Return to Article Details Book Review: What is Liberalism? Ethics, Politics, Society by Katherine Odar

مراجعة كتاب ما الليبرالية؟ الأخلاق، السياسة، المجتمع لكاثرين أودار

Book Review What is Liberalism? Ethics, Politics, Society by Katherine Odar

عبد السلام الككلي

Abdul Salam Al–Kikli

الملخّص

عنوان الكتاب: ما الليبرالية؟ الأخلاق، السياسة، المجتمع . العنوان الأصلي للكتاب : Qu'est-ce que le libéralisme? Ethique, politique, société المؤلف ة : كاثرين أودار. المترجمة: سناء الصاروط. الناشر: الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020. عدد الصفحات: 680 صفحة.

Abstract

English title of the book: What is liberal? Ethics, Politics, Society The original title of the book : Qu'est-ce que le libéralisme? Ethique, politique, société Author : Catherine Audard. Translated by: Sana Al-Sarout. Place and date of publication : Beirut/ Doha, 2020. Publisher : Arab Center for Research and Policy Studies. Number of pages : 680.

عنوان الكتاب:

المؤلف ة: كاثرين أودار. المترجمة: سناء الصاروط. الناشر: عدد الصفحات:

ما الليبرالية؟ الأخلاق، السياسة، المجتمع.

الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020.

الكتاب، كما تقول عنه مؤلفته، جاء نتيجة حلقات دراسية أعطيت في مدرسة لندن للاقتصاد وفي دار المعلمين العليا بباريس بين سنتي 2004 و 2008، وثمرة جهد امتد أكثر من عشرين سنة من البحث. وهو عبارة عن مدونة فلسفية وسياسية ضخمة، تتضمن استعراضًا تاريخيًا وصفيًا ونقديًا أيضًا لأهم محطات الفكر الليبرالي منذ نشوء فكرة "الفرد" – المفهوم المركزي في هذه النظرية – في القرن السابع عشر، إلى بروز الأفكار الشعبوية وتعمق أزمة الليبرالية في مطلع القرن الحادي والعشرين سواء في أوروبا أو الولايات المتحدة الأميركية. والمؤلفة كاترين أودار Odar Katherine معروفة في العالم الفكري الفرنكفوني بترجمتها إلى الفرنسية لأهم كتب الفيلسوف الليبرالي الأميركي المعاصر جون رولز Rawls Jean (2002–1921)، ومقالاته، ومساهمتها في حسن تلقي القراء لفلسفته بالفرنسية، من خلال كتاباتها وترجمتها لأهم نصوص الفلسفة السياسية الأنكلو – أميركية التي لا يمكن من دونها فهم هذه الفلسفة ومناقشات رولز. ونخص هنا بالذكر ترجمتها ونشرها لأنطولوجيا تاريخية ونقدية للنفعية في ثلاثة أجزاء، تضمنت أهم النصوص المؤسسة للفلسفة النفعية. ويندرج كتاب ما الليبرالية؟ في موجة الاهتمام المتزايد بالليبرالية، إما لبيان قدرتها نظريةً سياسيةً على الاستمرار، وهو الغرض من هذا الكتاب، وإما لإبراز عجزها عن تغيير حياة الناس نحو الأفضل مثلما يزعم نقادها. وترى المؤلفة أن الليبرالية نظرية مقاومة ضد كل أشكال الاستبداد. لذلك هي متأصلة، بحسب رأيها، في أرضية أخلاقية، قبل أن تكون نظرية ذات قاعدة اقتصادية في الأساس. وسيكون تحويلها إلى مجرد نظرية اقتصادية وإفراغها من مضمونها الأخلاقي، في رأي المؤلفة، بمنزلة إعلان نهايتها؛ إذ ستغدو نظرية بلا مستقبل، من جراء النظام الاقتصادي الجائر الذي خلّف الفقر والبؤس في كثير من البلدان التي تبنت الليبرالية نمطًا اقتصاديًا، وأهملت بعدها الأخلاقي الذي تجسده قيم الكرامة والمساواة والحرية ونبذ الاستبداد. أما على الصعيد السياسي، فقد أدى هذا الاختزال لليبرالية في بعدها الاقتصادي من جهة، إلى تراجع الديمقراطيات والصعود المخيف للشعبويات، ومن جهة أخرى إلى العزوف عن المشاركة في الحياة السياسية، بحيث تحوّلت الانتخابات إلى مجرد عملية شكلية روتينية يئس الكثيرون من قدرتها على تغيير حياتهم نحو الأفضل. لذلك تضمّن الكتاب في الأساس محاولة لإصلاح ما تعتبره المؤلفة "خطأ شائعًا"، وهو الاعتقاد أن الليبرالية في جوهرها نظرية اقتصادية. لقد قُدِّمت في كثير من الأحيان بوصفها الفلسفة "المدافعة عن حرية التجارة وروح المؤسسات، ومبنية على علم الثراء" (ص. 20)؛ ما أعطاها سمعة سيئة في أوروبا القارية خاصة، وفي العالم العربي أيضًا مثلما نلاحظ اليوم. ففي حين قُدمت الليبرالية في فرنسا مثلً بصفتها ظاهرة تاريخية أملتها ظروف وأسباب اقتصادية وسياسية، بدت في العالم الناطق بالإنكليزية مجموعة من التصورات ذات الطابع الفلسفي والأخلاقي، تقدم أسسًا معيارية للفعل الإنساني، وتحولت إلى جزء من الوعي الجمعي والثقافة العامة للمجتمع الديمقراطي الحديث (ص. 648). ولعل غرض المؤلفة الأساس، من خلال دراسة مستفيضة وصفية ومعيارية لرهانات الليبرالية

خلال تاريخها المعقد والمتشابك والمتناقض أحيانًا، هو التأكيد على حظوظها للبقاء وحتى النجاح في المستقبل؛ نظرًا إلى قدرتها الفائقة على التجدّد، لأنها مذهب يقوم على مبدأ أولوية الحرية. وتستعرض المؤلفة هذه القدرة عبر المراحل التي مرت بها النظرية الليبرالية منذ القرن السابع عشر إلى بدايات القرن الحادي والعشرين. إن أهم ما في هذه النظرية – وهي تختلف في ذلك مع النظريات السياسية الأخرى مثل الاشتراكية أو الشيوعية أو القومية – أنها لم تلجمها برامج الأحزاب المسيطرة على الحكم أو الدوغمائية الدينية أو العلموية. إن قوة الليبرالية التي تعرضها المؤلفة تكمن في أنها تغذت من التطورات المعرفية التي شهدها العصر الحديث والتعددية الفكرية والسياسية والانفتاح على الثقافات والحركات النقدية، المتوافقة تمامًا مع المبادئ الأصلية للنظرية القائمة على حرية الرأي والتعبير والضمير والدفاع عن المساواة على الصعُد الثلاثة: المساواة أمام القانون، وفي المعاملة وفي الأوضاع، والدعوة إلى الحد من سيطرة الدولة على المجتمع. وترى المؤلفة أن الليبرالية استطاعت عبر تاريخها الطويل أن تبدد كثيرًا من المخاوف التي تثيرها صورة فرد متحرر من أي عقال لا حاكمَ له غير نفسه وأهوائه. فالليبرالية، وفق بعض القراءات، من شأنها أن تجعل الإنسان كائنًا معزولً غيرَ اجتماعي، ينحصر تفكيره في دائرة ذاته ومنفعته الشخصية، من دون اهتمام بمصير الآخرين. وترى المؤلفة أن هذه القراءة خاطئة ومتعسّفة؛ إذ إنّ حرية الفرد داخل دائرته الخاصة، من دون اعتداء على حرية غيره أو انتقاص من حقوقهم، تظل مسألة تعنيه وحده، ومن حقه على المجتمع أن يضمنها له. فمن حق الفرد أن يحيا حرًا وفق ما يراه صالحًا لنفسه، لا وفق ما يقرره الآخرون له، في مناخ من الاعتراف المتبادل بالحرية وفي نطاق التسامح بين الأفراد. فالكتاب محاولة للبرهنة على أنه "حين يكون الأفراد متحررين من سلاسل العبودية ومن الخضوع لسلطة سياسية أو دينية، لا يعودون ذئابًا متربصة ببعضها كما صوّرهم هوبز في كتاب اللفياثان، بل إنهم يستطيعون أن يتعاونوا ويعيشوا بسلام. وعلى هذه القاعدة، تستطيع الحرية الفردية أن "تتفتح وتصبح ثروة للجميع، مؤدية إلى مجتمع إنساني تمامًا" (ص. 648) وهو ما يعني أنّ الحرية وحق الاختيار أساسان في الفلسفة الليبرالية، تحميهما سيادة القانون من كل انفلات أو من مظاهر "التفسُّخ الأخلاقي"، وتجعلهما منسجمين مع حريات الغير. وقد استطاعت الليبرالية، من جهة أخرى، بحسب المؤلفة، أن تبدد الكثير من المخاوف المتعلقة بجانبها الاقتصادي المرتبط بعقلية الربح والبحث عن النفع الخاص وما خلفته المنافسة على صعيد السوق الحرة من تفاوت طبقي وإضعاف لفكرة التضامن، وذلك من خلال إعادة الليبرالية بداية من القرن العشرين تجديد الاهتمام بالطبيعة الاجتماعية للأفراد. وقد أمكنها ذلك إحداث ثورة حقيقية في مفهوم الدولة، لننتقل من نظرية دولة الحد الأدنى، كما هو الأمر في الليبرالية في أصولها الأولى، إلى نظرية الدولة في خدمة المجتمع وسعادة المواطنين. بهذا انهار، في رأي المؤلفة، أحد أسس الليبرالية في صيغتها الكلاسيكية: التوجس من تدخلات الدولة ومناهضتها. وهو ما أسفر، لاحقًا، عن تراجع الفردانية وصعود الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية بعد انفجار القضية الاجتماعية وتنامي الحركات النقابية العمالية. فترسّخت عندئذ مقدمات الحلم الديمقراطي بحياة تقوم على قيم المساواة

والعدالة والمشاركة الشعبية. وهي المفاهيم التي ظلت الليبرالية الكلاسيكية تخشى من تبعاتها على الحرية الفردية، بفعل ما سيؤدي إليه ذلك من تضخم أجهزة دولة الرفاه وتزايد تحكمها في دواليب الاقتصاد للقيام بمهمة إعادة توزيع الدخل القومي لتحقيق العدالة الاجتماعية. ونتيجة لهذا؛ قبلت الليبرالية الاجتماعية بتدخل الدولة في الاقتصاد، بعد أزمة عام 1929 خاصة، قصد ترويض قوى السوق والحدّ من التفاوت الاجتماعي. وسوف يمتد حقل تدخلها على نحو مطّرد إلى تنظيم سوق العمل للقضاء على البطالة وإلى إنعاش الاقتصاد عبر تشجيع الاستهلاك ودعمه، وتنمية القروض والحث على الاستثمار. لذلك لم تعد مهمتها تنحصر في حماية حرية الأفراد، وإنما إسعادهم أيضًا عبر توفير أسباب الرخاء والاستقرار الاقتصادي وتنظيم الأسواق العالمية. بل إنه أصبح مقبولً أيضًا أن تتدخل الحكومة في الدائرة الخاصة والمجتمع المدني مثل العائلة، من خلال السياسات الديموغرافية والصحة والتربية والتصدي للعنف الأسري ومقاومة البطالة. هكذا، سوف تراهن النظرية، بعكس منطلقاتها الأولى، على قدرة الدولة على العمل من أجل "خير الجميع، فتصبح الدولة حاملة للخير"، بما أن دورها هو إشباع حاجات المواطنين، ولم تعد تهديدًا لحريتهم. وعندها أصبح "الرفاه مسؤولية الحكم، لا كما كان سابقًا مسؤولية المجتمع المدني، والجمعيات الخاصة الدينية أو المدنية في مجال الأعمال الخيرية والتضامنية" (ص. 291). تلك هي الأسس التي قامت عليها دولة الرفاه والرعاية الحديثة. وبهذا انتقلنا أيضًا إلى تصور للحكم ولدور الدولة "من نظرية الحكم المحدّد إلى نظرية الدولة في خدمة المجتمع وسعادة المواطنين" (ص. 290) هل تنكرت الليبرالية بهذا لعقيدتها؟ وهل سمحت للدولة بأن تكتسح الفضاء الذي جاءت لتحدّ منه أقصى ما أمكن؟ تجيب المؤلفة بالنفي. فمهما يكن من أمر هذا التحول، فهو يعني في نظرها أن الليبرالية مقارنة بكل الأيديولوجيات المنافسة، الاشتراكية أو المحافظة، بارعة في تسامحها التركيبي وليونتها التطورية. لقد تأثرت النواة الأساسية لليبرالية وجوهرها، وهي فكرة الحرية، في جانبيها السياسي والاقتصادي بالمفاهيم المتجاورة عن الديمقراطية والمساواة والدولة والخير العام. هذا الانتصار لليبرالية اجتماعية ويسارية، هو الذي جعل المؤلفة تقف في وجه الليبرالية المتطرفة التي جعلت من حماية الملكية الخاصة ومن دولة الحد الأدنى التي لا تتولى مهمات إعادة توزيع الثروة والدخل أساسًا لكل مجتمع حر، في حين أنها تبتعد عن مفهوم ذلك المجتمع لأن هذه الليبرالية المتطرفة، والتي تُدعى أيضًا النيوليبرالية Néolibéralisme أو الليبرتارينية Libertarianisme، لا تأخذ المفاهيم الأساسية لليبرالية في كليتها وتكاملها، وإنما دومًا على نحو مجتزئ ومبتسر. فهي في نظر المؤلفة تقع "خارج حقل الفكر الليبرالي: غياب الفكر الاجتماعي وعدم تماسك المشروع السياسي" (ص. 263) ويبرر هذا البعد الإنساني والاجتماعي للّيبرالية القيمة التي تعطيها المؤلفة لفكر رولز الذي تخصص له فصلً من الكتاب (ص 424–367). فهو الذي ناضل من أجل أن يثبت أن الليبرالية لا يمكنها أن تختلط بالليبرالية المتطرفة المنحازة كلية إلى اقتصاد السوق المتحرر من كل ضوابط؛

فالليبرالية الأصيلة لم تجعل قط، في رأي المؤلفة، حرية التبادل والملكية الخاصة القاعدة الأخلاقية لعقيدتها، حتى في زمن بداياتها في القرن الثامن عشر. وهكذا تجتهد المؤلفة في أن تطهّر الليبرالية من أي نزوع متطرف، وأن توجّه التقليد الليبرالي صوب ما يشبه تيارًا معاكسًا لليبرالية الاقتصادية من خلال ما تعتبره ليبرالية أصيلة تكون اجتماعية في الأساس. وتبدو الليبرالية التي تدافع عنها المؤلفة ذات وجهة يسارية، وهو ما يفسر المكانة المرموقة التي تعطيها لرولز الذي يقدم الصيغة الأكثر اكتم لً في نظرها للحل الممكن للتوترات الاجتماعية الناتجة من الوجه الأرستقراطي لليبرالية في أصولها الأولى، والتي كانت تنفي العدالة الاجتماعية وتتصدى لكل الدعوات إلى إعادة توزيع الدخل عبر الضرائب. ولكن المؤلفة لا تتوقف عند مساهمة رولز باعتبارها الحل الأخير لأزمة الليبرالية، بل ستنتصر أيضًا للحركات الاجتماعية الجديدة مع ظهور الحركة النسوية، ومع نشاط الأقليات الإثنية والثقافية والجنسية باعتبارها فئات مهمشة. وقد ساهمت هذه الحركات في نظر المؤلفة في زعزعة المفهوم التقليدي للمواطنة، وأجبرت الديمقراطيات على إعادة التفكير في التضامن، فلم يعد يكفي الاحترام المتساوي بالمعنى الذي أعطاه رولز ليتحقق الاندماج الاجتماعي، بل يقتضي ذلك أيضًا التصدي لكل أشكال الإهانة التي يتسبب فيها التمييز على أساس العرق والجنس والدين. فليس التضامن مسألة اقتصادية فحسب، ولا يتحقق من خلال إقرار دخل الحد الأدنى أو دخل المواطنة، لكنه يقتضي أيضًا التعامل مع الأشخاص تعاملً لائقًا؛ ما يكسبه بعدًا أخلاقيًا. فالوضع المتساوي للمواطنين هو الكفيل بتحقيق مقتضى الدمج ومشاركة الجميع في تدبير شؤون المدينة. فلا يمكن أن نقيس الصفة الأخلاقية للعلاقات الاجتماعية، عبر التوزيع العادل أو غير العادل للملكية المادية فحسب. وقد قاد كل ذلك إلى الاعتراف بأكثر الفئات تعرّضًا للظلم والإقصاء الاجتماعي، بوصفهم مواطنين كاملي الحقوق، وبالاعتراف بهوياتهم الخاصة وبالإدماج في حياة المدينة من دون ميز أو إقصاء. وقد قاد هذا النضال القائم على الاعتراف بالهويات المختلفة، ضمن الحقوق الجماعية، إلى توسيع دائرة الاعتراف لتصل إلى الدائرة الثقافية أو الدينية. فلم يعد ممكنًا الاكتفاء بالمفاهيم الكلاسيكية في الليبرالية، أي الفردية، والحرية، والتضامن وتكافؤ الفرص، بل انضافت حاجات جديدة كالكرامة، والاحترام، والذاكرة، والاعتراف، وأهمية الجماعة، وعلى نحو خاص مسألة الهوية والانتماء. هكذا أصبحت مسألة "مجتمع الأفراد" والعلاقة الاجتماعية تطرح في عبارات جديدة ليست هي عبارات الفردانية المجردة لعصر الأنوار، ولا حتى الليبرالية الاجتماعية للقرن العشرين، وقد تطلبت جهدًا في التجديد وإعادة الصياغة للمفاهيم والمبادئ الأساسية للنظرية الليبرالية. وهو الأمر الذي بدا شديد الصعوبة أحيانًا. فحين تواجه الدول

العلمانية دينًا كالإسلام مثلً ومفهومه عن العلاقة بين السياسة والدين، وكذلك فرائضه وظهوره في الفضاء العام كالصلاة في الطرقات والأقبية، والتشبث بنوع من اللباس مثل النقاب أو الشرائع الظاهرة كرفع الأذان، فإن هذه الدول كثيرًا ما تخشى أن تقود هذه المظاهر المعبرة عن الخصوصية إلى ضرب من "الانفصالية"، كما هو الحال في فرنسا اليوم. غير أن المؤلفة تلح على أن الدولة الديمقراطية في كل الحالات، بقطع النظر عن الاختلافات تجاه مواطنيها، المتدينين وغيرهم، لا يمكن أن تقوم على استبعاد الأديان من النقاش العام، باسم حيادية الفضاء العام أو باسم العلمانية؛ لأن المساواة الحقيقية بين المواطنين، برغم انتماءاتهم الدينية المختلفة، لا بد من أن تستند إلى أخلاقيات للنقاش، تجعل التعايش بين المتدينين والعلمانيين والقبول المتبادل بينهم أمرًا ممكنًا. وتعتبر المؤلفة أن دفع المتدينين إلى الدفاع عن عقائدهم في المجال العام سيقود إلى تغيير في معتقداتهم على الصعيد الإدراكي؛ لأنه سيكون عليهم عندها تقديم حجج مقبولة في الحيز العام من الذين ينتمون معهم إلى الدين نفسه، وممن ينتمون إلى أديان أخرى ومن اللادينيين أيضًا. وعلى هذا النحو، نجعل المجتمع دنيويًا، نتيجة تطور ديمقراطي، وليس من خلال نقطة انطلاق مفروضة على الجميع مثلما هو الأمر في بعض صيغ العلمانية. أخيرًا، لنا أن نسأل: هل استطاعت المؤلفة في كتابها الضخم والمكتوب بلغة يسيرة الفهم، عدا الفصل المتعلق برولز المعقد نسبيًا، أن تقنعنا بأن الليبرالية هي فعلً نظرية في المقاومة والحرية؟ وماذا تعني الحرية أمام البؤس والفقر اللذين ترزح أكثر بلدان العالم تحت وطأتهما؟ ثم أليست شعوب هذه البلدان في حاجة إلى الغذاء والدواء والسكن ربما قبل حاجتها إلى الحرية؟ قد تبدو الليبرالية كما خبرناها في الواقع بعيدة عن الليبرالية اليسارية الحالمة شيئًا ما، والتي تقدّمها المؤلفة وتنتصر لها. وهي لا تخفي أحيانًا الوجه الطوباوي لليبرالية التي تقدمها. ولكن يمكن أن "تأخذ الطوباوية ألوانًا واقعية" في نظرها (ص. 651) تنسى الليبرالية الاقتصادية في كثير من الأحيان مصالح أغلبية أفراد الشعب، حين تجعل هدفها الرئيس تحقيق أقصى ربح، من خلال تحفيز الاستثمار والاستهلاك، ودعم النمو الاقتصادي وتقليص الدور التعديلي للدولة، وتتجاهل أن ذلك غالبًا ما يكون على حساب الشرائح المتوسطة والفقيرة من المجتمع، والتي تزداد فقرًا وخصاصة. ولا تكون نتيجة ذلك تعميم الرخاء والتخفيف من حدّة الفقر كما تطمح إلى ذلك الليبرالية الاقتصادية، بل تعميم الفقر وتوسيع رقعته. فهل تمثل الليبرالية الاجتماعية التي تدافع عنها المؤلفة بديلً منها؟ ومن جهة أخرى، يحق لنا أن نتساءل: أنعيش اليوم في ظل قيم التسامح والفهم المتبادل التي تبشّر بها المؤلفة، أم في سياق آخر أهم سماته صعود اليمين المتطرف واستفحال النعرات القومية ورفض

المهاجرين بدعوى مقاومة "الانفصالية" كما هو حال المسلمين في فرنسا، وتعمق أزمة الليبرالية السياسية والاجتماعية؟ لكن رغم كل هذه الاعتبارات على أهميتها، لا يمكننا أن نقلل من قيمة الحرية بصفتها قيمةً إنسانيةً لا غنى عنها في تقدّم الأفراد والمجتمعات. لذلك لا يكون الارتقاء بالبشر إلا بتعزيز حريات الأفراد وحقوقهم ضد نزعات الاستبداد السياسي والمجتمعي. فما يميز الليبرالية في النتيجة، هو مقاومتها لكل أشكال التسلط المتنفّذة والراسخة، سواء كانت سلطة المؤسسات الدينية أو الدولة أو سلطة الأيديولوجيات. ولعل ذاك واحد من ثوابت الليبرالية. لذلك، تؤسس لقيم نحتاجها بلا شك في العالم العربي؛ ما يجعل من الكتاب ذا أهمية بالغة لنا في ظل ضعف الوعي لدى الإنسان العربي بمزايا الحرية الفردية، عندما تكون منظمة بقوانين عادلة، في إطار مؤسسات تحترم كرامة الإنسان وحقوقه الذاتية وتصونها. ويؤسس الوعي بهذا الوجود بوصفه قيمة مجتمعية عيشًا مشتركًا تسود فيه علاقات المواطنة على الخصوصيات الجهوية والعرقية والدينية والطائفية والزبونية

المراجع

محمل الجد". مجلة ألباب. العدد  8 (شتاء.)2015 السياسية، التي تقوّض المشترك المجتمعي في نطاق استقطابات، لعل أحد أكثر مظاهرها حدّة ذلك الذي نراه اليوم بين إسلاميين وعلمانيين. ولا يفوتنا في الأخير التفاعلُ مع المسائل المهمة التي يثيرها الكتاب، والإشارة إلى أن مفهوم الفرد المواطن هو السياق الأمثل لطرح مشكلة المرأة وما تعانيه النساء في كل البلدان العربية، وإن بدرجات متفاوتة، من استبعاد من حقوق المواطنة، كما أن حرية الفكر لا تزال مصادرة في العديد من بلداننا من أنظمة استبدادية لا تعترف بالحق في الاختلاف، رغم ادعائها الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان. أما حرية الضمير والمعتقد فلا تزال للأسف بعيدة المنال، ولا تزال معظم الدساتير العربية رافضة التنصيص عليها. ومن هذه الناحية، يكتسب هذا الكتاب حول الليبرالية وفلسفتها أهمية خاصة، ويمثل دفاعًا قويًا عنها. لكن حججه مثلما أشرنا، تظل قابلة للنقاش. والأكيد أنه يقدم إضافة نوعية لمعرفتنا بهذه الفلسفة، وللجدل الفكري والسياسي لدينا حول القيم الليبرالية.

References

دووركين، رونالد. أخذ الحقوق على محمل الجدّ، ترجمة منير الكشو. تونس: المركز الوطني للترجمة، الككلي، عبد السلام. "نظرية المبادئ في مواجهة نظرية القواعد: قراءة في كتاب أخذ الحقوق على