الاعتراف وسؤال الهوية عند أكسل هونيث
Axel Honneth on Recognition and Identity
الملخّص
الغرض من هذا البحث دراسة العلاقة بين مفهومَي الاعتراف والهوية عند أكسل هونيث. لقد عمل هذا الأخير في كتابه الأساسي الموسوم ﺑ الصراع من أجل الاعتراف على إعادة بناء التجربة الاجتماعية والثقافية والسياسية انطلاقًا من أشكال الاعتراف التذاوتي، التي يعتبرها مؤسِّسة للهوية الشخصية. وذلك حتى تحقق الذاتُ وجودها. ومن أجل تحقيق هذا المطلب، أعاد هونيث إدماج مختلف أشكال الصراعات الاجـتماعية، وأنماط التجارب الأخلاقية المعيشة، ضمن ما يسمى بـ "النموذج المعياري" للاعتراف المتبادل. غير أنّ عملية تكوين الهوية أمر يتوقف على عمليات التفاعل التذاوتي التي تجري بين الفرد والآخرين، وما يتضمنه هذا التفاعل من أشكال أو نماذج للتفاعل الاجتماعي والثقافي والرمزي، وبخاصة الحب والحق والتضامن، حيث يكتسب الفردُ وعيه بذاته وهويته، وكيفية تحقيقها من خلال اعتراف الآخرين. لهذا السبب يفترض التذاوت دائمًا تجربة الآخر. ومن هنا، لا يمكن تحقيق ذواتنا وهويتنا، من وجهة نظر هونيث، إلا من خلال تجاوز مختلف أشكال نكران الاعتراف والاحتقار والإذلال واللامرئية الاجتماعية، التي تهدّد هويتنا.
Abstract
Abstract: The purpose of this paper is to examine the relationship between recognition and identity in the work of Axel Honneth. In his seminal work, The Struggle for Recognition , Honneth sought to reconstruct social, cultural and political experience on the foundation of the forms of self–recognition that he considered formative of personal identity, working up to the self–realization of its existence. In order to achieve this, Honneth reintegrated various forms of social conflicts and patterns of moral experiences into the so–called standard model of mutual recognition. However, the process of identity formation depends on the tacit interactions between the individual and others, and the forms or models of social, cultural and symbolic interaction involved, particularly love, right and solidarity, where the individual acquires his or her own awareness and identity, and how it is achieved through the recognition of others. This is why it is always supposed to be the other’s experience. Hence, from Honneth’s point of view, our selves and identity can only be achieved by overcoming the various forms of denial of recognition, contempt, humiliation and social invisibleness that threaten our identity.
- الاعتراف
- الهوية
- التذاوت
- الاحتقار
- اللامرئية
- Recognition
- Identity
- Intersubjectivity
- Invisibility
- Humiliation
هونيث. لقد عمل هذا الأخير في كتابه الأساسي الموسوم ﺑالصراع من أجل الاعتراف على إعادة
بناء التجربة الاجتماعية والثقافية والسياسية انطلاقًا من أشكال الاعتراف التذاوتي، التي يعتبرها
مؤسِّسة للهوية الشخصية، وذلك حتى تحقق الذاتُ وجودها. ومن أجل تحقيق هذا المطلب،
أعاد هونيث إدماج مختلف أشكال الصراعات الاجتماعية، وأنماط التجارب الأخلاقية المعيشة،
ضمن ما يسمى ب "النموذج المعياري" للاعتراف المتبادل. غير أنّ عملية تكوين الهوية أمر يتوقف
على عمليات التفاعل التذاوتي التي تجري بين الفرد والآخرين، وما يتضمنه هذا التفاعل من
أشكال أو نماذج للتفاعل الاجتماعي والثقافي والرمزي، وبخاصة الحب والحق والتضامن، حيث
يكتسب الفردُ وعيه بذاته وهويته، وكيفية تحقيقها من خلال اعتراف الآخرين. لهذا السبب يفترض
التذاوت دائمًا تجربة الآخر. ومن هنا، لا يمكن تحقيق ذواتنا وهويتنا، من وجهة نظر هونيث،
إلا من خلال تجاوز مختلف أشكال نكران الاعتراف والاحتقار والإذلال واللامرئية الاجتماعية،
التي تهدّد هويتنا.
مقدمة
لا جدال في أنّ كتابات أكسل هونيث تُعتبر إضافة جديدة في الصرح الفكري لمدرسة فرانكفورت النقدية، وللفكر الفلسفي الاجتماعي والسياسي والأخلاقي المعاصر، بعدما قام بتأسيس فلسفته الاجتماعية الجديدة على جملة من المفاهيم الأساسية، وعلى رأسها مفهوم الاعتراف reconnaissance La الذي يحتل موقعًا مركزيًا في أعماله الفلسفية، ضمن سياق بلورة نظرية نقدية
جديدة، وبخاصة بعد قيامه بمراجعة نقدية عميقة للنظرية النقدية لدى ممثليها من الجيل الأول؛ ماكس هوركهايمر Horkheimer Max (1973–1895)، وثيودور أدورنو Adorno Theodor (1969–1903)، ثم لدى الجيل الثاني، يورغن هابرماس Habermas Jürgen، من أجل سدّ مكامن النقص التي خلّفتها. ضمن هذا السياق، من المفيد أن نشير إلى أنّ هونيث قد عمل على بناء نظريته في الاعتراف على خطى النظرية النقدية نفسها، التي استفاد كثيرًا من أعمالها وأطروحاتها، وخاصة أعمال هابرماس،
بقصد تأسيس مقاربة جديدة داخل التيار الفلسفي النقدي لمدرسة فرانكفورت، في الوقت الذي ازداد فيه الاهتمام الفلسفي والاجتماعي والسياسي اليوم في العالم الغربي بمسألة الاعتراف وبمختلف القضايا والإشكالات المرتبطة بهذا المفهوم. ويتفق العديد من الباحثين المختصين في الحقل الفلسفي السياسي الغربي المعاصر على اعتبار مفهوم الاعتراف من أهم المفاهيم التي عرفها الفكر الفلسفي الاجتماعي والسياسي في السنوات العشر الأخيرة. ولعل المكانة المركزية لهذا المفهوم تكمن في كونه قدّم إطارًا فكريًّا وجهازًا مفاهيميًا جديدًا، يمكن أن يكون أساس مقاربة وتحليل لكبريات المسائل
والقضايا والمعضلات السياسية والاجتماعية والأخلاقية المطروحة بحدّة، في السنوات الأخيرة في عالمنا المعاصر.
أولا: المقاربة الهونيثية لمسألة الهوية
لقد استعار هونيث من هيغل الشاب فكرة الاعتراف، غير أنه قام بتحيينها بالاعتماد على أعمال جورج هربرت ميد Mead Herbert Georges (1931–1863)، ودونالد وينيكوت Winnicott Donald (1971–1896)؛ لأنّ هذه الأعمال "تقدم في أيامنا الأداة الأنسب لإعادة بناء حدوسات هيغل الشاب حول دور البينذاتية في إطار نظري ما بعد ميتافيزيقي"، وذلك بقصد الوصول إلى فهم أعمق لبنية العلاقات الاجتماعية والسلوكيات الإنسانية، وكيفية تنظيمها في إطار ما يسمى ﺑ "الاعتراف المتبادل" mutuelle Reconnaissance. غير أنّ أكسل هونيث لم يكتف بإيجاد صلة بين الاندماج الاجتماعي والاعتراف المتبادل في إطار التفاعل الذي يجري بين الذوات، بل تطرق أيضًا إلى دراسة علاقات الصراع الدائم من أجل الاعتراف، لأنّ وعي الذات بهويتها يتوقف على تجربة الاعتراف الاجتماعي. ومن هذا المنطلق ارتبطت نظرية الاعتراف عند أكسل هونيث بمفهوم الهوية الشخصية Identité
(((أكسل هونيث، الصراع من أجل الاعتراف: القواعد الأخلاقية للمآزم الاجتماعية، ترجمة جورج كتورة (بيروت: المكتبة الشرقية، 2016)، ص.131
(2) Axel Honneth, "Grounding recognition. A rejoinder to critical questions," Inquiry , vol. 45, no. 4 (2002), p. 517. (3) Monique Canto Sperber, Dictionnaire d’éthique et de philosophie morale (Paris: PUF, 1996), p. 1273.
personnelle الذي طوره جورج هربرت ميد في كتابه الموسوم ﺑ العقل والذات والمجتمع (1934)، ضمن مفهوم التذاوت؛ لأنّ تشكيل هذه الهوية يكون عنده في ظل شروط الاعتراف التذاوتي والتوافق مع الذات. والحق أنّ هذا التفرّد الذي يجري ضمن التنشئة الاجتماعية، يعني عنده استقرار الهوية في
علاقات الاعتراف المتبادل، ومن هنا حاجة كل واحد منا إلى اعتراف الآخر، مع إمكانية التعرض، في الوقت نفسه، لنكران هذا الاعتراف أيضًا. في هذا السياق، إنّ تفسير تكوين هوية الفرد مرتبط، كما هو معلومٌ، بآليات تطور الذات، ومتوقفٌ على المنظور المعياري للذوات الأخرى المشاركة لها في الحياة
الاجتماعية، والتي تتقاسم معها القيم والمعايير الاجتماعية والأخلاقية. وبناءً على ذلك، وسّع ميد
الإطارَ المرجعي الذي ارتكز عليه لمقاربة هوية الفرد، وبيان آليات تشكّلها ضمن التفاعل الاجتماعي والتذاوت الذي يجري داخل شبكة العلاقات الاجتماعية. لهذا السبب يرى ميد أنه كلما وُسِّعَت دائرة المشاركين لها (أي الذات) في عملية التفاعل، جرَت عملية دمج النشاطات أو الفعاليات الأكثر
عمومية في حقل تجربة الفرد المنخرط في هذه الكلية، وهذا ما يشكّل القاعدة الأساسية والشرط الضروري للنموّ الكامل للذات، مما يسمح بتشكّل هويتها، وخصوصًا عندما يتوقف تحقيق الذات على اتخاذ مواقف الآخرين المشاركين لها في الحياة الاجتماعية من خلال تمثّلها للمعايير الاجتماعية لفعل "الآخر المعمّم" généralisé Autrui. ونشير في هذا السياق إلى أنّ الذات "قد تعي قيمتها وتعيش تجربة الاعتراف من خلال تفاعلها مع الآخرين. غير أنها قد تمر أيضًا بتجربة نكران الاعتراف أو الاحتقار الاجتماعي. وفي هذا المضمار، تفترض العلاقة التذاوتية، التي تشكلت في إطار نظرية الاعتراف، توسيع مفهوم التفاعل الذي لا يتأسس فقط على نظرية اللغة. غير أنه أدمج عناصر مثل الجسد والتطلعات الأخلاقية للاعتراف التي تم اكتسابها أثناء عملية التنشئة الاجتماعية. وهكذا استطاع هونيث توسيع إطار تحليل هابرماس، الذي اكتفى بالإجراءات والإمكانيات التواصلية، ليشمل الشروط التذاوتية للاعتراف". يرى هونيث أنّ تحقيق الذات في الحياة الاجتماعية لا يمكن أن يجري إلا "ضمن شروط الاعتراف التذاوتي. وهذا ما سيؤدي في آخر المطاف إلى استقرار الهوية، نظرًا لحاجة الذات
لاعتراف الآخر". ولا مناص من القول إنّه لا يمكن، وفقًا لهونيث، بناء هوية الفرد إلا من خلال الاعتراف المتبادل الذي يكون عبر ثلاثة أشكال أو نماذج للاعتراف. ولعل من المناسب أن نلاحظ، هنا، أنّ الذات تتبنى، في سياق بناء وتكوين هويتها، منظور "الآخر ذي الدلالة" significatif Autrui
(4) Estelle Ferrarese, "Que ce qu’une lutte pour la reconnaissance. Reflexions sur l’antagonisme dans les théories contemporaines de la reconnaissance," Revue Politiques et Sociétés , vol. 28, no. 3 (2009), p. 101. (5) Georges Herbert Mead, L’esprit, le soi et la société , Daniel Cefaï & Louis Quéré (trans.) (Paris: Presses Universitaires De France, 2006), p. 230. (6) Ibid., p. 224. (7) Olivier Voirol, "L’espace public et les luttes pour la reconnaissance. De Habermas à Honneth," in: C. Barril et al., Le public en action: Usages et limites de la notion d’espace public en sciences sociales (Paris: L’Harmattan, 2003), p. 114. (8) Estelle Ferrarese, "Performativité, pouvoir, vulnérabilité. À propos de quelques immanquables corrélats de l’idée de reconnaissance," in: Christian Lazzeri & Alain Caillé, La reconnaissance aujourd’hui (Paris: CNRS éditions, 2009), p. 303.
(الذي يتكون من أفراد، وبخاصة من الوالدين والأقارب والأصدقاء الذين تتفاعل معهم هذه الذات)، ثم تتبنى تدريجيًا منظور "الآخر المعمّم" الذي يمثل جملة القواعد والمعايير الاجتماعية التي يستبطنها
الأفراد من خلال تفاعلهم الاجتماعي. وفي هذا السياق، أشار هونيث إلى أنّ غياب هذا المنظور بالنسبة إلى الذات يؤدي حتمًا إلى ما يسمى ﺑ "اللامرئية الاجتماعية" sociale Invisibilité التي تعانيها
الذات عندما لا يُعترف بمكانتها وهويتها، رغم حضورها الفعلي في عمليات التفاعل الاجتماعي.
ثانيًا: النماذج الثلاثة للاعتراف وبناء الهوية
يعتبر هونيث أنّ الاعتراف المتبادل كفيل بوضع حد للصراعات الاجتماعية القائمة على السيطرة والهيمنة والظلم الاجتماعي؛ لأنّ الأفراد يحققون ذواتهم واستقلالهم الذاتي عن طريق التذاوت والتفاعل الإيجابي مع الغير. ولا بد من الإشارة إلى أنّ هذه الصراعات الاجتماعية لا تحركها مصالح مادية فقط، بل هي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالأبعاد المعيارية، وبالتطلعات التي تهدف إلى تحقيق مطلب الاعتراف، كما أشرنا إلى ذلك، وعلى هذا الأساس كان الاعتراف المتبادل مطلبًا إنسانيًا
ضروريًّا في حياة الناس. ولكن مع ذلك؛ فإنّ هذا المطلب لن يتحقق، بحسب هونيث، إلا ضمن العلاقات الاجتماعية التذاوتية، وهي علاقات تتوقف على تحقيق ثلاثة نماذج أو أشكال معيارية متميزة للاعتراف هي: الحب L’amour، والحق droit Le، والتضامن solidarité La.
1. النموذج الأول: الاعتراف وبناء الهوية عن طريق الحب
إنّ عملية تكوين الذات، وفقًا لهونيث، أمر يتوقف على ما يسميه بالتفاعل الاجتماعي التذاوتي. فمن خلال هذا التفاعل الذي يجري بين الفرد والآخرين، وما يتضمنه من علاقات مع الآخرين تكتسب الذاتُ وعيها بذاتها وبهويتها، وبصفة عامة يرى هونيث أنّ "الذوات لا تستطيع التوصّل لإقامة علاقة
عملية بينها إلا إذا تعلمت كيف تتفاهم، انطلاقًا من منظور معياري لدى شركائها في التفاعل الذين يواجهونها بعدد من المتطلبات الاجتماعية. إلا أنّ هذه المقدمات العامة لا توفر مبدأ تفسير إلا بعد أن نُدخل عليها عنصرًا ديناميًا: يقوم الأمر المتجذر في سيرورة الحياة الاجتماعية بعمله بوصفه إلزامًا
معياريًا يدفع الأفراد لتوسيع مضمون الاعتراف باطراد". لهذا، إنّ الاعتراف المتبادل كفيل بوضع حد للصراعات الاجتماعية القائمة على السيطرة والهيمنة والظلم الاجتماعي، ومختلف أشكال الاحتقار التي يتعرض لها الأفراد أثناء تفاعلهم مع الآخرين. وبناءً على ذلك، يُعتبر الحب علاقة تفاعلية أوليّة
مؤسسة على نموذج خاص للاعتراف المتبادل، وهذا يعني أنّ هناك علاقة متداخلة بين العلاقات
(9) Louis Carré, Axel Honneth. Le droit à la reconnaissance (Paris: Les éditions Michalon, 2013), p. 46. (10) Emmanuel Renault, "Assumer l’héritage de la théorie critique: Sauver Marx par la reconnaissance," in: Lazzeri & Caillé, p. 65. (11) Axel Honneth, "Le tissu de la justice. Sur les limites du procéduralisme contemporain," in: Axel Honneth, Ce que social veut dire. II Les pathologies de la raison , Pierre Rusch (trans.) (Paris: Editions Gallimard, 2013), p. 301. (12) Sperber, p. 1274.
((1(هونيث، ص.172
العاطفية وقدرة الفرد على الشعور بقيمته أو مكانته التي تجعله يثق بنفسه ويدرك هويته، ومن هنا يمكن أن يصل من الناحية الاجتماعية إلى الثقة بذاته، لأنّ "علاقات الحب هنا تنطوي على غرار العلاقات الإيروسية، وعلاقات الصداقة والعلاقات العائلية تفترض وجود روابط عاطفية قوية بين عدد محدود من الأشخاص". وتعتبر علاقة الطفل بأمه أولى مستويات الاعتراف المتبادل، وذلك لأن الصورة الأولى لهذا الاعتراف تجري عن طريق التفاعل الأولي القائم بين الأم وابنها، بحيث إن الأم هي التي تقوم بتلبية حاجاته البيولوجية والعاطفية، بل تمثل أيضًا نموذج الاعتراف المتبادل أو "التذاوت الأولي". وفضلً عن ذلك، فإنّ التجربة التذاوتية للحب، تسمح للفرد، بحسب هونيث، بالشعور بما يسمى ﺑ "الأمن العاطفي" الذي يتعرّف من خلاله إلى قيمة أحاسيسه وعواطفه ومشاعره، بل يتسنى له إظهارها للآخرين
الذين يتفاعل معهم في محيطه الاجتماعي. هنا، يعتقد هونيث أنّ العلاقة الإيجابية التي يمكن أن يتخذها المرء تجاه ذاته، تتحدد على وجه الخصوص في "الثقة بالنفس"، التي تعتبر نوعًا من الضمان الوجداني غير المنفصل عن الحاجات والرغبات البدنية والنفسية لكل فرد حينما يتفاعل مع الآخرين؛ بغية تحقيق الاعتراف المتبادل. غير أنّ اتساع هذا النمط من الاعتراف لا يمكن أن يصل إلى أبعد من دائرة العلاقات الاجتماعية الأولية، بالصورة التي تتميز بها الروابط العاطفية الخاصة بالأطر العائلية أو علاقات الصداقة أو المحبة الموجودة بين الناس. من هنا، لا بد من التأكيد على أنّ الحب علاقة تفاعلية مؤسسة على نموذج خاص من الاعتراف المتبادل، لأنه شكل من أشكال الاعتراف المؤسَّس على علاقة عاطفية تؤكد اكتساب الفرد حاجات وعواطف طبيعية تسمح له بالشعور بالثقة بنفسه. علاوة على ذلك، فإنّ تكوين هوية الفرد من الناحية النفسية أمر يتوقف أيضًا على التحولّات التي تحدث
في بنية الهيئة التفاعلية، لا التحولّات التي تظهر من خلال التنظيم الشخصي لدوافعه، علمًا أنّ "العناية
التي بواسطتها تجعل الأم رضيعها على قيد الحياة، ليست عناية تضاف إلى سلوك الطفل كما لو كانت جهازًا خارجيًا، بل على العكس هي عناية تمتزج بالسلوك بشكل حميم، حتى إننا نستطيع من دون
مواربة أن نجعل بدء كل حياة إنسانية مرتبطًا بمرحلة من التذاوت الذي لا تمايز فيه، أي إنها مرحلة من التعايش". لهذا السبب، يلاحظ أنه عندما يتحقق الطفل من حب أمه، يكتسب الثقة بنفسه وبتشكل هويته، لأنّ التفاعل الإيجابي بين الأم وابنها يجري على مستوى الأحاسيس والعواطف والمشاعر التي ستؤهل الطفل إلى تحقيق الثقة بنفسه، ومن ثمّ يشعر بهويته، ويستطيع التفاعل إيجابيًا مع الغير.
ولا بد من التأكيد على أنّ التجربة التذاوتية للحب، تسمح للفرد بالشعور بالأمن العاطفي، وبخاصة
((1(المرجع نفسه، ص.175
(15) Axel Honneth, Le droit à la liberté. Esquisse d’une éthicité démocratique , Frédéric Joly & Pierre Rusch (trans.) (Paris: Editions Gallimard, 2015), p. 234. (16) Maiwenn Roudaut, Tolérance et reconnaissance en débat. Des lumières allemandes à l’école de Francfort (Pessac: Presses universitaires de Bordeaux, 2015), p. 228.
((1(هونيث، ص.181
(18) Axel Honneth, "Le travail de la négativité. Une révision psychanalytique de la théorie de la reconnaissance," in: Axel Honneth, Un monde de déchirement. Théorie critique, psychanalyse, sociologie , Pierre Rusch & Olivier Voirol (trans.) (Paris: Editions La Découverte, 2013), p. 235.
عندما يصبح في قدرته إظهار حاجاته ومشاعره وأحاسيسه الذاتية. لذا، يمكن أن نعتبر الحب أشبه بالنواة البنيوية لكل الحياة الأخلاقية لأنّ هذه النواة هي التي يحقق من خلالها الفرد الثقة بنفسه، والتي لولاها لا يستطيع المشاركة بصورة مستقلة في الحياة الاجتماعية.
2. النموذج الثاني: الاعتراف وبناء الهوية عن طريق الحق
يُعتبر الحقُّ في نظر هونيث النموذج الثاني للاعتراف المتبادل بين الذوات، وهذا ما يجري على
المستوى القانوني. وعلى العكس من الحب الذي ينحصر في عدد معيّن من الناس المشاركين في
التفاعل الاجتماعي، فإنّ الحق يكتسي طابعًا كونيًا لأنّ كل المشاركين الذين يتمثلون المعايير القانونية
يعتبرون أنفسهم أحرارًا ومتساوين. والمترتب على هذا ضرورة الاعتراف بالمشاركين لنا، بالنظر إلى
كونهم يتمثلون هذه المعايير القانونية وما يرتبط بها من حقوق وواجبات مشتركة. لهذا السبب، "علينا أن نتقبل وجهة النظر المعيارية 'للغير المعمّم' الذي يعلمنا الاعتراف بأعضاء الجماعة الآخرين، بوصفهم
أصحاب حقوق، حتى نستطيع أن نعتبر أنفسنا أشخاصًا قانونيين، وذلك بقدر ما نتأكد من رؤية بعض
متطلباتنا وقد تأمنت في الإطار الاجتماعي". من هذا المنطلق، يرى هونيث أنه من الممكن أن يجري تحقيق تقدم على مستوى الحقوق والواجبات المدنية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية داخل الإطار المؤسساتي، لأنّ مفهوم الاعتراف القانوني لم يشر أول الأمر إلا إلى العلاقة التي يبدي فيها كل من الآخر والأنا احترامًا متبادلً بوصفهما ذواتًا حقوقية، بحيث إنّ لكليهما، أي للواحد منهما كما للآخر،
معرفة بالمعايير الاجتماعية التي تسهر، وسط الجماعة، على التوزيع المشروع للحقوق والواجبات. والحق أنّه لا يمكن أن نعتبر أفراد المجتمع حاملي حقوق ما، إلا إذا كان هؤلاء الأفراد يدركون، في الوقت نفسه، أنّ عليهم التزامات معيارية تجاه الآخرين "انطلاقًا من كوننا لا نستطيع أن نفهم أنفسنا أصحاب حقوق، إلا إذا امتلكنا، في الآن نفسه، معرفة بما يجب علينا من واجبات معيارية نقوم بها تجاه الغير". غير أنّ تحقيق هذا المقصد يقتضي إدماج المنظور المعياري لما يسمى ﺑ "الآخر المعمّم"
الذي يعلمنا كيف نعترف بالأعضاء الآخرين للجماعة الحاملين لمثل هذه الحقوق والواجبات، حتى ندرك هويتنا الشخصية من الناحية القانونية، وهذا بقدر ما نتأكد أنّ بعض مطالبنا قد حُقِّقَت من الناحية
الاجتماعية. في هذا الإطار، نستطيع القول إنّ كل ذات إنسانية يمكن اعتبارها حاملة لحقوق ما، وبخاصة عندما يجري الاعتراف بها من الناحية الاجتماعية، باعتبارها عضوًا في جماعة، بحيث يمكن أن تحقّق
ذاتها وهويتها في سياق التفاعلات الاجتماعية التي تضمنها المؤسسات القائمة، بغض النظر عن انتمائها الاجتماعي والثقافي، وخصوصيتها الفردية. ولا بد من التأكيد على أنّ الاعتراف القانوني قد بقي مرتبطًا إلى حد بعيد بالتقدير الذي كان يتمتع به الفرد، بحسب مكانته أو وضعه الاجتماعي.
(19) Axel Honneth, "Reconnaissance et reproduction sociale," in: Jean–Paul Payet & A. Battegay (dir), La reconnaissance à l’épreuve Explorations socio–anthropologiques (Paris: La reconnaissance à l’épreuve Explorations, 2008), p. 51.
((2(هونيث، ص.198 ((2(المرجع نفسه، ص.199 ((2(المرجع نفسه، ص.198
(23) Honneth, Le droit à la liberté , p. 34.
لذلك أصبح في استطاعتنا في إطار العلاقة القانونية "أن نعتبر أنّ اعتراف الشخص القانوني قد امتزج حينها، وبطريقة ما، مع التقدير الذي يتمتع به كل عضو في المجتمع تبعًا لوضعه الاجتماعي. وينطوي الاعتراف القانوني هنا على درجات تُبنَى تبعًا لأهمية الدور الذي يؤديه كل عضو في المجتمع. علاوة على ذلك، إنّ تنوّع الحقوق والواجبات الفردية التي حققها الفرد في المؤسسات، يرتبط ارتباطًا
وثيقًا بقيمة الوظائف والمهمات والقدرات والمهارت التي كانت تنجز في إطار التعاون الاجتماعي. ولعله من المفيد أن نشير إلى أنّ جورج هربرت ميد قد "بيّن أنّ من يقوم بممارسة مهارته وقدراته يأخذ
مسبقًا في الاعتبار نظرة الآخرين أو تقويمهم لما يقوم به، بحيث تشكّل هذه النظرة، المتخيلة والواقعية في الوقت نفسه، حافزًا من حوافز قيامه بهذه الممارسة أو هذا الفعل. وانطلاقًا من هذا التفاعل مع نظرات الآخرين وتقويماتهم، يشكّل صاحب المهارات والقدرات نظرته وتقديره لذاته، بحيث يساهم استحسان الآخرين أو تقديرهم لقدراته ومهارته في صوغ تقويمه أو تقديره الإيجابي لهذه القدرات أو المهارات، ولذاته عمومًا". ومن ثمّ، لا مناص من القول إنّ الفرد قد يكتسب، من خلال تجربة
الاعتراف القانوني، إمكانية فهم أفعاله كتجلٍ محترم من طرف جميع الناس لاستقلاله الذاتي وحقوقه المشروعة التي تجعله يشعر بهويته الشخصية وباحترام الآخرين. وهذا ما يقصده هونيث بقوله: "إنّ الكائنات البشرية تتمتع بميزة أو مقدرة، تستحق قيمتها اعترافًا شاملً؛ حل مشكِّك، ينطلق من أنّ التطبيق الناجح لسلوك محترم بين الناس هو وحده ما يجعل لاحقًا من امتلاك صفات إنسانية، كسبب للاحترام، ممكنًا، وحلّ سلبي يكون وفقًا له أي نوع من الاحترام غير مبرَّر، إنما مبدأ تجنب الوحشية
فحسب التي وحدهم البشر قادرون عليها". لقد اتخذ هذا الشكل من احترام الذات، وبخاصةٍ بعد ظهور فكرة الحقوق الفردية طابعًا متميزًا. يتعين التنبيه في هذا السياق إلى أنّ الانتفاع من هذه الحقوق يجعل الذات قادرة على التعبير عن حاجاتها وتطلعاتها، ومن ثمّ تستطيع أن تثبت أحقيتها في نيل
الاحترام على المستوى الاجتماعي. ويمكننا القول إنّ هذه الحقوق التي ينالها الفرد تتضمن اعترافًا عموميًا به، من حيث هو شخص يملك قدرات ومؤهلات تمكنه من تحقيق هويته الشخصية، ضمن
تكوينه الأساسي ومطالبه الممكن قبولها اجتماعيًا.
3. النموذج الثالث: الاعتراف وبناء الهوية عن طريق التضامن
أما النموذج الثالث للاعتراف فهو يتمثل، وفقًا لهونيث، في التضامن، من حيث هو "أفق قيم تذاوتي يتعلم عبره كل فرد الاعتراف بأهمية قدرات الآخرين وصفاتهم". ولكن مع ذلك، فإنّ التضامن أصبح في المجتمعات الحديثة متوقفًا على وجود علاقات التقدير الاجتماعي المتماثل بين الذوات التي حققت
((2(هونيث، ص.203 (2((حسام الدين درويش، "العدالة بوصفها اعترافًا: دراسة مفهومية أوَّلية"، تبيّن، العدد 5 (تموز/ يوليو 2013)، ص.114 (2((أكسل هونيث، الاجتماعي وعالمه الممزق: مقالات فلسفية اجتماعية، ترجمة ياسر الصاروط (الدوحة/ بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، 2019)، ص.284
(27) Ludwig Siep, La philosophie pratique de Hegel. Actualité et limites , Jean–Michel Buée (trans.) (Paris: Editions de l’éclat, 2013), p. 212.
(2((هونيث، الصراع، ص.235
استقلالها الذاتي. وعلاوة على ذلك، إنّ شعور الفرد بالتقدير وبقيمة ذاته وهويته الشخصية أمر يتوقف على الآخرين وتقدير الغير. وبغية الوصول إلى تحقيق علاقة مكتملة وسليمة مع ذاته يحتاج الفرد، إضافة إلى الحب والاعتراف القانوني، إلى شكل آخر من أشكال الاعتراف بصفاته وقدراته الشخصية، يتمثل في التقدير الاجتماعي. يقصد هونيث بذلك أنّ رهان التقدير الاجتماعي يتعلق بالكيفية التي يتميز بها الفرد من الآخرين وليس ما يشترك فيه معهم. وفي الوقت الذي يحصل فيه على هذا التقدير يستطيع أن يدرك ذاته وهويته الشخصية بصورة إيجابية، بالنظر إلى أهمية التقدير التي يمكن أن يحظى بها في مجتمعه. وهذا يعني أنه يمكن أن يحصل الفرد على التقدير الاجتماعي بحسب ما يقدمه وما ينجزه من أعمال لها قيمة في نظر الآخرين، أو من خلال الأدوار التي يؤديها في المجتمع. لذلك "لا يجوز أن يبقى البُعد
المتعلق بالتقدير الاجتماعي للقيمة خارج البحث ببساطة، بل يجب بالأحرى أن ينتمي إلى الوعي، إضافة إلى شرعيته باعتباره عضوًا كامل العضوية في المجتمع، ومن ثم في استطاعته الخروج علانية "من دون
خجل"، كذلك "الاقتناع بأن تحظى إنجازاته الخاصة بالاعتراف الذي تستحقه". وبذلك، لا مناص من القول إنّ التقدير الاجتماعي الذي يهمّ الفرد لا يمكن أن يقاس إلا بحجم إسهاماته وأدائه الاجتماعي.
وهذا ما يدفعنا إلى القول إنّ الاعتراف المتبادل مرتبط ارتباطًا وثيقًا بتقييم قدرات الفرد وإمكانياته في ظل القيم التي تبدو مهمة في سياق الأهداف العملية المشتركة للمجتمع بأسره. وفي هذا السياق ذاته يرى هونيث أنّ تجربة الاعتراف تعتبر تجربة أساسية بالنسبة إلى الفرد. وليحقق المرء علاقة ناجحة مع ذاته يحتاج إلى الاعتراف بإمكاناته ومؤهلاته. أما إذا غاب أو انعدم هذا الشكل من الاستحقاق الاجتماعي، فقد يصاب الفرد بضرر نفسي ومشاعر سلبية، كالغضب أو الإحباط. يمكن الإقرار الآن بأنّ "القيمة" الاجتماعية هنا أصبحت تُقاس اليوم، في تقدير هونيث، بدرجة الإسهام في بلوغ الغايات التي يسعى المجتمع إلى تحقيقها، لأنّ النظرة الثقافية التي يكوّنها المجتمع حول نفسه تسهم، من دون شك، في
بلورة المعايير التي يقوم عليها التقدير الاجتماعي لأفراد الذين يُحكم على أدائهم وأعمالهم وقدراتهم من الناحية التذاوتية، تبعًا لاستعدادهم؛ بغية تجسيد القيم المحدّدة للجماعة من الناحية الثقافية. ويشدّد هونيث، في أكثر من موضع، على أنّ هذا الشكل من الاعتراف المتبادل يفترض وجود تنظيم اجتماعي تجمع غاياته المشتركة الأفراد ضمن جماعة إنسانية تتبنى جملة من القيم، علمًا أنّ الفكرة الاجتماعية التي يكوّنها المجتمع عن نفسه هي التي ستحدّد المقاييس التي يبني التقدير الاجتماعي لأفراد عليها،
بحيث يحكم على قدراتهم وعلى أدائهم تذاوتيًا، تبعًا لنجاحهم في موضعة القيم التي تحدّدها الجماعة
ثقافيًا. غير أنه ينبغي الإشارة إلى أنّ هذا النمط من الاعتراف الذي يحققه الفردُ سيدفعه، من دون شك،
إلى إدراك ذاته وهويته، باعتباره عضوًا ينتمي إلى مجتمع ما، نظرًا إلى ما يتمتع به من قدرات وإمكانيات
وما يقدّمه من إسهامات يعترف بقيمتها جميع أفراد المجتمع الذي ينتمي إليه، ومن ثمّ يحقّق ذاته وهويته، ويشعر بقيمته ضمن الإطار الاجتماعي الذي ينتمي إليه هذا الفرد ويتفاعل فيه مع الآخرين. لذلك كان
(2((هونيث، الاجتماعي، ص.283
(30) Roudaut, p. 246.
(3((هونيث، الصراع، ص.231
(32) Honneth, Le droit à la liberté , p. 34.
في إمكاننا أن نطلق على هذا النمط من العلاقة مع الذات التي تسعى عادة إلى تحقيق ما يسمى ﺑ "شعور الفرد بقيمته وهويته"، عبارةَ "التقدير الاجتماعي"، بحيث يكون كل فرد من أفراد المجتمع مؤهلً وقادرًا على تحقيق هذا التقدير ويشعر بقيمته الاجتماعية، وبمكانته في نظر الآخرين المحيطين به. فضلً عن ذلك، فإنّ مفهوم التقدير الاجتماعي يرتكز على التقدير الإيجابي للمؤهلات والقدرات العملية لأفراد في حياتهم الاجتماعية ضمن تفاعلهم وفق منظور معياري يشتركون فيه مع الآخرين. على هذا الأساس يمكننا القول إنّ التقدير الاجتماعي يمكن أن يتحقق على المستوى الاجتماعي أو المؤسساتي عندما يعي الأفراد مؤهلاتهم وقدراتهم الخاصة، ويشعرون إثر ذلك أنهم يسهمون حقًا في الحياة الاجتماعية. وهذا ما أكده هونيث حينما قال: "إذّاك مثلً نكون مدينين لأنفسنا بالاحترام والتقدير على الأقل؛ لأننا بذلك وحده نستطيع أن نحمي أنفسنا من الانتهاكات التي تهدّد الشروط التواصلية لوجودنا الأخلاقي. التقدير والاحترام هما – منظور إليهما هكذا – موقفان أخلاقيان، نحن ملزمون باتخاذهما في ما بيننا، لأنهما يهيئان الشروط التي نحتفظ عبرها معًا بكرامتنا ككائنات بشرية". ولا بد من التأكيد على أنّ حرمان الأفراد من التقدير الاجتماعي يمكن أن يكون سببًا أساسيًا لنكران الاعتراف. وهذا ما سيؤدي إلى تقويض احترام
الذات القائم على الوعي بالقدرة على التفاعل مع الآخرين، ما دام للشخص قدرة على الحكم على معايير التعايش الاجتماعي. وعلى العكس من ذلك، سيتم تعزيز احترام الذات من خلال الاحترام المتبادل، وهو الموقف الذي يرتبط به الفرد بالآخرين، بحيث يمكن التفاعل معهم على قدم المساواة، بقدر ما يكون قادرًا على إصدار حكم عملي. ومن ثمة، يمكنه، لهذا السبب، الإسهام في التعريف المشترك للمعايير الاجتماعية. غير أنه "عندما يستحق الناس احترامًا غير محدود، لأنهم يستطيعون تحويل حياتهم في أي وقت إلى الأفضل أخلاقيًا، عندئذ يمثّل حرمانهم من هذا الإمكان شكلً أساسيًا من أشكال الإذلال؛ من
خلال ذلك، سوف يُسلب الفرد فرصة استعمال قدرة وُهب إياها بوصفه كائنًا بشريًا".
ثالثًا: الهوية وتجارب الاحتقار الاجتماعي
لم يكتف هونيث بالحديث عن النماذج الثلاثة للاعتراف، أي الحب والحق والتضامن، بل تطرق أيضًا إلى دراسة المظاهر التي يجري فيها رفض الاعتراف ونفيه ونكرانه، عبر تجارب الذل والإهانة والاحتقار، التي يمكن أن يتعرض لها الفرد أثناء تفاعله مع الغير، وهذا ما يمكن أن يهدد هويته الشخصية، "تبعًا للطريقة النوعية التي تزعزع بها العلاقة العملية مع الذات، من حيث منع الذات الاعتراف ببعض متطلبات الهوية" وهذا ما دفع بهونيث إلى الاهتمام بفهم وتحليل ما يسميه ﺑ "التجارب الأخلاقية المعيشة"، لا سيما عندما تشعر الذات أنها كانت ضحية معاملات غير أخلاقية، كالإذلال والاحتقار والإهانة، التي
(33) Honneth, "Reconnaissance," p. 52. (34) Olivier Voirol, "Invisibilité et 'système' La part des luttes pour la reconnaissance" in: Lazzeri & Caillé, p. 331.
(3((هونيث، الاجتماعي، ص.286
(36) Carré, p. 41.
(3((هونيث، الاجتماعي، ص.287 ((3(المرجع نفسه، ص.241
يمكن أن تتم على المستوى الجسدي، كالتعذيب أو الاغتصاب. وهما شكلان أساسيان من الاحتقار قد يتعرض لهما الفرد، فيحرمه من نمط العلاقة التي تربطه بذاته المستقلة وبجسده، فتقضي على جانب من ثقته الأساسية بمحيطه الخارجي. من هذا المنطلق نستطيع القول إنّ العلاقة بين شعور الفرد باحتقار الغير له، ووعيه بكونه كان ضحية الظلم المسلط عليه، تعني أنّ الرغبة ليست في أن يجري الاعتراف به هي التي تؤدّي الدور الأساسي والحاسم وإنما شعوره باحتقار الغير له. وعلى هذا الأساس دافع هونيث عن الفكرة القائلة إنّ ما ينتج من الشعور بالظلم الاجتماعي ومختلف أشكال الاحتقار، هو الصراع الاجتماعي، لأنّ مختلف أشكال الاحتقار والظلم الاجتماعي هي بمنزلة مطالب أو تجارب أخلاقية، يقرر من خلالها الأفرادُ الانخراط في الصراعات الاجتماعية والسياسية التي تهدف إلى تغيير الأوضاع المعيشة، والمتمثلة أساسًا في القضاء على مختلف أشكال الظلم التي يتعرض لها هؤلاء الأفراد. ليس ثمة شك في أنّ الانفعالات والعواطف السلبية المترتبة على تجربة الاحتقار تشكّل في نظر هونيث الدافع العاطفي الذي يتجذر فيه الصراع من أجل الاعتراف. ومن ثمّ، لا مناص من القول إنّ الانخراط في الصراع على مستوى الممارسة يمكن أن يكون ناتجًا من ردود أفعال انفعالية وعاطفية سلبية، كالخجل
والغضب أو السخط، وبخاصةٍ عندما يكون الفرد عرضة للذل أو الاحتقار. والحقُّ أنّ مثل ردود الأفعال هذه، بمنزلة أعراض نفسية يمكن أن يعي الفرد من خلالها أنّه محروم بكيفية غير مشروعة من حقّه في تحقيق الاعتراف الاجتماعي. والسبب في ذلك أنّ الاعتراف التذاوتي شرط لازم لتحقيق هويته الشخصية. لكن حينما لا يحقق هذا الاعتراف على المستوى الاجتماعي يتضرّر من الناحية النفسية، وبخاصةٍ
عندما يشعر بالذل والغضب. لذلك، فإنّ تجربة الاحتقار ترتبط دائمًا بشعور الفرد أنّه لم يحقق بعض أشكال الاعتراف الاجتماعي. ومنه "تتولد العوارض النفسية التي تؤهل الذات أن تعرف أنها حُرمت من الاعتراف الاجتماعي". ضمن هذا السياق يرى هونيث أن تجارب الاحتقار الاجتماعي التي يمر بها الأفراد تقوم على ثلاثة أشكال أساسية: أما الشكل الأول فيتمثل في الضرر الذي يمكن أن يلحق الفرد على المستوى الجسدي. ومن أبرز مظاهره ممارسة العنف المادي أو الرمزي التي تحرمه من إمكانية التصرّف
أو التحكم في جسده وفق إرادته وحريته، ومن دون الخضوع لأي قوة قاهرة قد تتسلط عليه وتهدد كيانه. فمن المعلوم أنّ "الحرمة الجسدية والأخلاقية لأشخاص تهدّدها ظاهرة العنف الذي تفاقم في الدولة المعاصرة، وخاصة مع الجريمة المنظّمة، كما تطرح ظاهرة شبكات الدعارة والاغتصاب بدورها مشاكل عميقة نجد صداها في الحركات النسويّة التي تناضل من أجل تحقيق كرامة المرأة ومساواتها بالرجل". ولا بد من التأكيد على أنّ كل محاولة للتحكم في جسد شخص آخر ضد إرادته، تنتج لدى الفرد المعتدَى
(39) Honneth, "Reconnaissance," p. 50. (40) François Dubet, "Injustices et reconnaissance," in: Alain Caillé, La quête de reconnaissance , nouveau phénomène social total (Paris: La Découverte, 2007), p. 16. (41) Franck Fischbach, "Axel Honneth et le retour aux sources de la théorie critique: La reconnaissance comme autre de la justice," in: Emmanuel Renault & Y. Sintomer (dir), Où en est la théorie critique (Paris: La Découverte, 2003), p. 176.
(4((هونيث، الصراع، ص.247 (4((محسن الخوني، "الفهم والتفاهم والحوار والاعتراف في فلسفة التواصل بين هابرماس وهونيت"، مجلة التفاهم، العدد 36 (2012)، ص.94
عليه الشعور بالذل، وهو شعور يقوّض، لا محالة، علاقة المرء مع ذاته بصورة أعمق من أشكال الاحتقار
الأخرى، لأنّ خصوصية هذا الشكل من الإساءة والاعتداء، كالتعذيب أو الاغتصاب، لا تنحصر في ما تسببه من ألم جسدي أو مادي فقط، وإنما في ما تسببه من ألم نفسي حينما يشعر المعتدى عليه بأنه كان خاضعًا لإرادة الشخص المعتدي، لا سيما عندما كان عاجزًا عن مقاومته، قد يصاب إثرها بحالات نفسية وعاطفية سلبية، كالغضب والخجل والإذلال، في الوقت الذي يشعر فيه هذا الفرد أنّ النفي أو النكران للاعتراف الناتج من شعوره بالاحتقار، يعتبر في الوقت نفسه، ظلمًا وعدوانًا يمسّ شخصه وكرامته، باعتباره
إنسانًا جديرًا بالاحترام والتقدير. وهذا ما يؤدي، بطبيعة الحال، إلى شعور الفرد بالاحتقار sentiment Le
mépris du والظلم والعار أو الجرح الهوياتي identitaire Blessure. أما الشكل الثاني من الاحتقار، فهو مرتبط بتجارب الذل والإهانة والجور التي يكون الفرد ضحية لها، وبخاصةٍ عندما يُحرم من حقوقه المشروعة. فعندما لا يحصل على هذه الحقوق فإنّ هذا يعني أنّ المجتمع لا يعترف له بنفس درجة المسؤولية التي يُعترف بها لأعضاء المجتمع الآخرين. تجدر الإشارة إلى أنّ خصوصية أشكال الاحتقار "لا تكمن، كما تتمظهر بالحرمان من الحقوق أو في الإقصاء الاجتماعي في الحد القطعي من الاستقلالية الشخصية وحسب، بل تكمن في الأساس في الشعور المرافق لها الذي تشعر به الذات من جهة عدم تمتعتها بوضعية شريك التفاعل الحاصل على كامل الحقوق الأخلاقية شأن الأقران لها". غير أنه يجب التمييز هنا بين المعاملات السيئة التي قد تتطابق إيجابيًا مع الاهتمام الوجداني للعلاقات الأولية، وبشكل آخر من الاحتقار المتعلق
بحرمان المرء من حقوقه أو ما يمكن أن يجري من خلال مظاهر التهميش الاجتماعي الذي قد يتعرض له من الناحية الاجتماعية. والحال أنّ الأمر هنا متعلق في هذه الحالة بالحط من قيمته من طرف مجتمعه الذي يرفض الاعتراف بمسؤوليته الكاملة، كحق من حقوقه القانونية. ولكن مع ذلك، إنّ الجانب الإيجابي هنا يتمثل في علاقة الاعتراف المتبادل التي يدرك الفردُ عن طريقها، وهذا عندما يلتزم بمنظور المشاركين له في التفاعل، أنه يتمتع بحقوقه المشروعة مثل بقية أفراد المجتمع. من هذا المنظور فإنّ الشعور بالانتماء إلى الجماعة يجعل الفرد يشعر بحقوقه، وفي الوقت نفسه يشعر بالالتزام وبالمسؤولية ضمن مشاعر متبادلة بين الأفراد، ولكن بدرجات متفاوتة، قد تكون أحيانًا دون المستوى المنتظر تحقيقه اجتماعيًا وأخلاقيًا. وبعبارة مختصرة؛ إنّ ما يميّز هذا
النمط من الاحترام الاجتماعي الذي يُحرم منه بعض الأفراد، قد يدفعهم إلى الشعور بأنّ وضعهم الاجتماعي لا يماثل الآخرين المشاركين لهم في التفاعل الاجتماعي، ولهذا السبب فهم يشعرون بفقدان الاحترام، بل وبعدم تساويهم مع الغير، وبخاصةٍ عندما يُحرمون من المشاركة الفعّالة في الحياة الاجتماعية مع الآخرين بصورة إيجابية.
(4((هونيث، الصراع، ص.243
(45) Honneth, "Reconnaissance," p. 53. (46) Katia Genel, "L’inclusion sociale, entre autorité, reconnaissance et justification dans l’école de francfort et la sociologie (de la) critique," in: Christian Lazzeri & Soraya Nour (dir), Reconnaissance, identité et intégration sociale (Paris: Presses universitaires de Paris, 2009), p. 32.
يتمثل الشكل الثالث للاحتقار، وفقًا لهونيث، في الحكم على القيمة الاجتماعية لبعض الأفراد أو الجماعات بصورة سلبية، لا تليق بقيمتهم الأخلاقية ولا بمكانتهم الاجتماعية. وهذا الشكل من الاحتقار يجري على المستوى القيمي أو المعياري، وله صلةٌ مباشرةٌ بكرامة الغير وتقديرهم الاجتماعي، "فإذا كانت تراتبية القيم الاجتماعية قد قامت على أساس الحكم على أنماط الحياة، أو القناعات من حيث كمالها أو نقصانها، فهي بذلك تحرم الأفراد المعنيين من أن يعزوا إلى قدراتهم الشخصية أي قيمة اجتماعية. ثم إنّ الحط من قيمة بعض نماذج التحقّق الذاتي يعني أنّ من يقومون بذلك لا يستطيعون عزو أي دلالة إيجابية لوجودهم داخل الجماعة. بالنسبة إلى الفرد تترافق تجربة الحط من القيمة الاجتماعية هذه مع فقد تقدير الذات، إذ لن يكون لديه أي فرصة ليتمكَّن من فهم نفسه بوصفه كائنًا يقدر لصفاته ولقدراته المميّزة". لهذا السبب لا يمكن إنكار أنّ الأفراد في حاجة دائمًا
إلى التقدير والاعتبار الشخصي والاحترام، ضمن الإطار التفاعلي للحياة النفسية والاجتماعية للشعور بهويتهم الشخصية وبانتمائهم الفعلي للمجتمع، باعتبارهم أعضاء كاملي الحقوق فيه. فمن خلال هذا الشكل التقويمي من الاحتقار، وهذه النظرة القدحية تجاه أنماط من الحياة الفردية والجماعية، نستطيع التطرق فعليًا إلى الموقف الذي أصبح يطلق عليه اليوم "الذل" أو "الإساءة إلى الغير" و"الاعتداء على
كرامتهم". فمن المعلوم أنه "عندما يستحق الناس احترامًا غير محدود، لأنهم يستطيعون تحويل حياتهم
في أي وقت إلى الأفضل أخلاقيًا، عندئذ يمثّل حرمانهم من هذا الإمكان شكلً أساسيًا من أشكال
الإذلال؛ من خلال ذلك سوف يُسلب الفرد فرصة استعمال قدرة وُهب إياها بوصفه كائنًا بشريًا".
ضمن هذا السياق، يجب أن نشير إلى أنه قد يترتب على عدم الاكتراث ببعض نماذج التحقيق الذاتي (حينما لا تعطى لقدرات ومؤهلات الشخص قيمة اجتماعية ما) عدم تحقيق الأفراد لأي دلالة إيجابية، فيما يخص وجودهم ضمن الجماعة التي ينتمون إليها. ولا مناص من القول إنّ تجربة التراجع في الترتيب الاجتماعي هي بمنزلة ضياع لتقدير الذات، في الوقت الذي لا يحقق تقدير الغير له بالنظر إلى مؤهلاته وإمكاناته. والحق أنّ نكران الاعتراف reconnaissance de déni Le وبخاصةٍ عندما يجري انتهاك قانون العمل مثلً قد ينتج منه شعور الأفراد بالظلم والاحتقار والإذلال، وبخاصةٍ عندما لا يجري الاعتراف بهم وفقًا لوظيفتهم ونشاطهم، في العمل بحسب القيمة التي تعزوها المؤسسة إلى تلك الوظيفة. ويلُاحظ أنه عندما تحرّضُ البنيات الاجتماعية والمؤسسات السياسية أو النماذج الثقافية
السائدة على صورٍ وأوضاع مهينة تجاه الأفراد أو الفئات الاجتماعية، فقد يترتب عليه صعوبة قيام هؤلاء الأفراد بإعادة بناء علاقتهم الإيجابية مع ذواتهم. إنّ العلاقة بين التقدير الاجتماعي للقدرات التي اكتسبها الفرد في مختلف أطوار حياته تتطابق بصورة إيجابية مع هذا الشكل من الاحتقار الذي يكون تقدير الذات فيه ناقصًا أو هشًا، ولهذا يجد الأفراد الذين ينظر إليهم من خلال خصوصيتهم الفردية
(4((هونيث، الصراع، ص.245 (4((هونيث، الاجتماعي، ص.287
(49) Emmanuel Renault, L’expérience de l’injustice. Reconnaissance et clinique de l’injustice (Paris: La Découverte, 2004), p. 226. (50) Hervé Pourtois, "Luttes pour la reconnaissance et politique délibérative," Philosophiques , vol. 29, no. 2 (Automne 2002), p. 294.
نوعًا من التطلع إلى الاعتراف المتبادل. لذلك، لا مناص من القول إنّ تجربة الاحتقار هي اعتداء يهدّد بإفقار هوية الشخص بصورة كاملة. وهذا يعني أنّ هذه التجربة هي بمنزلة رفض أو حرمان الفرد من حقه في نيل الاعتراف، "وهذا ما يشار إليه باستخدام مفهوم 'الذل': ولأنّ الفكرة المعيارية التي يكونها كل واحد عن ذاته، أو عن 'أناه'، هي فكرة تتعلق بالإمكانية التي لديه، بأن يرى نفسه مؤمنًا في الآخر، فإنّ تجربة الذل تشكل خطرًا يتهدّد بتحطيم هوية الشخص بكامله". فضلً عن ذلك، إنّ الخاصية الأساسية لمثل هذه الأشكال من تجارب الاحتقار والإهانة والذل، بالصورة التي تتجلى فيها من خلال حرمان الشخص من حقوقه، أو من خلال التهميش الاجتماعي والإقصاء واللامرئية الاجتماعية sociale Invisibilité ونكران الاعتراف، لا تكمن فقط في التحديد العنيف لاستقلالية الشخص وإنما تكمن أيضًا في ذلك الشعور المتلازم الذي تعانيه الذات، حينما لا تتحقق هويتها ولا تحصل على مكانة الشريك المتفاعل والحائز على نفس الحقوق التي اكتسبها الآخر. وهنا يتحدث هونيث عن اللامرئية الاجتماعية التي يعانيها الأشخاص الذين على الرغم من حضورهم فيزيائيًا في المجال البصري، لا يجري الاعتراف بقيمتهم وكرامتهم. ولما كان الاعتراف التذاوتي
مستحيلً من دون تكوين مرئية متبادلة بين شركاء التفاعل، فإنّ تكوين هذه المرئية يجب أن يتم من خلال تأكيد القيمة التي تربط شريك التفاعل المرئي بالاعتراف المتبادل. وبطبيعة الحال "يفترض في هذه الحالة جعل الشخص الذي يخضع لهذا الإذلال والمهانة والاحتقار أن يصبح شخصًا مرئيًا ليس
بالمعنى المعرفي، وإنما بالمعنى الاجتماعي، أي من خلال جملة من المواقف والإجراءات القانونية والممارسات الاجتماعية التي تسمح له بأن يحتل مكانته المناسبة ضمن العلاقات الاجتماعية"، لا سيما أنّ الاعتراف المتبادل غير ممكن خارج الأطر الاجتماعية التي تضمن تحقيق المعنى الحقيقي للمرئي على المستوى الاجتماعي الذي يجري في سياق التفاعل بين الأفراد بالصورة التي تحقق تطلعاتهم النفسية والعاطفية (الحب)، وتطلعاتهم إلى تحقيق مطالبهم الأخلاقية والقانونية (الحق)، وتطلعاتهم أيضًا إلى تحقيق مطالبهم الاجتماعية والاقتصادية (التضامن). وفي جميع الحالات فإنّ المرئية الاجتماعية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالتطلعات المعيارية التي تنتظرها الذواتُ الاجتماعية ضمن عملية التفاعل الاجتماعي التي تسعى إلى تحقيقها الذوات. في ضوء ما تقدم، يمكن القول، إذًا، إنّ علاقة الفرد الإيجابية مع ذاته وشعوره بهويته الشخصية، تفترض انخراطه في جملة العلاقات التذاوتية للاعتراف ضمن العلاقات الاجتماعية التي تتم فيها عملية التنشئة الاجتماعية. وهذه العلاقة الإيجابية مع الذات تأخذ أشكالً متعددة (الثقة بالنفس، احترام الذات وتقدير الشخص لقيمته أو مكانته الاجتماعية)، وتتأسس بالمثل بناءً على علاقات الاعتراف (العاطفية
والأخلاقية والقانونية والاجتماعية). وجدير بالذكر أنّ هذه الأشكال العامة للعلاقة الإيجابية مع الذات
(5((هونيث، الصراع، ص.240 (5((الزواوي بغورة، الاعتراف: من أجل مفهوم جديد للعدل، دراسة في الفلسفة الاجتماعية (بيروت: دار الطليعة، 2012)، ص.181
(53) Olivier Voirol, "Les formes de l’invisibilité," in: Marie Garrau & Alice Le Goff (dir), La reconnaissance: Perspectives critiques (Paris: Editions de l’université Paris ouest Nanterre, 2009), p. 124.
تعتبر، وفقًا لهونيث، أشكالً أساسية لتحقيق الهوية الذاتية للفرد. غير أنّ هذه الهوية معرّضة، كما أشرنا
إلى ذلك سابقًا، إلى نكران الاعتراف. لذا، تمثّل تجارب نكران الاعتراف هذه سببًا رئيسًا في هدم
الهوية الذاتية للفرد. ولذلك فإنّ اعتبار نكران الاعتراف هنا بمنزلة رفضٍ للاعتراف بهوية الفرد. فمن خلال التنشئة الاجتماعية، تسمح الفضاءات المؤسساتية المختلفة لكل فرد بتمثّل خصوصيات وجوده وقيمته، وبهذا المعنى، فهي مجال لتشكيل مختلف مكونات الهوية الشخصية. ولا بد من التأكيد على أنّ هذه المكونات ناتجة من عملية استبطان المبادئ والأدوار المعيارية من خلال التماهي مع الآخرين، بقدر ما يتوقف سلوك هؤلاء على القواعد والإجراءات المؤسساتية التي تحقّق مطلب الاعتراف المتبادل.
References
المراجع
العربية
بغورة، الزواوي. الاعتراف: من أجل مفهوم جديد للعدل، دراسة في الفلسفة الاجتماعية. بيروت: دار الطليعة،.2012 الخوني، محسن. "الفهم والتفاهم والحوار والاعتراف في فلسفة التواصل بين هابرماس وهونيت". التفاهم. العدد).2012(36 درويش، حسام الدين. "العدالة بوصفها اعترافًا: دراسة مفهومية أوَّلية". تبيّن. العدد).2013(1 هونيث، أكسل. الصراع من أجل الاعتراف: القواعد الأخلاقية للمآزم الاجتماعية. تعريب جورج كتورة. بيروت: المكتبة الشرقية،.2016 ________. الاجتماعي وعالمه الممزق: مقالات فلسفية اجتماعية. ترجمة ياسر الصاروط. الدوحة/ بيروت: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات،.2019
الأجنبية
Barril, C. et al. Le public en action: Usages et limites de la notion d’espace public en sciences sociales. Paris: L’Harmattan, 2003. Caillé, Alain. La quête de reconnaissance , nouveau phénomène social total. Paris: La Découverte, 2007. Carré, Louis. Axel Honneth. Le droit à la reconnaissance. Paris: Les éditions Michalon,
Ferrarese, Estelle. "Que ce qu’une lutte pour la reconnaissance. Reflexions sur l’antagonisme dans les théories contemporaines de la reconnaissance." Revue Politiques et Sociétés. vol. 28, no. 3 (2009).
(54) Emmanuel Renault, Mépris social. Ethique et politique de la reconnaiss ance (Paris: Du Passant, 2004), p. 41. (55) Emmanuel Renault, "Reconnaissance, institution, injustice," De la reconnaissance, don, identité et estime de soi , Revue Du Mauss , no. 23 (2004), p. 192.
Garrau, Marie & Alice Le Goff (dir). La reconnaissance: Perspectives critiques. Paris: Editions de l’université Paris ouest Nanterre, 2009. Honneth, Axel. "Grounding recognition. A rejoinder to critical questions." Inquiry. vol. 45, no. 4 (2002). ________. Ce que social veut dire. II Les pathologies de la raison. Pierre Rusch (trans.). Paris: Editions Gallimard, 2013. ________. Un monde de déchirement. Théorie critique, psychanalyse, sociologie. Pierre Rusch & Olivier Voirol (trans.). Paris: Editions La découverte, 2013. ________. Le droit à la liberté. Esquisse d’une éthicité démocratique. Frédéric Joly & Pierre Rusch (trans.). Paris: Editions Gallimard, 2015. Lazzeri, Christian & Alain Caillé. La reconnaissance aujourd’hui. Paris: CNRS éditions,
Lazzeri, Christian & Soraya Nour (dir). Reconnaissance, identité et intégration sociale. Paris: Presses universitaires de Paris, 2009. Mead, Georges Herbert. L’esprit, le soi et la société. Daniel Cefaï & Louis Quéré (trans.). Paris: Presses Universitaires De France, 2006. Payet, Jean–Paul & A. Battegay (dir). La reconnaissance à l’épreuve Explorations socio–anthropologiques. Paris: Presses universitaires du Septentrion, 2008. Pourtois, Hervé. "Luttes pour la reconnaissance et politique délibérative." Philosophiques. vol. 29, no. 2 (Automne 2002). Renault, Emmanuel & Y. Sintomer (dir). Où en est la théorie critique. Paris: La Découverte, 2003. Renault, Emmanuel. "Reconnaissance, institution, injustice." De la reconnaissance, don, identité et estime de soi. Revue Du Mauss. no. 23 (2004). ________. L’expérience de l’injustice. Reconnaissance et clinique de l’injustice. Paris: La Découverte, 2004. ________. Mépris social. Ethique et politique de la reconnaissance. Paris: Du Passant,
Roudaut, Maiwenn. Tolérance et reconnaissance en débat. Des lumières allemandes à l’école de Francfort. Pessac: Presses universitaires de Bordeaux, 2015. Siep, Ludwig. La philosophie pratique de Hegel. Actualité et limites. Jean–Michel Buée (trans.). Paris: Editions de l’éclat, 2013.