الثقافة السياسية: ملاحظات عامة
Political Culture: General Remarks
الملخّص
تبدأ هذه الدراسة بتقديم مفهوم الثقافة السياسة وظروف نشوئه، بغية التأسيس لعدة قضايا ملحّة في ميدان الثقافة السياسية. الأولى أنه لا علاقة ضرورية بين طبيعة نظام الحكم والثقافة السياسية في بلد ما، والثانية أنه لا يمكن اشتقاق الثقافة السياسية من الثقافة عمومًا، والثالثة أن هناك شكوكًا في استنتاج الممارسة السياسية من الثقافة السياسية مباشرة، والرابعة أن الثقافة السياسية للنخب السياسية ذات أثر لا يجوز تجاهله في مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية. وتتطرق الدراسة في بدايتها إلى "الثقافة المدنية"، مشددةً على أنها تنمو في ظل الديمقراطية ، وعلى أن وظيفتها من المنظور البنائي - الوظيفي هي الحفاظ على استقرار النظام الديمقراطي. وتميز نسبيًا بين الثقافة المدنية، بوصفها مجموعة مواقف وتوجهات سلوكية Attitudes، والإيمان بالقيم الديمقراطية الليبرالية. وتتناول الصراع على "الأخلاق العمومية" بوصفها ذات تأثير في السياسة لا يقل أهمية عن أهمية الثقافة السياسية، بل قد يزيد. وترى الدراسة أن ثمة علاقة بين تحالف دول غربية ديمقراطية مع دكتاتوريات موالية في حقبة الحرب الباردة ونشوء نظريات تربط طبيعة نظام الحكم بالثقافة السائدة. ووصل الأمر إلى حد تبني مقاربات غير تاريخية، تنطلق ضمنًا من فكرة وجود جوهر ثابت لثقافات الشعوب. وتجادل الدراسة بأنه لا صحة للادعاء بأن النظام السياسي الديمقراطي ينشأ على أساس ثقافة سياسية ديمقراطية، إذ لا يتاح للثقافة الديمقراطية أن تنمو إلا في ظل الديمقراطية، وأن القول بوجود ثقافة ديمقراطية سابقة على نشوء نظام ديمقراطي مجرد فكرة متخيلة يدحضها التاريخ، من دون أن يقلل ذلك من أهمية توافق النخب على الالتزام بالخيار الديمقراطي شرطًا أساسيًا في أوقات الانتقال الديمقراطي.
Abstract
Abstract: This study begins by introducing the concept of political culture and the circumstances in which it came about, in preparation for a discussion of several related issues: first, that there is no necessary relationship between a given country’s system of governance and political culture; second, that political culture cannot
- الثقافة السياسية
- الثقافة المدنية
- الانتقال السياسي
- الديمقراطية
- الأخلاق العمومية
- السلوك السياسي
- Political Culture
- Civic Culture
- Political Transition
- Democracy
- Public Ethics
- Attitudes
be derived from culture at large; third, that it is dubious to infer political praxis directly from political culture; and fourth, that the political culture of influential elites is not to be overlooked during the democratic transition phase. The study addresses civic culture, emphasizing that it emerges under democracies with the purpose of maintaining the democratic system’s stability from a functional and structural perspective. The author draws a relative distinction between civic culture as a set of attitudes and attachment to liberal democratic values, then discusses the conflict over public ethics: an issue with as important an impact on politics as (if not more important than) political culture. The study argues that Western democracies forming alliances with dictatorships during the Cold War is related to the emergence of theories that associate a country’s system of governance with its mainstream culture, to such an extent that ahistorical approaches that imply that the culture of a people has a fixed essence began to appear. Because democratic political culture can only develop under democracies, there is no truth to the claim that democracies must be established on the basis of such a culture; indeed, the notion of democratic culture taking hold prior to the establishment of the democratic system is no more than a historically inconsistent illusion. Still, none of this detracts from the importance of the basic precondition that elites agree to commit to the democratic option during transition.
أولا: عن مسألة الثقافة المدنية
بات من الأمور المتفق عليها أن النقاش في المرحلة المعاصرة حول الثقافة السياسية قد افتتح مع مشروع الثقافة المدنية لغابرييل ألموند (2002–1911)، وسيدني فيربا (2019–1932). وقد عرّف فيربا الثقافة السياسية بأنها منظومة المعتقدات والرموز التعبيرية، والقيم التي يجري في ظلها النشاط السياسي، أو تشكل خلفيةً له1. وكتب ألموند قبل ذلك، أن "كل نظام سياسي محتضن embedded في نمطٍ معين من التوجهات إلى الفعل السياسي. وقد وجدت من المفيد أن أسمي ذلك ثقافة سياسية"2. ومنذ أن صدر كتابهما المشترك عن الثقافة المدنية (1963)، يتفق الباحثون على صيغة تعريفية للثقافة السياسية باعتبارها تلك القيم والمواقف والتوجهات التي تعزز نظامًا سياسيًا، ومنظومةً من المؤسسات السياسية أو تضعفها، ويهتم الباحثون فيها بتوزيع أنماط التوجهات السياسية، والسلوك تجاه النظام السياسي ومركباته المتعددة، والمواقف من دور الفرد أو المواطن في هذا النظام3.
وبعد ما يقارب العقدين على صدور كتاب عن الثقافة المدنية، ذهب فيربا إلى أن دراسته حول الثقافة السياسية مع ألموند، لا تشكل نظرية "بل محاولة لطرح معادلات، وتأسيس عاقات يعتبرها مهمة بين معتقدات الأفراد، وقيمهم ومواقفهم تجاه نظام سياسي من جهة، وإثبات هذا النظام واستقراره من جهة أخرى" ويرى فيربا أن الدراسة شكلت نجاحًا نسبيًا في تجميع المواد وتصنيفها وتشخيص الثقافة السياسية، لكنه يقول أيضًا إن تأسيس العاقة بين الظاهرتين4 كان مشدودًا ومتوترًا بعض الشيء، أي مفروضًا عليهما5. لا تكاد توجد مدرسة في الفلسفة منذ القدم، أو في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم النفس حديثًا، إلا وأولت القيم والتوجهات الإنسانية السلوكية اهتمامها، وإن كان ذلك بتعابير ومصطلحات مختلفة. وعمومًا كانت الثقافة تحدد بتشخيص الأعراف، والمؤسسات والأخاق الاجتماعية، التي تؤثر في سلوك الأفراد، من دون أن يفكروا فيها انعكاسيًا. ومنذ أن انتقد يوهان هردر Herder Johann –1744(1803) تحميل مونتسكيو Montesquieu (1755–1689)، وحتى جيامباتيستا فيكو Giambattista Vico (1744–1668)، ثقافات الشعوب على الإقليم، الذي يعيش فيه كل شعب، ولا سيما بيئته الطبيعية ومناخه، قطع البحث في الثقافة أشواطًا بعيدة، متجاوزًا هيردر عبر نقد دراساته في الثقافة. وقد برز الجديد الذي نتناوله تحت هذه التسمية في خمسينيات القرن الماضي، حينما تأسس البحث في هذه المجالات بمنهج علمي وضعي، بحيث توضح المفاهيم، لكي تبنى فرضيات، يمكن فحصها بالتجربة انطاقًا من وقائع، مثل الأفراد وتوجهاتهم، لا من ثقافة مفترضة مسبقًا للشعب كله، ولا من موجودات يعدّها المنهج الوضعي ميتافيزيقية، مثل القيم المتموضعة في مؤسسات اجتماعية. ربما دلَّ أوغست كونت Comte Auguste (1857–1798) على هذا الاتجاه من قبل، في محاولته تأسيس علم وضعي في المجتمع، ولكن التقاء النظرية السلوكية مع البنائية الوظيفية، في علم السياسة وعلم الاجتماع، والسلوكية في علم النفس الاجتماعي، هو ما شق هذا الطريق، وسار عليه. كان المنهج الذي انطلق من وضع تعريف للثقافة السياسية وأنواعها، ثم تشغيل Operating هذه المفاهيم، من خال بناء فرضيات قابلة للإثبات والدحض إمبريقيا، ثمرة تبني علم السياسة للسلوكية. وموضوع البحث القابل للفحص الإمبريقي هو عاقة الأفراد ب "الأشياء السياسية" Objects Political. وبموجب هذا المنهج وفرضيات أصحابه، تتألف توجهات الأفراد إلى الأشياء السياسية من ثاثة مكونات: الإدراكي، والشعوري/ الانفعالي، والتقييمي6. أما الأشياء السياسية فهي أربعة: النظام
السياسي بصورة عامة، والأدوار والبنى التي يتشكل منها هذا النظام، وشاغلو المناصب فيه، والسياسات الحكومية. وصنفت توجهات الأفراد إلى "الأشياء السياسية" في ثاثة أنماط: الثقافة المحلّوية التقليدية Parochial، وثقافة الرعية (المائمة لنظام سلطوي)، والمشاركة. والأخيرة هي الثقافة المدنية المواطنية الأكثر ماءمة للنظام الديمقراطي. وتتميز الثقافة المدنية، وفق هذه المقاربة، بما يلي: التعويل على الدور الناشط للذات في النظام السياسي، والقناعة بأهمية المشاركة السياسية وتأثيرها، والقبول بالقانون ومراقبته، والميل إلى المشاركة في توجيه السلطة السياسية7. أثناء قراءة هذه المميزات يخطر بالبال أمران: الأول التشابه مع ما يسميه الجمهورانيون Republicanism الفضائل المدنية أو الفضائل المواطنية Virtues Civic، والثاني أن هذه المميزات لا يمكن أن تنشأ في ظل نظام سلطوي مستبد. ونجمت عن هذا التوجه، والدراسات الاحقة الكثيرة، مسوح استطاعية، تهدف إلى استخاص المواقف من المستجيبين مصوغةً لفظيًا، وغالبًا ما يقوم الباحثون بصياغتها. وتكفي الإجابة عنها بنعم أو لا، أو الامتناع (بصيغة لا أدري، أو أرفض الإجابة). وبعد تجميع المعلومات تُفرَز إلى فئات تمثل أنماطًا من التوجهات. في البداية، دُرِست الثقافة السياسية في إيطاليا وألمانيا، للتثبت من توافر عناصر دوامها في ظل الديمقراطية، بعد الانتصار على النازية والفاشية، ولاستبعاد خطر وصول قوى تحمل أيديولوجيات شمولية إلى الحكم من خال التعددية الديمقراطية، كما حصل في ألمانيا في ثاثينيات القرن الماضي (سقوط جمهورية فايمار Republik Weimarer)، كما دُرِست الثقافة في المجتمعات الأوروبية، في ظل الشيوعية ومدى مقاومتها أو تكيفها معها. لنأخذ مثاًالنتائج التي توصل إليها ألموند وفيربا، من فحص مدى توافر ثقافة مدنية أو مواطنية، والتي تفيد بأن هذه الثقافة منتشرة فقط في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، من بين البلدان الخمسة التي شكلت ميدان البحث. هل نجمت هذه الثقافة السياسية المدنية عن العيش في ظل نظام ليبرالي ديمقراطي لفترة طويلة، أم أن وجودها هو أساس استمرار النظام طوال هذه الفترة؟ وهل أضعف غيابها النظام الديمقراطي في ألمانيا وإيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية؟ لا نعرف. ولكننا نعرف أن غيابها المفترض لم يقوض هذين النظامين اللذين حافظت عليهما عوامل أخرى، كما يبدو، إلى أن نشأت فيهما ثقافة مدنية وفق التعريف المشار إليه. ماذا تعني ماءمة ثقافة سياسية ما لنظام سياسي معيّن Compatibility, Congruence؟ وكيف تتحول إلى مساندة استقرار هذا النظام؟ نظر الباحثان إلى الأمر من زاوية النظرية الوظيفية – البنائية، التي تبحث في أي وظيفة اجتماعية، من منطلق دورها في حفظ توازن المنظومة كاملة. وتتلخص وظيفة الثقافة المدنية من هذ المنظور في توسط التناقضات والتوترات في النظام الديمقراطي، ولا سيما التوتر بين سلطة الحكومة، ونجاعتها وقابليتها للمحاسبة.
والمواطن الذي يحمل هذه الثقافة، هو مواطن مهتم بشؤونه مثل حامل الثقافة المحلية، وهو مطيع للقوانين مثل حامل ثقافة الرعية المميزة للنظام السلطوي، ولكنه مواطن جاهز للمشاركة السياسية ومحاسبة الحكومة، بما يسهم في إبقائها تحت الرقابة الشعبية8. ثقافة المحلوية والرعية ليست قائمة بذاتها. بل إن الابتعاد عن السياسة، حين يلزم، وطاعة القوانين، جزء من ثقافة المواطن المشارك. فالتعبئة المستمرة والمشاركة المفرطة ليستا مساندةً للديمقراطية وتوتر النظام. ولكن المطلوب ليس المشاركة في الانتخابات فحسب، وترك البقية على المنتخَبين، بل أيضًا المشاركة في اتحادات وهيئات مدنية، وفي الرقابة على الحكومة، وفي السلطات المحلية والبلديات. ومنذ أن انشغلت بموضوع الثقافة السياسية، اقترحت مقاربات علم النفس الاجتماعي للموضوع أن استقرار النظم السياسية يعتمد على تاؤم القيم السياسية السائدة مع الممارسات المؤسسية9، كما كتب نوريس وإنجلهارت. وتشكّل التراجعات التي تعرضت لها الديمقراطية الليبرالية في عدد من دول العالم، خال العقدين الثاني والثالث من القرن الحادي والعشرين، مادةً مهمة لمراجعة موضوع الثقافة السياسية. فمن الواضح أن الشعبوية تمثل عقدة مهمة تتشابك فيها العوامل السياسية والاجتماعية والثقافية. وهي تتضمن تغيّرًا في مواقف من يتبنون الخطاب الشعبوي، والمتأثرين بخطابهم المعرضين لدعايتهم، من مؤسسات النظام الديمقراطي باتجاه تراجع الثقة بها، والموقف السلبي من النخب السياسية، ومن حقوق الأقليات. وكلها عناصر في الثقافة المدنية. ويطرح السؤال المهم وهو: هل تؤثر السياسات الشعوبية في مواقف غالبية الناس، لا من المؤسسات القائمة والنخب السياسية، فحسب، بل أيضًا من مركزية قيم ديمقراطية ليبرالية أساسية مثل حرية التعبير، والحريات المدنية الأخرى، واحترام التعددية السياسية، واحترام استقال القضاء؟10 هنا يبرز تمييز بين الثقافة المدنية والقيم الديمقراطية الأساسية. فيمكن أن تبقى هذه القيم سائدة، على الرغم من الموقف السلبي من النخب وعدم الثقة بالمؤسسات، إذ قد يسود اعتقاد أن هذه المؤسسات والنخب لا تطبق هذه القيم، ومن ثم فالموقف منها سلبي على مستوى الثقافة المدنية، على الرغم من التمسك بقيم الديمقراطية الليبرالية. ولكن التمايز ليس بين متغيرات منفصلة، بل متفاعلة، وتتبادل التأثير والتأثر. فمثا، تبين التجربة التاريخية أن وصول قيادات شعبوية إلى الحكم، على خلفية عدم ثقة أوساط واسعة من الجمهور بالمؤسسات الديمقراطية والنخب السياسية، يجعل هذه الأوساط أكثر تعرضًا للدعاية التي تهمّش القيم الديمقراطية أيضًا. وهنا يصبح رسوخ المؤسسات وتمسك فئات واسعة نسبيًا، من النخبة والجمهور والعاملين في مؤسسات الدولة، بالديمقراطية الليبرالية وقيمها الأساسية عوامل حاسمة. تتولد الثقافة السياسية المائمة للديمقراطية من استغال الإمكانيات القائمة في النظام الديمقراطي، مثل حرية التعبير والمشاركة السياسية، والممارسات التي يشجع عليها هذا النظام. وهي تصبح مهمة
في الحفاظ عليه، حين يمر بأزمات اقتصادية واجتماعية حادة وحروب، وقد تشكل تهديدًا وجوديًا. ووجود ثقافة مواطنية منتشرة مساندة للديمقراطية يحبط، هو والمؤسسات الراسخة معًا، محاولات قوى معادية للديمقراطية استغال الأزمات لانقاب على النظام باستخدام آلياته ذاتها. تتألف الثقافة السياسية السائدة من المعايير الاجتماعية بشأن القضايا العمومية، وأيضًا من معارف الناس وآرائهم عن الدولة والسلطة والتراتبية الاجتماعية والسياسية، والولاء، والحقوق والواجبات، وغيرها. ويمكن استقراؤها من استطاع مواقف البشر، سواء أكان ذلك عبر استمارة من الأسئلة الموجهة إلى عينة مختارة من السكان، أو ربما، حاضرًا ومستقبا، في سبر وسائل التواصل الاجتماعي بعد تجميع البيانات الضخمة والفلترة والتصنيف؛ كل هذا من دون أن نفترض عاقةً سببية بين القيم والتوجهات من جهة، والممارسة السياسية (بما في ذلك اتخاذ المواقف عمليًا وعلنيًا) من جهة أخرى، وهما بُعدا الثقافة السياسية. لن أدخل الآن في الصعوبة الهائلة التي تمثلها وسائل التواصل الاجتماعي، بوصفها مصدرًا عن الثقافة السياسية، وذلك بسبب اختاط الإدراك والمواقف الانفعالية والتقييم فيها على نحو غير مسبوق، والاستعراضية التي تؤثر في صياغة المواقف لنيل الإعجاب، والتضخيم والمبالغة اللذين يشمان أي موقف يرغب في لفت الانتباه، والامتثال للأكثرية التي تتشكل داخل جماعات صغيرة تتشارك التوجهات نفسها، والخوف والصمت وتجنب إبداء الموقف السياسي بسبب الإرهاب اللفظي، أو العكس، أي التطرف في إبدائه تحديًا؛ ما يعرقل تشخيص التوجهات على نطاق أوسع، فضا عن السيل غير المنقطع من المعلومات والشائعات وحمات الترويج التي تشكل أدلة، سواء أكانت صحيحة أم مغلوطة، يمكنها أن تسند أي رأي.
ثانيًا: الثقافة والانتقال من المواقف إلى السلوك السياسي
لا تتطابق الثقافة السياسية مع ثقافة الشعب عمومًا، ولكنها ليست مستقلة عنها. فهي تستند إلى سياقات وعاقات، يطلق عليها في مجتمعاتنا تسميات مختلفة، مثل عادات الشعب و"أعرافه" ومعتقداته الرائجة؛ وتتضمن المستحسن والمقبول والمكروه اجتماعيًا، والحال والحرام الاجتماعي، الذي قد يتقاطع مع الديني، وقيم الحرية والولاء للجماعة، وقيمة المساواة والموقف من الامتيازات بالولادة، والموقف الرائج من الاستقالية الفردية، ومدى رواج الشعور بالواجب تجاه الأفراد والجماعة والوطن، وكل ما سماه توكفيل "الحالة الأخاقية والفكرية للشعب كله"، وأيضًا "عادات القلوب والعقول"11.
إنها الأعراف السائدة وأساسها القيمي في الأخاق العمومية المتميزة من الأخاق الفردية، أو ما سماه هيغل Sittlichkeit بتمييزه من Moralität12. ليست هذه هي الثقافة السياسية، بل ما يفترض هو أن جوانب منها تؤثر في التوجهات السياسية للأفراد، ويمكن أن تسمى ثقافةً سياسية. وفق الكثير من المحللين، يمكن أن تؤثر الثقافة السائدة عمومًا، أي ثقافة شعب بأكمله، أو ثقافته السياسية، مباشرةً في تكريس النظم السياسية السلطوية. وهذا ما لا أتفق معه لأسباب كثيرة: 1– لا يحمل شعب بأكمله ثقافة سياسية واحدة متجانسة. 2– إن ربط طبيعة نظام الحكم بالثقافة تفسيري محض، فمن الصعب إثبات وجود عاقة سببية واضحة بينهما. وما يجري عادةً هو ربط الباحث نظام حكمٍ قائم بثقافة مستقرأة من المسوح والاستطاعات أو من التحليل التأويلي للثقافة السائدة. 3– قد يضمر هذا التفسير، من دون أن يفصح، مشاركةً ما للشعب في السياسة، غير أنه غالبًا ما يقصى الشعب الذي يعيش تحت وطأة السلطوية عن السياسة أصا. 4– تنظم القيم والعادات الاجتماعية عاقات الناس ضمن الجماعة أو المجتمع عمومًا. أما طبيعة عاقة الفرد والجماعة بالدولة الحديثة فغالبًا ما تفرضها الدولة، وتحدد قواعدها إذا حصل التاقي المباشر بينهما، مع تسجيل تحفظٍ مفادُه أن مؤسسات الدولة الحديثة تتأثر بشدة بالمؤسسات الاجتماعية التقليدية في حالة ضعف الدولة في مقابلها. 5– لا يمكن فهم تأثير قيم وأعراف اجتماعية تُعدّ عناصر مكونة للثقافة السياسية في السلوك السياسي، إلا من خال فهم تفاعلها مع الظروف والمصالح، بما في ذلك تأثرها بها وبالنظام السياسي القائم وسياساته13. ولكن ألا يعمل أي نظام سلطوي، من خال مناهج التعليم والدعاية الإعامية وفرض إعان الولاء بالتخويف والإرهاب وعاقات الزبونية والاستزبان، على خلق ثقافة سياسية مائمة له؟ بالتأكيد. وقد تنتشر هذه الثقافة على المستوى الشعبي. ولا بد من وجود أوساط متحررة منها لكي تقود النضال من أجل الديمقراطية. ثمة عاقة متبادلة بين الأخاق الاجتماعية والأعراف والمؤسسات الاجتماعية، إذ تؤثر المؤسسات أيضًا في الأخاق والأعراف العمومية، وتسهم في إعادة تشكيلها. العاقة السببية في حالة الظواهر الاجتماعية المركبة ليست عاقة في اتجاه واحد، بل هي عبارة عن عملية تفاعل. يصح أن نرفض فكرة جوهرٍ ثابت لثقافة أي شعب رفضًا قاطعًا، وأن ندحض أي فكرة مفادها أن الثقافة كلٌّ عضوي واحد يتمثل في جميع أجزائه، بحيث يمكن استخاص الكل من معاينة الجزء. ف وجود لشيفرة أو طلسم جيني DNA لثقافة شعب ما. لكن لا يصح أن ننكر وجود ثقافة لمجتمع ما في زمان ومكان محددَين. إن التسليم بوجود ثقافة كهذه؛ في مركزها لغة معينة، وربما دين واحد، وحولهما تراث مكتوب وآخر شفوي، وأرموزات كثيفة المعاني، وفنون عمارة وأساليب حياة وغير ذلك، لا يعني أن في قلب هذه
الثقافة جوهرًا أخاقيًا واحدًا، ولا أنها وحدة متجانسة في الحاضر، أو ثابتة عبر التاريخ، ولا أنها هي نفسها موزعة بين الفئات الاجتماعية المختلفة. ومن نافل القول إن ثقافة أي شعب ليست متجانسة ولا خالية من الصراعات والتناقضات والتوترات القيمية. وربما يمكن إجرائيًا، لغرض البحث، أن نفرّع منها ثقافةً سياسيةً. ولكن هذه الثقافة السياسية لا تتولد من جوهر ثقافي ما، بل من أن الناس بثقافاتهم المتنوعة ضمن الثقافة نفسها يتفاعلون بطرائق مختلفة مع الأوضاع الاجتماعية والسياسية السائدة. ويستحيل أن ينجم عن ذلك ثقافة سياسية واحدة متجانسة. وحتى حينما نستنتج انتشار ثقافة سياسية من نوع محدد – وذلك بتحديدها بناء على تعريف مسبق يضعه الباحث، وتصنيفها بناء على معايير محددة سلفًا، بوصفها مساندة أو معيقة للديمقراطية، مساندة أو معيقة للسلطوية، ثم التحقق من وجودها لدى شعب معين أو فئة سكانية محددة بالتحليل الكمي الاستقصائي أو بالتأويل النصي والسيميائي، أو بتحليل التوجهات الرائجة على وسائل التواصل بافتراض تخطي الصعوبات المنهجية – فإننا لا نستطيع إثبات عاقة ما بين مجمل أفعال الناس وثقافتهم السياسية هذه، ولا سيما في الحياة اليومية. فسلوك الناس في حياتهم اليومية ليس حصيلة توجهاتهم المصنفة ضمن ثقافة سياسية محددة، بل هو نتاج أمور كثيرة مثل العادة، وتأمين سبل العيش، والخوف على النفس والعائلة، وحساب المصالح، والاهتمام بالطقوس الاجتماعية التي تضمن الانتماء إلى جماعة، والرغبة في إرضاء الآخرين، وكسب الاعتراف، وتحسين المكانة الاجتماعية، والحب والانتماء. وغالبيتها أمور غير مرتبطةٍ بثقافة محددة لشعب من الشعوب، إذ نجدها عند جميع الشعوب بمقادير ونسب مختلفة. لا أنفي تأثر السلوك السياسي لفئات من السكان بالقيم والتوجهات والمواقف، تلك التي يمكن استخاصها بتأويل مظاهر تعبيرية، أو تحليل الخطاب، أو جمعها وفرزها في استطاع. ولكن سلوك هذه الفئات السياسي يؤثر أيضًا في مواقفها ويعدلها. فليست العاقة السببية في اتجاه واحد. ومن ناحية أخرى، لا تنقسم توجهات الناس بين متحمس للنظام السياسي القائم، أو امتثالي طائع له، أو مقاوم ضده، إذ يمكن أن لا تكون تلك التوجهات إلا مجرد تكيُّف مع المحيط. والموقف القائل إن الإنسان حر الإرادة، ومخير لا مسير، وإن قراراته الأخاقية وممارساته ناجمة عن إرادة حرة في مواجهة خيارات متعددة، هو في ذاته ليس تحليا فلسفيًا لماهية الإنسان، بوصفه كائنًا حر الإرادة (وباعتبار الحرية شرط الحكم الأخاقي، وهو الشرط الإنساني الذي يميزه من غيره من الكائنات)، فحسب، بل يتضمن أيضًا حكمًا أخاقيًا لما يجب أن يكون عليه الإنسان، إذ يرمي إلى التقاء الإنسان الفرد في مجتمعنا مع مفهومنا عن الإنسان. تختلط هنا أفعال مثل "ينبغي" و"يجب" مع أفعال مثل "يوجد" أو "يكون". الحرية هي مكون رئيس في مفهوم الإنسان إلى جانب شرطيها: الوعي والأخاق، والمكونات الثاثة متفاعلة. ولكن الحرية كامنة في الواقع كإمكانية في نفوس الأفراد. وتتحول من الإمكان إلى الفعل في وعي حرية الإرادة وممارستها بتفاعل مع ظروف اجتماعية وثقافية، ووفق مستويات مختلفة من تطور الحس الأخاقي. وحبذا لو ننتبه لاختاط هذه العناصر في فهمنا
للإنسان. ومن نافل القول، إن توافر حريات مدنية سياسية واجتماعية، يسهل انتقال حرية الاختيار من الإمكان إلى الفعل. يقوم الناس بأعمالهم الخاصة بناء على إدراكات ومشاعر ورغبات، وكذلك بناء على تسويات بين الرغبات والإمكانيات. وحينما يتعلق الأمر بالشؤون العامة، قد يحيّد أفرادٌ عينيون حرية الإرادة، بتجنب الخيارات، وذلك بالتصرف وفقًا للعادة، أي القصور الذاتي والاستمرارية من دون تفكير انعكاسي فيها، والتكيف مع الأوضاع القائمة، وحساب الربح والخسارة، وحساب المصالح. هنا قد يعلّق الفيلسوف الأخاقي قائا: ولكن التهرب من الخيارات، وتجنب القرار، هو في ذاته قرار حر، إنه فعل ذو طابع قيمي، يمكننا الحكم عليه. وهذا صحيح موضوعيًا. أما ذاتيًا، من وجهة نظر الفرد العيني، فهذا غير صحيح. نعم، لقد أجاب عن سؤال في استطاع. أما في حياته اليومية، فربما لا تشغله هذه الأمور، بل أمور أخرى معيشية أهمّ بالنسبة إليه. وإذا ألح الباحث عليه لكي يعترف بأنه تجنب اتخاذ موقف بناء على قناعاته، وأنه في الحقيقة فضّل حساباته على موقفه الأخاقي، وأن هذا ذاتَه موقف أخاقي، فربما يعترف قائا إنه أجرى هذا التفضيل – ولتُسمِّه قرارًا أخاقيًا إذا شئت – أو يصرح أن سلوكه هو الذي يعبر عن قناعاته الحقيقية وليس إجاباته السابقة، أو أن السياسة غير مهمة، أو أنه يدرك عجزه عن التأثير، أو أن السياسة كلها مصالح، ولا فرق بين تيار وآخر، أو لأن الاستقرار الاجتماعي والسياسي هو الأفضل، أو ببساطة لأن الظروف أقوى منه، وغير ذلك. لا حدود لآليات التبرير التي قد تتحول إلى قناعات فعا. كما أن الفعل أو عدم الفعل، الإقدام أو القعود، يؤثران في صاحبهما، وقد يعدّل قناعاته لكي تتاءم مع فعله أو عدمِه. فهل نستنتج من ذلك أن هذه ثقافة مائمة للسلطوية؟ ربما. ولكنها ليست عائقًا أمام بناء الديمقراطية كما سنرى. ليس الإنسان الفرد بطا ملحميًا ينتقل في حياته اليومية من قرار مصيري إلى آخر، في مواجهة الأوضاع الاجتماعية والسياسية السائدة. لا شك في أن كثيرًا من الناس يتصرفون بموجب قناعاتهم، أو يائمونها لتصرفاتهم. ثمة حالات دراماتيكية أو مفصلية يندفع فيها الإنسان إلى اتخاذ قرارات، والقيام بخطوات ذات عاقة بالشأن العام بموجب قناعاته، مثل التعبير عنها بصوت عال أو المشاركة على نحو أكثر فاعلية. وقد يكون أكثر استجابة للقبول بتحدي الخيارات حين يكون الوازع الأخاقي عنده قويًا، أو عند المس بكرامته، أو عند الإحساس العميق بالغبن، أو حين يقتنع بوجود عاقة بين الموقف والفعل والمصلحة. ويزداد احتمال تعرض الإنسان العادي لمثل هذه الخيارات في حالات درامية مثل الأزمات، أو الثورات والتحولات الكبرى في نظام الحكم التي قد تؤثر في مصيره الشخصي أو مصير عائلته، أو حين يشعر بأن نظام الحكم القائم ضعيف وعلى وشك أن يتغير، فيمكنه اتخاذ موقف من دون خوف من السلطات القائمة. أما النخب الأكثر تأثيرًا وتأثرًا بالظروف السياسية من حيث وعيها، والتي نسميها نخبًا سياسية بغض النظر عن موقعها الطبقي، فيفترض أن تكون معرضة لمواجهة هذه الخيارات أكثر من غيرها بسبب مواجهتها اليومية للمعضات، وتوقع الناس القرارات والخطوات منها تحديدًا. كما أن توجهاتها
ومواقفها ومدى التزامها بها، هي الأكثر وزنًا وأهمية في الظروف العادية التي لا تشهد اندفاع الناس أفواجًا إلى المشاركة السياسية. من المجازفة الادعاء أن المواقف والقيم (المستقرأة وفق منهجٍ كمي ما)، والمعاني الثقافية (المستخلصة وفق منهج التأويل)، تولد سلوكًا سياسيًا ذا أثر على المستوى الماكروسياسي، كما كتب ستيفن ويلش. وأتفق معه في ذلك. ف عاقة ضرورية بين التوجهات السلوكية والمواقف والفعل14، إلا إذا كانت القيم والتوجهات الثقافية السياسية التي يفسر بها السلوك مستخلصة من السلوك ذاته، وحينئذٍ لا معنى له، لأنه عبارة عن تفسير دائري. أما إذا كانت مستخلصة بالتأويل السيميائي أو بمناهج أنثروبولوجية أخرى من الممارسة الاجتماعية عمومًا، وليس من الممارسة السياسية، فعندئذٍ يبقى السؤال عن صحة العاقة السببية قائمًا. وفي جميع الأحوال، يمكن رفض وجود عاقة ضرورية بين طبيعة نظام الحكم والثقافة السائدة في بلد ما. ولكن هذا لا يعني التخلي عن محاولة فهم الثقافة السياسية بتطوير نظري لمفهومها، لأنها عامل قائم وموجود15. فهو، في نظري، قائم في سلوك السياسيين والنخب السياسية عمومًا على الأقل، إلى جانب عوامل أخرى مثل المصالح الاقتصادية والصراع على السلطة. هذا إضافة إلى أن كيفية إدارة هذه المصالح والصراعات تتأثر بالثقافة السياسية للنخب.
ثالثًا: دعوة إلى الانتباه إلى مسألة الأخلاق العمومية
هنا أود تسجيل ماحظة. فبعد دحض اشتقاق الثقافة السياسية من الثقافة عمومًا، والتشكيك في استنتاج الممارسة السياسية من الثقافة السياسية مباشرة، تجدر الإشارة إلى أن تركيز النقاش على مفهوم الثقافة السياسية (على أهميتها في حالة النخبة السياسية في المراحل الانتقالية كما سنبيّن)، قد يشغلنا عن جوانب مهمة في الثقافة القائمة، قد تكون مؤثرة في حياة الناس بدرجة لا تقل عن تأثير السياسة؛ ومن ثم فهي تعود وتؤثر في السياسة أيضًا، مع أنها ليست معرّفة ضمن مفهوم الثقافة السياسية، أي التوجهات إلى نمط معين من السلوك السياسي. وأقصد بذلك الأخاق العمومية المتعلقة بالأخاق ومعايير السلوك في الفضاء العمومي. والحكم السلطوي في الدولة الحديثة لا يتسبب في تشويه الثقافة السياسية فحسب، بل يشوه أيضًا الأخاق العمومية، ولا سيما في ظل الدولة الحديثة، مع نشوء مجال عمومي يتجاوز الجماعات الوشائجية، ويتصرف الفرد فيه بموجب قيم وقواعد أخاقية للسلوك في المجال العمومي، تجاه الآخرين والمؤسسات الذين لا تربطه بهم عاقة قرابة أو معرفة. وقد يصل تشويه الأخاق العمومية إلى درجة عرقلة بناء النظام الديمقراطي لاحقًا. وأقصد تحديدًا الضرر الاحق بفهم الواجب تجاه الآخرين، وعدم الثقة بمؤسسات الدولة وبالآخر عمومًا، وجواز "تدبير الحال" وضمان المصلحة الشخصية بأي وسيلة
ممكنة ضمن عملية مزاحمة وتدافع في المجال العمومي، تشمل التسابق إلى بناء العاقات الشخصية مع موظفي الدولة القادرين على المساعدة وتأمين الوساطات، وغياب مفهومٍ للصالح العمومي المتجاوز للجماعة، والنفاق بإظهار الإنسان ما لا يبطن، وإخضاع الوظائف ذات الرسالة العمومية الاجتماعية لأغراض الكسب في تجليات متعددة للفساد، والإيمان بأن الكفاءة ليست الأساس في إشغال الوظيفة العمومية، وإهمال المرافق العمومية، والتعامل معها كأنها ب صاحب، والتعامل مع المؤسسات العمومية بوصفها إما غنيمةً أو خصمًا، وغير ذلك. فإذا انتشرت هذه الأخاقيات التي أؤكد أنها لا تحسب غالبًا ضمن الثقافة السياسية، يصبح من الصعب بناء مؤسسات معتمدة على مشاركة الجمهور الواسع في انتخاب سلطات مختلفة، وإقامة الاتحادات، والرقابة على سلطات الدولة. هذه الأخاق موضوع صراعٍ خفي وآخر سافر وظاهر، في المجتمعات المحدثة من فوق، والخاضعة لأنظمة سلطوية. ذلك أن التشويهَ يقاومه، في صراع يومي معه، أفرادٌ يتحلون بأخاق فردية وعمومية، ناجمة عن استيعاب الحداثة وقيمها، على الرغم من أن عملية التحديث جرت غالبًا من فوق، وقد يشكل هؤلاء اتحادات وروابط في قضايا عينية، ولكن صراعهم الأساسي يدور في الحياة اليومية. وتقاوم التحديث الذي يذرّي الأفرادَ قوى تقليديةٌ في أوساطها التي لا تفصل فيها بين الأخاق الفردية والعمومية، ولكنها لا تشدد على مسألة الأخاق العمومية على نطاق الدولة، بل تنخرط في صراع مصالح على هذا النطاق. وثمة قوى أيديولوجية مختلفة تقاوم على مستوى طرح بدائل شاملة، ولا تركز كثيرًا على مسألة الأخاق العمومية، بقدر ما تركز على اعتناق أيديولوجيتها. تظل الأخاق العمومية عاما حاسمًا في نوعية الحياة الاجتماعية إلى جانب الظروف الاقتصادية، وذلك بغض النظر عن المواقف والتوجهات السياسية والفعل السياسي. ولها تأثير مهم في تقبل الناس للنظام السياسي. قد تكون الحياة جحيمًا في ظل أي نظام، إذا غابت معايير أخاقية عمومية متوافَق عليها ضمنًا؛ فيخرج الإنسان من بيته غير متيقن مما ينتظره من سلوك الناس في الشارع ومكان العمل والمتجر والعيادة ومقر الشرطة. وهو ما يحصل إذا كان المجتمع يعيش حالة من الامعيارية بتفكك الجماعة، من دون نشوء فضائل المواطنية خال عملية التحديث في ظل نظام سلطوي. فالتحديث يفكك الجماعات العضوية عمليًا بسبب الهجرة إلى المدينة، والتنقل من أجل سبل العيش عمومًا، وتغير المرجعيات، والانقسام الطبقي، وعملية التعليم التي تخترق الجماعات؛ كل هذا في الوقت الذي يحول فيه النظام السلطوي دون نشوء فضائل مواطنية. وأقصد بفضائل المواطنية الشعورَ بالمسؤولية والواجب تجاه الآخرين، وتشكل تصور للصالح العام لدى المواطن، والتعامل مع الفضاء العام بمسؤولية، بوصفه ملك الجميع لا ملكًا شخصيًا، ولا سائبًا لا صاحب له، والترفع الأخاقي عن العصبيات التقليدية والمستحدثة، والتي تسري المعايير الأخاقية بموجبها وفي ظلها ضمن الجماعة العصبوية، ولا تسري على السلوك تجاه من هم خارجها. لا تبدو هذه أمورًا سياسيةً أيديولوجية وازنةً، ولكنها قد تصبح هي الأهم في الحياة، وربما تؤثر في السياسة تأثيرًا حاسمًا، وإن على نحو غير مباشر، وذلك بانتشار أجواء من عدم الثقة، والخوف من الحرية، وتطلع الناس إلى الدولة لكي تفرض المعايير. ولكن البحث في الثقافة السياسية نادرًا ما يتطرق إلى هذا الموضوع.
رابعًا: كيف ولّد التحالفُ مع الدكتاتوريات "نظرياتٍ" ثقافيةً في الديمقراطية؟
كان رأي أصحاب مقاربة الثقافة المدنية أن هذه الثقافة الموصوفة في ما سبق تسهم في ديمومة النظام الديمقراطي، ولا سيما حين يتعرض إلى أزمات، ولم يدّعوا أنها شرط مسبق للديمقراطية. ولكن، في ظروف الحرب الباردة، مُرِّر في الإعام وفي أوساط أكاديمية غير متخصصة انتقالٌ إلى التشديد على الثقافة المائمة للنظام الديمقراطي بوصفها شرطًا له. وذلك حين برّر صناع القرار والخبراء في الغرب دعمَ الدكتاتوريات المنضوية في المحور الأميركي، ضد المحور السوفياتي، بأن ثقافة شعوب تلك الدول لا تتاءم مع الديمقراطية. في ذلك السياق، ازدهر ربط الديمقراطية بالثقافة. وعاد مؤخرًا في هيئة لازمةٍ يكررها دكتاتوريون معاصرون في العالم العربي مثا، ولا سيما حين يخاطبون الجمهور الغربي في مقاباتهم، وخطبهم، مؤكدين أن معايير الديمقراطية، وحتى حقوق الإنسان، لا تائم ثقافة شعوبهم. في تلك المرحلة، استخدم منظرو المعسكر الاشتراكي تعليا آخر للموقف ضد الديمقراطية، فزعموا أنها تمويه لدكتاتورية البرجوازية، وأن الديمقراطية البرجوازية (وهي تسمية الديمقراطية الليبرالية في مصطلحاتهم)، هي عبارة عن بنية فوقية تخدم نظامًا طبقيًا رأسماليًا استغاليًا وتعبر عنه. وكانت هذه حجة العداء للثقافة الديمقراطية؛ كونها تمويهًا لاستغال. أما مسوغ الاستبداد فكان ضرورةً منع أعداء الاشتراكية من التآمر عليها بنشر "أوهام الديمقراطية الخطيرة". وقد دعم السوفيات الاستبداد في الدول الحليفة لهم أيضًا. ومن هذه الناحية كانوا أكثر انسجامًا مع أنفسهم في هذا الموضوع لناحية سلطوية نظُم الحكم في بلدانهم وبلدان حلفائهم. بيَّن التاريخ أن توافر الحقوق المدنية والحريات (التي اعتبرها المفكرون الشيوعيون شكلية)، ساهمت في تحصيل حقوق اجتماعية ومساواة أكبر في توزيع الثروة في البلدان الرأسمالية، في حين أن المساواة الاقتصادية من دون حرية أنتجت مستوى معيشةِ الحد الأدنى، وشكا بيروقراطيًا وسلطويًا من رأسمالية الدولة. أضف إلى ذلك أن غالبية السكان في الدول الديمقراطية لم يجذبها النظام السوفياتي، لا بسبب مستوى المعيشة المنخفض مقارنةً بالدول الرأسمالية المتطورة، فحسب، بل أيضًا بسبب نمط الحياة. ولا شك في أن نمط الحياة الذي يتضمن الحقوق والحريات التي تترسّخ بمرور الوقت يصبح عدُّها من المسلمات مكونًا في ثقافة المواطنين وأعرافهم؛ وأن نمط الحياة الذي يتضمن الحقوق والحريات لا ينشأ قبل أن يتمتع الناس بها، ويدركوا مزاياها، وينشأ جيل ثان عليها. لقد أعاد النظام الديمقراطي في الغرب إنتاج نفسه في البداية، من دون إجماع ثقافي سياسي على القيم الأساسية، وبوجود توافق على حصر الشرعية في مؤسسات النظام الديمقراطي. وحين لا يوجد إجماع، توجد تسويات وقبول شرعية الحكم بالأغلبية لمدد محددة سلفًا. وهذه تعوِّد السياسيين والجمهور على مغادرة اللعبة الصفرية، والقبول بالحلول الوسط التي تمكّن من العيش المشترك. ومع الوقت، نشأ إجماع في الحد الأدنى على القبول بحكمِ من تنتخبهم الأغلبية لمدة محددة، وأيضًا على الحقوق
والحريات المدنية والسياسية المحصنة بالدستور والقانون، وعلى قواعد المواطنة والمشاركة والسلوك في الفضاء العام. وظلت هذه مرتبطة إلى حد بعيد بالهوية الوطنية، ولم تنطبق على من هم خارجها. وبمعنى ما، حلّت الجماعة الوطنية محل الجماعات العضوية الوشائجية. لكن العاقات داخلها هي عاقات بين أفراد يفترض أنهم يتمتعون باستقالية أخاقية وبخصوصية في مقابل المجال العمومي، ويفترض أن تحدد الحقوق والواجبات والقوانين والأخاق العمومية العاقات بينهم، وليس الانتماء والمكانة والتراتبية الاجتماعية والامتيازات المولودة أو غيابها. وتظل هذه مسألة صراع في المجتمعات الحديثة، فهي بعيدة عن أن تكون محسومة نهائيًا. وتوسع مفهوم المواطنة ليشمل العمال والنساء والأقليات بوصفهم أصحاب حقوق سياسية، وظهرت الحقوق الاجتماعية إلى جانب الحقوق المدنية. لكن هذه، وكذلك درجة تقبُّل حقوق الأقليات مجتمعيًا وفي ثقافة الناس السياسية، إن شئتم، ما زالت أيضًا موضوع صراع ونضالات مختلفة. ننبه هنا إلى أن من الخطأ الاستخفاف بالمبادئ التي يزعم النظام الديمقراطي أنه يقوم عليها بتعميم مبادئ الدستور في مناهج التعليم والإعام وغيرها. فلئن صرّحت الأوساط الحاكمة بالالتزام بهذه المبادئ، تنشأ توترات، وقد تتفجر صراعات، بحجة الفجوة بين المبادئ المعترف بها والمتوقع تطبيقها من جهة، والممارسة من جهة أخرى. وتبرز الحاجة إلى نخبة ديمقراطية (سياسية وإعامية وأكاديمية وقضائية ونقابية) تتحالف مع قوى شعبية متضررة، وتطالب بتطبيق هذه المبادئ وتوسيعها، سواء أكان الدستور ينص عليها، أم كان ذلك في غياب دستور. ودينامية التغيير والتطور هذه الناجمة عن التناقض بين قيم متوافق عليها مثل الحريات المدنية والمساواة أمام القانون، ولاحقًا مطلب المساواة في الفرص، من جهة، وممارسات السلطة من جهة أخرى، وبين التوقعات من جهة، والممارسات من جهة أخرى، هي من أهم مميزات النظام الديمقراطي. إن تبنّي الحقوق والحريات السياسية والمدنية في مؤسسات الدولة هو ثمرة تحالفات وصراعات اجتماعية وسياسية. ولكنَّ لدرجة انغراسها في ثقافة الجمهور دورًا في الصراع من أجل تطبيقها. إن سوْق عدم توافر ثقافة مواتية للديمقراطية في بلدان العالم الثالث تفسيرًا لغياب الديمقراطية، الذي يقوم على "مسلمةٍ" مفادها أن هذا النظام قام في الغرب على ثقافة مساندة له، يقلب التعاقب التاريخي، لكي لا أقول: "يعكس السبب والنتيجة". فهو يعدّ الثقافة الديمقراطية في الغرب سابقة على وجود النظام. وقد ربطها بعض الباحثين بكل جدية بمزايا الشعوب الشمالية وتاريخها السابق، بدءًا بمجالس قبائلهم ما قبل المسيحية، أو بالفلسفة اليونانية والثقافة اليهودية المسيحية. والحقيقة أن "مجالس القبائل" تلك – لو صح وجودها – وصنع القرار الجماعي، ليست أمورًا خاصة بالقبائل الجرمانية، كما أن التراث اليهودي – المسيحي، إن كان مثل هذا الشيء موجودًا على نحو يتعدى آليات استثناء الهولوكوست من تاريخ العاقات اليهودية – المسيحية، قد افتُرِضَ افتراضًا، بعد أن تأسست الديمقراطيات. وفي الحقيقة، إن التراثين اليهودي والمسيحي، مثل تراث الديانات القديمة الأخرى، يشتمان على عناصر نعدها اليوم مناهضة للديمقراطية، تفوق بكثير ما تشتمل عليه من عناصر قد نعدها في عصرنا هذا مسانِدة للديمقراطية، وعادةً ما تُنسَب إليها عناصر من الديمقراطية على نحو ارتجاعي.
الحقيقة أن ما يسمى الثقافة الديمقراطية السائدة، التي تسهم في التزام سيادة القانون وحقوق المواطن والتعددية السياسية، هي نتاج تطور تدريجي للنظام الديمقراطي ونشوئه على مراحل، بما في ذلك التعويد عليها والتثقيف بها، استمرت أكثر من قرن في الغرب. أما بدايات النظام الليبرالي المتواضعة ديمقراطيًا، ف تفسرها أي ثقافة سادت قبل نشوئها، بل تُفسَّر نشأتها بظروف ومفارقات تاريخية متعلقة بالعاقات والصراعات والتوازنات بين أقطاب مثلث الملك، والأرستقراطية/ ماك الأرض/ الإقطاع، والبرجوازية الصاعدة في بريطانيا وفرنسا، ولظروف أخرى في الولايات المتحدة. ولا شك في أن كا من هذه التجارب الثاث أثرت في الأخرى. ولم ينبع تطور الديمقراطية الاحق في أي بلد من استحضار البيئة الثقافية السياسية الاقتصادية ذاتها التي سادت في هذه البلدان، ولم يمرّ من خال الصيرورة ذاتها.
خامسًا: الثقافة السياسية والعبودية بين توكفيل ومور16
تُعدّ دراسة بارينغتون مور (2005–1913)، عن الجذور الاجتماعية للدكتاتورية والديمقراطية، من أهم المشاريع البحثية في هذه المجال. وقد تناول مور ضروب التباين بين المسارات التاريخية المديدة المؤدية إلى أشكال الحكم السلطوية والديمقراطية، بناءً على المسألة الزراعية وإذا ما كانت قد انتهت إلى ثورات فاحين. وذلك بتحليل طبيعة العاقات بين الإقطاعيين والفاحين ودور البرجوازية. فالمسار الذي يقود إلى الديمقراطية هو الذي لا تقع فيه ثورة فاحين، وتحل المسألة الزراعية بقيادة البرجوازية في إطار عملية التحديث. ويعتمد منهجه على تحليل البنى الاجتماعية الطبقية. وقد كتب أن صعود النظام الديمقراطي غير مرتبط بجوهر ثقافي، دينيًا كان أو غيره، بل بتطور البنى الاجتماعية والصراعات السياسية التي ترافقها17. ولذلك أيضًا أشادت ثيدا سكوكبول بتشديده على تحليل البنية الاجتماعية، لا الثقافة18. وذلك في مقابل التوجهات السلوكية والثقافية والمؤسسية للعلوم السياسية الأميركية في مرحلة تأليف الكتاب. توصل مور إلى نتيجة مفادُها أن شرط الديمقراطية التاريخي كان تطور العاقات الرأسمالية في الزراعة، وإجهاض احتمالات نشوب ثورات فاحين متأخرة، كما حصل في الصين وروسيا، وأن التحالف المبكر بين رأس المال وماك الأرض جنَّب المجتمعات عملية فرض التحديث من فوق، التي نفذتها النظُم الفاشية19. والحديث هو بالطبع عن الحالات التاريخية الأولى: النظم الديمقراطية الأولى، والنظم الفاشية الأولى.
لم يأخذ مور الثقافة السائدة في الاعتبار؛ فعنده يقود التفسير الثقافي إلى مغالطة دائرية20، فالنظام السياسي، بموجب هذا التفسير، هو نتاج الثقافة، ولكن كل نظام سياسي يُنتِج ثقافته السائدة التي تقلل من اعتماده على العنف إذا هيمنت على المجتمع. ذلك أنه لا يدوم أي نظام بالعنف وحده. تصح موضوعة المغالطة الدائرية الناجمة عن التفسير الثقافي، في حالة الحقب التاريخية. أما عند البحث في حالة عينية في مكان وزمان محددَين (ثورة، أو تحول سياسي راهن في بلد محدد مثا)، ف بد من أخذ العوامل الثقافية والسياسية والاقتصادية في الحسبان. وفي أثناء مناقشة مور لتطور قصير الأمد مثل الحرب الأهلية الأميركية، أكَّد على محدودية التفسير الاقتصادي، وذلك على الرغم من وجود نظامين اقتصاديين مختلفين بين الشمال والجنوب، يمكن استخدامهما لشرح الفرق في الموقف من العبودية، ويمكن التقدير أنهما ولَّدا ثقافتين مختلفتين، وأدتا إلى نشوء حالة من عدم الثقة بين أصحاب قيم أخاقية مختلفة21. فالحرب الأهلية لم يستعر أوارها فقط بسبب الصراع على سيادة القانون الفدرالي، أو نمط الإنتاج، بل أيضًا حول مسألة ذات بعد قيمي وثقافي خطير، هي العبودية. على الرغم من الاشتراك في الدين واللغة والأصل، ونتيجة للظروف الاقتصادية والتاريخية المختلفة، نشأت ثقافتان مختلفتان في الشمال والجنوب. ولم يعد ممكنًا فهم الصراع على القوانين واستقال ولايات الجنوب عن العاصمة، وتفجر الحرب ذاتها، من دون النظر إلى التباين الثقافي. وبعد الحرب، فُرِضَ التغيير سياسيًا على الجنوب قبل أن تتغير ثقافته، أما ثقافته فتغيرت تدريجيًا، واستمر الصراع على حقوق الأميركيين من أصل أفريقي، والتمييز ضدهم في الثقافة الشعبية لمدة تجاوزت القرن، في ظل الديمقراطية وفرض المساواة القانونية بين المواطنين؛ ما أثبت أمرًا آخر مهمًّا هو أن الثقافة لا تتغير مباشرةً بتغير الأنظمة، بل تصمد طويا، وأن سياسات الحكومة وقوانينها والظروف التي تخلقها تؤثر جذريًا في الثقافة السياسية على المدى الأطول. ومن ناحية أخرى، يصعب الجزم بمقدار تأثير قيم أبراهام لينكون Lincoln Abraham (1865–1809)، ومن معه في قيادة الجمهوريين في الكونغرس وثقافتهم بشأن العبودية، في قراراتهم. لا يمكننا نفي دوافعهم الفكرية والأخاقية، مع العلم بأهمية الصراع على فرض السيادة الفدرالية على الولايات الجنوبية بالنسبة إليهم، ومع العلم كذلك بعوامل اقتصادية مثل تضاؤل حاجة الشمال الصناعي إلى العبودية، مقارنة بالجنوب الزراعي الذي كان اقتصاده قائمًا على المزارع ذات المساحات الشاسعة. وحتى لو كان الموضوع مجرد خاف بين اعتبار الولايات المتحدة دولة واحدة تسري عليها القوانين ذاتها من جهة، وعدها كونفدرالية من جهة أخرى، فإن لهذا الخاف أيضًا بُعدًا ثقافيًا. كتب مور أن البشر، أفرادًا وجماعات، لا يتفاعلون مع الواقع مثلما تتفاعل العناصر الكيميائية في أنبوب الاختبار. فثمة متغيرات وسيطة بين الأشخاص والواقع. وتتكون هذه من عناصر عديدة مثل
الاحتياجات والتوقعات والأفكار المستمدة من الماضي، وأساسًا من الثقافة. وهذا "الفلتر" يخفي أجزاءً مما يسمى "الواقع الموضوعي" ويُظهِر أخرى22. أما ألكسيس دو توكفيل (1859–1805)، الذي كتب عن هذا الموضوع قبل مور بقرن من الزمان، فلم يبذل أي جهد لفصل العوامل الاقتصادية والاجتماعية عن الثقافية، كما لم يحاول الخروج بمعادلة نظرية تحدد العاقة بين هذه العوامل. ولاحظ أن مستوطني نيو إنغاند في النصف الأول من القرن السابع عشر، جاؤوا من أوساط طهرانية إنكليزية، واجتذبوا أمثالهم لاحقًا. وقد تحدر معتنقو هذا المذهب من أوساط الطبقة الوسطى المتعلمين23. كانت هجرة المستوطنين الذين وصلت طائعهم إلى المنطقة المسماة لاحقًا نيو إنغاند في عام 1620، مدفوعة بالبحث عن حرية العبادة، بعيدًا عن الماحقة والإماء الديني. ومُنِحَت بعضُ مناطقهم نوعًا من الإدارة السياسية الذاتية. وقد شدد توكفيل على درجة التجانس العالية بينهم من ناحية اللغة والثقافة، والمذهب الديني والتفكير في بناء مجتمع أفضل24. كانت هذه الإدارة الذاتية – وفق توكفيل – هي النموذج النواة للديمقراطية الأميركية. أما مستوطنو الجنوب الذين سبقوهم إلى فرجينيا، فتحدروا من فئات طبقية متنوعة، وغالبًا ما افتقروا إلى الموارد الاقتصادية، ولم يجمعهم مذهب أو أخاقيات، بل جمعتهم غاية التنقيب عن الذهب في أميركا. وحالما أُدخِل نظام العبودية، حدث تغير اجتماعي ثقافي كبير، لخصه توكفيل بنشوء "نبَالة" جديدة قائمة على الامتيازات الطبقية، وضيق الأفق، والكسل والغرور. وفسر نظام العبودية باجتماع ما أسماه "الشخصية الإنكليزية" مع الأعراف والتقاليد التي نشأت في ظروف الجنوب25. المهم أن المستوطنين في الشمال والجنوب كانوا إنكليزًا يتحدرون عمليًا من البيئة الحضارية والثقافية نفسها، لكنهم هاجروا لغايات مختلفة، وأنشؤوا نظامين اجتماعيين اقتصاديين مختلفين تمامًا. وكان ثمة فوارق ثقافية بين المستوطنين حدَّدَها الموقع الاجتماعي والمذهب، ولاحقًا تفاعلت هي ذاتها مع الظروف في المنطقة التي وصلوا إليها. وحين نبحث في نتيجة تفاعل هذه العناصر، لا يمكن الفصل بين المرجعية الثقافية والموقع الاجتماعي والسلوك في كيفية التعامل مع الواقع، والواقع ذاته. ولهذا يبدو منهج توكفيل المتواضع في التوثيق والتفسير مقنعًا ومنطقيًا، وإن لم يكن على درجة عالية من التنظير والاحتراف الأكاديمي. وهو على كل حال يقدم مادة غنية لمن يرغب في التنظير، ولكنها غير قابلة للقولبة في معادلة باتجاه واحد.
سادسًا: ملاحظة بشأن الثقافة السياسية والانتقال إلى الديمقراطية
إن تصور ما هو ثقافي أنه متغير مستقل، يحدد النظم السياسية على مدى فترات تاريخية طويلة كأنها متغيرات تابعة، لا يقتصر على افتراض وجود تصور جوهر ثقافي عابر للحقب التاريخية، بل يكاد يحوّل الثقافة إلى بديل من العِرق. وهو تصنيف للبشر بموجب مميزات جسدية خارجية متوارثة، تحدد، وفقًا للنظرية العرقية سيئة الصيت، أخاق الأفراد والجماعات السكانية الخاضعة لهذا التصنيف وطرائق تفكيرهم وثقافتهم ونظمهم الاجتماعية السياسية. ومن البديهي أن البحث عن ثقافة سياسية عديمُ المعنى عند من يعتقد أنها مستمدة من جوهر مزعوم لدين من الأديان أو حضارة من الحضارات. فهذا يحدد كل شيء آخر، ولا حاجة إلى وساطة الثقافة السياسية. ولكن من يدرك أن ثقافة أي شعب متنوعة ومتغيرة، يدرك أيضًا أن الثقافة السياسية تتغير مع الظروف السياسية، وبمرور الزمن، وتختلف أهميتها الاجتماعية والسياسية باختاف دور حملتها من الفاعلين الاجتماعيين. وليس لدراسة الثقافة السياسية معنى إلا في سياقات ومراحل تاريخية بعينها، ولدى قوى اجتماعية محددة. تبرز أهمية الثقافة السياسية على مستوى أكثر تفصيا، وفترات زمنية أقصر، ومناطق أصغر مما في بحث مور للمسارات التاريخية الطويلة، كما في حالة ثقافة النخب السياسية في مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية. وتكتسب صناعة الثقافة السياسية الديمقراطية وتعميمها أهمية خاصة في مرحلة ترسيخ الديمقراطية. ف يمكن تجاهل دور الثقافة السياسية القائمة عند دراسة التحولات في فترات زمنية قصيرة وكثيفة كهذه، ولا سيما أن البحث عن منشأ الثقافة السياسية بتأثير عوامل كثيرة أخرى، يحتّم العودة إلى فترات مبكرة سابقة. وتقترح هذه الدراسة التمييز بين تأثير ثقافة النخب الفاعلة، ولا سيما الفاعلة سياسيًا، وتأثير الثقافة الشعبية السائدة خال عمليات الانتقال الديمقراطي. ولا أقصد بذلك نخبًا اقتصادية وثقافية، بل أيّ قيادات سياسية منظمة ومؤثرة، وقد تتألف من أحزاب ثورية وغير ثورية، وليبرالية ومحافظة، وقوى إصاحية من داخل النظام، وقيادات مسيِّسة لحراك شعبي. حين تحصل حالات الانتقال المعاصرة، يُطبَّق حق الاقتراع العام مباشرة من دون أن يوسعه تدريجيًا نظام ليبرالي، من خال عملية مديدة من التعود والتعويد، أي خافًا لمسار تطور الحقوق السياسية وتوسعها في البلدان الغربية الشمالية، خال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وإضافة إلى ذلك، فخال الانتقال المفاجئ والشامل من السلطوية إلى الديمقراطية، تكون النخب ذات التجربة السياسية محدودة الحجم، ومنقسمة سياسيًا وأيديولوجيًا. وربما تزيدها انقسامًا أجواءُ الانفتاح السياسي وزوال النظام السلطوي الذي وحَّدَها الموقف منه في مرحلة سابقة، كما قد يغريها انخراط الجمهور المباشر
في السياسة بتبني خطاب شعبويّ في مغازلته. هنا تبرز تحديات لم تعرفها الديمقراطيات التاريخية الأولى. لا يتاح لثقافة ديمقراطية أن تنمو وتتطور إلا في ظل الديمقراطية. والسؤال هو: هل يجب أن يتوافر حد أدنى من الثقافة السياسية الديمقراطية لدى النخب السياسية التي تقود مرحلة الانتقال من الاستبداد، بوصفه متطلبًا مسبقًا؟ الإجابة هي نعم. لكنْ ما الثقافة الديمقراطية التي يفيد أن تتزود بها النخب السياسية في تلك الحالة؟ إنها تتلخص في محورين: أولُهما القابلية للحوار والمساومة والتوصل إلى تسوية الصراعات سلميًا بالحلول الوسط. ف يمكن أن تنشأ تعددية من قوى سياسية، تعتقد كل قوة منها أن الأخرى ستلغيها، أو تقضي عليها إذا تولت الحكم، أو إذا كانت لا تقبل بغير تبني مؤسسات الدولة مواقفها كاملة. وثانيهما الأخذ بالإجراءات والمؤسسات الديمقراطية التي أصبحت معروفة عالميًا بوصفها الإطار الأفضل لتسوية الصراعات وحسم الخافات بشأن السياسات سلميًا، ف حاجة إلى اختراع عجلة الديمقراطية من جديد. وقد يتطلب ذلك عدم استعجال الانتخابات والحكم بأغلبية صغيرة، خصوصًا في ظروف عدم تعوّد الناس على احترام حكم أغلبية متغيرة، وعدم احترام جهاز الدولة البيروقراطي والأمني للسياسيين المنتخَبين الآتين من خارج الجهاز. في هذه المراحل، يفضَّل فرض الشرعية بالوفاق الوطني، ريثما تجرى التغييرات المؤسسية الازمة، والتأكد من احترام جهاز الدولة للخيار الديمقراطي. يمكن تبني هذه المقاربة لأسباب براغماتية، من دون أن يجري تبينها بوصفها جزءًا من الهوية الثقافية لهذه النخب. لكن المقاربة البراغماتية لا تكفي وحدها، في أطوار بناء الديمقراطية التي تلي الانتقال. لا حاجة بالديمقراطية إلى أن تكتشف أو تخترع. فلكي يحصل انتقال، يكفي أن توافق النخب على الوحدة لإنجاح التجربة، وعلى مبدأ حسم الخافات بينها بالانتخابات والتداول السلمي للسلطة، والمباشرة بإنشاء نظام ديمقراطي وبناء المؤسسات الديمقراطية. وكما أسلفتُ، يُفضَّل أن تتوافق على بناء المؤسسات وأن تحافظ على التوافق، بحيث لا تحسم الخافات فيما بينها بالانتخابات قبل بناء المؤسسات وضمان خضوع الجيش والقوى الأمنية لهذه المؤسسات. وفي مرحلة صياغة الدستور، تبرز أهمية توافر عناصر أخرى في الثقافة السياسية للنخب التي تقود عملية إنشاء المؤسسات بعد الانتقال؛ إذ تتضح مع الوقت استحالة بناء الديمقراطية في عصرنا بالانتخابات وحدها من دون مبدأ المواطنة الديمقراطية وما يتضمنه من حقوق وواجبات وحريات سياسية ومدنية. لكي يدحض دانكوارت رستو (1996–1924)، أحد أهم منظري الانتقال الديمقراطي، الفكرة المتعلقة بضرورة وجود ثقافة ديمقراطية سابقة على نشوء نظام ديمقراطي، استخدم نظرية في علم النفس الاجتماعي هي نظرية ليون فستنغر (1989–1919) في عمله عن التنافر الإدراكي، ومفادها أن العاقة بين الأفكار والأفعال ليست سببية في اتجاه واحد، بل هي متبادلة. والنظرية، في رأيي، على قدمها، ما زالت مفيدة، ولا سيما في تأكيدها أن الممارسات نفسها تؤدي إلى نشوء أفكار عند الفاعل، تبرر الممارسات بأثر تراجعي. فالإنسان، وفق هذه النظرية، يبحث عن "تناسق داخلي بين أفكاره وسلوكه
وقيمه ومعارفه"26. والديمقراطية لا تنشأ بالتبشير والبروباغندا والتعليم، بل بالتسويات وقبول التعددية والتبادل السلمي للسلطة؛ أما الثقافة الديمقراطية فتنشأ لاحقًا27. رأى روستو أن الديمقراطية ذاتها والانتقال إليها هما نتاج صراع بين قوى سياسية لا يمكن حسمه بالقوة؛ ما يضطر الأفرقاء السياسيين إلى التوصل إلى صيغة للتعددية في إطار الوحدة السياسية القائمة، شريطة ألا تكون هناك شروخ اجتماعية تهدد كيان الدولة نفسها. وبموجب هذه المقاربة، فإن الأفكار الديمقراطية ليست شرطًا مسبقًا للديمقراطية، بل قد تأتي هذه الأفكار لاحقًا لتبرير القبول بالتعددية السياسية. والمقصود في هذه الحالة هو التبرير للذات وللآخرين. وثمة انطباع مخطئ واسع الانتشار، هو أن الديمقراطية تقوم على عقائد مشتركة وإجماع على الأفكار نفسها. بيد أن الديمقراطية لم تنشأ بالإجماع، بل بالاتفاقات بعد النزاعات. وهذا يصح حتى في البلدان التي نشأت فيها الديمقراطية بالتدريج، مثل بريطانيا في الفترة 1918–1832، أو السويد في الفترة 1918–1890، وفي كثير غيرهما قبل ذلك وبعده28. فَهِمَ عديد من الباحثين أن المغزى من نموذج روستو هو أن الديمقراطية لا تحتاج إلى ديمقراطيين؛ إذ يمكن أن تنشأ من دونهم بناءً على توازنات القوى وحفظ المصالح. ولكن موضوع روستو كان ليبراليات مبكرة مثل السويد التي نشأت فيها الديمقراطية بالتدريج. أما في عصرنا، فربما يصح الحديث عن مساومة بين نخب غير قادرة على حسم الصراع بينها، بحيث تتوصل إلى قبول التعددية وتداول السلطة من منطلقات براغماتية. لكن الاختاف الكبير، الذي لا يشمله هذا النموذج، كامن في أن النظام الديمقراطي أصبح نموذجًا مطورًا قائمًا ويمكن تبنيه، والأمر الثاني هو أن الانتقال لم يعد ممكنًا من دون منح جميع المواطنين البالغين حق الاقتراع، دفعة واحدة. وهذا يتطلب وجود نخب ديمقراطية، توجه الدفة في المرحلة الانتقالية في غياب ثقافة سياسية ديمقراطية لدى الجمهور الواسع. فمن غير الممكن أن تصبح ثقافة الجمهور السياسية ديمقراطية في ظل نظام سلطوي، أعني ثقافة تقوم على تقبل الاختاف والتسامح واحترام حرية الفرد واحترام سيادة القانون وشرعية المؤسسات المنتخبة. وفي هذا الظرف بالذات، يجب أن يكون الحد الأدنى المطلوب من النخب المؤثرة هو الالتزام بالنموذج الديمقراطي المعروف، حتى في مراحل احتدام الصراع على السلطة. ولا حاجة إلى اختراع هذا النظام من جديد. لقد عرَّف شومبيتر الديمقراطية، بوصفها آلية لتنظيم التنافس على السلطة بين النخب، بحيث يُنظَّم تداول السلطة سلميًا. وبذلك ينتهي دور الناخبين. ولكنه حين جاء ليفصّل في العملية الديمقراطية، ودور النخب المتنافسة والمنتخبة، وجد نفسه يخوض في مسائل ثقافية وأخاقية كان قد حذفها.
مثل: 1– ضرورة توافر كفاءة لدى النخب السياسية، وتأهيل القيادات إذا لزم. 2– كفاءة البيروقراطية. 3– الانضباط الديمقراطي: ويعني بذلك الولاء للديمقراطية وعدم الانجرار خلف المزايدات وترك المنتخبين يقومون بعملهم، ف "يجب أن يكون الناخبون وأعضاء مجلس النواب على مستوى فكري وأخاقي عالٍ، يحصنهم في وجه عروض المخادعين والمهووسين [...] يجب على السياسيين في البرلمان خصوصًا، أن يقاوموا رغبتهم في إزعاج الحكومة وإذلالها كلما أمكنهم ذلك [...]، ويجب أن يحترم الناخبون خارج البرلمان تقسيم العمل بينهم وبين السياسيين الذين انتخبوهم." 4– قبول التعددية والتسامح مع الرأي الآخر29. لقد زادت أهمية الشروط المسبقة للديمقراطية في العالم المعاصر، بسبب العامل الجديد المتمثل في أن الجماهير باتت قادرة على المشاركة في السياسة بعد الانتقال إلى الديمقراطية، قبل أن تتعرض لعملية تعويد متدرجة. لكن ليس صحيحًا، في رأينا، أن الانتقال إلى الديمقراطية مرتبط بأنماط ثقافية اجتماعية محددة. وتتلخص الشروط المطلوبة كما بينتُ في كتاب الانتقال الديمقراطي، في: استقرار الدولة وشرعيتها، والتزام النخب السياسية بالديمقراطية، وعدم معارضة الجيش والأجهزة الأمنية لانتقال، وربما عدم وجود بيئة إقليمية معادية للديمقراطية. ولا يمكننا، في رأيي، أن نتجاهل وجود منظومات وأفكار ديمقراطية جاهزة، أصبح في الإمكان تبنيها أو تبنّي جزء كبير منها على الأقل، سواء أكان ذلك لتحقيق الانسجام الفكري مع الممارسة التسووية والاعتراف بالواقع التعددي الذي نشأ، أم لأسباب أخرى مثل الإيمان فعا أن الديمقراطية هي النظام الأفضل لإدارة الصراعات السياسية وضمان الحقوق المدنية. في عصرنا، وحتى قبل نشوء الديمقراطيات في جنوب أوروبا وأميركا الاتينية وأوروبا الشرقية، طُبِّقَت الديمقراطية في ألمانيا الاتحادية بعد هزيمة النازية في الحرب العالمية الثانية، وبعد تجربة ديمقراطية هشة خال جمهورية فايمار. واختارت نظامًا فدراليًا وديمقراطية تتميز بنظام تعددي، يعلق أهمية كبرى على دور الأحزاب السياسية. وطُبِّقت كذلك في اليابان. فكيف حصل ذلك؟ هل نمت ثقافة ديمقراطية على المستوى الشعبي وازدهرت في زمن قصير بعد الهزيمة العسكرية للبلدين في الحرب العالمية الثانية؟ الأرجح أن الجواب هو لا. كان النموذج الديمقراطي "الجاهز" لاستعارة أو المحاكاة قائمًا. وكانت هناك نخب سياسية جاهزة لاستخدامه لأسباب من بينها قناعاتها السياسية، والإصرار على عدم العودة إلى الدكتاتورية. ولم تنتظر أن "تدمَقْرَط" الثقافة السياسية الشعبية. ولا يجوز أن ننسى وجود منظومة دولية كاملة مصرة على إنجاح هذه التجربة وتترجم ذلك بالدعم الاقتصادي والعسكري. وكانت الأجهزة الأمنية المرتبطة بالنظام القديم مهزومة، وقد بنى النظام الجديد أجهزته وجيشه.
وتكمن المفارقة الحاسمة – سخرية التاريخ إذا جاز القول – في أن الجمهور، تحديدًا في البلدان التي تتنقل إلى الديمقراطية حديثًا، التي لم تنشأ فيها ثقافة جماهيرية ديمقراطية بعد، يقوم بدور أكبر من دور الجمهور عند نشوء الديمقراطيات التاريخية. كما أن النظم الليبرالية القديمة، التي انتقلت إلى الديمقراطية بالتدريج، لم تعرف الأجهزة الأمنية الكبرى والجيوش المتداخلة مع السياسة، والتي يمكنها أن تُفشِل أي تجربة ديمقراطية إذا عارضتها. واللحظة الحرجة هي لحظة ما بعد الانتقال مباشرة، مع فتح المجال العمومي، حين تتدفق فئات واسعة إلى السياسة بثقافاتها السياسية التي تشكلت في ظل السلطوية. فعندها تبرز أهمية وجود نخب سياسية ديمقراطية فاعلة، تكبح إغراءات الانجرار إلى الديماغوجيا وترفض التحالف مع قوى النظام القديم، أو قوى أخرى ذات توجهات سلطوية، تروم التغلب على المنافسين الديمقراطيين. وفي هذه المرحلة أيضًا تبرز أهمية التوصل إلى تسويات مع الجيش إذا لم ينحز إلى الديمقراطية، ريثما تتغير قياداته. وتشتمل مهمّات النخب السياسية على تثقيف جمهورها ديمقراطيًا لناحية احترام نتائج الانتخابات وقبول التعددية والتسامح مع الرأي الآخر. ولا تُنفَّذ هذه المهمة من خال الوعظ والتبشير الذي سرعان ما يُكتشَف نفاقه، بل من خال الممارسة في المداولات البرلمانية، والقوانين التي تسن، واحترام المؤسسات القائمة، واتباع منهج متسامح وغير إلغائي يقبل بالتعددية مبدئيًا، وليس تكتيكيًا حتى الوصول إلى السلطة. قد لا تكون ثقافة الجمهور ديمقراطية، ولا مواطنية، بعد عقود من الدكتاتورية. والتصنيف السياسي للثقافات السياسية مثل: ديمقراطي، ليبرالي، ديماغوجي، شعبوي، انتهازي، وصولي، مبدئي، معتدل، راديكالي، يسري في نظر الناس على الأحزاب والسياسيين، وتُطلَق هذه التسميات أو الصفات عليهم. وسبق أن أكد روبرت دال Dahl Robert (2014–1915)، وهربرت مكلوسكي (2006–1916)، أن الاستقرار الديمقراطي يتطلب قيمًا وقواعد ديمقراطية، لا بين الناخبين، بصورة عامة، بل عند السياسيين المهنيين أو المحترفين30. وأتفق مع مبدأ الثقافة السياسية للنخبة المتوسعة باستمرار والمتفاعلة مع ثقافة الجمهور، مع التأكيد في الوقت ذاته على خطرين كامنين وتطرفين، هما عزلة النخب من جهة، والشعبوية من جهة أخرى. وأرى مع ذلك أن ثقافة الجمهور السياسية تؤدي دورًا على المدى البعيد، ويمتحن النظام الديمقراطي في مدى نجاحه في نشر هذه الثقافة، لا في الأوساط الشعبية فحسب، بل أيضًا داخل جهاز الدولة، ولا سيما الأمن والجيش، لأن هذا النجاح يسهم في تجاوز النظام للأزمات التي قد تهزه. الديمقراطية الراسخة تنتج ثقافة ديمقراطية، والأخيرة تسهم في الحفاظ على ديمومة هذا النظام. ليست الثقافة الديمقراطية شرطًا مسبقًا لنشوء الديمقراطية، كما يرى عالم السياسة الأميركي لاري دياموند. ولا توجد
ثقافة ديمقراطية مجردة31 مستقلة عن الثقافات المتنوعة، إذ يفترض أن تنغرس فيها. وقد تنشأ الديمقراطيات قبل انتشار هذه الثقافة، ويمكنها الاستمرار بوجود ثقافات فرعية معادية للديمقراطية أو تشكك فيها. لكن استقرار الديمقراطية هو الذي يؤدي إلى تكيف الفئات التي تحمل هذه الثقافة مع الديمقراطية، كما تؤدي في النهاية إلى تغييرها أو تهميشها أو التخفيف من حدتها. المهم هو أن تكون ثمة فئات اجتماعية أخرى قوية مؤيدة للديمقراطية، وأن تتفق النخب والقوى السياسية والاجتماعية الرئيسة على الشرعية الديمقراطية. وفي مسألة ثقافة النخب مقابل ثقافة الجماهير، يُفترَض في عصرنا الحاضر، عصر الثورة في وسائل الاتصال وشبكات التواصل الاجتماعي، عدم تجاهل أهمية الأخيرة في حالة الديمقراطيات غير المستقرة (سواء أكان سبب ذلك سوء أداء المؤسسات أم الفجوة بين التوقعات والإمكانات)، بحيث يمكن أن يؤثر الضغط الشعبي من القاعدة إلى أعلى في النخب السياسية. ويسهِّلُ النشاط المفرط والاستعراضي عبر هذه الوسائط في التعبير عن التوجهات، والانفعال الذي يصاحبه، المهمَّة على السياسيين الشعبويين والديماغوجيين. ولكن الأهم هو أن فوضى النقاش الشعبوي في الفضاء العام، وفائض التعبير عن الذات، والذاتوية النرجسية بعد حرمانٍ من حرية التعبير فتراتٍ طويلةً، والصراع الحزبي المبكر على السلطة قبل استقرار النظام الديمقراطي الذي تبدو فيه الأحزاب بعيدة عن هموم الناس، وأن ما يهمها هو الصراع على السلطة في ظروف ركود اقتصادي في مرحلة من عدم الاستقرار وارتفاع سقف توقعات الناس من الديمقراطية، وتضخيم كل هذا على وسائل التواصل، ووسائل الإعام التي تجد نفسها مضطرة إلى التنافس معها؛ كل ذلك قد يؤدي إلى خيبات سريعة وتوق الناس إلى "النظام" Order، ولو كان سلطويًا. هنا تبرز أهمية المشاركة السياسية المنضبطة، والاستعداد لضبط التنافس الحزبي وفق المصلحة المشتركة في إنجاح النظام الجديد، والتكرار لغرض "التعويد" السياسي للجماهير على القيم الديمقراطية بوجود نظام يمنح المواطنين مج لً للمشاركة، من دون أن تطرح لهم بدائل غير ديمقراطية حتى إبان الأزمات الاقتصادية وغيرها من الأزمات. وهذه مهمة بالغة الصعوبة في خضم اضطرابات الانتقال، حين يكون دعم البلدان الديمقراطية الراسخة للبلدان التي تمر بمرحلة الانتقال أمرًا حيويًا. النظام الديمقراطي هو نظام حكم يتضمن مؤسسات وقوانين وإجراءات تتعامل مع شعب مؤلف من أفراد وجماعات مصالح وأحزاب. وهو يؤثر في البنية الاجتماعية والسياسية ويتأثر بها. وهو معرض للأزمات والهزات، وللأعطاب البنيوية أيضًا. لكنّ ثمة جانبًا قيميًّا في الديمقراطية يميزها من غيرها من الأنظمة السياسية أيضًا. فصحيح أن ثمة من يؤيد النظام الديمقراطي لأنه الأنجع في حسم مسألة السلطة من دون سفك دماء، وينجذب آخرون إليه، ومنهم مثقفون وسياسيون، بسبب نجاحات الدول الديمقراطية المتقدمة اقتصاديًا. لكننا نفترض أن ثمة من ينحاز إليه بسبب التعددية ونمط الحياة الذي يتضمن حقوقًا وحريات تمنح المواطنةَ معنى. هؤلاء هم الديمقراطيون الذين يناضلون في مرحلة الاستبداد، لا ضد السلطوية فحسب، بل من أجل الديمقراطية أيضًا.
إن وجود نخبة أكثر مبدئية تناضل من أجل الانتقال الديمقراطي، قبل مرحلة هذا الانتقال، ليس بالقضية التي يمكن تجاهلها مهما كانت هذه النخبة صغيرة، وحتى لو لم تحظ بدور مباشر في الانتقال لأنها ليست قوة سياسية رئيسة، وفي هذه الحال تتمثل وظيفتها في رفع قيمة الديمقراطية بالنضال وإنتاج الأفكار. وتعبر في دفاعها عن الديمقراطية عن تفضيل أخاقي (غير براغماتي) لها (أي الديمقراطية) على السلطوية، حتى إذا كانت الثانية أنجعَ اقتصاديًا في مرحلة التحديث المبكر، وأَضْمنَ للسلم الاجتماعي كما يبدو أول وهلة. تقارب الديمقراطيةَ النخبُ الجذريةُ المناصرةُ لها بوصفها نظام الحكم الأقدر على الموازنة بين قيمتين، هما المساواة والحرية، والعمل على تطبيقهما. وليس المقصود بالحرية هنا القيمةَ الفلسفيةَ المطلقةَ، بل الحريات والحقوق المدنية التي تترتب عليها مسؤوليات وواجبات. والمقصود بالمساواة قبول فكرة وجود مساواة أخاقية بين الأفراد، تفترض أن كل مواطنٍ بالغٍ قادرٌ على تحديد الخير لنفسه، واتخاذ قرارات أخاقية، وقادرٌ من ثمَّ على المشاركة في تقرير مصيره. وتشير أيضًا إلى عدم وجود امتيازات بالولادة أو الثروة، وضرورة توفير الدولة للمساواة في الفُرص، بما في ذلك الظروف التي تمكّن من استغال هذه الفرص. هذه الأفكار هي الخميرة التي تنتج التفاعات الفكرية الازمة أثناء بناء المؤسسات، وهي التي يفترض أن تُروَّج وتُعمَّم في مرحلة ترسيخ الديمقراطية، إذ لا يمكن أن تكون مهيمنة في مرحلة الانتقال.
سابعًا: نقّاد الثقافة والنضال من أجل الديمقراطية
لا شك في أهمية نقد الثقافات السائدة، ولا سيما في سياقات الصراع من أجل نشر العقانية، وفي الدفاع عن مركزية القيم الأخاقية في مواجهة العدمية. ولا مناص، في رأيي، من خوض هذه المعارك الثقافية. لكن تغيير الثقافة جذريًا ليس شرطًا يجب على المجتمعات انتظار تحققه، كي تحظى بحقوق المواطنة في دولة ديمقراطية. في هذا السياق، قدّم إيلي كيدوري نموذجًا عن الخلط بين الثقافة عمومًا وما أسماه ألموند وفيربا اللذان أشرنا إليهما في بداية الدراسة "الثقافة السياسية". وكتاب كيدوري الديمقراطية والثقافة السياسية العربية هو نموذج لتنميط التراث والعادات والتقاليد والتجارب التاريخية في الحكم، وعدِّها ثابتة غير متغيرة عبر التاريخ، وذات تأثير حاسم في طبيعة النظم السياسية في الحاضر. هذه هي نظرته إلى العرب والثقافة العربية في الحاضر، مستنتجًا من ذلك أن الديمقراطية غير ممكنة في العالم العربي، وموجِّهًا سهام اللوم إلى السياسيين البريطانيين لمحاولتهم فرضَها في عهد الانتداب والوصاية! يستخدم كيدوري مصطلح Islam of Mindset، أي البنية الذهنية للإسام (ليس حتى للمسلمين)، مؤكدًا أن مفاهيم مثل الحكومة الدستورية التمثيلية، والقضاء المستقل، والانتخابات، والمؤسسات السياسية التي تنظمها القوانين الصادرة عن برلمانات منتخبة، وحتى مفهوم الدولة بوصفها كيانًا إقليميًا محددًا يتمتع بالسيادة، ومفهوم السيادة الشعبية بوصفها أساسًا للشرعية الحكومية؛ جميعها غريبٌ
عن التقاليد السياسية الحديثة في العالم العربي منذ الحرب العالمية الأولى، وغريبٌ أيضًا عمّا يسميه "البنية الذهنية للإسام". فقد كتب أن التقليد السياسي الإسامي بدأ مع مجتمع المدينة، وتطور لاحقًا إلى الخافة التي يعدها الحكم الوحيد الذي عرفه الإسام. وكان الخليفة في نظره الحاكم والقاضي والقائد العسكري. ولسنا نعرف هل يتحدث عن وقائع في التاريخ الإسامي أم عما يسميه "النظرية السياسية في الإسام"؟ كما لا ندري أين عثر على مثل هذه النظرية؟32على أيّ حال، يَعدّ كيدوري هذه الأمور ثابتة غير متغيرة، لكنه لا يخبرنا عن كيفية توافر هذه الأمور المنعدمة في العالم الإسامي، في بلدان الديمقراطيات التاريخية المعروفة قبل نشوء الديمقراطية. راجع كيدوري التجربة البرلمانية في العراق ومصر بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، وفي سورية بعد الاستقال مباشرة، معتبرًا أنها لم تكن مرحلة ليبرالية على الإطاق (ساخرًا ممن أطلق عليها هذه التسمية)، وأن التعددية السياسة كانت شكل حكم النخب التقليدية المعزولة عن الجمهور والتي ينخرها الفساد. والأهم من ذلك أن الحكومات العربية في المرحلة الليبرالية كان جميعها في رأيه شكليًا وصوريًا، وجاء نتيجة تزوير الانتخابات33، وأن العرب عمومًا يطيعون القوي؛ إذ يؤكد كيدوري في كتابه، ولا سيما في تفصيله التجربة البرلمانية في سورية والعراق، أن العرب يدعمون القوي ويصوّتون له، ويجعل من هذا السلوك الانتخابي في ظل أنظمة الإقطاع السياسي ثقافة سياسية عربية34. وكتب أن عدم نشوء ديمقراطية في العالم العربي يعود إلى الاختاف بين أسس الديمقراطية وما اعتاد عليه المجتمع في الدول العربية من استبداد ورضوخ تام، وهو ما لم يختلف كثيرًا عما كان في زمن الساسانيين والبيزنطيين، ولاحقًا الخافة الإسامية التي حلت محلهم35. وبغض النظر عن رأينا في عجز كيدوري عن رؤية أي جديد في التجربة الليبرالية العربية بين الحربين، أليس هذا التحليل شبيهًا بالكام الذي يُكرَّر في مجالس الناس العاديين سخطًا على الأوضاع، وجزمًا بأن العرب لا يصلح لهم إلا الحكم المستبد؟ أليس سرد أحداث ووقائع على نحو انطباعي، وتقديمها بوصفها دليا على غياب ثقافة سياسية ديمقراطية، ومن ثم استنتاج ضرورة فشل أي ديمقراطية عربية في المستقبل، مثل الادعاء أن العرب لن يحظوا بالديمقراطية لأنهم لم يحظوا بها؟ ليس جميع نقاد الثقافة السياسية العربية من طينة كيدوري الذي لا يُخفي عداءه للعرب. ولكن بعض نقاد "الثقافة السياسية العربية" من داخلها غالبًا ما يشيحون بوجوههم عن معركة الديمقراطية، لأنهم يدورون في حلقة مفرغة. ف يشارك نقاد الثقافة في النضال من أجل الديمقراطية، مفترضين أن الثقافة السياسية يجب أن تتغير أولً؛ ولا تخاض الصراعات الثقافية، من جهة أخرى، لأن نقد الثقافة بالنسبة إليهم في الأطر الثقافية الأكاديمية هو في ذاته بديل من المشاركة في إنتاج ثقافة بديلة، بما في ذلك من خال الممارسة.
من جهة أخرى، إن فئةً من أوساط اليسار الليبرالي في الغرب (وهو مصطلح كان يُعدّ متناقضًا في الماضي) ترى أن حريات شخصية مكتسبة خال العقود الثاثة الأخيرة في جزء من المجتمعات الغربية، مثل حق اختيار التوجهات وحتى الهوية الجنسية، هي حقوق إنسانية ومدنية أساسية، وتتمنى أن تفرضها على أوساط محافظة في مجتمعها. وهي تحاول فرضها حتى على مجتمعات أخرى لا تزال تعيش في ظل أنظمة سلطوية، ولا تزال الأخاق الجماعتية سائدة في المجال العمومي (والتي لم تنفصل فيها الأخاقيات الشخصية عن الأخاق العمومية إلى درجة الأوتونوميا الفردية)، وتوظف بوصفها واقيًا ضد السينيكية Cynicism والعدمية في ظل السلطوية. إنها في الحقيقة تمارس نوعًا من الوصاية التي يمكن أن تتدهور إلى إمبريالية ثقافية. انتشرت في تسعينيات القرن الماضي أدبيات عربية غزيرة تبحث عن سبب "الاستعصاء الديمقراطي عربيًا" فتجد ضالتها في التراث المترسب في العقلية السياسية العربية و"العنف سيد أحكامها"36، وفق فؤاد إسحق خوري مثا، أو في دوام "العقلية السلطانية"، أي تلك التي نشأت في العهود السلطانية المديدة، واستمرارها في ثقافة الأفراد، أو في النظام البطريركي. غالبًا ما تجنب نقاد الثقافة هؤلاء طرحَ مسألتَي طبيعة النظام الحاكم في بلدانهم والانتقال إلى الديمقراطية؛ ذلك أن الأسباب المشار إليها هي، بالنسبة إلى جميع هؤلاء الكتاب، إما غير قابلة للتغيير، وإما يشترط أن تتغير كي يكون في الإمكان التخلص من الاستبداد والانتقال إلى الديمقراطية37. يقول هشام شرابي: "إذا أردنا لمجتمعنا العربي أن يتجاوز أزمته المتفاقمة وأن يسترجع قواه ويدخل ثانية في مجرى التاريخ، ف بد له من القيام بعملية نقد حضاري يمكّنه من خلق وعي ذاتي مستقل واستعادة العقانية الهادفة"38. وتتلخص مداخلة شرابي في تفكيك هذا الوعي إلى جزأين هما: أولً، الوعي ب "هيمنة الأبوية في المجتمع العربي المعاصر"؛ ثانيًا، الوصول إلى "سبل استئصالها جذريًا". وهو يعرّف هذا الشكل من الأبوية بأنه "السلطة المنتشرة في البنية الاجتماعية المتمثلة بالنموذج الأبوي والنابعة منه والمتجسدة في عاقات المجتمع وحضارته ككل"39. ومسألة انتشار السلطة هذه في مفاصل المجتمع ليست بعيدة عن تنظير مفكري ما بعد الحداثة. وخطؤها الجسيم هو عدم رؤية الفرق النوعي بين هذه السلطات المنتشرة والسلطة السياسية. ولذلك إسقاطات تتجلى في ابتعادهم عن طرح مسألة نظام الحكم.
كيفما كان الأمر، لا أعتقد أن ثمة بلدًا واحدًا بين الديمقراطيات القديمة والراسخة قد تخلص من الأبوية أو النظام الاجتماعي والثقافي الأبويين قبل ظهور الديمقراطية. من المهم ممارسة النقد ضد الثقافة البطريركية نظريًا وعمليًا، ولكن استئصالها ليس شرطًا للديمقراطية. تنافس العديد من المثقفين والباحثين في تبيين العطوب الثقافية ونسبتها إلى التراث والبنية الاجتماعية من زوايا نظر مختلفة. وقدم بعضهم (مثل: عبد الله العروي، وهشام شرابي، وفؤاد إسحق خوري، وغيرهم) أطروحات مفيدة فعا، لكن من دون مساهمة حقيقية في فهم دور النظم السلطوية المعاصرة في الدولة الحديثة وتأثيرها في المجتمع وثقافته، وفي فهم ضرورة تفكيك السلطوية أولً من أجل العدالة، وثانيًا لتغيير الثقافة التي تنمو في كنف هذه الأنظمة. وبتجنب طرح مسألة نظام الحكم ومواجهتها في دول بعينها، شغَل عديد من المثقفين نفسه بنقاشات آمنة لا تزعج أي سلطة. فالأنظمة السلطوية تشاركهم الاعتقاد أن ثقافة الشعوب ليست جاهزة للديمقراطية، وأن المطلوب هو تغييرها. ولا تمانع هذه الأنظمة في أن يدور النقاش حول مسائل مثل قابلية الثقافة للتغيير، وعاقتها بالعادات، والتراث والهوية. ثمة نقاش آمن آخر قد لا يزعج الخوض فيه السلطات الحاكمة، ويستحق أن نوليه اهتمامًا أكبر، وهو الأخاق العمومية.
References
المراجع
العربية
بشارة، عزمي. في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي. ط 4. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018
________. الانتقال الديمقراطي وإشكاليته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة. بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020
الخوري، فؤاد إسحق. الذهنية العربية: العنف سيد الأحكام. بيروت/ لندن: دار الساقي،.1993
شرابي، هشام. النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1999
يعقوب، محمد حافظ. العطب والدلالة: في الثقافة والانسداد الديمقراطي. رام الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية،.1997
الأجنبية
Almond, Gabriel. "Comparative Political Systems." The Journal of Politics , vol. 18,
no. 3 (August 1956).
A. Almond, Gabriel & Sidney Verba. The Civic Culture: Political Attitudes and
Democracy in Five Nations. Newbury Park, CA: Sage Publications, 1989 [1963].
de Tocqueville, Alexis. Democracy in America. Henry Reeve (trans.). vol. 1. New York:
Schocken Books, 1961.
________. Democracy in America. Eduardo Nolla (ed.). James T. Schleifer (trans.).
vol. 1. Indianapolis: Liberty Fund, 2012.
Diamond, Larry (ed.). Political Culture and Democracy in Developing Countries.
Boulder, CO: Lynne Rienner, 1993.
Eisenstadt, Shmuel Noah. "Cultural Traditions and Political Dynamics: The Origins of
Modes of Ideological Politics." British Journal of Sociology. vol. 32, no. 2 (June 1981).
Festinger, Leon. A Theory of Cognitive Dissonance. Stanford, CA: Stanford University
Press, 1985 [1957].
Kedourie, Elie. Democracy and Arab Political Culture. London: Frank Cass, 1994.
McClosky, Herbert. "Consensus and Ideology in American Politics." American Political
Science Review. vol. 58, no. 2 (June 1964).
Moore Jr., Barrington. Social Origins of Dictatorship and Democracy: Lord and Peasant
in the Making of the Modern World. with a New Foreword by Edward Friedman &
James C. Scott. Boston, MA: Beacon Press, 1993 [1966].
Norris, Pippa & Ronald Inglehart. Cultural Backlash: Trump, Brexit, and Authoritarian
Populism. New York: Cambridge University Press, 2019.
Pye, Lucian W. & Sidney Verba (eds.). Political Culture and Political Development.
Princeton, NJ: Princeton University Press, 1965.
Rustow, Dankwart A. "Transitions to Democracy: Toward a Dynamic Model."
Comparative Politics. vol. 2, no. 3 (April 1970). at: http://bit.ly/2nxFetW
________. A World of Nations: Problems of Political Modernization. Washington, DC:
The Brookings Institution, 1973 [1967].
Schumpeter, Joseph A. Capitalism, Socialism and Democracy. London/ New York:
Routledge, 1996 [Originally Published by New York’s Harper Perennial in 1942].
Skocpol, Theda. "A Critical Review of Barrington Moore’s Social Origins of Dictatorship
and Democracy." Politics and Society. vol. 4, no. 1 (September 1973).
Weber, Max. Essays in Sociology. New York: Oxford University Press, 1946.
Welch, Stephen. The Theory of Political Culture. Oxford: Oxford University Press,