Return to Article Details The Transformations of Humanist Discourse: from Humanism to Beyond

تحولات الخطاب الإنسانوي: من الإنسانوية إلى ما بعدها

The Transformations of Humanist Discourse: from Humanism to Beyond

منوبي غبّاش

Manoubi Ghabbach

الملخّص

يُعدّ الخطاب الإنسانوي خطابًا غربيًّا مثّل أحد مُخرجات الحداثة التي انطلقت منذ عصر التنوير. وبعد النقد الجذري المتعدد المشارب الذي شمل الحداثة فكشف عن مآزقها وأوهامها وتناقضاتها، بدأ يتشكل نمط تفكير آخر متحرر من المفاهيم والتصورات القديمة ويعطي أهمية للمختلف والهامشي والمُقصى والمسكوت عنه. وقد أدى النقد الفلسفي للإنسانوية بأشكاله المختلفة إلى إعادة التفكير في الإنساني بوساطة مفاهيم ومقولات جديدة، تتلاءم مع طبيعة التحوّلات المعرفية والتقنية والاجتماعية التي عرفتها البشرية في الحقبة المعاصرة. وفي هذا السياق طُرح مفهوم "ما بعد الإنسانوية" بوصفه مفهومًا ما بعد حداثي. لم يهمل الخطاب ما بعد الإنسانوي التفكير في الإنسان، ولكنه أعاد طرح السؤال الأنثروبولوجى، وصاغ أجوبة طريفة، موظفًا مفاهيم وتصورات جديدة. وقد كان على الفكر ما بعد الإنسانوي أن يضطلع بالمشكلات التي طرحتها فلسفة "عبر الإنسانية"، بما هي فلسفة تراهن على تغيير الكائن الإنساني بطريقة جذرية بوساطة العلم - التقنية. نروم في هذا البحث تحديد قيمة الإنسانوية (النزعة الإنسانية) من خلال إعادة النظر في تحولات الخطاب الإنسانوي. ورهاننا من وراء التفكير في صياغات سؤال الإنسان والأجوبة المُتباينة التي قُدمت عنه هو التأكيد على أهمية أنثروبولوجيا فلسفية من شأنها الاضطلاع بالمشكلات التي تطرحها فلسفة ما بعد الإنسانوية في صيغها المختلفة.

Abstract

Abstract: Since the Age of Enlightenment, Humanist discourse has been a prominent feature of modernity in the West. In response to radical criticism of the contradictions of modernism, a new thought pattern emerged, liberated from outdated concepts and perceptions, and giving importance to the different, the marginal, the excluded, and the unacknowledged. The philosophical criticism of humanism led to its reconceptualization, to be made compatible with the intellectual, technical, and social transformations of the contemporary era. In this context, posthumanism was introduced as a postmodern concept. Posthumanist

الكلمات المفتاحية:
  • الإنسانوية
  • الحداثة
  • ما بعد الإنسانوية
  • عبر إنسانوية
  • الأنثروبولوجيا الفلسفية
Keywords:
  • Humanism
  • Modernism
  • Posthumanism
  • Transhumanism
  • Philosophical Anthropology

التنوير. وبعد النقد الجذري المتعدد المشارب الذي شمل الحداثة فكشف عن مآزقها وأوهامها وتناقضاتها، بدأ يتشكل نمط تفكير آخر متحرر من المفاهيم والتصورات القديمة ويعطي أهمية للمختلف والهامشي والمُقصى والمسكوت عنه. وقد أدى النقد الفلسفي لإنسانوية بأشكاله

المختلفة إلى إعادة التفكير في الإنساني بوساطة مفاهيم ومقولات جديدة، تتاءم مع طبيعة التحولّات المعرفية والتقنية والاجتماعية التي عرفتها البشرية في الحقبة المعاصرة. وفي هذا السياق

طُرح مفهوم "ما بعد الإنسانوية" بوصفه مفهومًا ما بعد حداثي. لم يهمل الخطاب ما بعد الإنسانوي

التفكير في الإنسان، ولكنه أعاد طرح السؤال الأنثروبولوجى، وصاغ أجوبة طريفة، موظفًا مفاهيم وتصورات جديدة. وقد كان على الفكر ما بعد الإنسانوي أن يضطلع بالمشكات التي طرحتها فلسفة "عبر الإنسانية"، بما هي فلسفة تراهن على تغيير الكائن الإنساني بطريقة جذرية بوساطة العلم – التقنية. نروم في هذا البحث تحديد قيمة الإنسانوية (النزعة الإنسانية) من خال إعادة النظر في تحولات الخطاب الإنسانوي. ورهاننا من وراء التفكير في صياغات سؤال الإنسان

والأجوبة المُتباينة التي قُدمت عنه هو التأكيد على أهمية أنثروبولوجيا فلسفية من شأنها الاضطاع

بالمشكات التي تطرحها فلسفة ما بعد الإنسانوية في صيغها المختلفة.

Assistant Professor at the Preparatory Institute for Literary Studies and Human Sciences in University of Tunis. ghabachmanou@gmail.com

discourse re–posed the anthropological question, formulating novel approaches. It also Posthumanist thought shouldered the problems posed by transhumanism – a philosophy that advocates the radical enhancement of the human condition through scientific and technological development. This research evaluates the value of humanism by reconsidering the transformations of humanist discourse. It concludes that there is a need for a philosophical anthropology that would seek to answer the problems posed by posthumanism.

مقدمة

درجَ في عُرفِ موضوعات النظر الفلسفي تصنيفٌ وترتيبٌ متسق مع التراتبية الأنطولوجية:

"الله – الطبيعة – الإنسان". وحين نعود إلى عصر التنوير Enlightenment of Age، نجد أنّ الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط Kant Immanuel (1804–1724)، على نحو خاص، قد طرح الأسئلة الثاثة الكبرى مبثوثة في كُتبه النقدية المشهورة نقد العقل الخالص Kritik der reinen Vernunft (1781)، ونقد العقل العملي Kritik der praktischen Vernunft (1788)، ونقد ملكة الحُكم Kritik der Urteilskraft (1790)، وهي أسئلة موجِّهة للتفكير الفلسفي: ماذا يمكنني أن أعرف؟ can What

know I، ماذا يمكنني أن أفعل؟ do I must What، وماذا يمكنني أن آمل؟ hope I may What. وهذه الأسئلة تجيب، بحسب رأيه، عن سؤالٍ مركزي: ما الإنسان؟ يتعلق هذا السؤال في صياغاته المختلفة بالإنسان في المطلق، أي الكائن المتميّز من الكائنات الأخرى بملكة الفكر، ومُكنته في العمل المنظم

والهادف، وأيضًا بنزوعه نحو المطلق وشغَفه بالميتافيزيقا Metaphysics. وبناءً عليه؛ فإن الفلسفة

الكانطية تجسيد حقيقي لروح "الأنوار" Aufklärung، كما تُعتبر أنموذجًا للأنثروبولوجيا الفلسفية في

الأزمنة الأوروبية الحديثة. تُعدُّ الأنوار في تاريخ الفكر الغربي خصوصًا، والإنساني عمومًا، بمنزلة اللحظة المميزة في تاريخ النزعة الإنسانية Humanism، وذلك بالنظر إلى ما تمخض عنها من أفكار وتصورات وأحداث وتجارب (ثورات سياسية، وثورات علمية وصناعية... إلخ)، وتشكل تصور الإنسان حال كونه كائنًا عاقا حرًّا يحمل حقوقًا طبيعية. لقد احتل الإنسان بحسب التصور الجديد، منزلة أنطولوجية

وإبستيمولوجية جديدة صار بموجبها سيدًا للطبيعة ومالكها. وأصبح كل شيء يُحدَّد ويقيّم وفق منظور

الإنسان، وصارت مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع واللغة والعلم والفلسفة والدين مواضيع للبحث والنظر والسؤال والنقد، وميادين للفعل والتجريب أيضًا. لقد ابتكر فكر الأنوار مفهوم "الإنسان الكوني" أو "الكلي" أي الصورة المفهومية والمعيارية الشاملة، التي تمكّن من التفكير في كل أفراد النوع الإنساني، وتقييم أعمالهم وتجاربهم بحسب قيم ومعايير حداثية. واستُعِيدت كذلك فكرة الطبيعة الإنسانية من أجل إثبات التنوّع والاختاف داخل الوحدة؛ بحيث يشترك البشر جميعهم في طبيعة

وهوية واحدة، تستوعب تباينات ثقافية وعرقية شتَّى. لذا، يمكننا القول إن الكونية في دلالاتها السياسية والأخاقية هي وليدة "الأنوار".

كشف النظر الفلسفي في طبيعة الإنسان عن جملة من الخصائص والسمات المشتركة بين البشر. وهي لا تتغير ولا تختفي بتطور المجتمعات وتفككها، بل تنمو وتتطور على نحو مستمر. فالإنسان كائن طبيعي يتميز بالرغبة في المحافظة على وجوده، وهو أيضًا كائن اجتماعي، يتمتع بالقدرة على التخيل والترميز والتصور. لقد تكفل الفاسفة والعلماء بالتأسيس النظري لهذه الحقيقة الأنثروبولوجية واستنتاج تصورات اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية متناغمة معها. وبطبيعة الحال جرى التأكيد، في هذا السياق، على حضور العقل والعقانية. إنّ العقل باعتباره ملكةً معرفية هو "أحسن الأشياء توزعًا بين الناس"، كما يقول الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت Descartes René (1650–1596)؛ إذ به يستطيع الإنسان أن يخرج من حالة قصوره الذاتي ليحقق استقاليته وحريته، فيتطابق وجوده مع ماهيته. إن شعار الأنوار بحسب قول كانط لهو شعار بالغ الدلالة: "تحلَّ بالشجاعة لاستخدام عقلك بنفسك"، بحيث تختزل هذه العبارة المعنى الجوهري لفكر الأنوار: أن يستقل الإنسان فردًا كان أو جماعة بنفسه، وألّ يكون تابعًا وخاضعًا لأي وصاية مهما كان نوعها. إذا كانت "الطبيعة الإنسانية" هي الفرضية الأساسية التي قامت عليها الإنسانوية (النزعة الإنسانية)، فيمكن القول إنّ نقض هذه الفرضية واستبعادها يؤديان ضرورةً إلى استبعاد النزعة الإنسانية ذاتها. فقد كانت منذ البداية حركة فكرية نقدية (تحديدًا، نقد الفكر القروسطي الذي كرس تبعية الإنسان وعبوديته)، ولكنها تحوّلت فيما بعد إلى موضوع للنقد شمل المسلمات التي قامت عليها حركة

الأنوار، والمبادئ التي قامت عليها الإنسانوية. لنا أن نذكر، في هذا السياق، أن الأنوار اتهِمَت

بكونها كانت سببًا في اندلاع الثورات السياسية والاضطرابات الاجتماعية التي عرفتها أوروبا في

القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ومن المعروف أنّ كثيرًا من أهل الفكر والسياسة تكفلوا بمهمة

محاكمة حركة الأنوار. ويمكن أن نذكر، على سبيل المثال، التيار الفكري المناهض للثورة الفرنسية ولحقوق الإنسان، والذي يعتبر إدموند بيركBerque Edmund (1797–1729)، وجوزيف دي مايسترMaistre De Joseph (1821–1753) من أهم ممثليها. ندّد بيرك بالثورة، ورفض النزعة العالمية الكاذبة لحقوق الإنسان، ودافع عن حقوق الإنكليز التي كرّستها التقاليد. أما دي ميستر،

فقد رفض الثورة من حيث المبدأ، ورأى أنها تتناقض مع طبيعة الإنسان الاجتماعية والأخاقية، ورأى أن الثورة الفرنسية عقوبة ربانية. أما بخصوص حقوق الإنسان، فقد بلغ به الأمر إلى حدّ التشكيك في مبدئها. إذ يقول في كتابه نظرات على فرنسا: "إن دستور 1795 مثل كل إخوته، صُنع من أجل الإنسان. إلا أنه لا يوجد البتة إنسان في العالم. لقد رأيت في حياتي فرنسيين، وإيطاليين،

(((رينيه ديكارت، مقال عن المنهج، ترجمة محمود محمد الخضيري، مراجعة وتقديم محمد مصطفى حلمي، ط 3 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1985)، ص.161 (((إمانويل كانط، "إجابة عن سؤال: ما هو التنوير؟"، ترجمة عبد الله المشوح، مجلة حكمة، 2015/6/9، شوهد في 2023/1/23،

في: https://bit.ly/3iVu7uX (3) Edmund Burke, Réflexions sur la Révolution de France, Collection Pluriel (Paris: Fayard, 2011). (4) Joseph De Maistre, Considérations sur la France (Paris: Garnier, 1980), p. 64.

(((فرانسوا شاتليه [وآخرون]، معجم المؤلفات السياسية، ترجمة محمد عرب صاصي  (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، 2014)، ص.280

وروسًا... إلخ، وأعلمُ، حتى بفضل مونتسكيو، أنه يمكن أن يكون المرء فارسيًّا. أما الإنسان، فأ علِنُ

أني لم ألتق به في حياتي، وإذا وُجِد ف  علم لي به ". لم ينتقد النزعةَ الإنسانيةَ المفكرون المحافظون فحسب، الذين اعتبروا أن فكر الأنوار تسبّب في

الاضطراب والفوضى، وأنه أدى إلى إضعاف القيم الدينية والأخاقية، التي ضمنت، في ردحٍ من الزمن، استقرار المجتمعات ودوام السلطة الملكية واحترام الدين، بل انتقدها أيضًا مفكرون "ثوريون" من أمثال كارل ماركس Marx Karl (1883–1818) الذي اعتبر أن النزعة الإنسانية ما هي إلا "أيديولوجيا برجوازية"، تكمن وظيفتها في إخفاء حقيقة الواقع الاجتماعي، وتبرير السلطة وإخضاع المستغَلين والمحكومين. وإضافة إلى النقد الأيديولوجي الذي دشَّنه ماركس، يوجد نقد آخر (نقد ثقافي ما بعد الكولونيالي) لإنسانوية، وذلك بالنظر إلى صلتها بالحركة الاستعمارية، التي لا تخفى صلتها أيضًا بفكر الأنوار. لقد تمثل ذلك النقد في كشف القناع عن الوجه الآخر للنزعة الإنسانوية التنويرية، بالنظر إلى كونها وفّرت المبررات النظرية والمسوّغات الأخاقية لاستعمار والهيمنة على الشعوب غير الأوروبية. أقرّ الإنسانويون بوحدة الجنس البشري وكذلك بحتمية التقدم الإنساني. ولكن هذه النظرة "غير الإنسانية" تعارضت مع واقع شعوب وأمم "بربرية" و"متوحشة"، كما يرونها، جرى التعرّف عليها من خال حركة الاستكشاف التي بدأت منذ القرن الخامس عشر. وطرحت في هذا السياق فكرة مهمة "تحضير" أو "تمدين" المتوحشين، سكان الأراضي البعيدة الذين يتكلمون لهجات غريبة، ولديهم معتقدات وثنية، وهم أقرب ما يكونون في حياتهم إلى الحيوانات الضارية. وبناءً عليه، وباسم وحدة الجنس البشري،

بُرِّرت المهمة الحضارية للأمم الأوروبية، وتُرجِم ذلك في حركة الاستعمار الاستيطاني التي استمرت عقودًا من الزمن، لتعمد إلى تغيير العالم القديم عن طريق الحروب والإبادة العرقية والتهجير ونهب الخيرات. هذا الاقتران بين النزعة الإنسانية والاستعمار، جعل بعضهم يقول إن هذه النزعة ليست إَّلَّ "أيديولوجيا" ابتكرتها الطبقة البرجوازية الصاعدة في القرن الثامن عشر، لتدعم استقرارها في الداخل وتوسع نفوذها في الخارج. ولا ريب في أنّ أخْذ أشكال نقد النزعة الإنسانية في الاعتبار، هو بمنزلة شرط ضروري لفهم أسباب فشل النزعة الإنسانية، وفقدانها تدريجيًا لمعانها وجاذبيتها. في سياق نقد النزعة الإنسانية، لا يمكننا الإحجام عن إياء النقد الفلسفي الأهمية التي يستحقها. ونقصد، في هذا السياق، ذلك النقد الذي تعلق بأسس النزعة الإنسانية، ومبادئها النظرية، وتركز على فحص مسلماتها وفرضياتها الضمنية؛ مثل الطبيعة الإنسانية، وقابلية الجنس البشري للتقدم المادي والأخاقي. وفي هذا السياق، تحتل مقاربات فريدريش نيتشه Nietzsche Friedrich (1900–1844)،

(6) De Maistre, p. 1091.

(((ينظر: كارل ماركس وفريدريك إنجلز، الأيديولوجية الألمانية: مصادر الاشتراكية العلمية، ترجمة فؤاد أيوب (بيروت: دار الفارابي،.)2016 (((هومي ك. بابا، موقع الثقافة، ترجمة ثائر ديب (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2004)، ص.314–313

ومارتن هايدغرHeidegger Martin (1889–1976)، وميشال فوكو Foucault Michel (1984–1926)، وكلود ليفي شتراوس Lévi–Strauss Claude (2009–1908) أهمية أساسية. يمكن القول إنه على الرغم من النقد الجذري للنزعة الإنسانية الذي بلغ أوجه مع الإقرار بنهاية أسطورة هذه النزعة (بدعوى موت الإنسان)، فإنّ الخطاب الإنسانوي لم يفقد أهميته تمامًا؛ ودليل ذلك، هو استمرار تداول الأفكار الإنسانوية في الأدب والفلسفة والفن. من يتأمل الوضع البشري الراهن، الذي غلب عليه الظلم والحرمان والإقصاء، تتهافت لديه دعاوى تقول ب "موت الإنسان" و"نهاية الحداثة" و"نهاية التاريخ". لقد حافظت النزعة الإنسانية على قيمتها مرجعيةً للنقد والاحتجاج، وموجِّهًا للتفكير في بدائل أخرى، من شأنها أن تلغي النتائج السلبية للحداثة التقنية. نشهد اليوم بروزًا لافتًا لخطاب إنسانوي جديد، يستلهم مقوماته من التراث الفكري لإنسانوية الغربية، وينفتح أيضًا على مبادئ وقيم مستمدة من ثقافات أخرى. لعلنا لا نجانب الصواب إذا قلنا إنّ "أنثروبولوجيا فلسفية جديدة" هي اليوم ضرورية للجنس البشري كله، وهو يواجه المشكات الاجتماعية والسياسية والبيئية التي فرضتها العولمة الاقتصادية. ليس من الضروري الإقرار بوجود طبيعة إنسانية واحدة حتى يكتسب الخطاب الإنسانوي مشروعيته الفكرية. ثمّ إنّ الاعتقاد أن الإنسان المطلق لا يوجد أو أنه قد مات، لا يلغي قيمة الإنسانوية بما هي منظومة قيم كونية، ومجموعة تصورات تراهن على تحسين وضعيات وجود الإنسان. لا خاف في أهمية وعمق النقد الذي شمل النزعة الإنسانية من جهة أسسها وفرضياتها ورهاناتها، وكذلك من جهة عاقتها بالواقع الاجتماعي والتاريخي. لنا أن نسأل عن مآلها بعد النقد الذي استهدفها بأشكال مختلفة، وراهن على إخراجها من فضاء الثقافة والفكر الفلسفي، ونقصد في هذا السياق نقد هايدغر وفوكو وشتراوس وسيغموند فرويد Freud Sigmund (1939–1856)؛ أيّ صاحية اليوم للنزعة الإنسانية؟ وهل يوجد مبرر لاستعادة قيمها ومبادئها في سبيل استئناف الخطاب الفلسفي الأنثروبولوجي؟ نهدف في هذه الدراسة إلى تحديد قيمة النزعة الإنسانية، من خال النظر في تحولات الخطاب الإنسانوي. ورهاننا من وراء التفكير في صياغات سؤال الإنسان والإجابات المختلفة التي قدّمت في شأنه هو التأكيد على أهمية أنثروبولوجيا فلسفية من شأنها الاضطاع بالمشكات التي تطرحها ما بعد الإنسانوية Posthumanism في صيغها المختلفة.

أولا: الإنسانوية والحداثة

يحيل مفهوم الإنسانوية على تصور معيّن لإنسان ومنزلته في العالم. أما الحداثة، فهي تدل على مسار

محدد في تاريخ الإنسانية. ومع ذلك، فإنّ المفهومين لا تَنْفصِلُ عُرَاهُما، سواء من الناحية النظرية أو

(((رأى هايدغر أن النزعة الإنسانية هي نتاج التوجه الميتافيزيقي للفلسفة الحديثة الموسوم بنسيان الكينونة، وهي تعبير عن ميتافيزيقا الذاتية.

(10) Todorov Tzvetan, L’esprit des Lumières (Paris: Robert Laffont, 2006).

التاريخية. وردت كلمة "إنسانوية" (نزعة إنسانية) أوّل مرّة لدى بيير جوزيف برودون Pierre–Joseph

Proudhon عام 1850 درِجت في معجم ليتري، وأ Littré الفرنسي في أواخر القرن التاسع عشر. وتدلّ الكلمة على أمرَين: "ثقافة الآداب Belles–Lettres Les، وكل مذهب يجعل من سعادة الإنسان غاية

قصوى". وتدل أيضًا على الحركة الفكرية التي مثلها في البداية إنسانويّو النهضة، أمثال فرانسيسكو بتراركا Petrarca Francesco (1374–1304)، وإيرازموس Erasmus (1536–1466) وغيوم بودي Budé Guillaume (1540–1467). وتميزت تلك الحركة بإيائها الإنسان مكانًا عَليًّا. وقد استلهم ممثلوها عناصر تفكيرهم من الفكر اليوناني القديم، متجاوزين بذلك الفكر القروسطي الذي هيمنت عليه الرؤية الدينية. ويمكننا الحديث عن إنسانوية كاسيكية تشتمل على تصورات ورؤى أخاقية وسياسية واجتماعية وجمالية، تخلصت من هيمنة الفكر الاَّهوتي الموروث من القرون الوسطى. يتعلق الأمر، إذًا، بتغيُّرٍ شمل منزلة الإنسان وقيمته. بحيث أصبح كائنًا حرًّا ومستقا،

غير مستعبدٍ خانعٍ. وبالرغم من ظهور قيم الإنسانوية في عصر النهضة، فإنها ستترسخ في العالم الغربي تدريجيًّا خال مسار الحداثة، حال كونها تكريسًا للقيم والمثل العليا التي بلورتها الإنسانوية

الكاسيكية. ومن نافلة القول أن نذكر وجود صات قوية بين الحداثة والأنوار التي تعتبر اللحظة البارزة في تاريخ الحداثة الغربية، وهي اللحظة التي تبلورت فيها المبادئ والمثل العليا للنزعة الإنسانية. وقد عمد ديكارت إلى صياغة التصور الفلسفي للذاتية الذي عبّر عن المكانة الجديدة التي أصبح الإنسان

يحتلها من منظور أنطولوجي ومعرفي أيضًا. إنّ هذه الذات – أو "الجوهر المفكر" – هي في الآن عينه مصدرُ معرفةٍ لنفسها وللطبيعة والإله. ويُعمق كانط أيضًا هذه الرؤية عن طريق تشديده على اقتران البُعد المعرفي للأنوار بالبُعد الأخاقي؛ إذ تُبيِّنُ مقالته

المشهورة "جواب عن سؤال: ما هي الأنوار؟" Beantwortung der Frage: Was ist Aufklärung?" "

بوضوح، نوع الارتباط بين الحداثة والأنوار، فهو يقول: "إن بلوغ الأنوار هو خروج الإنسان من القصور الذي هو مسؤول عنه [...] تجرأ على أن تعرف aude Sapere، كُن جريئًا في استعمال عقلك. ذلك هو شعار الأنوار". تعني الجرأةُ على استعمال العقل التفكيرَ والبحث بحرية، وإخضاع كل شيء للفحص النقدي من دون

تقيد بضوابط خارجية باستثناء ما يقرّه العقل نفسه، ذلك هو عنوان دخول الإنسان في مرحلة الحداثة. إن

الإنسان المقصود في خطاب كانط، هو الفرد الحر والمستقل القادر على استعمال عقله بطريقتين: الأولى "الاستعمال العمومي للعقل" في كل المجالات والثانية، "الاستعمال الخاص للعقل" في نطاق ضيق، وهذا تصديق لقوله: "أقصد بالاستعمال العمومي من قبل المرء لعقله أن يستعمل عقله بوصفه عالِمًا أمام

الجمهور بأكمله الذي هو عالَم القراء. وأسمي استعم لً خاصًّا ذلك الاستعمال للعقل، المسموح به للمرء

(11) Dominique Janicaud, "L’Humanisme: Des malentendus aux enjeux," Revue philosophique de Louvain , vol. 99, no. 2 (2001), pp. 183–200.

(1((إيمانويل كانط، ثلاثة نصوص: تأملات في التربية، ما هي الأنوار؟ ما التوجه في التفكير؟ تعريب وتعليق محمود بن جماعة (صفاقس: دار محمد علي الحامي، 2005)، ص.85

في ممارسة المسؤولية أو الوظيفة التي أسندت إليه بوصفه مواطنًا". ويردف قائا: "لا حاجة لنشر الأنوار إلا إلى الحرية، أي في الحقيقة إلى ما يعنيه هذا الاسم من أمر لا ضرر فيه إطاقًا، أعني حرية المرء في أن يستعمل عقله استعم لً عموميًّا في كل المجالات". في الحالة الأولى يكون الفرد حرًّا في تناول

كل الموضوعات، وفي الحالة الثانية تكون حريته مقيّدة بطبيعة المسؤولية التي يتحمّلها. يمكن القول إن

"الأنوار" لدى كانط هي أنوار العقل الإنساني الموجود لدى كل أفراد الجنس البشري. يستطيع كل واحد عندما يستعمل عقله استعم لً جيدًا أن يتحرر من كل أشكال التبعية، وأن يحقق في ذاته صورة الإنسانية. ومن البديهي أن ما ينطبق على الفرد ينطبق على الإنسانية كلها. إن انتصار كانط للأنوار هو انتصار ودعوة إلى العقانية وما العقانية إلا العنوان الأساسي للحداثة.

ثانيًا: بروز الفردانية

إنّ المذهب الإنسانوي هو في الأصل مذهب فلسفي، تكوّن شيئًا فشيئًا منذ القرن الرابع عشر للمياد،

وتحديدًا مع المفكر الاهوتي السكولاستيكي وليم الأوكامي Ockham of William (1348–1288)، الذي بيّن أن الفردي فحسب هو الذي يوجد على وجه الحقيقة؛ وذلك على الضد تمامًا من التقليد الفلسفي

الأرسطي Aristotelianism، والعقلية السكولاستيكية "المدرسية" Scholasticism، عمومًا، التي كانت قائمة على المسلمة الأرسطية القائلة: إنه لا علْم إلا بالكليّات. وتؤكد النزعة الاسمية Nominalism، التي

كان لأوكامي يد في خَطِّ بعض مَعالمها وأسسها، أنّ كل ما يوجد هو شيء فردي، وأن الكليّات ليست

إلا أسماء لا تحيل على أشياء واقعية. ولئن وجدنا لدى فاسفة الإغريق القدامى (الذريون Atomists والاسمانيين Nominalists) تصورًا عن الفرد والفردي، فإن مفهوم الفردانية Individualism لم يتبلور إلا مع الفاسفة المحدَثين، الذين اعتبروا الفرد في حدّ ذاته مبدأ وقيمة، و"أن ما يُميز مجتمعًا من آخر هو منزلة الفرد، فالمجتمع الذي يكون فيه للفرد القيمة العليا هو ذلك الذي نتحدث فيه عن الفردانية". هو مبدأ الوجود الاجتماعي ومبدأ التقييم، وهو أيضًا مبدأ التنظيم الاجتماعي والسياسي. ويُعدّ تعبير الفرد عن اختافه وممارسة حريته في الاختيار، على مستوى السلوك والممارسة، الطريقة الوحيدة لإثبات ذاته والحصول على الاعتراف في المجتمع الحديث. ألا يتعارض هذا التوجه الفرداني مع قيم المجتمع المشتركة ومع القيم الإنسانية كلها؟ يحيل هذا السؤال على فكرة وجود تناقض، أو على الأقل تعارض،

((1(المرجع نفسه، ص.87 ((1(يمكن الإحالة على فكرة "نصل أوكام" أو "شفرة أوكام" Occam Novacula في معنى الدلالة على مبدأ الشظَف الأنطولوجي للتفكير والتعبير، من خال استبعاد الكيانات غير الضرورية، من منطلق مفاده أنه لا ينبغي لك الإسراف في شيء ما، أو الاستعانة

بأدوات كثيرة لحل مشكلة بسيطة، إذا لم توجد ظروف معيّنة تُحتم عليك القيام بذلك. ونضرب مثا عن ذلك بالإنسان الذي يرهق

عقله في التفكير في مشكلة معيّنة، ويعطيها كثيرًا من الوقت ووسائل البحث وغيرها. وهي في حقيقة الأمر مشكلة بسيطة لا تحتاج

إلى كل هذا العناء. ولا بد من التنويه، في هذا السياق، بأن هذه الشفرة الأوكامية ذات حمولات إمبريقية يعتمدها العلم التجريبي، وذات حمولات جمالية وعلمية رياضية أيضًا. (1((علي الصالح مُولى، "هل تكون المُواطنة مدخا إلى أخاقية عربية ناجعة؟ بحث في وضعنة القيمة"، في: علي الصالح مُولى

[وآخرون]، سؤال الأخلاق في الحضارة العربية الإسلامية، عزمي بشارة (محرر) (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.89

بين الفردانية الحديثة والإنسانوية، وهي فكرة صيغت بأشكال مختلفة في الخطاب الفلسفي الحديث والمعاصر. لا شك في ارتباط الصياغة الفلسفية الحديثة لمفهوم الإنسان بالتحولات الكبرى التي حدثت في أوروبا والعالم في مجالات مختلفة، وخاصة منها اكتشاف العالم الجديد. وفي هذا السياق، يكتسي تصور الفيلسوف الإنكليزي جون لوك Locke John (1704–1632)، في القرن السابع عشر، أهمية أساسية؛ فقد صاغ بوضوح تامٍّ مفهومَ الفرد كائنًا حرًّا ومستقا قادرًا على ترجمة حقوقه الطبيعية من خال العمل

والتملك والمشاركة السياسية. أقر لوك بأنّ الحقوق الطبيعية للفرد، سابقة لاجتماع المدني، وسابقة لتكوّن السلطة السياسية أيضًا، بل إنّ حمايتها وتوفير شروط تحقيقها، هما غاية بناء المجتمع السياسي.

وتُردّ حقوق الفرد الطبيعية إلى حق الحياة وحق الحرية وحق الملكية (ملكية المرء لجسده ولثمرة عمله). والأفراد في تصور لوك هم الذين يشكلون المجموعة السياسية من خال اتفاقهم (اتفاق كل واحد مع كل واحد) على التنازل عن الحقوق الطبيعية، أي عن استعمال القوّة الطبيعية لحمايتها وتفويض

الحاكم المدني للقيام بتلك المهمة. لقد ظهر الفرد، إذًا، بوصفه فاعا سياسيًّا يتمتع بقوى طبيعية وذهنية

واستعدادات أخاقية. إن تلك القوى والاستعدادات الطبيعية هي التي ستجعله مؤها للوجود السياسي. تقوم نظريات العقد الاجتماعي Contract Social على افتراض وجود لحظة معيّنة في تاريخ المجتمع

المتخيّل حصل فيها الانتقال إلى الحالة السياسية؛ من حالة ضعف الفرد الطبيعي وهشاشته إلى حالة مدنية

يكون فيها الأفراد أعضاءً في جماعة سياسية. وإنّ الأفراد يوجدون في حالة الطبيعية حيث الغريزة توجه

كل واحد نحو المحافظة على ذاته باستعمال ما يتوافر لديه من قوّة طبيعية. وصف توماس هوبز Thomas

Hobbes (1679–1588) تلك الحالة بأنها حرب الكل ضد الكلomnes contra omnium Bellum؛ بسبب انعدام أي وازع لاجتماع والعيش المشترك، وبسبب انعدام حاكم قوي قادر على إلزام الجميع بنمط وجود سلمي وآمن. وبناءً على ذلك، ستكون تلك النظريات أساس مكانة الفرد في الفكر السياسي

الحديث، وستتضح على نحوٍ جليٍّ في التصورات الليبرالية بمشاربها المختلفة الحديثة منها والمعاصرة.

ثالثًا: الإنسانوية وفكرة الحقوق

استندت النزعة الإنسانية إلى مفهوم الحق الطبيعي، بمعنى الحق الذاتي كما صاغه مفكرون وفاسفة منذ القرن السادس عشر، بحيث يكون لإنسان حقوق طبيعية ثابتة مستمدة من طبيعته. وهي حقوق

(16) Alain Renaut, L’ère de l’individu: Contribution à une histoire de la subjectivité (Paris: Gallimard, 1989).

(1((جون لوك، في الحكم المدني، ترجمة ماجد فخري (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2015)، ص.299–295

(18) Thomas Hobbes, Leviathan (London: Penguin Books, 1985), p. 185.

((1(تُمثل مدرسة الحق الطبيعي الإسبانية الإطارَ النظري الذي تبلورت من خاله أهم تصورات الحق الطبيعي الحديثة، خاصة مع

هوكو كروشيوس Grotius Hugo (1645–1583)، وصمويل بوفندورف Pufendorf von Samuel (1694–1632)، وغيرهم. ونشيد بذكر أهم من مثّل مدرسة الحق الطبيعي الإسبانية: لويس دي مولينا Molina de Luis (1600–1535)، وفرنسيسكو سواريز

Suárez Francisco (1617–1548)، ينظر:

Frannk Tinland , Droit naturel, loi civile et souveraineté à l’époque classique (Paris: PUF, 1986).

يقرّها العقل ويثبتها القانون الإلهي (المعبّر عنه في النصوص المقدسة). والخلفية الميتافزيقية لهذا

المفهوم جلية، وهو ما سيستعمل حجة لنقده، ومن ثم لنقد النزعة الإنسانية باعتبارها ضربًا من ضروب

الفكر الميتافيزيقي. لننظر الآن، من خال تغير دلالة مفهوم الحق، في أهمية البعد الحقوقي والقانوني للنزعة الإنسانية. الحق الطبيعي مفهوم قديم قدم الفلسفة السياسية؛ إذ نجده لدى أرسطوطاليس وأفاطون والرواقيين أو الرسوخية Stoicism، وقد تواصل استعماله مع المحدثين، وإن ارتبط بدلالة جديدة. في كتاب الأخلاق إلى نيقوماخوس، يقر أرسطو بأن الحق السياسي ينقسم إلى حق طبيعي وحق وضعي: "يمكن التمييز بحق في العدل المدني والسياسي بين ما هو طبيعي وما هو ليس كذلك". ففي كتاب حق الحرب والسلام، يميز غروسيوس بين معان ثاثة للحق الطبيعي: الحق هو ما يمكن أن يقوم به المرء من دون أن يكون غير عادل، أي من غير أن يدان من جماعة من العقاء. والحق هو ما يسمح لشخص بأن يفعل أو أن يمتلك بطريقة شرعية. والحق هو القانون أو القاعدة الملزمة. إذا كان الحق الطبيعي عند أرسطو جزءًا من المدينة، أي من الحق السياسي الذي يشمل أيضًا الحق الإرادي، فإن الحق عند

غروسيوس مستقل عن المدينة، وهو كلّي وثابت. ولكن ما يستحق الإبراز في تصور غروسيوس، مقارنةً بتصور أرسطو للحق الطبيعي، هو تأكيده على الطابع الشخصي للحق. لقد "تصُوِّر الحق الطبيعي

الحديث بوصفه حقًّا ذاتيًّا مطروحًا ومعرفًا بوساطة العقل الإنساني (العقانية القانونية)، أو بوساطة

الإرادة الإنسانية (النزعة القانونية الإرادية juridique Volontarisme)، وليس بوصفه حقًّا موضوعيًّا

مندرجًا في نظام معين للعالم محايث أو متعال". ذهب كثير من الفاسفة المحدثين إلى أن الحق الطبيعي لا يتناقض مع القوانين الإلهية التي وردت في الكتب المقدسة، وأنه لا يتعارض أيضًا مع القانون الطبيعي الذي يحكم كل الأشياء الإنسانية والطبيعية الذي يمكن للعقل أن يستنبطه. ويأمر القانون الطبيعي البشر بتمجيد الله وتعظيمه، واحترام القواعد التي يمكن أن يكتشفها العقل عندما يُستعمَل استعم لً جيدًا. ومن المعروف أن تصور الحق الطبيعي

مثّل أساسًا لبناء النظرية السياسية الحديثة؛ فقد استُعمِل بوصفه عنصرًا أساسيًّا في النظرية التعاقدية:

يكون الأفراد في حالة الطبيعة كائنات حرة ومستقلة، ويكون لهم حقوقٌ أصلية غير قابلة للتنازل في الحالة المدنية. وكل انتهاك لحقّ من الحقوق من جانب السلطة السياسية يُفقدها المشروعية، ويجعلها

عرضة للممانعة والتمرد. وتتضمن فكرة الحقوق الطبيعية للأفراد أن السلطة السياسية بطبيعتها محدودة. وما يجعلها مشروعة وجديرة بالطاعة هو التزامها وتقيدها بالوظيفة التي تكونت من أجلها؛ أي حماية حقوق الأفراد الطبيعية ورعايتها. وقد اعتُبرت نظرية العقد الاجتماعي القائمة على تصور الحق الطبيعي

الشخصي المرجعيةَ النظرية الأساسية للمذهب الليبرالي في صيغته الكاسيكية. لقد مثلت فكرة الحق الطبيعي أساسًا للتصور الحديث لحقوق الإنسان. ولم تكن النظرية التعاقدية

(2((أرسطوطاليس، علم الأخلاق إلى نيقوماخوس، ترجمة أحمد لطفي السيد (القاهرة: مطبعة الكتب المصرية، 1924)، ص.91

(21) Cf. Hugo Grotius, Le droit de la guerre et de la paix , Pradier–Fodéré (trad.) (Paris: PUF, 1999). (22) Alain Renaut, L’individu: Réflexions sur la philosophie du sujet (Paris: Hatier, 1995), p. 6.

التي أقيم عليها التصور الحديث للدولة منفصلة عن فكرة حقوق الإنسان. وقد كانت الثورات السياسية الحديثة الأميركية 1776 والفرنسية 1789 تعبيرًا عن ذلك التحوّل التاريخي الكبير الذي كان تحقيقًا

للنظريات والأفكار المتعلقة بحقوق الإنسان. ومن المعروف أن "الحق" كان شعار تلك الثورات؛ أي الحق في الحقوق. وبعد أن كان الحق امتيازًا للأقلية في ظل النظام التراتبي القديم، صار كونيًّا. يعتبر التصور الحديث لحقوق الإنسان انتق لً من الحق الطبيعي الذاتي ذي الطابع الميتافيزيقي، الذي يعتبر مرجعية أخاقية، إلى حقوق الإنسان كمرجعية معيارية للتشريع في النظام القانوني الحديث. وإذا أخذنا في الاعتبار أن الحق الطبيعي يدل على ما هو عادل، أي على ما هو مطلوب لذاته باعتباره يتطابق مع طبيعة الأشياء، فإن العودة إلى مفهوم الحق الطبيعي من شأنها أن تمثل مرجعية لخطاب حقوق الإنسان الحديث: "إن للعودة إلى تصور الحق الطبيعي القديم فائدة مزدوجة؛ فهي تسمح، ضد التاريخانية Historicisme، بإعادة بناء تعالي العادل (التمييز بين المثالي والموضوعي)، وضد الوضعانية Naturalisme، بترسيخ صاحية القيم القانونية في الموضوعية". يمكن القبول، بفضل هذا الإسناد المعياري، بحقوق الإنسان كصياغة حديثة للحق الطبيعي الذاتي، وهو ما يؤهلها لتكون أساسًا للمشروعية السياسية. ويمكن القول إنّ التصورين الوضعاني والتاريخي يؤديان إلى تأكيد الطابع

النسبي والمحدود لحقوق الإنسان؛ ومن ثمّ تبرير إمكانية خرقها أو إلغائها، ولذلك فإن ربطها بالحق الطبيعي القديم من شأنه أن يُثبّت طابعها الكوني. تحتل حقوق الإنسان اليوم مكانة أساسية؛ لا في الفكر القانوني والسياسي فحسب، بل في الثقافة العالمية كلها. وهي تُطرح، بالرغم من الاختافات الثقافية، كأساس لحوار وتفاهم ممكن بين البشر محليًّا وعالميًّا. وفي هذا السياق، يمكن القول إنّ الإنسانوية المعاصرة ليس لها من مضمون إلا حقوق

الإنسان. ويعتبر مفهوم الذات الأساس النظري لفكرة حقوق الإنسان. ويدل هذا المفهوم على الكائن العاقل أي الفرد بما هو مصدر المعرفة ومصدر التشريع والتقييم. ف "بالتصريح بالكوغيتو في خطاب المنهج (1637) وقّع ديكارت، بحسب أندري غلوكسمان Glucksman André، شهادة مياد الأفراد السادة". وإذا كان ديكارت، بصورة خاصة، هو الذي وضع الأسس الفلسفية للذاتية، وهو المشروع الذي أطلق عليه اسم "الحداثة الأولى"، فإنّ الفيلسوفين غوتفريد فيلهيلم لايبنتز وفريدريش هيغل عبّرَا

عن "الحداثة الثانية" التي تفوّق فيها مبدأ الفردية على مبدأ الذاتية. وقد تميزت الحداثة الثانية بانتصار

القيمة الفردانية لاستقال على القيمة الإنسانوية لاستقالية L’autonomie. نجد أوضح صياغة للتصور الفلسفي الفرداني لدى لايبنتز، وبالتحديد في تصوره للمونادولوجيا Monadology. فقد صاغ تصورًا جديدًا للذاتية استنادًا إلى مفهوم المونادة Monade، وهي جوهر فرد غير منقسم ولا يتأثر بأي شيء في الخارج، لأنه ب  نوافذ من شأنها أن تجعله متصا

(23) Alain Renaut & Luc Ferry, Philosophie politique 3: Les droits de l’homme (Paris: PUF/Quadrige, 1984), p. 54. (24) Alain Laurent, Histoire de l’individualisme (Paris, PUF, 1993), p. 29. (25) Alain Renaut, L’individu: Réflexions, pp. 59–60. (26) Gottfried Wilhelm Leibniz, La Monadologie Monadologi (Paris: Livre de poche, 1991).

بما يوجد خارجه. ثمّ إنّ المونادات لا تتغير ولا يؤثر بعضها في بعض بسبب استقال كل واحدة

وانفصالها عن الأخرى. لقد أسس هذا التصور للفردانية شكا لفلسفة الذات تتحدد فيها الذات كاستقال، أي إنها غير مرتبطة من حيث وجودها واستمرارها بأيّ جهة متعالية، وإن لم يكن ذلك

هو ما أقره لايبنتز تحديدًا. فبحسب نظريته في "التناسق القبلي"، يفسر كل ما يحدث في العالم بالإرادة والقدرة الربانيتين. وأدى القبول بهذا التصور الفلسفي إلى استبعاد إمكانية أخرى لفهم الذاتية أي فهمها بوصفها استقالية. وبعدما وُضِعت أسسها النظرية في فلسفات ديكارت ولايبنتز

وكانط، ترسخت في الفلسفة الحديثة بوصفها فردانية. وذلك ما سيجعل نقد فلسفة الذات مقترنًا بنقد الإنسانوية.

رابعًا: أشكال نقد الإنسانوية

1. النقد الجينيالوجي

لن يكون في إمكاننا التفكير في الاقتران بين نقد الإنسانوية ونقد الحداثة، إذا لم نستحضر النقد الجينيالوجي. رأى فريدريش نيتشه أنّ الحداثة، بما تتضمنه من أنساق معرفية ورؤى وعلوم ومنظومات قيمية، ليست إلا أشك لً مختلفة للميتافيزيقا. وهي، وفقًا لتصوره، مجموعة تمثات وأوهام ناتجة من وضعية الإنسان الوجودية الهشة، أسبغ عليها الفكر الميتافيزيقي صفات الشمولية والإطاقية وجعل منها نماذج مثالية، في ضوئها تمثّلَ الوجود المادي وتخّيل وجودًا آخر متعاليًا.

يقوم الخطاب الميتافيزيقي في نظر نيتشه على مجموعة من الثنائيات الوهمية؛ مثل عالم الظواهر وعالم الأشياء في ذاتها، والخير والشر، والجمال والقبح، والعدل والظلم، والحقيقة والخطأ، والفضيلة والرذيلة... إلخ. وما يميز الفكر الميتافيزيقي هو أنه يقلل من شأن العالم الطبيعي ويحتقر الحياة، مقارنة بالعالم الحقيقي الإلهي والمفارق، عالم الجواهر الأبدية أو عالم الروح. وبحسب هذه الثنائية الأنطولوجية، يُفصل "الحقيقي" أو المثالي عن الطبيعي ويفصل الفكر عن الحياة المادية. سعى نيتشه إلى تفكيك الميتافيزيقا عبر نقد جذري لأسسها الاهوتية والفلسفية. وأوّل أشكال النقد

الجذري هو، ب  شك، نقد الذات الواعية كما تشكلت مامحها في إطار المثالية الذاتية مع ديكارت وكانط ولايبنتز. ليست الذات "الكوجيتو" أساسًا لأي شيء، فهي لا تمثل حقيقة أولى وبديهية.

وليس الإنسان كائنًا واعيًا، بل إن الاوعي هو المفهوم الأنسب للتعبير عن كيانه الطبيعي الجسدي.

ولئن ادعت الفلسفة المثالية فصل النفس عن الجسد، والفكر عن الحياة، فإن فلسفة نيتشه ترفض كل التقيسمات الثنائية التي أقرها التقليد الفلسفي منذ أفاطون، وتثبت – على العكس من ذلك – وحدة الوجود (العود الأبدي للشيء ذاته). إن الوعي ليس إلا وهمًا ولا يمكن أن يكون ميزة خاصة

لإنسان يفضل بها الحيوان. نتج من نقد الوعي نقد آخر لا يقل أهمية هو نقد الحقيقة. إن ما اعتبره الفاسفة حقيقة ثابتة ومطلقة ليس إلا تأويا ممكنًا لوضعيات البشر التاريخية. ينطبق هذا المعنى النسبي للحقيقة على "حقيقة" الإنسان؛ ليس لإنسان حقيقة، وليس هناك شيء يمكن أن يُعتبر أساسًا

(27) Ibid.

لتلك الحقيقة المزعومة (الوعي، الفكر، المطلق، المجتمع، التاريخ). ويجوز القول إن نقد الفكرة الميتافيزيقية المتعلقة بطبيعة الإنسان من شأنه أن يؤدي إلى نسف النزعة الإنسانية. وإن الإعان عن "موت الإله" في فلسفة نيتشه هو إعان عن نهاية الميتافيزيقا كفكر مثالي عطَّل تقدّمَ الحياة ونماءَها،

فكر قام على "مثَل أعلى زهدي" بمقتضاه احتُقِر الجسد وأُدينت الحياة واحتُفي بالموت واعتبرت الفلسفة تدرّبًا عليه. لقد أراد نيتشه التأسيس لفكر جديد، ما بعد ميتافيزيقي، أساسُه "إرادة القوة". فكر

خاص بالإنسان الجديد، "الإنسان الأسمى" الذي يحتفل بالحياة ويسعى إلى البهجة والمرح، انطاقًا من الإيمان بأن الوجود الوحيد الممكن هو الوجود الآن وهنا. هل أدى نقد نيتشه للميتافيزيقا إلى تجاوزها حقًّا؟ أم أن تفكيره لم يخرج عن نطاق الميتافيزيقا الكاسيكية؟ لقد أجاب هايدغر عن هذا السؤال بالقول إن فلسفة نيتشه ظلت في نطاق التفكير الميتافيزيقي وإن لم تدرك مسلماتها الميتافيزيقية. وقد نقل نيتشه الفلسفة من مجال الاهتمام بالماهية والحقيقة والجوهر والكليات إلى مجال الاهتمام بالجسد والحياة والوهم واللغة والعرَض، وهي

مسائل معالجة لديه بطريقة ميتافيزيقية، بمعنى أن نيتشه اهتم بالتفكير في الموجودات وفق ما سمح به التقليد الفلسفي، ولم يهتم بالوجود كله؛ ففلسفته، رغم طابعها النقدي، هي فلسفة نسيان الوجود. ورأى هايدغر أنّ نقد نيتشه للميتافيزيقا لم يُفضِ إلى تجاوزها لأنه بقي حبيس مفاهيمها. وحتى إن قطع تفكيره مع ميتافيزيقا التعالي (الفكر)، فإنه بقي محكومًا بميتافيزيقا المحايثة (الحياة). إن التغيير الجذري لموضوعات التفكير الفلسفي لم يمنع نيتشه من اقتراح "تصور جديد لماهية الإنسان ينضاف إلى باقي التصورات التي أبدعتها النزعة الإنسانية".

2. النقد الأيديولوجي

تعتبر حقوق الإنسان نتاج الحداثة التنويرية في أبعادها الفكرية والسياسية والاجتماعية، فقد كانت تتويجًا لمسارات الثورات السياسية الكبرى التي حدثت في أوروبا في القرنين السابع عشر والثامن عشر. ومع ظهور خطاب حقوق الإنسان، صار في إمكان النزعة الإنسانية أن تصبو إلى الكونية؛ أي إنه صار في إمكانها أن تدعي تطابق مضمونها مع حقوق الإنسان الكونية. ولا يتعلق الأمر بتصور فلسفي مثالي مرتبط بالإنسان، بل بفكر وثقافة جديدين يراهنان على تغيير واقع البشر نحو الأفضل. كان ذلك، بطبيعة الحال، موقف الإنسانويين من أنصار حقوق الإنسان. وفي المقابل، وُجد فريق آخر مناهض لإعان حقوق الإنسان، وإن كان منتصرًا للثورة التي أفرزته. حقوق الإنسان في نظر بيير جوزيف برودون، أحد ممثلي الاتجاه الفوضوي، هي حقوق جزئية خاصة بالبرجوازية التي خططت لاندلاع الثورات السياسية، أي إنها ليست إلا أيديولوجيا. رأى برودون، في

(2((ينظر: فريدريك نيتشه، جينيالوجيا الأخلاق، ترجمة محمد الناجي (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.)2006

(29) Martin Heidegger, Nietzsche (Paris: Gallimard, 1971).

3(((عبد الرزاق الدواي، موت الإنسان في الخطاب الفلسفي المعاصر: هيدغر، ليفي ستروس، ميشيل فوكو (بيروت: دار الطليعة، 1992)، ص.39

كتابه الفكرة العامة للثورة في القرن التاسع عشر (1854)، أن فكرة حقوق الإنسان بُنيت على مبدأ الفردانية، وهو مبدأ لا يمكن أن يفضي إلى تكريس الحق وتعميمه في الاحترام الخاص بكل إنسان. إن المساواة في رأيه هي المبدأ الذي ينبغي أن تتأسس عليه كل نظرية في الحقوق. ولا يتعلق الأمر بالمساواة الصورية أي المساواة أمام القانون، بل بالمساواة بين الجميع في التمتع بالشروط الضرورية للحياة. اعتبر برودون أن وسيلة تحقيق المساواة الفعلية في الحقوق لا تتمثل في الاستحواذ على السلطة العامة والسيطرة على الحكم، بل في إلغاء سلطة الدولة باعتبارها الأداة الرئيسة للهيمنة ولحماية الملكية الخاصة المصدر الأساسي للتفاوت. لقد تجلى النقد الماركسي للنزعة الإنسانية في نقد "إعان حقوق الإنسان والمواطن" من ماركس نفسه في نص المسألة اليهودية. وإذا كان النقد الماركسي لخطاب حقوق الإنسان هو في الأساس نقد أيديولوجي يراهن على كشف الوظيفة الحقيقية لذلك الخطاب، وهي إخفاء حقيقة الصراع الطبقي في المجتمع الرأسمالي وتبرير سلطة الطبقة المهيمنة من خال الخلط بين الإنسان والمواطن، وادعاء الطابع الكوني للحقوق، فإنه لم يكن هو شكل النقد الوحيد الذي استهدف ادعاء الكونية في ذلك الخطاب؛ ومن ثم إثبات تهافت النزعة الإنسانية. في نظر ماركس: "حقوق الإنسان والمواطن" هي في الواقع حقوق الإنسان، وليست حقوق المواطن. الإنسان باعتباره عضو المجتمع البرجوازي، أي الفرد الأناني المنفصل عن المجتمع: "لا يتجاوز أيٌّ مما يسمى حقوق الإنسان الإنسانَ الأناني؛ فالإنسان، بوصفه عضوًا في المجتمع البرجوازي، منطوٍ على نفسه وعلى مصالحه الخاصة، وفرد منفصل عن

المجموع". تتمثل خاصة النقد الماركسي لخطاب حقوق الإنسان بما هو نتاج النزعة الإنسانية في اعتباره خطابًا أيديولوجيًا تستعمله الطبقة البرجوازية لإيهام بكونية "الحقوق – الحريات"، والحال أنها

حقوق نسبية خاصة: "من هنا، فإن الإنسان لم يُحرر من الدين وإنما حصل على الحرية الدينية، لم يُحرّر من الملكية وإنما حصل على حرية الملكية، لم يُحرر من أنانية المهنة وإنما حصل على حرية

المهنة [...] فالإنسان كعضو في المجتمع البرجوازي، الإنسان غير السياسي، يظهر بالضرورة بمنزلة الإنسان الطبيعي، وتبدو حقوق الإنسان حقوقًا طبيعية". بحسب هذا التأويل؛ لا وجود لإنسان في الإنسانوية الكاسيكية: "الذات والحقوق الذاتية لا وجود لها، ذلك ما يثبته التاريخ. لا وجود إلا لجماعات سياسية، هي ذوات التاريخ الكوني، وهي واقعة تحت هيمنة الطبقة التي تمسك بالسلطة. ما النزعة الإنسانية إلا وسيلة لهيمنة الطبقة البرجوازية". النزعة الإنسانية هي إذًا الرؤية المثالية التي يتبناها البرجوازي عن طبيعة العاقات الاجتماعية، وهي رؤية لا تتطابق مع الواقع الفعلي، ولكنها تبرره من خال التأكيد على حقوق تشمل جميع الناس. ما قيمة النقد الأيديولوجي لخطاب حقوق الإنسان؟ أليس خطاب نقد حقوق الإنسان بوصفه تصورًا أو تجربة خطابًا أيديولوجيًا؟ رأى كلود لوفور Lefort Claude أن ماركس وقع في فخ الأيديولوجيا

3(((كارل ماركس، حول المسألة اليهودية، ترجمة نائلة الصالحي (كولونيا: منشورات الجمل، 2003)، ص.40 (3((المرجع نفسه، ص.45

(33) Monique Castillo, L’Humanisme et les Lumières en question (Paris: Ellipses, 2001), p. 19.

التي نقدها. لقد بقي سجين الرواية الأيديولوجية لحقوق الإنسان من دون أن يفحص دلالتها على مستوى الممارسة، ومن دون أن يتفطن إلى مدى التغيير الذي أحدثته في الحياة الاجتماعية. وبغض النظر عن ذلك النقد، لا تخلو الفلسفة الماركسية من تصور إنسانوي أو من نزعة إنسانية واضحة في كتابات ماركس الشاب، وخاصة في مخطوطات 1844، حيث تحدث عن الإنسان بوصفه كائنًا واعيًا

وقادرًا على السيطرة على الطبيعة والتخلص من الحاجة بوساطة العمل. وقد صاغ كذلك تصوراته عن الاغتراب والتحرر. ومن المعروف أن هذا الطرح يتعارض مع ما ذهب إليه الفيلسوف الماركسي لوي بيير ألتوسير Althusser Pierre Louis (1990–1918)، حينما اعتبر الماركسية، بوصفها عِلْمًا، لا تتضمن أيّ نزعة إنسانية بسبب تعارضها مع الأيديولوجيا. قرأ ألتوسير فلسفة ماركس من منظور البنيوية، ولذلك نجده يؤكد باستمرار أن الماركسية، باعتبارها علمًا، تتناقض مع الميتافيزيقا، ومن ثم لا يمكن أن تشتمل على أيّ بذور لنزعة إنسانية مزعومة؛ ف "لا يمكن فهم أي شيء يتعلق بالبشر إلا بالقضاء على الأسطورة الفلسفية (النظرية) عن الإنسان. وكل فكر يدعي الانتساب إلى ماركس لإعادة ترميم أنثروبولوجيا أو إنسانوية نظرية، بطريقة أو بأخرى، لن تكون له أيّ أهمية". ولا ينكر ألتوسير الأهمية التاريخية للنزعة الإنسانية؛ فقد كانت في الأصل أداة للنضال ضد الإقطاع والكنيسة حينما دافعت عن كرامة الإنسان على نحو مطلق. ولكن ما ينقده ألتوسير هو ادعاء الإنسانوية تفسير المجتمع والتاريخ، انطاقًا من ماهية الإنسان؛ أي من نموذج قبلي هو في نهاية الأمر مفهوم ميتافيزيقي فاقد لأيّ قيمة معرفية. وإنّ ما يحدد المجتمع والتاريخ هو عاقات الإنتاج والصراع الطبقي. ويؤكد ألتوسير أن ماركس كان ضد النزعة الإنسانية، باعتبار أن تفكيره متعارض مع نمط التفكير الميتافيزيقي ومع الأيديولوجيا: "إن الزوج اللفظي 'نزعة إنسانية – اشتراكية' يُخفي تباينًا نظريًّا صارخًا؛ ففي سياق التصور الماركسي يُعتبر مفهوم الاشتراكية حقًّا مفهومًا علميًّا، في حين لا يُعتبر مفهوم النزعة الإنسانية سوى مفهوم أيديولوجي". لقد تنبّه

ماركس إلى ما نعته أحد الباحثين ب "الانحراف الفرداني للنزعة الإنسانية"، وهو انحراف اتخذ في خطابه صياغة واضحة على الرغم من كونه سابقًا لماركس. تهمنا فكرة "انحراف الإنسانوية الفرداني" من جهة كونها تدل على التعارض الذي حصل بين قيم الإنسانوية الكاسيكية وقيم المجتمع الحديث الفردانية. وهو تعارضٌ ستكون له تبعات خطيرة على المستوى الاجتماعي (تفكك المجتمع وانعزال الأفراد)، والمستوى السياسي (اعتال الحياة السياسية وأزمة الديمقراطية الإجرائية)، والمستوى الأخاقي (نسبية القيم). ويتمثل انحراف الإنسانوية الفرداني في الانتقال من تعريف الإنسان باعتباره ذاتًا تتميز بالحرية، وتتمتع باستقالية لا تتعارض مع خضوع الإنسان

(34) Claude Lefort, "Droits de l’homme et politique," Revue Libre , no. 7 (1980). (35) Renaut & Ferry, p. 127. (36) Karl Marx, Critique du droit politique hégélie n (Paris: Éditions sociales, 1975). (37) Louis Althusser, Pour Marx (Paris: Maspero, 1965), p. 236. (38) Ibid., p. 229. (39) Renaut, L’ère de l’individu, pp. 57–60.

لقوانين الجماعة ومعاييرها، إلى تعريفه بوصفه فردًا مستقاًّ ليس مدينًا في وجوده إلى أيّ جهة خارجية أو متعالية عليه.

3. النقد الوجودي

تمثل رسالة في النزعة الإنسانية ردًّا على السؤال الذي وجهه جان بوفريه Beaufret Jean)1982–1907(إلى هايدغر: "هل يمكن إعطاء مضمون جديد للنزعة الإنسانية؟". في هذه الرسالة، نجد موقف هايدغر الواضح من الإنسانوية. يرى صاحب الوجود والزمانأن الإنسانوية بأشكالها المختلفة تستند إلى ميتافيزيقا. تستند "الإنسانوية التاريخية" إلى الماضي، وتدعو إلى العودة إلى الأصول اليونانية والرومانية، لاستلهام العناصر الروحية الازمة للذات. أما "الإنسانوية النظرية، مثل الوجودية والماركسية، فإنها تقوم على تأويل ثابت لماهية الإنسان والتاريخ والعالم في كليته، وهي تتضمن تصورًا لما ينبغي أن يكون عليه وجود الإنسان. وتشترك أشكال الإنسانوية المختلفة في كونها تمثل تأويا للموجود من دون اهتمام بالوجود. وهي "لا تسأل عن الكيفية التي تنتمي بها ماهية الإنسان إلى حقيقة الوجود". إنّ الإنسانوية في كل أشكالها هي ميتافيزيقا الذاتية، والميتافيزيقا هي نسيان الوجود. وإن ما يميز العصور الحديثة هو مركزية الذات، بمعنى أن الذات هي مصدر تمثل وتفسير وتقييم لكل شيء. أصبح الوجود "يتعين من خال وبوساطة تمثل الإنسان له، بحيث إن الموجود لم يعد يوجد حقًّا إلا بمقدار ما يتحدد من طرف الإنسان في التمثل. صار التمثل هو الطريقة الوحيدة لإدراك الأشياء". لقد نتج من كون الذات هي مصدر الإدراك والتمثل تحوّل العالم إلى رؤية للعالم. دعا هايدغر إلى تجاوز الميتافيزيقا، وإلى التفكير ضد الإنسانوية؛ لأنها لا تثمن إنسانية الإنسان، بل تحكم عليه بالاستغراق في أوهام الميتافيزيقا استغراقًا يعيد إنتاجها في التصورات الكبرى للعالم. لقد نصب الإنسان نفسه سيدًا على العالم حتى امَّحت كل غاية ممكنة باستثناء "إرادة الإرادة التي تنفي كل غاية في حد ذاتها".

4. النقد الأنثروبولوجي البنيوي

إن الفاسفة والمفكرين المنتمين إلى التيار المضاد للنزعة الإنسانية يتفقون على أن المفهوم الحديث للذات هو أساس النزعة الإنسانية؛ ومن ثم، فإن نقد مفهوم الذات يقود بالضرورة إلى تقويضها. ومن المفكرين الذي انخرطوا في مسار نقد النزعة الإنسانية الفيلسوف شتراوس مؤسس الأنثروبولوجيا البنيوية. من المعروف أنّ شتراوس تَبنّى المنهج البنيوي المعتمد في مجال الدراسات

(40) Martin Heidegger, Lettre sur l’Humanisme , Roger Munier (trad.) (Paris: Aubier, 1957). (41) Renaut, L’individu: Réflexions , p. 47. (42) Ibid., p. 51.

((4(الدواي، ص.56

(44) Renaut, L’individu: Réflexions , p. 71. (45) Martin Heidegger, Essais et conférences (Paris: Gallimard, 1958), p. 103.

اللسانية، وعمل على تطبيقه في مجال دراسة الظواهر الأنثروبولوجية والثقافية. وقد أكد أن "قوانين الفكر، سواء كان بدائيًا أو متحضرًا، هي القوانين نفسها التي تنطبق على الواقع الفيزيائي وكذلك

على الواقع الاجتماعي". ولا يحيل الفكر، في تصور شتراوس، على ذات، بل إنه فكر من دون ذات. الفكر هو عمل العقل الذي يستند إلى بنية لاشعورية تتمثل في قوانين تطور المادة. وهذه البنية هي التي تحكم الطبيعة والثقافة؛ الحياة والفكر على حد سواء. في "الأنثروبولوجيا البنيوية" نجد توضيحًا لمعنى الاشعور: "عندنا كلمة نعني من خالها وظيفة، هي الوظيفة الرمزية التي قد يتميز بها البشر وحدهم، ولكنها تقوم بعملها عندهم جميعًا وفقًا لقوانين واحدة". إن للفكر البشري وجودًا موضوعيًا يحيلُ على البنية المادية للدماغ، ولا عاقة له بذات واعية قادرة على تمثل الأشياء

كما ادعى فاسفة الذاتية. وإن استعمال مفهوم الاشعور في مجال الدراسة الأنثروبولوجية بطريقة مغايرة لاستعماله في مجال التحليل النفسي – أي من دون الإحالة على أعماق النفس، وكذلك توظيف المنهج البنيوي الذي طبق في الدراسة الألسنية – يدل على توجه صاحب "الأنثروبولوجيا البنيوية" المضاد للنزعة الإنسانية. ولا يخفي شتراوس موقفه الرافض لإنسانوية؛ فهو يقول بصراحةٍ في كتابه الفكر المتوحش: "إن الهدف الأخير للعلوم الإنسانية ليس هو تكوين الإنسان، بل حله وتفكيكه". والأنثروبولوجيا البنيوية بوصفها علمًا "تسلّم بأن الفكر بدأ قبل الإنسان"، وبأن الوقائع والظواهر البشرية ما هي إلا تعبيرات سطحية لبنى لاشعورية تعود بدورها إلى ظواهر بيولوجية تؤول هي ذاتها إلى ظواهر فيزيائية وكيميائية".

5. النقد الأركيولوجي

تمثل الأركيولوجيا Archéologie لدى فوكو منهجًا للبحث والتفكير في أنساق المعرفة وأنظمة الخطابات وتاريخ الأفكار والمؤسسات. وهي لا تتطابق مع الإبستيمولوجيا، ولا مع نظرية المعرفة ولا مع العلم. وإذا كانت الإبستيمولوجيا مبحثًا يدرس تشكّل المعرفة العلمية وفرضياتها، ويقيّم

مناهجها كما يهتم بأنماط التعقل المعرفي وأشكال العقانية ومناطقها ولحظات القطيعات والتجاوزات في تاريخها، فإنّ الأركيولوجيا تهتم بالمعارف وأنساقها بصفة عامة، ولا تهتمّ بالعلم فحسب. يقول فوكو: "إنني لم أقدّم قط الأركيولوجيا كعلم ولا كأساس أوّلي لعلم قد ينشأ في المستقبل". ولكن ما يميّزها هو أنها، على غرار البنيوية، تَستبعد الذات ولا تحفل بمسألة المعنى والمقصد، بل تركز على

الخطاب الذي تدرسه باعتباره نسقًا تنتظم العاقات بين عناصره بحسب قواعد ثابتة. من الواضح، إذًا، أن الأركيولوجيا تتعارض مع كل نزعة إنسانية، وتقصي أو تتجاهل، كل ما من شأنه أن يحيل عليها:

(46) CL. Lévi–Strauss, Les structures élémentaires de la parenté (Paris: PUF, 2002), p. 520.

((4(الدواي، ص.90 ((4(المرجع نفسه، ص.90–89 ((4(المرجع نفسه، ص.115 ((5(المرجع نفسه، ص.146

(51) Michel Foucault, L’Archéologie du savoir (Paris: Gallimard, 1969), p. 296.

"إذا كنتُ قد ألغيت جميع الإحالات على الذات المتكلمة، فليس ذلك من أجل اكتشاف قوانين البناء، أو أشكال قد تكون مطبقة بنفس الكيفية عند جميع الذوات المتكلمة. وليس ذلك أيضًا من أجل إنطاق ذلك الخطاب الكوني الكبير الذي قد يكون مشتركًا عند جميع البشر في فترة ما. على العكس من ذلك، فإن الأمر بالنسبة إليّ كان يعني إبراز ما هي الاختافات". يتضح موقف فوكو من النزعة الإنسانية خاصة في كتابه الكلمات والأشياء، حيث يعلن عن "موت الإنسان"، ومن ثم عن نهاية النزعة الإنسانية التي هيمنت على الفكر الغربي الحديث. الإنسان في نظر فوكو ابتكار حديث يعود إلى القرن الثامن عشر، وقد أدى ظهوره إلى تشكل خطابات حاولت الالتزام بشروط العلمية كما تحققت في العلوم الطبيعية، ولكنها لم تنجح في ذلك. يتعلق الأمر بما يسمى "علوم الإنسان" التي كان فشلها حتميًّا لسببين مترابطين: عدم استقرارها المنهجي والإبستيمولوجي،

وانعدام الموضوع الذي تدعي دراسته. لقد ظهرت تلك العلوم "يوم فرض الإنسان نفسه في الثقافة الغربية، باعتباره هو ما يجب التفكير به وهو ما يجب أن يُعرف في آن معًا". هل نجحت العلوم الإنسانية في معرفة الإنسان؟ جواب فوكو عن هذا السؤال سلبي. إن الإنسان حدث عابر في نظام المعرفة الغربية، فقد ظهر في الحيز الإبستيمي للقرن الثامن عشر عندما كانت ثمة حاجة إلى معرفته، وبعد أن تبيّن عدم قابلية الإنسان لأن يكون موضوعًا للمعرفة

العلمية؛ فالبيولوجيا والاقتصاد واللسانيات لا تدرس الإنسان في حد ذاته بل تدرس ظواهر الحياة والاقتصاد واللغة. وما يسمى بالعلوم الإنسانية ليس إلا تشكيات خطابية على تخومها، يجدر "التخلي عن التفكير بالإنسان أو، بصورة أدق، عن التفكير عن كثب بموت الإنسان هذا وباختفاء مرتكز كل العلوم الإنسانية". يؤكد فوكو أن الأنسنة هي "أخطر ما يهدد المعرفة من الداخل ". تعني الأنسنة طريقة تقليدية في التفكير تقوم على مبادئ وتصورات ميتافيزيقية، تتعلق بالإنسان وتؤدي إلى عدم بناء معرفة حقيقية بأنماط الوجود الإنساني. نقرأ في نهاية الكلمات والأشياء الجملة التالية: "الإنسان اختراع تُظهر أركيولوجيا فكرنا بسهولة حداثة عهده، وربما (تكون) نهايته قريبة". هل أعلن فوكو بذلك نهاية الإنسانوية وأفولها من أفق الفكر؟ في كتاباته الأخيرة، وخاصة ما يتعلق منها بالمسائل الإتيقية كالاهتمام بالذات والمتعة والسعادة وقول الحقيقة، نجد صياغة أخرى للسؤال الأنثروبولوجي.

((5(الدواي، ص.157–156 (5((ميشيل فوكو، الكلمات والأشياء، ترجمة مطاع صفدي [وآخرون] (بيروت: مركز الإنماء القومي،.)1990 ((5(الدواي، ص.286 ((5(المرجع نفسه، ص.284 ((5(المرجع نفسه، ص.299 ((5(المرجع نفسه، ص.313 ((5(المرجع نفسه، ص.286 ((5(المرجع نفسه، ص.313 (6((ميشيل فوكو، تأويل الذات: دروس ألقيت في "الكوليج دو فرانس"، ترجمة الزواوي بغورة (دار العودة: بيروت، 2011)، ص.10

أليس في ذلك استعادة أو استئناف، على نحو ما، للتفكير الإنسانوي؟ "لئن أعلن معارضو الإنسانوية عن تخليهم عن إرث الإنسانوية، فقد بيّن جاك دريدا بصبرٍ الصعوباتِ التي تواجه تحقيق ذلك الانفصال.

ولأن الفلسفة الغربية مشبعة بالتصورات الإنسانوية، فقد لاحظ أن نهاية الإنسان لا يمكن أن تكتب إلا بلغة الإنسان". أدى نقد الحداثة الغربية وكشف مسلماتها وتفكيك مفاهيمها، مثل الوعي والإرادة والحرية والمعرفة والتقدم، إلى سيادة خطاب ارتيابي، تشاؤمي Cynicism، عدمي، لا يعترف بالطرائق والتصورات التقليدية في التفكير والفهم، ويطرح بدلً منها مفاهيم جديدة مثل التفكيك والبحث التاريخي والجسد والاختاف والتأويل... إلخ. أطلق على الأنماط الحديثة من التفكير والإبداع الفني والأدبي مصطلح "ما بعد الحداثة". ويدل هذا المفهوم "على حالة الثقافة بعد التحولات التي مسّت قواعد اشتغال العلم والأدب والفنون بداية من أواخر القرن التاسع عشر". ويتميز عصر ما بعد الحداثة بسمتين: "تتمثل الأولى في التأكيد على أن زمن بناء تصورات حول العالم قد مضى، وأن عصر إنشاء النظريات الكلية وبناء الأنساق الجامعة قد أدبر [...] أما السّمة الثانية المميزة لهذا العصر فتتمثل في كونه زمن التفكير في الفواجع والأخطار المحدقة بالإنسان، أي زمن التفكير في القيامة وانعكاسات تدمير الطبيعة على الحياة البشرية".

خامسًا: ما بعد الإنسانوية

في الأفق الفكري والمعرفي لما بعد الحداثة، لم تعد المفاهيم القديمة ذات الطابع الفلسفي والميتافيزيقي، مثل الأصل والكلي والطبيعة والجوهر والنسق، صالحة للتعبير عن التحولّات

الإبستيمولوجية والاقتصادية والسياسية التي تعيشها المجتمعات الصناعية المعاصرة. ولذلك كان لا بد من الانخراط في أنماط تفكير جديدة باستعمال مفاهيم ومقولات طريفة لا تراهن على بناء رؤية شمولية للعالم، بل ترمي إلى التفسير والفهم والنجاعة العملية. وتنتمي ما بعد الإنسانوية إلى هذا الأفق الفكري ما بعد الحديث. مع انقضاء القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، جرى الوقوف على فشل مشروع التنوير الحديث. لقد تجلى ذلك الفشل في مظاهر كثيرة؛ أهمها الحرب العالمية الأولى واحتداد المشكات السياسية

(61) Neil Badmington, Posthumanism (New York: Palgrave, 2000), p. 9; Francesca Ferrando, Philosophical Posthumanism (London: Bloomsbury Academic, 2019), p. 52.

(6((ينسب استعمال المفهوم، أوّلَمرة، في ميدان الدراسات الأكاديمية، إلى إيهاب حسن وهو باحث أميركي من أصل مصري،

وذلك في كتابه: تقطيع أوصال أورفيوس: نحو أدب ما بعد حداثي (1971)، وفي حوار معه يقول إيهاب حسن:)2015–1925(

"لا يرجع لي الفضل في سكّ المصطلح. ويرى البعض أنّ رسامًا بريطانيًّا يدعى جون واتكنز تشابمان استخدمه على نحو عشوائي

في سبعينيات القرن التاسع عشر. ومنذ ذلك الوقت استخدم فردريكو دي أونيس وبرنارد سميث ودادلي فيتس وأرنولد توينبي وتشارلز أولسون وإرفنج هاو وهاري ليفين المصطلح بطرق مختلفة ودرجات متنوعة من الإصرار قبل أن أفعل". ينظر: إيهاب حسن،

أوديب أو تطور ما بعد الحداثة: حوار ودراسات، إعداد وترجمة السيد إمام (البصرة: دار شهريار، 2018)، ص.22

(63) Jean–Francois Lyotard, La condition postmoderne (Tunis: Cérès Éditions, 1995), p. 5.

(6((محمد الشيخ وياسر الطائري، مقاربات في الحداثة وما بعد الحداثة: حوارات منتقاة من الفكر الألماني المعاصر (بيروت: دار الطليعة، 1996)، ص.26–25

والاقتصادية على الصعيدين المحلي والعالمي. وباختصار؛ لم تتحقق وعود الحداثة بالتقدم والازدهار والرفاه. وفي مناخ خيبة الآمال الكبرى ذاك، بدأ نقد الحداثة الإنسانوية يتشكل شيئًا فشيئًا. ولكن يجب التنبيه إلى أن ذلك لا يعني نهاية الحداثة ونهاية الإنسانوية التي اقترنت بها. لم يفض النقد الجينيالوجي (نيتشه) والتحليلي (فرويد) والبنيوي (شتراوس) والأركيولوجي (فوكو) إلى القضاء على النزعة الإنسانية باعتبارها أفقًا للتفكير في إمكانيات أخرى للوجود الإنساني والعمل من أجل تحقيقها. في هذا السياق، طرح تصور آخر يدعو إلى تجاوز الإنسانوية باعتبارها تنتمي إلى فكر ميتافيزيقي تجاوزه الزمن، وإلى تطوير العلوم والتكنولوجيا، بما هو الطريق الوحيد المتاح أمام البشر للتقدم

الفعلي. أطلق على هذا التصور عبارة: "ما بعد الإنسانوية".ُ ليست ما بعد الإنسانوية توجهًا مناهضًا للحداثة، بل إنها تُطرح لدى المدافعين عنها بوصفها فلسفة عقانية، عملية، نفعية ترمي إلى تحقيق الأهداف الكبرى التي فشلت الحداثة في تحقيقها مثل التقدم والازدهار والرفاهة والسعادة. وما يميزها هو التخلي عن التصورات والأحكام والمفاهيم القديمة المتعلقة بالإنسان والطبيعة؛ لأنها، بسبب مرجعياتها الدينية والأسطورية والميتافيزيقة والأخاقية، مثلت عوائق أمام تكريس العقانية وترجمتها في مستوى الوجود البشري. ويمكن القول إن ما بعد الإنسانوية هو رؤية جديدة لإنسان تتأسس على العلم والتكنولوجيا، وتستند إلى إتيقا مائمة عنوانها سعادة محايثة. من المؤكد أن النقد الفلسفي لإنسانوية، بأشكاله المختلفة، قد أدى إلى إعادة التفكير في الإنساني من خال مفاهيم ومقولات جديدة تتاءم مع طبيعة التحولّات المعرفية والتقنية والاجتماعية

التي عرفتها البشرية في الحقبة المعاصرة. وفي هذا السياق، طرح مفهوم "ما بعد الإنسانوية" بوصفه مفهومًا ما بعد حديث. لننظر الآن في عاقة ما بعد الإنسانوية بالتوجه المسمى "عبر الإنسانوية". فهل يمثل هذا التوجه شكا لما بعد الإنسانوية؟

سادسًا: عبر الإنسانوية

ما الفرق بين ما بعد الإنسانوية وعَبْر الإنسانوية؟ من المؤكد أن الاختاف في التسمية يعود إلى اختاف

في المعنى. ظهر هذان المفهومان في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن العشرين، وهما يدلّن على وضعية الإنسان المتغيرة باستمرار. لا ترى عبر الإنسانوية أن الإنسان يمكن أن يعرّف انطاقًا من إرث

الماضي، بل بالنظر إلى الإمكانيات الموجودة في تطوره البيولوجي، وخصوصًا تعاظم قدراته الفيزيائية والمعرفية. وتراهن عبر الإنسانوية على التغيير الجذري لوضعية الكائن الإنساني، بوساطة التكنولوجيات، مثل الطب الأحيائي، وتكامل نشاط الدماغ الإنساني مع الكمبيوتر، وحفظ الجسم بعد الموت.

(6((أكد إيهاب حسن على أن ما بعد الحداثة لا تمثّل إلغاءً للحداثة، فالأولى كامنة في عمق الثانية. ينظر: حسن، أوديب،

ص.25–24 (6((استعملت هذه الكلمة، أوّل مرة، لدى الكاتب ألدوس هكسلي Hexley Aldous (1894–1963)، عنوانًا لفصل من كتابه:

قوارير جديدة لخمر جديد (1957). وتعني الكلمة المادي والبيولوجي لإنسان في سبيل ترقية قدراته البدنية والعقلية والشعورية بوساطة التكنولوجيا. ينظر:

Julian Huxley, New Bottles for New Wine (London: Chatto & Windus, 1957), pp. 13–17; Ferrando, pp. 29–30.

يرى بعض الفاسفة أن "عبر الإنسانوية" هي تحقيق لوعود الأنوار، وهي بهذا المعنى لا تتعارض مع الإنسانوية. يقول ماكس مور More Max (1990–1964) أحد أهم ممثلي النزعة الإكستروبية Extropianism، وهي نزعة فلسفية عبر إنسانوية: "ينتصر عبر الإنسانويون، مثل الإنسانويين، للعقل والتقدم والقيم المتمحورة حول وجودنا الأفضل، وليس حول سلطة دينية متعالية. ولكنهم يتجاوزون الإنسانوية بالتأكيد إلى إمكانية تجاوز الإنسان لحدوده الطبيعية بوساطة العلم والتقنية الموصولين بتفكير نقدي وإبداعي [...] نحن نتحدى مفهوم حتمية الشيخوخة والموت. وعاوة على ذلك، نحن نسعى إلى تحسين قدراتنا الذهنية والفيزيولوجية ونموّنا الانفعالي. إننا نرى في الإنسانية مرحلة انتقالية

في مسار التطور المتزايد للذكاء. نحن ننصح باستعمال العلم لتسريع انتقالنا من الحالة الإنسانية إلى حالة عبر الإنسانية، أو إلى وضع ما بعد إنساني". هل تبقّى للحديث عن الإنسان، وعن الطبيعة الإنسانية، من معنى؟ هل ظلّت المفاهيم القديمة، مثل الإنسان والوعي والإرادة والحرية والكرامة الإنسانية، صالحة لاستعمال، أي لها دلالات معينة؟ من نافلة القول أن نذكر أنّ البحث العلمي في مجالات البيولوجيا والهندسة الوراثية والتكنولوجيا الطبية والسبرنيطيقا المطبقة على الإنسان يحتل كلّه اليوم أهمية قصوى بالنسبة إلى مراكز الأبحاث التابعة للدول أو للشركات الكبرى؛ وذلك لأن الأمر يتعلق بمجال استثمار لا حدود له: تغيير الخصائص الجينية للكائنات الحية، واستبعاد المصادر الجينية للأمراض الوراثية، وتحسين النسل، والتحكم في مسارات الحياة، والتخلص من الأمراض المستجدة، وتعويض الأعضاء الفاسدة، وإلغاء الموت، أو على الأقل تأجيله أطول مدة ممكنة. لنقل باختصار: إن برنامج عبر الإنسانوية هو صناعة حياة الإنسان. ليست هذه الأمور من قبيل الأحام والأمنيات، بل إنها تمثل أهدافًا واقعية في برامج البحث العلمي واستراتيجيات الاستثمار الاقتصادي في ميدان العلوم والتكنولوجيا: "سيأتي يوم تكون فيه أمامنا الإمكانية متاحة لزيادة قدراتنا الذهنية والفيزيائية والشعورية والروحية إلى ما أبعد مما هو متاح الآن. سنخرج من طفولة البشرية لندخل في عصر ما بعد إنسانوي". خال القرن العشرين بدأ نقاش بين أنصار الإنسانوية في العلم والرافضين لها. طرحت أسئلة جديدة أملتها الاكتشافات العلمية والتطورات التقنية في مجال العالم الحي، وخاصة ما يتعلق منها بالإنسان (اكتشاف الشفرة الوراثية والتطبيقات البيوتكنولوجية (الهندسة الوراثية، واستنساخ الكائن الحي، وحفظ جسم الإنسان بعد الموت). ورأى معارضو التوجه الإنسانوي في العلم أنه لا مجال لإخضاع البحث

(6((في مقدمة هؤلاء: جيمس هيوز، في كتابه: إعلان ما بعد الإنسانية (2002)، وماكس مور في كتابه: مبادئ إكستروبيان: إعلان

ما بعد الإنسانية.)1998(

(68) Max More, "The Extropian Principles: A Transhumanist Declaration," Mrob , 1998, accessed on 6/2/2023, at: https://bit.ly/40Krn4X

وتعني "الإنتروبيا" Entropy في مجال الفيزياء ميل نظام إلى الاضمحال أو تاشي الطاقة. وتُعرّف الإكستروبيا Extropy بوصفها

نقيضًا للأنتروبيا، وهي تدل على برنامج تغيير الإنسان فيزيولوجيًا وذهنيًا وعاطفيًا بوساطة تكنولوجيات بيولوجية متطورة. وقد

تخصصت شركة Extension Life Alcor التي أسسها ماكس مور في هذا المشروع.

(69) Luc Ferry, La Révolution transhumaniste: Comment la technomédecine et l’uberisation du monde vont bouleverser nos vies? (Paris: Plon, 2016), p. 42.

البيولوجي والبيوتكنولوجي لضوابط أخاقية وقيمية، وأن العلم ليس وسيلة لتحقيق غايات ذات طابع أخاقي. ويتميز هذا الموقف برفض أفكار الإنسانوية الحديثة؛ فهو موقف ما بعد إنسانوي.

سابعًا: ما بعد الإنسانوية الفلسفية

كيف نعرّف ما بعد الإنسانوية الفلسفية؟ إن "ما بعد الإنسانوية" مفهوم ملتبس وصعب التحديد؛ لأنه

يحيل على تيارات وتوجهات فكرية وعلمية وحركات نضالية تدافع عن توجهات وخيارات جماعية معينة، مثل النسوية والنزعة البيئية وعبر الإنسانوية التي تراهن على تغيير الإنسان بيولوجيًا وثقافيًا،

بوساطة التقنيات الجديدة. ويمكننا أيضًا أن ندرج فيها الاتجاه المناهض لإنسانوية. ينتمي تيار "ما بعد الإنسانوية الفلسفية" إلى الفضاء ما بعد الإنسانوي أيضًا. الإنسانوية الفلسفية: هي مقاربة أنطو–إبستيمولوجية وإتيقية. وهي تبدو كفلسفة توسط؛ إذ إنها تتخلص من بعض الثنائيات والتقاليد المتراتبة. ولذلك، تعتبر ما بعد إنسانوية وما بعد أنثروبومركزية Post–anthropocentrism. إنها تزيح الإنسان عن مركزية الخطاب وترفض المسلمة التي تأسست عليها الحداثة، وهي أن البشر يمثلون النوع الأرقى في النظام الطبيعي. دافع الفيلسوف الألماني بيتر سلوتردايك Sloterdijk Peter عن "ما بعد الإنسانوية" التي تعني لديه شكا من أشكال الإنسانوية لا يتطابق مع الإنسانوية النقدية، وهي تتميز بأنها تولي التكنولوجيا أهمية قصوى، وتعتبر أن دورها محوري في الوجود الإنساني. ليست التكنولوجيا اليوم أدوات وأجهزة قابلة لاستعمال فحسب، بل أصبحت كذلك شرطًا ضروريًا لوجود البشر؛ فهي لا تقتصر على تسهيل معيشتهم وتوفير أسباب بقائهم وتواصلهم الاجتماعي، بل إنها أصبحت أيضًا محددة لأشكال وعيهم وانفعالاتهم وعواطفهم، ومشكّلة لأذواقهم وميولهم. لقد أصبح "العلم – التقنية" هو المرجع الرئيس لتنظيم الحظيرة الإنسانية، وهو دور مماثل تمامًا للدور الذي يضطلع به في تحسين النسل وتجويد الأنواع في المجال الحيواني والنباتي. وفي هذا السياق، دعا سلوتردايك إلى استعمال التكنولوجيا لتربية الكائن البشري (أو تدجينه): "يمثل تدجين الكائن الإنساني الامفكّر فيه الأكبر الذي تغافلت عنه الإنسانوية منذ القدم حتى أيامنا هذه". في رأي سلوتردايك، سقطت الإنسانوية في النسيان، ولم يعد لها أي تأثير يذكر في تربية النوع الإنساني، وهو مشروعها الأساسي الذي سطره روادها الأوائل، فاسفة العصور الحديثة ومفكروها. ولذلك، يجب وضع نظام تربوي جديد، قواعد تدجين جديدة في ضوء ما يوفره العلم والتكنولوجيا من إمكانيات معرفية وتطبيقية. لا بد، إذًا، من قواعد جديدة لتربية النوع الإنساني (أو تحسينه) في عصرٍ لم تعد فيه المعايير والمقولات القديمة تتاءم مع أنماط حياته الجديدة التي تهيمن عليها التقنيات. لا يتعلق الأمر بانتظار أو توقّع، بل بواقع فعلي؛ فمسار التدجين ابتدأ، ونتائجه واضحة في الحياة اليومية بالنسبة إلى عدد كبير من الناس. يطلق سلوتردايك على هذا

(70) Ferrando, p. 22. (71) Peter Sloterdijk, Règles pour le parc humain: Une lettre en réponse à la lettre sur l’humanisme , O. Mannoni (trad.) (Paris: Milles et une Nuit, 1999), p. 40.

المسار "الأنثروبوتكنولوجيا" Anthropotechnique. والأنثروبوتكنولوجيا هي المعرفة العلمية المطبقة على الكائن الإنساني. وهي تتمثل في التجارب والإجراءات والتقنيات البيولوجية والطبية التي تستخدم لترقية الكائن الإنساني، مثل استبدال الأعضاء والأجهزة الفاسدة وتحسينها، والتدخل الجراحي والجيني للقضاء على مرض وراثي، وإلغاء الشيخوخة ومقاومة الموت، وتطوير القدرات الذهنية. يمكن القول، إذًا، إنّ الأنثروبوتكنولوجيا هي توجه ما بعد إنساني يدافع عن تحوير الكائن الإنساني وتغييره وصنعه بحسب مقاييس وقيم جمالية وأخاقية جديدة. ويمكننا أيضًا تعريف ما بعد الإنسانوية بأنها تجاوز لإنسانوية في صيغتيها الكاسيكية والحديثة بتوسط عَبْر الإنسانوية. قد يجادل بعضهم بالقول إن تحسين الكائن الإنساني أو ترقيته Enhancement Human هي ظاهرة جديدة لا عاقة لها بالنزعة الإنسانية. فهل يمكن الفصل بين مشروع تحسين الكائن الإنساني وتعظيم قدراته من جهة، واقتصاد السوق وثقافة "تبضيع" كل شيء من جهة أخرى؟ إنّ ما يميز الفرد في المجتمعات المعاصرة هو "الملك" وليس "الوجود". وما يحدّد قيمة المرء هو مقدار المواد التي يمتلكها أو يستهلكها. ليس هنا مجال تفصيل القول فيما يمكن اعتباره الأيدولوجيا المهيمنة اليوم؛ نقصد أيديولوجيا الفردانية المتملكة. مشروع تحويل الإنسان بوساطة العلم والتقنية، بغض النظر عن منطلقاته القيمية ورهاناته المصلحية، هو في نهاية الأمر مشروع إنساني. إن العلوم والتقنيات ليست غاية في حد ذاتها بل هي وسائل في متناول البشر فحسب، من أجل تحسين أوضاعهم وتحقيق نمط حياة هم جديرون به. لذلك، لا بدّ من مرجعية قيمية وأخاقية لتقييم مشروع تغيير الإنسان وتوجيهه، وهو مشروع تعبر عنه عبر الإنسانوية، و"لا يُحدُّ البرنامج عبر الإنسانوي بمسار إجباري نحو الخلود. ومن الواضح أنه مسار ليس في المتناول الآن. إنه يهتم، بصفة عامة، بمستقبل النوع الإنساني الذي لا يُختزل هنا في الإنسانية. ومن الممكن أن يستمر النوع الإنساني وهو فاقد لكل إنسانية، وذلك ما يمثل مخرجًا ممكنًا لعبر الإنسانوية". لا يمكن إنكار التقدم التكنولوجي الهائل الذي حققته الإنسانية خال القرن الأخير على نحو خاص، فقد أصبحت التقنية تشكّل حياة البشر بوصفهم أفرادًا وجماعات. ولكن يوجد وجه آخر لهذا المسار يمكن أن نسميه تبعيّة الإنسان للتقنية. إن الذكاء الاصطناعي هو أحسن مثال للدلالة على فقدان الإنسان

الخصائصَ النوعية التي تميزه بوصفه إنسانًا؛ فالآلات لا تمثل امتدادًا لحواس الإنسان المحدودة فقط،

(72) Peter Sloterdijk, La domestication de l’Être , O. Mannoni (trad.) (Paris: Fayard, 2000), p. 18. (73) Lukas Sosoe, "Le destin de l’humanisme est–il achevé? Human Enhancement, Human Nature and Humanism," le portique, Revue de philosophie et de sciences humaines , vol. 37–38 (2016), accessed on 18/1/2023, at: https://bit.ly/40Fl5mN

(7((يقول كرتزفال في كتابه عصر الآلات الروحانية: "إن استدخال التكنولوجيا ليس خاصًا بنوع واحد من الأنواع التي لا تحصى

التي تسكن الأرض. إنه حدث أساسي في تاريخ الكوكب. لقد وفر الإبداع المدهش للتطور، أي الذكاء الإنساني، الوسيلة لبلوغ المرحلة الموالية من التطور التكنولوجي". ينظر:

R. Kurzweil, The Age of Spiritual Machines: When Computers Exceed Human Intelligence (New York: Penguin, 1999), p. 35. (75) Jean–Didier Vincent, "Hypothèses sur l’avenir de l’homme," La pensée de midi , vol. 1, no. 30 (2010), pp. 42–50.

بل أصبحت تحسب وتتوقع وترصد وتستكشف. وأصبح في الإمكان، أيضًا، تكييف الأمزجة والتحكم في المشاعر بطريقة تكنولوجية. لقد جعلت هيمنة التقنية على حياة البشر بعضهم يشكك في قيمة الإنجازات التقنية، ويوازن بين ما حققته من مكاسب وما سبّبته من مساوئ تتعلق بإفساد نظام الطبيعة

بما فيها الإنسان: "ما بعد الإنسانوية هو الحلم البائس لأفراد قلّدوا آلاتهم إلى حدّ أنهم أخرجوا من أنفسهم كل ما يقاوم الآلات، وإلى حدّ أنهم تصوروا ذواتهم صندوقًا أسود يبث ويستقبل العامات فحسب". حقًّا إن الحداثة تتميز بالتناقض: إنتاج الإنسان وتدمير الإنساني. إذا كانت الإنسانوية مثا أعلى غير قابل لاختزال في مجموعة من الأفكار أو في تجربة محددة، فإن صياغتها مفهوميًّا لا يمكن أن تتحقق إلا بالعودة إلى مفهوم الكوني. يمكن فهم الإنسانوية، إذًا، بوصفها

تعبيرًا عن الكوني الذي يدل في نهاية التحليل على الإنساني. وفي تناول الفلسفة المعاصرة لمسألة

الكوني أو الكلي، لا محيد عن معالجة المسألة الأنثروبولوجية، وذلك من خال محاولة تخريجها بطريقة جديدة. في هذا السياق أكد إتيان باليبار Balibar Etienne أن "المسألة الأنثروبولوجية الحديثة تحديدًا ليست مسألة ماهية الإنسان، بل هي مسألة الوظيفة السياسية لاختافات الموجودة بين الأفراد، وخاصة بين أصناف البشر". ووفقًا لهذا التصور، لا يمكن أن يكون للكوني دلالة كوسمولوجية أو لاهوتية، بل إن دلالته سياسية فحسب. يتعلق الأمر في هذا المنظور الأنثروبولوجي الجديد بالوصل بين الإنساني والسياسي أو المدني؛ بمعنى تأسيس الوضعية الإنسانية على الحق الكوني في التمتع بحقوق المواطنة محليًّا وعالميًّا. من الواضح أن هذا التصور يستند إلى فكرة حقوق الإنسان باعتبارها

الكوني العياني.

خاتمة

لا شك في أن الخطاب الإنسانوي، بوصفه خطابًا أوروبيًّا غربيًّا، كان نتاجًا للحداثة التي انطلقت منذ

عصر التنوير الذي وصفه كانط بأنه خروج الإنسان من حالة القصور والتبعية، واقتدار الإنسان الفرد على استخدام عقله. مثلت إعانات حقوق الإنسان في صياغاتها المختلفة أهم تعبير عن ذلك الخطاب. بعد النقد الجذري المتعدد المشارب، الذي شمل الحداثة فكشف عن مآزقها وأوهامها وتناقضاتها، بدأ يتشكل نمط تفكير آخر متحرر من المفاهيم والتصورات القديمة، ويعطي أهمية للمختلف والهامشي والمُقصى والمسكوت عنه. ولم يهمل الخطاب ما بعد الإنسانوي التفكير في الإنسان، بل أعاد طرح

(76) Jean–Michel Besnier, "Le posthumanisme ou la fatigue d’être libre," La pensée de midi , vol. 1, no. 30 (2010), pp. 75–80. (77) Étienne Balibar et al., "L’anthropologie philosophique et l’anthropologie historique en débat," Rue Descartes , vol. 3, no. 75 (2012), pp. 81–101.

((7(يدل "الكوني العيني" L’universel concret لدى هيغل على الوحدة المكوّنة من عناصر والقابلة لتطبيقات شتى. وبحسب

المصطلح الهيغلي يقال عن الكونيّ إنه عينيّ باعتباره وحدة العناصر المنطقية السابقة التي يكون المفهوم تأليفًا لها. وهو كونيّ لأن

في إمكانه أن ينطبق بأشكال مختلفة لا حصر لها على حالات أو موجودات جزئية، وعينيّ باعتباره كلية واحدة وغير قابلة لانقسام.

الكوني بهذا المعنى صيرورة، حركة، وفي الوقت نفسه كائن واقعي. ينظر: أندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، ترجمة خليل أحمد خليل، إشراف أحمد عويدات، مج 3، ط 2 (بيروت/ باريس: منشورات عويدات، 2001)، ص.1509

السؤال الأنثروبولوجي، وصاغ أجوبة طريفة موظفًا مفاهيم وتصورات جديدة. وأهم ما يميز هذا الخطاب الجديد هو تعامله مع الإنسان بوصفه كائنًا نسبيًّا، متناهيًا، ومحدودًا، أي بوصفه كائنًا تاريخيًّا.

وتعني تاريخيته أنه مقتدر على تغيير أوضاعه وتحسين وضعيات وجوده. إنّ الخطاب ما بعد الإنسانوي هو خطاب عابر للثقافات وما بعد هووي، لأنه يتناول قضايا تتجاوز الإنسان، وفق مقاربة ما بعد أنثروبومركزية، تعتبر فيها المعارف والتقنية والبيئة أبعادًا متداخلة من الوجود الإنساني. توجد توجهات مختلفة لما بعد الإنسانوية: عبر الإنسانية، والنزعة الإكستروبية، والأيكولوجيا، وما بعد الكولونيالية... إلخ، وبالرغم من اختاف المجالات التي تركز عليها فإنها تشترك في الاهتمام بالإنسان. ويمكن أن تضطلع ما بعد الإنسانوية الفلسفية بالتفكير في تلك التوجهات جميعًا، بحيث يبرز البعد الكوني في كل توجه، ويدرج الجزئي ضمن تصور كلي. فالتفكير في المشكات البيئية، على سبيل المثال، والعمل من أجل حلها، كاهما انتماءٌ إلى الكوني أي إلى الطبيعة بما هي المشترك.

الإنسان ليس هو العالم وليس هو الطبيعة بل هو جزء منها، كائنٌ من بين كائنات أخرى، وعليه أن يفكر وأن يعمل من منطلق هذه الوضعية الأنطولوجية – الإبستيمولوجية – الإتيقية. تمثل عبر الإنسانوية تحديًا كبيرًا لما بعد الإنسانوية الفلسفية، لأنها تطرح عليها مشكات صعبة وخطيرة.

لا وجود لإنسان؛ فالناس أفراد وجماعات وشعوب. ويعتبر أنصار عبر الإنسانوية أن الإنسان الجديد، أو بالأحرى الكائن الإنساني الجديد بوصفه فردًا، هو المعنيّ بالإمكانات التي توفرها التكنولوجيا؛

ففي إمكانه أن يغيّر شكله الجسماني، وأن يغيّر أعضاءه ويطور قدراته الجسدية، وأن يرقّي ملكاته

العقلية والشعورية ليكون "إنسانًا أسمى". ما عسى أن يكون هذا الكائن المحوّر تكنولوجيًا؟ تقدم

عبر الإنسانوية صورة عن الإنسان الجديد؛ فهو كائن موصول بالآلات، حتى إنه لا يفكر ولا يشعر إلا بواسطتها أو من خالها (التحكم الإلكتروني في الجسم العضوي، والإنسان السيبرنيطيقي). كيف يمكن تحديد هوية هذا الكائن؟ أيُعرَّف على أنه إنسان أم آلة؟ ثمّ أيعتبر حيوانًا – آلة، أم ينبغي تعريفه

بحسب منطق ما بعد هووي؟ ما هي قواعد هذا المنطق وكيف يمكن التعبير عنه؟ تدل العودة إلى حقوق الإنسان باعتبارها تمثل مشكا سياسيًّا وأخاقيًّا على عدم تجاوز قيم النزعة الإنسانية ومُثلها.

ذلك يعني أن المسألة الأنثروبولوجية، وإن تغيّر مضمونها (استبدال مفهوم الطبيعة الإنسانية بمفهوم

الإنساني والإنسان بالفرد)، فإنها لم تفقد أهميتها كأفق للتفكير السياسي والأخاقي. وهكذا، فإنها تستحق أن يُستأنف فيها النظر مع إياء التطور العلمي والتقني اهتمامًا مائمًا. وفي مواجهة تنوع أشكال انتهاك حقوق الإنسانية؛ مثل الإقصاء الاجتماعي والاقتصادي، والتعصب والتطرف الديني، وكره الأجنبي، وحرمان الآخرين من الحصول على شروط الحياة الائقة، تبدو العودة إلى قيم النزعة الإنسانية ومبادئها، والتمسك بها أمرًا مُلحًّا. ومن أجل العمل والنضال ضد كل أشكال الظلم والاحتقار

والإقصاء، لا بدّ من قيم عليا ومثُل موجِّهة. قد يكون من الأفضل التمسك بالقيم الكونية التي لم

تتحقق بعدُ، بدلً من تثمين ما بعد إنسانوية عملت على تقديس العلم – التقنية. ويجب التنبيه إلى أن الإنسانوية المقصودة ليست مذهبًا أو توجهًا فكريًّا ينتمي إلى ثقافة معينة، بل إنها تعني تعددية التصورات

والتجارب والرؤى والتعبيرات الرمزية التي لا يتعارض طابعها الخصوصي مع مضمونها الكوني. كل

ثقافة يمكنها الانتساب إلى الإنسانوية، لأن القيم الإنسانوية الكونية هي نتاج رمزي لإنسانية الواحدة، الإنسانية بما هي وحدة. ولمواجهة انحراف التطور التقني، ومن أجل تجنب مخاطر الاستعمال السلبي للعلم – التقنية (التسلح النووي والبيولوجي، والهندسة الوراثية، واستنساخ الحيوانات والبشر، وغيرها)، ينبغي الرجوع إلى قيم الإنسانوية والالتزام بها. إن أنموذج المجتمع الاستهاكي، مجتمع الفردانية المتملكة، لا يمثل حقيقة الحداثة، وليس النهاية الوحيدة الممكنة لمسار التاريخ الإنساني. هناك إمكانيات أخرى للوجود والإبداع والعيش المشترك يمكن تخيّلها والعمل من أجل تحقيقها.

References

المراجع

العربية

أرسطو. علم الأخلاق إلى نيقوماخوس. ترجمة أحمد لطفي السيد. القاهرة: مطبعة الكتب المصرية،

بابا، هومي ك. موقع الثقافة. ترجمة ثائر ديب. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2004 حسن، إيهاب. أوديب أو تطور ما بعد الحداثة: حوار ودراسات. إعداد وترجمة السيد إمام. البصرة: دار شهريار،.2018 الدواي، عبد الرزاق. موت الإنسان في الخطاب الفلسفي المعاصر: هيدغر، ليفي ستروس، ميشيل فوكو. بيروت: دار الطليعة،.1992 ديكارت، رينيه. مقال عن المنهج. ترجمة محمود محمد الخضيري. مراجعة وتقديم محمد مصطفى حلمي. ط.3 القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.1985 شاتليه، فرانسوا [وآخرون]. معجم المؤلفات السياسية. ترجمة محمد عرب صاصيا. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر،.2014 الشيخ، محمد وياسر الطائري. مقاربات في الحداثة وما بعد الحداثة: حوارات منتقاة من الفكر الألماني المعاصر. بيروت: دار الطليعة،.1996 فوكو، ميشيل. الكلمات والأشياء. ترجمة مطاع صفدي [وآخرون]. بيروت: مركز الإنماء القومي،

______. تأويل الذات: دروس ألقيت في "الكوليج دو فرانس". ترجمة الزواوي بغورة. بيروت: دار العودة،.2011 كانط، إيمانويل. ثلاثة نصوص: تأملات في التربية، ما هي الأنوار؟ ما التوجه في التفكير؟ تعريب وتعليق محمود بن جماعة. صفاقس: دار محمد علي الحامي،.2005

______. "إجابة عن سؤال: ما هو التنوير؟". ترجمة عبد الله المشوح. مجلة حكمة.2015/6/9.

في: https://bit.ly/3iVu7uX

لوك، جون. في الحكم المدني. ترجمة ماجد فخري. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2015 ماركس، كارل. حول المسألة اليهودية. ترجمة نائلة الصالحي. كولونيا: منشورات الجمل،.2003 ماركس، كارل وفريدريك إنجلز. الأيديولوجية الألمانية: مصادر الاشتراكية العلمية. ترجمة فؤاد أيوب. بيروت: دار الفارابي،.2016 مُولى، علي الصالح [وآخرون]. سؤال الأخلاق في الحضارة العربية الإسلامية. عزمي بشارة (محرر). الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 نيتشه، فريدريك. جينيالوجيا الأخلاق. ترجمة محمد الناجي. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.2006

الأجنبية

Althusser, Louis. Pour Marx. Paris: Maspero, 1965. Badmington, Neil.  Posthumanism. New York: Palgrave, 2000. Besnier, Jean–Michel. "Le posthumanisme ou la fatigue d’être libre." La pensée de midi. vol. 1, no. 30 (2010). Burke, Edmund. Réflexions sur la Révolution de France. Collection Pluriel. Paris: Fayard, 2011. Castillo, Monique. L’Humanisme et les Lumières en question. Paris: Ellipses, 2001. De Maistre, Joseph. Considérations sur la France. Paris: Garnier, 1980. Étienne Balibar et al. "L’anthropologie philosophique et l’anthropologie historique en débat." Rue Descartes , vol. 3, no. 75 (2012). F. Ferrando.  Philosophical Posthumanism. London: Bloomsbury Academic, 2019. Ferry, Luc. La Révolution transhumaniste: Comment la technomédecine et l’uberisation du monde vont bouleverser nos vies? Paris: Plon, 2016. Foucault, Michel.  L’Archéologie du savoir. Paris: Gallimard, 1969. Grotius, Hugo.  Le droit de la guerre et de la paix. Pradier–Fodéré (trad.). Paris: PUF,

Heidegger, Martin. Essais et conférences. Paris: Gallimard, 1958. _______. Lettre sur l’Humanisme. Roger Munier (trad.). Paris: Aubier, 1957. Hobbes, Thomas. Leviathan. London: Penguin books, 1985.

Huxley, Julian. New Bottles for New Wine. London: Chatto & Windus, 1957. Janicaud, Dominique. "L’Humanisme: Des malentendus aux enjeux." Revue philosophique de Louvain. vol. 99, no. 2 (2001). Kurzweil, R. The Age of Spiritual Machines: When Computers Exceed Human Intelligence. New York: Penguin, 1999. Laurent, Alain. Histoire de l’individualisme. Paris: PUF, 1993. Lefort, Claude. "Droits de l’homme et politique." Revue Libre. no. 7 (1980). Leibniz, Gottfried Wilhelm. La Monadologi. Paris: Livre de poche, 1991. Lévi–Strauss, CL.  Les structures élémentaires de la parenté. Paris: PUF, 2002. Lyotard, Jean–Francois. La condition postmoderne. Tunis: Cérès Éditions, 1995. Marx, Karl.  Critique du droit politique hégélie n. Paris: Éditions sociales, 1975. More, Max. "Extropian Principles: A Transhumanist Declaration." Mrob. 6/2/2023. at: https://bit.ly/40Krn4X Renaut, Alain & Luc Ferry. Philosophie politique 3: Les droits de l’homme. Paris: PUF/ Quadrige, 1984. Renaut, Alain. L’ère de l’individu: Contribution à une histoire de la subjectivité. Paris, Gallimard, 1989. _______. L’individu: Réflexions sur la philosophie du sujet. Paris: Hatier, 1995. Sloterdijk, Peter. La domestication de l’Être. O. Mannoni (trad.). Paris: Fayard, 2000. _______. Règles pour le parc humain: Une lettre en réponse à la lettre sur l’humanisme. O. Mannoni (trad.). Paris: Milles et une Nuit, 1999. Sosoe, Lukas. "Le destin de l’humanisme est–il achevé? Human Enhancement, Human Nature and Humanism." le portique, Revue de philosophie et de sciences humaines. vol. 37–38 (2016). at: https://bit.ly/40Fl5mN Tinland , Frannk. Droit naturel, loi civile et souveraineté à l’époque classique. Paris: PUF, 1986. Tzvetan, Todorov. L’esprit des Lumières. Paris: Robert Laffont, 2006. Vincent, Jean–Didier. "Hypothèses sur l’avenir de l’homme." La pensée de midi. vol. 1, no. 30 (2010).