Return to Article Details Ibn Taymiyya Against Ibn Taymiyya: The Contradiction-maker Strategy

ابن تيمية ضد ابن تيمية: الاستراتيجية الصانعة للتناقض

Ibn Taymiyya Against Ibn Taymiyya: The Contradiction–maker Strategy

عدنان فلاّحي *

Adnan Fallahi *

الملخّص

من السمات المهمة التي تغلب على كثير من أعمال ابن تيمية طابعها الجدلي. وهذا يعني أنه ألّف هذه الأعمال في سياق جدالات فقهية وكلامية محتدمة ضد خصومه. وفي خضم هذه الجدالات، استخدم ابن تيمية استراتيجيات لهزيمة خصومه. إلَّا أننا سنُوضح في هذه الدراسة الكيفية التي تعمل بها هذه الاستراتيجيات ضده هو نفسه في بعض الأحيان، وتجعل بعض أسسه الفكرية عالقًا في التناقضات. سنعتمد في منهجنا البحثي نمط القراءة المقارنة لأعمال ابن تيمية، وسنتفحص خمسة أمثلة من حجج جدلية له ضد خصومه، في: جداله مع المسيحيين حول تقاليدهم الشفوية، وجداله مع فقهاء أهل السنة في تعريف الإجماع وأمثلته، ومسألة جرح أبي حنيفة وتعديله، ومسألة عقوبة المبتدع، ومسألة دور حب علي بن أبي طالب في تأسيس مفهوم أهل السنة.

Abstract

Abstract: An integral feature of many of Ibn Taymiyya’s works is their polemical nature; he wrote these works in the context of intense theological and jurisprudential controversies, using various strategies to defeat his opponents. This article demonstrates how these strategies sometimes backfire. against Ibn Taymiyya himself and even contradict some of his intellectual premises. The paper comparatively examines five examples of Ibn Taymiyya’s polemical arguments against his opponents: the argument with Christians over their oral tradition, the debate with Sunni jurists on the meaning and instances of consensus (Ijmā’), the issue of Abū Ḥanīfa’s character and integrity, the issue of the punishment of heretics, and the issue of the formative place of the attitude towards ‘Alī ibn Abī Ṭālib in the notion of the of Sunna.

الكلمات المفتاحية:
  • ابن تيمية
  • السلف
  • التناقض
  • الإجماع
Keywords:
  • Ibn Taymiyya
  • The Salaf
  • Contradiction
  • Consensus

مقدمة

يُعتبر ابن تيمية الحَرَّانِي (728–661 ه/ 1328–1263 م) واحدًا من أهم أعلام الفكر الإسلامي الموسوعيين، وأكثرهم إثارة للجدل عبر التاريخ الإسلامي، أثَّر، ويؤثّر، في العديد من التيارات الإسلامية المعاصرة. وللأهمية الكبيرة التي يحظى بها هذا العالِم، نقرأ لأحد الباحثين الغربين، ممَّن اختصوا بفكره، ينعته بأنه أحد مؤسسي العالم الإسلامي، فيقول: "كان ابن تيمية خصبَ الإنتاج، ومستقطِبًا في حياته، ولا يزال على هذا العهد إلى يومنا. تستمر حياته وكتاباته في إلهام المسلمين الذين ينشدون رؤية أخلاقية مميزة للإسلام، متأصلة من القرآن والسنة. كما لا تزال انتقاداته للأشعرية وابن عربي والشيعة والمسيحية، ومناسك زيارة القبور، تُصعِّدُ التوترات داخل المجتمع الإسلامي وخارجه. سواء كان ذلك نعمة أو نقمة، إذ يؤدّي ابن تيمية دورًا مركزيًا في المفاوضات المستمرة حول معنى الإسلام"1. وبالعودة إلى أهم كتابات ابن تيمية، نجدها في الغالب ردودًا على مخالفيه. ونضرب مثلً على ذلك بكتابه: منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية، الذي دحض فيه معتقدات شيعية، ردًا على كتاب منهاج الكرامة في إثبات الإمامة للمتكلّم الشيعي جمال الدين الحسن بن المطهّر الحلّي (726–648 ه/ 1325–1250 م)، وكتاب بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية ردًا على كتاب أساس التقديس في علم الكلاملفخر الدين الرازي (605–544 ه/ 1210–1150 م)، وكتاب الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح في تفنيد عقائد المسيحية. كما أن العديد من أعماله الشهيرة الأخرى مثل: الفتوى الحموية الكبرى، والاستغاثة في الرد على البكري، والإخنائية أو الرد على الإخنائي، واعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة، أهل السنة والجماعة، والعقيدة الواسطية وغيرها، ألِّفَت إجاباتٍُ عن استفتاءات، أو مناظرات مع معارضيه. ومع هذه التفاصيل "ليس من المستغرب أن تكون معظم أعمال ابن تيمية كلامية أو جدلية في طبيعتها"2. لكنّه في سياق ردوده الحادة علی معارضيه، يلجأ أحيانًا في حِجاجه إلى حججٍ، يؤدّي التزامُ نتائجها إلى إضعاف بعضٍ من أسُسِ ادِّعاءاته الفكرية. نذكر فيما يلي بعض الأمثلة على هذه الحُجج التي يعتمدها، موضحين مكامِنَ التناقضات المتمخضة عنها.

أولا: إشكالية الشفهي والكتابي "الأحاديث نموذجًا"

يستعين ابن تيمية في مؤلفاته كثيرًا بالأحاديث، وأخبار الآحاد التي يقبلها ويقول بها علماء الحديث. لهذا السبب، يدّعي أن جمهور أحاديث صحيحَي البخاري ومسلم، على الرغم من عدم تواترها، يوجِب

  1. Jon Hoover, Ibn Taymiyya; Makers of the Muslim World (London: Oneworld Academic, 2019), p. 146.
  2. Yossef Rapoport & Shahab Ahmed, Ibn Taymiyya and His Times (Karachi/ New York: Oxford University Press, 2010), p. 132.

العلمَ3. كما يطلق وصف "الإجماع" على "اتفاق الجمهور" (أي الأكثرية)، على الرغم من الفرق بين "قول الجمهور" و"الإجماع"، ويعدّ هذا الاتفاق دليا على صحة تلك الأحاديث4. سيأتي الحديث عن الإجماع لاحقًا. لكن يمكننا القول ههنا إن ابن تيمية في عديدٍ من مؤلَّفاته يقصر "الإجماع المنضبط" على إجماع السلف الصالح5. وواضح أن تأليف الصحيحين كان بعد عصر السلف الصالح، وبناء عليه؛ فهو خارج عن دائرة الإجماع المنضبط6. ولمّا أجرى ابن تيمية مقارنة بين القرآن والأناجيل في أحد أبواب كتابه الجواب الصحيح، ودخل في موضوع يُمكن تسميته "إشكالية الشفهي والكتابي"7، أشار – وهو في ذروة جداله مع المسيحيين – إلى نقطة مهمة مفادها أنّ "الأناجيل التي بأيدي النصارى من هذا الجنس، فيها شيء كثير من أقوال المسيح وأفعاله ومعجزاته، وفيها ما هو غلط عليه، ب  شك، والذي كتبها في الأول إذا لم يكن ممن يتهم بتعمد الكذب، فإن الواحد والاثنين والثاثة والأربعة لا يمتنع وقوع الغلط والنسيان منهم، لا سيما ما سمعه الإنسان ورآه، ثم حدّث به بعد سنين كثيرة، فإن الغلط في مثل هذا كثير، ولم يكن هناك أمة معصومة يكون تلقيها لها بالقبول والتصديق، موجِبًا للعلم بها"8. نلحظ ههنا أنّ أكبر اعتراض لابن تيمية على كيفية تدوين الأناجيل، ليس في افتراء مؤلفيها الأوائل، بل في الفترة الزمنية بينهم وبين المسيح (وهي فترة شفهية بالكامل)، وكذلك عدم تواتر النُقول الشَّفهية نفسها؛ إذ لا يتردد ابن تيمية في أن يقع أربعة أشخاص في الغلط والنسيان في الآن معًا. وفيما يلي يعتبر ابن تيمية أنّ قلة عدد الحواريين كانت سببًا آخر لعدم قبول وتصديق المحتوى الشفهي للأناجيل: "لا تجتمع الأمة المعصومة على الخطأ والحواريون كلُّهم اثنا عشر رجاً"9. فقلة رواة الأناجيل، ووجود فجوة في النقل الشفهي، يمثّان علةً للريب في محتويات الأناجيل وعدم التيقن منها، كما لا يلتفت ابن تيمية إلی قبول محتويات هذه الأناجيل من لدُن جمهور العلماء المسيحيين. لكن، وفي المقابل من ذلك، هل كان على استعدادٍ لتطبيق نتائج استراتيجيته في نقد التراث الشفهي للمسيحيين، على التراث الشفهي للمسلمين، وخصوصًا الأحاديث في الصحيحين؟

  1. أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، الفتاوی الكبری، تحقيق وتعليق وتقديم محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا، ج 5 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1987)، ص.81
  2. أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، مجموع الفتاوی، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم وساعده ابنه محمد، ج 18 (المدينة النبوية: مجمع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، 1995)، ص.17
  3. المرجع نفسه، ج 3، ص.157
  4. وتجدر الإشارة إلى تصريح ابن تيمية بأن إجماع غير الصحابة محل خاف، وأنه نُق ل عن أحمد بن حنبل قولان مختلفان في هذا الصدد. ينظر: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، الرد علی السبكي في مسألة تعلیق الطلاق، تحقيق عبد الله بن محمد المزروع، ج 2 (مكة المكرمة: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع، 2014)، ص.763
  5. اقتبسنا هذا المصطلح من عنوان كتاب المستشرق السويسري غريغور شولر Schueler Gregor الذي كان عنوانه: الشفهي
  6. )2006(The Oral and the Written in Early Islam والكتابي في الإسلام المبكر
  7. أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، تحقيق علي بن حسن بن ناصر [وآخرون]، ج 3، ط 2 (السعودية: دار العاصمة، 1999)، ص.27
  8. المرجع نفسه.

من نافل القول إنّ أحاديث المسلمين قد تجاوز فترة شفهية طويلة نسبيًا. يقول فخر الدين الرازي: "أما السلف فهم منزّهون عن تعمد الكذب [...] وأنهم لا يكتبون الحديث في الغالب"10. ويذكر ابن تيمية سبب إخفاء بعض الأحاديث عن أعين بعض كبار الصحابة وعلماء السلف، قائا: "لأن هذه الدواوين المشهورة في السنن إنما جُمعت بعد انقراض الأئمة المتبوعين"11. ويؤكد هو نفسه وجود فترة شفهية لنقل الأحاديث، فيقول: "بل الذين كانوا قبل جمع هذه الدواوين، أعلم بالسنة من المتأخرين بكثير [...] فكانت دواوينهم صدورهم التي تحوي أضعاف ما في الدواوين. وهذا أمر لا يشك فيه من علم القضية"12. وهنا، يظهر تناقضُ ابن تيمية، إذا كان سبب الشك في صحة منقولات الأناجيل، أنها لم تكتب في عصر المسيح، ومرّت بفترة نقل شفهي، فلماذا لا يشك في صحة منقولات الصحيحين اللذين مرّا بظروف مشابهة للأناجيل؟ وإذا كان وجود أربعة رواة صادقين لا يضمن صحة النقل، كما اقتبسنا عن ابن تيمية، فكيف يعتقد في صحة جمهور أحاديث الصحيحين، بينما يقول بعض كبار علماء الأحاديث إنه لا يوجد حديث واحد في هذين الكتابين يحوي عدلين، وكاهما يرويه عن عدلين، في كل طبقة من طبقات سنده، فضا عن أربعة عدول؟13

ثانيًا: إشكالية الإجماع واعتبار الأقوال

من أشهر سجالات ابن تيمية، مع معاصريه من فقهاء السنة، نزاعه في بعض المسائل الفقهية المتعلقة بالطاق. وقد تسبب خافه معهم في لبثه في السجن مدّة14. يرى كثير من فقهاء أهل السنة ومحدّثيهم أنّ ابن تيمية خالف إجماع الصحابة، وإجماع المذاهب السّنية الأربعة في قضية طاق الثاث. فعلى سبيل المثال، يری أحمد بن علي بن حجر العسقاني (852–773 ه/ 1449–1371 م) أنّ الإجماع على هذه المسألة تحقق في زمن الصحابة وخافة عمر بن الخطاب، إذ يقول: "فالمخالف بعد هذا الإجماع منابذ له. والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختاف بعد الاتفاق"15. وقد كتب بعض كبار فقهاء أهل السنة من الذين عاصروا ابن تيمية ردودًا ضده لهذا السبب. فمثاًاتَّهم الفقيه الشافعي، تقي الدين السبكي (756–683 ه/ 1355–1284 م)، ابن تيمية بمعارضة الإجماع وقال عنه: "فخرج من

  1. فخر الدين الرازي، المحصول في الأصول، دراسة وتحقيق طه جابر فياض العلواني، ج  4، ط 3 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1997)، ص.302
  2. أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، رفع الملام عن الأئمة الأعلام (الرياض: الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، 1983)، ص.17
  3. المرجع نفسه، ص 18
  4. وروي مثل هذه المقولة عن ابن حبان (543 ه)، ويؤيدها الحازمي (594 ه). ينظر: محمد بن موسی الحازمي، شروط الأئمة الخمسة (القاهرة: المكتبة الأزهرية للتراث)، ص.26–25
  5. محمد بن أحمد بن عبد الهادي، العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، تحقيق محمد حامد الفقي (بيروت: دار الكاتب العربي، [د. ت.])، ص.342
  6. أحمد بن علي بن حجر العسقاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، إخراج وتصحيح وإشراف محب الدين الخطيب، ج 9 (بيروت: دار المعرفة، 1959)، ص.365

الاتباع إلى الابتداع وشذّ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع"16. ويحاول السبكي ههنا إبطال رأي ابن تيمية في هذه المسألة الفقهية بطرح ثاثة اعتراضات: الأول، أن رأيه مخالف لأقوال العلماء المشهورين. والثاني، أنه مخالف لإجماع. والثالث، عدم الاعتداد بمن وافقهم ابن تيمية في هذه المسألة (لأنهم ينتمون إلى فرق ومذاهب غير سنّية كالمعتزلة والشيعة وغيرهم، ف  ينخرم الإجماع بمعارضتهم). في سياق الهجوم على ابن تيمية، يقول السبكي إنه لا يُعدل عن رأي فقهي إلّ "بنقل صريح عن إمام معتبر"17. يعطي ابن تيمية جوابًا مفصا في ردّه على السبكي، فيقول: "يقال له: ما تعني بالإمام المعتبر؟ وما تعني بكونه معتبرًا؟ ومَن هو الذي يعتبره؟ فما من عالم من علماء المسلمين إلا وله طائفة تعتبره وتُعظّم أقواله، وطائفةٌ تخالف أقواله وتضعّفها [...] وكذلك قوله: عن إمام؛ ماذا تعني بالإمام؟ أتعني بالإمام من ائتم به طائفة من المسلمين؟ فما من عالم من العلماء إلا وله طائفة تأتم به. أم تعني به من ائتم به جميع المسلمين؟ فليس في العلماء مَنْ يتبعه جميع المسلمين، بل ولا أكثرهم في مفرداته. أم مَن صُنّفت الكتب على مذاهبهم؟ فمعلوم أن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، يعتد بخافهم بإجماع المسلمين ولم تصنف على مذاهبهم كتب"18. لذلك، يعتبر ابن تيمية مفهوم "الإمام المعتبر" مفهومًا نسبيًّا، وليس جديرًا بالاستناد إليه والاحتجاج به. ولإثبات وجهة نظره يعطي أمثلة، فيكتب عن عدم اعتبار فئة من الفقهاء لأبي حنيفة النعمان (150–80 ه/ 767–699 م)، وفئة أخرى لمالك بن أنس (179–93 ه/ 795–711 م)، وفئة ثالثة لمحمد بن إدريس الشافعي (204–150 ه/ 820–767 م)، ويقول: "فكثير من الحنفية والمالكية طعنوا في الشافعي [...] في نسَبه وعلمه وعدالته، وقالوا: لا يُعتد به في الإجماع، وذكروا لذلك شبهًا. منهم مَن هو عظيم عند المسلمين مثل القاضي إسماعيل بن إسحاق كان يقول: لا يعتد بخاف الشافعي. وأكثر أهل الحديث طعنوا في أبي حنيفة [...] وأصحابه طعنًا مشهورًا امتلأت به الكتب، وبلغ الأمر بهم إلى أنهم لم يرووا عنهم في كتب الحديث شيئًا، ف  ذكر لهم في الصحيحين والسنن. وطعنَ كثير من أهل العراق في مالك [...] وقالوا: كان ينبغي له أنْ يسكت فَ يتكلم. وكثيرٌ من أصحاب داود [...] يرجّح مذهبه على مذهب أبي حنيفة ومالك [...]، وقد ناظرني على ذلك طائفة منهم. فإذا قال القائل: جماعة من أئمتنا قالوا: لا مبالاة بخافهم، قيل لهم: وهؤلاء وغيرهم يقولون: لا مبالاة بخاف مَن ذكرته من أئمتكم"19. يرفض ابن تيمية حجة السبكي بأكملها من الناحية المعرفية، فيقرر أن "الاعتبار في الأقوال بأدلتها لا بقائليها، ف  يُنظر إلى من قال، كما قال علي بن أبي طالب [...] للحارث بن حِلّزة [...] اعرف الحقَّ تعرف أهله، إنّ الحق لا يُعرف بالرجال، وإنما الرجال يعرفون بالحق"20. لكن هجوم السبكي الآخَر على ابن تيمية هو بسبب أخذه بآراء المبتدعة كالإثني عشرية، بدلً من اتّباع الإجماع والجماعة. وهنا، يردّ

  1. تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي، الدرة المضية في الرد علی ابن تيمية (دمشق: مطبعة الترقي، 1929)، ص.6
  2. ابن تيمية، الرد علی السبكي، ج  2، ص.626
  3. المرجع نفسه، ص.628–626
  4. المرجع نفسه، ص.836–836
  5. المرجع نفسه.

ابن تيمية على حجة السبكي، فيتناول أهم حجة لخصومه وهي مفهوم الإجماع. يقول ابن تيمية إنه يمكن هدم مفهوم الإجماع حتی بمخالفة شخص أو شخصين، رافضًا رأي محمد بن جرير الطبري (ت. 103 ه) الذي يعدّ رأيه في مفهوم الإجماع أصا ضعيفًا "فإنه يجعل قول الجمهور إجماعًا ولا يعتد بخاف الواحد والاثنين"21. ويرفض ابن تيمية حجية "الإجماع السكوتي" ويكتب: "لا نُسلّم أنّ مثل هذا حجة يجب الاعتماد عليها، فإنه إذا قال واحد أو اثنان أو ثاثة: نحن لا نعلم في هذا نزاعًا، أو نطلق أنه لا نزاع في ذلك، لم يكن هذا مما يوجب أن جميع أمة محمد [...] من أولهم إلى آخرهم يجب عليهم تقليدُ هذا الظانِّ فيما ظنه، فإنه لا يجب عليهم تقليده فيما يقطع به، فكيف يجب تقليده فيما ظنه"؟22وهو يقول في موضع آخر وفي نقاش دعوی الإجماع في كثير من الأمور: "فإن النصوص توفرت همة الأمة على معرفتها وتبليغها وتفهمها، بخاف قول كل واحد واحد من علماء المسلمين، فإن هذا لم تتوفر همم الأمة عليه، بل كثير من علماء المسلمين لا يعرف الناس له قولً مع أنه كان دائمًا يفتي. ولا يُعرف قط نص منسوخ إلا وقد عُرف النص الناسخ له، بخاف ما يُدعى من الإجماعات، فإن كثيرًا منها قد عُرف فيه نزاع"23. ثم ينتقل ابن تيمية إلى مسألة أخری، وهي: هل يُعتد بخاف الطوائف مثل المعتزلة، والشيعة، والخوارج وغيرها في إجماع فقهاء السنّة؟ يجيب ابن تيمية بأن الفقهاء ومنهم أصحاب أحمد بن حنبل (–164 241 ه/ 855–780 م)، يختلفون في هذه القضية. وإذًا، فإن أصل الموضوع نفسه هو محل الخاف: "وكذلك المعتزلة والخوارج والشيعة – قد ذكرنا في غير هذا الموضع اختاف العلماء من أصحاب أحمد وغيره – هل يعتد بخافهم؟ على قولين"24. بل يقرر بأن جمهور العلماء يعتقدون أنه لن يحصل الإجماع إلا مع موافقة وحضور هذه الفرق: "جمهور هؤلاء يَعتدون بخاف جميع طوائف المسلمين حتى المعتزلة والشيعة وغيرهم"25. يرفض ابن تيمية كل حجج السبكي حتى هذه النقطة، لكنه يذهب إلى أبعد من ذلك، فيرى أن تعريف الإجماع مرادف لاتفاق جميع المسلمين (كل من ينطبق عليه أنه "مؤمن"، بما في ذلك: الشيعة، والمعتزلة، والخوارج، وغيرهم): "فإنّ أدلة الإجماع إنما دلت على عصمة المؤمنين بلفظ المؤمنين ولفظ الأمة؛ كقوله تعالى: ﴿ويتَّبِعْ غَيرَ سَبِيلِ الْمُؤْمنِينَ﴾ [النساء: 115]، وقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم: 'لَ تَجْتَمِع أمَّتِي علَى ضالَة'. فإذا كان اسم المؤمنين وأمة النبي محمد يتناولهم، ولهم نظر واستدلال، ولهم دين يُوجب قصدهم الحق، لم يبقَ وَجْه لمنع الاعتداد بهم"26.

  1. المرجع نفسه، ج 1، ص.158
  2. المرجع نفسه، ج 2، ص.617
  3. أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، جامع الفصول، جمع وتحقيق عبد الله بن علي السليمان آل غَيهب، ج  1 (الرياض: دار أطلس الخضراء، 2020)، ص.240
  4. ابن تيمية، الرد علی السبكي، ج  2، ص.842
  5. المرجع نفسه، ص.835
  6. المرجع نفسه، ص.661–661

لذلك، نرى أن ابن تيمية في نقاشه مع الفقيه الشافعي تقي الدين السبكي قد اعتبر معارضة علماء غير أهل السنة (الموصوفين بأنهم مبتدعة)، واعتقد أنه لا يمكن تحقيق إجماع حقيقي من دون موافقة كل هذه الطوائف. وفي الواقع، لا يعتبر ابن تيمية رأي الجمهور والأغلبية، مع معارضة الأقلية، حجة صحيحة وقوية. كما أنه يرفض الاستناد إلى اعتبار العلماء أو شهرتهم، ويرى أن الاعتبار في الدلائل لا في الرجال. لكن ما نتيجة استراتيجية ابن تيمية الجدلية هذه بالنسبة إلى نفسه؟ حاول ابن تيمية، في عدة مواضع من آثاره، أن يصوّب رأيه بالاستناد إلی وفاقه مع الأئمة المعتبرين أو الأئمة المشهورين. فمثا في رده علی الفقيه المالكي القاضي تقي الدين الإخنائي (750–658 ه/ 1349–1260 م)، استخدم ابن تيمية الاستراتيجية التي استخدمها السُّبكي نفسها ضد ابن تيمية نفسه، فهاجم ابن تيمية آراء الإخنائي بحجة أنها مخالفة لإجماع الأئمة المشهورين27. وبهذا، استند إلى شهرة العلماء. وفي أعماله الأخرى نسب ابن تيمية أقواله إلى الأئمة المعتبرين، من أجل الدفاع عنها28، كما استخدم عبارة "إجماع السلف" كثيرًا، لرفض آراء خصومه، وفرق مثل المعتزلة والشيعة. وبهذا حاول تصويب أقواله في عديد من المسائل الفقهية والكامية استنادًا إلی قول الجمهور أو الأغلبية29. ونتيجةً لذلك، نرى أن ابن تيمية، هنا، قد تبنى استراتيجية صانعة للتناقض، فقدّم في مواضع كثيرة، حججًا أبطلها هو نفسه في رده علی السبكي.

ثالثًا: إشكالية الجرح والتعديل: أبو حنيفة نموذجًا

بعد الإشارة إلى تنوع مقاربات العلماء في مسألة الجرح والتعديل، يقول أبو حامد الغزالي (–450 505 ه/ 1111–1058 م): "فإن من مات قبلنا بزمان امتنعت الخبرة والمشاهدة في حقه"30. وعلى الرغم من مقولة ابن الصاح الشهرزوري (643–577 ه/ 1245–1181 م)، إن "مذاهب النقَّاد للرجال غامضة مختلفة"31؛ لا خيار أمام علماء الحديث والمؤرخين للتعبير عن أحوال وآراء الرجال، سوى الاعتماد على أقوال أسافهم، وخاصةً الرجال الذين لم يتركوا أي أعمال مكتوبة. بناء علی هذا الأصل، يعتمد ابن تيمية على أقوال سلفه من أهل الحديث، في التعبير عن أحوال رجال القرن الثاني الهجري. على سبيل المثال، تقليدًا لعلماء الحديث في القرن الثالث، يعتبر ابن تيمية أناسًا كالجهم بن صفوان الترمذي.(ت 128–78 ه/ 746–696 م)، وغَيْان بن مسلم الدمشقي (ت. 105 ه/ 723 م)، والجعد بن درهم

  1. أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، الإخنائية أو الرد على الإخنائي، تحقيق أحمد بن مونس العنزي (الجدة: دار الخراز، 2000)، ص.102
  2. ابن تيمية، الفتاوی الكبری، ج  4، ص.339–238
  3. على سبيل المثال، يستشهد ابن تيمية ب "إجماع السلف" لإثبات رؤية الله في الآخرة. وهي إحدى القضايا الخافية بين المذاهب الإسامية. ينظر: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، منهاج السنة النبوية، تحقيق محمد رشاد سالم، ج 3 (الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسامية، 1986)، ص.344
  4. 3أبو حامد الغزالي، المستصفى في علم أصول الفقه، تحقيق محمد عبد السام عبد الشافي (بيروت: دار الكتب العلمية، 1993)، ص.344
  5. 3ابن الصاح الشهرزوري، معرفة أنواع علوم الحديث، تحقيق نور الدين عتر (دمشق: دار الفكر، 1986)، ص.107

.(ت 105–46 ه/ 724–666 م)، جميعهم قُتلوا بيد أمراء أمويين – من المبتدعة، ویهاجمهم ويدافع عن قتلهم32. يعتقد ابن تيمية أن هذا السفك لم يكن ظلمًا33 لأنَّ أهل العلم والدين لم يعترضوا عليه34. طبعًا، لا يستطيع ابن تيمية أن يكتشف رأي كل عالم قبله وبعده في هذه الإعدامات. كما أوردنا قوله من قبل: "كثير من علماء المسلمين لا يعرف الناس له قولً مع أنه كان دائمًا يفتي"35. وادعاؤه هذا هو الإجماع المتخيّل نفسه الذي استند إلیه خصومه، كما فعل السبكي في ردّه عليه. وإذًا، يقلّد ابن تيمية هنا رأيًا تأسيسيًا لجماعة من المسلمين قبله فقط، وهم أهل الحديث من القرن الثالث الهجري. لكن هل يلتزم ابن تيمية بهذا المنهج في جميع مواقف أئمة القرن الثاني الهجري، وما يتعلق بأحوالهم؟ يكتب ابن تيمية عن أبي حنيفة وعن انتقادات أهل الحديث له وطعونهم عليه: "ومَن ظنّ بأبي حنيفة أو غيره من أئمة المسلمين أنهم يتعمدون مخالفة الحديث الصحيح لقياس أو غيره، فقد أخطأ عليهم وتكلم إما بظنّ وإما بهوى"36. وهذا يعني، بحسب وجهة نظر ابن تيمية، أن أخطاء أبي حنيفة هي من قبيل الاجتهاد الجائز والمشروع، ومن ثم لا يستحق أبو حنيفة طعنًا أو جرحًا بسبب آرائه. وهكذا، للمفارقة، يتجاوز ابن تيمية اتّباع الرأي التأسيسي لأسافه من أهل الحديث ضد أبي حنيفة، لكنه لم يتجاوز آراءهم هم أنفسهم ضد الجهم وغيان وغيرهما. بل يكتب ابن تيمية: "وأكثر أهل الحديث طعنوا في أبي حنيفة رضي الله عنه وأصحابه طعنًا مشهورًا امتلأت به الكتب، وبلغ الأمر بهم إلى أنهم لم يرووا عنهم في كتب الحديث شيئًا، ف  ذِكر لهم في الصحيحين والسنن "37. وهنا لا داعي ولا مجال لبيان أقوال أهل الحديث الكثيرة في القرون الثاني والثالث والرابع للهجرة في ذم أبي حنيفة38، وابن تيمية نفسه يؤكد أن "أهل السنة" و"أهل الحديث" وعلى رأسهم بالطبع أحمد ابن حنبل، قد تجنبوا أهل البدع "كأهل الرأي من أهل الكوفة" وهجروهم39. وبالطبع، أيضًا بحسب ابن تيمية نفسه، إن "إمام أهل الرأي" لم يكن غير أبي حنيفة40. إذًا، كما نرى، يتناقض ابن تيمية هنا من ناحيتين:

  1. 3أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، جامع المسائل، تحقيق محمد عزير شمس، ج  4 (مكة: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع، 2001)، ص 41؛ ابن تيمية، الفتاوی الكبری، ج  4، ص.194
  2. لقراءة المزيد عن قول ابن تيمية في هؤلاء ونقد رأيه. ينظر: رائد السمهوري، نقد الخطاب السلفي؛ ابن تيمية نموذجًا (لندن: دار طوی، 2010)، ص 91–80؛ جمال الدين القاسمي، تاريخ الجهمية والمعتزلة (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1979)، ص 12، 16، 80،
  3. 3ابن تيمية، مجموع الفتاوی، ج  2، ص.485
  4. 3ابن تيمية، جامع الفصول، ج  1، ص.240
  5. 3ابن تيمية، مجموع الفتاوی، ج  20، ص.304
  6. 3ابن تيمية، الرد علی السبكي، ج  2، ص.837
  7. 3ناقشنا هذا الموضوع بالتفصيل في الفصل الثاني من كتابنا تحت الطبع: الحديثية المتخيلة؛ انقطاع بين أبي حنيفة وأبي حنيفة المتخيل.
  8. 3ابن تيمية، جامع المسائل، ص.76
  9. أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، ج  2 (المدينة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 2005)، ص.216

• الأولى، أن لديه نهجين متناقضين مع سلفه. فمن جهة يقبل كل أقوال أهل الحديث عن أناس مثل الجهم وغيان والجعد، ومن جهة أخرى لا يقبل أقوال السلف نفسه عن أبي حنيفة، ويعتبرها أمثلة على اتباع الظن والهوی. فمثا، لا يبيّن ابن تيمية لماذا يقبل كام أهل الحديث في غيان الدمشقي، ولا يقبل كام الجماعة نفسها في أبي حنيفة؟ • الثانية، يعتبر ابن تيمية نفسه من جهة مضطرًا إلى اتباع منهج سلفه كأحمد بن حنبل، ومن جهة أخرى، يُلزِم نفسَه بخلق أبي حنيفة المتخيّل المنسجم مع مقاربات أهل الحديث الدينية، ویتجاهل منهج "السلف"/ "أهل الحديث" في طعنهم فيه. لذا، وانسجامًا مع المنهج، كان عليه إما إنكار كل هذه الطعون أو تبريرها. وبما أن ابن تيمية عالم مبرز في مجال النقل والرواية، يَعلم جيدًا أنه لا سبيل إلى إنكار هذا القدر من هجمات أهل الحديث في القرنين الثالث والرابع علی أبي حنيفة؛ وبناء عليه، يعدّ هذه الطعون غير مبررة، وأنها نتاج اتّباع الظنّ أو الهوى. وفي الحصيلة، النتيجة المنطقية لاستراتيجية الدفاع عن أبي حنيفة تؤدي إلى تناقض آخر يتمثل في الاتّهام غير المتعمّد أن أئمة أهل الحديث، ومنهم أحمد بن حنبل، هم من أتباع الظن أو الهوى، فأقوال أحمد وطعنه على أبي حنيفة وأهل الرأي مقطوعٌ بنسبتها إليه، ولا شك فيها، ومنها قوله مثا في أهل الرأي: "إنهم معاندون للحديث، لا يفلح منهم أحد"41، وكذلك يقول أبو بكر الأثرم (ت. 296 ه/ 909 م)، عن شيخه أبي عبد الله أحمد بن حنبل (290–213 ه/ 903–828 م): "رأيت أبا عبد الله مرارًا يعيب أبا حنيفة ومذهبه، ويحكي الشيء من قوله علی الإنكار والتعجب"42.

رابعًا: إشكالية إقامة الحجة، تجريم البدعة وعقوبة المبتدع

سُجن ابن تيمية واُضطهد بسبب آرائه الكامية والفقهية عدة مرات، بفتوى معاصريه من الفقهاء43. واتهمه الفقهاء بخرق الإجماع والابتداع وطالبوا بعقوبته. وكان ضغط خصومه عليه مصحوبًا أحيانًا بتهديدات بالقتل لدرجة أنه يقول: "إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة"44. ويرى ابن تيمية أن تصرفات خصومه تجاهه غير شرعية وخاطئة. على سبيل المثال، في رده الطويل علی فقهاء السنة من معاصريه، فيما يتعلق بمسألة السفر لزيارة قبور الأنبياء (شدّ الرحال)، يقول ابن تيمية في دفاعه عن نفسه: "لو قُدّر أن المفتي أفتى بالخطأ، فالعقوبة لا تجوز إلا بعد إقامة الحجة"45. يقول ابن تيمية إنه لا بد من تبيين خطأ ذلك الفقيه وذكر الدليل: "وإلا فإذا كان مع هذا حجة ومع

  1. أحمد بن حنبل، مسائل الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل رواية ابن هانئ، تحقيق أبو عمر محمّد بن علي الأزهري (القاهرة: دار الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، 2013)، ص.497–437
  2. أبو بكر الأثرم، سؤالات أبى بكر الأثرم لأحمد بن حنبل ويليه مرويات الأثرم عن أحمد بن حنبل، جمع وتحقيق أبو عمر محمّد بن علي الأزهري (القاهرة: الفاروق الحدیثة للطباعة والنشر، 2007)، ص.184
  3. محمد أبو زَهرة، ابن تيمية: حياته وعصره – آراؤه وفقهه (القاهرة: دار الفكر العربي، 1991)، ص.79–45
  4. أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، المستدرك على مجموع الفتاوى، جمعه وترتيب محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، ج 1 (الرياض: نشرة المحقق، 1997)، ص.153
  5. ابن تيمية، مجموع الفتاوی، ج  27، ص.307

هذا حجة، لم يجز تعيين الصواب مع أحدهما إلا بمرجح، وهؤلاء لم يفعلوا شيئًا من ذلك. فلو كان المفتي مخطئًا لم يقيموا عليه فكيف إذا كان هو المصيب وهم المخطئون فحكم مثل هؤلاء الحكام باطل بالإجماع"46. ونتيجة لذلك، يرد ابن تيمية المعاملة القسرية التي فرضها عليه خصومه من الفقهاء، ويعدّ هذا السلوك غير شرعي ويدينه، ويرى أن خصومه لم يتمكنوا من إقامة الحجة عليه. لكنْ هل ابن تيمية مستعد لقبول الاستراتيجية نفسها لصالح خصومه من المعتزلة والجهمية والشيعة وغيرهم، فيعارض الأسس النظرية والفقهية لعقوبة الخصوم في الفكر والعقيدة (المبتدعة)، التي أصّلها في مؤلفاته؟ يكتب ابن تيمية: "يعاقب من دعا إلى بدعة تضر الناس في دينهم وإن كان قد يكون معذورًا فيها في نفس الأمر لاجتهاد أو تقليد"47. ف  عذر عند ابن تيمية، سواء كان اجتهادًا أو تقليدًا، يمنع عقوبة دعاة البدع. وبطبيعة الحال، إن العقوبة تشمل كل من يری أن رأيه أو منهجه صحيح. فابن تيمية على الرغم من قبوله أن مسائل كزواج المتعة وشرب النبيذ ونحوها هي من مسائل الخاف، وأن بعض "المتقدمين" قائلون بجوازها، يقرر أنه لا يجوز تقليدهم في هذه الأمور48. وبناء علی هذا الأصل؛ يری عقوبة شارب النبيذ مثا49. يعتقد ابن تيمية، في مثل هذه الحالات، أن تطبيق قاعدة "لا إنكار في مسائل الخاف" غير صحيح، ويجب إنكار القول أو الفعل المخالف للسنة أو الإجماع50. وبغض النظر عن وجود نوع من التناقض في قوله حول اتباع السنة والإجماع، يؤكد ابن تيمية علی عدم تطبيق شامل لهذه القاعدة ويكتب: "مسائل الاجتهاد لا يسوغ فيها الإنكار إلا ببيان الحجة وإيضاح المحجة"51. لذلك، في رأيه لا مانع من إنكار فتاوى المجتهدين بشرط إقامة الحجة عليهم. وكما أشرنا، لا يعفي ابن تيمية مخالفيه من العقوبة ولو كانوا من المجتهدين، ويقرر ويقبل مذهب فقهاء الحديث كأحمد وغيره: "ومن كان داعية إلى بدعة فإنه يستحق العقوبة لدفع ضرره عن الناس وإن كان في الباطن مجتهدًا"52. يفرض ابن تيمية مجموعة واسعة من العقوبات للتعامل مع المسلم المخالف أو كما يقول "الداعي إلی البدعة"، سواء أكان مجتهدًا أو مقلدًا. وتبدأ هذه العقوبات بهجر المبتدعة كترك صحبتهم، والامتناع من عيادتهم، والابتعاد عن تشييع جنائزهم، وفصلهم عن مناصب الفتوى ونحو ذلك، وفي بعض الأحوال قد تشمل العقوبة السجن أو حتى سفك دمهم53: "والداعي إلى البدعة، مستحق العقوبة باتفاق المسلمين، وعقوبته تكون تارة بالقتل، وتارة بما دونه"54.

  1. المرجع نفسه.
  2. المرجع نفسه، ج 10، ص.375
  3. ابن تيمية، الفتاوی الكبری، ج  6، ص.96
  4. ابن تيمية، مجموع الفتاوی، ج  28، ص.181
  5. ابن تيمية، الفتاوی الكبری، ج  6، ص.96
  6. ابن تيمية، مجموع الفتاوی، ج  53، ص.213–212
  7. المرجع نفسه، ج 7، ص.385
  8. لاطاع أكثر، ينظر: السمهوري، ص.91–72
  9. ابن تيمية، مجموع الفتاوی، ج  53، ص.414

نتيجة لذلك، فإن استراتيجية ابن تيمية ضد المجتهدين المبتدعين ومقلديهم تؤدي إلی التناقض. فمن ناحية، يخطّئ منهج الفقهاء الذين وصفوه بالمبتدع وطالبوا بعقوبته – وكان لهم الغلبة في عهد ابن تيمية – ومن ناحية أخرى، يصوّب المنهج نفسه في التعامل مع معارضي آرائه الفقهية والكامية. والنقطة الأخرى هي أن ابن تيمية يتهم صريحًا معارضيه من الفقهاء بعدم إقامة الحجة عليه وعدم إقناعه، في حين قدّمت هذه المجموعة من الفقهاء، ومنهم قاضي القضاة تقي الدين الإخنائي المالكي، حججهم بالتفصيل. ومع ذلك، وكما أوردنا عنه، لم يرَ ابن تيمية أن معارضيه أقاموا عليه الحجة، بل اعتبره مث لً من تكافؤ الحجج: "فإذا كان مع هذا حجة ومع هذا حجة لم يجز تعيين الصواب مع أحدهما إلا بمرجِّح"55. وفي حين اتَّهم ابن تيمية خصومه بعدم إقامة الحجة عليه، فهل قدر نفسه علی إقامة الحجة علی مخالفيه؟ في الواقع، لم يفعل أكثر من عرض حججه وبيانها، ف  يختلف فعله عن فعل خصومه الذين بيّنوا وشرحوا حججهم أيضًا. وهكذا، إذا اتّهم ابن تيمية خصومه بأنهم لم يقيموا الحجة عليه، أمكنهم هم أيضًا أن يوجّهوا إليه الاتهام ذاته56، خاصةً أنه يعترف بأن إقامة الحجة تكون أحيانًا ممتنعة: "ومن تربّى على مذهب قد تعوده واعتقد ما فيه وهو لا يحسن الأدلة الشرعية وتنازع العلماء لا يفرق بين ما جاء عن الرسول وتلقته الأمة بالقبول بحيث يجب الإيمان به وبين ما قاله بعض العلماء، ويتعسر أو يتعذر إقامة الحجة عليه"57. الحصيلة، إن استراتيجية ابن تيمية في رد خصومه، بسبب عدم إقامة حجتهم عليه، تشمله وتؤدي إلی التناقض.

خامسًا: إشكالية تأسيس أصول أهل السنة "المحضة": حبّ علي بن أبي طالب نموذجًا

في نقاشاته مع المذاهب الإسامية، يعتبر ابن تيمية نفسه مدافعًا عن الفكر السني وعقيدة السلف وأهل الحديث، ضد المذاهب الأخرى. وبسبب دقته في تحليل محل النزاع، له معنيان لمصطلح "أهل السنة": أهل السنة بالمعنى العام وأهل السنة بالمعنى الخاص. ويفسر ابن تيمية هذين المعنيين في رده على الفقيه والمتكلم الشيعي، ابن المطهر الحِلّي: "فلفظ أهل السنة يراد به: من أثبت خافة الخلفاء الثاثة فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلا الرافضة، وقد يراد به أهل الحديث والسنة المحضة، ف  يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله تعالى ويقول: إن القرآن غير مخلوق وإن الله يرى في الآخرة، وغير ذلك من الأصول المعروفة عند أهل الحديث والسنّة"58. ويتابع ابن تيمية بذكر بعض معتقدات المذاهب المخالفة كالمعتزلة والجهمية والأشعرية، ويعتبرهم من أهل السنة بالمعنى العام، لكنه يحصر أهل السنة "المحضة" في عقائد "الإمام أحمد وذويه"59. وربما لهذا

  1. المرجع نفسه، ج 27، ص.307
  2. والجدير ذكره أن ابن تيمية ادّعى أحيانًا أنه قد أقام الحجة على بعض خصومه. ينظر: ابن تيمية، جامع الفصول، ج 1، ص.235
  3. ابن تيمية، مجموع الفتاوی، ج  26، ص.202
  4. ابن تيمية، منهاج السنة، ج  2، ص.221
  5. المرجع نفسه، ص.224–221

السبب لا يسمي ابن قيم الجوزية (751–691 ه/ 1350–1292 م)، وهو أشهر تاميذ ابن تيمية، أبا حنيفة ولا مالك بن أنس ولا أحد كبار علماء عصر التابعين "إمام أهل السنة علی الإطاق"، بل لا يستخدم هذا اللقب إلا لأحمد بن حنبل60. وأهمية بن حنبل للفكر السلفي كبيرة، إلى حد أنه صار معيارًا لانتماء إلى أهل السنة61، "وكان الإمام، الذي ثبته الله وجعله إمامًا للسنة حتى صار أهل العلم بعد ظهور المحنة يمتحنون الناس به فمن وافقه كان سنيًا وإلا كان بدعيًا، هو الإمام أحمد بن حنبل"62. لذلك، يرى ابن تيمية أن قبول مبادئ ابن حنبل الاعتقادية هو معيار الانتماء إلى أهل السنة المحضة. ولكن ماذا كان رأي ابن حنبل في حب علي بن أبي طالب؟ يعتقد ابن حنبل أن حب الصحابة سنة63وبغضهم من البدعة64. يقول ابن تيمية: "وأما علي رضي الله عنه فإن أهل السنة يحبونه ويتولونه "65. وبما أن السلف الصالح من الصحابة والتابعين جميعهم من أهل السنة المحضة، فقد أحبوا عليًا. لكن في إحدى مجادلاته مع الحلّي، يقول ابن تيمية: "ومعلوم أن الله قد جعل للصحابة مودة في قلب كل مسلم لا سيما الخلفاء رضي الله عنهم لا سيما أبو بكر وعمر؛ فإن عامة الصحابة والتابعين كانوا يودونهما وكانوا خير القرون. ولم يكن كذلك علي فإن كثيرًا من الصحابة والتابعين كانوا يبغضونه ويسبونه ويقاتلونه، وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما قد أبغضهما وسبهما الرافضة والنصيرية والغالية والإسماعيلية"66. وهكذا نجد أن بداية نص ابن تيمية هذا ونهايته متناقضتان. فهو يؤكد أولً أن "كل أهل السنة" هم من محبي الصحابة، ولا سيما الخلفاء الراشدين، ولكنه بعد ذلك، يقرّ هو نفسه أن من الصحابة ومن التابعين (أي من السلف) من يبغض عليًا ويسبه ويقاتله! فهل هؤلاء من أهل السنّة ومن السلف؟ أم ليسوا كذلك؟ وفي حين يصرح ابن تيمية بأنه لا يبغض أبا بكر وعمر غير طوائف مثل الإمامية والنصيرية ونحوها ممن يعدّهم ابن تيمية "مبتدعة"، نراه يثبت أن "كثيرًا من الصحابة والتابعين" من مبغضي عليّ! يثير هذا التناقض تساؤلات وغموضًا؛ فكيف يمكن أن يكون حب علي بن أبي طالب من ميزات "أهل السنة المحضة"، وفي الوقت نفسه يكون "كثير من الصحابة والتابعين من خير القرون"، من زمرة المبغضين والسابّين والمقاتلين لعلي؟ أهذا "الكثير" خارج من مصطلح أهل السنة المحضة، أم أن تعريف هذا المصطلح ومصاديقه من المتخيَّل، أم ربما يمكن الجمع بين حب علي وتولّيه، وبين بغضه وسبّه معًا؟ لذا، تواجِه استراتيجية ابن تيمية الجدلية تناقضًا جذريًّا، فإذا هو يأخذ بشماله ما أعطاه بيمينه.

  1. محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق محمد عبد السام إبراهيم، ج  1 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1991)، ص 23؛ ينظر: رائد السمهوري، السلف المتخيل: مقاربة تاريخية تحليلية في سلف المحنة، ط 2 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022)، ص.233
  2. السمهوري، السلف المتخيل، ص.235
  3. ابن تيمية، مجموع الفتاوی، ج  5، ص.553
  4. حرب بن إسماعيل الكرماني، مسائل حرب؛ من كتاب النكاح إلى نهاية الكتاب، تحقيق فايز بن أحمد بن حامد حابس، ج 3 (السعودية: جامعة أم القری، 2001)، ص.976
  5. أحمد بن حنبل، أصول السنة (الخرج، السعودية: دار المنار، 1990)، ص.54
  6. ابن تيمية، منهاج السنة، ج  6، ص.18
  7. المرجع نفسه، ج 7، ص.138–137

خاتمة

يسعى ابن تيمية في كتاباته إلى تقديم نظام فكري كامل وشامل لإسام الصحيح. ومن أجل إنشاء مثل هذا النظام، كان عليه أن يحيط بالمعقول والمنقول في أعلى مستوياتهما. ولذا، يستخدم ابن تيمية هذين العلمين في حججه ويعتقد أنه لا يوجد تعارض بين العقل والنقل، ويقول: "فإن التّناقض أول مقامات الفساد"67. لذلك، يبدو أن مشروع ابن تيمية الرئيس هو إنشاء نظام فكري صحيح خالٍ من التناقضات، وهو ما يسميه "منهج السلف"، أو "عقيدة السلف". يتهم ابن تيمية خصومه بالتورط في التناقضات، ولكنه في أعماله يقع فيها، رغم أنه يقرر أن الأمة فيها "خلقٌ عظيم وطوائف كثيرة [...] من أصناف أهل العلم والدين لايحصيهم إلا رب العالمين"، متناقضون68. ولكن كما قلنا في البداية، إن الغالبية المطلقة من أعمال ابن تيمية كُتبت في سياق الجدل والرد. لذلك اضطر في مجادلاته إلى تقديم أي حجة مفيدة لهزيمة خصومه. ولقد مكّنته موسوعيتُه، وذكاؤه المفرط، واطاعه الفريد بل النادر على أدلة أصول الفقه، وعلم الكام، والأحاديث والتاريخ، من استخدام استراتيجيات ضد خصومه بأفضل الطرائق. ومع ذلك، يبدو أنه لا يلتفت إلى أن هذه الاستراتيجيات قد تعمل ضده في مواقف أخرى وتجعله يقع في التناقض69. يساعدنا تحليل تناقضات ابن تيمية ودراستها في أن نشكك بجدية في ظاهرة تقديسه ومحاربة نقده، وهي ظاهرة يلتزم بها عموم السلفية المعاصرة بالفعل. لعله قد آن للتيارات الفكرية التي تعدّ ابن تيمية المرجع المطلق في تفسير الإسام إعادة التفكير النقدي والتأمل في تراثه70. وفي هذا البحث، ومن خال قراءة شاملة ومقارنة في أعماله، شرحنا خمسة أمثلة من استراتيجيات ابن تيمية الصانعة للتناقض، وحاولنا أن نفتح مسارًا جديدًا في مجال دراسات ابن تيمية وإعادة قراءة تراثه الضخم.

References

المراجع

العربية

ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم. الإخنائية أو الرد على الإخنائي. تحقيق أحمد بن مونس العنزي. الجدة: دار الخراز،.2000

_______. الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح. تحقيق علي بن حسن بن ناصر وعبد العزيز بن إبراهيم العسكر وحمدان بن محمد الحمدان. ج.3 ط 2. السعودية: دار العاصمة،.1999

_______. الرد علی السبكي في مسألة تعلیق الطلاق. تحقيق عبد الله بن محمد المزروع. ج  2. مكة المكرمة: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع،.2014

  1. ابن تيمية، مجموع الفتاوی، ج  6، ص.389
  2. ابن تيمية، بيان تلبيس الجهمية، ج  5، ص.384
  3. وربما يعلم هذا ولكن يتجاهله.
  4. ابن تيمية يقبل ضمنيًا أنه هو نفسه ربما يقع في تناقض، حين يقول: "وقد ثبت أن التناقض واقع من كل عالم غير النبيين." ينظر: ابن تيمية، مجموع الفتاوی، ج  29، ص.42

_______. الفتاوی الكبری. تحقيق وتعليق وتقديم محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا. ج 5. بيروت: دار الكتب العلمية،.1987

_______. المستدرك على مجموع الفتاوى. جمعه وترتيب محمد بن عبد الرحمن بن قاس. ج. 1 الرياض: نشرة المحقق،.1977

_______. بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية. ج  2. المدينة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف،.2005

_______. جامع الفصول. جمع وتحقيق عبد الله بن علي السليمان آل غَيهب. ج  1. الرياض: دار أطلس الخضراء،.2020

_______. جامع المسائل. تحقيق محمد عزير شمس. ج  4. مكة: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع، _______. رفع الملام عن الأئمة الأعلام. الرياض: الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد،.1983

_______. مجموع الفتاوی. جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم وساعده ابنه محمد. ج 18. المدينة النبوية: مجمع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود،.1995 _______. منهاج السنة النبوية. تحقيق محمد رشاد سالم. ج.3 الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسامية،.1986

ابن حجر العسقاني، أحمد بن علي. فتح الباري شرح صحيح البخاري. إخراج وتصحيح وإشراف محب الدين الخطيب. ج 9. بيروت: دار المعرفة،.1959

ابن حنبل، أحمد. أصول السنة. السعودية: دار المنار،.1990

_______. مسائل الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل رواية ابن هانئ. تحقيق أبو عمر محمّد بن علي الأزهري. القاهرة: دار الفاروق الحديثة للطباعة والنشر،.2013

ابن عبد الهادي، محمد بن أحمد. العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية. تحقيق محمد حامد الفقي. بيروت: دار الكاتب العربي، [د. ت.].

ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر. إعلام الموقعين عن رب العالمين. تحقيق محمد عبد السام إبراهيم. ج 1. بيروت: دار الكتب العلمية،.1991

أبو زَهرة، محمد. ابن تيمية: حياته وعصره – آراؤه وفقهه. القاهرة: دار الفكر العربي،.1991

الأثرم، أبو بكر. سؤالات أبى بكر الأثرم لأحمد بن حنبل ويليه مرويات الأثرم عن أحمد بن حنبل. جمع وتحقيق أبو عمر محمّد بن علي الأزهري. القاهرة: الفاروق الحدیثة للطباعة والنشر،.2007

بيروت: مؤسسة الرسالة،.1997

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2022

_______. نقد الخطاب السلفي؛ ابن تيمية نموذجًا. لندن: دار طوی،.2010

دار الكتب العلمية،.1993

القاسمي، جمال الدين. تاريخ الجهمية والمعتزلة. بيروت: مؤسسة الرسالة،.1979

بن حامد حابس. ج.3 السعودية: جامعة أم القری،.2001

الأجنبية

الرازي، فخر الدين. المحصول في الأصول. دراسة وتحقيق طه جابر فياض العلواني. ج  4. ط.3 السبكي، تقي الدين علي بن عبد الكافي. الدرة المضية في الرد علی ابن تيمية. دمشق: مطبعة الترقي، السمهوري، رائد. السلف المتخيل: مقاربة تاريخية تحليلية في سلف المحنة. ط  2. الدوحة/ بيروت: الشهرزوري، ابن الصاح. معرفة أنواع علوم الحديث. تحقيق نور الدين عتر. دمشق: دار الفكر،.1986 الغزالي، أبو حامد. المستصفى في علم أصول الفقه. تحقيق محمد عبد السام عبد الشافي. بيروت: الكرماني، حرب بن إسماعيل. مسائل حرب؛ من كتاب النكاح إلى نهاية الكتاب. تحقيق فايز بن أحمد

Hoover, Jon. Ibn Taymiyya; Makers of the Muslim World. London: Oneworld Academic,

Shahab, Ahmed et al. (eds.). Ibn Taymiyya and His Times. Karachi/ New York: Oxford

University Press, 2010.