مفهوم السياسات الحيوية بين ميشيل فوكو وجورجيو أغامبين
The Concept of Biopolitics between Michel Foucault and Giorgio Agamben
الملخّص
يُشير مفهوم "السلطة الحيوية" لدى ميشيل فوكو إلى الممارسات المختلفة التي من خلالها لا يجري تنظيم سلوكيات الأفراد فحسب، بل إن تنظم الحياة نفسها بكل أبعادها تكون أيضًا خاضعة لممارسة السلطة/ السكان على وجه التحديد. ستُؤخَذ السلطة الحيوية في القرن التاسع عشر وتُشكَّل من أشكال السياسة التشريحية للجسم، والسياسة الحيوية للسكان، وقد أصبحت السمة المميزة لعلاقات القوة التي ينبني عليها عالمنا اليوم. ففي حين تتجه سياسة التشريح نحو الجسد كآلة - من حيث تأديبه وتحسين قدراته وتكامله في أنظمة ضوابط فعالة واقتصادية - فإن السياسة الحيوية للسكان، على النقيض من ذلك، تركز على الجسد المشبع بآليات الحياة، والذي يعتبر أساس العمليات البيولوجية المتمثّلة بالولادة، والوفيات، ومستوى الصحة ومتوسط العمر. من جهة أخرى، لئن لم تفقد السياسات الحيوية عند جورجيو أغامبين جوهرها الأساسي الذي يقوم على التوجه إلى الحياة كقصد لها، فإنّ الهدف لم يكن تحسين الحياة – كما هو الشأن عند فوكو - بل نفيها وتهميشها وإعادة إنتاجها لتتحول من الحياة كنموذج جماعي وبيولوجي وقانوني وسياسي إلى "الحياة العارية"، أي المجردة من أهليتها القانونية والسياسية والاجتماعية، بحيث يسهل إخضاعها لإمكانية الموت والإبعاد والحظر، وذلك من خلال "حالة الاستثناء" التي تُعد نموذجًا لأنْ يشرّع القانون تعليق القانون نفسه. وفي هذه الحالة، يصبح الأفراد في الدولة نموذجًا لما يسمّيه أغامبين "الإنسان المستباح".
Abstract
The Concept of Biopolitics between Michel Foucault and Giorgio Agamben
Abstract: Michel Foucault’s conception biopolitics refers to the different practices by which not only are the behaviours of individuals regulated, but also life itself, is subjected to the exercise of power. In the nineteenth and twentieth centuries, Bio–politics took take the form of the "anatomical politics" of the body and the "Bio–politics of population," which became the most definitive character of the power relations that shape the contemporary world. While the anatomy policy concentrated on the body as a machine – improving its capabilities, directing it and integrating it into effective disciplinary systems, the bio–policy of the population, conversely, focused on the body as the basis for biological processes of birth, death, and reproduction and level of health etc. Agamben’s bio–politics did not lose its basic orientation, with life as its intention. Agamben conceptualises biopolitics as a means to reduce the life of an individual into "bare life," that is, life deprived of any legal rights, losing citizenship and agency, through the state of exception. The state of exception is a model whereby the sovereign power legislates the suspension of the law itself, and in this case the individuals in the state of exception become what Agamben calls the Homo Sacer, an individual who is effectively stripped of all rights and who be freely killed without consequence.
- فوكو
- أغامبين
- السياسات الحيوية
- الحياة
- الموت
- Foucault
- Agamben
- Bio-politics
- Life
- Death
يجري من خالها تنظيم سلوكيات الأفراد فحسب، بل إنّ تنظيم الحياة نفسها بكل أبعادها يكون
أيضًا خاضعًا لممارسة السلطة/ السكان على وجه التحديد. ستُؤخَذ السلطة الحيوية في القرن
التاسع عشر وتُشكَّل من أشكال السياسة التشريحية للجسم، والسياسة الحيوية للسكان، وقد
أصبحت السمة المميزة لعاقات القوة التي ينبني عليها عالمنا اليوم. ففي حين تتجه سياسة
التشريح نحو الجسد كآلة – من حيث تأديبه وتحسين قدراته وتكامله في أنظمة ضوابط فعالة
واقتصادية – فإن السياسة الحيوية للسكان، على النقيض من ذلك، تركز على الجسد المشبع
بآليات الحياة، والذي يعتبر أساس العمليات البيولوجية المتمثّلة بالولادة، والوفيات، ومستوى
الصحة ومتوسط العمر. لئن لم تفقد السياسات الحيوية عند جورجيو أغامبين جوهرها الأساسي
الذي يقوم على التوجه إلى الحياة كقصد لها، فإنّ الهدف لم يكن تحسين الحياة – كما هو الشأن
عند فوكو – بل نفيها وتهميشها وإعادة إنتاجها لتتحول من الحياة كنموذج جماعي وبيولوجي
وقانوني وسياسي إلى "الحياة العارية"، أي المجردة من أهليتها القانونية والسياسية والاجتماعية،
بحيث يسهل إخضاعها لإمكانية الموت والإبعاد والحظر، وذلك من خال "حالة الاستثناء" التي
تُعد نموذجًا لأنْ يشرّع القانون تعليق القانون نفسه. وفي هذه الحالة، يصبح الأفراد في الدولة
نموذجًا لما يسمّيه أغامبين "الإنسان المستباح".
مقدمة
يبرز مفهوم "السياسات الحيوية" Biopolitics بوصفه مركبًا من عاقة متازمة بين السياسة
والحياة، تقوم على آليات مرنة تتبدل بها السياسات لتُخضع الحياة لاستراتيجيتها، كجزء من تطلّع السلطة نحو السيطرة والتنظيم من جهة، والقمع والإقصاء والسيادة من جهة أخرى. لا يمكن الاحتكام إلى لحظة ولدت فيها السياسات الحيوية دفعة واحدة؛ إذ خضع المفهوم لمحاولات تأسيس برزت عند الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو Foucault Michel (1984–1926) الذي طرحه ضمن عنوان صادم، هو: "حق الموت والسلطة على الحياة" " Life over Power and Death of Right " كجزء من عناوين كتاب تاريخ الجنسانية The History of Sexuality (1976). فقد أراد من خاله الكشف عن شكل جديد من السلطة ظهر بشكل متمايز عن طبيعتها كسلطة سيادية عقابية وعنيفة. اكتسبت السلطة عند فوكو وجهًا جديدًا وتعريفًا مختلفًا يتمثل بأنها عاقة وفاعلية وممارسة مبتعدة عن قطبها الأحادي الذي يفرض السيادة؛ ومن ثم أصبحت تتبع آليات الإحياء من خال الحدّ من تشريع العقاب والقتل، لتتجه إلى تحسين الحياة والحفاظ عليها، من أجل إخضاعها ومراقبتها وضبطها. لذا، جاءت السياسات الحيوية لتمثّل سياسات السلطة الحيوية، وتؤدي أهدافها تجاه السكان في المجتمع بوصفهم جسدًا اجتماعيًّا، منضبطًا، وخاضعًا للمراقبة، ومن أجل التحسين الصحي، والبيولوجي أيضًا؛
لاستفادة قدر الإمكان من فاعليته الإنتاجية. في حين ظهرت السياسات الحيوية بشكل تجاوز حضورها التأسيسي عند فوكو، لتتخذ صيغة مختلفة عند الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين Agamben Giorgio، خصوصًا في طرحه لها في كتاب
حالة الاستثناء State of Exception).2003(ومن الواضح أن السياسات الحيوية عند أغامبين، وإن بقيت متوافقة مع بعض المقدمات التأسيسية مع فوكو من خال ربط السلطة بالحياة، فإنها قدّمت نتائج مختلفة. ومن أجل النظر في حضور مفهوم السياسات الحيوية في كل من طرح فوكو وأغامبين بهذه الصورة المتمايزة، كان لا بد من تتبع هذه السياسات على نحو أكثر تفصيلً؛ للكشف عن الإشكاليات الأساسية التي تظهر في حالة المقارنة التي
يتتبعها البحث، والتجاوز الحاضر لأطروحة السياسات الحيوية؛ من سياسات إحياءٍ كما ظهرت عند فوكو مُفصَّلةً، إلى سياسات موت برزت عند أغامبين من خال استشهاده بظواهر قانونية وسياسية. وقد أبرزت عملية التجاوز العديد من المفاهيم التي استحقت الوقوف عندها، والخوض في عملية تحليلها، وأبرزها: مفهوم السيادة، والحياة، والموت، والقانون، والاستثناء. فالطابع المفاهيمي كان حاضرًا بقوة،
ليثير تساؤلات تتعلق بمدى واقعية السياسات الحيوية، وأرضيتها العملية، وشكلها المعاصر، وإنْ كانت تمثّل سياسات الدولة من خال نظام الحكم الذي تتبعه، أو أنها جزء من سياسات للدولة تستعملها ضمن ظروف وشروط استراتيجية تقررها. لذا، اعتبرت محاولة المقارنة بين طرح فوكو وأغامبين بشأن السياسات الحيوية منفذًا عريضًا يقدّم تحليات للإشكاليات المتعلقة بالمفهوم، ويخلق إشكاليات تحفز البحث والتساؤل.
أولا: السياسات الحيوية: حضور المفهوم في أطروحة فوكو
يُعد التاريخ مجالً واسعًا برزت خاله السياسة كمفهوم تفاعلي يقوم على آليات وعاقات وبناءات نظرية تؤدي أهداف السلطة التي تفرض سيادتها بوصفها قوة باعثة على النظام وتشريع القانون. وهذه الممارسة السيادية للسلطة تحكم بالقانون كعنصر مؤسس لعاقتها بالشعب، وتقتضي أن تمتلك السلطةُ الحقَّ في الإماتة والإحياء، وهو ما يؤكده فوكو قائلً: "تعرفون أن حق الحياة والموت في النظرية الكاسيكية للسيادة كان من الحقوق الأساسية في الواقع يظهر حق الحياة والموت على المستوى النظري بوصفه حقًّا غريبًا، فماذا يعني أن يكون هنالك حق على الحياة والموت؟ يعني أن
للملك أو العاهل حق الحياة والموت بمعنى أنه يستطيع أن يميت أو أن يمنح الحياة". إنّ إشارة فوكو إلى مفهوم السيادة، على هذا النحو، تدل على محاولته إبراز التحولات التي مرت بها السلطة في ممارستها السيادية، خصوصًا في الإحياء والإماتة، حتى يتحوّل دورها إلى تطبيق الإماتة
أو الإحياء؛ لتوجه آلياتها نحو تقليل حدوث الموت واستثمار الحياة؛ إذ إنها "تهتم بتدبيرها وتثمينها وتكثيرها وممارسة مراقبات دقيقة وانتظامات شاملة عليها، فالحروب لم تعد تجري باسم الملك الذي يجب الدفاع عنه، ولكنها باتت تجري باسم وجود الجميع". لم تتوقف تحولات السلطة عند هذا الحد؛ لأن ممارساتها في العقاب، مثل تطبيق حكم الإعدام على سبيل المثال، بدأ يشكّل مفارقة أمام محاولتها تدبير الحياة والمحافظة عليها بتوجهها إلى الإماتة في معظم الأحيان؛ ما جعلها تقوم على الإحياء وتجنب الموت، لتشكّل نفسها كسلطة "الإحياء" أو "الرفض" للموت. إن التتبع الذي أقامه فوكو لتحولات السلطة عبر التاريخ، كشف عن نشوء مفهومٍ للسلطة مختلفٍ عن مفهومها السيادي، وهو ما أطلق عليه مفهوم "السلطة على الحياةُ " Power Bio التي مهدت بدورها لنشأة السياسات الحيوية. يعرّف فوكو السلطة في هذا السياق انطاقًا من ممارساتها؛ إذ يقول: "لقد كانت السلطة قبل كل شيء
حقًّا للقبض: على الأشياء والزمان، والأجساد، وفي النهاية على الحياة، ولعلها تبلغ ذروتها في امتياز الاستياء على هذه الحياة لإلغائها كليًّا". لطالما كان للسلطة تشريعات متعلقة بالموت، خصوصًا
في منطق العقاب، حيث وقف الموت بوصفه حد الحياة، كما يطرحه فوكو؛ فالسلطة التي بدأت تتعمق في فهم طبيعة الحياة، بدا الموت لها وكأنه مجال لا بد من إيقافه، أو الحد منه، على قدر الإمكان، على أن تحل مكانه إدارة جديدة، هي إدارة الحياة.
(((ميشيل فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع، ترجمة الزواوي بغورة (بيروت: دار الطليعة للنشر، 2003)، ص.234 (((ميشيل فوكو، تاريخ الجنسانية 1:، إرادة العرفان، ترجمة محمد هشام (المغرب: أفريقيا الشرق، 2004)، ص.114 (((المرجع نفسه، ص.115 (((المرجع نفسه، ص.113
وفقًا لفوكو، تخترق السلطةُ الحياةَ كلّها، مستخدمةً بذلك المعرفة؛ لأن تعامل السلطة في سياق إخضاع الحياة لها يقوم على اتحاد بين السلطة والمعرفة كمركّب السلطة – المعرفة؛ ليبرر شكل تعامل السلطة مع الحياة، بواسطة الدعم بالمعرفة التي تتمثل بالدراسات العلمية والاجتماعية والإمكانات الإحصائية والدراسات العلمية. إن جميع هذه العناصر تساهم في تغلغل السلطة في جوانب الحياة وفي ضبط الفرد؛ إذ "يجب التوقف عن الاستمرار في وصف مفاعيل السلطة بعبارات سلبية من قبيل أنّ "السلطة 'تستبعد'، و'تقمع'، و'تكبت'، و'تراقب'، و'تجرّد'، و'تقنع' و'تخفي'. في الواقع إن السلطة تنتج، تنتج
الواقع الحقيقي". وهنا تسهم السلطة في السيطرة على حياة الفرد من الناحية البيولوجية بدعمٍ من المعرفة المتعلقة به بوصفه كائنًا بيولوجيًّا. وهذا الفهم الذي تشكّله السلطة عن الفرد بهذا المعنى،
تستعمله لتحريك سياساتها. وهنا، لا بد من الإشارة إلى مفهوم الحياة الذي تحاول السلطة إخضاعه؛ فمفهوم السلطة على الحياة يحتمل حضور الحياة من خال كلمة " Bio "؛ إذ أدّت هذه المفردة دورًا في تأسيس فوكو لمفهوم
السلطة، ومن ثم مفهوم السياسات الحيوية.
1. مفهوم الحياة بوصفها رهانًا للسلطة
من الناحية الفلسفية، جرى التمييز بين واقعة الحياة البيولوجية المجردة of Fact Biological Bare Living وبين طريقة الحياة Life of Way بالنسبة إلى الأفراد والجماعات في الدولة، وحُسِمَ التمييز في
الفلسفة اليونانية بين كلمة " Zoe "، التي تعني العيش المشترك بين البشر والكائنات، فيكفي أن يكونوا على قيد الحياة، وكلمة " Bios "، التي تعني الحياة المؤهلة، أي المتعلقة بالأفراد والجماعات، وهي الحياة العقانية ضمن منظومة أخاقية وقانونية وسياسية. تدخل الحياة ضمن استراتيجيات السلطة، لتتخذ معنى كلمة " Bios "؛ إذ يمثل المنظومة التي تشكّل الإرادة والإمكانات والقوة التي يعيش بها الكائن البشري بتمثاته الحيوية كافةً. لذا، بدأت السلطة تنتبه إلى الطريقة التي تستمر من خالها الحياة البشرية، حيث تحتمل العديد من التدخات. تناول فوكو كلمة " Bios " لتكون قصدًا للسلطة، بوصفها حياة الأفراد المؤهلين قانونيًا وسياسيًا واجتماعيًا. وبذلك،
تخضع هذه الحياة لرهان السلطة من خال تمكين آليات للتعامل معها؛ لتحسينها، وتنميتها، والحفاظ عليها، والحد من أي عوارض ممكنة التأثير. ويشير فوكو إلى مفهوم الحياة الذي تدرّج تاريخيًّا عَبْر
تتبع المفهوم، ويوضح ذلك بقوله: "لقد ظل الإنسان لآلاف السنين على ما كان عليه، بالنسبة لأرسطو، حيوانًا حيًّا قادرًا، بالإضافة إلى ذلك، على وجوده السياسي. أما الإنسان الحديث فهو الحيوان الذي
في سياسته توضع حياته، ككائن حي، موضع تساؤل".
(((ميشيل فوكو، المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن، ترجمة علي مقلد (بيروت: مركز الإنماء القومي، 1990)، ص.204
(6) Hansen Sarah, "ZOE, BIOS and the Language of Biopower," PhD. Dissertation, Vanderbilt University, Nashville, Tennessee, 2010, p. 4.
(((فوكو، تاريخ الجنسانية، ص.119
هنا، يقصد فوكو أن الحياة التي تستهدفها السلطة هي حياة الفرد المؤهل قانونيًّا، وقد تدرّج تعامل
السلطة مع الحياة تاريخيًّا، حتى اختُزل في فترة الحداثة، أو ما يسميها فوكو "العتبة البيولوجية للحداثة"؛
إذ يجري استهدافه سياسيًّا؛ لكونه واعيًا بوجوده السياسي والقانوني، من خال توظيف التقنيات
والآليات التي تخضع حياته للتحسين حتى تصل إليه كجسد، أي بوصفه كائنًا حيًّا Zoe، حيث تُعنَى
السلطة بعملياته الحيوية والبيولوجية كلّها؛ من ولادات، ووفيات، ومرض، وعجز. يطلق على الآلية، أو الاستراتيجية، التي تعمل من خالها السلطة على التدخل في الحياة "سياسات" Politics، أي سياسات السلطة في التدخل في الحياة، وتُختزل في السياسات الحيوية. فما الفرق الأساسي الذي يفصل السياسات الحيوية عن السلطة الحيوية؟ يقوم فهم أطروحة فوكو المتعلق بالسياسات الحيوية على مفهومه الأساسي للسلطة؛ إذ أسس بناءً نظريًّا
مختلفًا للسلطة، بعيدًا عما يصفه الشكل الكاسيكي للسلطة، ويقول في هذا السياق: "لا يجب اعتبار السلطة وكأنها ظاهرة هيمنة واحدة موحدة ومنسجمة – كهيمنة فرد على فرد ومجموعة على مجموعة أو طبقة على طبقة – بل يجب أن نعرف أن السلطة – إلا في حالة تقديرها من أعلى ومن بعيد – ليست شيئًا يمكن تقاسمه أو توزيعه أو اقتسامه بين الذين يملكونها والذين لا يملكونها". لذا، ينفي فوكو أن يحتكم مفهوم السلطة إلى بُعدٍ واحدٍ كما تدرَّجت تاريخيًّا؛ فلم تعد السلطة بيد
الملك أو الحاكم، أو بيد قطب واحد يمتلك الحكم والسيادة، بل تفككت وأصبحت تُمارَس في
شبكةٍ، بمعنى أنها تتمثل بوصفها فاعلية بين الأفراد الخاضعين والممارسين لها، بحيث تنتقل بين الأفراد من دون أن تطبق عليهم، وهكذا فإن الفرد هو نتيجة من نتائج السلطة. واستنادًا إلى ذلك، يعتبر فوكو أن السلطة على الحياة قد تطورت من القرن السابع عشر ضمن قطبين مرتبطين في شبكة من العاقات، ويوضح ذلك بقوله: "لقد تم تركيز أحد القطبين؛ الأول في التكوين على ما يبدو، على الجسد كآلة: فترويضه، والرفع من كفاءاته، وانتزاع قواه، والنمو المتزايد لمنفعته وانقياده، واندماجه في منظومات للمراقبة فعالة واقتصادية، كل هذا كانت قد أمّنته إجراءات لسلطة
تحدد 'الانضباطات': تشريح سياسي للجسد البشري". ويقصد فوكو شكل السلطة في القرن السابع عشر التي يبدو أنها أسست آليات السيطرة على الحياة من خال تحديدها بالجسد، بحيث يخضع الجسد نفسه، بوصفه فاعلية حيوية منتجة لا بد من تنظيمها وترويضها ومراقبتها؛ فلم يعد جسد الفرد رمزًا لسيطرة السلطة ضمن منطق العقاب والإماتة، وهي ذاتها آلية السلطة السيادية، بل أصبحت السلطة تقوم بآليات مختلفة تطبق على الجسد تتمثل بالمراقبة والتنظيم والترويض؛ لتحافظ على إنتاجيته.
(((فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع، ص.54 (((المرجع نفسه. (1((فوكو، تاريخ الجنسانية، ص.116
أما القطب الثاني من أقطاب السلطة الحيوية، فيتمثل بفترة منتصف القرن الثامن عشر الذي اتجهت من خاله السلطة إلى الجسد، ولكن بوصفه النوع، وهو يستعمل كسيرورات بيولوجية؛ مثل التكاثر، والوفيات، ومستوى الصحة، ومدة الحياة، وطول العمر. ويوصف هذا القطب بعملية تكفل السلطة بالحياة، من خال العديد من التدخات الرقابية والانتظامية التي تسمّى "بيولوجيا – سياسية للسكان". مع تقدم الإحياء على الإماتة في منتصف القرن الثامن عشر، لم يعد الجسد نموذجًا لإثبات سيادة السلطة؛ فقد غيرت السلطة آلياتها انطاقًا من تغير هدفها من الجسد إلى الحياة، والمقصود هنا أن الإنسان كلّه غدا هدفًا للسلطة بعد تخليها عن كاسيكية السيادة. ويتتبع فوكو توجهات السلطة من الجسد لتصل إلى الإنسان الحي أو الإنسان النوع، فالبشر يتعددون تبعًا لنوعهم المتعدد، وهذا التعدد يحتاج إلى مراقبة وترويض، ليصل الجسد من جسد الإنسان المعاقَب إلى جسد الإنسان النوع المتعدد، وهذا الجسد تحديدًا يُختزَل في العمليات الحيوية المتمثلة بالمرض، والوفاة، والولادة، وغيرها، الناتجة من منظومة العاقات الاجتماعية البشرية. ومن ثم، تتشكل السلطة على الحياة لتعرّف بأنها شكل من أشكال السلطة الممارسة على البشر،
بوصفهم نوعًا بيولوجيًا، بحيث تخضع هذه الخصائص إلى دراسة علمية من جهة السلطة. وهذا
التشكل يتفرع ليقوم بآليات تدخل السلطة وهي السياسات الحيوية. استنادًا إلى فوكو، تمثّل السياسات الحيوية تكنولوجيات، وتقنيات، ووسائل، تقوم بها السلطة للتدخل في الظواهر الحيوية للسكان، أو ما يسميه فوكو نفسه "الجسم الاجتماعي"، المتمظهر في مؤسسات متنوعة مثل الأسرة، والجيش، والمدرسة، وغيرها. ويقول في هذا السياق: "علينا أن نتحدث عن بيو–سياسة، للإشارة إلى ما يجعل الحياة وآلياتها تدخل في ميدان الحسابات الصريحة، وما يجعل السلطة – المعرفة عاملً لتغيير الحياة البشرية". ناحظ كيف أن الحياة أصبحت قصدًا للسياسة، لأن الحياة قيمة الاستغال الذي تسعى إليه السلطة عقانيًا؛ إذ إن اتزان السلطة ونظامها ووجهها البسيط والمسالم يكاد يكون كلّه أبعد عن أي آلية إجرامية
تقوم بها لإثبات قوتها وسيادتها. وبما أن السلطة تحقق انسجامًا مع المعرفة، فإنها استطاعت أن تمتلك فاعلية المعرفة العلمية المتعلقة بالبيولوجيا وتقنيات تعديلها ومعالجتها؛ إذ توسع الجسد الذي جرى إخضاعه تحت مجهر السلطة، ليصبح جسد السكان الذي تتحكم فيه وتنفذ إليه، بناءً على السياسات
المتبعة. وبحسب فوكو، فإنّ تقاطع السياسة مع الحياة يجري من خال فهم جديد للقانون.
((1(المرجع نفسه. (1((أماني أبو رحمة، أبعد من فوكو: السياسات الحياتية في عصر الجينوم، ط 2 (القاهرة: مؤسسة أروقة للدراسات والنشر، 2020)، ص.84 ((1(المرجع نفسه، ص.119
2. لعبة المعيار على حساب القانون
إن تقديم فهم محكم للقانون، يستند إلى أرضية عملية أبرزت ممارسته وتطبيقه داخل النظام السياسي للدولة، ولطالما أخذ القانون صيغة التشريع وفرض الأحكام لتنظيم الحياة المدنية للأفراد داخل الدولة، وغالبًا ما ارتبطت صيغته تلك بشكل السلطة المعهود، أي السلطة التي تشرّع القانون وتفرض الالتزام
به، وأي مخالفة لهذا القانون تتيح مجالً للسلطة لتحكم بالعقاب على نحو ينسجم مع طبيعة المخالفة أو الجرم. وهذا ما يسمّيه فوكو "النموذج القانوني للسيادة"، ويؤكد أن النظام القانوني كان في "كليته
متمركزًا حول الملك، أي إنه كان له في النهاية حق الهيمنة وما ينتج عنها". يتخذ القانون صيغة مختلفة في سياق حضور السياسات الحيوية، أي إن السياسات الحيوية التي تُعنَى بحياة السكان بوصفهم الجسد الاجتماعي الذي يخضع للمراقبة، والتنظيم، والاختبار، والتحسين، والحماية، لا تعتبر القانون نموذجًا للسلطة السيادية؛ إذ لا تنسجم صيغة القانون التي تقوم على العقاب
والإماتة مع السياسات الحيوية التي تهدف إلى الإحياء والتنظيم والمراقبة، وهذا يعني أن القانون لم يعد مجالً مطبقًا في ضوء تلك السياسات ليحل مكانه المعيار Norm. يُفهم المعيار بأنه آلية متواصلة وتصحيحية وتنظيمية؛ فهو يؤدي دورًا في "توزيع الحي في ميدان القيمة
والمنفعة". إن السياسات الحيوية تُخضع الحياة لاستراتيجيتها، وتتعامل مع السكان بوصفهم جسدًا اجتماعيًا حيويًا وبيولوجيًا، ومعنى ذلك أنها تنظر إلى السكان بوصفهم أنواعًا، أكثر من كونهم مواطنين
قانونيين. وهذه النظرة تجعل من القانون، الذي يهدف إلى الإلزام بالتشريعات، يتنحى جانبًا، بحيث يؤدّي
المعيار دورَه في تنظيم حياة السكان، بناءً على نوعهم البيولوجي وطبيعتهم الحيوية. فالمعيار يصنّف
الأفراد بوصفهم ذوي قيمة ومنفعة، في حين يصبح هناك أفراد آخرون مستثنَوْن من هذه القيمة. وانطاقًا
من استراتيجية السلطة في إخضاع الحياة بواسطة القانون الذي يقوم على المعيار، يمكن القول إن السياسات الحيوية استطاعت أن تتأسس على نحو جيد. ولتقييم تصوّر واضح بشأن هذه السياسات، لا بد
من الاطاع عليها بنظرة فاحصة من أجل تعرُّف آلية تغلغلها في المجتمع أكثر فأكثر في مستوى عملي. أخضعت السياسات الحيوية – بدعم من قوة الاجتهاد القانوني – الحياة، حتى أصبحت الحياة نفسها رهان السياسة الوحيد، وذلك يعود إلى استمرار السلطة في عاقتها بالمعرفة على نحو متزايد، فأصبحت العاقة بين السياسة والحياة تتداخل تداخلً كبيرًا، لتعلن عن نفسها عمليًّا من خال ما يسميه فوكو
"الجاهزيات" Dispositifs أو "الجهاز" Apparatuses. وهي مجموعة من العناصر تتمثل بقرارات، وقوانين، وخطابات، وإجراءات إدارية وآلية متكاملة، تجمع بين تقنيات وتكنولوجيات، وتتضمن مهارات وممارسات تهدف إلى تنظيم الحياة اعتمادًا على المعايير. وتعمل الجاهزيات كاستراتيجية مهيمنة تحقق اندماجًا بين المؤسسات القضائية والطبية والإدارية والمؤسسات التي تُعد ذات طابع تنظيمي.
(1((فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع، ص.52 (1((فوكو، تاريخ الجنسانية، ص.120 (1((أبو رحمة، 25،.53 ص
يقوم عمل الجاهزيات على التخفيف من حدة المشكات التي يمكن اعتبارها مشكات قانونية، ويشير فوكو إلى أن الجاهزيات كانت حاضرة في نظام الدولة في القرن التاسع عشر، وأنها تعمل لمصلحة السلطة الحيوية؛ فأي سلوك يقوم به الأفراد يؤدي إلى العقاب، ويسبب مشكلة قانونية، ويحفز الجاهزيات إلى السعي نحو هذا السلوك وتصحيحه من خال تقنياتها المختلفة؛ ليجري وصف هذه المشكلة بأنها مشكلة تأديبية يمكن العمل على توقّيها. وبهذا، تصبح مجالات الجرائم التي يعاقب عليها القانون محددة على نحو ينسجم مع توليف الجاهزيات لتلك الجرائم، لتقلّص فاعلية العقاب قدر الإمكان، وهذا بالتأكيد يتوافق مع مصلحة السياسات الحيوية بوصفها قائمة على الإحياء والسلطة الإيجابية Power Positive. وبناءً على دور المعيار في التمييز بين الأفراد بيولوجيًا بانسجامه مع سلطة الإحياء، متميزًا بذلك
من سلطة الإماتة، أي السلطة السيادية التي استعملت القانون ليكون ماذًا تشريعيًّا لحق السلطة في
تقرير الموت والحكم به، لا بد من السؤال عن طبيعة الموت، وعن مفهومه استنادًا إلى أطروحة فوكو المتعلقة بالسياسات الحيوية.
3. موقع الموت في السياسات الحيوية
يقدّم فوكو تعريفه للسياسات الحيوية خال المحاضرات التي ألقاها في الكوليج دو فرانس (–1978 1979) بعنوان "مولد السياسات الحيوية" بوصفها "الطريقة المستعملة منذ القرن الثامن عشر في محاولة عقلنة المسائل المطروحة على الممارسة الحكومية والمتعلقة بالظواهر الخاصة بمجموعة من الأحياء الذين يؤلفون جملة السكان: الصحة، نسبة المواليد، طول العمر، الأجناس. ونعلم أي موقع احتلته هذه المسائل بشكل متنام منذ القرن التاسع عشر وما مثلته باعتبارها مواضيع رهان سياسي واقتصادي إلى اليوم". إن النظر إلى وصف فوكو لآليات السياسات الحيوية القائمة على الإحياء يضع مفهوم الموت في موضع تساؤل، أي ما موقع الموت في تصرفات السلطة لمحاولة المحافظة على الحياة؟ مع الأخذ في الاعتبار أن وجود الموت والتهديد به كان لهما دور رئيس في قوة السلطة السيادية؛ إذ كان ذلك يشكّل موطنًا للسيطرة وفرض القيود والردع وصياغة القانون. وهذا يعني أن أطروحة الموت منسجمة مع آليات السلطة السيادية، في حين أنها تتناقض مع آليات السياسات الحيوية التي تقوم في جوهرها على الإحياء. يمهّد فوكو لفكرة حضور الموت في السياسات الحيوية من خال التساؤل الذي طرحه: "إذا كان صحيحًا أن سلطة السيادة تتراجع أكثر فأكثر، وأن السلطة الحيوية الانضباطية والتنظيمية تتقدم أكثر
فأكثر، وأن موضوعها هو الإنسان؛ كيف يمكن لسلطة كهذه أن تقتُل، إذا كان صحيحًا أن الأمر أساسًا
يتعلق بتحسين الحياة؟".
(1((ميشيل فوكو، دروس ميشيل فوكو 1982–1970، ترجمة محمد مياد (المغرب: دار توبقال للنشر، 1982)، ص.59 (1((فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع، ص.245
يدعو هذا السؤال إلى توضيح دخول العنصرية في مجال إخضاع الحياة لاستراتيجيات السياسة والتدخل فيها، بوصفها جسدًا اجتماعيًا وبيولوجيًا، بحيث يدخل مفهوم الأعراق في المنظومة البيولوجية للنوع
الإنساني، ويحمل قابلية تصنيفها وتمييزها. واستنادًا إلى ذلك، تميّز السياسات الحيوية بين الأعراق
تبعًا لطبيعتها النوعية في الدولة؛ إذ تُخضع السكان للتصنيف بناءً على أعراق متفوقة وأخرى دونية.
ومن خال هذا التصنيف تستبعد الأعراق "الدونية" وتُقصيها. تجري آليةُ استبعاد الأعراق الدونية من خال معالجة النوع الإنساني، وتقسيمه إلى جماعات صغيرة قائمة على العرق؛ ومن ثمّ تُعد هذه الوظيفة العنصرية التي تعمل داخل الاستمرارية البيولوجية غايةً
للسلطة الحيوية، وتكمن أهم وظائفها في عاقةٍ ذات طبيعة بيولوجية. إن حضور العنصرية في مجال السلطة السيادية كان يؤدي إلى الحرب والقتل حتى يجري التخلص ممن يمثلون خطرًا، أو عدوًّا،
بالنسبة إلى العرق السائد الذي لا بد من أن يوصف بأنه نقيّ. ولكنها في سياق السياسات الحيوية التي
تلغي القتل تقوم بالإبعاد والإقصاء ومضاعفة أخطار الموت، وخلق فضاء يهدد وجود الأفراد أصحاب الأعراق الدونية. إن مركّب السلطة – المعرفة يظهر في الواجهة من جديد، ويعزز صورة السلطة الحيوية التي تلتزم هذا المركّب؛ لأن طبيعة التصنيفات البيولوجية وحياة النوع وتفوق الأعراق ليست تصنيفًا سياسيًّا بحتًا، بل
هي نظرية علمية يتدثّر بها الخطاب السياسي. والخطاب لدى فوكو، في هذا السياق، يعني مصطلحًا
يعبّر عن أي إنتاج فكري أو أدبي، فردي أو جماعي أو ذاتي، أو مؤسساتي، له منطق ذاتي وارتباطات
مؤسسية. فخطاب السلطة يعبّر عن إرادتها وأدواتها وأفكارها وقوالبها المعرفية، بحيث تستطيع أن
تتخفى وراء الخطاب، وتؤطره على نحو يحقق مرادها. كشف فوكو عن مركّب السلطة – المعرفة من خال الإشارة إلى محاولة السلطة الحيوية توظيف الموت عَبْر العنصرية، اعتمادًا على الإبعاد والرفض والإقصاء؛ بالنظر إلى الترابط بين نظرية داروين التطورية، مثل
الصراع من أجل البقاء، والانتخاب والارتقاء. ويَعتبر الخطاب السياسي الذي استغل هذا الفهم البيولوجي
لطبيعة البشر بوصفه أساسًا علميًّا أنّ العدو أو الخصم، مثلً، يستحق أن يُقصَى بسبب اختاف نوعه. ومن ثم، يُختزل خطاب السياسات الحيوية في الإقصاء والتمييز والتهميش كوظيفة للموت، فيعاد
تعريف الموت بوصفه عنصريةً تزاولها السلطة، ليشكّل المجتمع منظومة بيولوجية مصنفة يجري التعامل مع أفرادها بناءً على نوعهم. وهكذا، تنتشر العنصرية بينهم، وتبرز في عاقاتهم من خال
الاحتقار والعداوة؛ ما يؤكد تصور فوكو لعمل الدولة البيولوجي الذي يعيد إحياء السلطة السيادية؛ إذ يقول: "إن العنصرية، في اعتقادي، تضمن وظيفة الموت في اقتصاد السلطة الحيوية".
((1(المرجع نفسه، ص.246–245 (2((ميشيل فوكو، نظام الخطاب، ترجمة محمد سبي (القاهرة: دار التنوير للطباعة والنشر، 2007)، ص.4 (2((فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع، ص.247 ((2(المرجع نفسه، ص.248
أحدثت أطروحة فوكو المتعلقة بالسياسات الحيوية دافعًا ملهمًا للعديد من الكتابات السياسية التي
اتجهت إلى تحليل مفهوم السلطة الحيوية الذي يُعنى بالتنظيم والمراقبة والتصنيف والتمييز، مبتعدةً عن سياساتها في المعاقبة والقتل وإنفاذ القانون؛ ما أدى إلى ظهور تحليات ووجهات نظر فلسفية لفاسفة ومنظرين، مثل روبرتو إسبيزتو، وأنطونيو نيغري، ومايكل هارت. كما برزت أطروحات في العلوم الاجتماعية، مثل أعمال بول رابينو، ونيكولاس روز، إضافة إلى الأدبيات المتنامية في الدراسات القانونية ونظريات العاقات الدولية وتاريخ الطب والأحياء. وفي مجال القضايا السياسية والظواهر الإنسانية والظروف الدولية والشعبية التي بدأت تظهر في الواجهة (مثل قضايا اللجوء، ومعسكرات الاعتقال والإرهاب)، يُعَدُّ أغامبين أبرز الذين وظّفوا أطروحة فوكو فيما يتعلق بالسياسات الحيوية. وعلى الرغم من أن فوكو قدّم تحليله بشأن مفهوم السياسة الحيوية بصيغة المفرد، فإنه كان يعبّر عن
إجراءات تزاولها السلطة من خال الإشارة إلى ممارسات السلطة الحيوية في القرن الثامن عشر، التي "كانت حاضرة على كل مستويات الجسم الاجتماعي والمستعملة من لدن مؤسسات متنوعة"، من دون أن يُحدث ذلك تمييزًا بينها وبين السلطة الحيوية. إلا أن الأمر قد اختلف في الأطروحات الاحقة التي ميزت بين السلطة الحيوية والسياسات الحيوية، بوصفها استراتيجيات وإجراءات سياسية. وهو ما حاول أن يقدمه أغامبين ليتميز من فوكو في أطروحته، وذلك من خال نقاشه عدة مفاهيم، أبرزها: مفهوم الحياة، وسياسات الموت، والسلطة السيادية، والإنسان، وإشكالية "حالة الاستثناء" التي ميزته بوضوح في أطروحته المتعلقة بالسياسات الحيوية.
ثانيًا: السياسات الحيوية: إعادة التوظيف في طرح أغامبين
قدّم جورجيو أغامبين منظومة مفاهيمية خاصة وظف من خالها أفكاره المرتبطة بالسياسات الحيوية؛ إذ استدعى مفاهيم السلطة، والدولة، والسيادة، والإنسان، والموت، والقانون، والحياة، وجعلها ضمن تحليل نظري وأخضعها لتوظيفات نظرية وواقعية ليشكّل نظريته الخاصة المتعلقة بالدولة وسياساتها. واتجه إلى التاريخ الغربي ليستدل من خاله على الشواهد العملية لتصرفات السلطة في القمع والإقصاء والتهميش والقتل، وحاول أن يطرح تساؤلات عن الأسباب التي تقف خلف تلك التصرفات، وأن يوظّف السياسات لتخدم هدف الدولة في فرض السيادة.
((2(أبو رحمة، ص.108 (2((فوكو، تاريخ الجنسانية، ص.117 (2((قدّم أغامبين فهمًا شاملً ومهمًّا لتلك الأطر من خال كتاب حالة الاستثناء الذي يمثّل إطار آلية عمل سياسات السلطة،
وكتاب الإنسان المستباحالذي يمثّل واقع حال الأفراد في مجتمعاتهم ووَقْع تسييس السلطة عليهم، من خال منظور السياسات
الحيوية. يُذكَر أن كتاب حالة الاستثناء، الصادر عام 2003، أتى في سياق ردود فعل الولايات المتحدة الأميركية على تفجيرات برجَي
التجارة في نيويورك وحربها على "الإرهاب"، والسياسات الاستثنائية التي قررتها في ذلك الحين. والكتاب في المجمل تعبير عن حالة من القلق من جهة أن نموذج الاستثناء قد يتسع في المستقبل، لأن استخدامات الدول الديمقراطية إيّاه أصبحت أكثر ممّا كان
عليه الأمر من قبل.
وبناءً على التوجه التاريخي لأغامبين، توصّل إلى أن الحداثة ليست العتبة الواضحة لظهور ممارسات
السلطة وآليات فرض السيادة، بل إن حضور هذه الممارسات كان أقدم من الحداثة في صناعة الإبادة والممارسات الوحشية ضد الفرد. إن الدخول إلى عوالم السياسات الحيوية عند أغامبين، يحتاج إلى تفكيك البنية المفاهيمية التي وظفها، وجعل لها دورًا في الوصول إلى سياسات حيوية على نحو
مختلف عما ظهرت عليه عند فوكو.
حالة الاستثناء: بنية القانون والكائن الحي
يُعد مفهوم حالة الاستثناء مفهومًا جوهريًّا لدى أغامبين، يختزل في داخله بنية العاقة بين السيادة،
والقانون، والإنسان. وفي تعريفه لهذا المفهوم، يتجه إلى التاريخ ليصوغ الظواهر السياسية التي شكّلت حالة الاستثناء بطرائق مختلفة، في فترة حكم النازية، والحرب الأهلية العالمية، والقانون الأميركي في مكافحة الإرهاب. وتُعد هذه الظواهر مثالً يُذكر ضمن غيره من الأمثلة التي تدرّج بها أغامبين، ليصل
إلى تعريف حالة الاستثناء، محللً بذلك أطروحة المفكر كارل شميت عن التازم بين حالة الاستثناء والسيادة. يرى أغامبين ضرورة النظر إلى حالة الاستثناء من خال المنظور السياسي، مبتعدًا عن المنظور القانوني والدستوري، بحيث "يغدو شرطًا أوّليًا لتعريف الصلة التي تربط الكائن الحي بالقوانين، وتتركه تحت
هيمنتها في الوقت ذاته". ومن ثم، فإن حالة الاستثناء ظاهرة تقتضي تعليق العمل بالقانون، لتعطي شرعية مطلقة للسلطة في تطبيقٍ حرٍّ لآلياتها في السيادة والحكم والسيطرة. ويوضح أغامبين، أيضًا، أنّ
حالة الاستثناء "ليست قانونًا خاصًا كقانون الحرب، بل هي تعليق للعمل بالنظام القانوني. وعلى هذا
الأساس فهي تعين عتبة هذا النظام أو حدوده". تتبع أغامبين الشواهد التاريخية التي مثلت حالة الاستثناء؛ مثل تطبيق فرض حالة الطوارئ في الدولة في حالة الحرب، أو الكوارث الطبيعية، أو انتشار الأمراض، للحفاظ على السامة العامة. إنّ حالة الاستثناء تعطي مجالً واسعًا لسيادة الدولة سيادةً مُطْلقة، وتحديد حريات الأفراد في المقابل. وهي
تفرض الضرورة بحيث تحافظ على النظام العام في الدولة. وبحسب أغامبين، تُقدَّم هذه الضرورة كإجراء غير قانوني، إلا أنه متفق مع النظام القانوني والدستوري؛ لأن طبيعة الضرورة نفسها تفرض على القانون أن يشرع تعليق القانون بالذات. من خال تحليات أغامبين لحالة الاستثناء، نكون أمام ضربٍ من البحث المرتبط بممارسات السلطة ضمن هذه الحالة؛ إذ يوضح أن السلطة تقوم بإدراج الفوضى في النظام القانوني، بحيث لا تأخذ الفوضى معناها المناقض للنظام في حالة فرض القانون. ففي حالة الاستثناء، يجري فرض الفوضى،
(2((جورجو أغامبين، حالة الاستثناء: الإنسان الحرام 2، 1، ترجمة ناصر إسماعيل (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2015)، ص.42 ((2(المرجع نفسه، ص.47 ((2(المرجع نفسه، ص.85
بحيث لا تشكّل استثناءً، بل قاعدة. وهنا، نلمس أن حالة القانون الطبيعية تمثّل النظام، في حين تمثّل
الفوضى الحالة الطبيعية لاستثناء. تؤدي السيادة دورها في إحال القانون وإخفائه، بحيث تملك سلطة القرار بشأن الحياة والموت. فإذا فرضنا أن هناك تمايزًا بينهما، فإننا سنفهم أنه لن يكون في حالة الاستثناء خط يفصل بين الحياة
والموت، تمامًا مثل التداخل الذي يحدث بين السياسة و"الحياة العارية" life Bare؛ إذ تدخل السياسة
في تعايش مع الحياة العارية، لتتحول السياسات الحيوية إلى سياسات موت، بحيث لا يوجد أي فصل بينهما يجعل لكل منهما منطقة متميزة وواضحة. يُدخل أغامبين مفهوم "الإنسان الحرام" Sacer Homo، أي الإنسان المستباح الدم، والخاضع لإمكانية
قتله، ولكنه لا يُقتل. إن نموذج الإنسان الحرام يمثل إطارًا نظريًّا يستعمله أغامبين ليوظف آليات
السلطة في فرض السيادة، وهو الأمر الذي يحسم التساؤل بشأن عاقة الكائن الحي بالقانون الذي يجري تعليقه. ويستند أغامبين إلى هذا التحليل من خال تدرجه في تحليل مفهوم "الحياة" Life الذي ظهر لدى اليونانيين من خال مفهومين: الحياة المشتركة بين الكائنات الحية كالحيوانات والبشر Zoe، والحياة المؤهلة قانونيًا وسياسيًّا، التي ينال فيها الفرد الاعتراف السياسي Bios. وضمن هذا
المعنى، يجري استبعاد الحياة البسيطة من الدولة Polis. وهذه هي وظيفة السيادة التي تقتضي تكوين مجتمع سياسي يُستبعَد فيه الأفراد الذين لا يصلح أن يكونوا مؤهلين من الناحية القانونية. ومن
ثم، يصبح الإنسان المستباح هو النموذج النظري للأفراد المستبعدين من الدولة، على اعتبار أنهم غير صالحين ليكونوا رعايا قانونيين، فيصبحون مستباحي الدم، خاضعين لإمكانية قتلهم، ولكنهم لا يُقتَلون، بل يُحدَّدون ضمن إطار الكائن الحي المجرد. يجري استبعاد الإنسان المستباح في حالة الاستثناء التي يفرضها القانون، والتي تقتضي تعليق العمل بالتشريعات والحقوق، فتصبح الدولة ذات سيادة مطلقة في تطبيق القمع والقتل، ويصبح القانون في هذا المقام أداة بطش وقوة؛ فالإنسان المستباح لا يخرج عن القانون، بل هو نتاج القانون الذي يشرع حالة الاستثناء التي تقوم بدورها بتعليق القانون، ومن ثم خلق إنسان مستباح مستبعَد من التشريع القانوني ومن حقه في الحماية باسم الدستور. يعي أغامبين أن حضور فكرة الإنسان المستباح يُعد
نتيجة لعملية فرض حالة الاستثناء. وفي الحصيلة، يؤدي ذلك إلى حضور ما يسميه الحياة العارية.
1. عالم الحياة العارية وصورة المعسكر
تقوم ممارسة السيادة على استبعاد الفرد غير المؤهل تبعًا لتصنيفها له وفقًا للظروف التي تفرضها في حالة الاستثناء. فمثلً، في حالة وقوع حرب، أو حدوث كارثة طبيعية، أو انتشار وباء، يجري تصنيف السلطة السيادية للأفراد وإبعادهم، وهكذا تمثّل السلطة نموذج الإنسان المستباح الخاضع للحياة
(29) Georgeo Agamben, Homo Sacer: Sovereign Power and Bare Life , Daniel Heller–Roazen (trans.) (Stanford/ California: Stanford University Press, 1998), p. 71. (30) Ibid., p. 9.
العارية التي توضع في مضامين النظام القانوني بواسطة استبعادها؛ إذ تصبح حالة الاستثناء في الحياة العارية هي القاعدة، بعد أن كانت جزءًا من تشريع القانون بوصفها حالة عابرة. وبهذا، يعيش الإنسان
المستباح في حالة من الإقصاء المستمر، لتصبح الحياة العارية هي الأساس الخفي الذي يقوم عليه النظام السياسي في الدولة، وتسود كذلك حالة من الإجراء التأديبي تجعل الإنسان المستباح موضوعًا
للسلطة السياسية. فبحسب أغامبين، تتشكل الصورة الكاملة للحياة العارية للمواطن بوصفها الجسد السياسي الحيوي الجديد للبشرية. يمثل المعسكر Camp نموذجًا للحياة العارية؛ بمعنى أنه تخلى عن نموذجه التقليدي الذي تمارس فيه
السيادة في إطار محدّد وشروط ضيقة وبعيدة عن الواقع السياسي المنظم والقانوني الذي يجري تطبيقه خارجه. لم يعد المعسكر يمثل مكانًا لاعتقال، أو التهميش والإقصاء، بل الهيكل الذي تتحقق فيه حالة الاستثناء كنتاج للسلطة السيادية كليًّا، بحيث يمثّل فضاءً سياسيًّا حيويًّا مطلقًا موجودًا في الدولة
تتحقق فيه حالة الاستثناء كقاعدة يخضع لها الأفراد ليصبحوا مستباحي الدم.
2. السيادة والسياسات الحيوية: علاقة توافق
يرى أغامبين أن السيادة في ذاتها مفهوم خاضع لمفارقة تكمن في كونها داخل النظام القانوني وخارجه في الوقت نفسه؛ لأن صاحب السلطة السيادية يعطي النظامَ القانوني حقَّ فرضِ حالة الاستثناء التي
تعلّق صاحية القانون، في حين أن صاحب السيادة هو تحديدًا صاحب القانون، وهذا يعني أنه يقف داخل القانون وخارجه. ويجعل أغامبين هذا الطرح خاضعًا للتحليل؛ من جهة أنه في الأساس مستمدّ
من طرح كارل شميت المتعلق بحالة الاستثناء. إلا أن أغامبين يوسع هذا الطرح، ويظهر أن الاستثناء هيكل للسيادة؛ فيجري إدراج الفوضى في النظام القانوني، ومن ثمّ تضيع القاعدة من مركزيتها، أي
إن القانون الذي يمثّل القاعدة العامة المطبّقة يحيل إلى تعليق نفسه، والحد من شرعيته، فيصبح كل
من القانون والاستثناء انعكاسًا لقاعدة واحدة، وهنا تتمركز السيادة في داخل القانون وخارجه، أي في
الاستثناء الذي يصبح هو القاعدة. وهكذا فإن القانون الذي يتوجه إلى الحياة، يهدف إلى تطبيق النظام وتحصين الحياة عن طريق إيقافها. وفي هذا السياق، يحضر السؤال حول السياسات الحيوية وموقعها في شكل السيادة المعقد الذي أشار إليه أغامبين. أما بالنسبة إلى فوكو، فإن السيادة حاضرة في منطق السلطة على نحو منفصل عن شكل السلطة الحيوية. فهل تتخذ الممارسة السيادية ذاتها الشكل نفسه لدى أغامبين؟ الإجابة عن هذا السؤال تكون بالنفي؛ وذلك لأن أغامبين لا يقيم أي تمييز بين السلطة السيادية والسلطة الحيوية، فكاهما لديه أمرٌ واحد، انطاقًا من تحليله للسياسة التي تتجه إلى الحياة وتخضعها بشكل
مباشر لها عن طريق ثاثية الاستثناء، والإنسان المستباح، والحياة العارية؛ إذ تقوم السيادة على فرض
(31) Ibid., p. 13.
(3((أبو رحمة،.126 ص
(33) Agamben, p. 17.
حالة الاستثناء التي تنتج أعدادًا أكبر من الأفراد غير المؤهلين قانونيًا، وتحيلهم إلى الإقصاء داخل
الحياة العارية. فعملية تسييس الحياة داخل النظام القانوني للدولة تفتح مجالً للأفق السياسي الحيوي فيها، من خال السيادة التي تدخل حياة كل فرد بواسطة الحياة العارية التي لم تعُد محصورة في فئة واحدة، بل إنها تسكن الجسد البيولوجي لكل كائن حي. وهكذا، فإن الآلية الأساسية للسيادة هي إنتاج الجسم البيولوجي الذي لا بد من أن يبقى خاضعًا لها باستمرار، فيتوافق عمل السيادة مع السياسات الحيوية التي تُعنى في الأساس بإخضاع الحياة لاستراتيجياتها. إذا كانت السلطة السيادية بالنسبة إلى فوكو هي سلطة الإماتة، في مقابل السلطة الحيوية التي تُعَد سلطة الإحياء، فإن أغامبين يقدّم السياسات الحيوية بوصفها سياسات الموت؛ لأن عملية إخضاع الحياة للسياسة ليست منفصلة عن الشكل الإقصائي والعقابي للسيادة التي لا تخضع الحياة لها من أجل تحسينها وتنظيمها ومراقبتها، بل إن هدفها أوسع من ذلك، لأن عملية إنتاج الحياة العارية تجعل الأفراد خاضعين لإمكانية قتلهم والتخلص منهم، ف يكون هناك أي تمييز بين " Zoe و"" Bios ". (لا داعي لذكر مقابلهم العربي) واعتمادًا على طرح أغامبين في عدم التمييز بين السيادة والسياسات الحيوية، في إمكاننا أن نفهم أنه يقيم توافقًا مماثلً بين السياسات الحيوية وسياسات الموت؛ وذلك حين يقول: "إذا كان هناك خط في كل دولة حديثة يشير إلى النقطة التي يصبح فيها القرار بشأن الحياة قرارًا بشأن الموت، ويمكن للسياسات الحيوية أن تصبح سياسات الموت، فإن هذا الخط لم يعد يظهر اليوم كحدود مستقرة تقسم منطقتين مختلفتين بوضوح". يؤكد أغامبين، أيضًا، توسّعَ مجالات سياسات الموت إلى أبعد من السياسة لتحضر في الطب والعلم
والدين، ويقدّم مثالً متعلّقًا بهذه الفكرة متمثّلً بالقتل الرحيم. فحالة القتل في هذا السياق يشرّعها
القانون، على اعتبار أن الموت حلٌّ موفقٌ أكثر من البقاء على قيد الحياة الذي سوف يؤثر سلبيًّا في
الجسد المريض. وكذلك هي الحياة؛ ما إن اعتبرناها جسدًا بيولوجيًا. من هنا، "يشير القتل الرحيم إلى
النقطة التي تتحول فيها السياسة الحيوية بالضرورة إلى سياسات الموت". وتُعَدّ الحداثةُ السياقَ المقصودَ في طرح أغامبين المتعلق بالسياسات الحيوية؛ فأنظمة الحكم التي تَظهر بوصفها أنظمة ديمقراطية، باتت أكثر سيادية وهيمنة بسبب إخضاع الحياة لسياساتها، وعملت على تقليل الشكل الجماعي والسياسي للحياة، أي وجود " Bios "، من أجل إنتاج الحياة العارية التي تعطي حضورَ الاستثناء، الذي ينطبق على الأفراد بوصفهم تمثلً للإنسان المستباح، مساحةً أكبر، أي الفئة السياسية التي تخضع لاستثناء من الحياة السياسية في الدولة التي تؤسسها السلطة السيادية وتحميها.
(34) Ibid., p. 81. (35) Ibid., p. 72. (36) Ibid., p. 83.
(3((أبو رحمة،.143–142 ص
ثالثًا: بين التأسيس والتجاوز: السياسات الحيوية بين فوكو وأغامبين
لا بد من القول إنّ كلًّ من فوكو وأغامبين قدَّم أطروحته الخاصة بشأن السياسات الحيوية، على نحو يحمل خصوصية الهَمّ المعرفي والفكري، مع الأخذ في الاعتبار الواقع العملي والإشكاليات والظروف
السياسية التي أدّت دورًا في تشكيل السياسات الحيوية، استنادًا إلى فهم السلطة والسيادة ونظام
الحكم وطبيعة القانون والأشكال المختلفة للمجتمعات، بوصفها مجتمعات ديمقراطية أو ليبرالية يبرز حضورها في إطار الحداثة. لكن توجد اختافات واضحة في أطروحة السياسات الحيوية لدى كلٍّ من فوكو وأغامبين أبرزت إشكاليةً متمثّلةً باعتبار السياسات الحيوية عند فوكو سياسات للموت عند أغامبين على نحو صارم. فالسياسات الحيوية عند فوكو اتخذت طابع تحسين الحياة، وتمكينها، والحفاظ على الجسد الاجتماعي من أجل إخضاعه للتنظيم والمراقبة، في حين اتخذت السياسات الحيوية عند أغامبين طابع الإماتة بواسطة تأطير الحياة داخل نظام من القمع والتهميش والهيمنة والسيادة. وقد اعتمد هذا التمييز في السياسات الحيوية، عند الطرفين كليهما على عدة عوامل تُبرز اختاف مفهوم السياسات الحيوية بينهما.
1. السيادة والسياسة
ظهر مفهوم السيادة لدى أغامبين بوصفها القدرة على خلق حالة الاستثناء في الدولة، عن طريق إلزام الأشخاص الذين جرى تجريدُهم من حقوقهم بوصفهم " Bios "، أي الذين يشكّلون النموذج الاجتماعي والسياسي في الدولة، واختزالهم في وضعية " Zoe "، أي مثل كائنات حية، من دون أي مؤهل قانوني، لتتوسع السيادة بحيث لا تقتصر على أن تكون بيد أصحاب السلطة في الدولة، بل تكون أيضًا بيد أولئك الذين يملكون السلطة على الحياة مثل الفقيه، والطبيب والعالم. وقصد أغامبين كذلك أن السيادة مازمة للسياسة الحيوية ولا تتميز منها، مستشهدًا بانسجام السياسات الحيوية، بوصفها ذات سيادة محكمة، مع حكم النازيين الذين أخضعوا حياة الأفراد للتجارب البيولوجية والتعذيب، والقتل، وتحديد النسل، والتشويه، ضمن ممارسات لسياسات الموت، بوصفها سياسات تستهدف القتل؛ من أجل النجاة، أو القتل، للحفاظ على العرق النقي. ناحظ أن السياسات الحيوية توسعت أكثر من توسّع قدرة المحللين على تفسيرها والتعرض لها.
فقد برز "الاستثناء" بوصفه "الكلمة المفتاحية"، لتظهر ممارسة السيادة لآليات السيطرة والسلطة على الحياة، بحيث لم يعِ أغامبين أنه حدّد السيادة داخل "حالة الاستثناء"، من دون التعرض لممارسات أكثر اتساعًا لها. لذلك، كان عرضه للسياسات الحيوية عرضًا مؤطرًا داخل ثاثية الاستثناء والحياة العارية
والإنسان المستباح. ولو أردنا أن نرى التطبيقات العملية لهذه الثاثية على أرض الواقع على نحو واضح، فإننا سنجدها محدودة جدًّا، وسنجد أنها تتأطر في أنظمة أيديولوجية وديمقراطية تستعملها بدواعي ظروف محددة، وأنها ليست متازمة تمامًا داخل سلطة الدولة السيادية بشكل كامل.
(38) Paul Rinbow & Rose Nicolas, "Biopower Today in Bio Societies," BioSocieties , vol. 1, no. 195–217 (2006), p. 202.
في حين نجد أن مفهوم السيادة لدى فوكو كان أكثر تحديدًا ودقة، ونجد أنّ له دوره الذي ينسجم معه، تبعًا لاستدلالاته التاريخية. وتمثّل السيادة إحدى آليات السلطة التي تمارس على الأرض أكثر من ارتباطها بالأجساد. وبحسب فوكو، يرتبط نمط السيادة بكل ما له عاقة بفرض القوانين ووضع الآليات، بشكل السلطة بوصفها سلطة الإماتة، التي تتخذ بدورها حق صاحب السلطة في إلزام تطبيق القوانين. ويحيل فوكو إلى اختاف شكل السلطة؛ إذ انتقلت السلطة إلى معنى مختلف متمثّل بأنها سلطة الإحياء التي تُعنى بالتنظيم والمراقبة والمحافظة على الحياة. أما "النمط الجديد من السلطة، ف يمكن وصفه بعبارات السيادة، وهو [...] أكبر اكتشافات المجتمع البرجوازي، وإحدى الوسائل الأساسية التي قامت عليها الرأسمالية الصناعية والنمط الاجتماعي المرتبط بها". إن الفصل الذي قام به فوكو بين السيادة والسياسات الحيوية مستندًا إلى الفصل بين أشكال السلطة، أي السلطة السيادية، سلطة الإماتة من جهة، والسلطة الحيوية، سلطة الإحياء، من جهة أخرى، هو ما يجعلها تتخذ السياسات من السكان استراتيجية لها لتتشكل السياسات الحيوية، التي تعتبر السكان جسدًا اجتماعيًا في الدولة؛ لا بد من ضبط الفصل ومراقبته والمحافظة عليه؛ من أجل تطويعه واستغاله
المتواصل، ليحقق انسجامًا مع الممارسة الحكومية المحدودة ضمن معيار ضرورة وجودها أو عدمه
أكثر من خيرها وشرها، ومن ثم تفسح المجال لوجود حياة سياسية؛ وهكذا، تولد السياسات الحيوية، عندما تصبح الحكومة ذات وجود محدود وسيطرة أقل، بواسطة الليبرالية التي تعتبر استراتيجية للحكومة. ويُعدّ فوكو مثالً لليبرالية الألمانية والأميركية التي جعلت من الدولة تحت إشراف السوق،
وليس العكس. فالليبرالية الجديدة Liberalism New تتخذ من التدخل في أنشطة المجتمع آلية لها؛ من خال ما يسمى "رأس المال البشري". استطاعت الليبرالية الجديدة أن تجعل من العامل مسؤولً عن خياراته بواسطة عقانية فَهْم معنى العمل بالنسبة إليه، بالانسجام مع الخيارات المتعددة بالنسبة إلى العمال؛ مثل التنقل، ونوعية الحياة، والقدرات، والتمكن، إضافة إلى تعزيز معرفته بالطبيعة البيولوجية الخاصة به؛ إذ يسعى العامل من خالها إلى تحسين النسل والوقاية من الخطر. فالمعرفة الجينية والبيولوجية تؤدي إلى رؤية أوضح للمستقبل، وهذا ما يسميه فوكو النوع الأول من رأس المال البشري، وهو النوع الفطري. أما النوع المكتسب، فهو يتمثل بالمهارات والقدرات التي تدفع الأفراد إلى التنافس فيما بينهم؛ مثل المسائل المتعلقة بالرعاية الصحية للأمهات والرضع، والنظام الغذائي، وممارسة الرياضة. إن كل هذه الممارسات ناتجة من تمكّنٍ في التدخل في حياة السكان داخل منازلهم وبين أسرهم. ناحظ تميز طرح فوكو من أغامبين في سياق تحليله للعاقة بين السياسات الحيوية والليبرالية الجديدة، من خال تصور مجتمع رأسمالي بشري يخدم استراتيجية إخضاع الحياة للسياسة.
(3((فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع، ص.60 4(((أبو رحمة،.100 ص
في حين نجد تحليل أغامبين مقتصرًا على تصور الاقتصاد السياسي للحياة داخل تصوره لحالة
الاستثناء، متجاهلً طبيعة المجتمعات الليبرالية المعاصرة التي تمارس السلطة السياسية من خال الاستفادة من التقنيات التي لا ترتبط كثيرًا بأجهزة الدولة، وهو ما جعله يربط تنظيم الأفراد وقراراتهم
بسيادة الدولة، بواسطة تعليق القانون لاستباحتهم، في حين نجد أن فوكو كان على وعي أكبر بطبيعة التوسع بالنسبة إلى التدخل السياسي في الحياة، التي لم تعد تقتصر على فرضٍ سيادي من الدولة بشكل مباشر، بل صارت تشمل أيضًا دور الأفراد أنفسهم في التوجه إلى تحسين حياتهم والمحافظة عليها كجزء من قرارهم الشخصي. انفصلت السيادة عن السياسة الحيوية عند فوكو، وكان لها مبررها التاريخي والسياسي الذي اقتضى تغير شكل السلطة التي تبدلت من سلطة عقابية إلى سلطة ضبط ومراقبة، في حين ارتبطت السيادة والسياسة الحيوية عند أغامبين وتازمت، لتعطي عمليةَ تشريع تعليق العمل بالقانون الذي شكّل حالة
الاستثناء مبرراتٍ، بوصفها نموذجًا لخلق جسد اجتماعي خاضع للقتل وقابل لذلك. إن أخذ هذا الفرق بين أغامبين وفوكو في الاعتبار يدفعنا إلى تتبع فارقٍ آخر أدّى دوره في السياسات الحيوية متمثّل بالحياة والموت.
2. ما بين الحياة والموت
يُظهر النظر إلى مصطلح السياسات الحيوية أنّ الهدف من هذه السياسات هو إخضاع الحياة
لاستراتيجيات السياسة، لكن ما مفهوم الحياة تبعًا لمفهوم السياسات الحيوية Bio–politics؟ أيعني "الحياة" Life أم "البيولوجيا" Bio؟ لو كان المقصود ههنا سياسات الحياة Life Politics، وليس سياسات البيولوجيا Bio–politics، فمعنى ذلك أن هذا المفهوم سيحمل دلالات مختلفة عن الدلالة الحيوية المقصودة؛ لأنّ الحياة Life مفهوم أوسع كثيرًا من إطار الوجود البيولوجي الذي يحدد
الطريقة التي تتجه من خالها السلطة إلى الأفراد بوصفهم جسدًا بيولوجيًا اجتماعيًا. أما " Bio "،
فهي مفردة أكثر تحديدًا، برزت عند اليونانيين، وهي تعني حياة الأفراد المؤهلة قانونيًا وسياسيًا؛
متميزة بذلك من حياة الكائنات الحية Zoe، أي الحياة التي يعيشها الفرد لتلبية حاجاته الأساسية، وهو مجرد من أي مسؤولية اجتماعية أو قانونية. لذلك، كانت كلمة " Biopolitics " مستمدة من كلمة " Biopower "؛ المصطلح الذي أطلقه فوكو ليكشف به عن تقنيات السلطة في التنظيم والمراقبة. اكتسب مفهوم الحياة عند أغامبين مركزية داخلية، وبيّن من خاله سبب تحوّل السياسات الحيوية إلى
سياسات الموت، ولو أردنا أن نطرح سؤالً على أغامبين: ما مفهوم الحياة؟ لأجاب بسلسلة طويلة من التتبعات المفاهيمية ليصل إلى نتيجة مفادها أن الحياة مقصدٌ للسيادة، لكنّ ذلك ليس من خال إخضاعها، بل من خال نفيها. إن مفهوم الحياة عند أغامبين ليس هو مواطن تحولاتها من حياة مؤهلة إلى حياة عارية، بل إن الحياة هي الموت بالمعنى الصريح للكلمة؛ بمعنى أن تكون الحياة عارية، أي أن تكون خاضعة لإمكانية
نفيها؛ ومن ثمّ، لا بد من التصديق بأن أغامبين يصوغ الموت أولً وأخيرًا. لذلك، كانت السياسات التي
طرحها هي سياسات الموت، وليست سياسات الحياة. أما فوكو، فقد ميّز، منذ بداية طرحه لفكرة السلطة، مفهومَ الحياة من مفهوم الموت؛ فحق الموت
والحياة يتمثل بيد السلطة السيادية، إلا أنه اختلف تمامًا، بحيث لم تعد السلطة الحيوية تستعمل
تشريع الموت بالصيغة التقليدية التي برزت فيها ضمن سياق السلطة السيادية، بل اتخذ الموت صورة مختلفة تتمثل بالعنصرية التي أشار إليها فوكو بوصفها "الوسيلة التي بها تدخل ميدان الحياة والذي أخذته السلطة في الاعتبار، وأحدثت قطيعة بين ما يجب أن يحيا وما يجب أن يموت". ناحظ أن فاعلية التصنيف والترتيب والتمييز تقع على الأعراق، تبعًا لطبيعتها النوعية والبيولوجية في الدولة، بحيث تقوم السياسات الحيوية بتصنيف السكان، تبعًا لأعراق متفوقة وأعراق دونية تُنظّم ضمن جماعات صغيرة كجزء من الكل السكاني. فالتصنيفات التي تحدد أعراقًا دون أخرى، بناءً
على الطبيعة البيولوجية الخاصة بهم، تخلق حاجةً إلى التخلص من تلك الأعراق الدونية، مقارنةً بالأعراق المتفوقة التي تستحق أن توجد في الدولة. ولو كنا نتحدث عن السلطة السيادية في هذا المقام، فإننا سنجدها تأمر بقتل تلك الأعراق التي تُعد أقلية بالنسبة إلى العرق السائد المتوفق، ولا بد من أن تتجه سياسات تلك السلطة إلى الحرب؛ لتكون فضاءً يسمح بالتخلص من تلك
الأعراق. في سياق السياسات الحيوية، ليست الحرب، أو الموت، خيارًا واردًا في سياق سياسات أكثر لطفًا
وتخفيًا وانضباطًا؛ لذلك تتمسك السياسات الحيوية بتصنيف الأعراق، وتتعامل مع الدونية من خال
إطاق صفات وأحكام عليها، تجعلها مهمَّشة، ويوضح فوكو ذلك بقوله: ستسمح العنصرية بإقامة
عاقة ما بين حياتي أنا وموت الآخر، ليست من طبيعة عسكرية ومواجهة حربية، بل إنها عاقة من طبيعة بيولوجية (كلما اختفت أو انقرضت الأنواع السفلى، جرى إقصاء الأفراد غير الأسوياء أو الشواذ، واستبعادهم، وكلما قلّ الفاسد والمنحل بالنسبة إلى النوع، عشتُ – وأعني هنا النوع، لا الفرد – وأصبحت قويًّا وصلبًا واستطعت أن أتكاثر). إنّ الحياة والموت مقولتان أساسيتان في أطروحة السياسات الحيوية. وإن كان توظيفهما مختلفًا عند كل من فوكو وأغامبين، فهذا يعني أنهما يحتمان توظيفات جديدة كذلك؛ إذ إنّ كليهما تجاهل أن تؤدي السياسات الحيوية دور سياسات الحياة والموت في الوقت نفسه، بحيث تكون سياسات حياة في التحسين والمراقبة والحفاظ على مظاهر الصحة وطول العمر والقوة البيولوجية. وفي الوقت نفسه،
(41) Thomas Lemke, A Zone of Indistinction – A Critique of Giorgio Agamben’s Concept of Biopolitics (Frankfurt: Goethe–Universität Frankfurt am Main, 2014), p. 8.
4(((فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع، ص.245 (4((المرجع نفسه، ص.246
تمهد ظروفًا مهددة لتلك الحياة، وتهيئ ظواهر ضارة وقاتلة تشرّع فرض حالة الاستثناء؛ ومن ثم يجري
فتحُ المجال لإجازة الإقصاء والمنع والحظر والمعاقبة.
خاتمة نقدية: على هامش أطروحة السياسات الحيوية بين التأسيس والتجاوز
لئن كان النقاش المتعلق بمفهوم السياسات الحيوية بين فوكو وأغامبين معبّرًا في الوهلة الأولى عن
طبيعة الاختاف بينهما وعن أوجه هذا الاختاف، فإنّ المفهوم في ذاته يخلق إشكاليات متعلقة باختباره واقعيًا: فهل تجاوز مفهوم السياسات الحيوية بنيته الذاتية التي أسسها فوكو وتجاوزها أغامبين؟
وما شكل الواقع الذي نتج، وينتج، من استراتيجيات السياسات الحيوية في إخضاع الحياة؟ وكيف نقرأ السياسات الحيوية في واقعنا المعاصر استنادًا إلى أطروحة الفيلسوفين؟ أسّس فوكو مفهوم السلطة الحيوية بوصفها شكلً جديدًا من أشكال السلطة يهدف إلى إخضاع الحياة
لاستراتيجيات السياسة؛ ليقيم فصلً بينها وبين السلطة السيادية التي تمارس حق الحياة والموت، من أجل السيطرة. وقد جعل هذا الفصل من وجود السياسات الحيوية وجودًا قويًّا حقق انتشاره بواسطة
آليات تحسين الحياة، والمحافظة عليها وتكثيفها لخلق كفاءات أعلى من البشر، يمكن استثمارها على نحو مستمر، على الرغم من أنه كان "يتخبط"، في بعض الأحيان، في عرض مفهوم السياسات الحيوية؛ إذ استعمل مفهوم السلطة الحيوية ليعبّر عن مفهوم السياسات الحيوية، بوصفها استراتيجيات وتقنيات
ووسائل ومعارف تهدف إلى إخضاع الحياة. في حين عارض أغامبين هذا الفصل، وهو ما جعله يتجاوز تأسيس السلطة الحيوية بناءً على اختافها
عن السلطة السيادية، بواسطة توحيد مفهوم السلطة السيادية بالسلطة الحيوية، لتختزل في مفهوم الحياة العارية الذي يعبر عن توظيف السياسات الحيوية كسياسات موت. وقد كان واضحًا في توظيف مفهوم
السياسات الحيوية بوصفها سياسات الموت، بناءً على البنية المفاهيمية التي شكّلها: الحياة العارية،
والإنسان المستباح، والحياة، والمعسكر، والسيادة. تبرز الإشكالية في مفهوم السياسات الحيوية، من خال القدرة على الاحتكام إلى صيغة واضحة وثابتة لها، والحق أنّ مفهوم السياسات الحيوية من المفاهيم العصية على الثبات. ويكمن سبب ذلك في إمكانية إعادة توظيفه واقعيًّا لتجاوزه. والقصد ب "التجاوز" في هذا السياق، أن يجري تجاوز التوظيف
الذي وضعت به السياسات الحيوية من جهة المنظرين، مع وجود مسائل متعلقة بعلم الأحياء والبيئة والتكنولوجيا، ليبرز السؤال المتعلق بإمكانية انسجام مفهوم سياسات الموت الذي وظفه أغامبين مع مسألة التطور التكنولوجي على سبيل المثال، أو حتى انسجامه عند فوكو مع قضايا تنظيم الرأسمالية العالمية والشركات العابرة للحدود.
(((4 يتضح هذا الطرح بمثال يُروى حول الأطباء النازيين الذين شنوا الحرب على التدخين، وأعربوا عن قلقهم إزاء الاستخدام
المفرط للأدوية والأشعة السينية، وقاموا بقيادة حمات توعية حول الطعام الصحي، في وقت مهّدوا فيه الطريق إلى معسكرات
الموت التي اعتمدت على ظروف تاريخية وأخاقية وسياسية مختلفة عن آليات السياسات الحيوية وتطبيقاتها. يُنظر: أبو رحمة،
ص.144
إن البحث عن انسجام السياسات الحيوية مع القضايا الحادثة يكشف عن طبيعة الواقع الناتج من هذه السياسات، ولا بد من أن تصور فوكو وأغامبين المتعلق بمفهوم الحياة جعل شكل الواقع أشد وضوحًا. فتصور مفهوم الحياة عند فوكو يعني الحياة الخاضعة لاستثمار والتمكين، والمحافظة، تبعًا
لمنظور السياسات الحيوية. ومن ثم، فإن شكل الواقع الذي ينتج من السياسات الحيوية التي تقوم في جوهرها على الإحياء، هو في ذاته الواقع الذي يتضمن إمكانيات وقدرات وكفاءات بشرية ضمن حدود المجتمع، في حين يكمن هدف السياسات الحيوية عند أغامبين في إنتاج الحياة بوصفها حياة عارية أو مجردة، أي إن محاولة تحسين الحياة تهدف إلى سلبها. لذا، يتشكل الواقع بناءً على هذا التصور
بوصفه واقع الإنسان المستباح الذي يعيش حالة الاستثناء كقاعدة لإخضاعه على نحو مستمر داخل المجتمع. هذا يعني أن الواقع الذي ينعكس بواسطة صورة المجتمع، يخضع لإمكانية تشكيله وفقًا لقوة آليات السياسات الحيوية وقدرتها على التشكل بناءً على الصيرورة التاريخية التي أنتجت واقعنا المعاصر.
وهنا، لا بد من اختبار موقع السياسات الحيوية في ضوء واقعنا المعاصر انطاقًا من رؤية كلّ من فوكو وأغامبين. لم تتجاهل السياسات الحيوية بصورتها المعاصرة التأثير التكنولوجي الذي يتجه إلى تقنيات التدخل في الجسد البيولوجي؛ مثل الطب الجيني، والتكنولوجيا الحيوية القائمة على الهندسة الوراثية، والتكوين الجيني والعرقي للبشر الذي يمكن توظيفه زراعيًّا وصناعيًّا؛ ليساهم في التطور السريع
للتكنولوجيا الحيوية بواسطة التعامل مع الجسد في دعم اقتصاد السوق، وهو ما جعل السياسات الحيوية المعاصرة تتجه إلى خلق استراتيجيات جديدة في التدخل في الجسم الاجتماعي، بوصفه مكونًا من مواطنين بيولوجيين، أي أفرادًا يشكلون عاقتهم بأنفسهم من خال معرفة أجسادهم؛ ومن ثمّ يحملون مسؤولية الاهتمام بالصحة تبعًا لمسؤولية ذاتية من جهتهم. وهكذا، تتجاوز السياسات
الحيوية ذاتها من خال قدرتها على التشكّل بواسطة تغيير تقنياتها. فبعد أن كانت تمارس حمات توعية متعلقة بالصحة والمرض، وتفرض حالة الطوارئ من أجل المحافظة على حياة السكان في بعض الظروف، باتت تتخفى أكثر فأكثر خلف الإمكانات التقنية التي ينسجم معها المجتمع بدافع الحفاظ على الحياة. واستنادًا إلى ما طُرِح بشأن طبيعة السياسات الحيوية المعاصرة، لا بد من أن نتساءل: هل توجد جذور لطبيعة هذه السياسات عند فوكو وأغامبين؟ وإلى أي مدى يمكن أن تكون أطروحتاهما المتعلقتان بالسياسات الحيوية بمنزلة رؤية سابقة لعصرها؟
(45) Yu Jiangxia & Liu Jingwei, "New Biopolitics," Journal of Academic Ethics , vol. 7, no. 4 (2009), p. 3, accessed on 21/3/2022, at: https://bit.ly/3650Sz9
(((4 برز هذا المصطلح انطاقًا من مفهوم المواطنة البيولوجية الذي ناقشه نيكولاس روز وكارلوس نافاس؛ إذ تُعدّ المواطنة
البيولوجية نوعًا جديدًا من المواطنة، يتبلور في عصر الطب الحيوي والتكنولوجيا الحيوية وعلم الجينوم. ينظر:
Rose Nikolas & Novas Carlos, Biological Citizenship (Oxford: Blackwell Publishing, 2005), p. 1.
لا يمكن أن يُتصوّر مفهوم السياسات الحيوية بمعزل عن الجوهر الذي يستند إليه، وهو يتمثل باعتبار الإنسان عنصرًا سياسيًا، بغضّ النظر عن طريقة إخضاعه أو ضبطه؛ سواء كان ذلك بواسطة عمليات
الإحياء أو الإماتة، وهذا يعني أن الشكل الذي تتبناه السياسات الحيوية المعاصرة لن يتخلى عن هذا الجوهر، بل سيتوجه إلى الانسجام مع تقنيات حديثة لضبط البشر. ولا يصوغ هذا الجوهر نموذجًا ثابتًا للسياسات الحيوية بوصفها مفهومًا إجرائيًا، إلا أنه يبني قاعدة تساهم في فهم إمكانية اختافها كليًّا عن
التأسيس الذي وضعه فوكو، والتجاوز الذي أحدثه أغامبين. لقد استطاع فوكو أن يتنبأ بصيرورة هذه السياسات بعيدًا عن اختزالها ضمن ظروف سياسية محدودة بخصوصية عصرها؛ وذلك من خال تتبعه الآليات التي تقوم عليها السلطة الحديثة، والتي لم تستطع السلطة السياسية الكاسيكية تبنّيها، إضافة إلى الكشف عن دور ووظيفة التكنولوجيا الحيوية في مجال الطب، وهي إشارة واضحة دالّة على وجود التكنولوجيا الحيوية بوصفها جزءًا من السياسات الحيوية
التي تهدف إلى تطوير القدرات والكفاءات لخدمة الاقتصاد الذي تقوم عليه الدولة الليبرالية، في حين نجد أنّ أطروحة أغامبين، على الرغم من تحديدها ضمن إطار حالة الاستثناء التي يبدو أنها لا تخدم فَهْم السياسات الحيوية المعاصرة، قد ألقت الضوء على ممارسات للسياسات الحيوية المعاصرة، خصوصًا مع حدوث دواعٍ تعطي شرعيةً لتعليق القانون، مثل فرض حالة الطوارئ بسبب الأزمات. وعلى الرغم من أن أغامبين لم يوسّع فكرته المتعلقة بتفاقم السياسات الحيوية وتعدّيها عتبة الأنظمة الشمولية والديمقراطيات الحديثة في أطروحاته الأساسية التي بناها بشأن السياسات الحيوية، فإنه – في ظل انتشار جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19–) في إيطاليا – نشرَ مقالة باللغة
الإيطالية بعنوان " L’invenzione di un’epidemia "، وضّح من خالها فكرة إثارة حالة الاستثناء من خال فَرْض قيود وحظر على الحركة، وتعليق الحياة اليومية، وأن تطبيق حالة الاستثناء إنما يُعَدّ
نموذجًا استخدمته الحكومة؛ إذ اعتبر أن حضور الوباء ما هو إلا ذريعة لتوسيع نطاق فرض الاستثناء. وهكذا، يصبح السكان مستباحين للحكومة، استنادًا إلى الحياة العارية التي فُرضت عليهم، فيستجيب السكان لتلك الحياة تبعًا لحاجتهم إلى الأمان؛ إذ قامت الحكومة بتهيئة الظروف لنشر الخوف من الوباء بوصفه مهددًا لحياة السكان وأمانهم. وفي ذلك دليل على التمكن من توظيف أطروحة أغامبين في ضوء فهم السياسات الحيوية المعاصرة، ضمن آليات حالة الاستثناء بواسطة شواهد واقعية. نصل إلى نتيجة مفادها أن وجود السياسات الحيوية كان نتاجًا لتحولات وإمكانيات وآليات مرتبطة بالسلطة، لم تتوقف عند حدود معيّنة، أو ظروف تاريخية خاصة، وهو ما جعل منها بيئة نظرية وواقعية
منفتحة أمام العديد من التأويات والتحقيقات التي تتجه نحو المستقبل، لمواكبة نتائج ضبط الإنسان الذي يحتاج إلى وعي أكبر في ضوء طرائق الإخضاع التي باتت أكثر تخفيًا وأعلى تأثيرًا.
4(((الزواوي بغورة، مدخل إلى فلسفة ميشيل فوكو (بيروت: دار الطليعة، 2013)، ص.179–178
(48) Giorgio Agamben, "L’invenzione di un’epidemia," Quodlibet , 26/2/2020, accessed on 21/3/2022, at: https://bit.ly/3GSyywN
References
المراجع
العربية
أبو رحمة، أماني. أبعد من فوكو: السياسات الحياتية في عصر الجينوم. ط 2. القاهرة: مؤسسة أروقة للدراسات والنشر،.2020 أغامبين، جورجو. حالة الاستثناء: الإنسان الحرام 2، 1. ترجمة ناصر إسماعيل. القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر،.2015 بغورة، الزواوي. مدخل إلى فلسفة ميشيل فوكو. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر،.2013 فوكو، ميشيل. دروس ميشيل فوكو 1982–1970.. ترجمة محمد مياد. المغرب: دار توبقال للنشر،
_______. المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن. ترجمة علي مقلد. بيروت: مركز الإنماء القومي،.1990 _______. يجب الدفاع عن المجتمع. ترجمة الزواوي بغورة. بيروت: دار الطليعة للنشر،.2003 _______. تاريخ الجنسانية 1:، إرادة العرفان. ترجمة محمد هشام. المغرب: أفريقيا الشرق،.2004 _______. نظام الخطاب. ترجمة محمد سبيا. القاهرة: دار التنوير للطباعة والنشر،.2007
الأجنبية
Agamben, Georgeo. Homo Sacer: Sovereign Power and Bare Life. Daniel Heller– Roazen (trans.). Stanford/ California: Stanford University Press, 1998. Jiangxia, Yu & Liu Jingwei. "New Biopolitics." Journal of Academic Ethics. vol. 7, no. 4 (2009). at: https://bit.ly/3650Sz9 Lemke, Thomas. A Zone of Indistinction – A Critique of Giorgio Agamben’s Concept of Biopolitics. Frankfurt: Goethe–Universität Frankfurt am Main, 2014. Nikolas, Rose & Novas Carlos. Biological Citizenship. Oxford: Blackwell Publishing,
Rinbow, Paul & Rose Nicolas. "Biopower Today in Bio Societies." BioSocieties. vol. 1, no. 195–217 (2006). Sarah, Hansen. "ZOE, BIOS and the Language of Biopower." PhD. Dissertation. Vanderbilt University. Nashville. Tennessee. 2010.