الأسئلة والتحولات من عصر العقل إلى ما بعد الحداثة
Questions and Transformations from the Age of Reason to Postmodernism
الملخّص
تهدف الدراسة إلى استقراء التحولات من عصر العقل إلى ما بعد الحداثة، وتحليلِها في أفق الأسئلة التي أسهمت في تشكُّلها، انطلاقًا من فرضية الارتباط الوثيق بين تخليق الأسئلة التأسيسية والتحولات. وقد رصدت الدراسة تلك التحولات، باستقراء الأسئلة التأسيسية وآثارها في شكل يراعي التحقيب والخَطّية الزمنية، من عصر العقل إلى ما بعد الحداثة. وتمثلت الأسئلة التأسيسية بثلاثة أسئلة مركزية هي: سؤال المنهج الذي أسس عصر العقل، وسؤال التنوير الذي أسس الحداثة، وسؤال القيمة والجدوى الذي أسس جذور ما بعد الحداثة. قامت الدراسة على مقاربة بينية؛ بين الفكر الفلسفي والفكر الأدبي، في القرنين التاسع عشر والعشرين.
Abstract
Abstract: This study explores transformations that occurred from the age of reason to postmodernism. It conducts an analysis of these transformations in light of questions that contributed to their formation, based on the hypothesis of a close connection between the synthesis of foundational questions and transformations. The study observes these transformations by extrapolating the foundational questions and their effects, taking into account temporal periodization from the age of reason to the postmodern period. These foundational questions are threefold: Through what method was the Age of Reason established? How did enlightenment establish modernity? And how did the questions of value and advantage establish postmodernism? The study is based on an interdisciplinary approach between philosophical and literary thought in the nineteenth and twentieth centuries.
- التحولات
- عصر العقل
- سؤال المنهج
- سؤال التنوير
- سؤال القيمة والجدوى
- Transformations
- The Age of Reason
- Method
- Enlightenment
- Value and Advantage
مقدمة: قلق الأسئلة: الحالة الغربية من العقلانية وصناعة الوعي إلى ما بعد الحداثة وتقويض اليقين
تُعدُّ الأسئلة سببًا في تأسُّس الإدراك الإنساني منذ الأزل، وتأسُّس الوعي بالعاقات، ونشوء الفلسفة والتفلسف. تتوالى الأحداث فتتشكل الظاهرة، ويتعقد الموقف، وتتشابك العاقات، ويترتب الأثر، ليأتي بعد ذلك دور التأمل وقلق الأسئلة إثر المأساة والحيرة والألم. لم يحدث في الواقع، لا بالضرورة ولا بالاحتمال، وجود الإشكالية ووجود مبحثها الأنطولوجي في سياق زمني محايث؛ ذلك أنه مع كل حقبة نقدية في الفكر كان العالم ينتقل إلى تموضع جديد يقتضي تموضع الفكر النقدي في شكل تعاقبي، مرجعه نواتج المشكلة وآثارها، ووسيلته التأمل في المآلات وعواقبها. وكلما أنتج الفكر الإنساني رؤية نقدية جديدة يقارب بها منطق الواقع بالتحليل، يكون العالم قد انتقل إلى تموضع جديد قائم على عوامل تحولاته الاجتماعية والمفاهيمية واحتياجاته النفسية والعملية. ومع كل واقع جديد تنشأ التصورات المختلفة للوجود، وعنها تنشأ مشكات مستجدة على مستوى الواقع وعلى مستوى الفكر معًا، وعبرهما تتخَّلق التفاوتات1، ويتخلَّق قلق الأسئلة الوجودي في كل مرة وعلى الدوام. وباستقراء الواقع تتجلى صورة المزاوجة بين قلق الأسئلة في أشكالها الكلية وتموضع إجاباتها بين العقانية والوعي مرةً والعدمية والوهم مرةً أخرى. يمكننا هنا افتراضُ مَوْضَعة العدمية في مقابل العقانية، بوصفها آخر حدِّ المقابل، وبينهما تقع تلك التفسيرات المحايدة أو المخاتلة أو التي تلك تحاول التوازن والتوفيق. كانت الحالة الغربية مثالً واضحًا لما صنعه ذلك القلق المستبطن الذي ترجم نفسه عبر الأسئلة الكبيرة التي تمخض عنها الفكر الغربي: سؤال المنهج2 الذي ولد عصر العقل و"العقانية "3، و"سؤال التنوير"
الذي توّج "فلسفة الأنوار"4 وهيّأ الأرضية للتفكير النقدي وأوجد الحداثة5، وسؤال الجدوى6 الذي خلق العبث وما بعد الحداثة7. كما كانت مثالً آخر، جديرًا بالتأمل، لتاشي الأسئلة وقلق النكوص مع فلسفة ما بعد الحداثة التي ذهبت تقوض اليقين، وتفكك المركز، وتُشظّي البنية، وتجابه العقل، وتنقد الحداثة.
أولا: عصر العقل وسؤال المنهج
عبر سؤال المنهج، كان عصر العقل في الفلسفة الحديثة قد تأسس مع عقانية رينيه ديكارت Descartes René (1650–1596)، ثم مع أفكار باروخ سبينوزا Spinoza Baruch (1677–1632)، وتوماس هوبز Hobbes Thomas (1679–1588)، وغوتفريد فيلهلم ليبنتز Wilhelm Gottfried Leibniz (1716–1646)، وغيرهم، على مبادئ الوعي بالذات والفلسفة الذاتية. وشكَّل سؤال المنهج، منذ فرانسيس بيكون في كتابه الأورغانون الجديد: إرشادات صادقة في تفسير الطبيعة
8)1620(The Novum Organum: Sive Indicia Vera de Interpretatione Naturae
ورينيه ديكارت في كتابه مقالة الطريقة لحسن قيادة العقل والبحث عن الحقيقة في العلوم
Discours de la Méthode Pour bien conduire sa raison, et chercher la vérité dans les
sciences)1637(9، محور ارتكاز الأسئلة التي ولَّدَت عصر العقل، وتمثياته المتعددة في الواقع الأوروبي، وتمخضت تلك الأسئلة عن واقع جديد أضحت العقانية سمته الأساسية، العقانية التي تحولت بفعل سؤال المنهج إلى "أداة إجرائية تعتمد على العلوم الرياضية لتأسيس المعرفة الفلسفية بالعالم"10. كان عصر العقل ردةَ فعل طبيعية على الرؤية الاهوتية والتفسيرات الثيولوجية المصادمة لمنطق الكشف العلمي ومنطق الفكر الفلسفي ومنطلقات العقل الجمعي، وكانت قد بدأت تتكوّن في أوروبا منذ القرن السادس عشر الميادي11. وشكَّلت العقانية، أيضًا، بديلً من الرؤية الاهوتية المتعالية للعالم؛ تلك التي كانت تقارب واقع الكشف العلمي ومستجدات الفكر الحديث بمزيد من الإيغال في التعنت والمواجهة، وبمزيد من الإصرار على التمسك بالأفكار القديمة. ومن البداهة أن تكون العقانية (ذلك المفهومُ المكثفُ) البدلَ الأكثرَ تناسبًا لواقعٍ كالواقع الأوروبي في تلك المرحلة، وهو ما يعكس واقع الحال، من التصادم بين التفسيرات القادمة من واقع الثقافة التصالحية الماضوية، بكل إرثها غير الخاضع للفحص والتمحيص والنقد والمنطق العقاني، ومنطقَ الحياة المجتمعية الجديدة الذي بدأ الأوروبيون يتلمسونه في واقع حياتهم ويعايشونه في أزمنة التأسيس. يضاف إلى ذلك أنه من البداهة أن يكون عصر العقل نتاجًا واقعيًّا لسؤال المنهج الذي كان قد ترسخ في الحياة العملية في شكل مادي ملموس. كان المنهج قد تأسس في البنية الذهنية الأوروبية بدءًا بالمنهج التجريبي عند بيكون، والمنهج العقلي عند ديكارت، ثم المنهج النقدي عند إيمانويل كانط Kant Immanuel (1804–1724)، والمنهج الجدلي عند فريدريش هيغل Hegel Friedrich (1831–1770). إلا أن العقانية، كما أسسها ديكارت بدءًا بكتابه مقالة الطريقة، بدَتْ كأنها كلما أوغلت الأزمنةُ في التقدم أوغلت هي في المفارقة بين الرؤية المتعالية للعالم والرؤية التي تؤسس لمنهجية العقل العملي الذي يستنبط الأفكار والمقولات من واقعٍ ما يمكنه إدراكه وتفسيره، وللحواس فحصه واختباره؛ تلك الأزمنة التي تمثلت بالعقانية، والتنوير، والحداثة، وصولً، في نهاية المطاف، إلى ما بعد الحداثة التي أنكرت الرؤيتين معًا: الرؤية المتعالية المستندة إلى مركز العقل الكلي المتجاوز والمفارق، والرؤية المتعالية المستندة إلى مركز العقل
الإنساني المحايث (على اعتبار أن "التنوير الغربي لم يُحْد ث تنويرًا كاملً، إنما نقل سلطة الامتناهي من حامل إلهي مفارق، إلى حامل إنساني محايث)"12. وقد مثل عصر العقل والعقانية بذلك محاولة مبكرة لمَوضَعة الظواهر الإنسانية في النطاق البشري، ونقلها من الرؤية الاهوتية والتفسير الثيولوجي إلى الإطار الإنساني، كما أنها اتخذت من إعادة إنتاج النظام الاجتماعي وسيلة لها في التأسيس للعقلنة13، وبدا العقل كأنه "هو الحق الخالد، وهو الماهية ذات القوة الخالدة"14، و"أنه يسيطر على العالم، وأن تاريخ العالم بالتالي يتمثل أمامنا بوصفه مسارًا عقليًّا"15. وما إن انقضى القرن الثامن عشر ولحقت به أفكار هيغل حتى بدأت العقانية (وسؤالها سؤال المنهج) في الإيغال بشكل حادّ نحو العقانية الأداتية Rationality Instrumental، الرافضة لكل تفسير لا يسنده واقع مادي محسوس؛ إذ ما إن جاء أوغست كونت Comte Auguste –1798(1857) (بفلسفته الوضعية)، وتشارلز داروين Darwin Charles (1882–1809) (بنظريته عن التطور)، وكارل ماركس Marx Karl (1883–1818) (بفلسفته المادية)، وفريدريش نيتشه Nietzsche Friedrich (1844–1900) (بمفارقته في جينالوجيا الأخلاق On the Genealogy of Morality) (1887)، وإميل دوركايم Durkheim Émile (1858–1917) (بتأسيسه قواعد المنهج في علم الاجتماع Les Règles de la méthode sociologique) (1895)، وسيغموند فرويد Freud Sigmund (1939–1856) (بتغليبه سيطرة الاوعي على السلوك الإنساني)؛ حتى انتقلت الفلسفة من الفلسفة الذاتية المثالية Subjective idealism إلى الفلسفة الموضوعية المادية، وأخذ الوعي القائم على أسس العقانية الديكارتية في التقهقر والتراجع، وتوحشت العقانية إزاء الذاكرة والزمن16.
ثانيًا: الحداثة وسؤال التنوير
يطلق المؤرخون على القرن الثامن عشر تسمية "قرن الأنوار" أو "التنوير"17. وقد تُوِّج هذا القرن بالثورة الفرنسية، وبفلسفة كانط، اللتين كانتا بوابة الدخول إلى مرحلة الحداثة. تجاوز قرن الأنوار العقانية وسؤال المنهج، إلى تأسيس النزعة الإنسانية وسؤال التنوير. لقد استفاقت المجتمعات الغربية على واقع في حاجة إلى الثورة والتغيير، فكانت الثورة الفرنسية، وكان أن فُتح الباب على مصراعيه لحركة الحداثة لتشكيل المجتمع الحداثي في القرن التاسع عشر، ولمياد المجتمع المدني وهيمنة الثقافة المدنية وأشكالها الرمزية التي تعبّر عنها: الدولة الحديثة، والقانون، والنظام الديمقراطي، والفنون. وأصبح الفكر حداثيًّا بتبنيه موقف الأسئلة والافتراضات الخاضعة للتحقق والاحتمالات الممكنة وإخضاعها للبحث الممنهج، وبتنازله عن اليقين المطلق والموقف النهائي والإجابات الجاهزة؛ ما أسهم في تقديم الحداثة بمعناها المعقلن "بناء صورة عقانية للعالم"18. كان الهدف هو التوصل إلى معايير موضوعية في المعالجة لاكتشاف الحقيقة كما هي، لا كما يجري تصويرها أو تصورها، وفقًا للمنهج العقاني الذي يولد معياريته في التفسير والافتراض والتحقق والحكم من داخله. شكّلت أسئلة كانط المشهورة في كتابه نقد العقل المحض The Critique of Pure Reason): 1787(ماذا يمكنني أن أعرف؟ ماذا عليَّ أن أفعل؟ ما المسموح لي بأن آمله؟ ما الإنسان؟19: • تتويجًا ختاميًّا لعصر الأنوار؛ تحولت معه العقانية العلمية إلى العقانية النقدية. • بوابةً للعبور نحو الحداثة؛ تحولت معه امتيازات النبالة وسيادة رجال الدين والإقطاع إلى تحقق الهوية الفردية لكل شخص في المجتمع. • مفتتحًا مغايرًا في تاريخ الفكر؛ تحوّل معه النقد القائم على الحرية إلى موضوع مركزي للفلسفة، يوازن بين النزعة الوثوقية الدوغمائية dogmatisme Le والنزعة التجريبية الريبية scepticisme Le؛ لقد كانت الأسئلة محرضًا أساسيًا يصنع الوعي الذي يرفض يقينيات الماضي. عرَّف كانط التنوير بكونه وضعًا يتحرر فيه الإنسان من حالة القصور المتمثل بالعجز عن استخدام الفكر باستقالية؛ وذلك في إجابته عن سؤال التنوير في مقالته المشهورة "إجابة عن سؤال: ما هو
التنوير؟" " Answering the Question: What Is Enlightenment? " (1784) (وهو تعريف بالسلب
يشير إلى الجرأة في استخدام العقل والتفكير بحرية). يقول كانط: "التنوير هو تحرر الإنسان من حالة القصور. والقصور هو عدم القدرة على الاستفادة من الفكر دون توجيه الآخرين. إن هذا القصور لا يكمن سببه في نقص الفكر، بل في نقص العزيمة والشجاعة لاستفادة من الفكر باستقالية. تَحلَّ
بالشجاعة لاستخدام عقلك! من هنا جاء شعار التنوير"20. واشترط كانط لتحقق التنوير الحريةَ – كونها تمنح الإنسان عقله الناقد المسؤول، وتوصله إلى مرحلة الرشد – إذ يقول: "ومع ذلك، فليس مطلوبًا لهذا التنوير شيء غير الحرية. الحرية غير المؤذية التي يمكن تسميتها بشكل صحيح بالحرية، أي: استخدام عقل الفرد في جميع الأمور. لكنني الآن أسمع نداء من جميع الجهات: لا تناقش! فالضابط يقول: لا تناقش، نفّذ فقط! والمسؤول المالي يقول: لا تناقش، ادفع فقط! والكاهن يقول: لا تجادل، آمِن فقط"!21. إن واقع الحداثة الذي تأسس على سؤال التنوير، ممثلً بحرية التفكير المؤسس على النقد وقيادة الذات بالخروج من عباءة الآخرين، كان ما يزال بعيد المنال؛ فعلى الرغم من أن حركة الأنوار على امتداد القرن الثامن عشر كانت تؤسس المجتمع الحديث، فإن سؤال التنوير المؤسَّس على النقد الحر لم يكن قد تجذّر في الواقع، ففي رأي كانط: "إذا سُئلنا عمّا إذا كنا نعيش في عصر التنوير، فالجواب هو: لا، لكننا نعيش في عصر يستنير؛ فما يزال ينقصنا كثير من الأمور لكي يكون الناس في حالة تمكنهم بالفعل من الثقة والاستخدام الجيد للعقل، في أمور الدين دون توجيه من الآخرين"22. وهو ما أسهم كانط في إنجازه عبر مشروعه النقدي. أكد التنويرُ القيمَ المركزية التي تمثلت، بناءً عليه، بمشروع الحداثة؛ الحرية، والتقدم، والديمقراطية، والعلمانية، والمساواة. إلا أن ما أحدثه كانط، الذي توَّج مرحلة التنوير، هو أنه نقل التنوير من حالة العقانية العلمية، التي كانت قد تأسست منذ بيكون وديكارت بسبب سؤال المنهج، إلى حالة العقانية النقدية التي توَّجها سؤال التنوير: تجاوز السهولة، وتأمل البديهيات، وفحص المسلمات. وفي جانب آخر كانت الحداثة الجمالية تقدم مغايرة للواقع الجمالي السائد منذ شارل بودلير (1867–1821)، وكانت عبارته المشتهرة في كتابه رسام الحياة الحديثة Le peintre de la vie Moderne) 1863(حاسمة بين حالتين، وفاصلة بين زمنين23. وبسبب المعرفة الإمبريقية، وهي أحد أوجه العقانية الإجرائية التي تحوّل معها العقل الأنواري إلى عقل أداتي "والتنوير إلى ميثولوجيا"24، تحولت العقانية والوعي الذاتي من بوابة الأسئلة والافتراضات الخاضعة للبحث على الدوام إلى مسطرة جاهزة للمعايرة، وإلى أداة من أدوات اليقين، ذلك الذي تُثْبِت
حركة العلم وفلسفة المعرفة تغيره على الدوام، ويثبت الواقع نسبيته؛ "إن معيار العقانية يتغير بتغير المعتقدات العلمية"25. وعبر العقانية الأداتية، والفلسفة الوضعية، والتجريبية الصارمة، والدوغمائية القاطعة، أصيبت قيم التنوير، كما أصيب سؤال التنوير، بالانتكاس والتراجع، وتوطد المجتمع الإكراهي الانضباطي (بحسب ميشيل فوكو Foucault Michel (1984–1926)، واتسم العلم في بعض مساراته بالشكانية، تلك التي لا تعترف بشيء لا يقبل القياس، "وانقسمت العقول بشأن ما إذا كان عليها أن تتشبث بمقاصد التنوير، مهما كان مكسورًا، أو ما إذا كان عليها أن تنفض يديها من مشروع الحداثة"26.
ثالثًا: الريبية وسؤال القيمة والجدوى (جذور ما بعد الحداثة)
كان العقل الأنواري قد ثبّت في رؤيته كليّةَ الوجود، بوساطة عقلنة التفكير وعقلنة الحياة وعقلنة التصور؛ عقلنة التفكير بإنفاذ المنهجية الصارمة في النسق الرياضي والنسق الفلسفي، وعقلنة التصور بتثبيت الرؤية النسقية للوجود عبر تقريب المتجاوز المفارِق من المحايث الإنساني27، وعقلنة الحياة بخلق النظمية الجادة في كل مسارات الشأن العام. وكانت أسئلة العقل الأنواري (متوَّجًا بسؤال التنوير) قد أنتجت التحول؛ بدءًا بمأسسة الدولة الضابطة لإيقاع المجتمع، ومرورًا بتشريع القوانين الضابطة لإيقاع الحياة، ووصولً إلى تنميط البشر بإطار التصور (البرَدايم) الجديد: "بينما كان يسود فكر القرنين السابع عشر والثامن عشر المواجهة بين الذات والعقل، وبين النفعية والحق الطبيعي، كانت النزعة التاريخية في القرن التاسع عشر تذيب الذات في العقل، والحرية في الضرورة، والمجتمع في الدولة"28. وكانت العقانية (ومن بعدها التنوير) قد ولَّدت، من بين ما ولَّدت، حتمية التسلسل المنطقي وحدّيته في قوانينها، ودوغمائية التصور وانغاقه في أحكامها، وخطية التفكير ونسقيته في تفسيراتها، ثم جاء داروين وماركس ونيتشه وفرويد فبُذرِت بذور التفكير الرَّيبي والشكوكي والمفارِق، وبدأت الأسئلة دورةً جديدةً من التحول: • تطورت فكرة الحتمية إلى الجبر، فتحول الإنسان إلى إنسان مُسيَّر، لا مخير: مُسيَّر بتطوره الميكانيكي الطبيعي الذي لا يدَ له فيه (وفق تشارلز داروين)، ومُسيَّر بالحركة المادية، التي هو ناتج منها، في
تموضعه (وفق كارل ماركس)، ومُسيَّر بمخزونه الاواعي الذي يدير حركته وقراراته وردّات فعله (وفق فرويد). • تغيرت النظرة إلى العاقات بين البنى المختلفة وتراتبها السببي؛ فشاعت فكرة فاعلية البنية التحتية في البِنَى الفوقية، وأن التحولات في البنى الفوقية ما هي إلا ناتجٌ من التحولات في البنية التحتية، وأن الفكر مشروط بمصالح الطبقة الاجتماعية التي تنتجه، وباتت تجد مكانها في البعدين الفلسفي والحياتي. • تغيرت النظرة إلى الفلسفة ووظيفتها؛ من المثالية إلى الواقعية، و"من تفسير العالم إلى تغييره"29، وتغيرت كذلك طرائق التفكير والاستبصار؛ من التفكير الخطي والواحدي والتعاقبي إلى التفكير التشعبي والاحتمالي والتزامني، في انشقاقٍ غير تصالحيٍّ يفارِقُ نمطيةَ التفسير، وحتميةَ النتائج، وميكانيكيةَ المعالجة، ما بعد نسبية ألبرت أينشتاين Einstein Albert (1955–1879)، ومبرهنة كورت كودل Gödel Kurt (1978–1906) في "عدم الاكتمال"30. إلا أن مجموعة من الرؤى الثيولوجية (الاهوتية) والنزعات الأسطورية القديمة، تلك التي جاء التنوير لإزاحتها وعمل جاهدًا على تجاوزها بالعقانية والنسقية والنظمية (عقانية التفكير، ونسقية التصور، ونظمية الحياة)، كانت تتماهى ضمن نطاق الرؤية الفلسفية الحديثة وما صدر عنها من رؤيةٍ للوجود: • النزعة إلى الشعور بفوقية الأنا، التي تخفي وراءها صورة البطولة الملحمية المغايرة؛ وهي ما ولَّد العنصرية في الرؤية إلى المختلف خارج النطاق الغربي.ِ • النزعة إلى وثنية القوة والتحكم والسيطرة، الناتجة من العقل الأداتي ومفهوم البقاء للأقوى الدارويني؛ وهي ما أنتج تشظي القيمة الإنسانية في إنسانها الغربي، وأنتج، من بين ما أنتج، الاستعمار والحروب وهاك مايين البشر. • نزعة صنمية الإحساس بامتاك الحقيقة في الواقع المادي؛ وهو ما أفضى إلى البارانويا Paranoia (جنون العظمة) في غرور المعرفة، ويقينية المنهج، وحتمية العلم.
• الإيغال في النزعة الفردية؛ وهي ما حول الإنسان من الخيرية الفطرية إلى الأنانية والتشيؤ31، ومن الحلم الإنساني إلى الوحشة والاغتراب، ومن الإلهام المتعالي إلى الأداتية والتفاهة. وإلى "خطاب تعمل فيه الحقيقة بوصفها ساحًا من أجل انتصار منحاز"، كما عبّر عن ذلك فوكو32. مثلت الطمأنينة التي كان المجتمع الغربي قد وصل إليها مع قيم الحداثة: العلم، والتقدم، والحرية، والعقل، والحقيقة، يقينيةً جاهزةً جديدة، استكان معها سؤال التنوير ومشروع الحداثة، على امتداد القرن التاسع عشر، إلى حتمياتها التقدمية. وبسبب القوة العلمية والاقتصادية والعسكرية التي حققت الانتصار والازدهار، وبسبب الحراك النقدي الذي أشاعته أدوات الطبقة الوسطى: الصحيفة، والمسرح، والجامعة... إلخ، كانت اليقينية الجاهزة والإيمان بحتمية التقدم تتعاظم، وتحول التنوير إلى سلطة معيارية شمولية تفتقد إلى تكويناته الأولى التي أقيمت على مبادئ إنسانية. وفوجئ إنسان ما بعد التنوير والحداثة بما آل إليه حاله في النصف الأول من القرن العشرين؛ الذي مثلت فيه النزعة النازية حتمية التنوير ويقينيته33. وفي الوقت نفسه كانت النزعة الرَّيبية تغرس بذورها شيئًا فشيئًا بسبب أساتذة الشك الرّيبيين، الذين سببوا الاضطراب لتلك الأسئلة الوثوقية، وأحلّوا محلها الايقين. لقد كانت الطمأنينة تتأهب للرحيل، وقيم التنوير والحداثة تواجه مآلاتها. شكلت المساءلات التي وجهها نيتشه للتنوير، والعقانية، والأخاق، والمثُل، طابعًا حادًّا وشكلً من أشكال العدمية الصاخبة في إطار النقد الساخر الذي لا يرى في القيمة الإنسانية أي جدوى؛ ومعه بدأت الضربات القاسية لمركزية العقل والمفاهيم المرتبطة به، وبه تأسست ميوعة النظرة إلى القيمة ونسبيتها وهامية تشكلها. فبحسب رأي نيتشه، "يبدو لنا العالم منطقيًّا لأننا نحن من مَنْطَقْناه أولً"34. وعبر الجينيالوجيا (وهي المقاربة التي توسلها في المعالجة)، بحث نيتشه عن الأصول الأولى في تشكُّل الحدث، ليؤكد أن كل أصل يدعي أنه أصل ليس إلا أثرًا، وأن أصول الأشياء ليست أكثر من وهم اصطنعناه. فليس ثمة شيء من الحقيقة وراء الأشياء، غير كونها ب حقيقة أو جوهر، ومهمة الجينيالوجيا حينذاك ليست سوى البحث في التفاوتات ورصد التشتت؛ لا بهدف التأسيس لمركزية ثابتة، وإنما لمزيد من إرباك المسلمات وما يُعتقد أنها حقائق، في سبيل الهدم وتقويض الأخاق ومثاليتها، وبشكل آخر تقويض السؤال النقدي الكانطي، وتخليق عبثية السؤال. لقد كان السؤال لدى نيتشه معنيًّا بالكيفية التي يعيش فيها وفقًا للغريزة، لا الكيفية التي يختبر بها
العالم، و"لم يعد السؤال لدى نيتشه هو كيف أعرف؟ ولكنه السؤال الإشكالي الجديد كيف يمكنني أن أحيا"35.
رابعًا: من أسئلة الحداثة إلى مساءلات ما بعد الحداثة (من الشك إلى اللايقين)
شكّلت أسئلة الحداثة، على مستوى الإنسان والفكر والعالم، حتمية التقدم ونقطة العبور الرئيسة نحو تجذير الوعي المعقلن والمنهجية العلمية، عبر الإيمان بالقدرة الذاتية للإنسان في تفسير ما حوله، من خال فعاليته في استخدام قدراته العقلية وأدواته التجريبية، بعيدًا عن أي مؤثر خارجي متعالٍ أو لا يمكن التدليل عليه، مع إعاء قيمة الواجب وتقديسه ومحايثته. مثَّل التعليم في المدرسة، والرسملة في السوق، والإعام عبر الصحف، في الوسط الغربي إبان الثورة الصناعية، وسائل ومرتكزات أساسية لتنميط الفرد، وإحكام الإطار، والسيطرة على الفكر. غير أن تلك الديمقراطية في التعليم (مثلما أسهمت في نقل الإنسان من الفهم البسيط إلى الفهم المركب، ومن محدودية التصور إلى فهم العالم، ومن كفاية الموارد إلى كفاءة الإنتاج) أسهمت كذلك في تنميط مئات المايين من البشر، وصناعة النماذج المكررة، تلك التي تألف الاعتياد، وتهاب الانشقاق من التسلسل، وتخشى سكرة الدوار، إذا هي أفلتت من النسق؛ فتمت قولبة الإنسان الحديث ونمذجته؛ وهو ما زاد في اغترابه وتقييد حريته وخياراته، على الرغم من شكانية التحرر التي يحياها. ومع أن المدارس الفكرية والنقدية كانت منفتحة على التعدد والتنوع، فإن الإطار كان على نحو شديد الإحكام؛ ما جعل المجتمعات الغربية مقودةً ضمن النمط العام لفكر الحداثة مستندةً إلى الطمأنينة التي اكتسبتها خال القرن الثامن عشر، وتسارع وتيرة التقدم العلمي والتقني، والوفرة المادية التي مكنت الحداثة من الثقة بطريقتها وفعالية أفكارها. ومع تلك الطمأنينة الموهِمة تدحرجت كرة الثلج نحو سقوط القيمة وانفات المعنى، وفوجئ الإنسان الغربي بالنتائج غير المتوقعة؛ فإلى جانب التقدم التقني، وانطاق التجريب في فضاء العلوم، وتطور الفكر، والتمكن من تفسير كثير من الظواهر في إطار المنهج التجريبي، كان تشييءُ الإنسان والفكرِ والقيمة يتسرب إلى المجتمع الغربي بالتوازي والتزامن، من دون أن تحايثه محاذير سقوط القيمة. وإذا كان الاستعمار والحربان العالميتان والقنبلة النووية قد مثلت كلّها الانكسارَ الحادّ الذي صدم الإنسان الغربي في حداثته وعانيتها، فإن النتيجة الطبيعية للمتوالية الحلزونية الهابطة، التي جسدت الاتحدد والارؤية، كانت قد قربت الإنسان الغربي من الإحساس بالعبث والعدمية التي تجسدت في أطروحات نيتشه في وقت باكر.
وبدعوى مناهضة الدوغمائية القاطعة، وبدعوى النسبية والهروب من "أسطورة الإطار"36 أيضًا، وجد إنسان الحداثة نفسه قريبًا من السيولة والعبث والعدمية، كما تشي بذلك أدبيات ما بعد الحداثة، وتقوضت معاني المركز؛ الأمر الذي أسهم في وقوع المجتمع الغربي وإنسانه في فوضى الدلالة والاتحدد والشعور المعمق بالاجدوى. مثلت ظاهرة ما بعد الحداثة رؤية الارؤية لدى مجتمع ما بعد الصناعة، الذي يشير إليه النقاد بوصفه ظاهرة مجتمع ما بعد الحرب العالمية الثانية، حين تعرى النموذج أمام نفسه وهو يفقد شيئًا فشيئًا القيمة والمعنى والمركز، ويرتد يومًا بعد يوم عن أسس الحداثة والمفاهيم المركزية التي قامت عليها. ووجد الإنسان نفسه أمام صدمات الواقع: هيمنة القوة على الرؤية (الاستعمار)، وهيمنة السلعة على القيمة (التشيِيء)، وهيمنة الكماليات على الإنتاج (الاستهاك)، وهيمنة النسبية على التحدُّد (العدمية)، وهيمنة الصورة على الواقع (الزيف). ومن دون شك، أسهم التراجعُ الحادّ في فاعلية أدوات الحداثة في حدوث كل ذلك: المدرسة في التكوين العلمي، والجامعة في التأسيس المنهجي، والإعام في صدقية نقل الوقائع، والكتاب في بيان الحقيقة. وإذا كانت أسئلة الحداثة قد مثلت عصر اليقينيات الكبرى بالإنسان والعلم والمنهج والعقانية والحقيقة وحتمية التقدم، وأسست مفهوم الواجب، فإن مساءلات ما بعد الحداثة قد مثلت العبث والإنكار والشك، وتحملت تبعة مواجهة أسس الحداثة المركزية: • العقانية (بدعوى ما أوصلت إليه الإنسان من الدوغمائية القاطعة و"أسطورة الإطار"). • العلمية (بسبب تحولها إلى أيديولوجيا وأداة للهيمنة والقمع). • الحتمية (التي أنتجت منحى الثبات ونمَّطَت الإنسان). وصولً إلى العدمية والسيولة والشك؛ العدمية التي تنفي الحقيقة، والسيولة التي تضفي النسبية على الأشياء والعاقات، والشك الذي يقوِّض المركز الثابت وكل اليقينيات، عبَّرَ طرح ما بعد الحداثة عن حالة إخفاق العالم في تفسير وجعه الأنطولوجي وأزماته المتاحقة وبعده عن القيمة الإنسانية، ولكنه أوغل في الاتجاه الخاطئ، الذي لم يجد غيره، في المعالجة؛ فذهب ينكر الثبات واليقينيات، ويعارض الحتميات والإكراهات، ويكفر بكل السرديات الكبرى37، وذهب يقوّض كلَّ ما يمكن عدُّه أساسًا
ومرجعيةً ومركزًا، في تعبير ناقد ساخط لا يحجم عن إثارة الأسئلة فقط، بل يدمر كل إجابة جاهزة، وكل يقين مستقر، وكل منهج عقاني؛ وهو أمرٌ جعل من "ما بعد الحداثة" حركة احتجاجية مراهقة أكثر من كونها فعلً تأسيسيًّا رياديًّا. لقد أراد لها فاسفتها أن تكون كذلك، واختاروا لها أن تتموضع في جانب الشك الدائم على حساب اليقين، وأن تنتج النقد المجرد من القيمة عوضًا عن استهداف الغاية الإنسانية منه، وأن تسقط في الوهم والاوعي على حساب الوعي والعقانية. ولعل "الواجب على الأرجح كان أن نتعلم من حالات التيه التي صاحبت مشروع الحداثة، ومن أخطاء مشاريع التجاوز المغرورة، بدلً من أن نتخلى عن الحداثة ومشروعها"38، "غير أن بروز مدرسة الاختاف وفكر ما بعد الحداثة والاتجاه التفكيكي في الفلسفة والأدب قد زاد من عدد حفاري قبور الذات البشرية، وأوقع الإنسان في حيرة أكسيولوجية رهيبة ضاعفت من الريبية والاأدرية، وروجت لمفاهيم القطيعة الكارثية والنزعات الارتكاسية والواقعية العدمية"39. يمكننا هنا استبصار فرضية التحولات السالبة بسبب تاشي الأسئلة (إلى جانب التحولات الموجبة بسبب الأسئلة المؤسِّسة)، مع حالة الإحباط الشديدة والاجدوى التي وصل إليها إنسان ما بعد التنوير والحداثة في العالم الغربي، وعدم الاطمئنان إلى إجابات شافية عن أسئلة الواقع، عبر رحلة ذلك المشروع الحضاري بفصوله المتعددة: الشك الموصل إلى اليقين من النهضة إلى عصر الأنوار، واليقين الجاهز الذي استبد بإنسان العقل الأداتي، والايقين الذي عصف بإنسان ما بعد الحداثة. إن تاشي الأسئلة الكبرى، تلك التي تُعنى بالأسئلة المعمقة عن العلة والجدوى والأثر والعاقات البينية، وتراجع مستوى تخليق الافتراضات والاحتمالات الناتج من تلك الأسئلة للوصول إلى رؤية أنطولوجية واضحة في الماهيات والمفاهيم وفي المدلولات وعاقاتها الارتباطية بالأشياء والعالم، ليؤكد عمق الإشكال، ويشير، في غياب أبدال الروافع، إلى قلق النكوص، في مقابل هجمات فلسفات الضياع والاعقانية.
خاتمة
إجمالً يمكننا رصد الاستنتاجات المركزية الآتية: • يشير تتبع الحالة الغربية من التنوير حتى ما بعد الحداثة، على مستوى الفكر الفلسفي، إلى تراجعٍ ملحوظ في مؤشر تخليق الأسئلة الكبرى، من الأسئلة النقدية ذات المنحى الحتمي إلى الأسئلة الشكية والريبية المسبِّبة لايقين، وإلى الارتحال من الحتمية والأنساق المركبة إلى الاتحدد والأنساق التجزيئية، ومن العقانية والوعي إلى السقوط في فخ الاعقانية والاوعي، ومن الرؤية الناقدة إلى السقوط في فخ التحليل التشاؤمي من دون معالجة جذرية وإنتاج الحلول، ومن مجتمع الدولة
الإنسانية إلى الإيغال في تجذير "مجتمع القبيلة الأحادي الرؤية"، وإلى الإيغال في "التشيؤ" والسقوط في "الاغتراب". • يحسب للعقانية أنها هيّأت الأرضية للتنوير بالمنهج والعلمية، ويحسب للتنوير أنه صنع إنسان الحداثة الناقد الذي تمثل ذلك المنهج وتلك العلمية، ويحسب للشكية والريبية بحث الإشكالات التي وقع فيها الفكر الفلسفي والفكر الأدبي، والانشقاق عن النمط بتفكير مخالف. • ويحسب على العقانية وقوعها في الحدية والحتمية، ويحسب على التنوير، وحداثته، أنه أوصل الإنسان إلى حافة "التشيؤ" وأوقعه في "الاغتراب". كما يحسب على ما بعد الحداثة تغولها في الايقين. • اتسمت الجهود النقدية، التي وجهت إلى التنوير والحداثة، بالتنظير وتأسيس المفاهيم في مُساءلة العقل الأداتي، من دون التحول إلى مشروعات فاعلة على أرض الواقع، كما أنها اتسمت بالتشاؤم. • أثبتت نظرية "التحدي والاستجابة"40 قوة التنوير ومشروع الحداثة وصموده في مواجهة الريبية ونقد فاسفة اليسار طوال العقود الثمانية الأولى من القرن العشرين. غير أن التحولات في الفكر الإنساني، نحو النسبية وعدم الاكتمال والايقين، قد أدّى إلى تشظي الرؤية، وتغوّل التشيؤ؛ ما دفع بطرح ما بعد الحداثة إلى الواجهة، لتقرر موت السرديات الكبرى، وتقويض اليقينيات الحدية، وتفكك المركز والثابت.
References
المراجع
العربية
أدورنو، ثيودور وماكس هوركهايمر. جدل التنوير: شذرات فلسفية. ترجمة جورج كتورة. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.2006
إيغلتون، تيري. معنى الحياة. ترجمة عهد علي ديب. دمشق: دار الفرقد للطباعة والنشر، [د. ت.].
بحري، محمد الأمين. البنيوية التكوينية. بيروت: منشورات ضفاف،.2015
بلعقروز، عبد الرزاق. المعرفة والارتياب: المساءلة الارتيابية لقيمة المعرفة عند نيتشه وامتداداتها في الفكر الفلسفي المعاصر. بيروت: منتدى المعارف،.2013
بناني، عز العرب لحكيم. "المعرفة، نحو عقانيات إجرائية". عالم الفكر. مج 14، العدد 154 (تشرين الأول/ أكتوبر – كانون الأول/ ديسمبر.)2012
بوبر، كارل. أسطورة الإطار: في دفاع عن العلم والعقلانية. ترجمة يمنى طريف الخولي. سلسلة عالم المعرفة 292. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2001
بيكون، فرانسيس. الأورجانون الجديد: إرشادات صادقة في تفسير الطبيعة. ترجمة عادل مصطفى. القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع،.2013
تورين، ألان. نقد الحداثة. ترجمة أنور مغيث. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.1997
الخويلدي، زهير. تشريح العقل الغربي: مقابسات فلسفية في النظر والعمل. الجزائر: ابن النديم للنشر والتوزيع؛ بيروت: دار الروافد الثقافية – ناشرون،.2013
ديكارت، رنيه. مقالة الطريقة لحسن قيادة العقل والبحث عن الحقيقة في العلوم. ترجمة جميل صليبا. الجزائر: موفم للنشر،.2007
سبينوزا، باروخ. علم الأخلاق. ترجمة جال الدين سعيد. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، سليماني، الحسان. "جدلية التعالي والمحايثة في الفلسفة الحديثة: نقد اسبينوزا للأصول الأرسطية والأسس الديكارتية للتعالي الإلهي". تبيُّن. العدد 25 (صيف 2018).
فوكو، ميشيل. الكلمات والأشياء. ترجمة مطاع صفدي [وآخرون]. ط 2. بيروت: دار الفارابي،.2013 _______. يجب الدفاع عن المجتمع: دروس ألقيت في "الكوليج دي فرانسُ1976 ". ترجمة الزواوي بغورة. بيروت: دار الطليعة،.2003
كروزيه، موريس [وآخرون]. تاريخ الحضارات العام. ج 5 (القرن الثامن عشر). ترجمة يوسف أسعد داغر وفريد داغر. ط 2. بيروت/ باريس: منشورات عويدات،.1987
كنط، عمانوئيل. نقد العقل المحض. ترجمة موسى وهبة. بيروت: مركز الإنماء القومي،.1990
لالاند، أندريه. موسوعة لالاند الفلسفية. تعريب خليل أحمد خليل. بيروت/ باريس: منشورات عويدات،.2001
ماركوز، هربارت. الإنسان ذو البعد الواحد. ترجمة جورج طرابيشي. ط 3. بيروت: دار الآداب،.1988 موران، إدغار. الفكر والمستقبل: مدخل إلى الفكر المركب. ترجمة أحمد القصوار ومنير الحجوجي. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.2004
نيتشه، فريدريك. إرادة القوة: محاولة لقلب كل القيم. ترجمة محمد الناجي. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.2011
هابرماس، يورغن. "الحداثة – مشروع لم يكتمل". ترجمة فتحي المسكيني. تبيّن. العدد 1 (صيف.)2012
هيجل، فريدريك. العقل في التاريخ. ترجمة إمام عبد الفتاح إمام. ط 3. بيروت: دار التنوير،.2007
الأجنبية
Baldick, Chris. The Concise Dictionary of Literary Terms. Oxford: Oxford University
Press, 1996.
Baudelaire, Charles. The Painter of Modern Life and Other Essays. Jonathan Mayne
(trans.). New York: Phaidon Press, 1965.
Craig, Edward. Routledge Encyclopedia of Philosophy. New York/ London:
The Softback Preview Publisher, 1998.
Kant, Immanuel. Toward Perpetual Peace and Other Writings on Politics, Peace, and
History. David L. Colclasure (trans.). New Haven/ London: Yale University Press, 2006.
Lyotard, Jean–François. The Postmodern Condition: A Report on Knowledge. Geoff
Bennington & Brian Massumi (trans.). Manchester: Manchester University Press, 1984.