Return to Article Details Liberal Protestant Theology: The Concept, Its Development, and Contribution to the Reform of Christian Religious Thought

اللاهوت الليبرالي البروتستانتي: مفهومه وتطوره وإسهامه الإصلاحي في الفكر الديني المسيحي

Liberal Protestant Theology: The Concept, Its Development, and Contribution to the Reform of Christian Religious Thought

يون س الأحمدي *

Youness El Ahmadi *

الملخّص

نحاول في هذه الدراسة تسليط الضوء على واحدٍ من أهم التيارات الفكرية في حقل اللّاهوت المسيحي خلال القرن التاسع عشر، ثمّ القرن العشرين؛ ويتعلق الأمر ههنا بـاللّاهوت الليبرالي؛ إذ سنُبرز إسهامه في تشكيل بروتستانتية القرن العشرين، وتأثيره في مُجمل الفِكر الديني المسيحي المعاصر. نقف أولًا على دلالة هذا المفهوم وعناصر نشأته اللّاهوتية والفلسفية، ثم نسعى ثانيًا، بدايةً من لحظة اللّاهوتي الألماني فريدريك شلايرماخر، إلى تَقَصِّي أهم مراحل تطوره واستكشاف المقاربات والأطروحات والإِشْكَالَات التي رافقت هذا التطور، في منحى يُمكِّنُنا من إبراز قيمة هذا التّوجه اللّاهوتي، من حيث كونه محاولة إصلاحية تزوَّدت بمناهج النقد العلمي والتاريخي؛ لدراسة المسيحية وحياة المسيح، واشتغلت على تحيين صورة اللّاهوت وتجديد مهماته خارج هويته التقليدية التي كرستها مُصنَّفات العقيدة المسيحية.

Abstract

Abstract: This article explores liberal theology, one of the most important intellectual currents in Christian theology during the nineteenth and twentieth centuries. It explores its contribution to twentieth century Protestantism and its impact on the whole of Christian thought. Therefore, it first addresses the significance of this concept and the theological and philosophical elements of its emergence. Second, the paper investigates the most important stages of its development since the time of German theologian Friedrich Schleiermacher and explores the associated approaches, arguments, and problems. This makes it possible for us to discuss the value of this theological inclination as a reformist attempt equipped with methods of scientific and historical critique to study Christianity and the life of Christ, seeking to modernise the image of theology and expand its duties beyond its traditional identity as defined by Christian doctrine.

الكلمات المفتاحية:
  • اللاهوت الليبرالي
  • البروتستانتية
  • الإصلاح اللاهوتي
  • النقد التاريخي
  • الأنوار
  • اللاهوت السياسي
Keywords:
  • Liberal Theology
  • Protestantism
  • Theological Reform
  • Historical Criticism
  • Enlightenment
  • Fundamental Theology

مقدمة: المعرفة الل اهوتية في عصر النقد

يغلب على نشاط الفكر في الأزمنة الراهنة مِيسَم النقد، فهو فعّالية نقلت وظيفة العقل من مُجرد كونه مَوْرِد إجابة عن انشغالات الإنسان حول كينونته وعالمه، إلى جعله موقع مُساءلة تتّجه إلى أفعاله ومبادئه وحدوده هو نفسه، وذلك عن طريق التفكر والتدبر. أصبح التفكير في إمكان التفكير وحدوده محورَ اشتغال النظر الفلسفي في مختلف حقول المعرفة البشرية1. ومعلوم أن هذا التوجه قد ارتسم فلسفيًا مع الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط Kant Immanuel (1804–1724)، الذي اتّجهَ نَحْوَ فحص ما قبل تحقق المعرفة، وحلّل الكيفية التي تتشكل بها مجموعة من المبادئ في صورة ميتافيزيقا Metaphysics، قصد التمييز بين مجال إمكانية اشتغال تلك المبادئ ومجال امتناع اشتغالها. نقول عن حقلٍ معرفيّ ما إنه في وضعية "مساءلة نقدية" – بالمعنى الكانطي لهذه الكلمة – حينما تتوقف سيرورة الأمور في ذلك الحقل من تلقاءِ نفسها، فيرتد التفكير فيه إلى سؤال: من أين نَبْتَدِئُ؟ يتناول النقد Critique بالمعنى الكانطي "شروط الإمكانية التي يظهر فيها مجال معين من الموضوعات"2، وهو غير النقد بمعنى Criticism، والذي "عادة ما يتناول موضوعًا ما"3، كما تقول الفيلسوفة الأميركية جوديث بتلر Butler Judith. إذا صرفنا النظر عن مضمون النَّقد المتعالي criticism Transcendent عند كانط، وهو يُفنِّد مزاعم العقل في ادعَائِه القدرة على معرفة الميتافيزيقا، ويعيّن مكامن إخفاقاته، وأخذنا في الآن عينه الخلُاصة العامة المستفادة من هذه الدُرْبَة الكانطية، فإن أقل معنى تحتمله كلمة "نقدي" يمكن أن نعبر عنه بصيغة أكثر عمومية مفادها "لا يوصف العقل بالنقدي إلا إذا كان قادرًا على أن يرسم من داخله حدوده الخاصة"4. تصف هذه العبارةُ الوِجهةَ التي سلَكها عمل النقد الفلسفي في كل حقول المعرفة والثقافة الإنسانية، ومَا هِي مِن حقل اللاهوت المسيحي بِبَعِيدة، وهذا بداية من لحظة الانتقال من بسط البراهين على وجود الإله، إلى فحص تلك الأدلة ونقدها. وعندما نلج حقل التفكير اللّهوتي البروتستانتي المعاصر، نجد أن جزءًا كبيرًا من الشواغل الفكرية لرُوَّاده محكومة بهذا المقصد. ثمة مشهد يفرض نفسه علينا بدايةً، بحيث يتحدد مجرى اشتغالنا ورهانه في هذه الدراسة، داخل عملية التقابل بين تصورين تقاسما النقد الحداثي الأوروبي للدّين؛ الأول: تصور تنويري وضعاني Positivist نصّب مقولة "الدين الطبيعي" Religion Natural صيغة نهائية لجواب التنوير Enlightenment عن

  1. يُعلّق الفيلسوف الفرنسي جان غريش Greisch Jean على مجال اهتمام الفلسفة النقدية قائلً: "بعدما رفضت الفلسفة النقدية أن تهتم بالكينونة، حددت لنفسها مجال بحثها الخاص في الصلاحية Geltung والمعنى والقيمة". ينظر: جان غريش، العَوْسَج المُلْتَهِب وأنْوار العَقْل: ابتكار فلسفة الدّين: مج 1، إرْث القَرْن التاسع عشَر ووَرثته، ترجمة محمد علي مقلد، مراجعة مشير باسيل عون (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2020)، ص.475
  2. طلال أسد، "النظر في الدين مع فتغنشتاين"، ترجمة حجاج أبو جبر، تبيّن، مج 10، العدد 37 (صيف 2021)، ص.183
  3. المرجع نفسه.
  4. غريش، ص.426

سؤال الدّين، وقد رفع لواءه فلاسفة فرنسيون وإنكليز، ويقوم سلوكه النقدي على تَعْقِيل المبادئ الاعتقادية في استقلال عن سلطة الوحي، مع تركيزٍ على التّعاليم الأخلاقية بوصفها إلزامات نابعة من العقل، والنتيجة هي: تنحية التراث اللّهوتي الكتابي Theology Biblical جانبًا وإعلان نهايته، وهو في كل ذلك لم يكن معنيًا بالنقد Critique بمعناه الكانطي، والثاني: تصور إصلاحي هرمينوطيقي Hermeneutics شيّد معالمه لاهوتيون ألمان، وانطلَق من تَرِكة رواد الإصلاح الديني Reformation، واتخذ خيار الاشتغال على الإرث الثقيل للعقيدة المسيحية بطريقة علميةٍ وفلسفيةٍ، مركبةٍ وبطيئة.ٍ خلافًا لفيلسوف الدين الطبيعي الذي حسَم رُؤيته الفلسفية بإنكار مقولات الوحي وتجاهل عبء معالجة مسائل اللّهوت المسيحي. وبناء عليه، فقد كان طموح اللّهوتيين البروتستانت الألمان، يتطلع إلى اصْطِناع لاهوت إصلاحي مُكتمل، ينهض ببناء معرفة علمية رصينة وشاملة، بماهية المسيحية ومعياريتها وتشكلها التاريخي، ويتناولها بالنقد والتمحيص، من منطلق كونها ظاهرة تاريخية وحضارية مرتبطة بالعالم، وتخضع لقوانينه الاجتماعية والسيكولوجية. وفي طريق مختلفة عن التّصَوُّر الوضعاني، واجه لاَهُوتِيّو ألمانيا البروتستانت، بشكلٍ بارزٍ، ما وقعَ للمسيحية من أزمة، وانْحِسار تأثيرها في مرافق الحداثة، وكان لزامًا عليهم اكتساب طرُقٍ جديدةٍ للعمل الديني، تُزَوِّد المسيحية بفعالياتها في العالم الحديث5. وقد شقَّت مشاريع هؤلاء طريقها وسط تحدّيين مزدوجين؛ الأول، مُرتهن بتحدي اللّهوت الطبيعي Theology Natural الذي وجد صَدى كبيرًا، وقُدّم بحماسةٍ من زمرة من مفكري عصر الأنوار، بصفته الصيغة المُثلى والحاسمة لما يمكن أن يكون عليه الدِّين في الأزمنة الحديثة. والتحدي الثاني، متعلق بذلك الموروث الضخم من اللّهوت الأساسي Theology Fundamental الذي ما زال يتسم بعراقته وثقله وحضوره القوي داخل المؤسسات الكنسية، ولدى نخبة كبيرة من علماء اللّهوت العقائدي وأساتذته، ومع ذلك، أضحى كأنه لم يعُد يوائم العصر الثقافي والحضاري الجديد. يبدو التَصوُّر الوضعاني أكثر حضورًا وتأثيرًا في وعينا التّاريخي، مقارنةً بالتّصور الهيرمينوطيقي الألماني الذي بقي كثير من حلقاته ومكوناته مغمورًا وغائبًا عن بنية تقبّلنا ونمط إدراكنا للمسألة الدينية في تاريخ الحداثة؛ فقد ظلّت جاذبيته تفرض إلى عهد قريب هيمنتها على قسم كبير من وعينا العربي بتاريخ التّناول الفلسفي الأوروبي لسؤال الدّين في الأزمنة الحديثة، بل إنّ هيمنته كانت مقاوِمة للطريق الذي سلكته مشاريع اللاهوتيين الألمان، فقوبلت بسوء فهمٍ كبيرٍ، بحيث بدَتْ كشيء غريب عن مقولة الدين

  1. حمل العصر الحديث في طياته تحولات جارفة ألقت بظلالها على مصير المسيحية الأوروبية والوعي الديني عمومًا، وقد أحسن ماكس فيبر Weber Max (1920–1864) بمفهومه الجامع وهو "نزع السحر عن العالم" World the from Magic Eliminated، تعبيرًا عن خيبة الأمل في هذا العصر، ونفوره من هيمنة الخلاص الغيبي Unseen Salvation The. وفي هذا الصدد، نجد عالم اللّهوت الألماني هاينز زاهرنث Zahrnt Heinz (2003–1915) في معرض حديثه عن تداعيات تلك التحولات على المشهد اللّهوتي البروتستانتي في ألمانيا بداية القرن العشرين، يقول: "لم يعد في إمكان اللاهوتيّ الحديث عن الإله، كما كان يتسنى له فعل ذلك قبلُ؛ إذ يجب عليه إتيان الأمر وفق نمطية جديدة ومختلفة. هذا إذا ما أراد أن تظل لغته مقبولةً ومعتقدًا بها إيمانيًا مرة أخرى. وقد نتساءل أيضًا عمّا إذا كان جائزًا، وإلى أي مدى يكون هذا الجواز، مسموحًا للّهوتيّ ليتحدث عن الإله؟". ينظر: Heinz Zahrnt, Aux prises avec Dieu – La théologie protestante au XX eme siècle (Paris: Cerf, 1969), p. 13.

الطبيعي، وعن سِجلّ المعالجة الوضعانية. وبناء عليه، تستمد دراستنا من هذه الملاحظة دافعها والمنطلق النّاظم لإشْكالِيَّتها، كما نفترض فيها أنّ المسافة الفاصلة بين التّصورين "الوضعاني والهيرمينوطيقي" تَسْتَوْجِبَ مُساءلة نمط تعَرُّفِنَا وتأوُّلنا لجواب الحداثة عن الدّين. ونستبق القول ههنا، ونشير إلى أننا لا نقصد من "الليبرالية" في السياق التاريخي والمعرفي الذي نحن بصدده، المذهب الذي يتخذ الحرية الفردية قاعدة تصوره للسياسة والاقتصاد والاجتماع والأخلاق في مقابل نظيره الاشتراكي6، ولا نقصد بها كذلك زُمرة الأعلام والأفكار والرؤى التحررية التي احتضنتها فلسفات القرن الثامن عشر، والتي عادة ما تُستحضر في الذهن، كفلسفات فرانسوا ماري آروويه François–Marie Arouet (1778–1694)، ودنيس ديدرو Diderot Denis (1784–1713)، وجان جاك روسو Jean–Jacques Rousseau (1778–1712)، والمركيز دو كوندورسيه Condorcet de Marquis (1794–1743) وغيرهم. كما لا يقع القصد والإشارة أيضًا إلى كون النقد السياسي والاجتماعي واللاهوتي، الذي وجهته تلك الرؤى للسلطات اللّهوتية والسياسية منذ القرن السادس عشر، إنّما استُعمل على موضوعاته وجرى بمعنى الانتقاد Criticism كما أشرنا إلى ذلك سابقًا، ولا يتضمن "النقد" بالمعنى الكانطي7. وبناء عليه، فإننا نسلك في هذه الحالة طريقًا آخر نحو جملة من المشاريع التي شهدها حقل اللّهوت البروتستانتي منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ونفتح سجلّ المُراجعات والأعمال النقدية التي تَولَّت عودةً نقديةً تفاعلت مع علامَاتٍ هيرمينوطيقية نحو تراث العقيدة المسيحية، إلى جانب موروث البروتستانتية الأولى، وحاولت استئناف النظر في سجلّ مقولة "الإصلاح" Reform، واستدعت كل الموروث المفهومي والإشكالي لهذه المقولة الرئيسة، كي تُعطي نفَسًا جديدًا للبروتستانتية، ولمسألة قراءة الكتاب المقدس في وضع تاريخي وحضاري وُصف ب "الأزمة". وبذلك، فإنّ ما يُوَجِّهُنَا في هذا المسعى هو السؤال الآتي: كيف استطاعَ علماء اللّهوت البروتستانت الإسهامَ في تجاوز "أزمة" اللّهوت المسيحي الداخلية والخارجية؟ وكيف عَمد هؤلاء إلى إعادة ترتيب بيته الداخلي في العصر الحديث، والسَّعي لبعث الروح في قضايا اللّهوت، وتجديد منزلته ومهماته خارج مسلمات المصادر الكتابية Biblics في ضوء شروط جديدة للصلاحية؟ وما وجه تَميُّز هذه المشاريع اللّهوتية عن المقاربة الوضعانية، وكيف حافظت على السّمة الرئيسة للعصر الحديث "العقلانية" Rationalism من دون الانْجِرار إلى استنساخ مقولات نهاية اللّهوت وأفوله؟ وبالإجمال، كيف صار تجديد اللّهوت جزءًا من فعاليات الحداثة الدينية واستراتيجياتها وليس شيئًا خارجًا عنها؟ اجترأ الفيلسوف كانط على استدعاء اللّهوت إلى رَحْب النقد العلمي والفلسفي، بدل نَبذِه وإعلان أفوله وموته، ولا تكمن أهمية نقده للدّين في حدود مُجرّد العقل في نتائجه المباشرة المُتحصلة

  1. للتوسع، ينظر: كاترين أودار، ما الليبرالية؟ الاخلاق، السياسة، المجتمع، ترجمة سناء الصاروط، مراجعة سعود المولى (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2020
  2. للتوسع، ينظر: ناصر الدين سعيدوني، الفكر التاريخي الأوروبي من القرن السادس عشر إلى القرن الثامن عشر: من لورانزو فالا إلى كوندورسيه (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2022

وَقْتئذ8، ولاسِيّمَا أنها اليوم عرضة لشتى الاعتراضات، بل تكمن الأهمية المَقْصُودُة من لدُنَّا في نجاح النظر الكانطي في إدخال هذه الصورة من التفكير إلى اللّهوت، ومساءلته بمبادئ غير لاهوتية، وكذلك في استدعاء الفكر اللّهوتي لتقويم مهماته وفقَ إلزامات وشروط جديدة، تمليها قوانين العقل الموضوعية في المجال العملي؛ لا بوصف تلك القوانين دوغمائيات نظرية، بل باعتبارها إمكانات وافتراضات للذات التي صار لها حق التّصرف في موضوعها والتشريع لكيفية تعقلها له. وفي هذا الإطار، صار اللّهوتي البروتستانتي مسكونًا بهذا السؤال: ما الذي يجعل من المسيحية لاهوتًا حداثيًا؟ وعلى وقع هذا السؤال لم تعد قضايا التراث الديني المسيحي اختصاصًا محصورًا بأرباب العقائد، كما لم تعد كتابات اللّهوتيين البروتستانت رهينة تقاليد اللّهوت الأساسي وتاريخ الكنيسة. تنوعت تيارات اللّهوت البروتستانتي وتباينت استراتيجياتها الفكرية ومقاصدها العملية، وسنُحاول في هذه الدراسة الوقوف على واحدٍ من أهم تلك التيارات التي أسْهمَت في تشكيل بروتستانتية القرن العشرين، ورافقت تطور اللّهوت المسيحي في عصر ثقافي وُسِم بأنه عصر "أزمة"، ويتعلق الأمر ب "اللّهوت الليبرالي" Theology Liberal الذي مثّل محاولة إصلاحية زُوّدت بمناهج النقد العلمي في دراسة تاريخ المسيحية وشخص المسيح وحياته، واشتغلت على تحديث صورة اللّهوت وتجديد مهماته خارج هويته التقليدية التي كرّستها المسيحية العقائدية، وحنطتها كُتب العقائد ومناهج التفسير الكنَسي.

أولا: اللاّهوت الليبرالي- المصطلح والمفهوم

إذا ما بدأنا أولً بواجب البحث في المصطلح، نجد المراجع والدراسات التي وقفنا عليها9 تطالعنا باسم المؤرخ والناقد الألماني يوهان سالومو سيملر Semler Salomo Johann)1791–1725(10، بوصفه أول من استخدم لفظ "اللّهوت الليبرالي" Theologie Liberalismus. ويظهر المركّب اللفظي

  1. المقصود ههنا هو امْت ناع تَشْيِيدِ أي معرفة برهانية على وجود الإله وفكرة الإله "الخير الأسمى"، ودرء التّعارض بين الإيمان والعقل، والتمييز بين المسيح بوصفه فكرة أخلاقية ويسوع التّاريخي، والتّمييز بين الدّين التاريخي والدّين الأخلاقي.
  2. للاطلاع، ينظر: جوزيف معلوف، محنة الفكر الديني: مفكرو الإصلاح في القرن العشرين بين انسداد الأفق ورهان الانفتاح (جونيه: المكتبة البولسية، 2011)، ص 29؛ W. Gass & J. F. Astié, "Histoire de la dogmatique protestante: de Semler à Schleiermacher," Théologie et Philosophie. vol. 4 (1871), pp. 91–169, at: https://bit.ly/3rXyaYB; Jean–Marc Tetaz, "La théologie libérale en Allemagne. De quelques types que masque un chiffre théologique , " Théologie et de Philosophie. vol. 4, no. 151 (Winter 2020), pp. 353–391, at: https://bit.ly/3rVFyDR; Jean–Marc Tetaz, "Le protestantisme libéral de l’Empire Wilhelminien: Un antijudaïsme théologique?" Etudes théologiques et religieuses , vol. 3, no. 92 (2017), p. 619, at: https://bit.ly/3yJipZc; Bruno bianco, "'VERNÜNFTIGES CHRISTENTUM': Aspects et problèmes d’interprétation de la néologie allemande du XVIII e siècle," Archives de Philosophie. vol. 46, no.2 (1983), p. 192.
  3. عالم لاهوت ألماني، درَس اللّ هوت بجامعة مارتن لوثر في هاله – فيتنبرغ Wittenberg – Halle University Luther Martin، وعمل فيها أستاذًا للفلسفة والتاريخ واللّهوت بدايةً من عام 1753، ثم رئيسًا لها بعد وفاة أستاذه سيغموند جاكوب بومغارتن).1757–1706(Siegmund Jakob Baumgarten

Liberaliter Christianam Doctrinam في عنوان كتابٍ من تأليفه صدر باللغة اللاتينية عام 177411. وورد مصطلح "لاهوت ليبرالي" أو "عقيدة مسيحية ليبرالية" مقابل "اللّهوت الكنسي" Ecclesiae Theologiae (ويرد لدى سيملر أحيانًا بلفظ "اللّهوت اللاتيني" Theologiae Latinae)، وينطوي لفظ "تعليم ليبرالي"12 على الرّغبة في جعل مسائل اللّهوت أمرًا مفتوحًا للجمهور العريض من الناس، وفي متناول كل فرد عادي حر يتسم بالحد الأدنى من النور الفطري للعقل، لكي يصل إلى فهم معاني الكتاب المقدس ويتعرف واجباته الأخلاقية. كما نعثر لدى كانط على نصٍّ يحمل عنوان: نهاية كل الأشياء La Fin de toutes choses (1794)، يتحدث فيه عن ضرورة التَّفكير في المسيحية "بطريقة ليبرالية"، يقول: "من خلال طريقة ليبرالية في التفكير، بعيدة عن التشدد وعن التساهل على حد سواء، ستقدر المسيحية على استعادة فاعلية تعليمها"13، كي يستعيد تعليم المسيحية فاعليته. تنَزّلَتْ فكرة سيملر عن "لاهوت ليبرالي" في سياق عصر التنوير Enlightenment of Age، ما عبَّر عن طموح لدى صاحبه إلى جعل العقيدة المسيحية شأنًا لا ينأى عن البحث العلمي والنقدي الحُر والمستقل. ولكن جذورها ترجع وفق التَّقصي التّاريخي الذي قام به الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي جان غريش Greisch Jean، إلى بداية مسير ركب الفلسفة الحديثة في اللحظة التي ظهر فيها باعتباره "لأول مرة يطور الفهم العقلي التاريخي والنقدي تماسك العقائد، انطلاقًا من الكتاب المقدس بوصفه كُلً متجانسًا، من دون أن يرجع إلى المُسلَّمات التي يسلّم بها التقليد، بعدما تحرر منها عن قصد"14. فمع الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت Descartes René (1650–1596) والفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا Spinoza Baruch (1677–1632)، تشكّلت تدريجيًا محاولات وضع نص الكتاب المقدس على مِحَك الاختبار الفلسفي، وفي حينه صارت مشكلة المعايير التي تسمح بوجود تأويل صارم للكتاب المقدس مشكلة هيرمينوطيقية، وصار المُؤَوِّل مُطالبًا باتخاذ وضعٍ مُحايد وموضوعي، ومن غير أن ينسِبَ للكتاب المقدس أي تعاليم سوى ما يثبت البحث التاريخي بوضوح أنه أكدها. لم يعد منهج التأويل يفسح مج لً للمجازات السِّرية (كما هو الشأن في هيرمينوطيقا العصور الوسطى عند كل من عالم اللّهوت أوريغانوس السكندري Origen Adamantius (185–254 ق.م) والقديس غريغوريوس

  1. :(ينظر Johann Salomo Semler, Institutio ad Doctrinam Christianam liberaliter discendam: Auditorum usui (Montana: Kessinger Publishing, 2010).
  2. ترتبط الدلالة الكلاسيكية للفظ libéral في القرن السادس عشر بمعاني الكرم والسخاء، ف " libéral le " تعني الكريم والسخي généreux le الذي يحب تقديم الهدايا، وضده الجش ع والبخيل. في حقل اللّهوت، ارتبطت أولى دلالات الليبرالية اللاهوتية بصورة إله كريم وسمح، يهب خلاصه للجميع، وهي صورة تأتي في مقابل الصورة الكنسية التي كرست مفهومًا قاسيًا عن الإله باعتباره صاحب عقاب كوني لا يستثني إلا قلة قليلة.
  3. Immanuel Kant, La Fin de toute chose , Guillaume Badoual & Lambert Barthélémy (trad.) (Arles: Actes Sud, 1999), p. 29.
  4. جان غريش، العَوْسَج المُلْتَهِب وأنْوار العَقْل: ابتكار فلسفة الدّين: مج 3، النَّمُوذَج الإبْدالي الهِيرمينُوطيقي، ترجمة عز العرب لحكيم بناني، مراجعة مشير باسيل عون (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2020)، ص.118

أسقف نيصص Nyssa of Gregory Saint (335–395 ق.م) التي يجد فيها المعنى المجازي بمنزلة امتيازٍ للقيام بدوره العملي في سبيل تشييد الإيمان وتعزيز المحبة وتصحيح السّلوك)15. يرى سيملر أن حقل الدّراسات اللّهوتية يجب أن ينصاع لشروط المعرفة الأكاديمية العلمية، ويُعَدّ علم اللاهوت "علمًا أكاديميًا ومهنة تهدف إلى تكوين دكاترة متخصصين في الدين المسيحي. على هذا النحو، لن يكون الجانب الإيماني الحي للمسيحي شرطًا في تحديد هوية علم اللاهوت، كما لن يتحدد بكلمة الله على النحو الذي اعتادته مملكتنا الدينية"16، فقد سعى لتطوير منهج نقدي في مجال تفسير الكتابات المقدسة (العهد القديم والعهد الجديد وسفر أعمال الرسل) وتاريخ العقائد. وقد طرحت أبحاثه جملة شُكوكٍ وآراء أثارت حفيظة الأرثوذكس Orthodox والتَّقويين البروتستانت Pietism في ذلك الوقت المبكر، كما أثار سيملر قضية ضرورة التّمييز بين الكلام الإلهي Divine Word والكتابات المقدسة Scripture Holy، وقادته أبحاثه إلى رفض تكريس انْتِماء العهد الجديد إلى العهد القديم، فميَّز بينهما بناءً على فحص الفوارق الأ سلوبية واللغوية بين الوثيقتين، وبناءً أيضًاُ على رصد التقابل الجوهري بين طبيعتي الدّيانتين المسيحية واليهودية، رافضًا الجمع بين العهد القديم والعهد الجديد في مدونة كتابية واحدة ومُسْتغلقة. علاوةً على ذلك، ميَّز بين الإيمان واللّهوت، مشدّدًا على أنّ حقل اللّهوت يجب أن يتحقق بشروط المعرفة الأكاديمية التي تأخذ على عاتقها تكوين علماء ومحققين لا رعاة الإيمان17. كانت جامعة مارتن لوثر في مدينة "هاله" التي عمل بها سيملر بمنزلةِ صرْحٍ للتقَوية، حيث تعامل فيه مع روح الكتاب المقدس بوصفه كلامًا حيًّا، وينتهج في قراءته مَسلكًا يركّز على تعقب الانفعالات النّفسية التي تفصح عن نفسها داخل الكلام الإلهي. كما تجتهد القراءة التقوية هيرمينوطيقيًا في محاولتها إعادة تشييد التكوين الانفعالي لمدوّني الكتاب المقدس الذي انبثق من أعماقه، وترجمته إلى نص مكتوب. والنتيجة التي أصبح غير مُرحَّب بها في الأجواء الفكرية التنويرية، مفادُها أن هذا المذهب يؤدي إلى "مجازفة القيام بقراءة عاشقة للكتاب المقدس"18. مع سيملر، ومن قبله سيغموند جاكوب بومغارتن Baumgarten Jakob Siegmund (1757–1706)، بدأ الإنصات لأصواتٍ عقلانية تحْتَجُّ على القراءات التقوية، وتحذّر من مآلاتها19، ولم تتسق في الآن عينه مع العقلانيّة التي انْصرفَت نحو تبجيل نموذج اللّهوت الطبيعي، ولاسِيّمَا مع الفيلسوف والقانوني الألماني كرستيان فولف Wolf Christian (1754–1679)، وبمنأى عن القراءتين معًا، تبْتَدِعُ

  1. لمزيد من التفاصيل، ينظر: المرجع نفسه، ص.102–92
  2. Bruno, p. 195.
  3. Ibid.
  4. غريش، مج، ص.149
  5. يشرح غريش هذا الوضع قائل: "نلُاحظ أنَّ الكتابات الهيرمينوطيقية عن الكتاب المقدس، ابتداءً من منتصف القرن السابع عشر، قد شرعت في التحذير من حماقات المتعصبين fanatici الذين انقادوا دون استحياء وراء مزايدات القراءة العاشقة. هذه هي حالة إرنيستي Ernesti بمدينة لايبتزيغ وسيملر بهاله". المرجع نفسه.

عملً هيرمينوطيقًا جديدًا قوامه مقاربة النّص الكتابي، والاشتغال على النقد النَّصي – أي على الحرف المكتوب – والعناية بالتفسير التاريخي. ونفهم من خلال هذه المطالب حديث سيملر حول ضرورة تحويل اللّهوت إلى شأن أكاديمي. أما من حيث المفهوم، فإنّ رِيَادتُه في الأساس تعود إلى اللّهوتي والفيلسوف الألماني فريدريك شلايرماخر Schleiermacher Friedrich (1768–1834) الذي سعى للبحث عن نقطة بدءٍ جديدةٍ للّهوت المسيحي تجعله يستجيب لمطالب الحداثة، وتُهيّئ له مجال عملٍ جديدًا في زمنٍ أضحى فيه التشيُّع للقسيس والراهب مارتن لوثر Luther Martin (1546–1483) غير كافٍ لاستمرار البروتستانتية في العمل على أنها لاهوت إصلاحي، له قوته الفكرية وجِدّيته البحثية، في عصر ثقافي جديد شِعارُه الفَهم التاريخي للظواهر والنّصوص؛ عصر لم تعُد النّزعة فوق الطبيعية للمسيحية مفهومة ومستساغة من لدُن الوعي التاريخي الحديث. وقد عدّه اللّهوتي السويسري كارل بارث Barth Karl) 1968–1886(بمنزلة المُؤسس لحقبة جديدة في حركة الإصلاح بعد أفول حقبة لوثر، وأيضًا الممثل الفكري للّهوت الحديث وأب الكنيسة الحديثة20، والذي أحدث ما يُمكن نعته بالثورة الكوبرنيكية Copernican Revolution في حقل اللّهوت المسيحي، وعنوانها الأبرز هو نقل بؤرة المسيحية من الكلام الإلهي إلى التجربة الرّوحية الفردية الحرة والمستقلة. وفي كتاب شلايرماخر عن الدين: خطابات لمحتقريه

من المثقفين On Religion: Speeches to its Cultured Despisers (1799)، يمكن تَلمُّس معالم

هذه الثورة الكوبرنيكية التي عبّدت الطّريق نحو عصر الليبرالية اللّهوتية، بحيث يُمكن أن نجملها في الأفكار الآتية: • تعريف الدّين بوصفه تجربة تقوم على الحدس، هو بمنزلة تعريف لا يُراهن على وصف جوهر الدين باستحضار فكرة الإله مباشرةً. فالدّين يُعزى إلى الحدس القلبي21، ويجد مصدره في الشعور بالتّبعية المُطلقة أو التّواصل المستمر مع المطلق، وفكرة الإله عنصر من عناصره وليست هي الدين كلّه22. • إزاحة الكلام/ الكلمة عن مركز ثقل اللّهوت، وإزاحة مركزية كلام الآباء المؤسسين وأعمال الرُسل (متّى الإنجيلي Apostle the Matthew، البشير لوقا الإنجيلي Luke، بولس الطرسوسي of Saul Tarsus، سمعان بطرس Peter Simon... إلخ)، وتبعًا لذلك، فكل ما تمخض عن تلك الأعمال من شروحٍ ومعارفٍ ميتافيزيقية ولاهوتية وأخلاقية، ليس في حقيقة الأمر تجسيدًا للمحتوى الأساسي للدّين، ولا ينتمي إلى جوهره ولا يمتلك أيضًا أي مشروعية في تأويل ماهيته.

  1. Zahrnt, p. 42.
  2. Friedrich Daniel Ernst Schleiermacher, De la religion, Discours aux personnes cultivées d’entre ses mépriseurs , Bernard Reymond (trad.) (Paris: Van Dieren, 2004), p. 78.
  3. Ibid, pp. 70–73.

• الكتابات المقدسة ليست هي مصدر الإيمان وما دام الحدس القلبي هو منبعه، يصبح كل المُلهَم، ين ومن لهم تجربة شعورية وِجْدَانيَّة مع الحقيقة الدينية، أشخاصًا متديّنين. وبناء عليه، فالمُتديِّن ليس هو من يؤمن بكتابة مقدسة ما، وإنما هو الذي لا يكون في حاجة إليها، وله القدرة على أن يكون مُتديّنًا، ويكتشف ذلك في نفسه من دون نص مكتوب23. • يفقد النَّص المقدس قيمته الدينية، ويغترب بعد انصِرام زمن الملهَمين وجيل الشخصيات التي التهبت بروحه الحية، لتمسي بعد ذاك هذه الكتابات المقدسة مجرد ذكرى غَيْرِ ذات قيمةٍ مُحتفى بها؛ إذ لا يبقى منها سوى حروف ميتة وحبر على ورق24. • الدين عند شلايرماخر كوني ولا متناهٍ على مستوى المادة والصورة25، ولا أحد قادر على الإحاطة بكليته26، فلا تقتدر الإحاطة به أي كنيسة أو لغة أو كتابة، بما في ذلك الكتابات المقدسة، كما أنه ليس حبيسَ منظومات لاهوتية أو تعاليم مرئية27. • ليس للدين مركز محسوس حتى لو كان هو الكتاب المقدس، وليس له جسم مؤسسي مرئي يجسده حتى لو كان هو الكنيسة. ف "الكنيسة الحقة" Eglise Vraie La، بتعبير شلايرماخر، تستوعب المتدينين ورجال الدين جنبًا إلى جنبٍ، مع المشككين والحيارى ممن هم في طريق البحث عنه28. • الإنسان هو مركز التجربة الدينية ومنه يستمد اللّهوت وجوده، فهو يحظى بالأسبقية في تحديد مدلول الألوهية وفي تفسير الكلام الإلهي وفهمه29. • إعادة النظر في طرائق التّعليم الديني التي تكرسها أشكال التنشئة والرقابة الاجتماعية التي تقوم على نقل المعارف اللّهوتية والأخلاقية والميتافيزيقية، فالحدس الديني يستعصي على التلقين ولا يقبل التوجيه والإرشاد وإلقاء المواعظ، وليس من مهمات التربية الدينية إلا أن توقظ في النفس شرارة مقدسة، وتتخذ من التثقيف الحر سبيلً لها، وهي بهذا المعنى أقرب إلى التربية الجمالية التي تقرّب إلى النفس تذوق العمل الفني ومشاهدة الإبداع. • وضع مِهاد فلسفي وتاريخي جريء لإعادة كتابة تاريخ المسيحية وتاريخ الأديان ككُل، وذلك لأغراض عملية وعلمية، يتمثل أولها في وضع قاعدة للحوار بين الأديان ووحدتها، ونبذ التّفرقة الدينية والتعصب الطائفي30، فهناك تعددية ونسبية في التجارب الدينية بتعدد الأفراد والجماعات وقدراتهم

  1. Ibid, p. 67.
  2. Ibid.
  3. Ibid, p. 35.
  4. Ibid, p. 138.
  5. Ibid, p. 139.
  6. Ibid, pp. 114, 125.
  7. Ibid, p. 69.
  8. Ibid, pp. 105–106.

الحدسية على اختبار المطلق الديني، وما يتحقق منه على مستوى الأفراد، أو الديانات، أو المذاهب أو الطوائف والجماعات ما هو إلّ جزء من كل31. أما الأغراض العلمية فتتمثل في إخضاع تاريخ العقائد وعلوم التفسير الكتابي للفهم العلمي والنقدي الصّارم. بغض النظر عن السّمة العاطفية ووتيرة الحماسة العالية والأسلوب الأدبي الذي كُتب به نص شلايرماخر عن الدين: خطابات لمحتقريه من المثقفين، فقد شكَّل "البوابة الرئيسة لعالم الإصلاح الفكري في المشهد الألماني وفي كل اللاهوت البروتستانتي اللاحق"32، كما يقول اللّهوتي اللّوثري الألماني رودولف أوتو Otto Rudolf (1937–1869)؛ فعلى خلفية تلك الآراء الثورية، سينهض شلايرماخر في كتابه وضعية اللاهوت Le Statut de la théologie (1810) لصوغ هوية معرفية جديدة لعلوم اللّهوت، وسيقترح توزيعًا غير مسبوقٍ للتخصصات اللّهوتية، وتمفصلاتهما وفق تنظيمٍ مختلفٍ بالكامل عما هو معتاد في تقاليد تاريخ الكنيسة. ينطلق شلايرماخر بادئ ذي بدءٍ، من تعريفٍ للّهوت بوصفه علمًا وضعيًا Une Science Positive33. وتقدّم هذه الصيغة الجديدة تعريفًا وظيفيًا Définition Fonctionnelle له، كما يُعبّر عن ذلك هانس يواكيم بيركنر Berkner Joachim Hans في خاتمة كتاب وضعية اللاهوت34، كما تَدلُّ من جهة أولى، على أن موضوع اللّهوت لا نتجلاه في أي علم آخر ما عدا اللّهوت. أما التعريفات التي دأبت على التّركيز في مضمونه ومحتواه، باعتباره علمًا متعلقًا بالأمور اللّهوتية، فإنها ستعمد لصَهْرِ اللّهوت في مباحث الميتافيزيقا أو علم الأخلاق Ethics. والحال أن شلايرماخر يَسعى من وراء هذا التعريف الوظيفي، إلى تخليص اللّهوت من هذين المجالين اللذين بَقِيا يتقاسمان موضوعَه ويشتركان معه في غايته. وتعني هذه الصيغة، من جهة ثانية، أن بُلوغ مَرام علم اللاهوت عمليّ محض35. والواقع أنه يبتغي من وراء ذلك تخليص اللّهوت من كل المهمات التي اختزلت عمله بوصفه تفكيرًا أنطولوجيًا في الأمور اللّهوتية. يجعلُ هذا التعريف صاحبه في وضعية "سباحة بين نهرين" كما يقول عن نفسه، فهو بوصفه لاهوتيًّا يُقِرّ بضرورة تمسك اللّهوت بمضمون الإيمان المسيحي، ويُعلن في الآن عينه تمسكه بتوجهات الحكومة الكنسية36، لكنه من جهة أخرى يشترط على كل بحثٍ يسعى لفهم المسيحية أن يكون

  1. Ibid, pp. 135–181.
  2. ينظر: مقدمة أوتو في: Friedrich Schleiermacher, On Religion, Speeches to its cultured despisers , John Omann (trans.) (London/ San Francisco: Harper and Row publishers, Hagerston, 1958), p. 12.
  3. Friedrich Schleiermacher, Le statut de la théologie , Bernard Kaempf (trad.) (Genève/ Paris: Labor & Fides, Cerf, 1994), p. 21.
  4. Ibid, p. 122.
  5. Schleiermacher, Le statut de la théologie , p. 22.
  6. Ibid, pp. 22–23.

مسبوقًا بلاهوت فلسفي Theology Philosophical37، ولا يُفهم من ذلك اتِّباعُ مسعى الفلاسفة في تأسيس حقل جديد للخطاب الفلسفي عن الإله، كما هو حال الميتافيزيقا في العصر الحديث، سواء مع ديكارت أو غوتفريد فيلهيلم لايبنتز Leibniz Wilhelm Gottfried (1716–1646) أو كانط، ولا اتباع الطريقة التجريبية التي تقوم على تجميع المعطيات التاريخية (المذاهب، الطقوس، الأشكال... إلخ) وإحصائها واستقرائها، مثلما درجَ ذلك مع الفلاسفة الإنكليز، بل يأخذ صورة فلسفة للدّين Religion of Philosophy تستعيد التفكير في ماهية الدّين أي في خصوصيته الذاتية، وليس في علاقته بكائن كُلّي القدرة والإرادة، لا متناهٍ ولا حدود له على الإطلاق. وهذا ما يفسر الغياب الملحوظ لموضوعي "الإله/ المسيح" في هذا القسم من الدراسات اللّهوتية، بالرغم من أنهما بَقِيَا يحظيان بمركزيتهما في الصورة التقليدية للّهوت المسيحي العقَدي. يتنزّل "اللّهوت الفلسفي" في مقدمة برنامج الدّراسات اللّهوتية، وإلى هذا التّخصص تُوكل مهمة فهم خصوصية الدّيانة المسيحية وعلامتها الخالصة والمميزة لها38، والأمر نفسه بالنسبة إلى سائر الحدوس الدينية الأخرى. ولهذا التخصص ملمحان: ملمح عام يُعنى بتحديد مبدأ تفرد المسيحية وجوهر حدسها الخاص للكون، وآخر خاص يُعنى بتحديد التجارب والتجليات التي تفرعت نتيجة تطور الحدس الديني التأسيسي. وتبعًا لذلك، هناك لاهوت فلسفي عام للمسيحية وآخر خاص بالبروتستانتية39. نَلحظُ ههنا كيف انزاح برنامج شلايرماخر عن بنية انتظام التّخصصات في اللاهوت العقائدي dogmatique Théologie وكيف تَوارَى قسم اللّهوت الكتابي بالحُجب، وهو الذي كان يتسم بالأسبقية في عِمَارة علوم العقيدة المسيحية. لكن هذا لا يعني سوء تقدير من شلايرماخر لهذا الإرث، بقدر ما يدل على تغيير إبستيمولوجي Epistemology في شروط فهم النّصوص والحاجة إليها؛ كما يدُل أيضًا على تغيير جذري في وظيفة عالم اللّهوت عقديًا وتشريعيًا. ففي المجال العقدي، لم تعد تلك الشروط تنحصر في نظم المعتقدات، وتنسيقها وتنظيمها مذهبيًا، انطلاقًا من نصوص الكتاب المقدس، بل صارت تضطلع بمهمة الفهم النقدي لكل مسائل العقيدة، ووضعها على محك الدراسة الأكاديمية وشروطها الصارمة40، أما في مجال التشريع، فلم يعد اللّهوت التفسيري41exégétique Théologie La مرجعًا وحيدًا لاستنباط القانون المسيحي، بعدما كان يتربع على عرش

  1. Ibid, p. 27.
  2. Ibid, p. 32.
  3. Ibid, pp. 32–33.
  4. يُميّز شلايرماخر ههنا بين مهَمَّة الكاتب الكنسي l’écrivain ecclésial، واللّ هوتي الأكاديمي académique théologien le. والذي يمتاز عن الأول بالجمع بين الهم الديني religieux l’intérêt وروح الصنعة العلمية scientifique l’esprit ينظر:.. 113–114 pp , Ibid. ومن هنا، فله قدرة على التعبير عن قناعة شخصية حُرة إزاء كل قضايا علم العقيدة. وجوهر عمل اللّهوتي البروتستانتي في كونه يقوم بالذات على ميزة النقد والتّصحيح المتجدد doctrine la de correction la على نحو مستمر. ينظر: Ibid, p. 108.
  5. اللّ هوت التفسيري فرع من فروع اللّهوت الكتابي، ويهتم باستنباط الشرائع والقواعد السلوكية التي تشكل في مجموعها مدونة القانون.

المعيارية. كما تُملي هذه الإزاحة عرض نصوص العهد الجديد، المتعلقة بالتشريع القانوني، على أدوات تمحيص نقدي داخلي، فيلولوجي Philology من ناحية أولى وأساسية، وهيرمينوطيقي في مرحلة تالية42، وإلا فإن "أي اشتغال على القانون المسيحي من غير تحقق بروحٍ وصناعةٍ فيلولوجيين يتعين ألا يعدو حدود تهذيب الأخلاق؛ إذ ليس في مكنته (أي تهذيب الأخلاق) في مجال الثيولوجيا سوى أن يزرع الغموض بنزوعه الدوغمائي المتواري؛ ذلك أن الإرادة الخالصة والدقيقة للفهم لا يمكن أن تقف وراء إجراء مماثل"43. لم تعد النّصوص والكتابات الدينية والمذهبية بمنزلة مُعادل موضوعي للحدس الديني، بل حالة من حالاته التي تقبل التّعدد، وتجليًا من تجلياته التّاريخية، وتُسند مهمة تأويله – بهذا التحديد – إلى قسم آخر من أقسام اللّهوت يُطلق عليه اسم "اللّهوت التاريخي" Theology Historical، ويضم داخله بحثين هما: تاريخ الكنيسة L’histoire de l’Église وعلم التفسير Exégèse. يختص تاريخ الكنيسة ببحث تطور تاريخ العقيدة المسيحية بحثًا مزدوجًا، يجري فيه تحري التمييز بين الثابت من جهة، والمُتحرك والدخيل من جهة أخرى، إضافة إلى رصد تمفصلات هذه العناصر وقياسها في تطورها أو تقهقرها44. كما يختص هذا المبحث بدراسة تطور الجماعات المسيحية والمذاهب العقدية في تنوعها وترابطها في الآن عينه، باعتبارها جزءًا من مجموع كلي؛ لأنّ التواريخ الخاصة بالجماعات والمذاهب إنما هي تواريخ جزئية لتمثلات جزئية لا يمكن فصلها عن تطور المسيحية الكلي45. وهذا المجموع التاريخي الكلي هو مجال بحث آخر يتعلق بدراسة تطورات الحقب والمراحل التاريخية (اليهودية القديمة والمتأخرة، والمسيحية الأولى)، وينهض بقراءة تقاطعاتها قراءة نقدية، وليس بطريقة ميكانيكية وصفية تكتفي بالعرض الميكانيكي للحقب بوصفها وحدات مفصولة أو تكتفي بوصف الأحداث والوقائع والأمكنة. أراد شلايرماخر أن ينطلق من تاريخ ماهوي بسيط إلى تاريخ نقدي ومقارن، يشمل بتوسّعٍ اليهوديةَ والمسيحية الأولى، ونقل تاريخ المسيحية من التّعالي Transcendence إلى المُحايثة Immanence، وعلى بِساط هذا الطرح الذي تتحدد فيه المسيحية مُعطى تاريخيًّا46، تفرض الضرورة الهيرمينوطيقية نفسها لتتحدد هوية المبحث الثاني في تخصص "علم التفسير"، بوصفه لاهوتًا هيرمينوطيقيًا يستوجب استحضار الوضع السياسي والثقافي المحلي الذي أحاط بكتابة النّصوص الإنجيلية47، ويبتغي فهم نصوص العهد الجديد في ضوء نصوص مساعدة (نصوص العهد القديم)، والاستعانة بأدوات ومعارف

  1. Ibid, pp. 57–58
  2. Ibid, p. 63.
  3. Ibid, p. 65.
  4. Ibid, p. 49.
  5. يعلن شلايرماخر بوضوح عن المقتضى النقدي الذي يقوم على برنامج معرفة تاريخ المسيحية. كما في قوله: " إن تاريخ الكنيسة بالمعنى الواسع، هو معرفة التطور الكامل للمسيحية، بدءًا من أول ما تسنت ملاحظته من تجلياتها الظاهرة في مجرى التاريخ". ينظر:.Ibid, p. 63
  6. Ibid, p. 61.

مُساعدة (الكُتّاب والنُسّاخ اليهود، المعارف الجغرافية، المعارف الإسطوغرافية... إلخ). في الحصيلة، يتحتم على التفسير الكتابي النهَل من "هيرمينوطيقا عامة" تفرض نفسها في صلب العمل اللّهوتي48، وتشمل بمبادئها وإجراءاتها الكتب الدينية والدنيوية على حد سواء. ويقترح شلايرماخر خِتامًا، استحداث لاهوت عملي Pratique Théologie يحظى بمنزلته في خِتام برنامج الدّراسات اللّهوتية. لا يتفرع هذا القسم عن القسمين السابقين "اللّهوت الفلسفي" و"اللّهوت التاريخي"، وإنما يتنزل خطوةً متقدمةً تَدِينُ بالفضل لهذين القسمين، وتستبصر بحصيلة مقتضياتهما المعرفية والمنهجية49، لتكون بذلك تتويجًا للدراسات اللّهوتية، وبناء عليه، يرى شلايرماخر أنّ اللّهوت العملي لا يستمدُّ وجوده وهويته ووظيفته، إَّلَّ في وجود اتِّحاد عضوي بين المجامع الكنسية الصغرى تحت كَنفِ حكومة كنسية عامة وجامعة. ولذلك لا يتعلق هذا القسم بالأمور الكنسية الداخلية؛ أي بالشؤون الرعوية الخاصة بإدارة الأبرشيات Episcopatus والبنيات الكنسية الجزئية، بل بما هو خارج الكنيسة وينصبّ على تفعيل نشاطات وتوجهات الكنيسة في الخارج، والدفع بأساليب النظر اللّهوتي في مناقشة الأبعاد الدينية للسلوك الإنساني في مختلف مجالات الحياة. نفهم من ذلك أن اللّهوت العملي يهتم بوضع الحكومة الكنسية العامة أمام أسئلة الحياة العملية المعاصرة، وهو ما يتطلب تنظيمًا جديدًا لها يؤهلها للاضطلاع بمهمة الإجابة عن التحولات الاجتماعية والثقافية، والمشكلات التي توجد في قلب الخبرات والتّجارب الإنسانية. وبهذا يضع شلايرماخر حقل اللاهوت أمام تنظيم جديد، أو لنقل أورغانون جديد Organon New، تتمفصل داخله أقسام ثلاثة هي: اللّهوت الفلسفي – اللّهوت التاريخي – اللّهوت العملي. يكتسي كتاب وضعية اللاهوتطبيعة اقتراحية؛ إذ يأتي في صورة برنامج، فقد جاء كثير من أفكار شلايرماخر ومقترحاته غير واضحة بما فيه الكفاية، لكنها استطاعت أن تعبّر عن نفسها كأنْمُوذَج عمل Model للفكر في مجال الإصلاح الديني من زاوية علمية وإبستيمولوجية لا تتحقق إلّ في ضوء تقاليد البحث الأكاديمي. ههنا تكمن ريادة شلايرماخر، وإلى هذا المعنى يشير غريش في حديثه عن هذه الريادة فيما سماه ب "الإبسيتمولوجيا اللاهوتية"50. كما ستعبِّد مقترحات شلايرماخر الطريق أمام الفكر الديني المسيحي في منحاه البروتستانتي نحو عصر الليبرالية اللّهوتية التي ستتجسد بالكامل في

. Religionsgeschichtliche Schule مدرسة تاريخ الأديان""

  1. يقول شلايرماخر: "يمكن صياغة نظرية فن التأويل بطريقتين مختلفتين، لكنها تظل تشكل مركز عمل الَّلَّ هوت التفسيري في كلا الشكلين النظريين". ينظر:.Ibid.
  2. Ibid, pp. 115–116. خصوصًا مع التعديلات والتغييرات التي أجراها شلايرماخر على كثير من التعابير والفقرات التوضيحية، والتي أضافها في النسخة الثانية من كتابه المذكور بحسب ما رصده المحققون والمترجمون.
  3. غريش، مج 1، ص.196

ثانيًا: الليبرالية اللاهوتية بعد شلايرماخر

وقفنا سابقًا على معالم ليبرالية لاهوتية جنينية – إن صح هذا التعبير – تخلّقت في ذهن شلايرماخر، بحيث انفصل بفضل وعيه الإبستيمولوجي عن اللّهوت النّسقي وعلومه، وانفصل معه الإصلاح البروتستانتي، عن الدلّالة التبشيرية الأولى بعد انتقالاتٍ ثلاثةٍ حدثت في سُلَّم أولويات التفكير اللّهوتي البروتستانتي، حيث الانتقال من "الاعتقاد إلى الانتقاد"، ومن "التاريخ إلى الحاضر"، ومن "المحلي" إلى "الكوني". بعد شلايرماخر، ستجد المبادئ والتوجهات المقترحة حُضورَها في أعمالٍ وأبحاثٍ لجيل من الفلاسفة والمؤرخين واللاهوتيين البروتستانتيين الألمان، الذين طوروا مناحي النقد العلمي، وسبُل تطوير مناهج دراسة العقائد المسيحية. وإذا ما أردنا العُثور على السّمة الفكرية التي امتاز بها اللّهوت الليبرالي، فإننا سنجدها في ميدان التاريخ. وهذا تصديق لقول رودولف بولتمان Bultmann Rudolf): 1976–1884("يستمد اللّهوت الليبرالي سمته المُميزة له من العناية الراجحة التي يوليها للتاريخ. وههنا يكمن استحقاقه وفضله، والذي لا يقتصر على جلاء صورة التاريخ فقط، بل يرتقي، على وجه الخصوص، إلى تكوين ملكة النقد المعادلة للحرية والصدق"51. صار النّقد التاريخي هو الميدان الذي ظهرت فيه الحيوية الفكرية لحركة اللاهوت الليبرالي، وأثبتت فيه جدارتها وقوتها العلمية والمنهجية، ونقول ههنا: "حركة"؛ لأنّ اللّهوت الليبرالي تبلور وتطور في شكل حركة بحثية جماعية، امتلكت زخمًا علميًا كثيفًا داخل الوسط العلمي والأكاديمي الألماني، واستوى توجهها العلمي، وبسطت تأثيرها ونفوذها على اللّهوت الإصلاحي طوال القرن التاسع عشر والقرن العشرين. على الرغم من أنه لم يكتسب شكلً نهائيًا، فقد أصبح في الإمكان تحديد زُمرة خصائص ومبادئ تحكمه، ويمكن إيجازها، استنادًا إلى ما ذكره الباحث اللبناني جوزيف معلوف في كتابه مِحنة الفكر الدينيّ: مفكّرو الإصلاح في القرن العشرين بين انسداد الأفق ورهان الانفتاح (2011 فيما يلي)،52: • التّمسك المطلق بأهمية التاريخ في تمكيننا من فَهمِ صورة يسوع التّاريخية. • اعتمادُ النقد في سبيل تنقية المفاهيم اللّهوتية والميثولوجية. • نسبية التّقليد العقائدي، ولا سيما التقليد الخريستولوجي53. • التّشديد على البُعد الأخلاقي للمسيحية. • خلق مناخ يسمحُ بالتناغم بين المسيحية والوعي الثقافي السائد آنذاك.

  1. Rudolf Bultmann, Foi et compréhension, L’historicité de l’homme et de la révélation. André Malet (trad.), vol. 1 (Paris: Seuil, 1970), p. 10.
  2. معلوف، ص.30
  3. الخريستولوجيا: هي ضرب من الدراسة اللاهوتية التي تُعنى بمعرفة طبيعة يسوع المسيح، ولا سيما كل ما يتناول التعالق القائم بين الملمحَين اللاهوتي والبشري المتجسدَين في شخص المسيح.

إذا ما أردنا رصد القضايا التي انصب عليها الاشتغال بالنقد التاريخي عند اللّهوتيين الليبراليين أواخر القرن التاسع عشر. سنجد أنّ تمركزها كان حول محورين أساسيين؛ الأول متعلق بحياة يسوع وسيرته، والثاني، مُتعلق بتفسير الأناجيل، والتّحرّي في معطياتها التاريخية. ولاحقًا، أي منذ بداية القرن العشرين إلى منتصفه، سيتجلى محور ثالث يُجمع فيه البحث التّاريخي الموسع مع التأويل الفلسفي، وينصب على التفكير حول موقع المسيحية في الوعي الثقافي السائد، وعلى مُساءلة مصيرها في المجتمعات العلمانية. يتعلق الأمر في المحور الأول بمجموع الكتابات التي اهتمت بالبحث في شخصية يسوع التاريخية، واضطلعت بإعادة كتابة حياته انطلاقًا من تحليل ونقد للمعلومات والأحداث التي تحتوي عليها الأناجيل وأعمال الرسل، في مسعى لبناء صورة تاريخية واقعية عن يسوع، مختلفة عن الصورة العقائدية. وتعود أولى المحاولات في هذا السياق إلى الفيلسوف الألماني فريدريش هيغل Hegel Friedrich (1770–1831)، وما أدلى به في كتابه حياة يسوع Life of Jesus)1906(54، وهي محاولة لا تحمل المواصفات العلمية الكافية، وسمات النقد التاريخي الصارم كما طورتها المدارس العلمية الألمانية؛ لأن اهتمامات هيغل في هذا الكتاب لم تكن تاريخية محضة، ومع ذلك، فقد شكلت محاولة مبكرة انتدبت نفسها للتفكير في صورة مسيح خارج الصورة الأسطورية. واللافت في مقاربة هيغل المنهجية، أنها لم تحافظ على كل معطيات الأناجيل، وخصوصًا من جهة ترتيب الأحداث وتسلسلها المتّبعين فيها (خصوصًا في إنجيل لوقا الذي اعتمده هيغل أكثر من غيره)55. كما سعى هيغل بتأثير الخلفية الكانطية، إلى إبراز المسيح في صورة فيلسوف خُلقي، مع التَّشديد على اعتبار أن الإصلاح الخلقي هو الغاية الحقيقية لتعاليم يسوع. وعلى شاكلة عنوان كتاب هيغل، صدر لشلايرماخر مؤلَّف يتناول حياة يسوع عام 1832، حمل عنوان حياة يسوع في لحظة موَاتِJesus’ Life in Dying، يتضمن مجموعة محاضرات ألقاها عام 1819. ذهب فيها شلايرماخر إلى القول إنّ حياة المسيح ليست من موجبات الإيمان وإنّ معجزاته ليست لها دلالة خلَصِية، ولا حتى حجية دينية، ما دام أن مصدر الإيمان يرجع إلى الاختبار الحدسي الشعوري للمطلق. وبهذا، فإن اعتقاد ألوهية يسُوع ليس شرطًا للإيمان، بل هو وسيط ليس إلا، وذلك لأن هذه الألوهية ليست جوهرًا ذاتيًا له، وإنما هي تجسيد للصورة القصوى لاتِّصال الوعي البشري بتجربة الألُوهة. وتبعًا لهذا المفهوم، تتغير الأدوات والشروط لمعرفتنا بحياة يسوع وشخصيته، وهنا "يكمن الفضل الكبير لشلايرماخر في تشديده على ضرورة أن يكون إدراكنا للمحتوى الإلهي من حياة يسوع في ضوء شروط إنسانية بالكامل، فهذه هي الأداة الوحيدة التي تستجيب لحاجيات الإيمان ولمقتضيات العلم في آن واحد"56.

  1. للاستزادة يُمكن الاطلاع على الترجمة العربية للكتاب في: هيغل، حياة يسوع، ترجمة جرجي يعقوب (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر،.)1984
  2. ينظر: مقدمة المترجم جرجي يعقوب، في: المرجع نفسه، ص 43–38.
  3. Kruger Welthusen, "Les conditions d’une vie de Jésus," Revue de Théologie et de Philosophie et Compte–rendu des Principales Publications Scientifiques , vol. 6 (1873), p. 115.

في سياق هيغيلي، انصب اهتمام اللّهوتي الألماني فرديناند كريستيان باور Christian Ferdinand Baur (1860–1792) على دراسة تطور العقيدة المسيحية من زاوية فلسفة التاريخ الهيغيلية؛ إذ ميّز باور بين مسيحية المسيح (الأطروحة) ومسيحية بولس (النقيض)، لتتنزل المسيحية الكاثوليكية إلى ضَربٍ من التوليفة بين النقيضين السّابقين. وعند وقوفه على مسيحية القرون الأولى التي لا يجب خلطها بمسيحية القديس بولس، نبّه إلى ضرورة التمييز بين شخصيَّتي "يسوع" و"بولس"، وقد خصَّ بولس بدراسة خاصة عنه في كتاب حمل عنوان بولس الرسول: حياته ومذهبه ورسائله وتعاليمه Paul

the Apostle of Jesus Christ: His Life and Works, His Epistles and Teachings (1845)،

ومن هنا، وجب التمييز أيضًا بين رسالتَيْهِما؛ إذ وضَّح باور أن مسيحية يسوع هي مسيحية يهودية، في حين أن مسيحية بولس متحررة من التقليد اليهودي المتشدد، لكن بعد التركيب بين النقيضين السابقين على مسرح الكاثوليكية، انحلَّت كل التناقضات السابقة، لتصير الغنوصية Gnosticism نقيضًا جديدًا للمسيحية الكاثوليكية. أما ذروة اشتغال النقد التاريخي على حياة يسوع، فسجلتها بامتياز المحاولة الجريئة لتلميذ باور، اللّهوتي الألماني دافيد فريدريك شتراوس Strauss Friedrich David (1842–1808)، في كتابه الضخم حياة يسوع، أو تفحص نقدي لتاريخه57، الذي صدر في جزأين عام 1853. في حين نجد أنّ جُل الدراسات النقدية اهتمت بحياة يسوع في مرحلة الشباب (وقد استعرض شتراوس هذه الدراسات في مقدمة الجزء الأول من الكتاب)، حيث تركز هذه الدراسات على حدَث تعميده من طرف "مُهيئ طريق يسوع" – كما يُنعت – القدّيس يُوحَنَّا الْمَعْمدَان Baptist the John، وهو الحدَث الذي وقف عنده شتراوس مُطوَّلً في القسم الثاني من كتابه، لكنه يتصَدَّى لتفنيد فكرة يسوع باعتباره المخلِّص والمنقذ. علاوةً على ذلك، ينبّه شتراوس إلى أكثر فترات الغموض والأسْطرَة في حياة يسوع، والتي هي مرحلة ما قبل التَّعميد؛ أي في طفولته58. وبناء عليه، تتضح لنا – وفقًا لما سبق ذكره – الكيفية التي أصبحت فيها كل معرفة بتاريخ المسيحية مُلزمة بالتمييز بين "مسيحية المسيح" و"تاريخية يسوع"، أو بالأحرى بين "يسوع الإيمان" و"يسوع التّاريخ" كما يقول بولتمان59. أما على مستوى المحور الثاني الذي استقطب فكر اللّيبراليين ونشاطهم النقدي، فيتعلق أساسًا بنقد الأناجيل ومعطياتها التاريخية، ليس على مستوى ما تضمنته حول "سيرة يسوع" فحسب، بل على كل التّاريخ المُدون عن كتابتها وترتيبها وتشكلها، سواء كان ذلك في فلسطين أو في الحضارة الرومانية، وشيئًا فشيئًا، صار هذا النقد يتجه نحو المبدأ الأصلي الذي تقوم عليه المسيحية. لو عُدنا قليلً إلى الوراء، سنعرف أن سبينوزا قد سجَّل أولى المحاولات الفلسفية في الأزمنة الحديثة، بدعواه القائمة

  1. David Frédéric Strauss, La vie de Jésus ou l’examen critique de son histoire , E. Littré (trad.), vol. 1 (Paris: Librairie philosophique de Ladrange, 1853).
  2. Ibid, p. 70.
  3. لمزيد من التوسع، ينظر: Rudolf Bultmann , Jésus, mythologie et demythologisation , F. Freyss, S. Durant–Grasselin & C. Payot (trad.) (Paris: Seuil, 1968).

على الربط بين "التاريخ" و"الطبيعة" في نوع من وحدة الوجود بينهما، وبموجب هذه الوحدة تصير مناهج قراءة الكتاب المَنظُور (الطبيعة)، مَرجِعًا لتفسير الكتاب المَسْطور (النص المقدس). لكن في السياق الذي نحن فيه – سياق النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين – سنُسجِّل ملاحظة مفادها أنّ ما نال الأناجيلَ من نقدٍ، جاء من داخل حقل اللّهوت البروتستانتي؛ أي على أيْدٍ لاهوتية، وفي أجواء من الحوار "اللّهوتي – اللّهوتي"، وكذلك من التفاعل الفكري بين أقطابه ومدارسه في ألمانيا، كمدرسة غوتنغن school Göttingen مقابل مدرسة توبنغن School Tübingen؛ مع العلم أنّ الجيل الثاني من اللّهوتيين الليبراليين الألمان من مُتأخري مدرسة توبنغن، وعلى رأسهم إرنست بيتر فيلهلم ترويلتش Troeltsch Wilhelm Peter Ernst (1923–1865)، سيتمفصل تكوينهم اللّهوتي في النقد التّاريخي والتأويل الفلسفي. إذا كان سبينوزا يُعدّ بمنزلة العرّاب الفكري لمنهج النقد التاريخي للأناجيل في الأزمنة الحديثة، فإنَّ هذا النقد قد بلغ جذريته وطورَهُ الأقصى على مستوى التّطبيق العلمي مع شتراوس "لم يزدد النقد حدّة، إَّلَّ مع صدور كتاب حياة المسيحلشتراوس، ووجوهه الجذرية الحالية لم تعد خافية؛ إذ لا يفتأ الفيلولوجيون يَنْزَعون مشاعر القلق المحافظ عن نفوسهم، كما نزعَ اللّهوتيون أيضًا الخُضوع الديني. حتى عند أشدّهِم تشبُعًا بالرُوح النَّقدية، وتبنوا على إثر ذلك دعوى مفادُها أنَّ التاريخ الإنجيلي كان في مجمله غير قابلٍ لأن يعْرَف. جرى إِهمال النَّظر في سيرة المسيح على نحو كلي، بوصفها مشكلة عويصة، وجرى، في المقابل من ذلك، الاقتصار على عرض التَّعاليم المسيحية التي لم تكن معرفتها، في نهاية الأمر، يقينية؛ بالقدر الذي يُكسِبُ القُدرة على تطهيرها من العناصر الإيمانية للجماعة التي يتعاقب أهلها على اعتناقها. وفي ظل هذه الحقيقة، صار من المستحيل أن تستند معرفة الدّين إلى وقائع التَّاريخ وأحداثه"60. في مقدمة الجزء الأول من كتاب حياة يسوع، يطوف بنا شتراوس في فصول التاريخ مستعرضًا جهود المفسرين القدامى في نقد القراءات الحرفية للنصوص المقدسة في التراثين "اليهودي" و"المسيحي" (أوريجينوس، فيلون السكندري Alexandria of Philo – 20 ق.م 50–م)، ومحاولات المحْدَثين (الربوبيون الإنكليز Deists English والعقلانيون الألمان الأوائل)، ابتكار قراءاتٍ خارج التاريخ المسياني Messianic الذي تكرُّسه المرويات الأسطورية المدونة في دفتي العهدين القديم والجديد. كما يتضح من مقدمة الجزء الأول من الكتاب، هاجس تأسيس شرعية المنهج التاريخي وتثبيت دعائمه العلمية، وقد ركز شتراوس بالخصوص على نقد الجانب الأسطوري في الأناجيل. ولا يقصد ههنا الأحداث والوقائع فقط، بل ينبّه إلى تحولها نحو أن تكون "سردية مؤسّسة"؛ أي إلى بيئة ميثولوجية حاضنة تنشئ مفاهيم وعادات ذهنية وروايات، تحجب الواقع التاريخي الذي يصعب معرفته على وجه اليقين، وتضع محلَّه تاريخًا ميثولوجيًا، وذلك بعد أن تُشكَّل تلك الروايات في مدونات جامعة61.

  1. Ernst Troeltsch , Histoire des religions et destin de la théologie , Jean Marc Tétaz (trad.) (Genève/ Paris: Labor & Fides; Cerf, 1996), p. 306.
  2. Strauss , pp. 70, 91–92.

وهذا أكثر ما ينطبق، بحسب شتراوس، على حياة يسوع، والتي لم يمنع وجود جمع غفير من الحواريين Apostles الذين تُقدمهم الروايات الإنجيلية، بوصفهم شهود عيان، أمام تدثير سيرته بالأساطير والخرافات. نقتبس من كلام شتراوس نصًا شاهدًا على همُومه العلمية بهذا الصدد؛ يقول: "لنقل إنه حتى مع التسليم بأننا نجد، فوق ما لدينا في أي من أناجيلنا، علاقة بشاهد عيان، فإنه يبدو أمرًا غير قابل للتصديق، في حقبة عاش فيها جمع غفير من شهود العيان، أن تتشكل في فلسطين نفسها أساطير غير تاريخية حول المسيح، فضلً عن المدونات الجامعة لتلك الأساطير. بيد أنه في زمن الرسل – ولنقل ذلك أولً – لم تكن هناك مدونات ومجاميع عن حكايات عن حياة المسيح ذائعة الانتشار، أو أن إنجيلً من أناجيلنا على وجه التخصيص قد اشتهر عن أحد الرسل وحظي باعترافه، فهذا مما لن يجري إثباته على الإطلاق […] فأما شهود العيان، فإن كان المقصود بهم الرسل؛ فقد لزم أن نثبت لهم وجودًا فعليًّا في كل مكان، لكي يكونوا بالفعل قد تمكنوا من اقتلاع الخرافات والأحداث اللاتاريخية حول يسوع من جذورها في كل الأماكن التي برعمت فيها ونمت"62. انتصر شتراوس بشدة لهذا المَنْزع العلمي، ودفع به إلى أقصى النتائج، حتى وصل به الأمر إلى التشكيك في الوجود التاريخي ليسوع وفي ألوهيته، وإلى تأكيد استحالة قيام أي حس تاريخي في ظل وعي ديني يقوم على معجزات وجب اجتثاثها فيما يتعلق بشخصية يسوع وحياته63، وهو ما ينطبق على تاريخ المسيحية في فلسطين وفي الحضارة الرومانية. ومن غلُوّ راديكالية أفكار شتراوس هذه، ما كان منه إلا أن تخلى تمامًا عن المسيحية، داعيًا في كتابه الأخير الإيمان القديم والإيمان الجديد The Old Faith and the New  (1872) إلى ديانة إنسانية، إلى حدّ أنه فقدَ من جرَّاء ذلك منصبَه في جامعة توبنغن، وما لبث أيضًا أن قدّم استقالته من منصبه الممنوح له في جامعة زوريخ، تحت طائلة ضغط ومعارضة من اللّهوتيين المحافظين64. بعد منعطف شتراوس، حصل لمنهج النقد التاريخي في السياق الثقافي الألماني جملة تحولات فكرية وحضارية، تمثلت أساسًا في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وظهور أنطولوجيا مارتن هايدغر Heidegger Martin (1976–1889)، وردة فعل لاهوتية كبرى ضد اللّهوت الليبرالي ممثلة في اللّهوت الجدلي theology Dialectical مع بارث وتلاميذه، وكان من نتيجة هذه المتغيرات أن فقد النقد التاريخي الليبرالي لمعَانَه، وصار يُنظَر إليه بعين الرّيبة في ظل الأزمة الفكرية والروحية التي ألقت بظلالها على العالم المسيحي الأوروبي بعد الحربين. في الحصيلة، حملت هذه التَّحولات صيغًا جديدة من النقد، تضمنت استمرار مشروع إصلاح مناهج تفسير الأناجيل على أرضية ثقافية تاريخية متينة، كما تجد حًّلًّ في الآن عينه لمأزق الإيمان المسيحي وأزمته، وتضمن ديمومة الرسالة المسيحية واستمرارها، وإلى هذه المعادلة تُنسب أعمال بولتمان. خاضَ بولتمان غِمار مسألة حياة يسوع بهدف مخالفة نظَرائه السَّابقين، رغم أنه يُشاطر لِيبِراليّي القرن

  1. Ibid, p. 89.
  2. Ibid, p. 91.
  3. Troeltsch, p. 619.

التاسع عشر في النتيجة العامة التي تُقر بأنَّ يسوع لم يكن مسيحيًا ابتداءً، لكنه ذهب إلى القول إنه في إمكاننا التمييز بين حياة يسوع ورسالته الإيمانية؛ أي بين جوهر البِشَارة وبين زبَدِهَا الذي ذهب جُفَاءً، فحياته بما فيها من صورة ميثولوجية، ليست هي موضوع الإيمان. وفي إمكاننا بالمثل، التخلي عن "أسطورة آدم، من دون أن يؤثر ذلك في الإيمان بالرسالة الإلهية، ما دامت تتضمن رسالة إلهية لخلاص الإنسان، ولا تتضمن معارف تاريخية يقينية"65، وقس على ذلك كل الأحداث الأسطورية المروية في الأناجيل حول ميلاد يسوع وتعميده وبعثه وقيامته وصعوده ورجعته. لم يكن همّ بولتمان متعلقًا بإعادة بناء تلك الأحداث، والتحقق من واقعيتها، بقدر ما استشعر أن خطاب الوحي مشبع في كُلِّيته بلغة ميثولوجية، لم تعد تُسعف المسيحي المعاصر، لا في فهم العالَم في صورته الجديدة، ولا في فهم جوهر الإيمان المسيحي، بوصفه بشارة ومبادرة إلهية للخلاص. وبناء عليه، فقد صار المطلب الأكثر إلحاحًا، ليس هو إصلاح الروايات الإنجيلية، وتنقيتها من الخرافات لتكوين صورة متماسكة عن حياة يسوع مثلً أو غيرها من السِّير والأحداث، بل اقتراح أساليب جديدة في قراءة كل معطيات الأناجيل، وتفسيرها، بتجريدها من لبُوسها الأسطوري القديم على مستويات ثلاثة: مستوى الأحداث، ومستوى اللغة والخطاب والبنية النحوية، ومستوى المفاهيم والرُؤى. لم يتوقف عمل مشروع إزالة الأسطرة Demythologization حول نزع المعاني المجازية الميثية عن الألفاظ والكلمات، من أجل استرجاع المقصد الأصلي فحسب، بل اشتغل في العمق على فك ارتباط الرسالة المسيحية برؤية كوسمولوجية إنجيلية مُتقادمة للعالم؛ لأن هذه الرؤية التي كانت تقول إن العالم مَلِيء بالأسرار هي نفسها التي اقتضت التعبير عنه في قوالب لغوية وأساليب سردية أسطورية. ومتى ما تبين أن تلك القوالب اللغوية هي بالنسبة إلى نواة البشارة المسحية في منزلة القشرة، اتّضح أن الأسلوب الميثولوجي المهيمن على الأناجيل ما هو إلا طريقة في التعبير عن الإيمان فحسب، ومن ثم، فليست له أهمية فوق تاريخية. وتبعًا لذلك؛ وجب صياغة هيرمينوطيقا جديدة تعمل على تمهيد الطريق لأسلوب جديد في التعبير عن الإيمان، وهو ما سماه بولتمان بتأثير من الأنطولوجي هايدغر "التأويل الوجودي". وبهذه الأرضية التأويلية التي اصطنعها بولتمان من "رافد التاريخ" و"رافد الفلسفة"، جاء مشروع نزع الأسطرة جوابًا عن الأزمة التي وقع فيها اللّهوت الليبرالي في القرن التاسع عشر، لمَّا اكتفى بالقراءة التاريخية الصرفة. بدأت تتكشف ههنا مرحلة أخرى من مراحل اللّهوت الليبرالي، ومن تطور برنامجه وأدوات اشتغاله؛ فقد صار على علاقة قريبة من روافد الفلسفة في القرن العشرين – كما أشرنا إلى ذلك سابقًا – بحيث استعَان بعض أعلام هذه المرحلة بتأويلات وجودية، أعطت لكثيرٍ من المفاهيم المسيحية راهنية جديدة، على شاكلة التأويل الذي أعطاه بولتمان لمفهوم الإسخاتولوجيا (علُوم الآخرة) Eschatology بصياغتها في صورة لاهوت جديد للرَّجاء Esperance، بينما لجأت طَائِفة من اللّهوتيين البروتستانت

  1. جان غريش، العَوْسَج المُلْتَهِب وأنْوار العَقْل: ابتكار فلسفة الدّين: مج 2، المُقارَبات الظَّاهراتية والتَّحليليَّة، ترجمة عز العرب لحكيم بناني، مراجعة مشير باسيل عون (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2020)، ص.295

مثل الوجودي المسيحي بول يوهانس تيليش Tillich Johannes Paul (1965–1886)، وعالم اللّهوت البروتستانتي إرنست ترويلتش Troeltsch Ernst (1923–1865)، إلى معطيات نظرية سوسيولوجية وفلسفية، من أجل تركيبِ تاريخٍ نقدي، شامل ومقارن، للمسيحية ولتاريخ الأديان عمومًا. والملحوظة عينها تنطبق على رهطٍ من تلاميذ بولتمان، بحيث أصبحت مقارباتهم للمسيحية تُطرح ضمن مسألة التأويل، وصار اسم "التأويل الجديد" عنوان برنامج الإصلاح اللّهوتي في ألمانيا ما بعد بولتمان. ويتعلق الأمر ههنا بغيرهارد إيبلينغ Ebleling Gerhard (2001–1912)، وإرنست فوكس Fuchs Ernst (1983–1903)؛ إذ يُعتبر إيبلينغ "من أشدّ المتخصّصين بفكر مارتن لوثر، وقد شدَّد في معظم كتاباته على حدَث اللغة. فاللّهوت يقوم على صلة وثيقة بإعلان كلمة الإله، ومن هنا ينبغي أن يسهر على اللغة التي يستخدمها. وفي ضوء ذلك، كان الهم التأويلي الشُغل الشاغل في مفهومه للعقيدة"66. أما فوكس فقد استعار جملة من المفاهيم الفلسفية من أنطولوجيا هايدغر اللغوية، ومن هيرمينوطيقا هانز جورج غادامير Hans–Georg Gadamer (2002–1900)، فضلً عن مفهوم نزع الأسطرة الذي يرجع إلى أستاذه بولتمان، من أجل بلورة منهجه في تأويل العهد الجديد67. مع هذين المفكرين، تخطى اللّهوت الليبرالي حدود الإطار الجغرافي والثقافي الألماني68، لكن علينا البقاء في إطار الملامح الفكرية التي تحدّد بها اللّهوت الليبرالي، كما نشَأ وتطور داخل الإطار الألماني، ونستكمل بيان تلك الملامح من خلال المحور الثالث الذي ارتبطت به هموم أقطابه وانشغالاتهم. ويتعلق الأمر ههنا بمدرسة تاريخ الأديان الألمانية، وقد تقاسم البحثَ في هذا المجال العريق ألمانيًّا توجهان مُمَثلان في "مدرسة توبنجن" و"مدرسة كوتنجن". استنادًا إلى ما أورده الباحث الفرنسي جان مارك تيتاز Tétaz Marc Jean، في تقديمه لكتاب تاريخ الأديان ومصير اللاهوتلإرنست ترولتش69، فقد بدأت نواة مدرسة توبنجن، التي كانت قلعة اللّهوت الليبرالي في ألمانيا، من خلال ظهور فكرة إنشاء مجموعة بحث حول "الدين والأدب في العهدين القديم والجديد"، وتُعنى بنشر أبحاث جامعية حول تاريخ المسيحية. تشكلت هذه المجموعة من ثيولوجيين شُبّان70 تلقوا محاضرات من كلية اللاهوت بجامعة غوتنجن في الفترة 1893–1888. وحظيت هذه الحلقة بدعم من ألبرت إيخهورن Eichhorn Albert). 1926–1856(وقد عرفت فيما بعد دفعة جديدة بعد انضمام مجموعة من الباحثين أمثال رودولف أوتو Otto Rudolf (1937–1867)، وفيلهليم هيتمولر Heitmuller Wilhelm (1926–1869) وآخرين؛ ليتسع فريق البحث مفضيًا إلى تشكيل جماعة علمية موسعة أكثر مما هي مدرسة بالمعنى الضيق.

  1. معلوف، ص 157. ولمزيد من التفاصيل حول فكره وأعماله، ينظر: المرجع نفسه، ص.149–138
  2. لمزيد من التفاصيل، ينظر: المرجع نفسه، ص.156–149
  3. المرجع نفسه، ص.137
  4. :(ينظر Ernst Troeltsch, Histoire des religions et destin de la théologie , Bernard Karmpf (trad.) (Genève /Paris: Labor & Fides; Cerf, 1994).
  5. من بينهم فيلهلم بوسيت Bousset Wilhelm (1920–1865)، وهيرمان جونكل Gunkel Hermann (1932–1862)، ويوهانس فايس وريدي Wrede Weiss Johannes (1914–1864)، وترويلتش وآخرون. ينظر مقدمة تيتاز في.: Ibid.

تطلَّعت مدرسة توبنجن نحو مسعى إعادة اكتشاف التَّشكل التاريخي للمسيحية، من زاوية ثقافية وحضارية أوسع، وقد تطلب هذا الطموح برنامجًا علميًا موسعًا، يشمل بالدراسة كل مراحل التاريخ الثقافي الغربي قبل المسيحية وبعدها، إضافة إلى شق آخر يتعلق بمقارنة الأديان، ولم تعد مسألة حياة يسوع تحتل الصدارة في صلب هذا البرنامج، بقدر ما صارت جزئية من جزئياته، بل يمكن القول إن هذه المسألة أصبحت مشكلة تأويلية بالمعنى الذي يعطيه ريكور للكلمة. أما مدرسة كوتنجن، فتقترن بزمرة أعلام الَّلَّهوت الألماني، على رأسهم الَّلَّهوتي ألبريخت ريتشل Ritschl Albrecht)1889–1822(71 الذي تتلمذ على يديه لاهوتيون بارزون أمثال: أدولف فون هارناك Harnack von Adolf (1930–1851)، وفيلهلم هيرمان Herrmann Wilhelm.)1922–1846(وخلافًا لأستاذه باور، فقد سعى ريتشل إلى الفصل بين الميتافيزيقا والَّلَّهوت، مؤكدًا أن الدراسة العلمية للمسيحية، تقتضي نبذ أي خلفية فلسفية ذات طابع نظري، من هنا جاء اعتراضه أيضًا على اعتماد الهيغيلية أرضيةً نظريةً في مجال قراءة التاريخ الديني72. كما شدد على ضرورة بناء مقاربة تاريخية وضعية، تركز على حقائق التاريخ الملموسة، لا من أجل الغرض العلمي البحت، ما دام أن هذه الحقائق – ومنها طبيعة المسيح مثلً – قد هُجرت، وإنما لأن نتائج البحث التاريخي حولها تفضي إلى اكتشاف دلالات قيمية ومقاصد أخلاقية، لا تقل أهمية عن الحقائق العلمية؛ فمثلً "عندما نقول إن للمسيح طبيعة إلهية، فلا نقصد إظهار الحقيقة، بل إن له قيمة إلهية لنا، لأننا عرفنا الإله من خلاله"73. هكذا طور ريتشل، استنادًا إلى شلايرماخر وكانط، تصورًا للعقيدة، لوثريًا محافظًا، يزاوج بين النزعة الوضعية في دراسة الكتاب المقدس، وبين توجه أخلاقي يعمل على إعادة المسيحية إلى دلالتها العقدية الخالصة، باعتبارها سيرًا نحو مملكة الإله74، فالحاجة إلى النقد التاريخي تأتي من أجل تنقية النص من التاريخ؛ أي مما علق بقراءته من فلسفات وميتافيزيقا ونظريات أخلاقية، وبين التوجه الأخلاقي الذي يرُوم استخلاص البعد الأخلاقي الخالص في تعاليم المسيح التي تجد دلالتها لا باعتبارها أحداثًا، بل باعتبارها قيمًا عملية. صار البحث التاريخي على يد اللّهوتي ريتشل خادمًا لغاية عَقدية خالصة، وهو المنحى الذي غَلبَ على منهج مدرسة كوتنجن التاريخية. وخلافًا لذلك، ارتكز منهج مدرسة توبنجن بدايةً من عام 1890، على دراسة المسيحية من زاوية مقارنتها بالتاريخ غير الخالص للمسيحية؛ أي بالتاريخ غير المذهبي،

  1. لاهوتي بروتستانتي ألماني، من أهم كُتبه: أصول الكنيسة الكاثوليكية المبكرة L’Origine de l’Église catholique primitive
  2. (1850)؛ وعقيدة مسيحية حول التبرير والمصالحة La Doctrine chrétienne de la justification et de la réconciliation.)1870(
  3. حول موقف ريتشل من التنظيرات الفلسفية التأملية، الميتافيزيقا قديمًا والهيغيلية حديثًا، وعدم صلاحيتهما العلمية والمنهجية في قضايا اللاهوت، ينظر: Dan L. Deegan, "Albrecht Ritschl as Critical Empirist," The Journal of Religions , vol. 44, no. 2 (Spring 1964). pp. 149– 160; J. H. W Struckenberg, "The Theology of Albrecht Ritschl," The American Journal of Theology , vol. 2, no. 2 (Spring 1898), p. 275.
  4. جوناثان هيل، تاريخ الفكر المسيحي، ترجمة سليم إسكندر ومايكل رأفت، مراجعة محمد حسن غنيم (القاهرة: دار الكلمة للنشر والتوزيع، 2012)، ص.264
  5. Troeltsch, p. 616.

وذلك بناءً على افتراض مفاده أنَّ أصول المسيحية تقترب أكثر من يهودية العهد القديم. وفي خطوة موالية، عُنيت أيضًا باكتشاف دور العَالَم الهلنستي World Hellenistic The باعتباره شرطًا ضروريًا لفهم المسيحية. وقد وضَعت مقاربة باور حول تطور العقيدة المسيحية حجر الأساس لهذا التَّوجه، الذي لم يعد للمسيحية بموجبه تاريخ ذاتي؛ وبعبارة أخرى "ليس للمسيحية أصل معجز! كل شيء فيها كان معدًّا سلفًا. إنها بهذا الاعْتبار قريبة الشبه بوحدة طبيعية مؤلفة من عناصر سابقة، تُدلي – رغم تباينها – في نفس العملية التي تنفي، في سياق تشكلها المتنامي كل ما يحمل طابع الذاتية، وبتمامها تنبثق المسيحية. إن الاعتقاد بالمعجزة الأصلية يجسّد في حقيقته تصورًا كاثوليكيًا للتَّاريخ يُفقده تسلسله ويُزري باتصال حلقاته. ومن ثمة، فإن الذَّوات لا تعدو أن تكون انعكاسًا للفكرة الثاوية فيها"75. وبغض النظر عن مدى ملُاءمة اخْتِطَاط خُطَّةِ هيغل التي اعتمدها باور مهادًا نظريًا لقراءة تطور تاريخ المسيحية، فإن المكسب الفكري والمنهجي المُتحصل عليه ههنا، هو في كونه لم يعد تاريخ الخلاَص المتمحور حول حياة شخص المسيح المخلص، هو التاريخ الوحيد والنهائي للمسيحية. "ليست المسيحية بنت فكر يسوع الناصري، كما أنها ليست بداية جديدة انقدحت في ظروف محددة"76، بقدر ما هي تاريخ توليفة ثقافية اعْتملَ داخل مجراها الذاتي والموضوعي، ويتحدد المكون الموضوعي في روافد ثقافية ثلاثة: رافد الفلسفة اليونانية، ورافد اليهودية والإرث العبري (وهي نقطة شدَّد شتراوس عليها من قبل)، ورافد الهلينستية. وينخرط الَّلَّهوتي والمؤرخ الألماني إرنست ترولتش Troeltsch Ernst (1923–1865) في هذا الخط البحثي، وهو أحد الوجوه الفكرية البارزة في حقل اللّهوت الليبرالي في القرن العشرين، وقد كان أكثر الباحثين اهتمامًا بتجاوز أطروحات ريتشل التي طبعت اللّهوت الليبرالي، واختتمت حضوره في القرن التاسع عشر. وتمكّن ترولتش من صياغة مشروع علمي موسع يُعنى بدراسة المسيحية، وتتضافر داخله توليفة من مهمات/ واجهات علمية ثلاث هي كالآتي: أ. مهمة تاريخية: تُعنى بربط المسيحية بالعوامل الثقافية والحضارية التي ساهمت في تشكلها الثقافي والتاريخي. وتعترض هذه المقاربة موضوعيًا على مقاربة هارناك، التي انْبَرت لإنجاز تاريخ ماهوي خالص للمسيحية. لا تملك المسيحية تاريخًا خاصًا بها في منهج ترولتش التاريخي، وعلى هذا الأساس اشْتغل في أعماله الأولى على الربط بين المسيحية واليهودية المتأخرة: يهودية الشتات وما بعد الشتات، علاوةً على تنبيهه إلى دور العالم الهلنستي في هذا التشكل التاريخي. ب. مهمة إبستيمولوجية: تُعنى باصطناع المقدمات والشروط اللّزمة لإدماج اللّهوت ضمن حقل العلوم الإنسانية. وهنا نلحظ أن ترولتش لم يكتفِ بالصناعة التاريخية المحضة، بل انصرف نحو التأسيس الإبستيمولوجي لوظائف جديدة، تُعبِّد الطريق نحو مقاربةٍ مُقارِنة وشاملة لتاريخ الأديان، وتختصُ باستدعاء كل العناصر والشّعب التي شكلت المجرى التاريخي العام للمسيحية، بدءًا من

  1. L. Perriraz, "Méthode historique et philosophie de l’histoire chez Ferdinand–Christian Baur," Revue de Théologie et de Philosophie et Compte–rendu des Principales Publications Scientifiques , vol. 37 (1904), p. 290.
  2. Ibid.

المسيحية البدائية وانتهاءً بوضعيتها الراهنة. وقد استلهم ترولتش هنا فكرة شلايرماخر حول ما سماه "المجموع التاريخي الكلي" التي سبق طرحها في هذه الدراسة. ج. مهمة فلسفية: ينتج من المهمة السابقة أنه لن يعود تاريخ الكنيسة تاريخًا متمركزًا حول نفسه ولا تخصصًا يحتكر الحديث عن تاريخ مثالي خاص للمسيحية؛ لكن بديله المعرفي؛ أي النقد التاريخي ثم التاريخ المقارن، ليس هو نهاية البحث بالنظر إلى ما يتطلبه المنظور الإبستيمولوجي المقترح من تضافر تخصصات عدة وتدخل معارف متنوعة "مساعدة". وعند بلوغ هذا المستوى من الدراسة العلمية، يأتي تدخل المعالجة الفلسفية البعدية بوصفها ممارسة جامعة وتأليفية، تؤول ضمنها المقاربة التاريخية إلى نوع من فلسفة عامة للثقافة والحضارة؛ ذلك أنه "من المستحيل ممارسة تاريخ الأديان من دون أن نمتلك تمثلً دقيقًا عن حقيقة الدّين؛ وهذا الأمر لا يمكن الحديث فيه من دون أن نخاطر بالتوجه نحو أبحاث سيكولوجية وإبستيمولوجية وميتافيزيقية؛ أي نحو أبحاث تتعلق بالضبط بفلسفة الدين"77. يشدّد ترولتش على أن المعالجة الفلسفية الشاملة هي أكثر ما يفتقر إليه مجال تاريخ الأديان، وتعنى بمساءلة ماهية الدين وتطور الوعي الديني للبشرية، وتختص باستخلاص المفهوم الرئيس للدّين، وتضم جناحين اثنين هما: فلسفة للتاريخ وفلسفة عامة للدّين78.

خاتمة

حاولنا في هذه الدراسة أن نستطلع جانبًا من حقل التفكير اللّهوتي المعاصر، وتقديم لوحة لواحد من أبرز مكوناته في الثيولوجيا البروتستانتية، كما سعينا إلى نقل صورة عن أجواء النقاش الداخلي المُعتمد داخل هذا الحقل بين مختلف توجهاته، في عصر ثقافي استشعر فيه اللّهوتيون البروتستانت أن وظيفة اللّهوت لم يعد في إمكانها أن تستمر على أنها تبشير برسالة معزولة عن سياقها، ولا يكفي البروتستانتية لكي تستمر في عصر التنوير، الذي بات تاريخيًا من جميع وجوهه، أن تظل في صورة أفكار تحررية تكتفي فحسب بالتشيُّع لمؤسسها الأول لوثر. وإذا كان اللاهوت العقائدي الكنسي مجبولً عادة على أن يعلي من "الكلام" على حساب "الكتابة" Scripture كما يقول بول ريكور Ricœur Paul (2005–1913)، فإن أبرز السمات التي ميزت نشاط – البروتستانتية الليبرالية تكمن في أنها لاهوت هيرمينوطيقي اتخذ من الكتابة – وليس مجرد الكلام بؤرةً وميدانًا لعملها اللّهوتي (نموذج سيملر وشلايرماخر على المستوى التأسيسي النظري، ونموذج باور وشتراوس وبولتمان على مستوى التطبيق)، وكأنها بهذا تنقل التبشير المسيحي من حالته الأولى بما هو كلام إلى حالته الثانية بما هو تأويل للكلام؛ أي بما هو كتابة، ومن الكتابة إلى محيطها الثقافي والحضاري الممتد (نموذج شتراوس خصوصًا).

  1. Ernst Troeltsch, Histoire et religion: Esquisses philosophiques et théologiques (Geneve: Labor & Fides, 1990), p. 102.
  2. لمزيد من التفاصيل، نقترح العودة إلى مقالنا حول مشروع إرنست ترولتش، ينظر: يونس الأحمدي، "الحداثة وسؤال الثيولوجيا في مشروع إرنست ترولتش"، مؤمنون بلا حدود، 2019/3/4، شوهد في 2022/10/22، في: https://bit.ly/3CXaDME

ولئن كانت منهجية النقد التاريخي هي المولود الفكري القاري الذي تنَاسلَ عن العصر الحديث، وشكل سمته وقوته العلمية الضاربة، فإن تفعليه على يد اللاهوتيين الليبراليين الألمان جرى من داخل أرضية هيرمينوطيقية ذات خصوصية لم تكن لتسمح باللاهوت الطبيعي أن يفرض مقولاته واستراتيجيته. وتحددت الأولويات التي تَحتمَ النظرُ فيها على بساط هيرمينوطيقا تنويرية بدورها وبطريقتها الخاصة، في الوضع التأويلي الناتج من الانتقال من الكلام إلى الكتابة، ومن التبشير إلى التفسير ومن المعنى Sens إلى المرجعية Reference كما يقول ريكور. بهذا الميسم الهيرمينوطيقي اتسم نشاط التفكير اللاهوتي على يد الليبراليين بالجدة، وشق طريقًا لم تكن مسلوكة قط، ولم تكن نتائجه حاسمة؛ ذلك أن ردة فعل صارمة تشكلت ضده، متمثلة في اللاهوت الجدلي بقيادة اللاهوتي السويسري بارث الذي رأى في سيطرة اللاهوت الليبرالي خطرًا على صرح الإيمان المسيحي وخصوصيته الدينية.

References

المراجع

العربية

الأحمدي، يونس. "الحداثة وسؤال الثيولوجيا في مشروع إرنست ترولتش". مؤمنون بلا حدود. 2019/3/4:. في CXaDME /3 ly. bit:// https أسد، طلال. "النظر في الدين مع فتغنشتاين". ترجمة حجاج أبو جبر. تبيّن. مج 10. العدد 37 (صيف غريش، جان. العَوْسَج المُلْتَهِب وأنْوار العَقْل: ابتكار فلسفة الدّين: مج 1، إرْث القَرْن التاسع عشَر ووَرثته. ترجمة محمد علي مقلد. مراجعة مشير باسيل عون. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، ________. العَوْسَج المُلْتَهِب وأنْوار العَقْل: ابتكار فلسفة الدّين: مج 2، المُقارَبات الظَّاهراتية والتَّحليليَّة. ترجمة عز العرب لحكيم بناني. مراجعة مشير باسيل عون. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.2020

________. العَوْسَج المُلْتَهِب وأنْوار العَقْل: ابتكار فلسفة الدّين: مج 3 النَّمُوذَج الإبْدالي، الهِيرمينُوطيقي. ترجمة عز العرب لحكيم بناني. مراجعة مشير باسيل عون. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة،.2020

معلوف، جوزيف. محنة الفكر الديني: مفكرو الإصلاح في القرن العشرين بين انسداد الأفق ورهان الانفتاح. جونيه: المكتبة البولسية،.2011

هيل، جوناثان. تاريخ الفكر المسيحي. ترجمة سليم إسكندر ومايكل رأفت. مراجعة محمد حسن غنيم. القاهرة: دار الكلمة للنشر والتوزيع،.2012

الأجنبية

Bianco, Bruno. "'VERNÜNFTIGES CHRISTENTUM': Aspects et problèmes

d’interprétation de la néologie allemande du XVIII e siècle." Archives de Philosophie.

vol. 46, no. 2 (1983).

Bultmann, Rudolf. Foi et compréhension, L’historicité de l’homme et de la révélation.

André Malet (trad.). vol. 1. Paris: Seuil, 1970.

Deegan, Dan L. "Albrecht Ritschl as critical empirist." The Journal of Religions. vol. 44,

no. 2 (Spring 1964).

Gass, W & J. F. Astié. "Histoire de la dogmatique protestante: De Semler à

Schleiermacher." Théologie et Philosophie. vol. 4 (1871).

Kant, Immanuel.  La Fin de toute chose. Guillaume Badoual & Lambert Barthélémy

(trad.). Arles: Actes Sud, 1999.

Perriraz, L. "Méthode historique et philosophie de l’histoire chez Ferdinand–Christian

Baur." Revue de Théologie et de Philosophie et Compte–rendu des Principales

Publications Scientifiques. vol. 37 (1904).

Schleiermacher , Friedrich. De la religion, Discours aux personnes cultivées d’entre ses

mépriseurs. Bernard Reymond (trad.). Paris: Van Dieren, 2004.

________. Le statut de la théologie. Bernard Kaempf (trad.). Genève/ Paris: Labor &

Fides, Cerf, 1994.

________. On Religion, Speeches to its cultured despisers. John Omann (trans.).

London/ San Francisco: Harper and Row publishers, Hagerston, 1958.

Struckenberg, J. H. W. "The Theology of Albrecht Ritschl." The American Journal of

Theology. vol. 2, no. 2 (Spring 1898).

Tetaz, Jean–Marc. "La théologie libérale en Allemagne. De quelques types que masque

un chiffre théologique. " Théologie et de Philosophie. vol. 4, no. 151 (Winter 2020).

_______. "Le protestantisme libéral de l’Empire Wilhelminien: Un antijudaïsme

théologique?" Etudes théologiques et religieuses. vol. 3, no. 92 (2017).

Troeltsch, Ernst. Histoire des religions et destin de la théologie. Bernard Karmpf

(trans.). Genève/ Paris: Labor & Fides; Cerf, 1994.

Welthusen, Kruger. "Les conditions d’une vie de Jésus," Revue de Théologie et de

Philosophie et Compte–rendu des Principales Publications Scientifiques. vol. 6 (1873).

Zahrnt, Heinz. Aux prises avec Dieu – La theologie protestante au XX è me siècle. Paris:

Cerf, 1969.