مقاربة التمكين: من سِن إلى نوسباوم
The Capability Approach: From Sen to Nussbaum
الملخّص
تقدم هذه الدراسة عرضًا للتحدّي الذي جاء به أمارتيا سِن لنظريات المساواة الليبرالية الشائعة (المنفعية والرفاه و"خيرات" جون رولز)، وتعرض أيضًا ما أتى به (وتبنته معه مارثا نوسباوم) بديلًا من تلك النظريات؛ وهو مقاربة (ومساواة) التمكين/ المقدرة. يتكوّن نقد سِن أولًا، من نقد عام لمفهوم العدالة المطلقة (ومن ثم للنظريات التي تدعيها)؛ وثانيًا، من مدخلَين لنقد المساواة في تلك النظريات، الشكلي/ المعياري والمعنوي. وتشرح الدراسة مقاربة التمكين بصفته نهجًا تطبيقيًا ومعياريًا بديلًا، يضع مظالم الإنسان العينية في منظوره. وتنظر أيضًا في التوسع الذي أجرته نوسباوم في مقاربة التمكين، من خلال تعديدها مجموعة مقدرات أسمتها استحقاقات أساسية يجب توافرها للإنسان، وتبيّن الدراسة علاوة على ذلك نقاط الخلاف بينهما في هذا الجانب، واختلافهما في معنى الحرية، التي تنظر إليها نوسباوم بمعناها التقليدي العام، بينما يصوغها سِن بمعنى يقرنها بالمقدرة العينية على تحقيق ما يريد الفرد أن يكون وأن يفعل.
Abstract
Palestinian Researcher, Formerly Professor and Head of the Department of Philosophy, Al–Quds University. sari.nusseibeh@gmail.com
- المساواة
- التمكين
- المقدرات
- الحرية
- العدالة
- أمارتيا سِن
- مارثا نوسباوم
- الرفاه
- المنفعة
- Equality
- Capability
- Abilities
- Freedom
- Justice
- Sen
- Nussbaum
- Welfare
- Utility
الشائعة (المنفعية والرفاه و"خيرات" جون رولز)، وتعرض أيضًا ما أتى به (وتبنته معه مارثا
نوسباوم) بديً من تلك النظريات؛ وهو مقاربة (ومساواة) التمكين/ المقدرة. يتكوّن نقد
سِن أولً، من نقد عام لمفهوم العدالة المطلقة (ومن ثم للنظريات التي تدعيها)؛ وثانيًا، من
مدخلَين لنقد المساواة في تلك النظريات، الشكلي/ المعياري والمعنوي. وتشرح الدراسة
مقاربة التمكين بصفته نهجًا تطبيقيًا ومعياريًا بديً، يضع مظالم الإنسان العينية في منظوره.
وتنظر أيضًا في التوسع الذي أجرته نوسباوم في مقاربة التمكين، من خلال تعديدها مجموعة
مقدرات أسمتها استحقاقات أساسية يجب توافرها للإنسان، وتبيّن الدراسة علاوة على ذلك
نقاط الخلاف بينهما في هذا الجانب، واختلافهما في معنى الحرية، التي تنظر إليها نوسباوم
بمعناها التقليدي العام، بينما يصوغها سِن بمعنى يقرنها بالمقدرة العينية على تحقيق ما يريد
الفرد أن يكون وأن يفعل.
الرفاه، المنفعة.
أولا: لِم العدالة؟
حين نفكر في قضايا الفلسفة السياسية كالعدالة والحرية والمساواة، تعترضنا مسألتان تقليديتان: إحداهما متعلقة بالتمييز بين معاني هذه الألفاظ والمفاهيم المختلفة عنها في حال كونه صالحًا أو مفيدًا (قد يقال مثلً: إن مفهومًا ما أقرب إلى المعنى من غيره، أو قد يقال إنه لا وجود للمعنى غير مفاهيمه)؛ وتتعلق المسألة الأخرى بإمكان توفير مقياس رقمي للمعنى أو المفهوم الذي قد ننتهي إليه أو نختاره منها. أصبحت هذه المسألة الثانية هي الدارجة في الأدبيات الحديثة لتقييم النظرية على طاولة التطبيق. في حين يتحرى جون رولز Rawls John (2002–1921) وضع تعريف للعدالة (النظام الأفضل في شبكة العلاقات البشرية) تُحدَّدُ فيه عناصرها الأساسية، من خلال حوار افتراضي للعقلاء، بصفتهم أفرادًا في إطار تعاقدي يتوافقون من خلاله على رزمة "خيرات" أساسية يستحسنونها، ولا يستثني أن يتوصل العقلاء في حواراتهم وفي ظرف آخر إلى تعريف غيره، أي إلى التوافق فيما بينهم على شكل آخر لهذا النظام. لكنه هو وغيره ممن يسعون لتعريف العدالة يبقى الأمر الأهم لديهم غير متعلق بمفهومها، بل بالاتفاق على مبادئ عادلة تحكم عمل المؤسسات الكبرى للمجتمع، وطريقة توزيعها لفوائد العيش المشترك وأعبائه، بحيث يفترضون جميعًا أن ثمة تعريفًا (أو معنى) أفضل أو أكمل لها. كذلك، يفترض الفلاسفة الذين ينظرون إلى المساواة، بوصفها عنصرًا أساسيًّا مكوّنًا للعدالة، أن ثمة تعريفًا لها أفضل من غيره،
قبل أن يتعرض أمارتيا سِن Sen Amartya لمسألة القياسات الرقمية التي تقترحها بعض النظريات (ومنها نظرية رولز) بخصوص العدالة القائمة على معنى ما/ مفهوم ما للمساواة. فهو يطرح السؤال: ما الأساس لافتراض وجود تعريف أكمل أو أفضل؟ وإن لم يكن هذا الافتراض واقعيًا، فما الغرض من
السعي لتعريف "مطلق" – أي ليس واقعيًا – للعدالة أو لغيرها؟ يخاطب سِن تحديدًا في كتاباته تلك النظريات "الليبرالية" و"الشمولية" التي تسعى لتضمين العدالة وكل ما يقترن بها، كالحرية والمساواة، في تصميماتها للنظام الأفضل؛ ما قد يفيد بدء النظر في المساواة الليبرالية وفقًا لما يقوله سِن عن العدالة (والمعاني المطلقة) بصفة أعم.
(((ينظر: مثل ما تقوله أستاذة الفلسفة في جامعة هارفارد، كريستين كورسغارد: "نستطيع تقييم أي مشروع بخصوص ما تتكون منه
نوعية الحياة بطرائق متعددة. أول، بصفته مشروعًا فلسفيًا عن الحياة الخيرة؛ ثانيًا، نستطيع تقييم شرعيته بصفته هدفًا سياسيًا، أي إذا
ما كان يستحق أن نوجده بالوسائل السياسية؛ أما ثالثًا، فمن خلال فائدته في تحديد سياسات اقتصادية واقعية [...] أي إذا ما كان يوفر لنا معايير صحيحة لقياس نتائج هذه السياسات". (المترجم، بتصرف)، يُنظر:
Christine Korsgaard, "G. A. Cohen: Equality of What? On Welfare, Goods and Capabilities; Amartya Sen: Capability and Well–Being," in: Martha Nussbaum & Amartya Sen (eds.), The Quality of Life (Oxford: Clarendon Press, 1993), pp. 54–61.
(((ملاحظتان مهمتان يذكرهما رولز في مستهل كتابه: أن نظريته في العدالة تشكل جزءًا فقط مما يجب أن يتسم به نموذج أخلاقي
مثالي، وأنه يقرّ بأن قبول فرضيته الخاصة بالقاعدة التي يتحاور العقلاء على أساسها لتحديد توافق على نظام لتوزيع الخيرات
لا يشترط أن تكون نتيجتها النظام الذي يقترحه هو. ينظر:
John Rawls, A Theory of Justice (Oxford: Oxford University Press, 1971), pp. 15–16.
ينتقد أمارتيا سِن، في مقال له بعنوان: "ما الذي نرتجيه من نظرية في العدالة؟"، سعيَ الفلاسفة (ومنهم
رولز) لإيجاد تعريف لعدالة "كاملة أو مطلقة"، في مقابل ما أسماه "عدالة المفاضلة" Comparative. فنموذج كهذا (مطلق أو نموذجي)، لا علاقة واضحة له، كما يقول، بالقضايا الماثلة أمامنا على أرض الواقع؛ فعندما نعاين ظلمًا ما، نعتقد أن المجتمع سوف يكون أكثر عدالة عند إزالته. يعتقد سِن أننا في حالات كهذه نلجأ في العادة إلى المفاضلة، وهذه مفاضلة بين ظلم واقع وواقع قد رُفع هذا الظلم عنه، ونحن لا نفترض أو نشترط إزالة الظلم كله من العالم كي ندرك أن ظلمًا ما ماثلً أمامنا يمكن إزالته فورًا وتحقيق "عدالة ما" للمواطن، أو للمواطنين عمومًا، كتوفير خدمات صحية ملائمة للجميع في بلاد لا تتوافر فيها هذه الخدمات، أو تتوافر فيها ولكن توجد معوقات متنوعة للمواطنين باختلاف قدراتهم تحول دون استفادتهم منها. هنا يطرح سِن سؤ لًاعتراضيًا على نفسه: أليست المفاضلة التي يقول
بها بين حالتين عينيتين ممكنة فقط قياسًا على نموذج كامل؟ أو أليس افتراض نموذج كامل للعدالة
ضروريًا، أو قُل كافيًا، لتمكيننا من المفاضلة التي يطرحها هو بديلً أصلً؟ يجيب سِن عن هذين السؤالين بالنفي. فلنأخذ شرط الكفاية أولً: يقول لنا هذا إن تصورنا للنموذج الأفضل للعدالة كاف لتمكيننا من المفاضلة بين أيٍّ من خيارَين هو الأكثر قربًا لتحقيقها. يُبيّن سِن أن
هذا الافتراض بعيد كل البعد عن الواقع؛ ذلك أن النموذج المذكور بالضرورة سوف يكون عامًا، ولن
يوفّر لنا كل المعلومات التفصيلية المطلوبة للاختيار، أكان بين أي من خيارين عينيين في زوج ماثل أمامنا، أو حتى بين أي زوج من بين أزواج خيارات متعددة ومختلفة ماثلة أمامنا. ويرى سِن أيضًا أن جميع هذه الخيارات تقع في شبكة وجودية مترامية الفروع والأطراف، بحيث لن يكون النموذج الكامل كافيًا ليدلّنا إلى أي من خيارين عينيين بتفرعاتهما وأنواعهما، يقودنا بصفة أكثر مباشرة ودفعًا للوصول
بالمجتمع إلى تحقيق تلك العدالة الكاملة، فضلً عن أي زوج من الخيارات يفضّل على أي زوج آخر بالتراتب الزمني. نذكر مثلً أن المفاضلة عمليًا بين سياستين ضرائبيتين، ضمن معطيات واقعية محددة،
ممكنة بنسبة نجاح أقل أو أكثر، لكننا نفتقر إلى المعلومات اللامتناهية (الإمكانات التي تترتب على كل اختيار بعينه) التي نستطيع أن نستشف من خلالها أفضل الطرق وأقصرها التي تربط خيارنا وبدائله بالنموذج الكامل، كما أن هذا النموذج لا يوفر لنا هذه المعلومات التفصيلية. لو كان يفعل ذلك، لكان كافيًا لنا للمفاضلة. ولكونه لا يفعل، فهو غير كاف للدلالة عمليًا على أفضل الخيارات الممكنة في
الواقع. بقي أن يتساءل: هل كان وجود ذلك النموذج ضروريًا؟ هنالك شقان لإجابته بالنفي عن هذا السؤال
أيضًا. أما الشق الأول، فيقول إننا لو سلّمنا بوجود شيء من صفاته، إحداها يتميز بها من الصفات المشتركة مع كل الأشياء مثله (أي من النوع نفسه)، فلا يعني هذا أننا لا يمكننا مقارنة شيئين آخرين لهما تلك الصفة نفسها، ولكن أحدهما يمتلكها أكثر أو أقل من الثاني، من دون الرجوع إلى ذلك الشيء الأول، كالتسليم بأن جبل إفرست أعلى الجبال، ويمكننا مع ذلك المقارنة بين علو جبلين
(3) Amartya Sen, "What Do We Want from a Theory of Justice?" The Journal of Philosophy , vol. 103, no. 5 (May 2006), pp. 215–238.
آخرين، من دون أخذ علو إفرست في الاعتبار. قياسًا على ذلك، ليس ضروريًا أن يتوافر لنا النموذج الكامل للعدالة (أي أن يكون معناه واضحًا لدينا ونستحضره في أذهاننا) كي نقرر أيّ الخيارين أعدل من الآخر. هنالك جانب من الصحة فيما يقول، ولكن شيئًا أيضًا من الخلط في المعاني: من المؤكد أننا لسنا في حاجة إلى استحضار جبل إفرست في أذهاننا (أخذه في الاعتبار) عندما نقارن بين علو جبلين آخرين، ولكن من المؤكد كذلك أن المقارنة بين علو جبلين تفترض، ولو ضمنيًّا، إدراكنا لمعنى
(أو لما نفترضه هو معنى) مصطلح "الأعلى"، حتى لو لم يكن هذا سوى صفة دون موضوع بعينه. بمعنى آخر، من غير الممكن إجراء مقارنة تفاوت بين صفتين متشابهتين لشيئين، إن لم يكن في أذهاننا مقياس ما ننسب من خلاله هاتين الصفتين إليه، حتى لو سلمنا أن هذا المقياس نسبي أو غير مقترن بموضوع بعينه. وكما سوف نرى، يستعمل سِن حجته هذه لاحقًا لإلزامنا بافتراض موضوع "مُطلق" بعينه يقع في أقصى سلسلة متناهية من معاني "الأعلى"، وسوف نتناول هذه المسألة. لكن هذا الإلزام غير وارد في هذه الحالة التي يمكن الاكتفاء فيها بالقول إن المفاضلة بين صفتين تفترض معيارًا خارجًا
عنهما، حتى لو افترضناه نسبيًا أو غير متعيّن. يتابع سِن متسائلً: ماذا لو قيل إن المقصود في شرط الضرورة هو العكس، أي إن المفاضلة العينية من شأنها الدلالة على المطلق؛ ما يعني أنه بعدم وجود المطلق فهي غير ممكنة؟ الافتراض هنا هو أننا عندما نفاضل بين فردين في زوج ما، فنحن إنما يمكننا عمل ذلك في سلسلة من الأزواج التي تصل بنا إلى الفرد الأخير في آخر زوج؛ إذ تدلّ هذه المفاضلات على وجود الزوج، ومن ثم الفرد الأخير في السلسلة، أي إنها تساعدنا في التوصل إليه؛ ومن دون هذا الزوج الأخير يكون من غير الممكن إجراء المقارنات في السلسلة أصلً. يجيب سِن بأن ذلك (أي افتراض الزوج الأخير) يعني أن الماثل أمامنا هو سلسلة أزواج (من الخيارات) متناهية، بحيث يمكن قياس كل زوج على الذي يليه في هذه السلسلة، ليصبح ممكنًا التوصُّل إلى "آخر زوج"، ومن ثم ال "فرد" الأفضل. لكن هذه الحجة، وفقًا لمنظوره، تفترض وجود سلسلة متناهية، ووجود "الأفضل" بدءًا، لكنها لا تُثبت وجود أيهما. والقول إذًا إن المفاضلة لا تصح إلا بهما، أو إنها
بالضرورة تقود إليهما، هو ادعاء وجود علاقة بين أمرين وجودُهما كمتناهيات ليس مثبتًا. يمكن الاعتراض على حجة سِن هنا بالقول بضرورة الفصل بين المواضيع وأوصافها، وبأنه يمكننا، في النتيجة، اعتبار المطلق وصفًا غير متعيّن (أي بدلً من اعتباره موضوعًا متعينًا)، كالقول: "أغنى رجل في
العالم" الذي يمكن إطلاقه صدقًا، وصفًا على رجل، ثم على آخر من بعده، وهكذا، أو كالقول: "آخر لحظة في..."، من دون إدراك أي لحظة هي أو متى ستكون، أو إن كانت سوف تكون (مثلً لوجود الكون)، والاستناد ولو ضمنيًا إلى هذا الوصف مقياسًا للمقارنة بين اللحظات الماثلة أمامنا. مهما كان الأمر، يُقرّ سِن بجاذبية القول بعدالة كاملة أو مطلقة، ومع ذلك، يضيف أنّ النظريات التي
لا تسعى للكمال هي الأكثر واقعية؛ لكونها تخاطب الواقع المعيش من جهة، وتُبقي المجال مفتوحًا
للتطوير والتحسين المستمرين من جهة أخرى. ومن الناحية العملية، يضيف سِن إلى نقده الإشارة
إلى مسألة أخرى تتعلق بمدى فائدة تعريف النظام الأفضل، وهي جاهزية المؤسسات في المجتمع لتطبيقه؛ أي حتى لو افترضنا جدلً أن لدينا تعريفًا نظريًا لهذا النظام الأفضل وشرعنا في تطبيقه، فإن السؤال هو: هل أن مؤسسات المجتمع (الأجهزة المختلفة التشريعية والقضائية والتنفيذية ودوائر الحكم والخدمات المختلفة والمنتشرة والذين يديرونها كلها) على قدر الاستعداد المطلوب لتنفيذ متطلباته؟ يُشير سِن بهذه الملاحظة إلى الهوة التي تفصل بين الكمال والبشر. ويؤكد في كلامه ضرورة معاينة الواقع للمباشرة في إزالة المظالم وتحقيق العيش الكريم بدلً من التنظير في العموميات. نستطيع مما سبق أن نتعرف إلى نظر سِن تجاه هذه المفاهيم التي تتناولها أدبيات الفلسفة السياسية التي يخاطبها، فهو يريد كما يبدو "إنزال" هذه المفاهيم من طبقاتها النظرية العالية إلى أرض الواقع، بحيث يمكن هنا الاستفادة منها عمليًا، وعلى نحوٍ قد يتضح أنه أقرب حقيقةً إلى ما نريده منها. قد تساعدنا
هذه الخلفية لتقييم دواعيه لما أسماه لاحقًا "مساواة المقدرة"، ومن ثم "مقاربة المقدرات" أو "التمكين"
. Capability Approach
ثانيًا: ما المساواة؟ ولماذا؟
كما رأينا، فإن "الخلل" الجوهري الذي يراه سِن في النظريات الاجتماعية/ الأخلاقية التي تسعى للكمال، هو أنها تسعى لنموذج لا يمكن تحقيقه، في حين يمكن معالجة الأمور التي تريد أن تتناولها بما هو أكثر بساطة ومباشرة، من خلال تقديرات عملية لما هو الأفضل في حالات عينية. أما الآن، فهو يتناول نماذج لتلك النظريات الشمولية، ليبيّن أنها لا تحقق أهدافها المعلنة؛ إما بسبب خلل في معاييرها
القياسية أو لأنها لا تفي بادعاء كفايتها وشموليتها. يخصص سِن محاضرته "المساواة بماذا؟" لتناول نظريات تلك المدارس الفلسفية فقط (المنفعية، والرفاه كحاضنة أوسع لها، ونظرية رولز) التي تعتمد الفرد مدخلً لها لتصميم نظُمها، وقد نميز هذه بالقول إنها فلسفات "ليبرالية". تختلف هذه عن تلك التي ترفض أصلًاعتبار الفرد وحدة قياسية لأغراض تحديد القيم الأخلاقية في المجتمع التي تصح لوضع تصاميم للحياة الخيرة. كما في موضوع العدالة، ينظر سِن في تعريف المساواة الذي يضعه المنفعيون Utilitarians والرفاهيون Welfarists ورولز، وينتقدها جميعًا بصفتها نظريات مطلقة أو تدعي الاكتمال. ويخلص إلى القول بمساواة من تعريفه هو، أسماها مساواة التمكين Equality Capability. وجه القرابة بين هذه جميعًا في الأصل هو تضمين فكرتَي العدالة والمساواة في تصميمها، على النحو الذي ترتئي النظرية أنه الأقرب إلى ما هو "أفضل"، مع فارق أن "الأفضل" بالنسبة إلى سِن هو تعريف موقعي لاحتياجات الفرد الأساسية من المتوافر، وهو قابل للتحديث والتحسين المستمر. في حين أن النظريات موضع النقد هي تصاميم أو أنظمة اقتصادية شمولية تعتمد عناصر عامة لتحديد المنشود، وهو ما تعتبره المساواة الفضلى "الواقعية" بين أفراد رقمية في المجتمع.
(4) Amartya Sen, Equality of What? vol. 1 (Cambridge: Cambridge University Press, 1980), pp. 197–220; Amartya Sen, Choice, Welfare, and Measurement (Oxford: Blackwell, 1982), pp. 353–369.
باختصار، لو افترضنا أن كل الأشياء التي يمكن الفردَ حيازتها هي منافع (بحسب النظريات المنفعية)، وخيرات (بحسب الرفاهية ورولز) بمعنى ما، وتُفسَّر دواعيها الإنسانية إما نفسيًا (بصفتها رغبات لدى
الفرد تُحدّدُ عند المنفعيين بأثر رجعي عند تحقيقها)، أو عقلانيًا (بصفتها نظامًا اجتماعيًا يوضَع بتوافق
المشاركين عليه) أو خليطًا من هذه وتلك، ولو أخذنا في الاعتبار الصورة الشاملة لهذه المنافع والخيرات معيارًا للمساواة، فإن مساواة التمكين تنفرد عن غيرها بالمطالبة بالتحقق من أوضاع الفرد العينية في أي تصميم يوضع، وبخاصة في قدرته الحقيقية على تسخير المتوافر من المنافع والخيرات، لتحقيق ما يريد أن يكون وأن يفعل؛ أي في الأثر الفعلي لهذه المنافع والخيرات في حياته. يختلف مفهوم الإرادة هنا عن الرغبة (كما هي عند المنفعيين)، بحسب تحديد الأخيرة بعديًّا لديهم، فهي ما قام الفاعل
به، بينما الإرادة عند سِن قَبليّة؛ أي مقترنة بما لم يقم الفاعل به بعد (فهو ما يريد أن يفعل). وتختلف
خيرات رولز عن احتياجات سِن؛ بأن الأولى عامة والثانية هي ما يحتاج إليه الفرد منها (كتوفير وسائل ميسّرة للكفيف). وبما أن منظور سِن للمساواة هو أقرب إلى أن يكون تقديرًا للحالات العينية من كونه
نظرية عامة، ولا يعتمد "وحدات المنفعة" كمًّا وعددًا أسسَ القياس للبت في أحوال الناس، ولا يكتفي
أيضًا بوجود البيئة السياسية الميسّرة لهذه الأحوال، فهو ينفرد بالنظر في تحليل تلك المعوقات التي
تمنع الإنسان في أي بيئة (من المنافع والخيرات) التي يعيش فيها من التقدم بحاله وتحقيق حياة كريمة لنفسه. يكتفي سِن بوصف هذا المنظور بأنه "مقاربة" (ومقاربة التمكين)، بخلاف ما يطرحه المنفعيون وغيرهم على أنه نظريات متكاملة. يخصص سِن نقده للنظريات المذكورة في تحليل معايير القياس التي تعتمدها، ساعيًا لتبيين التعارض
بين نتائج تطبيق هذه المعايير مع مبادئ النظرية نفسها وأهدافها؛ وهو ما ينتقص من سلامتها. فبحسب ما يوضح، يعتمد المقياس العددي (لإعطاء التعريف الأفضل للمساواة) الذي تعتمده النظرية المنفعية على مفهوم المنفعة الحَدّية Utility Marginal، وذلك من خلال التوصل إلى توزيع للفوائد بحيث
تكون هذه المنفعة الحدية هي المتساوية بين الأفراد، وبحيث تصبح المنفعة الإجمالية للمجتمع ناتجًا
عدديًا لهذه على أتمها. الفكرة العامة، هي أن المنفعة الحدية لكل فرد من وحدة ما من وحدات الخير أو الفائدة تتناقص بالزيادة عليها، وذلك حتى تصل إلى الحد الذي تصبح فيه أي إضافة أخرى إليها ليست بذات قيمة إضافية إلى ذلك الفرد، بينما لا يزال الآخرون في حاجة إليها. يتطلب هذا إعادة توزيع هذه المنفعة على آخرين يفتقرون إليها، حتى تصل منفعتها عند كل منهم حدَّها. وتتحقق هنا المساواة في المنفعة الفردية من تلك الوحدة بين الأفراد. ولا يكون توزيع الوحدات نفسها (الدخل مثلً) بينهم هو المقياس في المساواة، بل التساوي في المنفعة الحدية بينهم. من المهم جدًّا إضافة معلومة هنا؛ إن المنفعة الحدية التي يجري الحديث عنها في هذا السياق تشمل منفعتها الإنتاجية، أي بالنسبة إلى المال مثلً، ليس فقط إن كان هذا يكفي الفرد للملبس والغذاء والترفيه الشخصي... إلخ، بل إن كان الفرد راغبًا في/ وقادرًا على إنتاج منافع جديدة منه (كالاستثمار في مصنع
مثلً) أيضًا. يوسّع هذا هامش المنفعة الحدية عند ذلك الفرد، ويفتح المجال للحديث عن توسيع
المنفعة الإجمالية للمجتمع التي يمكن الاستمرار في الإضافة إليها من هذه الحيثية، من دون المساس
بالمساواة الحدية بين الأفراد بحسب التعريف ولكن بتداعيات سلبية. ويعتبر سِن نظرية المنفعة نموذجًا
واحدًا للنظرية الأشمل وهي نظرية الرفاه؛ بمعنى أن كلتيهما تقيسان فائدة الفعل بما ينتجه، مع فارق أن نظرية الرفاه لا تقيس المنفعة العامة فقط بمقياس ما أسميناه "المنفعة الإجمالية" عدديًا، بل تُضيف إليه الاعتبار الأهم في نظرها وهو خيرية المنافع ذاتها. فالحال الاجتماعية الفضلى لديها (أو الخير العام)، هي التي تحتوي على أفضل الخيرات وليس فقط على أكثرها عددًا. تطرح هاتان النظريتان مدخلين، بحسب منظاريهما لمقارنة المساواة بين حالين أو أكثر وللتسوية بينهما، هما منظار العدد الإجمالي للخيرات أو المنافع فيهما، أو منظار أكثر الأفراد عوزًا في كل منهما. ينتقد سِن هاتين المقاربتين للمقارنة، كلتيهما لسبب. بالنسبة إلى المنظار الأول، فهو يقول إن "التسوية"، بناء على العدد الإجمالي المنشود من إعادة التوزيع سوف يكون مبنيًّا، بحسب النظرية، على فوائد
أو منافع افتراضية تعود للفرد لا يمكن حسمها؛ فهي ما نفترض أنه العائد المنفعي لكل فرد/ وليست وحدات المنافع/ الخيرات نفسها (مثلً: ليس كمية معينة من المال، بل المنفعة الحدية من هذه الكمية عند هذا الفرد أو ذاك). والمنفعة الحدية، كما تُعرَّف، هي قيمة متغيرة بحسب كل وحدة خير وكل
فرد، وهي ليست آنية فقط، بل افتراضية أيضًا. وما يعنيه هذا هو أن المقارنة على أساس مجموع هذه العوائد بين حالين لتحديد أفضلهما، بهدف إعادة التوزيع وتحقيق المساواة، سوف تكون افتراضية هي الأخرى ولن تعكس صورة حقيقية. ويضيف سِن مشكلة أخرى تعترض المقارنة العددية السليمة بين حالين وهي أن الرفاه لا يأخذ بمعيار مبادلة الخيرات في سلم تراتبي (إذ تعتبر أن ضرورةَ وجود خير ما لا تلغيها ضرورةُ وجود خير آخر commensurable) – Non، في حين أن المبدأ التبادلي بحسب التسلسل التراتبي يوجد في الأخرى (المنفعية). يمكن تجاوز مشكلة التراتب الأخيرة في الرفاه، وتحديد النظام الأفضل للمساواة من وجهة نظرهما، من خلال المنظار الآخر للمقارنة الذي يقترحانه، وهو منظار أكثر الأفراد عوزًا في كل منهما، أي تحديد أيٍّ من حالين هي أقرب إلى توفير النظام الأفضل للمساواة من الآخر، من خلال تحديد
الفرد الأسوأ وضعًا في كليهما. فالمقارنة يمكن أن تكون بين فردٍ هذا وضعُه (الأكثر عوزًا) في حال، وبينه لو كان موجودًا في حال أخرى، أو بين فردين هما الأكثر عوزًا في كلٍّ من هاتين الحالين. نظريًا، تصح هذه المقارنة بين الحالين أيضًا (في حالة قبولها) إذا تساوت المنافع الحدية بين هذين الفردين؛ إذ يمكن حينها النظر في فردين يأتيان في درجة أقل عوزًا من الزوج الأول، فإذا كانت منافعهما متساوية، ننظر في الفردين الأقل عوزًا منهما، وهكذا على التوالي حتى نصل إلى نقطة تفضل فيها إحدى الحالين على الأخرى. في كل الحالات، تقود إمكانية المقارنة، بموجب هاتين النظريتين (المنفعية والرفاه) بين الأفراد أو الأحوال، إلى توضيح المعنى المقصود للمساواة عندهما؛ أي المساواة الحَدّية. وتجدر الإشارة هنا، وفقًا لمنظور سِن، إلى أن مقاربة "أكثر الأفراد عوزًا" شبيهة
أيضًا بالمبدأ الثاني في نظرية رولز (بعد التوافق بين العقلاء على رزمة خيرات أولية)، مع فارق أن الأخيرة تتحدث عن الخيرات وليس عن وحدات منفعية، وتكتفي بوضع حالة واحدة "للأكثر عوزًا" كحدها الأدنى الذي يستلزم تدخلً لإعادة توزيع الخيرات.
أتوقف هنا قليلً لتوضيح جانب من خلفية الكلام التي يفترضها سِن في مقاله؛ وهو اعتماد معيار الرغبة لدى الفرد في هاتين النظريتين (المنفعية والرفاه) لتحقيق سعادة أو لذة أو ما يشبههما أثناء اختياره الفعل الذي يقوم به عند المنفعية، أو اختياره الخير عند الرفاه. كما قلنا سابقًا، لا يقرّ سِن من الناحية المبدئية
بهذا المنظور (الرغبة في الشيء والناتج العددي لوحداته)، لاحتساب ما هو نافع للفرد أساسًا، لكنه
يوضح من خلال ملاحظاته السابقة أن المقارنة بين حالين بمعيار الناتج العددي الذي يلجآن إليه لن تفيد أصلً. يبقى المعيار الآخر وهو معيار "الأكثر عوزًا"، والذي يقرّ سِن بسلامته حسابيًا، لكن نقده
لهذا المعيار أكثر عمقًا، كما سنبيّن ذلك لاحقًا. وفضلً عن نقده لمعايير القياس في هاتين النظريتين،
يخضعهما سِن لمجهر توافقهما مع مبدأ أو مبادئ أخلاقية لهما، أكثر عمومًا في النظرية نفسها، ومع
نتائج تطبيق هذه النظرية على حالات عينية على نحوٍ خاص. بالنسبة إلى النظرية الأولى (المنفعية)، يحدَّد الهدف الأساسي بحسبها وهو الخير في المجتمع، كتحقيق المنفعة الإجمالية، بغض النظر عن كيفية توزيع هذه المنافع بين الأفراد؛ ما يتطلب، كما ذُكر سابقًا، المساواة في المنافع الحدّية بين الجميع. لكن المبدأ الأخلاقي الأعم لهذه النظرية هو توفير
الأوزان المتساوية للمصالح المتساوية لكل الأفراد. تطل المشكلة هنا بوجهها، كما يرى سِن، إن نحن لم نحدد مسبقًا مضامين هذه المنافع وتراتبًا رقميًا لها، وتركنا هذه الأمور للفرد نفسه كما يصح أن تكون
في هذه الحالة، وأخذنا في الاعتبار أن طبائع الأفراد متباينة، فسوف تتباين بل قد تتناقض مضامين هذه المنافع بالنسبة إلى الأفراد (ما قد يسرّ أحدهم، كرفع صوت المذياع مثلً، لا يسرّ الآخر مثلً)، وسوف
يقود الوضع إلى أن تنتقص المنافع الحدية الإضافية عند البعض، بل سوف يُسمح فيه بأن تكون أي
إضافة إلى المنفعة الإجمالية (كالجمع العددي للمنافع الحدية) في هذه الحالة، ولو كانت يسيرة، غالبة (أي أكثر نفعًا) على أي توزيع غير منصف بين الأفراد؛ ما يتناقض مع المبدأ العام للنظرية نفسها، وهو التوزيع المتساوي بحسب مصالح الأفراد المتساوية. أما عند تطبيق هذه النظرية على حالات عينية، فتطل علينا مشكلة أخرى؛ هي أننا لو وجدنا أنفسنا أمام فردين أحدهما ناشط والآخر مشلول، فكانت المنفعة الحدية من إضافة خير ما كالمال للأول أكثر منها للثاني، فإن النظرية تفرض علينا أن يعطى الأول هذه الإضافة، علمًا أن الثاني بسبب وضعه قد يكون
أكثر حاجة إليها، وهذا يتناقض مرة ثانية مع مبدأ أن يضمن التوزيع التساوي المنشود للمصالح. أما بالنسبة إلى النظرية الأكثر عمومًا (الرفاه)، فقياس خير حال ما عندها، مقرون بخير المنافع (أي ليس
بعددها كما في النظرية الأولى). سبق أن استعرضنا بعض المشكلات المنهجية التي أشار إليها سِن في هذا التصميم، ومنها ضرورة اللجوء إلى فرزٍ بين هذه المنافع الخيرية، من دون اعتبار أوّلي لتراتب
أحجامها الكمّية. والآن فهو يريد أن "يمتحن" هذا التصميم بالمعيارَين المذكورَين سابقًا (التوافق مع
المبدأ والحالات العينية). وباختصار، يفرض منطق هذا التصميم علينا تجاهل هذين المعيارين كليًا،
(((خضع مفهوم "الرغبة" لكثير من التحليل منذ أول استعماله في هذا السياق لدى جيريمي بنثام Bentham Jeremy
(1748–1832). وكرّس سِن كثيرًا من أعماله للخوض في هذا الموضوع، ومن ملاحظاته أن هذه قد تعبّر أحيانًا عن خيارات "مُرغمة "
وليست "حُرّة"، كالزوجة التي تُخضع إرادتها لسطوة زوجها، فتعبّر عن رغبات لا تعود في الحقيقة بالخير أو المنفعة عليها.
فنحن لو أقدمنا على وضع أربعة خيرات منفعية ليست خاضعة للتبادل وبأحجام ليست محددة كمّيًا
(أ، ب، ت، ث)، فسوف نقول على أي حال إن الزوج (أ، ث) يعكس حالة عدم تساوٍ بين فردين أو حالين أكثر من الزوج (ب، ت). فلو كان اهتمامنا هو المساواة فقط، أي ليس الكميات، لقلنا إن (ب، ت) أفضل على الأقل على أي حال من (أ، ث). والآن لو قررنا أن أخْذَ الكميات في الاعتبار أيضًا ضروري للمقارنة، وحددنا هذه أن تكون (2، 3) للزوج (ب، ت)، فلن يفرق هذا عن أي توزيع كمّي
في الزوج الآخر؛ أي مهما كان التوزيع بينهما أكبر حجمًا أو أقل. نستنتج من هذا أن الالتزام بمبدأ
مساواة أوزان المصالح بين الأفراد ليس حاسمًا؛ ما يدل أيضًا على عدم ضمان المساواة الناتجة من
هذا التصميم في حالات عينية. المشكلة الرئيسة التي تكمن وراء هذه التناقضات التي يشير إليها سِن، هي أن هاتين النظريتين لا تنظران إلا إلى المعلومات المنفعية لتحديد منظورهما الأخلاقي؛ أي من دون اعتبارٍ لمضامين هذه المنافع أو تباين كميات الاحتياجات إليها عند الأفراد، بل على آثارها العينية في أي عدد منهم في سبيل "المنفعة الإجمالية" أو "الخير العام". ولا يمكن إيجاد مخرج من هذه التناقضات، حتى لو جمعنا إيجابيات النظريتين معًا. فهل نجد بديلً لهما في نظرية رولز؟ ليس هذا موضع نقاش نظرية رولز في العدالة كالقسط أو الإنصاف، لكن ما يهمنا هو شمل معيار "الأكثر عوزًا" فيما أسماه رولز "المبدأ الثاني" في نظريته. يشكّل "الأكثر عوزًا" عند رولز الحد الأدنى الذي لا يُسمح لأي إضافة جمعية في الخيرات، من دون أن تعود بالمنفعة عليه؛ أي ليس فقط أن
لا تنتقص من خيراته. يعود هذا بنا إلى التعمق في فهم نقد سِن لمنظور "الأكثر عوزًا". يتحرّى سِن
أولً تداعيات هذا على ما يعتبره أساسيًا في انتهاج أي نظرية في المساواة (التوافق مع المبدأ العام
والحالة العينية). يسوق سِن مثال "المشلول" للدلالة على عدم كفاية معيار رولز، بالرغم من أن خيرات رولز الأولية (كالحرية والحقوق وأسس احترام الذات)، خلافًا للوحدات المنفعية، لا تسمح بتزايد منافع البعض على حساب الآخرين. لكن مشكلتها الرئيسة تكمن في أنها لا تعالج المشلول بتاتًا! يستدلّ سِن بمثال "المشلول" هنا على جميع الذين تواجههم معوّقات عملية، تحولهم عن تحقيق
ما يريدون أن يكونوا أو يفعلوا، بغض النظر عن ادعاء توافر الخيرات أو المنافع في بيئتهم. وفي حين يعتقد رولز أن هذه الفجوة في النظرية بخصوص القلة الأكثر عوزًا ليست بذات قيمة، ولا تنتقص من كمال نظريته، يخالفه سِن قائلً إن إهمالها يشير إلى تناقض في معايير المساواة، وخاصةً أن حالات الأكثر عوزًا واحتياجًا (كما يعرّفها) ليست فريدة كما يدّعي رولز، بل هي الأكثر انتشارًا بين الناس.
يستخلص سِن من هذه الملاحظة أن مساواة رولز تهتم بوجود الخيرات، ولكن ليس بعلاقتها بأفراد المجتمع الذي توجد فيه؛ أي أثرها فيهم. بطريقة ما، تتجاهل هذه النظرية الاحتياجات الكثيرة عند الأفراد، من أقلها إلى أكثرها تأثيرًا فيهم، وبتجاهلها ذلك فهي غير "بصيرة أخلاقيًا!" فنحن في حاجة،
كما يقول سِن، إلى نظرية مساواة بمنظور جديد يخاطب هذه الأمور يمكن تسميتها "مساواة التمكين".
(6) Rawls, p. 75. (7) Sen, Equality , pp. 16–215.
ثالثًا: الأمم المتحدة والتمكين
أطلقت الأمم المتحدة في بداية العقد الأخير من القرن العشرين مبادرة جديدة، بالاستعانة بوزير التخطيط السابق لباكستان الدكتور محبوب الحق، لاستبدال المقاييس الاقتصادية العامة المستعملة حتى ذلك الوقت، من أجل تحديد مواقع الدول النامية في جداولها بمقاييس جديدة أكثر شمولً وواقعية تحوي – إلى جانب الاعتبارات الرقمية المتداولة كالناتج القومي ومعدل دخل الفرد ونسبة الأمية وطبيعة الحكم وغيرها – اعتبارات إضافية تتعلق بالفرص المتاحة عمليًا لأفراد المجتمع، للاستفادة من تلك
الخدمات أو الحقوق المتوافرة نظريًا لهم في دولهم. وشرعت تقارير الأمم المتحدة هذه (تقارير التنمية
الإنسانية) في الاستعانة منذ ذلك الوقت بأفكار سِن بخصوص ما سُمِّيَ لاحقًا "مقاربة التمكين"؛ وهي
نظرية تدعو إلى "اختراق" المقاييس الجماعية بأشكالها الأيديولوجية والاقتصادية المختلفة، للوصول إلى الحالات المعيشية الحقيقية للأفراد، لإلقاء الضوء على أحوالهم وتحديد الفرص العملية للنهوض بها. ويُعرّف سِن هذه المقاربة للنظر في المجتمعات ببساطة كمقياس حرية الفرد لتحقيق ما يريد أن يكون وأن
يفعل. ومفاد هذه الفكرة أن في تطبيق هذا المقياس على الفرد، أينما كان وكيفما كان الظرف الذي يعيش فيه، يمكن تحديد تلك العوائق التي تفصل بينه وبين ما يريد. هذه العوائق هي التي يجب إزالتها من خلال تمكينه بإجراءات عملية لتحقيق ذلك. بهذا، ترى مقاربة التمكين ضرورة السعي عينيًا لتمكين الفرد من
النهوض بواقعه، وتوفير الحياة الكريمة لنفسه، وهي بذلك تشكل ح لً أفضل للأفراد من نظريات العدالة والمساواة الشائعة والعامة، أو قل: في خطاب الأيديولوجيات أو الفلسفة الليبرالية. ولقد شاع استعمال مصطلح "التمكين" منذ ذلك الوقت، ليس فقط في أروقة الأمم المتحدة وتقاريرها، بل أيضًا في مجتمع "الجمعيات اللاحكومية"، وخاصة في الدول التي تتلقى المساعدة، بحيث أصبح المصطلح متداولً بينها للدلالة على مقياس جديد وإيجابي لتنمية المجتمع. لكن المصطلح، في سياق المقاربة التحليلية التي أطلقها سِن، سرعان ما احتل مكانة لافتة في أدبيات الفلسفة السياسية، مِن مؤيد ومعارض، حتى أمكن القول إنها اليوم جزء أساسي من المشهد الفلسفي كما الاقتصادي. وفي مرحلة مبكّرة، انضمت نوسباوم إلى سِن لترويج هذه المقاربة والدفاع عنها، مستعينة بالفكر الفلسفي الأوسع بخصوص المساواة والعدالة الاجتماعية، إلا أن أفكارهما ما لبثت أن تباينت، حينما شرعت نوسباوم في محاولة لما ارتأته استكم لً ضروريًا لأفكار سِن. ويشير الفراق
بينهما إلى وضوح أكثر لفكر سِن كما سوف نرى. شرع سِن (ومعه أيضًا نوسباوم) في توضيح آرائه مباشرة بعد مقاله في المساواة وتعريفه لها على النحو الذي اعتبره بعض الفلاسفة، ومنهم جيرالد كوهين، محدودًا جدًّا. "فنّيًا"، وجد كوهين في استعمال
(((لإلقاء نظرة موجزة على تاريخ هذه المبادرة وتطورها، يُنظر:
William F. Birdsall, "Development, Human Rights, and Human Capabilities: The Political Divide," Journal of Human Rights , vol. 13, no. 1 (2014). (9) G.A.H. Cohen, "Equality of What? On Welfare, Goods, and Capabilities," in: Cohen, On the Currency of Egalitarian Justice, and Other Essays in Political Philosophy (Princeton: Princeton University Press: 2015), pp. 44–72.
سِن لمصطلح "القدرات" في ذلك المقال (وما جاء بعده من كتابات) شيئًا من الغموض، بل عدم
الدقة. فسِن يخلط مثلً، كما يبيّن في بعض الأمثلة، بين أمرين هما القدرة على عمل الشيء والعمل
أو الشيء نفسه (أو حيازته)؛ مثلً، بين قدرتي على الحركة وحركتي كفعل، فأيّهما يقصد سِن؟ وعند الكلام عن الأولى، ليس واضحًا إذا كان يشمل فيها كل ما في قدرتي أن أفعله، كأفعال يومية عادية، أو
كخيارات عامة، أم فقط تلك الأمور التي يمكن تصنيفها خيراتٍ. مِن جهة أخرى، أيستثني إذًا كل تلك الخيرات التي أتمتع بوجودها من دون فعل أو اختيار قصديّ منّي (مثلً، صحة البيئة)، أم يشملها؟ وأخيرًا، عندما يكون التمكين الذي يتحدث عنه ليس هو القدرة وإنما الخير نفسه الذي أحصل بها
عليه، أيكفي النظر فيه من باب الأثر الذي يتركه هذا الشيء فيّ (كما يقول سِن)، أم علينا أن نأخذ في
الحسبان أيضًا كل الأوجه التي أتعامل فيها مع ذلك الشيء (مثلً، معطف أقتنيه لحاجتي، أو وظيفة أشغلها تترك آثارها في غيري، أو هدية أشتريها كي أهديها من أحب)؟ فكيف يمكنني قياس هذه الآثار المتباينة كما تتطلب مقاربة سِن؟ نذكر أن سِن ينتقد المنفعية (الرفاه) التي تستعمل مقياس العدد (و/ أو) النوع لكل الأمور التي ينشدها الفرد لإرضاء رغبة لديه، كما ينتقد ما أسماه رولز "الخيرات الأولية" معيارًا لمنظور المساواة. لكن انتقاده لهاتين النظريتين بالأساس يتعلق بالمعايير القياسية، وليس بمضمون العوائد النفعية أو بالحقوق أو الخيرات الأساسية. فيقع موقفه، كما يقول كوهين، بين الاثنين؛ بمعنى أنه يهتم بالأشياء نفسها المرغوب فيها (المنفعية) من جهة، ويهتم بالظرف المعيشي الأساسي للفرد (الحقوق أو الخيرات المتوافرة له – رولز) من جهة أخرى. وإن كانت ملاحظاته النقدية المتعلقة بمعايير القياس عند النظريتين في محلها، وكانت ملاحظاته بخاصة للتمييز بين الفرصة المتاحة للفرد لكي يستفيد من أمر ما والاستفادة فعلً منه في محلها، فلا يعني هذا أنه يخرج بمقاربته التي يطرح من إطار هاتين النظريتين "الليبراليتين"، بل هو عالق بضرورة موضوعية بينهما. فيختصر كوهين موقفه بالقول إن إضافة سِن إلى الموضوع لا تعدو كونها اعتبار المساواة "كالفرصة المتاحة لكل فرد لكي يستفيد من أمر ما يرغب فيه (و/ أو) هو خير له". (يعتبر كوهين أن هذه المعادلة متدنية جدًا لتحقيق المساواة بمعناها المأثور، ويطرح بديلً منها معادلة "الحصول على تلك المميّزات المتوافرة للجميع Equal to Access
Advantage، والتي تخاطب حالة "اللامساواة" على نحو أكثر واقعية). إذا وضعنا نقد كوهين (وآخرين) الفلسفي جانبًا، فلا شك أنه يُثير كثيرًا من الأسئلة الفنية التي لم يعالجها
سِن في مقاله الأول عن المساواة، ويتعلق معظمها بضرورة التدقيق في المفاهيم من أجل قياسها عمليًا،
كمعنى "الأثر" في الفرد، ومعنى "الإرادة" في هذا السياق، ومعنى "الممكن"... إلخ، مستخلصًا من
الإبهام الموجود في هذه المصطلحات عدم وجود أي جديد ذي شأن في فكرة سِن، سوى الحاجة إلى توسيع عنصر المساواة ليشمل "الفرصة المتاحة للفرد" وذلك للتوفيق بين رولز والنظرية المنفعية. في معرض ردّه على كوهين، يتوسع سِن في شرح أفكاره، من جهة، مبينًا قصور تحليل كوهين عن
(10) Amartya Sen, "Capability and Well–Being," in: Nussbaum & Sen (eds.), pp. 30–53.
إدراك مرامي هذه الأفكار، وتحرّيًا، من جهة أخرى، ربط هذه الأفكار بتوفير معايير قياسية، تمكننا من
تقييم نتائج تطبيقها عمليًا على أرض الواقع في سياسات اقتصادية. بالنسبة إلى الشق الأول، يعيد
التأكيد على أن مقاربته تختلف جذريًا عن النظريات التي يذكرها كوهين؛ فهي تتعرض على نحو أوّلي ليس لما يتوافر من منافع أو خيرات أو مصادر طبيعية أو خدمات أو رواتب أو ما شابه، وإنما لما يتمكن الفرد من توفيره لنفسه منها، لتحقيق ما يريد أن يكون أو أن يفعل. نأتي هنا إلى جوهر الفرق بين مقاربته والنظريات الأخرى؛ فهو ينظر إلى ما وراء المتوافر نظريًا أو عمليًا في المجتمع، للتأكد من انعكاس
هذه الأمور على حياة الفرد، وإلى تلك الأمور التي يعتبرها الفرد ذات قيمة له، ومن ثم يريد تحقيقها. في هذا السياق، يميّز سِن بين "الممارسات" Functioning والقدرات أو الإمكانات Capabilities؛
فالمشكلة عنده لا تكمن في معايير قياس "الحياة الخيّرة" في الممارسات (أكانت هذه من فعل الفرد أم
من غيره، وأكانت منافع أم خيرات أم ما شابه)، وإنما في معايير قياس ما يريده الفرد في إطار الإمكانات المتوافرة. تكشف المقاربة هنا عن مراميها الواسعة (وقد يكون أيضًا عن مكامن التشكك فيها) التي لا تشملها النظريات الأخرى؛ فكيف نقيس – بل نحدد – هذه الإرادات وأثر تمكين الفرد من تحقيقها، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أنه يتعامل مع الأخيرة على أنها قيمة متغيّرة يختلف تعيّنها باختلاف
الحالة الفردية التي يُنظر فيها؟ يعتبر سِن أن الموضوع ليس مستعصيًا؛ فيمكننا أولًالتمييز بين القدرات والممارسات، والتحقق من
الممارسات العينية للفرد، والتمييز بينها بصفتها عناصر منها ما يساهم في الحياة الخيّرة له، كما يرى،
ومنها ما لا يفعل ذلك ولا يسعى له أصلً؛ ما يعكس صورة إجمالية لنوعية الحياة التي يرتضيها، ويتيح تحديد تلك الممارسات التي يعدّها الفرد مساهمةً في تحقيق ما يعتبره خيّرًا. ثم نأتي ثانيًا إلى القول
إن "الفئة" التي تصف إمكاناته ذات الشأن هي أولً تلك التي تحوي هذه الممارسات، لكننا إن اخترنا أي موقع أو نقطة من هذه الممارسات أو مجموعة نقاط أو مواقع في إطار هذه الفئة، يمكننا حينئذ أن نحدد "إرادات" لكل منها يعتبر الفرد تحقيقها ذا قيمة (إضافية) له تصبح هي (أي هذه الخيارات) فئة جديدة تكون نقطة ارتكازها هي ذلك الموقع العيني، ولكنها منضوية في فئة الممارسات التي بدأنا بها. يمكننا طبعًا استعمال مفهوم الفئة أو توظيفه للمفاضلة بين مجموعتين عينيتين أو أكثر، لكن سِن يذهب أبعد من ذلك للحديث عن فئة "ممارسات/ إرادات ممكنة" تنضوي في فئة الممارسات الفعلية؛ ما يقوده إلى النظر في الفرد نفسه باعتباره "فئة" أفعال وبدائل منها (بدلً منه نقطة هامدة أو ثابتة أو جوهرًا أوليًا بحسب التعريف الأرسطي له). وهو الأمر الذي يثير عدة تساؤلات حسابية وفلسفية. في سياق الحديث عن البدائل والاختيارات بينها والإمكانات، لا مناص من التطرق إلى الحرية، كما لا مناص من التطرق إلى الممكن، وهذان الموضوعان متداخلان وإن لم يتطابقا. بالنسبة إلى الموضوع الأول، كما يقول سِن، قد يثير أحدهم إشكالية التعدد غير المحدود لبدائل الممارسة العينية التي تشملها نظريًا حرية الاختيار؛ ما يعني أننا إن حاولنا بدءًا تعيين فئة الإمكانات/ الإرادات
هنا، فسوف نجد أنفسنا أمام تعدد يفوق بكثير قدرتنا على الاستفادة منها لأهداف القياس المنشود (بالنسبة إلى كل حركة إرادية تصدر منّي مهما صغر شأنها، أستطيع افتراض حركات بديلة كثيرة).
يتغلب سِن على هذا الاحتجاج بالقول إن المطلوب في هذه الحالة (أي، عندما نتحرى تحديد القدرات ذات الشأن) ليس تحديد كل ما أستطيع اختياره في نقطة ما في البداية، وإنما تحديد تلك الأشياء في كل نقطة لها قيمة لدي من بين هذه البدائل/ الخيارات كافة. وهذه هي التي أستطيع اعتبارها أوليًا
مقياسًا لتقييم موقع الفرد من تحقيقه لما يريد أن يكون وأن يفعل. إن كان ما يقول سِن يعالج المسألة الحسابية، فهو لا يعالج المسألة الأكثر عمقًا وهي معنى "الممكن"، وهو الموضوع الأصعب الذي نال اهتمام الفلاسفة تاريخيًا، والإشكال هنا يتعلق بطبيعة هذا الممكن
الافتراضية. الإشكال شبيه إلى حد ما بملاحظة سِن نفسه بخصوص المنفعة الحدية (الحسبة الافتراضية التي، كما قال في ذلك السياق، لا يمكن اعتماد حاصلها أو من ثم جمعها إلى المنافع الحدية الأخرى). فبدائل العيني في هذه الحال أيضًا افتراضية، ليس فقط من حيث المفاضلة بين الأوزان، بل حتى من حيث افتراضها أصلً بدائلَ من الممكن، أو كان من الممكن (أيًّا من هذه يقصد؟)، تحقيقها! والإشارة إلى البدائل "الممكنة" بصفتها موجودات قابلة للقياس أمر يثير التساؤل؛ ما يعني، عند العودة إلى تعريف سِن لفئة الإمكانات التي تشمل البدائل المشار إليها، أن الخلل الجوهري في هذا التعريف قد يكون وضع بدائل وهمية إلى جانب الأمور العينية، وتطبيق المقياس نفسه عليها جميعًا! قد يردّ سِن على هذا الاعتراض بالقول إن المقصود ب "الممكن" هنا هو مجرد الإرادات (النفسية والعقلية) في ذهن الفرد، وفئة هذه ليست لعناصر "غيبية"، وهي التي يقصد تضمينها في الصورة الإجمالية إلى جانب فئة الإرادات ذات الشأن التي تتجسد في الممارسات (نظريًا، يمكن وضع معادلة رياضية يُقارَنُ فيها وضعُ الفرد بين حالين، تشمل إحداهما فئة الممارسات العينية فقط، بينما تشمل الأخرى الممارسات العينية إلى جانب إرادات لم تتوافر، وقياس "التمكين" المطلوب في هذه الحالة).
رابعًا: نوسباوم والفلسفة
بغض النظر عن الإشكال الذي يتعلق بالمعايير القياسية للممكن أيًا كان تعريفه، فالذي يدعو إليه سِن في جميع الأحوال، للنظر في الكيفية المعيشية للفرد وكيفية النهوض بها لتحقيق ما يصفه بالعيش الكريم، يبدو أكثر "إلحاحًا" من النظريات الأخرى التي تعتمد معايير قياسية تتجاهل الاحتياجات العينية للأفراد، وخاصة أولئك الذين تعوقهم عقبات ليست إزالتها مستحيلة من خلال سياسات مُبصرة
لهذه الاحتياجات، وقادرة على إيجاد الحلول العملية لها. استعمل سِن مصطلح "المقدرة الأساسية" في مقاله عن المساواة، للتعبير عما كان يعنيه، قاصدًا بذلك قيمة متغيرة تجسر الهوّة بين إرادة الفرد
والمُراد الممكن، من خلال تذليل تلك العوائق التي تحول دون تحقيقه ما يريد أن يكون وأن يفعل. لكنه أصر لاحقًا على عدم اتخاذ خطوة إضافية لترجمة تلك القدرة التي يعنيها، من قيمة رقمية متغيرة إلى قيمة أو مجموعة قيم أخلاقية "ثابتة"، مكتفيًا بتوضيح المبادئ العامة لأفكاره، تاركًا المجال مفتوحًا
لتحديدها كيفما اتفق ذلك، بحسب الظروف المتطلب تحديدها فيها. وفي مرحلة لاحقة، اتخذت
(1((يُنظر: سري نسيبة، الحرية بين الحد والمطلق (بيروت/ لندن: دار الساقي، 1995)، ص 99–77. لا تتعلق المسألة باعتبار الفرد فئة
فحسب، وإنما بتحديد هذه الفئة إن كانت تشمل الأفعال (الممارسات) إلى جانب الخيرات المرغوب فيها (أو الأفضل بين حالين.)
زميلته نوسباوم هذه الخطوة الإضافية، حينما توسعت في تفسير "المقدرة" وتعديدها، وطرحت في مقال لها عشرة مقدرات أساسية عامة (يمكن أن تصبح استحقاقات أساسية، كما سيأتي)، محاولةً إغلاق الدائرة؛ أي لعدم ترك مبادئ هذا المنهج الفكري من دون عناوين أخلاقية واضحة. وقبل أن نتناول إضافة نوسباوم إلى المقاربة (التي لم يشاركها فيها سِن)، نشير إلى أنها شاركته بقوة في توضيح الثغرة في نظريات المساواة الليبرالية، والتي تشير إليها مقاربة التمكين، عاكفةً على استظهار تلك العوائق العينية، والمظالم في حياة الفرد في كل مناحي الحياة التي تشير إليها المقاربة (وخاصة تلك التي تتعرض لها المرأة)، وتوضيح الوسائل التي يمكن اللجوء إليها للتغلب على تلك العوائق. وفي دراسة قيّمة لها عن القوانين وتفسيرها في الولايات المتحدة الأميركية، استطاعت
نوسباوم وضع الإصبع على أمثلة عينية تبيّن كيفية تطبيق منهجية المقاربة في مجال تتجاهله تمامًا
النظريات الأخرى؛ ما يجعل الإشارة إلى دراستها هذه في هذا السياق مفيدة جدًا في تقريب فهمنا لهذه المنهجية. فلو افترضنا توافر الوحدات المنفعية في المجتمع من جهة (مثلً، توافر القوانين ضد التمييز الجندري أو العنصري)، والبيئة الأخلاقية الميسّرة من جهة أخرى (توافر القضاء المحايد نظريًا وإمكانية تفعيله بقضية ما)، فسوف يبقى أمامنا إشكال يتعلق بتنفيذ الحكم في قضية مرفوعة، على نحو يتناسب مع تلك القيمة التي وُضع القانون من أجلها. تأتي مقاربة التمكين، كما تقول نوسباوم، لإلقاء الضوء على هذا التقصير، ومن ثم على العائق أمام من رفع القضية لتحقيق ما يريد (أن يكون و/ أو يفعل). تُخضع نوسباوم بعض قرارات المحاكم المختلفة في الولايات المتحدة خلال العقود الأخيرة لدراسة تستظهر فيها الكثير من الحالات التي قصرت عن إيصال العدالة إلى صاحبها؛ نتيجة عدم الأخذ بمقاربة التمكين بوصفها نهجًا، واعتماد القضاة في كثير من الحالات، بدلً من ذلك، على مناظير أخرى للتعامل مع القانون، كالاسترشاد بالفكر النفعي (إعطاء أثر حكم ما في فرد أهمية أقل)، أو فكر غلاة الحقوقيين (عدم الدفع لتوسيع رقعة فائدة ما لتشمل الأكثر احتياجًا)، أو النصّي (عدم الأخذ بالاعتبارات العامة للحالة الماثلة أمامنا بحجة عدم وجود النص الملائم لذلك). تستشهد نوسباوم بأفكار أرسطو في هذه الحالة الأخيرة، والمختصة بمعنى الحكمة العملية و"الإدراك" الذي يجب أن يتسم به السياسي والقانوني، في أننا في هذا المجال يجب أن نُبقي أذهاننا منفتحة لما قد تبدو معالجتُه أمرًا أوليًّا خاضعًا لتطبيق نظام ما بحذافيره، ولكن يتضح بعد المعاينة أن تطبيقه حرفيًّا في هذه الحالة
لا يخدم العدالة.
(12) Martha Nussbaum & Jonathan Glover, Women, Culture and Development: A Study of Human Capabilities (Oxford: Oxford University Press, 1995), pp. 61–104.
((1(إذا وضعنا أسئلة فلسفة القانون جانبًا، ونظرنا إلى ممارسات القضاة في المحاكم عند اتخاذهم قراراتهم، نجد أمامنا تراثًا ثريًا
يتناول تفسير هذه القرارات من الناحية النفسية/ الإرادية ضمن إطار ما جرت تسميته بالنظرية الاجتماعية لاتخاذ القرار، والتي ساهم
بها أمارتيا سن من المدخل الاقتصادي لتحديد دور المصلحة الذاتية في اتخاذ القرار لدى القضاة. يُنظر مثلً:
Neil S. Siegel, "Sen and the Hart of Jurisprudence: A Critique of the Economic Analysis of Judicial Behavior," California Law Review , vol. 87, no. 6 (December 1999), pp. 1581–1608. (14) Martha Nussbaum, "The Supreme Court 2006 Term, Foreword: Constitutions and Capabilities: 'Perception' Against Lofty Formalism," Harvard Law Review , vol. 4, no. 121 (2007), pp. 4–97.
لا يجد بعض المعلقين في مجال القانون ما يخالف فيه نوسباوم، بخصوص إشاراتها إلى المواقع التي تخفق فيها المحاكم أحيانًا، لأسباب متعددة، ويُضيفون إلى ملاحظاتها أن تاريخ القانون في
الولايات المتحدة وتطوره على المستويات المختلفة يعكس تطورًا إيجابيًا في اتجاه معالجة نوع
القضايا التي تذكرها نوسباوم. ولكن هذا التعليق يثير مسألة أعمق بخصوص مقاربة التمكين: هل النظريات الحقوقية والشمولية، يا ترى، هي وحدها التي تمكننا عمليًا من رؤية الصورة الأوسع،
ومن معالجة كل تلك المشكلات الفردية/ العينية التي تشير إليها هذه المقاربة، إلى جانب معالجتها لتلك المسائل الأكثر بروزًا والتي لا تعالجها مساواة التمكين؟ وهل تجد نوسباوم، في دمج بعض جوانب هذه النظريات في مقاربة التمكين، الحلَ الأمثل لتحقيق الحياة الخيرة المنشودة؟ يُشار إلى
أن نوسباوم أكثر اطلّاعًا من سِن على تاريخ الفكر الفلسفي الأرسطي والرواقي والغربي المعاصر، المليء بالنظريات عن طبيعة الإنسان ومكانته في المجتمع، وهي أكثر تأثرًا، من ثم، بالفكرة القائلة
بالماهيات الطبيعية للأشياء وللإنسان، والتي نجدها عند أرسطو، وبالنظر إلى تطور الحديث عنه لاحقًا لدى فلاسفة التنوير كحقوق طبيعية له، وما تجسد أخيرًا كاستحقاقات طبيعية في "وثيقة الحقوق"
وإعلان الاستقلال الأميركي، وفي الجيلين الأول والثاني لحقوق الإنسان التي جرى تبنيها في أروقة الأمم المتحدة. من جهة، هي تنأى بنفسها عن تقبل التداعيات "الغيبية" Metaphysical أو "العقلية" Rational لخطاب "الحقوق" و"الطبيعة الإنسانية"، لكنها من جهة أخرى تؤكد تماثل ذلك الخطاب مع خطاب واقعي يستند إلى طبيعة الكائنات الحية (بما فيها الإنسان)، والتي تتطلب وتطالب بتوافر ما يسد احتياجاتها؛ وهي تعتقد أن خطاب "المقدرات" و"الاستحقاقات" أكثر تداولً وفهمًا لدى عامة الناس،
وأقل "غموضًا" من خطاب العقل والحقوق. وفي حين يكرر سِن الإلحاح على اعتماد كرامة الإنسان وحريته في طريقة عيشه عند التفكير في النظم السياسية/ الاقتصادية، من دون أن يدّعي تقديم نظرية فلسفية لدعم مُستَنده الأخلاقي هذا، فإن نوسباوم ترغب في إقحام الفكر السياسي في المقاربة، وهي
تلجأ صراحة إلى التوسع في تحديد معنى "المساواة" و"الكرامة الإنسانية" في كتاباتها لتضم ما يُعرف
بالحقوق بصفتها مقدرات. فإلى جانب مشاركتها سِن في توضيح مقاربة التمكين ونقد نظريات المنفعة والرفاه، لم تقلّل نوسباوم من أهمية تلك النظريات التي تضع المساواة والعدالة، و/ أو الحقوق مبادئ لها، معتبرة أن نقدها لها جميعًا "داخلي" (أي يتعلق بجوانب، ولكن ليس بكل ما جاءت به)،
بل نراها تضمّن صراحةً خيرات رولز الأولية ونظرية الحقوق في المقدرات (أو الاستحقاقات) العشرة
الأساسية التي طرحتها عناوينَ لمقاربة التمكين. لم تنحُ نوسباوم في كتاباتها منحى سِن الاقتصادي
(15) Diane P. Wood, "Constitutions and Capabilities: A (Necessarily) Pragmatic Approach," Chicago Journal , vol. 10, no. 415 (2010), pp. 358–481. (16) Martha Nussbaum, "Capabilities as Fundamental Entitlements: Sen and Social Justice," Feminist Economics , vol. 9, no. 2–3 (2003), pp. 33–59; Alexander Kaufman, Capabilities Equality Basic Issues and Problems (London: Routledge, 2006), pp. 44–70. (17) Ibid., p. 51.
ينظر الفصل الأول من الكتاب الآتي:
Martha C. Nussbaum, Women and Human Development: The Capabilities Approach (Cambridge: Cambridge University Press, 2001).
في تقييم المعايير القياسية لهذه النظرية أو تلك، لكنها اعتبرت أنها "أغلقت الدائرة" من خلال طرحها للمقدرات الأساسية الإنسانية.
خامسًا: المقدرات- الحقوق؟
في إحدى مقالاتها التي تتكلم فيها عن أفكارها بخصوص المقدرات الإنسانية "المركزية" – وخلافها في هذا الشأن مع سِن – تقول نوسباوم: "إن الفكرة الأساس من منظوري لمقاربة التمكين [...] هي أن نبدأ مع تصور لكرامة الإنسان، والحياة الملائمة لهذه الكرامة؛ حياة تحتوي تلك الممارسات الإنسانية بحق، كما وصفها ماركس في مجموعته وثائق اقتصادية وفلسفية في عام 1884 ". فهي تعتبر أن ضمان وجود هذا هو بمنزلة ضمان الحد الأدنى للعدالة الاجتماعية، ويمكن أن تُضيف إليها المجتمعات المختلفة، كل مجتمع بحسب ظرفه، ما يصبح عندها "استحقاقات أساسية" (أي تخضع للقوانين). هي تسعى، إذًا، "للكشف" عن أسس العدالة الاجتماعية، وتفعل ذلك من خلال تعديد كل تلك المقدرات التي يحتاج إليها الإنسان، أيًا كان، لعيش حياة أقرب إلى الحياة "المنعشة" أو اليودايمونيا Eudaimonia التي يقول بها أرسطو – وهي من المفاهيم المركزية في فلسفته الأخلاقية والسياسية، وتعني عيش حياة ملؤها السعادة والرغد، أو تلك "الإنسانية الحقيقية" التي يشير إليها كارل ماركس – منها إلى العيشة الكريمة بمعناها المحدود كما هي عند سِن. فهي تتعلق بنوعية حياة الإنسان وأمنه وثقافته وأحاسيسه وعمله ونفسيته... إلخ، وتتعدى الاحتياجات الأولية لرفع السقف وفتح المجال أمام النهوض بالمساواة قدر المستطاع نحو تحقيقها بمعناها الأوسع. كما أنها لا تطرح هذه الأسس بصفتها رزمة نهائية، وإنما بصفتها مقترحات تدعو محاوريها (أينما كانوا) لمناقشتها حتى يجري التوافق عليها. فالحوار الذي تطرحه، خلافًا لذلك الذي أسس رولز نظريته عليه، هو حوار "حي" ومفتوح. كذلك، أخذًا في الاعتبار لنهج "المقاربة"، تفصل نوسباوم بحرص بين "المقدرات" و"الاستحقاقات"؛ فالاستحقاقات، كما تدرك، سوف ترتبط بأنظمة المجتمعات المختلفة وثقافاتها، ويجب أن تخضع من ثم للفحوص العينية، للتأكد في ظل هذه الأنظمة من قدرة الفرد على أن يحقق ما يريد أن يكون وأن يفعل؛ أما المقدرات فتبقى هي المعيار، وذلك لقُرب هذه الأنظمة إلى العدالة الاجتماعية أو بُعدها عنها. فهي تحاول، إذًا، "إغلاق الدائرة"، أي الجمع بين قيم إنسانية يمكن استيرادها أو استشفافها من النظريات الفلسفية، ونهج المقاربة الذي "يخترق" هذه كي يُخضع الحالات الواقعية للفحوص العينية. لا تطوي نوسباوم نفسها تحت مظلة نظرية فلسفية معينة: فهي مثلً لا تلتقي مع ليبرالية جون ستيوارت مل Mill Stuart John (1873–1806) الكلاسيكية التي تعتمد حرية الاختيار والاستقلال الذاتي
(18) Nussbaum, "Capabilities," p. 51.
هنالك شيء من الغرابة في هذه الإشارة (هنا وفي كتابات أخرى لها) إلى كارل ماركس في هذا السياق، وخاصة أن نوسباوم، وإن أشادت بما يعتبره ماركس الممارسات التي يستحقها الإنسان بصفته كائنًا حيًا، فإنها لا تأخذ بنقده للملكية الخاصة والرأسمالية
والاستحواذ الكامل للأخيرة على الطبيعة البشرية على نحو يحرم الإنسان من ممارسة حياته بحرية. يُنظر:
Karl Marx, Economic and Philosophic Manuscripts of 1844 (Glascow: The Glascow University Press, 1959), pp. 147–
بوصفهما من القيم الجوهرية في الحياة الخيّرة، أو تلك المعاصرة التي يقول بها جوزيف راز Joseph Raz والتي تقود الأخير للقول بتعددية أنواع الحياة الخيرة التي يمكن أن تتناقض، بل تؤكد وجود أسس إنسانية عامة توجب دمج هذه "الحيوات" والذوات بعضها في بعض في حياة خيرة واحدة، ولكنها تعددية، تسمح (كما في نظرية رولز) بالاحترام المتساوي للذين لا يؤمنون بهذه التعددية (كالذين يتبعون الطوائف والأديان). لهذا السبب، تُشدّد نوسباوم على الفصل بين المقدرات والممارسات، داعية إلى توفير الأولى من دون ربطها بشرط الثانية (أي توفير الإمكانية مثلً لتابع الكنيسة أن يستقل عنها من دون انتقاص من مكانته إن لم يفعل ذلك). لكنها تختلف مع رولز (كما يفعل سِن) بخصوص اعتماده النظرية التعاقدية لتحديد الخيرات، فهذه، كما تقول، ليست واقعية، وتتجاهل عدة جوانب، منها ضرورة الارتكاز إلى قيم إنسانية عامة غير مقتصرة على نظام سياسي معين، ومنها (بالدرجة نفسها من الأهمية) ضرورة الأخذ باحتياجات ونزعات عنصر "الرعاية"؛ إذ إن الإنسان ليس كائنًا منفردًا يسعى لتحقيق منافع له بالتفاوض، بل هو مرتبط بحكم طبيعته مع آخرين يحتاج إليهم أو يحتاجون إليه. وهنا تعبّر نوسباوم عن تقاربها من هذا الباب مع الفلسفة التي تعتبر أنه من غير الواقعي اعتماد الذات المستقلة وحدةَ قياس للنظام السياسي الأفضل (موقف الليبراليين)، ويتضح موقفها هذا أيضًا من خلال تناولها لقضايا حقوق المرأة، وكذلك الذين يعانون تحديات نفسية أو جسمية، والأقليات، وغير ذلك. ذلك أن قضايا أمثال هؤلاء ليست قضايا "ذوات مستقل بعضها عن بعض"، بل هي قضايا جمعية وقواعد المطالبة بها جمعية أيضًا؛ أي لا تخضع لقواعد "مفاوضات" الأفراد على طاولة رولز الليبرالية. وبناءً عليه، يمكن القول باختصار إن نوسباوم انطلقت من مقاربة التمكين إلى الخوض بجرأة في الخريطة الفلسفية "الغربية"، في مشروع لإعادة ترسيم تقاسيمها التقليدية، بحيث يجري الأخذ بما هو مفيد منها وتجنّب ما يبدو لها هشًّا، واستعانت في مبادرتها هذه بالأفكار الفلسفية الخاصة بالموضوع كافة، بدءًا بكتابات أرسطو في السياسة.
(19) Martha Nussbaum, "Perfectionist Liberalism and Political Liberalism," Philosophy & Public Affairs , vol. 39, no. 1 (Winter 2011), pp. 1–45. (20) Nussbaum, "Capabilities," pp. 51–53.
تشير نوسباوم هنا أيضًا إلى انتشار الكتابات بخصوص دور المرأة وحقوقها في الرعاية وحاجات الرعاية بشكل أعم في المجتمع، للاستدلال على ضرورة النظر إلى المجتمع بصفته شبكات من العلاقات الإنسانية وليس ذوات منفردة. للاطلاع على منظور يخالف ذلك لرولز ويؤكد على أهمية الحدس العاطفي في أي تصميم للعدالة، ينظر:
Sari Nusseibeh, To Justice, with Love: Comparative Philosophy without Borders (London: Bloomsbury, 2016), pp. 175–
من مكوّنات نظرية رولز للعدالة تغليب قيمة الحرية على قيمة المساواة. ينظر: 243–25. pp , Rawls. في المقابل يطرح نسيبة منظورًا
يساوي بين القيمتين. يُنظر: Nusseibeh, p. 190. ((2(لم يلبث جون رولز أن وضع نظريته، حتى تصدى له من اعتبر أن اعتماد الذات المستقلة وحدةَ قياس لتصميم الحياة الخيرة هو منظور غير واقعي، ليس سياسيًا فقط بل فلسفيًا أيضًا. ومن هؤلاء زميله في هارفارد مايكل ساندل في دراسة قيّمة له. يُنظر:
Michael Sandel, Liberalism and the Limits of Justice (Cambridge: Cambridge University Press, 1982 [1882]).
يحق لنوسباوم أن تتعامل مع مقاربة التمكين "فلسفيًا"، فهذا اختصاصها، بخلاف سِن الذي ينظر
إلى الموضوع من الجانب "الفنّي"، أو الاقتصادي، بالرغم من أنه يكرر في كل كتاباته أن القاعدة
التي ترشده في نقد النظريات الشمولية هي كرامة الإنسان. تستغرب نوسباوم إذًا من عزوف سِن عن مشاركتها منظورها هذا، فهو معنيٌّ بالعدالة الاجتماعية مثلها، ومعنيٌّ أيضًا بالدفاع عن الأقليات والمرأة،
ويُستشف من كتاباته أنه معني بكل القضايا في الصحة والتعليم والحريات السياسية والمدنية وحرية العمل وغيرها التي تشملها مقدرات نوسباوم. وتتساءل: فما "لغز" عزوفه؟ ولكن السؤال الحقيقي المحيّر في هذا السياق هو: ما سبب استغراب نوسباوم من عزوف سِن عن مشاركتها هذه المبادرة في
"إغلاق الدائرة"؟ ألم يقل إنه لا يسعى لوضع نظرية أساسًا؟ أفليس غريبًا، والحالة هذه، أن يضع "وزنه"
وراء محاولة تصميم نظرية شمولية أخرى، أم ظنّت نوسباوم أن موقفه لم يكن مبدئيًا وإنما فقط بسبب
نقده لنظريات المساواة الليبرالية الشائعة؟ قد يكون سرّ "العزوف" عند سِن هو تخوفه من "الجموح الفلسفي": إحدى مشكلات نظريات الفلسفة
السياسية؛ تناولها لمصطلحات ليست دائمًا واضحة الدلالة، أو تحظى بتوافق الجمهور (أو الفلاسفة) على معانيها، ولا شك في أن مصطلح "المساواة"، كما رأينا، هو من بين تلك المصطلحات. يتحرى سِن الدقة الرقمية في التعامل مع هذا المصطلح كما يستعمله الليبراليون، مشيرًا إلى قصور هذا
الاستعمال عن ترجمة معناه العملي في أوضاع الناس. فما بالنا بعشرات المصطلحات الأخرى التي ترد في قائمة نوسباوم والتي، لا شك، يجدها سِن جميعًا في حاجة إلى ترجمة رقمية يستطيع أن يقيس آثارها في الفرد؟ في السياق نفسه، دعنا ننظر في مصطلح جوهري آخر هو "الحرية"؛ تستغرب نوسباوم أيضًا موقف سِن من الحرية، فهو يُطلقها ولا يحددها، كما تقول، بينما ترى هي أن الحريات يجب أن تكون مقيّدة بحيث لا تسمح بالإخلال بحريات الآخرين، مضيفة أنه يجب أن لا يُنظر إليها من منظار
السلب (أن لا يجري الإخلال بها)، كما أضحى يفسرها غلاة الليبرالية الذين يعتمدون مفهومهم لها حجةً لعدم تدخل الحكومات لتيسير حياة الناس، بل الأكثر أهمية أن يُنظر إليها من باب الإيجاب (أن يُراعى تدخل الحكومات لتوفيرها للمواطن). تعكس نوسباوم في تفسيرها للحرية مفهومًا شائعًا، نجد
فيه صدى لخطاب الحقوق، وتفترض أن سِن يشاركها فيه، لكنه لا يفعل ذلك، بل "يُطلقها"، كما تقول.
خاتمة
ببساطة، لا يتعامل سِن في كتاباته مع القيم الأخلاقية (أو الحقوق) بالمعنى المجرد أو الثابت أو القَبلي (بخلاف نوسباوم، التي تنظر إلى الاستحقاقات بأنها قَبليّة Prepolitical)، بل يتعامل معها (كما يصفها
الوضعيون من الفلاسفة) باعتبارها "التزامات أخلاقية خاضعة للمساءلة، ومن شأنها أن تَثبُت أمام
التدقيق المفتوح والمُسند بالمعلومات". إذًا؛ فهو عندما يتحدث عن الحرية ويُطلقها، لا يُطلق حقًا
(22) Martha Nussbaum, "Capabilities As Fundamental Entitlements: Sen and Social Justice," in: Alexander Kaufman (ed.), Capabilities Equality: Basic Issues and Problems (New York/ London: Routledge, 2006), pp. 44–70. (23) Amartya Sen, "The Global Reach of Human Rights," Journal of Applied Philosophy , vol. 29, no. 2 (2012), pp. 91–100.
أو قيمة أخلاقية لها المعنى المأثور الذي تظنه نوسباوم، ومن ثم، تحديد ما لها وما عليها، بل ينظر إليها باعتبارها وصفًا موقعيًا وموضوعيًا للمساحات التي قد تختلف من بيئة أخلاقية إلى أخرى أو من
نظام سياسي إلى آخر، وتفصل بين الذي يتمكن الفرد من عمله وما يجب توفيره له في تلك البيئة أو النظام للعيش بكرامة. فهي ببساطة تصف مساحة حركة الفرد (الممارسات) بصفتها مقطعًا من تلك الأوسع (الإرادات) التي تشمل ما يريد أن يكون وأن يفعل للعيش بكرامة. وتوفير القدرة (أي التمكين أو التدخل الإيجابي) التي يحتاج إليها الفرد لاستكمال قطع المسافة المتبقية، يعني تحقيق المساواة له، وبينه وبين الآخرين. هذا هو الحد الأدنى الذي يجب توافره للإنسان، كيفما كانت بيئته. "إطلاق الحرية" بهذا المعنى يصبح ضروريًا وبلا قيد. عمليًا، يختلف مضمون هذه الحياة الكريمة عند سِن بالضرورة من فرد إلى آخر؛ فهي قد تكون
تمكين خروج الزوجة للعمل أو المشاركة في الانتخابات؛ أو قد تكون وجود الروافع الميكانيكية في وسائل النقل لتمكين المُقعد من استعمالها، أو توفير الدواء للفقير. وتعني مساواة التمكين توفير هذه المضامين المختلفة التي قد يوفرها النظام أو تطالب بها المؤسسات والجماعات الحقوقية في المجتمع المدني أو الأفراد في العائلة نفسها. هل يمكن حصر هذه الاحتياجات العينية والتفصيلية في بنود عامة، كما تفعل نوسباوم؟ القلق الذي يراود سِن من التعميم هو نفسه الذي يراوده من النظريات الشمولية: أنها تحيد النظر عن الذي نريده من هذه النظريات، وهو إيصال الحاجة إلى صاحبها. فإذا كانت "صرخة" الحرية منذ أيام الثورة الفرنسية قد اقترنت بالمساواة لكنها اتخذت أشك لً مختلفة و"عائمة" منذئذ، فإن سِن يُعيد صياغة هذه العلاقة بين الحرية والمساواة بحيث تقترنان معًا في خطوة أولى أساسية في تحديد حالة من القدرات، لتوفيرها لحالة من الإرادات/ الاحتياجات، للوصول إلى ما يصفه بالعيش الكريم. تصبح الحرية لديه مسافات موضوعية قابلة للقياس ومتباينة بتباين الأفراد، وتصبح مساواة التمكين لديه مساواة متباينة بتباين الحريات/ المسافات! لكن اللافت هو أنه لا يضع سقفًا لهذه الحريات، بل يعتبرها حدًا أدنى يجب التأكد من توفيره للإنسان، قبل أن نُخضع المفاهيم الأخرى التي تطرحها النظريات الشمولية للاختبار الرقمي للتأكد من دقة معاييرها.
References
المراجع
العربية
نسيبة، سري. الحرية بين الحد والمطلق. بيروت/ لندن: دار الساقي،.1995
((2(ينظر: نسيبة، حيث تُتناول الحرية بصفتها رفعًا للقيود، وتُتناول بصفتها حقًا. ((2(بينما مررت مرورًا بمجموعة من المفاهيم في هذا المقال (الرغبة، المنفعة، الخير العام، الإرادة، الاختيار، الحرية، العدالة
الاجتماعية... إلخ)، من المهم الإشارة إلى أن كمًّا كبيرًا من أعمال سِن، تتخصص في تحليل هذه وغيرها "رياضيًا" في إطار
"اقتصاد الرفاه" ونظريات "اتخاذ القرار" الفردية والاجتماعية، ومعضلة الجمع بينهما في تصميم واحد أكمل، بحسب "برهان" كينيث
أرو Arrow Kenneth (1921–2017)، لاستحالة وضع مثل هذا التصميم. قام سِن بتجميع المقالات ذات الشأن في كتابين، الأول
بعنوان العقل والحرية والثاني بعنوان فكرة العدالة. تُخضع هذه الدراسات المفاهيم الكلاسيكية في الفلسفة السياسية للتدقيق الرياضي أو الكمّي، وتفتح الباب أمام حقل واسع من التحليل الفلسفي بمنظار جديد.
الأجنبية
Birdsall, William F. "Development, Human Rights, and Human Capabilities: The Political Divide." Journal of Human Rights. vol. 13, no. 1 (2014). Cohen, G.A.H. On the Currency of Egalitarian Justice, and Other Essays in Political Philosophy. Princeton: Princeton University Press: 2015. Kaufman, Alexander (ed.). Capabilities Equality: Basic Issues and Problems. New York/ London: Routledge, 2006. Marx, Karl. Economic and Philosophic Manuscripts of 1844. Glascow: The Glascow University Press, 1959. Nussbaum, Martha & Amartya Sen (eds.). The Quality of Life. Oxford: Clarendon Press,
Nussbaum, Martha & Jonathan Glover. Women, Culture and Development: A Study of Human Capabilities. Oxford: Oxford University Press, 1995. Nussbaum, Martha et al. Capabilities Equality. London: Routledge, 2006. Nussbaum, Martha. Women and Human Development: The Capabilities Approach. Cambridge: Cambridge University Press, 2001. _______. "Capabilities as Fundamental Entitlements: Sen and Social Justice." Feminist Economics. vol. 9, no. 2–3 (2003). _______. "The Supreme Court 2006 Term, Foreword: Constitutions and Capabilities: 'Perception' Against Lofty Formalism." Harvard Law Review. vol. 4, no. 121 (2007). _______. "Perfectionist Liberalism and Political Liberalism." Philosophy & Public Affairs. vol. 39, no. 1 (Winter 2011). Nusseibeh, Sari. To Justice, with Love: Comparative Philosophy without Borders. London: Bloomsbury, 2016. Rawls, John. A Theory of Justice. Oxford: Oxford University Press, 1971. Sandel, Michael. Liberalism and the Limits of Justice. Cambridge University Press,
Sen, Amartya. Equality of What? vol. 1. Cambridge: Cambridge University Press, 1980. _______. Choice, Welfare, and Measurement. Oxford: Blackwell, 1982. _______. "What Do We Want from a Theory of Justice?" The Journal of Philosophy. vol. 103, no. 5 (May 2006). _______. "The Global Reach of Human Rights." Journal of Applied Philosophy. vol. 29, no. 2 (2012). Siegel, Neil S. "Sen and the Hart of Jurisprudence: A Critique of the Economic Analysis of Judicial Behavior." California Law Review. vol. 87, no. 6 (December 1999). Wood, Diane P. "Constitutions and Capabilities: A (Necessarily) Pragmatic Approach." Chicago Journal. vol. 10, no. 415 (2010).