مقدمة محرر العدد
Introduction to the Issue
الملخّص
حفزت النقاشات الفلسفية المعاصرة المتجددة حول قضايا الهوية دورية تبين للدراسات الفلسفية والنظريات النقدية لكي تصدر عددًا خاصًا عن "الهوية في عالم متغير"، وذلك إسهامًا منها في وضع العالم العربي في صورة تلك النقاشات، وما يمكن أن تتفاعل معه الثقافة العربية اليوم، لا سيما أن قضية الهويات والانتماءات بمختلف أشكالها تعدّ من الأمور الشاغلة للعالم العربي اليوم، الذي ما زال يعاني تضخمَ مسألة الهوية وما يحيط بها من أوهام وتخيلات اجتماعية.
- الهوية
- الفلسفة
- العالم العربي
- Identity
- Arab Countries
- Philosophy
شهد مفهوم الهوية تغيراتٍ كبيرةً في العقود القليلة الماضية. وإذا كان تاريخه القريب يشير إلى ارتباطه بالعنف والحروب، دون أن ننسى تشابكه الوثيق مع القوميات والأديان والطائفية، فإنّ الفلسفة والعلوم الإنسانية المعاصرة قدمت نقدًا جذريًا لهذا المفهوم التقليدي، وأعادت تأويل دلالاته ومعانيه على نحوٍ واسع. وتتركز اتهامات تلك الدراسات للهوية على أنها أكبر قاتل في التاريخ كما يصفها المفكر الهندي الحائز جائزة نوبل للاقتصاد أمارتيا سن، وأهم أدوات السيطرة التي تملكها الدول للهيمنة على المجتمعات بحسب إدغار موران، وأنها تخفي المصادر السياسية والاقتصادية والاجتماعية لحقيقة المشكلات المطروحة وتزيدها غموضًا كما يرى عزمي بشارة، وأنها أكبر مغذٍّ لصراع الثقافات في تقدير داريوش شايغان، مثلما يتهمها تشارلز تايلر بأنها كثيرًا ما تعرقل الاندماج داخل المجتمعات المتعددة الثقافات. وقد حفزت هذه النقاشات الفلسفية المعاصرة المتجددة حول قضايا الهوية دورية تبين للدراسات الفلسفية والنظريات النقدية لكي تصدر عددًا خاصًا عن "الهوية في عالم متغير"، وذلك إسهامًا منها في وضع العالم العربي في صورة تلك النقاشات، وما يمكن أن تتفاعل معه الثقافة العربية اليوم، لا سيما أن قضية الهويات والانتماءات بمختلف أشكالها تعدّ من الأمور الشاغلة للعالم العربي اليوم، الذي ما زال يعاني تضخمَ مسألة الهوية وما يحيط بها من أوهام وتخيلات اجتماعية. حاولت التحليلات الفلسفية التي تناولت مفهوم الهوية أن تؤسس له بوصفه مفهومًا يساعد على التخفيف من العنف العالمي، بغية مساعدة الشعوب على التفاهم، وتحويل الصراعات الثقافية إلى تثاقف، وتحليل المصادر الحقيقية للطائفية، وتوظيفات الهوية في عالم السياسة، فظهرت مفاهيم جديدة من قبيل: الهوية المركبة، والهوية الهجينة، والهوية الثقافية، والتي بينت أن الإنسان يمكن أن ينتمي إلى أكثر من هوية ويركب بينها، فالهوية يمكن أن تكون في الوقت نفسه فردية وجماعية، دينية وقومية، وطنية ومناطقية، ثقافية وسياسية، قومية وإنسانية، من دون أن يعني ذلك أن ليس لتلك التركيبات
تعقيداتها ومحاذيرها، فالنزعة الإنسانية التي تقف وراء تلك الهويات المركبة لم تمنع الفلاسفة من رؤية تشابكات وتعقيدات مثل تلك الطروحات. لم يفقد موضوع الهوية قيمته في العالم العربي نظرًا إلى البنية التقليدية التي تتشكل منها مجتمعاته، وعودة الهويات الطائفية والإثنية في خضم التحولات التي يمر بها عدد من البلدان العربية هذه الأيام. وهو لم يفقد أهميته في العالم الغربي أيضًا، بسبب مشكلات الاندماج من جهة، وعودة الدين للحضور في المجتمعات ما بعد الحداثية من جهة أخرى، على الرغم من أننا نعيش زمن العولمة. بل إن هناك من يلاحظ تغيرات في هويات البشر حتى بسبب جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19–) التي عصفت بالعالم خلال العامين المنصرمين، من دون أن ننسى أنّ موضوع الهوية ما زال حاضرًا في الدول الآسيوية (الهند والصين وإيران، وأفغانستان، وغيرها) مثلما تشي بذلك كتابات مفكّري تلك المجتمعات. تتحدث النقاشات العالمية والعربية حول الهوية عن "أزمة الهوية"، و"الهوية السائلة"، و"أوهام الهوية"، و"إحراجات الهوية"... إلخ. وهي كتابات تحاول أن تعالج أوضاع الهويات في العالم المعاصر. والملف الذي أعددناه هنا يعمل في هذا السياق، عبر مجموعة من البحوث تتناول بالتحليل الفلسفي والنقدي موضوع الهوية، سواء في العالم الغربي أو العربي أو الآسيوي. فقد راكمت الفلسفة المعاصرة منجزًا حيويًا حول مفهوم الهوية يستحق الاهتمام والدراسة. لا أدل على ذلك من أسئلة كثيرة توقفت عندها بحوث العدد بالتحليل والتفكّر: هل من سبيل لتحكم الإنسان في هويته بدلً من أن تتحكم فيه؟ بمعنى آخر هل الهوية كائن موضوعي أم خاضع لأحكام البشر؟ ولماذا كانت الهوية أكبر قاتل في التاريخ؟ وما الأخطار التي تجلبها "الهويات المغلقة"؟ ثم هل هوية الفرد هي ما يشعر به الشخص تجاه نفسه أم ما يراه الآخرون موجودًا فيه؟ وهل الفرد خاضع في هويته لتعريف الآخرين لها؟ ولماذا تلجأ كل الأطراف إلى تكوين هوية للخصم؟ ثم هل من الضروري أن يكون لكل حضارة هوية؟ وهل من الحتمي أن تتصارع الحضارات كما يجادل صامويل هنتنغتون؟ وكيف تكون العلاقة بين الهوية الفردية والهوية الجماعية؟ وما دور الخيال الاجتماعي في صناعة الهويات؟ وكيف توظف الهويات في عالم السياسة؟ وبطبيعة الحال لا تخص هذه المسائل مجتمعات محددة أو ثقافات دون غيرها، بل إنها باتت كونية مع وجود خصوصيات لكل منطقة من هذا الكون. وفي المقابل، هل يمكن أن يعيش الإنسان من دون هوية؟ وهل يمكن أن تتحول الهوية إلى صانع للسلام بعد أن كانت صانعًا للحروب، ومولّدًا للعنف والعنصريات والتعصب؟ وهل يمكن الإنسان بالفعل أن يتبنى عدة هويات قومية ووطنية ودينية ولغوية وثقافية وحزبية في الوقت ذاته، كما تجادل فلسفات ما بعد الحداثة، حتى يمكن أن يحمل أربعين هوية، في الوقت نفسه، كما يجادل افتراضيًا داريوش شايغان؟ يضمّ هذا الملف الخاص من دورية تبينعددًا من البحوث والترجمات ومراجعات الكتب تطرح وجهات نظر مختلفة حول مفهوم الهوية وتشابكاته. وقد حاولنا، قدر الإمكان، أن تكون البحوث عن
مناطق متعددة من العالم ولم تقتصر على العالم الغربي فحسب، فهناك بحوث تتناول إشكالات الهوية في العالم العربي، وهناك بحوث عن مفكرين هنود وإيرانيين. وهي مناسبة كي يلتفت الفكر العربي المعاصر قليلً للفلسفة السياسية المعاصرة في عوالم قد تكون أقرب إليه من العالم الغربي. دخلت مشاكل الهوية حياة البشر إلى درجة أنها تحوّلت إلى جزء شبه ماهوي من الفرد. فالتفكير الفلسفي في الهوية اليوم أصبح يربط الهوية بالكرامة والاعتراف، حتى إن أكسل هونيث يجادل بأن لا شعور بالهوية عند من يتعرض للذلّ والتحقير، لأن الهوية اليوم جزء أساسي من تقديرنا لذاتنا وحقوقنا السياسية والقانونية. يقلّب عزمي بشارة في بحثه "تأملات في مسألة الهوية" مفهوم الهوية ضمن السياق الفلسفي والاجتماعي والأنثروبولوجي والنفسي والمنطقي بغية تبيّن دلالاته المتعددة وتوضيح أسباب تضخّمه، عربيًا وعالميًا. ينشغل بشارة أيضًا بتحليل التباسات تداخل مفهوم الهوية مع مفاهيم أخرى كالشخصية الحضارية، والطائفية السياسية، والإيمان الديني والمظلوميات؛ لما لهذه القضايا من حضور طاغٍ على الساحة العربية اليوم. مثلما حاول بحثه التأسيس لنقاش فلسفي حول علاقة الهوية بالكرامة، وتبيان التداخل بين الهوية الفردية والهوية الجماعية، والنظر فيما إذا كانت هناك صلة بين الهوية والأخلاق، من دون أن ينسى العودة إلى نقاشه المتجدد حول قضايا الهوية العربية وتداخلاتها مع مسألة المواطنة. كما لا يخفي بشارة تحفّظه على بعض القضايا التي تضخمت كثيرًا في العقود القليلة الماضية في السياق العربي، ومنها الجدل بين الأصالة والحداثة، وتأثير العولمة في الهوية، والخوف من التناحر بين الهويات الوطنية والقومية أو بين الهوية القومية والدينية، ليبين لنا في نهاية بحثه أن النقاشات الفلسفية والسياسية لمشكلات عربية، من خلال مفهوم الهوية، أمر لا يخلو من بعض المخاطر لأنه يخفي مصادر تلك المشكلات. أما بحث الزواوي بغورة فإنه يتناول "خطاب الهوية" في الفلسفة الفرنسية المعاصرة من خلال مناقشة مسألة الهوية عند الفيلسوف الفرنسي فانسان ديكومب. ويحلل مفهوم الهوية في السياق الفرنسي المعروف بتركيزه على "الذات" منذ أيام رينيه ديكارت، ثم تذويبها على يد البنيوية، وانتهاء بتفكيكها على يد جاك دريدا، لينتهي تحليل ديكومب للهوية الذاتية إلى أن الذات عينها تتصف أيضًا بالتعدد والتنوع والتوليف والتركيب. ويبين بغورة في بحثه أن مصدر الهوية المعاصرة عند ديكومب هو الهوية المرضية، أو اضطرابات الهوية النابعة من مآسي التاريخ، ومن الهجرة، والتغيّرات الاجتماعية، وخاصة عند الانتقال من نظام معياري إلى نظام آخر. ويناقش كمال بومنير موضوع "الاعتراف وسؤال الهوية عند أكسل هونيث"، من حيث إن الهوية تنشأ عند هونيث من عمليات التفاعل التذاوتي التي تحدث بين الفرد والآخرين، وما يتضمنه هذا التفاعل من أشكال التفاعل الاجتماعي والثقافي والرمزي، وبخاصة الحب والحق والتضامن، حيث يكتسب الفرد وعيه بذاته وهويته، وكيفية تحقيقها من خلال اعتراف الآخرين. ولذلك لا يرى هونيث أيّ إمكانية لتحقيق هويتنا في ظل أشكال من نكران الاعتراف والاحتقار والإذلال، الأمر الذي دفعه إلى بناء نموذج
للهوية قائم على الاعتراف، الذي يتضمن الاعتراف عن طريق الحب (العاطفة) والحق (القانون) والتضامن (التقدير الاجتماعي)، لينتهي إلى أن الفرد غير المعترف به لا يمكن أن يكون لديه شعور بالهوية الفردية. ويذهب بنا سري نسيبة إلى أمارتيا سن ومجادلته بأن الأشخاص هم من عليهم أن يتحكموا في هويّاتهم بدلً من ترك الهويّات تتحكم فيهم، وإلا ستتحول الهوية إلى قاتل مأجور يعانيه الجميع. ويتوقف نسيبة مطولً عند إمكانية ذلك من الناحية الفلسفية، وعلى أيّ نحو يجري، لأن الهوية في النهاية أمر مركب وقد تكون ضمن تكوين الذات، من دون أن ينسى البحث مناقشة سؤال ما إذا كان العنف هو الذي يولد العنصرية أم أن العنصرية هي من يولد العنف. ويناقش حجاج أبو جبر مسألة هل من مكان للهوية في عالم معولم، عبر استكشاف "الهوية السائلة" عند زيغمونت باومان. وتجري المناقشة في سياق تحولات الحداثة الغربية التي تذهب إلى أن الهوية مهمة فردية تتشكل اجتماعيًّا، وتحظى بفرصة كبيرة من النجاح والاستقرار والصلابة بفضل ثقة ثلاثية: الثقة بالنفس، والثقة بالآخرين، والثقة بالمؤسسات الجمعية. هذه الثقة التي تزعزعت بسبب إنتاج الحداثة المفرط للوسائل التي تفيض عن الحاجات، وتراجع العلاقات الاجتماعية إلى مستويات قياسية. كما يتوقف البحث مطولً عند القضية الأساسية في فلسفة باومان وهي أنّ تأرجح الهوية، في النهاية، ليس أكثر من صراع دائم بين الرغبة في الحرية والحاجة إلى الأمن. ويتوقف أبو جبر عند قضية عودة الهويات إلى عالم اليوم من خلال مناقشة نقد تشارلز تايلر للحداثة وعلمانيتها. فقد تبين لتايلر أن الاستقطاب الديني العلماني لا يعبّر عن حقيقة ما حصل في التاريخ لأن العلمانية لم تقم على الضد من الدين كما تقول السردية الأكثر تداولً عن العلمانية، ولعل هذا ما يفسر من وجهة نظر تايلر عودة الأديان إلى المجال العام من جديد؛ الأمر الذي يستدعي ضرورة طرح إعادة التفكير في العلمانية من جديد للحدّ من تطرفها، بوصفه خطأ ارتكبته الحداثة. أما مايكل مدحت فيتوقف عند المقاربة النسوية لفكرة الهوية عند الفيلسوفة الأميركية مارثا نوسباوم، ولا سيما ما لاحظته من تناقض بين النظر إلى الهوية باعتبارها ما يجمع الذات مع الآخرين ويجعلهم موضوعًا للاشتراك في معايير واحدة، وبين ما يعبّر عن تفرّد الذات وتحوّلها في بعض الأحيان إلى موضوع للرفض والإقصاء، بل تحوّلها أيضًا موضوعًا للعنف وفقًا لتعارضها مع معايير الجماعة. كما يناقش مدحت فكرة الهوية التي تطرحها نوسباوم عبر ربطها بفكرتَي الكرامة والمساواة بين البشر. أما في قسم الترجمة فقد تضمّن العدد ترجمة لنصّين فلسفيَين حول الهوية، الأول بعنوان "الهوية وإحراجاتها – من الهوية الشخصية إلى الاعتراف الاجتماعي" للفيلسوف الفرنسي ديفيد سبارتي وترجمة الزواوي بغورة، والنص يُعدّ من كلاسيكيات النقاشات الفلسفية حول مفهوم الهوية. والنص الثاني كان عن "الهوية في زمن الكورونا المضطرب: الأدائية والأزمة والتنقل والأخلاق" * للفيلسوف الأميركي روب كوفر وترجمة حجاج أبو جبر. ويبين فيه كوفر كيف أظهرت جائحة الكورونا هشاشة
حياة البشر، وأثرت في أخلاقهم وتصوراتهم عن الليبرالية والأجساد والعلاقات الاجتماعية ومصيرهم المشترك.وفي قسم المراجعات النقدية اخترنا مراجعة لكتابين، الأول كتاب هوية بأربعين وجهًا لداريوش شايغان، ومراجعة كمال طيرشي، والذي يركز فيه المؤلف على ما يدركه الشرق حول نفسه في علاقته بالغرب، والسياق السجالي الراهن حول الحضارة الكونية، والتأثير البالغ للتقنية في ثقافتنا وفكرنا وديننا وهويتنا. أما الكتاب الثاني فهو الهوية: مطلب الكرامة وسياسات الضغينة لفرانسيس فوكوياما مراجعة عبد الله الجسمي، والذي يتناول فيه المؤلف أثر أزمة الرأسمالية الغربية في مفهوم الهوية المعاصرة. ونودّ أن نشير إلى أنّ مواد هذا العدد ما هي إلا فاتحة رائدة نسعى من خلالها إلى تمهيد السبيل وتحفيز مزيد من الباحثين والمهتمين من أهل الاختصاص على طرق أبواب هذا الموضوع المهمّ والراهني، ودراسة قضاياه المتشعبة والمعقدة، ولا ندّعي في هذا العدد أننا أحطنا بكلّ المناحي ذات الصلة بموضوع الهوية، إذ هناك مواضيع أخرى مثل: الهوية وصراعاتها في المشرق العربي، والهوية والطائفية، والهوية العربية وآفاقها المستقبلية، وغيرها من المواضيع، لا تزال في انتظار كشف دورها في التعامل مع مثل هذه القضايا المطروقة، والتي سندرسها في أعداد قادمة. في النهاية، تتوجّه دورية تبينبالشكر والامتنان لكل من ساهم في هذا العدد وسهّل صدوره وترجو أن يلقى الاهتمام الذي تسعى إليه المجلة. فموضوع الهوية يبقى من الموضوعات الساخنة، خاصة في المشرق العربي، وما مواد العدد سوى إسهام بسيط منها للتأسيس ل "ثقافة الهوية"، هذه الثقافة التي تعاني غموضًا كبيرًا، وسيطرة أوهام وتخيلات تهوّل من مفهوم الهوية وتحمّله بحمولات زائدة لا طاقة له بها.