يسمى ب "التحسين الجيني – الوراثي"، بينما ينطلق أصحاب الاتجاه الثاني من "قدسية" Sanctity الوضع البيولوجي الإنساني، ويرون ضرورة مراقبة بعض التطبيقات البيولوجية، والمنع التام للبعض الآخر، ولا سيما في طب الأحياء والوراثة. وتعليقًا على هذه الثنائية في الثورة التي يشهدها علم البيولوجيا، يصف فرانسوا إزامبير Isambert Francois هذه الثنائية بقوله: "في مواجهة تيار الأخاقية المتفائلة المطمئن، الذي يحاول أن يستلهم مرجعيته مما يشهده الجنس البشري من تطور طبيعي، هناك تيار مناقض، قوامه الخوف، وشاغله الأساس الحد مما قد ينجم عن مغامرة الطب الوراثي من عواقب". فالأول مطمئن لفكرة التقدم وأمنية التحسين الجيني، بينما الثاني متخوف من فكرة التقدم نفسها، لما للوضع البيولوجي للإنسان من قداسة تحول دون التاعب بهذا الوضع.
(27) Alfonso Gomez Lobo & John Keown, Bioethics and the Human Goods: An Introduction to Natural Law Bioethics (Washington, DC: Georgetown University Press, 2015), pp. 15–17.
((2(تاغييف، ص.112–111
لا يمكن الاكتفاء باختزال مشكل أخاقيات البيولوجيا تحت عنوانَي: "النوعية" و"القداسة"، فثمّة
تفاصيل كثيرة تندرج تحتهما، تجعل المشكل الأخاقي أشد تعقيدًا. تجدر الإشارة إلى ضربين من استخدامات الهندسة الوراثية: الاستخدام الأول هو المعالجة الوراثية الجزئية الرامية إلى تصحيح اضطراب وظيفي معين يعانيه المريض، عن طريق زراعة أو معالجة جينية معينة، فهي معالجة جزئية من خال تدخل جزئي نتيجة مشكل جزئي، فالتدخل هنا أمرٌ مبرَّر عاجيًّا. أمّا الاستخدام الثاني فهو
تحسين جيني شمولي يسعى للتغيير الكلي للإنسان، بدافع البحث عن أفضل نموذج إنساني يمكن أن يكون عليه الإنسان. ومن ثم فإن من مهمات الأخاق البيولوجيّة، إيضاح الحد الفاصل بين هذين
الاستخدامين للهندسة الوراثية، والوقوف في وجه أدعياء سياسة تحسين النسل. يوضح يورغن هابرماس Habermas Jurgen موقفه من التقنية الجينية التي يراها مقبولة أخاقيًّا وقانونيًّا
في حال اقتصرت على التدخات العاجية، أو "الغايات الاحترازية"، ولكن يبقى من الضروري لديه توضيح الحد الفاصل بين النسالة السلبية (المبرّرة فرضيًّا)، والنسالة الإيجابية (غير المبرَّرة)، كيما يسوّغ
رفض مفهوم "النسالة الليبرالية"؛ تلك التي لا تعترف بالحدود الفاصلة بين التدخات العاجيّة،
والتدخات القاصدة غايات تطويرية أو تعديلية للسمات الوراثية للإنسان، التي قد تكون هدفًا لتجارة رأسمالية تدخل فيها حسابات التكاليف والأرباح. فالطفرات Mutations التي حققها علم البيولوجيا، جعلت إزاحة تلك الحدود الفاصلة ممكنة، ومن ثمَّ التماهي بين إجراءين: أحدهما تفرضه الضرورة
العاجيَّة، وآخر قاصدٌ غاياتٍ تحسينيَّةً، تمس الخصائص الوراثية للإنسان. في خضم التنافر بين مقولتَي "النوعية" و"القداسة"، الذي أثر سلبيًا في عملية التأسيس لأخاقيات
البيولوجيا، يرى تاغييف أن هذه الأخاقيّات يجب أن تكون علمانية في المقام الأول، بل هي في
تطور لا يسمح للتقاليد الدينية وغير الدينية أن تتدخل في تأسيسها، نظرًا إلى خضوع البيولوجيا
لشروط التقدم الذي وصلت إليه، ولقيم الحداثة كالديمقراطية والإعان العالمي لحقوق الإنسان. وكيما يسوّغ تاغييف موقفه الاديني من أخاقيات البيولوجيا، يستشهد برأي "لوك فيري Ferry Luc
حين يقول: لأول مرة في تاريخ البشرية، يجري اعتماد معايير إن كان لا مراء في أنها لا تزال تحتفظ بنزوعها الجماعي، فإنها لم تعد تستقي مشروعيتها من معين ديني، بل أضحت تستقيها من رغبات الأفراد وحدها". وما دام الأمر لم يعد له قواعد أخاقية مطلقة، أو امتياز ديني يمنح الموقف الخلقي صفة الثبات المطلق، ف بد إذًا من إزاحة أخاق البيولوجيا إلى ميدان الحجاج، كيما يكون المعين الذي تستقي جميع المواقف الأخاقية قيمها منه. هذا الموقف "العلماني الديمقراطي" يعني الموافقة الحرة للناس، وليس خضوعهم لقواعد دينية تقليدية. فالحجاج هو أساس أي موقف أخاقي، والحجاج هنا برأي لوك فيري "هو أن يبحث المرء في ذاته – أي في انسجام مع متطلبات الفكر الفرداني
((2(روس، ص.114 (3((يورغين هابرماس، مستقبل الطبيعة الإنسانية: نحو نسالة ليبرالية، ترجمة جورج كتوره (بيروت: المكتبة الشرقية، 2006)، ص.30–28 ((3(تاغييف، ص 7.11
ما بعد الديني – لا في منابع خارجية، إلهية كانت أم كونية، عمّا يبرهن به على صحة وجهة نظر معينة
تعنيه هو كما تعني غيره". من الواضح هنا الموقف العلماني الفرنسي المتشدّد إزاء أيّ تدخل للدين
في المسائل الدنيوية، لا سيما الأخاق والعلم، وتبنّي الحجاج عوضًا عن الأحكام الدينية المسبقة. يتوسّل أنصار الموقف الحجاجي – وهو موقف ديمقراطي ليبرالي – بإنهاء جميع النقاشات الأخاقية
التي تثيرها التطورات البيولوجية، بالزعم بأن الحجاج هو وحده المعين أو الأساس الذي ينبغي لجميع القيم أن تستمد وجودها منه، وهو معين – كما هو واضح من موقف تاغييف وفيري – خالٍ من كل العناصر الميتافيزيقية، أو الأحكام المسبقة، التي تفرض نفسها على الحكم الأخاقي، الذي هو وليد ضرورة ملحّة لتحديد معايير أخاقية في حدود عالم علماني يشهد تطورات علمية نتجت منها
مشكات أخاقية. وعملية تحديد المعايير هي صلب عمل مبدأ الحجاج، ومن هذه الزاوية يمكن تعريف أخاقيات البيولوجيا، بأنها نتيجة فعل حجاجي ينشد حلّ مشكات أخاقية متعلقة بالبيولوجيا، أو بعبارة غاي دوران: "إن أخاقيات البيولوجيا تعني البحث عن حلول لصراعات قيمية في ميدان العمل البيولوجي الطبي". فمثل هذه الأخاقيّات، يروم تسييج العمل العلمي بأخاق مدفوعة
بضرورة احترام النفس الإنسانية، ويروم الحد من كلّ تطلع إلى الحكم التقني وسلطويته. يمكن الحديث، إذًا، عن اتجاهين أخاقيين، يحاصران تطورات تقنيات العلم على المستوى التطبيقي الطبي: الأول يتبنى فكرة الحجاج والإقناع لتحقيق توافق بين مفهوم نوعية الحياة، أو التحسين الجيني، وبين الحذر من هذه التطورات من خال معايير الضبط للتطبيقات العلمية الراهنة. بينما الاتجاه الثاني ينحو بدافع قدسية الوضع البيولوجي للكائن البشري، منحى الرفض، وتفعيل آليات المراقبة والمنع (بذلك أمكن أن يُنظر إلى أخاقيات البيولوجيا بصفتها تعبيرًا عن الخوف الذي ينتاب الناس إزاء
ما يتحقق من تقدم في مجال الطب الوراثي والطب البيولوجي، أو بحثًا حذرًا عن "المقاييس التي ينبغي
أن يخضع لها كل عمل يندرج في إطار تدخل الإنسان عن سبيل التقنية في حياة الإنسان)". وفكرة "التخوف" هنا، ستمثل الدور الأبرز في جلّ النقاشات الأخاقية المرتبطة بعلم البيولوجيا، تحديدًا لدى "اتجاه القداسة" الرافض الاستخدام البيولوجي على نطاق واسع، لا سيما على الإنسان نفسه.
ثانيًا: العلموية ومشروعية التخوف البيولوجي
في هذا العصر الاستثنائي وغير المسبوق للتقدم البيوتكنولوجي، انتقلت حملة غزو الطبيعة والسيطرة عليها، إلى غزو الطبيعة الإنسانية نفسها، من خال تقنية تتمثل بعزل Isolate وتعديل Modify المحدّدات البيولوجية للصفات البشرية التي كانت، في ما مضى، محصنة من التاعب، إلى جانب تقنية الاستنساخ، وحمل الأجنة البشرية في الأرحام الاصطناعية أو الحيوانية، إضافة إلى الأدوية ذات التأثير
((3(المرجع نفسه. ((3(المرجع نفسه. ((3(روس، ص.112–111 ((3(تاغييف، ص.112
النفسي لتعديل السلوك والانتباه والذاكرة والإدراك Cognition والعاطفة والشخصية. وقد اكتُسِبَت
القدرة على فحص مجموعات الجينات غير المرغوب فيها في أجنة ما قبل الزرع، وربما تتوافر القدرة في المستقبل على التعديل المباشر للجينوم البشري لزيادة مقاومة الأمراض، وتحسين الطول والوزن، وزيادة قوة العضات والحواس، وتعزيز الذكاء، إلى آخر ما يمكن أن تتوصل إليه القدرة العلمية. قد تبدو هذه الأمور التحسينية إيجابية، ولكن يرى آدم شولمان، أنه بالتأكيد ليست جميع أشكال الهندسة الطبية البيولوجية حميدة Benign ومقبولة على الدوام. إنّ أوّل ما يترتب على كلّ تعديل للجينوم البشري أو تحسينه، هو إعادة التفكير الفلسفي في ضوء
هذا السؤال: ما الإنسان؟ وما الخصائص الأساسية لإنسانيتنا كيما نعدّها، بحق، مصونة Inviolable؟ أليس إهانة للكرامة الإنسانية إنتاجُ حيوان ببعض الصفات الإنسانية Animal–human؟ ألا يكون فسادًا
لإنسانيتنا القيام بتعديل الدماغ ليصبح الفرد غير قادر على الحب أو التعاطف أو الفضول أو حتى الأنانية؟ يرى شولمان أنّ مسيرة التقدم العلمي الذي منحنا قوة التاعب بالطبيعة البشرية، ستجبرنا في النهاية على اتخاذ موقف بشأن معنى "الكرامة الإنسانية"، بما هي جوهر أساسي Essential لا يحق انتهاكه من أجل إنسانيتنا، وإذا لم تكن هناك ضرورة لهذا الأمر في الوقت الحالي، فإنه سوف يأتي الوقت الذي قد يكون فيه الأوان قد فات، بعد أن يدمر الإنسان نوعه من خال هذه التقنية الجينية. ما حدود المعرفة العلمية؟ سؤال بصيغة كانطية يبادر إليه بيير تاغييف لما له من ارتباطات بيولوجية تأخذ المعرفة به معنى "القوة الخطرة"، بما هي تقنية لديها القدرة على تغيير الطبيعة البشرية. فقد انطلق أصحاب الموقف المدافع عن حماية الوضع البيولوجي للإنسان (حماية الإرث الجيني)، من الآثار الناتجة من التطورات المخيفة في البيولوجيا بخاصة، ومن تطورات العلم بعامة، واضعين مفهوم التقدم العلمي موضع التساؤل والتشكك بدافع التخوف من هذا المفهوم، ومن ثمة النظر إليه بصفته عامة من عامات الانتقال إلى عصر ما بعد الحداثة Postmodernity، فكذلك يجوز التمثل بما يذهب إليه إزامبير حين يقول إن "طرح القضايا الأخاقية في المجال العلمي ظاهرة تبرز على السطح كلما وُضعت
فكرة التقدم موضع نظر". ومهما يكن الأمر، فإن في إخضاع مسألة الأخاقيات في البيولوجيا للتفكير، ما يكفي للدلالة على الحقيقة الثقافية التي مؤداها أن التقدم العلمي لم يعد مسألة غير قابلة للنقاش، وأن مقولة التقدم قد أضحت مثيرة للجدل، وأن فكرة الانتقال مما هو أسوأ نحو ما هو أفضل وخير مآلً، بطريقة يضمنها ما تُراكِمه العلوم والتقنيات من "فتوحات"، قد فقدت ما كانت تتسم به من طابع البدهية. إنّ ما بعد الحداثة موقف يشير إلى استحالة مفهوم اليقين الأخاقي Certitude Moral، الذي كما يراه ما بعد الحداثيين أنه مفهوم قد عفّى عليه الزمن كوسيلة للحياة والتفكير للتعامل مع عالم تعدّدي world pluralistic لا يمكن الحديث فيه عن شيء على وجه اليقين. لذا يرى هؤلاء ضرورة الاعتراف
(36) Schulman, pp. 16–17. (37) Gilbert Hottois, Evaluer la technique: Aspects éthiques de la philosophie de la technique (Paris: Vrin, 1988), p. 88.
((3(تاغييف، ص.112
بالتعددية الأخاقية والثقافية، لاستحالة وجود معايير شاملة للسلوك أو الأخاق الموضوعية، فالبحث عن أساس موضوعي للأخاق، بما هو إحدى مقولات مشروع التنوير، هو، لديهم، أمر قد مات! إنّ كثيرًا من الاقتصاديين، في ما يرى إدوارد أوسبورن ويلسون Edward Osborne Wilson، يتوافقون
على موقف براغماتي مفاده أولويّة المنفعة الاقتصادية على المخاطر المترتبة على التعديات الجينية، والهندسة الوراثية، ليس على الإنسان فحسب، بل على النباتات في حقل الزراعة. ويبدو أنّ ويلسون نفسه يتفق مع هذا الموقف، ويرى أن البشرية حققّت تقدّمًا بارزًا في مجال التعديات الجينية على النباتات لتوفير الغذاء للأعداد المتزايدة من البشر في العالم. فالتغييرات الوراثية التي تحرزها البيولوجيا اليوم، ليست خاضعة برأيه لمبدأ "الانتقاء الطبيعي"، بل هي مرتبطة بالاختيار الاجتماعي. حيث تمنحنا المعرفة الجينية الفرصة "لاختيار سلوك جديد في تطورنا البشري"، إذ يمكن أن يخدم هذا التدخل الجيني إمكانية اختيار الفرد مواصفاته الوراثية. إنّ ويلسون يرى أنه بفضل برنامج الجينوم، سيكون في إمكان البشرية أن تمتلك "القدرة الإلهيّة" على التخليق، واختيار تركيبات جينية معيّنة لخلق مواهب إبداعية
"للإنسان الجديد"، وهو ما يشكل المرحلة الثالثة في التطور البشري. فالأولى، في رأيه، انتهت "بنهاية الفروقات العرقية"، ومن ثمّ القضاء على جينات متحولة كانت سببًا لبعض "الأمراض والقحط"، ومع
تطور العلم دخلت البشرية المرحلة الثانية التي نعيشها اليوم "باستئصال العاهات الجينية" و"استباق الأمراض"، وهي المرحلة التي يبدو أنها في نهايتها، لتبدأ المرحلة الثالثة التي يأخذ بها الإنسان زمام "المبادرة الإلهيّة"، بتطور متسارع بفضل "الرهانات الاقتصادية" الدافعة لهذا التطور. إلا أنّ ويلسون
يخلص إلى التوقع بأن تقوم الأجيال القادمة بإيقاف وتيرة هذا التسارع، وتبنِّي "الوضعيّة المحافظة"،
رفضًا لهذه "الحركية التطوريّة"، كيما تحافظ البشرية على "المميّزات الأساسية للجنس البشري". في المقابل، يكشف جاك تستار Jack Testar، "خديعة المورِّثات الجينية" التي قيل إنها تهدف إلى "الزيادة الإنتاجية" للحيوانات والنباتات، من أجل الاستفادة منها حصرًا للنوع الإنساني؛ ما صنع دعوة
للتفاؤل بهذا المنجز العلمي. ولكن "الحقيقة" التي يكشف عنها تستار، أنّ هذه المكتسبات ليست ثابتة وقابلة لاستمرار، وأنَّ فكرة وصولنا لمرحلة "السيطرة الجينية"، هي مجرّد "تضليل دعائي" قام
بتغذيته العلماء والسياسيون إعاميًّا، من خال فرض توهُّم التحكم أو السيطرة الجينية. إنه، إذًا،
ضرب من الخديعة يوهمنا بأنّ الطبيعة أصبحت تحت التحكم الجيني، وهذا الموقف من الصناعيين وخبرائهم، يدعمهم السياسيون وأصحاب البنوك ووسائل الإعام، هو موقف يثير السخط والقلق. أمّا السخط فمردُّه إلى أنّ الفاعلية المستقبلية للمورِّثات المعدّلة جينيًّا مهما تطوّرت فلن يغرب عن
بالنا أنها فُرضت قبل تقديم البرهان، ليس على مخاطرها فحسب، وإنما على فوائدها كذلك. وأمّا القلق فلأن موقف السلطات العلمية والسياسية يوحي بهاجس أيديولوجي يقضي بالإيمان وبفرض
(39) Thomasma, p. 70.
(4((بيندي [وآخرون]، ص.385–384 (((4 المرجع نفسه، ص.387–385 (4((المرجع نفسه، ص 394–393.
الإيمان بالتحكم الجيني، وهو هاجس يقارب التزوير وانعدام المسؤولية. كيف لنا أن نتوقع المستقبل بهدوء حيث تمارَس الإرادة التكنولوجية قبل التثبُّت العلمي الذي يقتضي اللجوء إليه لتبرير العمل؟ إنّ المؤسسة الجينية التي تتاقى مع مصالح جماعات الضغط الكبرى تهيئ مشروعًا للقرن الحادي والعشرين، تفرض فيه "التطور بقوّة الأكاذيب والأمر والواقع". وبالتزامن مع آخر التطورات البيولوجية، وانطاقًا من موقف أخاقي عمومي يقتضي ضرورة احترام المركب الإنساني (النفس – الجسد)، كان لا بدّ من دعم فكرة أنّ هذا المركب ليس موضوعًا تجاريًّا، بل بات موضوعًا لمسؤوليتنا الأخاقية، من خال الحرص على صون كرامة الإنسان، ومنع كل إجراء عدواني عليه، وأنّ التدخل الطبي في الجسد الإنساني يكمن فقط عند الضرورة العاجية. وهكذا فإنّ ما يسمى "التحسين الجيني" يمكن وصفه بالأمر غير الأخاقي Immorality بما هو سياسة طبية قاصدة تحسين "العرق النقي"؛ ما يمكن مقاربته بما قام به النازيون سابقًا، بالحكم على تفاوت الأعراق، والانطاق من هذا الحكم نحو عزل البشرية إلى فئتين: فئة نقية تبقى، وأخرى دنسة يجب الخاص منها. وفي سبيل مزيد من الوقوف على مشكل أخاقيّات البيولوجيا، من حيث تشابكها مع مفهوم التقدم، يرى بيير تاغييف أن مسألة "التقدم العلمي" تنقسم حولها الآراء إلى ثاثة مواقف:.1 تقني محض، يرى أنصاره أن لا سلطة على العلم، ومن ثم لا يعترف هؤلاء بالمشكات الأخاقية الناجمة عن التطورات العلمية من الأساس. 2. تقليدي رافض، ومنقسم إلى تيارين: واحد متشدِّد يعود في الأساس إلى تيار الفكر المناهض للحداثة، الذي يرى في الفكر العلموي مجرّد نزوع جديد نحو "همجيَّة جديدة"، وعلى رأسهم هانس يوناس Jonas Hans (993–19031) وغيره من فاسفة تيارات أنصار البيئة الذين لهم تصوراتهم المخيفة عن العقل الحداثي، وموقفهم الرافض للتطور العلمي الذي لا يرون فيه سوى انحرافات أخاقية تهدّد الإنسان والطبيعة في آن. أمّا التيار الآخر فهو أكثر تسامحًا ومرونة في تعامله مع مسألة التقدم العلمي. 3. يتخذ أنصار الرأي الثالث من مسألة "التقدم العلمي"، موقفًا وسطيًّا، باستخدام الحجاج والبراهين للإقناع، وهو موقف يمكن أن يوصف بالحيطة والحذر. وأنصاره خليط من المتدينين والعلمانيين وأصحاب النزعة الإنسانية، وموقفهم مؤلف من إيمانهم بأهمية الحوار أو الحجاج بناءً على ما نستخلصه من التجربة. وهذا المبدأ الذي ينطلق من "فضيلة الحذر" يمكن أن يسمى لدى تاغييف
(4((المرجع نفسه، ص.394 (((4 روس، ص.118–116
بمبدأ "التشكّك التطوري"، الذي يمكن معه السؤال فلسفيًّا: كيف تحوّل الإنسان إلى ضحية تقدّمه؟
إنه سؤال يحيل مفهوم "التقدم العلمي"، إلى رهن المساءلة النقدية – الأخاقية. إنّ تعدّد المواقف الأخاقية من مسألة التقدم العلمي، يشي بأنّ المشكل الأساس هنا هو مسألة الإيمان المطلق بالعلم (الفكر العلموي)، من حيث هو "قوة مشرعة". فكان لا بدَّ من أن توضع النزعة العلموية محلّ شك في قدراتها، ف "العلموية التي تدعي حلّ جميع المشكات الفلسفية والإنسانية بالعلم، وهي تمجّد العلم وترى أنه منهل حلّ أية مسألة، إنما تمثل العائق الحاسم دون إقامة أخاق حياتية صحيحة حريصة على استخاص الدعامة القيمية لكلّ المعطيات". ويبلغ خطر التفكير العلموي ذروته حينما نتحدث عن الإنسان؛ أي حينما يدرس الإنسان ب إنسان؛ أي ب نوع، وب استثناء، من جرَّاء كرامة أو قدسيّة. ومن ثم تشييء الإنسان Objectification، والنظر إليه بما هو مادة استعمالية
بحثية؛ إنه حال العلموية المنبتّة الصلة عن مباحث القيم Axiology، أو علم الواجبات Deontology. فالعلموية دلالة واضحة على تحوير العلم عن أهدافه الإنسانية المسيَّجة أخاقيًّا، إلى قوة منفلتة من
كلّ عقال، ومتروكة لذاتها؛ ما يعني التعدّي أو "الإفراط والتغوّل" بالتشريع، ومن ثمّ "بداهة" التصدّي لكلّ المعضات. يبدو موقف مارتن هيدغر Heidegger Martin شديد الدلالة في وصف العلم بأنه يفعل كل شيء إلا التفكير في نفسه، فهو يتجه دومًا نحو الخارج لبحث كل شيء، باستثناء ذاته هو. حيث يرى هيدغر أنّ التصور الراهن للتقنية بما هي وسيلة وفاعلية إنسانية، هو التصور الأداتي والأنثروبولوجي لها. بينما التقنية لدى هربرت ماركوزه Marcuse Herbert هي ذاتها أيديولوجيا لسيطرة منهجية على الطبيعة وعلى الإنسان. جدير بالذكر أن التقنيات العلمية الحديثة، وما تمثله من مخاطر، خلقت حاجة جدليّة "لمبدأ
المسؤولية" Responsibility كما أوضحه هانس يوناس، من حيث هو إحساس ضميري، قائم على حافز الفعل لغايات الخير العام، أو المصلحة العامة، وغير مقتصر على اللحظة المعيشة، بل يتجاوزها نحو المستقبل؛ إنه واجب أخاقي أنطولوجي تجاه الإنسانية عمومًا، ليأخذ معنى الضرورة الأخاقية إزاء الحاضر والمستقبل معًا. فهذا المبدأ يجعل من الإنسانية نفسها موضوعًا أخاقيًّا، يخلع على نفسه
مفهوم الضرورة؛ أي حتمية المسؤولية Responsibility of Imperative The. ولذلك يجري إدراجه تحت علم الواجبات الأخاقية، التي تحاول تسييج العمل التقني أخاقيًّا، لما له من بعد مستقبلي؛
ما يعني أن على الإنسان تحمّل مسؤولية مصير الإنسانية، باستبصار هذا المصير من خال هيمنة التكنولوجيا على الحياة. ويشير يوناس إلى أنّ ما يميّز هيمنة الفعل التكنولوجي اليوم، أنها تمثل نوعًا
(((4 تاغييف، ص.113–112 (((4 روس، ص 9.11 (4((المرجع نفسه. 4(((مارتن هيدغر، التقنية – الحقيقة – الوجود، ترجمة محمد سبي وعبد الهادي مفتاح (بيروت/ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، [د.ت.])، ص.44 4(((يورغن هابرماس، العلم والتقنية ك "أيديولوجيا"، ترجمة حسن صقر (كولونيا: منشورات الجمل، 2003)، ص 5–44.4
جديدًا من الفعل البشري؛ بسبب حداثة أساليبها، إلى جانب طبيعة بعض أهدافها، والانتشار التراكمي – التصاعدي Cumulative لآثارها، وهي أمور تشكل اليوم سمات الممارسة التكنولوجية الجماعية. يشدّد يوناس على أنّ المسؤولية هي جملة أخاق ضرورية تأخذ المستقبل في الحسبان عند دراستها السلوك الإنساني الحاضر، ومن ثم فهي حلقة الوصل بين الزمنين، لتجعل من المستقبل موضوعًا أخاقيًّا،
باستشرافه من خال مآلات الحاضر. وبعبارة أدق، تجعل من الحياة الإنسانية على الأرض موضوعها الأخاقي. وممّا يجعل لمفهوم المسؤولية أهمية بالغة، هو ما توصّل إليه الإنسان من تقنية قد تتحوّل إلى
وبالٍ على المصير الإنساني. ولذلك يجعل يوناس من مفهوم "المسؤولية" ضدًّا لمفهوم "السيطرة" على الطبيعة الذي شاع استخدامه في العصر الحديث، وما زال متداولً في الفلسفات التي تمنح العلم صيغة القوة أو القدرة على التصدي لجميع المعضات التي تواجه الإنسانية، إلى أن باتت فكرة التقدم العلمي تمثل تهديدًا لمستقبل شروط الحياة على الأرض. إنّ هذا المستقبل مهدَّد بالانقراض Endangered نتيجة تسارع الفعل التكنولوجي، واتخاذه بعدًا شموليًّا وسلطويًّا. ولذلك فالاهتمام بمستقبل البشرية هو الواجب
الأهم للعمل الإنساني الجماعي في عصر التقنية التي أصبحت ذات سطوة غير محدودة، وقدرة على كل شيء Almighty، بما هي قدرة تدميرية. فالاهتمام المطلوب هو رعاية مستقبل كلّ الطبيعة على هذا الكوكب؛ إنها نوع من المسؤولية الميتافيزيقية Responsibility Metaphysical يقودها الإنسان لمصلحة نوعه، فهي مسؤولية تتجاوز المصلحة الذاتية Self–interest، من أجل المصير الجماعي، نتيجة تحوّل
الإنسان إلى خطر ليس على نفسه فقط، وإنما على محيطه الحيوي Biosphere عمومًا؛ أي الطبيعة من
حوله. بل لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، حيث تتطابق مصلحة الإنسان، بما يتجاوز كل الاحتياجات المادية، مع مصلحة الطبيعة بما هي موطنه. وفي خضم هذا التهديد الذي يمثله التقدّم العلمي، يمكن طرح السؤال التالي: هل ثمّة أسس أو
مبادئ يجب أن تستند إليها أخاق البيولوجيا؟ ترى جاكلين روس أن ثمّة مبدأَين لا بدّ من أن ينطلق
منهما أيّ تصور أخاقي بيولوجي أو طبي. وما دام الطب والبيولوجيا يشتركان من حيث موضوعهما،
أي الجسد والحياة؛ فإنّ أوّل مبدأ للأخاق البيولوجية هو مبدأ "احترام الجسد"، وهذا المبدأ يقتضي
النظر إلى الجسد بوصفه غاية وليس وسيلة؛ أي ليس جانبًا ماديًّا للشخصية الإنسانية يمكن فصله
وإخضاعه للعلم أو التقنية؛ ما يعني تشييء الجسد، وتحويله إلى مادة استعمالية تحت سطوة مبضع العلماء وتجاربهم. أمّا ثاني المبادئ فهو مبدأ المسؤولية، وهو المفهوم المركزي لدى هانس يوناس. إنّ المسألة الأساسية التي ينطلق منها يوناس في مبدأ المسؤولية هي "الإحساس بالخوف" في مواجهة النزوع الاأخاقي للعلم. فتجربة الخوف هي الدافع الأساس نحو مسؤولية الإنسان عن النوع الإنساني وبقائه، فالخوف يمد النظرية الأخاقية بما لا غنى لها عنه من تصور لما يحتمل وقوعه من شرور، وهو
(50) Hans Jonas, The Imperative of Responsibility , Hans Jonas & David Herr (trans.) (Chicago: The University of Chicago Press, 1984), pp. 22–24. (51) Ibid., pp. 136–137.
(5((روس، ص.121–120
بذلك يصبح "أول ضرورة مبدئية لازمة لإقامة نظرية أخاقية قوامها المسؤولية التاريخية". فهذا الخوف هو واجب تحوُّطي – احترازي Prudential لأجل تفادي تلك التصورات المرعبة التي يرسمها
المخيال العلمي للمستقبل الإنساني. فتجربة الخوف تعني ضرورة تشييد أخاقيّات الحفظ والحماية
ومنع التدمير، ورفض الموقف القائل بأن العلم لا سلطان عليه. وهي تعني ضرورة وعي الإنسان بالخطر الكبير الماكث في القدرة العلمية التقنية، بما هي قدرة مآلاتها التدمير والهيمنة في آن معًا. إنّ منح العلم الحرية المطلقة، وفكّ الارتباط بينه وبين الأخاق لا يعنيان سوى التعجل بالدمار الذاتي الذي سيحدثه الإنسان بنوعه الإنساني وبالطبيعة من حوله، "وفي الحالة المنذرة بالدمار التي تعيشها البشرية اليوم، حيث تتهددها كارثة كونية لا مناص منها فيما لو تركنا الأمور [...] تجري على العواهن. من مثل ما تدعو إليه النظرية البيكونية [نسبة إلى فرانسيس بيكون] من تحكم في الطبيعة بواسطة التقنية العلمية". فنزعة السيادة أو السيطرة، بدءًا من رينيه ديكارت Descartes René وفرانسيس بيكون
Bacon Francis، تشي بحكاية تقدّم إنسان رفض العيش طبقًا للطبيعة وشروطها، بل عمل على فهمها وتذليلها لصالحه باعتباره سيّدًا لها. يحاول رويشي إيدا فهم المشكل الأخاقي "للتحسين الجيني" بإقحام مفهوم "المساواة في الكرامة" ضمن تحليله هذا المشكل، ويرى ضرورة الاعتراف بتساوي البشر جميعًا، محذّرًا من خطر ظهور نزعة علموية قاصدة الإفادة من التقنيات البيولوجية بغرض "تحسين النسل"، أو التغيير في سمات الجينوم البشري أو شروطه. يجب أن تشكل كرامة الكائن الحي أساسًا لكل معيار أخاقي في المجال الذي نتحدث عنه. تبقى الكرامة البشرية هي الإطار الأساسي لأخاقيات علوم الحياة على قاعدة مبادئ ثاثة: قدسية الحياة البشرية، وتساوي البشر في الحق في الحياة، ومنع التاعب بالحياة الإنسانية. تؤكد ليزبيث ساغولز، في دراستها عن مستقبل فلسفة أخاقيّات البيولوجيا، أنّ هذه الأخاقيّات نشأت
بالأساس في سياق المحافظة على حقوق الإنسان، لتأتي المساواة على رأس قائمة هذه الحقوق. "لا شيء له حياة يجب أن يموت" بهذا المعنى تؤكد ساغولز الحق في الحياة بوصفه قيمة يتساوى بها البشر جميعًا، رفضًا منها لخطاب النسوية المتطرفة Feminism Extreme الداعي لحق الإجهاض، والقول بضرورة تأكيد الحق في الحياة، بما في ذلك حياة الأجنة، والمساواة الكونية في هذا الحق. يؤيد جورج أنّاس Annas George (894–18251) فكرة المساواة الجوهرية بين البشر، ويعقد آماله على البحث العلمي في إثبات هذه المساواة، في موقف رافض مآلات علم الوراثة العرقي Phylogenetics القائم على فكرة الانتقاء الجيني Gensime، بما هي فكرة تقوم على اعتبار الجينات
(5((تاغييف، ص.114 (((5 المرجع نفسه.
(55) Charles Rubin, "Human Dignity and the Future of Man," in: Schulman et al., p. 157.
(((5 بيندي [وآخرون]، ص.357–356 (5((المرجع نفسه، ص 358.
(58) Lisbeth Sagols, "The Bio–philia Future of Bioethics," in: Callahan et al., pp. 23–26.
حاملة لخصائص تحدّد إمكانيات الأفراد وتصرفاتهم وتفرّق بينها، وهي الفكرة التي لا يدعمها أي
دليل علمي، بل هي مجرّد موقف قائم على مفهوم العنصرية للعرق الجيني. ويستشهد أنّاس بموقف
كريغ فانتر Craig Venter، وهو المسؤول عن المشروع الخاص لخريطة الجينوم البشري، الذي خلص إلى القول: "إن العرق هو مفهوم اجتماعي وليس علميًّا. لقد تطورنا جميعًا منذ مئة ألف عام
انطاقًا من نفس العدد المحدود للقبائل التي هاجرت من أفريقيا لتستعمر العالم". ولذلك يحذّر أنّاس من المآلات المترتبة على فك شيفرة الجينات الوراثية القاصدة إثبات الفوارق الجينية بين البشر، في دعوة عنصرية مدعومة بفكرة "الكائن البشري الأفضل". فالهندسة الوراثية بهذا المعنى ستؤدي إلى "إبادة جينية" من خال خلق الإنسان المتفوّق أو "ما بعد إنساني" نتيجة تعديات جينية قد تحوّل
الجنس البشري "إلى ساح تدمير شامل". والحل في رأيه هو إقرار معاهدات دولية للحفاظ على الجنس البشري، بحظر كافة أنواع التعديات على الخصائص أو الشروط الطبيعية للإنسان. إنّ أكبر خطر يهدِّد الإنسان باسم العلم أو التقنية الجينية، هو ما يسمى اليوم ب "التحسين الجيني". فهذه "اليوتوبيا التقنية" بتعبير يوناس تتمثل في تكنولوجيا تصبو إلى تحسين حال الإنسان من خال التقدم الذي يحرزه علم البيولوجيا، "وتحسين صورة الإنسان يقتضي بهذا المعنى تحكّم البشرية في مصيرها البيولوجي، حيث يكون خلق الإنسان الجديد بمثابة نتاج لعملية تصنيع تقني/ بيولوجي تجريها البشرية على نفسها، ونتيجة منطقية للنزعة الاصطناعية التي تطبع التقنية العلمية الحديثة". إنّ يوناس يشير إلى ضرورة توخّي مصلحة الأجيال القادمة، بأن يكون لأخاقيات البيولوجيا الطبية الانشغالات على المدى البعيد، غير مكتفية باللحظة المعيشة فقط. فالأمر يتعلق أيضًا بأخذ الاحتياطات الازمة كي نلحق الضرر بالمستقبل البشري القادم. بهذا التصور تفرض فكرة الخوف "مبدأ الحذر" أيضًا، المبدأ الذي يراه بيير تاغييف يتخذ موقفًا وسطيًّا بين النزعة الجينية المحافظة، والداعية إلى الحفاظ على الموروث الجيني
البشري كما هو، وبين النزعة التحسينية التي تنطلق من التقدم الذي أحرزه علم البيولوجيا. في سياق الحديث عن النزعة التحسينية، فإن ثمّة ثاث مشكات يثيرها هذا التدخل المباشر القاصد
غايات تحسينية أو تطويرية. فالأول يتعلق بمفهوم "الاستقالية"، بينما يتعلق الثاني ب "الفهم الأخاقي للذات – النوع". أمّا ثالث هذه المشكات فهو يتعلق بموضوع "ما قبل الشخصية". تهدِّد التقنية الجينية ذات النزعة التحسينية مفهوم "الاستقالية"، في سعي لصياغة نمط جديد لهوية الكائن الإنساني، من خال مؤثر خارجي يتمثل في إرادة شخص آخر قام بهذا التدخل. وهو ما يمثل تهديدًا مباشرًا لخلقيَّة هذا الإنسان بما هو فرد حر وعاقل، فضلً عن أنّ هذا التدخل الجيني يمثل حالة
خلق التفاوتات بين الأفراد، ما يعني التهديد المباشر لمقولة المساواة بين جميع الأفراد باعتبارها حقًا
(5((بيندي [وآخرون]، ص.423 (6((المرجع نفسه، ص.424 (((6 المرجع نفسه، ص.429–425 (6((تاغييف، ص.115 (6((المرجع نفسه.
طبيعيًا منذ الولادة Birth Rights. ويمكن القول مع هابرماس، إنّ التدخل الجيني سيأخذ معنى "تشويه"
العاقات الإنسانية، لا سيما عاقة الأبوين بطفليهما، من خال إمكانية التحكم في مصير هذا الطفل، التي يتمتع بها الأبوان، وهو ما يسمّى ب "البرمجة الوراثية"، بدءًا ممّا يقوم به شخص ما بتنظيم جينوم
شخص آخر بموجب رغباته وطلباته، ما يعني إضفاء نمط جديد في العاقة الأبوية، الذي سيقضي على حق الاستقالية لهذا الطفل. أمّا ثاني مشكات النزعة التحسينية، فهو "الفهم الأخاقي للذات – النوع"، حيث يقوم الفهم الأخاقي للذات من حيث هي كينونة عاقلة تفعل أخاقيًّا بإرادة حرة. بينما تدخات التقنية الجينية ستعمل على
الإخال بهذا الفهم الأخاقي الطبيعي للنوع الإنساني، واستبداله بفهم جديد مرتبط برغبات الأبوين في تحديد جينوم طفليهما، ف "أن نكون أنفسنا" مقولة تواجه تحدّيًا تقنيًّا، يهدّد موضوعية الأخاق للفرد
الكانطي Kantian Individual، بما هو حر وعاقل، يجري التدخل المباشر في جينومه الخاص به، بتحديده مسبقًا، الأمر الذي يلغي مشروعية السؤال الأخاقي عن الحرية والمساواة للأفراد، ما يعني خلق فهم جديد للذاتي والموضوعي، والكفّ عن سؤال النمو الطبيعي للجسد النامي ذاتيًّا Grown
Body. فالتدخل الجيني سيؤثر في فهم النوع الإنساني للفرد، بوصفه الفاعل الأخاقي للفعل المسؤول عنه، جرّاء تقنية جينية مثَّلت فهمًا جديدًا في تحدٍّ للفهم الأخاقي الطبيعي للذات أو النوع الإنساني،
وهيمنة نمط من "العاقات الامتوازية". ينطلق هابرماس من مفهوم "تشييء الجنين" لما له من تأثيرات باعثة على مشكات أخاقية للنوع الإنساني، في نقاشه الأخاقي للعملية التقنية للجينوم، بدءًا من الأشكال الثقافية الجديدة التي ستفرزها
هذه التقنية، وتغيير النظرة الثقافية من خال فهم جديد للنوع الإنساني، وتحت ضغط حسابات "التكاليف والأرباح" بسبب هيمنة الفكر الرأسمالي، سيمثل النقاش عن استهاك الأجنة لغايات بحثية انتهاكًا للحدود الخاصة بالنوع الإنساني، ومن ثمّ حالة من "الايقين" المرتبطة بهوية هذا النوع. في هذا السياق تقود إليزابيث فينتون موقفًا مضادًا، بتأكيدها عدم وجود حدود فاصلة أو حاسمة بين ما هو طبيعي وما هو مصطنع، ما يعني عدم وجود المعايير المتبعة في مثل هذا التمايز. الأمر الذي تنبّه له
هابرماس مؤكدًا خطورة غياب مثل هذه المعايير أو الحدود، ما سيترتب عليه "تشيُّؤ الإنسان" إلى مجرد
وسيلة، وتكمن الضرورة لديه، في إبراز أهمية الحق بإرث جيني، لا يكون رهينة النزعة التحسينية أو الحسابات الرأسمالية، فوفق تصور هابرماس، "إنّ البحث الاستهاكي في الأجنة وتشخيص ما قبل الزرع يثيران ردود فعل قوية، إذ يعتبران بمثابة تمثيل الخطر الماثل في النسالة الليبرالية التي صارت على أبوابنا".
(((6 معتز الخطيب، "الحدود الأخاقية للتدخل الجيني: النقاش الفلسفي والفقهي حول أخاقيات التقنية الوراثية"، تبيّن، مج 7،
العدد 27 (شتاء 2019)، ص 2–51.5 (((6 المرجع نفسه، ص 3–52.5 (((6 المرجع نفسه، ص 3.54–5 6(((هابرماس، مستقبل الطبيعة، ص. 33
أمّا ثالث الإشكالات التي تثيرها مسألة التدخل التحسيني في الجينوم البشري، فيتعلق بموضوع الطبيعة "ما قبل الشخصية"، وهي مسألة تنطلق من سؤال "الكرامة الإنسانية"، والسؤال المثار حول أحقية التقنية الجينية في تعريض الحياة الإنسانية لغايات الانتقاء والتعديل، ومدى ارتباط مفهوم "الجنين" بمفهوم الشخصية ذات الحقوق الأخاقية، وما إذا كان لهذا الجنين "قدسية" أم لا؟ فالراجح أنه قد لازم تطور العلم، نزع مفهوم القدسية عن الإنسان، وإزاحته عن مركزيته التي كان يتمتع بها، والأمر ليس مرتبطًا برتبة دينية أولية منحت الإنسان صفة القدسية أو المركزية، ففي الفلسفات العقلية المحضة – كانط مثالً – كان للإنسان تلك الصدارة، كونه غاية في حد ذاته، وليس وسيلة في أي حال من الأحوال. ولكن من الواضح اليوم أن التقنيات البيولوجية، لا تهدّد الإنسان بصفته كائنًا حرًا وعاقلً، له شخصيته
المستقلة، بل يمتد التهديد إلى ما قبل مرحلة الشخصية هذه. يبقى سؤال "القدسية" مرتبطًا بسؤال "الحياة" نفسها، الأمر الذي جعل مشكل التقنية الجينية أشد تعقيدًا، فالفريق القائل ب "قدسية الحياة" يمكن أن تؤخذ مقولتهم على نحو مغاير لمقاصدهم، كإحداث استثناء في تجارب علمية تقام على الأجنة تحت ذريعة المحافظة على حياة النوع، فمفهوم القدسية الذي يصبغ حياة النفس الإنسانية، يبقى مفهومًا مجهولً ب تحديد للحياة التي يجب أن يحياها الإنسان؛ أي ما الحياة التي تنال القدسية؟ وهل هذه القدسية تنسحب لتشمل مرحلة "البويضة" أيضًا؟ أي الكائن ما قبل الشخصية؟ أم هي حق للإنسان ما بعد عملية الإخصاب؟ إنّ فاسفة أخاق الجينوم ما زالوا يطرحون نقاشاتهم حول المعيار "الثابت" لمفهوم "الحياة"، وبرزت لدى بعضهم مفاهيم مثل: الوعي بالذات شرطًا أو معيارًا لمفهوم الحياة، إلى جانب مفاهيم الاستقالية، والاتصال الخارجي، والمسؤولية الأخاقية. ولكن من الواضح، أنها مفاهيم تبقى قاصرة على البالغين فقط، ولا تشمل الحياة الرحميّة – الجنينيّة، ولا الطفل غير الواعي. حاولت الفيلسوفة الكاثوليكية تيريزا إغليسياس Iglesias Teresa حلّ "مشكل الشخصية" بالتركيز على عدم جدوى تعيين مفهوم "الشخصية" وحصرها في مرحلة معينة، والقول بأنّ الإنسان هو شخص بما هو كذلك؛ أي من خال نوعه الإنساني، ومن ثم لا توجد مرحلة معينة تبدأ صفة الشخصية مع حياة الإنسان، وما دام الإنسان منذ لحظة الإخصاب ينتمي إلى النوع الإنساني، فهو إذًا شخصية يحمل هوية نوعه، ومن ثم احترام الإنسان وقدسيته، هو أمر يبدأ منذ النشأة الأولى. وعلى هذا النحو تؤكد إغليسياس تساوي القدسية في صفة الشخصية في مراحل نمو الإنسان كافة، بدءًا من الجنين إلى أعلى
مراحل النضج أو النمو الإنساني، بما لا يسمح بتحويله إلى مادة تجريبية بحثية. تتخذ أنجا كارنين Karnein Anja موقفًا مقاربًا لموقف إغليسياس، ولكنها تختلف في تعبيرها بالقول بضرورة احترام حياة الإنسان ما قبل الشخصية، ما دامت هي مرحلة نمو جنيني، ستكتسب صفة الشخصية فيما بعد. فاحترام الجنين هو احترام لما سيكونه – إذا ما أردنا استخدام المفاهيم الأرسطية:
(6((الخطيب، ص.55–54 (6((المرجع نفسه، ص.56–55
وجود بالقوة ووجود بالفعل – وهو ما يسمّى "بمبدأ الاحتياط"؛ من حيث هو عمل "تحوّطي" أو
"احترازي" يهدف إلى احترام الأجنة على اعتبار أنها ستكون أشخاصًا في مرحلة. فاحترام الإنسان بوصفه شخصًا يفرض علينا التزامًا أخاقيًّا تجاه الجنين الذي سيصبح شخصًا ما في المستقبل. إنّ الخوف خاصية إنسانية حيال المستقبل المجهول في خضم تطورات بيولوجية تحايثها النزعة العلمويّة، وما يصرّح به بعض العلماء من أفكار هو مدعاة للتخوف ممّا قد يشوب الوضع البيولوجي من تغيرات
لا نعلم أبعادها المستقبليّة، "لذلك حين نخاف من الهندسة الوراثية، ونحاول أن نمارس حريتنا من خال
شعورنا بالخوف والقلق، لا نخاف مما نعرفه وإنما مما نجهله". ففي الهندسة الوراثية لم يعد الأمر مقتصرًا على فهم الشيفرة الوراثية للإنسان أو فكّها، بل تجاوز إلى مرحلة التحكم في هذه المورّثات،
وبصرف النظر عن الفوائد المتحققة من الهندسة الوراثية، فهذا لا يخفي الجانب المرعب الذي يصرّح به
بعض العلماء عن الكائنات المجهرية الدقيقة كالجرثومية والفيروسية وغيرها من كائنات مهندسة جينيًّا،
مسبّبة أوبئة سريعة الانتشار، ومن الصعب السيطرة عليها، قد تفتك بالنوع الإنساني. يرى جوناثان مورينو أن ثمّة جهودًا تبذل لتعديل فيروسات تستطيع الهرب من اللقاحات المتاحة لها، ما يجعل مكافحتها على غاية من الصعوبة، واليوم ثمّة إمكانية أن تصبح التطورات العلمية الخاصة بالجينوم البشري هدفًا تقنيًّا للإرهاب، ويذكر مورينو أن مجموعة استشارية حذّرت أواخر تسعينيات
القرن المنصرم من أن اختتام مشروع الجينوم قد يخلق مخاطر تتعلق بالكائنات الحية المعدّلة أو المهندسة جينيًّا، ما قد يؤدي إلى بذل محاولات لهندسة أسلحة بيولوجيّة تستهدف مجموعة عرقية
معينة. يمكن الإشارة إلى مشروعيّة التخوّف البيولوجي، بما ألمح إليه سريعًا آلفين توفلر Toffler Alvin
(1928–2016) في كتابه صدمة المستقبل Future Shock (9701)، من أسئلة باعثة لذلك التخوف، تتعلق بالبحوث البيولوجية، واكتشافاتها وتطبيقاتها وحدودها وضوابطها، وغيرها من أسئلة هي مثار رعب من خطر يتهدّدنا، وهو ما عبّر عنه علماء اختصاص بساعة تدقّ لتنذر بخطر "قنبلة هيروشيما البيولوجية".
فالمعرفة البيولوجية المتسارعة تشي بقدرة على إنتاج سالات بشرية بحسب الطلب، في عالم ما زالت تسوده فكرة التعصب العنصري! ما يحتّم علينا مراجعة جميع مفاهيمنا من جديد، وتقييم المعاني المتداولة لمفاهيم الأسرة، والشخصية، والنوع، والمشاعر، والوعي، إلى جانب قيم أخاقية كالحرية والاستقالية.
((7(المرجع نفسه، ص.56 ((7(البقصمي، ص.202 ((7(المرجع نفسه، ص.204–203
(73) Jonathan Moreno & Bonnie Steinbock (eds.), "Bioethics and Bioterrorism," in: Bonnie Steinbock (ed.), The Oxford Handbook of Bioethics (Oxford: Oxford University Press, 2007), p. 732.
(7((عبد الحسن صالح، التنبؤ العلمي ومستقبل الإنسان، سلسلة عالم المعرفة 84 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 9811)، ص.165–164
إنّ التاعب الجيني يطرح من جديد سؤال الإنسان بما هو كائن أخاقي، فمثل هذه التقنية تعمل، في ما يرى هابرماس، على محو هذا السؤال لصالح برمجة بيولوجية تهدّد جميع أخاقياتنا المرتبطة بنوعنا، ومن ثمّ اختفاء التباين بين من ينمو طبيعيًّا، وما هو مصنّع، في عملية تماهي الطبيعي بالصناعي. "إنّ
التاعب الجيني يرتبط بمسائل هوية النوع، والتي يشكّل من خالها الفهم الذي يكوّنه الإنسان عن
نفسه باعتباره كائنًا ذا ماهية جنسية، السياق الذي تنتظم فيه تمثاتنا القانونية والأخاقية". إنّ الخوف على حرية الإنسان ووجوده الطبيعي، إلى جانب الخوف على استقاليته، وصون كرامته باعتباره مركبًا من نفس – جسد، مردّه الأساس هو الخوف من التحكم في التركيبة الوراثية للإنسان
وتغيير سلوكه؛ إنه الخوف على الإرث الجيني للإنسان من عمليّات "التعديل" أو "التحسين"، التي
سيسبقها حتمًا تحويل الإنسان إلى مادة بحثية أو تجريبية. إنّ أصل المخاوف من الهندسة الوراثية
يكمن في كلمة المجهول التي تكتنه تلك الأبحاث، وما قد يترتّب عليها من مخاطر أو مضاعفات جانبية Effects Side، بما يمكن أن تصل إليه من قدرات ذات سطوة عالية ومخيفة، لذلك قال جون كلوفر Clover John: "إن القرارات التي نتخذها للمستقبل قد لا تكون منصفة للأجيال القادمة، لأننا نحكم من خال قيمنا الحاضرة". ثمّ ما يدرينا أن الأجيال القادمة ستشعر بأن قدسيتها وحرمتها
انتهكت حين يتدخل العلم لتغيير تركيب الإنسان الوراثي؟ إننا لا نعرف مدى قدرة هذه التكنولوجيا على التغيير. إنه الأمر الذي حذّر منه أيضًا رئيس جمهورية "ألمانيا الاتحادية" يوهانس راو Rau Johannes في أيار/ مايو 2001، حيث أطلق تحذيرًا جاء فيه: "إنّ من يعمل على تحويل الحياة البشرية إلى أداة، أو من يميّز
بين حياة تستحق أن تعاش عن حياة لا تستحق ذلك، إنّ من يقوم بذلك يكون قد دخل طريقًا لا نقطة نهاية فيها". في تعبير رافض "للداروينية البيولوجية" أو سياسة الانتقاء الطبي الذي قد تمارسه التقنية الجينية. ما منح هابرماس مشروعية السؤال عن الحق في تعريض حياتنا البشرية ل "غايات الانتقاء"، ثمّ
عمَّا يمكن فعله في مجابهة "لوبي التكنولوجيا الوراثية". وفي مفهوم شديد الدلالة، أبان مشروعية التخوف البيولوجي، درج مؤخرًا استخدام مفهوم "الإرهاب
البيولوجي" Bioterrorism على نطاق واسع، حيث كان يشير هذا المفهوم، بحسب جوناثان مورينو، إلى الاستخدام البيولوجي والكيميائي لنشر "الرعب بين قوّات العدو" بوصفه تكتيكًا استخدم في الحرب
العالمية الأولى، أمّا راهنًا فإنّ "حداثة الإرهاب البيولوجي" في القرن الحادي والعشرين تكمن في
احتمالية الجمع بين الراديكالية السياسية والتقنيات الحديثة، لصناعة أسلحة أكثر فتكًا وضررًا بالإنسان
والطبيعة على السواء. فمفهوم الإرهاب البيولوجي خلع على نفسه معنى عمليات "نشر الإرهاب" باستخدام أسلحة غير تقليدية: النووية والكيميائية والإشعاعية، أو "القنابل القذرة" وغيرها من "تقنيات
(7((هابرماس، مستقبل الطبيعة، ص.32 ((7(البقصمي، ص.207 (7((هابرماس، مستقبل الطبيعة، ص.28 ((7(المرجع نفسه، ص.29
إرهابية"، في عملية انزياح ما هو تقني نحو السيطرة المدفوعة بإرادة القوة بالمعنى الاستراتيجي، ممّا خلق مشكات أخاقية جمّة مرتبطة بهذه التهديدات للحياة الإنسانية. وعلى الرغم من أنّ أخاقيّات البيولوجيا اكتشفت مؤخرًا المشكات المرتبطة بالإرهاب البيولوجي،
فإنّ تاريخ الطب والحروب مليء بأمثلة لمحاولات استخدام أمراض معدية بوصفها ساحًا حربيًا،
ويذكر مورينو أنه تحت ضغط اعتبارات "الأمن القومي" جرى تسويغ مفهوم "التأهب للإرهاب البيولوجي" استجابة لأي تهديد محتمل، ما أودى بحياة الآلاف جرّاء تجارب علمية أجريت عليهم
بقصد تطوير أسلحة بيولوجية وكيميائية، من دون أن يخضع أي من العلماء المعنيين لمحاكمات قضائية، فكانت الفضائح التي انتشرت بعد الكشف عن تلك التجارب البشرية، التي تموّلها وترعاها وكالات الأمن القومي، سببًا رئيسًا لظهور مصطلح "الإرهاب البيولوجي" في نقاشات أخاقيّات
المهنة. فإذا كانت التسمية الدارجة لهذا العصر بما بعد الحداثة، فإنه "عصر الإرهاب البيولوجي" كما يراه مورينو؛ الإرهاب الذي يمكن أن يُختزل بيولوجيًّا بأسلحة بكتيرية وفيروسية وغيرها،
ما يستدعي فكرة يوناس عن "تجربة الخوف" وراهنيتها، والشاهد اليوم، هو العالم كله بما يعيشه من خوف انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد 9–1)، ما يعزّز مشروعية السؤال عن كيفية تحوّل العلم إلى أداة للألم والموت؟
خاتمة
إنّ أخاقيّات البيولوجيا رغم مطارحاتها التأسيسية، وتعدّد مؤثراتها، كانت تعني في المقام الأول الجسر
الضروري لمستقبل آمن للحياة البشرية، كما وصفها فان بوتر. وهي لا تزال حتى اليوم تعاني كونَها في مواجهة مفهوم التقدّم بجميع إغراءاته وتجلياته. فالمخاوف الأخاقيّة التي تثيرها التقنيات البيولوجية،
كانت حريصة على "قدسية الحياة" للنوع الإنساني، ومتشككة بالدرجة نفسها، في فكرة "نوعية الحياة" الداعمة لسياسة "التحسين الجيني"، التي من بين معانيها اصطفاء "العرق النقيّ"، في مشروع تعبق منه
رائحة العنصرية. إنّ النداء المطالب بضرورة حماية الإرث الجيني له مبرراته الأخاقية، التي تنطلق من معادلة الجسد – النفس بوصفها مركبًا إنسانيًا مقدّسًا، من خطر التاعب به تحت مفهوم التحسين أو التعديل، ولذلك
يجوز القول: إنّ أخاقيّات البيولوجيا منذ لحظة انطاقها، كانت حريصة على أن يكون مقصدها النهائي
الإبقاء على النوع الإنساني واستمراريته، بما هي ذلك الجسر الضروري والآمن لهذا النوع. فكان لا بدّ من التأكيد على ضرورة الممارسة البيولوجية التي تقودها الأخاق، في وضع يسمح بالمساءلة الأخاقية والقانونية لهذه الممارسات؛ ذلك أنّ ترك التطور البيولوجي يسير على عواهنه، ليس سوى التعجل بالدمار الجيني للإنسان، والدمار البيئي للطبيعة.
(79) Moreno & Steinbock, pp. 721–722. (80) Ibid., pp. 722–724.
يمكن في خاتمة هذه الدراسة إعادة التساؤل فلسفيًّا: ما الموقف الأخاقي المائم الذي يمكن تبنّيه
والدفاع عنه في وجه أدعياء "التحسين الجيني"، ودعاة التقدم إلى حدود تمني القدرة الإلهية على التخليق؟ حاولت الدراسة إثبات لاأخاقية "التحسين الجيني"، وعدم مسؤوليته، وأحقيّة التخوف من المجهول
الذي يكتنفه، من خال ممارسة التاعب بسمات الطبيعة الإنسانية، وتجاهل قدسية الوضع الطبيعي للإنسان، ومن ثمّ التغيير الكلي لمفاهيم: الوعي، والأسرة، والحرية، والاستقالية، وغيرها، ما يعني التمهيد لنمط بشري جديد، هل يمكن أن يجزم أحد بمآلاته؟ خاصة القول إنّ استشكال الخوف الذي طرحه يوناس، هو تأكيد مسؤولية الإنسان عن نوعه. فالخوف خاصية إنسانية تدفع الإنسان إلى اتخاذ قرارات يكون مسؤولً عنها، وهدفه منها الحفاظ على نفسه ممّا يخافه. ومن ثم فمبدأ المسؤولية هو "واجب أخاقي" على طريقة يوناس، لا على طريقة كانط، تأمر به الحكمة والحذر، لا القانون الأخاقي القبلي.
References
المراجع
العربية
أراس، جون. "النظرية والبيوإتيقا". ترجمة شيماء عطية وأحمد فاروق. دفاتر فلسفية). 2015(البقصمي، ناهدة. الهندسة الوراثية والأخلاق. سلسلة عالم المعرفة 74.1 الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1993 بوفتاس، عمر. "البيوإتيقا: نحو فكر أخاقي جديد ". دفاتر فلسفية. العدد).2015(9 بيندي، جيروم [وآخرون]. القيم إلى أين؟ مداولات القرن الحادي والعشرين. ترجمة زهيدة درويش جبور وجان جبور. بيروت: دار النهار؛ قرطاج: المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون،.2005 تاغييف، أندريه بيير. "أخاقيات البيولوجيا: نحو مشروع قضية فكرية". ترجمة عبد الهادي الإدريسي. مجلة دفاتر الشمال. العدد).2003(7 الخطيب، معتز. "الحدود الأخاقية للتدخل الجيني: النقاش الفلسفي والفقهي حول أخاقيات التقنية الوراثية". تبيّن. مج 7، العدد 27 (شتاء 2019). روس، جاكلين. الفكر الأخلاقي المعاصر. ترجمة عادل العوا. بيروت: عويدات للنشر والطباعة،
صالح، عبد الحسن. التنبؤ العلمي ومستقبل الإنسان. سلسلة عالم المعرفة 8.4 الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1981
الشرقية،.2006
الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، [د.ت.].
الأجنبية
هابرماس، يورغن. العلم والتقنية ك "أيديولوجيا". ترجمة حسن صقر. كولونيا: منشورات الجمل،
________. مستقبل الطبيعة الإنسانية: نحو نسالة ليبرالية. ترجمة جورج كتوره. بيروت: المكتبة
هيدغر، مارتن. التقنية – الحقيقة – الوجود. ترجمة محمد سبي وعبد الهادي مفتاح. بيروت/
Callahan, Daniel et al. Global Bioethics: What for? Paris: The United Nations Educational, 2015. Hottois, Gilbert. Evaluer la technique: Aspects éthiques de la philosophie de la technique. Paris: Vrin, 1988. Jacoby, Liva & Laura A. Siminoff. Empirical Methods for Bioethics: A Primer. Amsterdam: JAI Press, 2008. Jonas, Hans. The Imperative of Responsibility. Hans Jonas & David Herr (trans.). Chicago: The University of Chicago Press, 1984. Kant, Immanuel. Groundwork for the Metaphysics of Morals. Allen Wood (trans.). New Heaven: Yale University Press, 2002. Kuczewski, Mark G. & Ronald Polansky (eds.). Bioethics: Ancient Themes in Contemporary Issues. Cambridge: The MIT Press, 2000. Lobo, Alfonso Gomez & John Keown. Bioethics and the Human Goods: An Introduction to Natural Law Bioethics. Washington, DC: Georgetown University Press, 2015. Schulman, Adam et al. Human Dignity and Bioethics. Essays Commissioned by the president’s council on Bioethics. Washington, DC: The President’s Council on Bioethics, Steinbock, Bonnie (ed.). The Oxford Handbook of Bioethics. Oxford: Oxford University Press, 2007. Takala, Tuija et al. Cutting Through the Surface: Philosophical Approaches to Bioethics. Amsterdam: Editions Rodopi, 2009.