التوجهات الانفعالية والثقافة السياسية الديمقراطية
Affective Attitudes and Democratic Political Culture
الملخّص
هناك أنماط مختلفة من الثقافة السياسية، كما أنّ هناك عناصر متعددة في الثقافة السياسية على اختلاف أنماطها. في هذه الدراسة، لن نهتم بالثقافة السياسية بعناصرها كافة، بل سنفحص ونناقش الجزء المتعلق بالتوجهات الانفعالية Emotions، أي كل ما يتعلق بالمشاعر، والعواطف، والوجدانيات المختلفة التي نختبرها في حياتنا الثقافية السياسية التي نعتقد أنها لا تنفصل عن القيم والأحكام التقييمية. هناك تحديد آخر نمتثل إليه في هذه الدراسة، وهو أننا لن نناقش أنماط الثقافة السياسية المختلفة، بل سينصب جهدنا على نوعٍ محدَّدٍ من الثقافة السياسية، وهو "الثقافة السياسية الديمقراطية". وسيتمخض عملنا عن مناقشة علاقة مفاهيمية بين "الثقافة السياسية" و"النظام السياسي"، هي: علاقة التوائمCongruence أو التناسب. وهذه العلاقة أقل إثارة للخلاف من العلاقة السببية التي يراها البعض بين النظام والثقافة، ولكنها تمهد للقيام بالأبحاث التجريبية، بحثًا عن علاقات سببية، ذلك أنها تزوّدنا بمفاهيم تَصْلُح للاستخدام في صياغة الفرضيات التجريبية.
Abstract
Abstract: There are many types of political culture as well as many elements to be found in each type of political culture. The present study will be limited in two ways. Firstly, we shall not deal with all the elements of political culture. We shall focus on what has been called the "Affective Attitudes" element, which we take to include feelings and emotional proclivities, which to us, are inseparable from values and evaluations. Secondly, we shall not focus on all types of political cultures, but rather on democratic political culture. We plan to study one particular conceptual relation between (democratic) political culture and (democratic) political system. This is the relation of congruence. This relation is less controversial than causal relation which some theorists propose as holding between political culture and political system. However, it does suggest concepts that can be used in formulating causal hypotheses that can be empirically tested.
- الثقافة السياسية
- النظام السياسي
- الثقافة السياسية الديمقراطية
- التوجهات الانفعالية
- أحكام القيمة
- علاقة التوائم
- العلاقة السببية
- Political Culture
- Political System
- Democratic Political Culture
- Affective Attitudes
- Value Judgments
- Congruence
- Causal Relation
مقدمة
يعتقد بعض الكتّاب أنّ النظام السياسي يمثّل انعكاسًا للثقافة السياسية، وأنّ بعض الثقافات السياسية هي من النوع الذي يساعد على ترسيخ النظام الديمقراطي واستقراره أو يسهِّل عملية الانتقال إليه، إن لم يكن هذا الأخير قائمًا بالفعل. ويعتقد بعضهم الآخر أنّ هناك أنواعًا أخرى من الثقافة السياسية، تساهم في إضعاف النظام الديمقراطي، وقد تعوق الانتقال إلى الديمقراطية أو تكون سببًا في غيابها. ومن الأقوال ذات العاقة بهذه المزاعم، نذكر قول غابرييل ألموند (2002–1911)، وسيدني فيربا (2019–1932) (اللذين يعود إليهما الفضل في إرساء مفهوم الثقافة السياسية بصورته الحديثة)، إنّ "النظام الديمقراطي في الحكم يتطلب ثقافة سياسية في حالة تناسق مع ذلك النظام"1. ومن هؤلاء أيضًا، هارولد دوايت لاسويل (1978–1902) الذي كتب من منظور التحليل النفسي، عن سمات الشخصية الديمقراطية قائا: إنّ "استقرار الجماعة الديمقراطية، يعتمد من دون ريب على تشكُّل شخصيات Characters قادرة على احترام إنسانية كل إنسان"2. ومنهم أيضًا رونالد إنغلهارت (2021–1934)، الذي يقول: إنّ "للفروق الثقافية بين الشعوب تبعات سياسية كبرى، من حيث إنها تُربط بشكل وثيق بقدرة النظام الديمقراطي على البقاء"3. ومن مدّة زمنية أحدث، يمكن الإشارة إلى مقولة مارثا نوسباوم التي تفيد أنّ "كل مثال [نظام] سياسي يتلقى دعمًا من انفعالات ومشاعر Emotions خاصة به"، ضاربة على ذلك مثل النظام الملكي الذي يوائم نظرة الرعايا إلى الملك كأب حنون، أو النظم الفاشية، التي توائم نزعة عبادة الشخصية والبطولية ومشاعر التضامن والكبرياء الجماعية4. بالطبع، ليس هناك إجماع على هذه الأفكار والمقولات، بل هناك من يخالفها أو يسعى للتخفيف من طابعها القطعي بطرائق مختلفة. ومن هؤلاء عزمي بشارة الذي ينفي أن تكون ثقافة سياسية من نوع محدد شرطًا ضروريًا (أو كافيًا) لانتقال إلى الديمقراطية، قائا إنه: "لا يوجد عالم اجتماع جدي ينكر أهمية الثقافة السياسية في الديمقراطية. لكن، من ناحية أخرى [...]، نقول إنه يفترض ألّ يوجد عالم اجتماع جدي يضع قائمة شاملة وحصرية بمميزات الثقافة السياسية الديمقراطية، فكم بالحري ادعاء معرفة مميزات الثقافة التي تؤدي سببًا إلى غياب الديمقراطية"5. وفي مكان آخر، يورد بشارة ما لا يقل عن خمسة أسباب لمخالفة الرأي القائل إنه: "يمكن أن تؤثر الثقافة السائدة عمومًا، أي
ثقافة شعب بأكمله مباشرة في مساندة الديمقراطية أو عرقلتها"6. ولكنه مع ذلك، وفي معرض منحه الثقافة السياسية دورًا محدودًا، يعتقد أن شيوع قدر معيّن من الثقافة السياسية الديمقراطية بين النُّخب الفاعلة (وليس بالضرورة على النطاق الشعبي الواسع)، في بلد ما، شرط لانتقال الديمقراطي في ذلك البلد، مُلخصًا الثقافة السياسية الديمقراطية "التي يُفيد أن تتزود بها النخب السياسية في مرحلة الانتقال؟"7 في نقطتين مهمتين هما: القابلية للحوار والمساومة، والاتفاق على الديمقراطية الإجرائية ومؤسساتها. لا شك في أنّ أسئلة على شاكلة أتخلق الثقافةُ السياسية النظامَ السياسي، أم أن النظام السياسي هو الذي يخلق الثقافة السياسية، أم نحن بصدد عاقة سببية تسير في اتجاهين، أم عاقة سببية محدودة الأثر؟ لا شك في أن هذه الأسئلة جديرة باهتمام كل المعنيين بمسألة التغيير والتغير السياسي. ولكن من غير المجدي محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة، قبل الإجابة عن أسئلة سابقة لها، والقصد يقع ههنا على الأسئلة حول مفهوم الثقافة السياسية. يود الإنسان مثا أن يعرف ما الثقافة بإطاق، وإن كان هناك أنواع مختلفة من الثقافة، أحدها هو الثقافة السياسية. فقد كتب الكاتب السياسي والروائي البريطاني سي بي سنو (1980–1905)، في خمسينيات القرن المنصرم، يشكو من تزايد انقسام الساحة الفكرية في الغرب، بين معسكرين غير قادرين على التواصل الفكري. ومن أولئك الذين سمّاهم "أصحاب الثقافة العلمية" و"أصحاب الثقافة الأدبية"8. ولربما كان هناك مجال للحديث عن ثقافة فنية، أو قانونية، أو اقتصادية، إضافة إلى الثقافتين العلمية والأدبية، اللتين يذكرهما سنو بالاسم. فما العنصر المشترك بين جميع هذه الأنواع من الثقافات؟ وما الخاصيات التي تتميز وتفترق الثقافات على أساسها؟ وبالتحديد، ما الذي يجعل ثقافةً ما ثقافة سياسية؟ وما الذي يمكّننا من بعد ذلك من التحدث، بتحديد أكبر، عن ثقافة سياسية ديمقراطية، أو ثقافة سياسية فاشية، أو ماركسية، أو إسامية، إذا كان أي من هذا ممكنًا؟ كما نود أن نعرف عناصر الثقافة السياسية ومكوناتها، والعاقات التي تربط بين تلك العناصر والمكونات. تقود هذه التساؤلات إلى أبحاث ذات طابع فلسفي، يتعلق بتحليل المفاهيم والمصطلحات وضبطهما، في حين أنّ البحث عن العاقات السببية بين الثقافة السياسية والنظام السياسي هي أبحاث ذات طابع علمي تجريبي. لا شك في أن ك النوعين من البحث جدير بالاهتمام، ولكن للنوع الأول من البحث أسبقية. فمن الخطأ أن ينغمس الإنسان في أبحاث تجريبية انطاقًا من مفاهيم غير محددة، وذات عاقات غير مفهومة، لأن هذا سوف ينعكس، ب ريب، على الفرضيات والنتائج التي يجري التوصل إليها، بما قد يفقد البحث التجريبي قيمته العلمية. ليس همنا الأساس هنا هو دراسة العاقات السببية بين الثقافة السياسية والنظام السياسي، بل العاقات المفاهيمية بين النظام السياسي والثقافة السياسية. ذلك أن عناصر الثقافات السياسية ومكوناتها ليست
على نمط واحدٍ، من حيث ارتباطاتها المفاهيمية مع أنظمة الحكم الممكنة. لهذا السبب، يقرن بعض المفكرين بعضَ عناصر الثقافة السياسية بهذا النظام أو ذلك، قائلين مثا إنّ الانفتاح الفكري، والروح الحزبية المعتدلة، هما كتوائم الديمقراطية أو "تتناسبان" معها. يقوم هذا الزعم على أساس فهم معيّن للخصائص المذكورة، إضافة إلى فهم معيّن لمفهوم الديمقراطية. وفي وسع الإنسان أن يُؤيد الزعم بوجود "توائم" بين الديمقراطية والانفتاح الفكري والروح الحزبية المعتدلة، من دون أن يلزم نفسه بالقول إنّ الانفتاح الفكري والروح الحزبية المعتدلة يتسببان في الانتقال إلى الديمقراطية أو يعمان سببيًا على ترسيخها. فالمزاعم الأخيرة، هي مزاعم تجريبية ويجدر بمن يقول بها أن يكون مستعدًا لتوفير بعض الدعم لها من خال التجربة. ومع ذلك، يسعنا القول إنّ هذا النوع من التقصّي النظري المفاهيمي يقترب بنا من البحث التجريبي، من دون أن يلزمنا بالخوض فيه. ذلك أنه قد يوحي إلينا ببعض الفرضيات، أو يلفت نظرنا إلى بعض المتغيرات التي يمكن اختبارها تجريبيًا. فالفرضيات والمتغيرات، التي يمضي بها خبراء مؤشرات الديمقراطية والحرية وغيرها إلى ساحة الاختبار التجريبي، لا تتنزل عليهم من السماء، بل هي، على الأقل في جزء منها، ثمرة تأمات فكرية، وتحليل لمفاهيم فلسفية، وما قبل فلسفية، تحضنها الثقافة العامة حول الديمقراطية، ومعناها وعناصرها وقيمها، وحول النظام السياسي، كيف ينشأ؟ وكيف يضعف؟ وكيف يزول؟ ومن نافلة القول إنه إذا كانت الديمقراطية في النهاية تتسبب في حصول ثقافة معيّنة، فهذا لن يكون من باب الصدفة المحضة، وإذا كانت ثقافة من نوع معيّن تؤدي إلى قيام الديمقراطية، أو استقرارها، أو فشلها، فهذا أيضًا لن يكون بمحض الصدفة. ومن ثم فمن المتوقع أن يرفدنا البحث النظري المحض ببعض الأفكار والأطروحات القابلة للبحث التجريبي حول العاقات بين النظام السياسي والثقافة السياسية. هدفنا البحثي هنا محدد من جهتين. فنحن أولً، لن نهتم بالثقافة السياسية من كل جوانبها، بل سوف نركز الاهتمام على التوجهات الانفعالية9؛ أي ما يتعلق بالمشاعر والعواطف والوجدانيات المختلفة التي نختبرها في حياتنا الثقافية السياسية، بل في حياتنا على الإجمال. تلك هي الجوانب التي نميل إلى التمييز بينها وبين العقل والتعقل والحسابات العقانية الباردة. أما التحديد الثاني، فيتمثل في أننا لن نركز على مختلف أنماط الثقافة السياسية، بل سينصرف جُهدنا تجاه نوع محدد من الثقافة السياسية، وهو الثقافة السياسية الديمقراطية. وفي القسم الثاني من الدراسة، نسعى للتدقيق في بعض المصطلحات المهمة، ذات المعنى الملتبس، والتي سوف تتكرر في الدراسة. ومن هذه المصطلحات: "الثقافة" و"الثقافة السياسية" و"التوجهات الانفعالية". سوف نتوقف عند المحاولات التي جرت وتجري، لتعريف هذه المصطلحات على نحوٍ دقيق ومفيد، كما نتوقف عند الصعوبات التي تواجهنا عندما نبحث عن مصطلحات عربية، مائمة للحديث عن مفاهيم وانشغالات فكرية حديثة، نشأت في كنف اللغات الأجنبية وليس العربية.
أما في القسم الثالث من هذه الدراسة، فسنناقش التعريف الكاسيكي للثقافة السياسية الذي طرحه كل من آلموند وفيربا، والذي يحدد عناصر الثقافة السياسية، بالإشارة إلى جانب إدراكي معرفي Orientation Cognitive، يتعلق بالمعلومات والمعارف التي يمتلكها الإنسان عن النظام السياسي الذي يعيش في كنفه، يضاف إليها جانب التوجهات الانفعالية Orientation Affective، حول طريقة عمل النظام السياسي، والدولة، أو الجماعة السياسية، وأخيرًا، ما يطلق عليه آلموند وفيريا "التوجهات التقييمية" Orientations Evaluative، التي تحتوي على أحكام قيمة يصدرها الأفراد على النظام السياسي، أو عناصره المختلفة. ونناقش مصاعب التعريف المقترح، كما نسعى للخروج بفهم مناسب لطبيعة التوجهات الانفعالية، مكونًا من مكونات الثقافة السياسية، وذلك من خال إعادة تفسير بعض المفاهيم، وإجراء بعض التعديات في تعريف آلموند وفيربا. في القسم الرابع، نتحدث عن التوجهات الانفعالية على صعيد الثقافة السياسية. ونقوم ههنا بتصنيف هذه التوجهات إلى ثاثة أصناف هي: • التوجهات الانفعالية السياسية للأفراد تجاه الدولة والنظام السياسي. • التوجهات الانفعالية للأفراد تجاه العملية السياسية. • التوجهات الانفعالية السياسية للأفراد، بعضهم تجاه بعض. ونناقش هنا العديد من الأمثلة لهذه التوجهات، كما تتجلى على الصّعد المختلفة. وفي القسم الخامس، نناقش التوجهات الانفعالية التي يعتقد البعض أنها في حالة تواؤم مع النظام السياسي الديمقراطي، وبعض تلك التي يُظَنّ أنها تتناقض مع روح هذا النظام. وأخيرًا ننهي بخاتمة نستشرف فيها بعض القضايا التي لم نتمكن من مناقشتها.
أولا: مفهوم الثقافة السياسية وعناصرها
من المفيد البدء بالتعريف الذي يورده آلموند وفيربا لمفهوم الثقافة السياسية، فقد بات هذا التعريف يشكّل نقطة بدءٍ في أغلب النقاشات المتعلقة بهذا المفهوم، على الأقل في صيغته الحديثة10. يقول المؤلفان: "عندما نتكلم عن الثقافة السياسية لمجتمع ما، نشير إلى النظام السياسي المُستبطَن، في إدراكات ومشاعر وتقييمات الأفراد المنتمين إلى ذلك المجتمع. يُؤَهل Inducted الناس لانضواء تحت مظلة تلك الثقافة، كما يؤهلون اجتماعيًا Socialized للقيام بالأدوار غير السياسية والاجتماعية"11.
وبتحديدٍ أكثر، فإنّ الثقافة السياسية لشعب ما هي: توزيع محدد بين أفراد الشعب، لنماذج Patterns من التوجهات Attitudes إزاء الأشياء12 ذات الطابع السياسي Objects Political. تشتمل تلك التوجهات، أولً، على توجهات إدراكية Orientations Cognitive، أي معارف ومعتقدات متعلقة بالنظام السياسي، والأدوار السياسية ومن يشغلونها، ومُدخات Inputs، ومُخرجات Outputs ذلك النظام؛ وثانيًا، توجهات انفعالية، أي مشاعر Feelings نحو النظام السياسي، والأدوار، ومن يعملون في ذلك النظام وأدائهم؛ وثالثًا، توجهات تقييمية Orientations Evaluational، أي الأحكام والآراء المتعلقة بالموضوعات السياسية، والتي تجمع بين معايير القيمة Standards Value والمعارف والمشاعر13. سنقوم بتفحص ونقد لتعريف آلموند وفيربا في القسم التالي من الدراسة، ولكن قبل ذلك، لا بد من التوقف عند المصطلحات المستخدمة، وتحديدًا مصطلحي: "انفعال Emotion "، و"توجه انفعالي Affect "، ذلك أننا سنستخدم هذين المفهومين كثيرًا في هذا البحث، لا بل إن البحث برمته سيتخذ من آخرها عنوانًا له. فمصطلح Emotion يعود إلى أصل لاتيني يشير إلى الحركة والتحرك movers – e، بينما تعود Affect إلى أصل لاتيني afficere الذي يعني "التأثير" و"التأثر"، وهي معانٍ باقية في فهمنا الحالي للعواطف والمشاعر والانفعالات التي تحصل عندما "نتأثر" بمجريات خارجية، "تُحرِّك" مشاعرنا (كشعورنا أو انفعالنا الغاضب مثا عند سماع إهانة مُوجهة إلينا)، ولعلنا نستحضر ههنا تعريفًا لأحد الباحثين لانفعال بأنه: "حالة جسمية نفسية تتخذ صورة أزمة عابرة مفاجئة يضطرب لها الإنسان [...] جسميًا ونفسيًا"14. ليس هذا فحسب، بل إنّ لانفعال جانبًا سلوكيًا من حيث إنه استعداد للفعل. وبناءً على ذلك، يقول الباحثان جوليان آي ديونا وفابريس تيروني في كتابهما الانفعالات: مقدمة فلسفية (2012): "علينا تصور الانفعالات كحالات متميزة من وعي الإنسان بحالته البدنية، حين يشعر الإنسان أنّ جسمه، وبشكل متكامل يتخذ موقفًا محددًا تجاه شيء معيّن [...]، إحساس الإنسان بالتأهب للقيام بفعل ما مرشح جيد، لتوضيح طبيعة الانفعالات، بصفتها أمرًا يشتمل على الوعي بموقف بدني محدد، يجري اتخاذه نحو شيء ما، أو إنّ الجسم في حالة تأهب للتصرف بطرائق معينة تجاه شيء معين"15.
هل نترجم مصطلحي Emotion و Affect باستخدام مفردة "انفعال" وحدها؟ لا يبدو الاختيار موفقًا ما دام مبتغانا في التحليل الأخير هو الحديث عن الحب، والكراهية، والخوف، والشفقة، والغضب، والقرف، والنقمة، والحسد، والغيرة، والتضامن الاجتماعي، والشعور الوطني وغيرها. وهذه ليست انفعالات، بمعنى حالات "تأزّم عاطفي" نشعر بها في هذه اللحظة أو تلك، بل هي استعدادات للشعور والتصرف، بطرائق معينة توجد عند هذا الشخص أو ذاك، بمعنى أنه سوف ينفعل و/ أو سوف يتصرف بهذه الطريقة أو تلك في هذا الظرف أو ذاك. مثال ذلك، شخص يعاني فوبيا الطيران Aerophobia، إنه لا يشعر بالرهاب الآن، ولكنه لو صعد إلى سلّم الطائرة لشعر بالهلع الذي يجعله غير قادر على صعود السلم. من الأفضل لنا القول إنّ لدى المصاب بفوبيا الطيران "توجهًا انفعاليًا" من نوع معين: استعداد للشعور بالخوف، واستعداد لانخراط في سلوكيات معينة في ظروف محددة، وليس أنه في كل وقت يشعر بالخشية من ركوب الطائرة. وكذلك الحب، إنه ليس انفع لً، بل هو استعداد لانفعال والعمل بطرائق معينة، إذا تحققت ظروف معينة، كحصول مكروه لحبيبه فيحزن ويسارع إلى تقديم العون، أو تعرّض المحبوب لاعتداء ما يجعله يغضب ويدافع عمن يحب، وهكذا. والإنسان المدافع عن الوطن Patriot ليس دائمًا في حالة انفعال بخصوص وطنه، بل يتعلق الأمر بالظروف (انتصار، هزيمة، تهديد، تحدٍّ... إلخ.) لنا أن نقول إذًا: إنّ المصطلح المحبَّذ للحديث عن الحب (كحب الوطن مثا) أو الكراهية (ككراهية العدو) والحزن، والحسد، والتعصب المذهبي، وغيرها هو مصطلح "توجهات انفعالية" وليس "انفعالات". وهذا التمييز ضروري لفهم ما جرى عشية الثورة التونسية مثا. فمن المرجح أنه كان لدى التونسيين توجهات انفعالية عميقة مضادة للنظام – حنق Resentment، ورغبة في تغييره بسبب القمع وغياب العدالة الاجتماعية. وفي لحظة ما وفي ظرف معيّن، أقدم مواطن بسيط يُدعى طارق الطيب محمد البوعزيزي (2011–1984) على إضرام النار في جسده، أثناء مواجهة "فردية" مع النظام السياسي، ممثا في جهاز الشرطة التي اعتدت عليه والبلدية التي لم تقم بحمايته. كان الانفعال الذي أدى إلى هذا الفعل انفع لً مدمرًا بالنسبة إلى البوعزيزي، ولكنه سرعان ما سرى بين الناس كالنار في الهشيم، متسببًا في ذلك الحدث الذي نسميه "الثورة التونسية". ولم يخرج انفعال التونسيين الجماعي إلى الوجود بعد حادثة البوعزيزي من العدم، بل كان تَمظْهرًا لتوجه مستقر في الأنفس لفترة طويلة، حتى لو كان في حالة خمود. وكذلك تظاهراتهم الجماعية العارمة؛ فقد كانت هي الأخرى عبارة عن استعدادات للفعل قبل أن تتحقق على أرض الواقع16. ولكن ماذا عن مفردات ك "عاطفة" و"عاطفي"؟ لِمَ لا نتحدث عن العواطف بدلً من التوجهات الانفعالية أو الانفعال؟ إن لفظة عاطفة شائعة أكثر في الاستخدام العام، في حين أن لفظة "انفعال" و"انفعالي" شائعة أكثر في السياقات العلمية. فعلى الرغم من أن المعالج النفساني والتربوي المصري حامد عبد السام زهران (2008–1966) يُخيِّر القارئ بين "عاطفي" و"انفعالي" مرادفًا ل Emotion" "، ونجده يُبدي تَحيُّزًا
واضحًا إلى مصطلح "انفعالي"، عند ترجمة مصطلحات مثل: Protopathic Emotion, Emotional
Adjustment, Emotivity، وغيرها كثير17. وكذلك تفعل مترجمة كتاب Political Psychology:
Situations Individuals, and Cases علم النفس السياسي: أوضاع وأفراد وحالات، التي لا تذكر مفردة "عاطفة" إَّلَّ مرةً أو مرتين في ترجمتها لفصل عنوانه: "Affect and Emotion"18. إن شُيوع "انفعال" في الاستخدام العلمي الأكاديمي سبب جيّد لاستخدامنا له ههنا، ولكن هناك سبب إضافي يدفعنا إلى تفضيل "الانفعال" على "العاطفة"؛ ذلك أن الأولى تحمل معنى مُحددًا إلى درجة كبيرة، بفضل استخداماتها العلمية، في حين أن مفردة "عاطفة" تحمل معنيين "معنى الانفعال" و"معنى التوجه الانفعالي". فهي تحمل معنى التوجه الانفعالي عندما نتحدث مثا عن أهمية وجود "عواطف" كالثقة، والمحبة، والرحمة، على صعيد المجتمع. نتحدث هنا عن توجهات أو ميول ونزعات (نَأمل أنْ) تتجلى في حياة الناس في الظروف المناسبة. ولكن عندما نقول إنّ فانًا لم يُبدِ أيّ عاطفة تجاه عاّن في مصابه، أو إنّ فانًا بارد عاطفيًا، فالقصد يقع على الحديث عن غياب الانفعال، أي عدم وجود الشعور أو الإحساس. لهذا السبب، من الأفضل لنا استبقاء "انفعال" بمعناها المحدد، باعتبارها "حالة جسمية نفسية تتخذ صورة أزمة عابرة مفاجئة يضطرب لها الإنسان"19. مع ذلك نعترف بأنّ الحديث عن "عاطفة المودة" أكثر ساسةً من الحديث عن "التوجه الانفعالي" الذي تشير إليه مفردة "مودة". لذلك لا نقترح تحريم استخدام مفردات "عاطفة" و"عاطفي" بالمطلق، ما دامت أفكارنا واضحة. ننتقل الآن إلى تمييز آلموند وفيربا بين الثقافة والثقافة السياسية. فهما يُقدِّمان تعريفًا للثقافة يحمل طابعًا سيكولوجيًا، فيقولان إنها: "توجه سيكولوجي Orientation Psychological تجاه الأشياء الاجتماعية Objects Social "20، ويقولان إنّ مصطلح الثقافة السياسية يشير إلى "التوجهات نحو النظام السياسي، بمكوناته المختلفة، وتجاه النفس والدور الذي تؤديه في ذلك النظام السياسي"21. من الجائز هنا أن يعيب الواحد منا على آلموند وفيربا مقاربتهما السيكولوجية للثقافة، قائا إنه من شأن هذا أن يعطي انطباعًا بأنّ الثقافة محض أمرٍ فردي وذاتي، في حين أن لها وجودًا موضوعيًا واجتماعيًا لا يمكن تجاهله. فهي ليست مجرد توجه سيكولوجي، لأنّه يوجد على صعيد النفس أو الذات الفردية، في حين أنّ الثقافة موجودة "في الخارج" من خال المتاحف، مثا، والمسارح، وأعمال النحت، والرسم، والصناعات، والعمارة، والتقنيات، وغيرها. ومما هو مادي وثقافي في الوقت نفسه. صحيح
أنّ المتاحف عبارة عن "موجودات اجتماعية"، وأنه من غير الممكن أن يكون هناك متاحف من دون كائنات سيكولوجية، تفهم ما هو معروض فيها من أعمال فنية. لكن في المقابل، لا يمكن الاعتقاد بأنّ للإنسان وجودًا إنسانيًا (على خاف الوجود المادي، وتحديدًا الحيواني)، بمعزل عن الأثر الذي يتركه في العالم المادي، حيث يعبّر عن نفسه، من خال أعماله وآثاره على البيئة. ويثير تعريف آلموند وفيربا للثقافة مسألةً مهمةً لا نستطيع التعمق في بحثها من دون الدخول في أنطولوجيا الموجودات الاجتماعية، مثل المجتمع والدولة والنظام، والثقافة، والطبقة، وغيرها. وسوف يكون لنا عودة مختصرة إلى هذا الموضوع لاحقًا. لذا سوف نكتفي في هذه المرحلة بالتعليق على تعريف آلموند وفيربا للثقافة السياسية، الذي يفيد بأنها "التوجهات نحو النظام السياسي بمكوناته المختلفة، وتجاه النفس والدور الذي تؤديه في ذلك النظام السياسي"، مفترضين أنه على صواب، فيما يتعلق بطريقة فهمه للثقافة عمومًا. من الواضح أنّ الثقافة السياسية تختلف عن مطلق الثقافة ب قيد، بالإشارة إلى الموضوعات التي تختص بها. ففي حين تتعلق الثقافة ب قيد ب "الأشياء" أو الموضوعات الاجتماعية، تتحدد الثقافة السياسية بالإشارة إلى الأشياء والموضوعات السياسية، فهي "توجهات سيكولوجية" تجاه أشياءِ السياسة وموضوعاتِها. كما أنه من الواضح ههنا أنّ هذا لا يشكّل تعريفًا بالمعنى الدقيق للكلمة، بحيث يُشترط ألّ يقوم الإنسان بتعريف الماء بعد جهد بالماء. هذه هي حال من يعرّف الثقافة السياسية بالإشارة إلى الموضوعات السياسية. وينطبق هذا الأمر على جميع عناصر الثقافة السياسية المذكورة، في تعريف آلموند وفيربا من فكر ومعارف ومعتقدات ومشاعر وأحكام قيمية، ذلك أنه يُشترط أن تكون هذه سياسية أيضًا، وإلا باتت غير صالحة لاستخدام في الحديث عن الثقافة السياسية. مثال ذلك ما تقوله باربرا كوزياك في تعريف أحد عناصر الثقافة السياسية، المتمثل في التوجهات الانفعالية السياسية؛ إذ تصفها بأنها تلك التوجهات الانفعالية التي تتجلى في السيرورات السياسية22. يسارع الباحث نيكولاس ديمرتزيس إلى انتقاد هذا التعريف بالقول: "لا يمكن تجنب غموض المعنى والتباسه هنا، لأنّ المفاهيم المستخدمة في تعريف 'السياسة' و'الانفعالات'، لم يجرِ تحديدها [تعريفها"]23. ولكن الناقد ليس أفضل ح لً ممن ينتقده، فعندما يأتي دوره هو لتعريف الانفعالات السياسية Emotions Political، نجده يقول إنّ "التوجهات الانفعالية السياسية هي نزعات انفعالية Affective Dispositions دائمة، تدعم وتتلقى دعمًا من المعايير Norms السياسية والاجتماعية في مجتمع معين، وتؤدي دورًا محوريًا في تكوين ثقافته السياسية"24. ومفهوم السياسة يبقى نفسه، في المُعرَّف والتعريف، واستخدام " Affect " في التعريف بدلً من " Emotion " في المُعرَّف لا يغني شيئًا، لأن المفردتين تعنيان الشيء نفسه.
لا ينبغي أن نعتبر تعريف الثقافة السياسية بالإشارة إلى الموضوعات السياسية تقصيرًا يُام عليه آلموند وفيربا. فمن في وسعه، في هذه المرحلة من تاريخ الفلسفة، أن يزعم أنّ مقولات الفلسفة السياسية ومفاهيمها، مثل الدولة أو الثقافة السياسية قابلة للتعريف (ومن ثم الاختزال)، إلى مقولات موضوع آخر ومفاهيمه، غير السياسة نفسها؟ وبتنا في هذا العصر، وبعد الفشل المتكرر للمحاولات الاختزالية في المجالات المختلفة أكثر وعيًا بالاستقال المفاهيمي (وهو ليس استقلً كلّيًا بالطبع)، الذي تحظى به العلوم المستقرة. لا يعني هذا أن لا عاقة بين الثقافة عمومًا والثقافة السياسية تحديدًا. لكن من الأفضل النظر إلى تلك العاقة، كما ننظر إلى العاقة بين مفهوم اللون (مطلقًا) ومفهوم الحُمرة (تحديدًا). فالحمرة ليست اللون مضافًا إليه خاصية أخرى، بل هي شكل من الأشكال التي يتّخذها اللون في عالمنا. مفهوم الحمرة عبارة عن تحَدُّدٍSpecification لمفهوم اللون، لا يُفهم ولا يُستوعب من دون الإشارة إلى الحمرة نفسها، كما أن مفهوم الثقافة السياسية عبارة عن تحديد لمفهوم الثقافة لا يُعرف ولا يُستوعب من دون إشارة إلى موضوعات الحقل السياسي واهتماماته وممارساته، أي السياسة نفسها. والأمر نفسه ينطبق على مفهوم الثقافة العلمية (مثا)، التي تُعرف وتُستوعب بالإشارة إلى موضوعات العلم واهتماماته وممارساته، كما ينطبق أيضًا على الثقافة الأدبية أو القانونية أو ما شئت. لنتجاهل إغراء البحث عن التعريفات الاختزالية، مفترضين أنّ لدينا من الفهم الكافي لمفاهيم السياسة والسياسي ما يمكننا من مناقشة فحوى تعريف آلموند وفيربا للثقافة السياسية، بالإشارة إلى التوجهات المختلفة التي تتكون منها تلك الثقافة25.
ثانيًا: نقد تعريف آلموند وفيربا للثقافة السياسية
ماذا عن تعريف آلموند وفيربا للثقافة السياسية، وتحديدًا التوجهات الثاثة التي ينظران من خالها إليها؟ أعني التوجه الإدراكي، والتوجه الانفعالي، والتوجه التقييمي. يقترح المؤلفان رصد هذه التوجهات الثاثة في أربعة محاور هي (بعض) "أشياء" السياسة ومسائلها المركزية: • النظام السياسي (الدولة، والشعب أو الأمة). • مدخات النظام السياسي (القنوات التي تحمل مطالب الشعب إلى النظام السياسي، كالمجالس المنتخبة والنُّخب، ووسائل الإعام مثا). • مخرجات النظام السياسي (الأجهزة التنفيذية، الشرطة والنظام القضائي). • النفس أو الذات (كيف ينظر المواطن إلى نفسه). ويعطينا التقسيم الثاثي لعناصر الثقافة السياسية، الممتد على أربعة محاور، اثني عشر (3×4) مقياسًا مختلفًا لرصد الثقافة السياسية، نقدِّم عنها بعض الأمثلة. في المحور الأول، نرصد (جزئيًا)
الثقافة السياسية لفرد ما من خال السُّؤال الإدراكي: "ما الذي يعرفه ذلك الفرد عن أمته، ونظامه السياسي [...] وصفاته الدستورية؟"26. ومن خال السؤال الانفعالي: "ما مشاعر الفرد حول تلك الخصائص النظامية Characteristics Systemic [المتعلقة بالنظام ككل]؟"، ومن خال السؤال التقييمي: "ما أحكام ذلك المواطن وآراؤه المتروية إزاء النظام بشكل عام؟" وعلى محور المدخات نرصد (جزئيًا) الثقافة السياسية لفرد ما من خال السؤال: "ما مشاعر المواطن وآراؤه، حول البنى والأدوار والنخب السياسية المتفرقة، ومشاريع القرارات المرتبطة بالاتجاه الصاعد [من المواطن إلى الدولة] لصنع السياسات؟"27. ناحظ هنا أن السؤال الانفعالي قد جرى دمجه مع السؤال التقييمي في سؤال واحد يتعلق بالمشاعر والآراء. وعلى صعيد مخرجات النظام نرصد الثقافة السياسية جزئيًا من خال السؤال الإدراكي عن درجة معرفة المواطن بعملية تنفيذ القرارات، وتطبيق السياسات من خال الأجهزة المختلفة، وأيضًا من خال سؤال: "ما مشاعر المواطن وآراؤه إزاء [هذه العملية]؟"28. وهنا ناحظ أيضًا أنّ آلموند وفيربا قد عادا إلى دمج العنصرين الانفعالي والتقييمي في سؤال واحد، على عكس ما قاما به في الأمثلة الأولى. وأخيرًا، نرصد الثقافة السياسية، على صعيد النفس (المحور الرابع)، من خال سؤال الفرد عن: • نظرته إلى نفسه بصفته عضوًا في النظام السياسي، وعن معرفته بحقوقه والتزاماته والاستراتيجيات التي يمكنه استخدامها في التأثير في مجتمعه. • سؤاله عن مشاعره إزاء هذه القدرات. • سؤاله عن المعايير التي يستخدمها في إصدار الأحكام وتكوين الآراء السياسية29. هذه قائمة طويلة من الأمثلة التي تبيّن طريقة تحول مفهوم الثقافة السياسية إلى مفهوم إجرائي Operational، من خال أسئلة يجاب عنها في استبيانات ومقابات شخصية، وتُترجم في النهاية إلى بيانات كمية – إحصائية. ولنا في هذه الإطالة عذر؛ ذلك أن مفهوم آلموند وفيربا يحتل منزلة تأسيسية في مجال الثقافة السياسية، ومن ثم يستحق تفحصًا دقيقًا لا تغيب عنه التفاصيل التي تتضح عادةً من خال الأمثلة. ويتبيّن لنا بعد طول تمعّن في المقاييس، وطريقة تقديمها من خال مفاهيم إجرائية، أنّ بنيان المقاييس الذي يشيّده آلموند وفيربا ليس متقَن الصّنع، وإنما يقوم على أساس افتراضات غير مقنعة. أول ما ياحظه القارئ عند مقارنة الأمثلة التوضيحية عدم الانتظام في الفصل بين العناصر الثاثة (الإدراكي، الانفعالي، والتقييمي). وفي اثنين من المحاور الأربعة، يقوم آلموند وفيربا بدمج عنصر التوجه الانفعالي مع عنصر التوجه التقييمي Orientation Evaluative، من خال طرح سؤالٍ واحد عن
مشاعر المواطن ورأيه، إزاء هذا الأمر أو ذاك. ولا يبدو أن المؤلفين يجدان ههنا من حاجة إلى التمييز بين المشاعر والتقييمات، ما دام الجواب في كلتا الحالتين لا يخرج عن نطاق السلبي والإيجابي، إما أنّ التقييم "سلبي" أو "إيجابي"، وكذلك الشعور، إما "سلبي" أو "إيجابي". فمثا، يشعر التونسي (من أنصار الرئيس قيس سعيد، جدلً)، بالغضب والحنق تجاه الأحزاب والبرلمان، ويعمد إلى تقييمها من خال القول إنهما ألحقا ضرَرًا بالباد والعباد، إذًا، فالمشاعر سلبية، كما أنّ التقييم سلبي. ونرى الأمر عينه من خال مثال آخر مستقى من المحور الأول (المتعلق بالنظام)، حيث يميّز آلموند وفيربا بين العنصرين الانفعالي والتقييمي. فهَبْ مثا أنّ مواطنًا لبنانيًا قد استقر "تقييمه" (رأيه) إلى القول إنّ الدولة اللبنانية فاشلة (تقييم سلبي). ألا يجيب هذا ح لً عن سؤال: كيف يشعر ذلك المواطن تجاه الدولة اللبنانية؟ فالتقييم يعبّر عن شعور بالأسى، أو الخذلان، أو الاستياء، وما إلى ذلك من المشاعر السلبية. وأخيرًا نتناول مث لً للنوع الرابع (المتعلق بالنفس). فهَبْ مثا أنّ مواطنًا يقوم بتقييم قدراته، وينتهي إلى رأي (تقييم) مفاده أنه إنسان مسؤول، وعقاني يحترم المنطق، ويعمل بضمير، ويكترث بحصول الخير للآخرين. ألا يجيب هذا رأسًا عن مشاعر المواطن تجاه نفسه؟ لا شك في أنّ مشاعره إيجابية (رضا، وربما اعتزاز بالنفس)، ف يعقل أن يعتقد إنسان أنه مسؤول وعاقل يعمل بضمير، ويكترث بخير الآخرين، ولا يكون راضيًا عن نفسه (إلى تلك الدرجة على الأقل). وما الذي يدعو إذًا إلى التمييز بين عنصرين كما يفعل آلموند وفيربا؟ هل هناك احتمال لأن يكون العنصران الانفعالي والتقييمي مسبوكين من المعدن نفسه؟ إذا كان الجواب: نعم، فهذا يعني أنّ مقاييس آلموند وفيربا في حاجة إلى مراجعة، وأنّ الاستنتاجات التي يجري التوصل إليها، من خال الأسئلة والاستبيانات، لا تتسم بالصرامة العلمية المرجوة. فنحن على أي حال، مدعوون لمناقشة العاقة بين الانفعال والتقييم. وفي العقود الأخيرة، طرأ كثير من التغير (إن لم يكن التقدم) في فهمنا للعاقة بين الإدراك والانفعال والتقييم. فحينما نشر آلموند وفيربا كتابهما الثقافة المدنية The Civic Culture، في ستينيات القرن الماضي، كانت النظرية السائدة تقول إنّ الانفعالات والمشاعر عبارة عن أحاسيس صماء Dumb "تغمرنا" أو تجتاحنا في ظروف معينة. وكان يُعتقَد حينها أنّ الانفعالات والمشاعر العاطفية كثيرًا ما تتعارض مع العقل والعقانية، فيقال على سبيل المثال: إنّ الحب أعمى Blind Is Love، ويُنسب هذا العمَى كذلك إلى مشاعر الغيرة والحسد والكراهية. وكان يُعتقد أيضًا أنّ الانفعالات غير إرادية، فنحن نشعر بها أحيانًا رُغمًا عنّا، أي على الرغم من أننا ندرك أنه لا ينبغي لنا أن نشعر بهذا الشعور أو ذاك. فضا عن اعتقاد قوة المشاعر والانفعالات التي تبلغ أحيانًا درجة فقدان السيطرة على النفس، الأمر الذي يفسِّر الممارسة المألوفة في أوساط القضاء، عندما يسعى المحامون لتخفيف العقوبة عن المتّهم، بحجة فقدان السيطرة على النفس، نتيجة الانفعالات الهائجة. يُضاف إلى تلك الصورة التقليدية للعواطف أيضًا أطروحة تحظى، هي الأخرى بصدقية كبيرة عند كثير من الناس، مفادها أننا لا نستطيع "فهم" مشاعر الآخرين بصورة جيدة، وبالأخص العاقة بين الجنسين، الرجال والنساء30.
هكذا كان ينظر إلى الانفعالات، حتى بعثت الحياة مجددًا إلى نظرية يشار إليها باسم "النظرية الإدراكية لانفعالات" The Cognitive Theory of Emotion31، وتفيد هذه النظرية أن الانفعالات تقوم على أساس معتقدات، وأحكام Judgments، وتقديرات، أو تقييمات Appraisals. على سبيل المثال، نجد روبرت سولومون Solomon Robert (2007–1942)، يقول: إنّ "الحكم ليس حقيقة مهمشة تلحق ببعض الانفعالات، بل هو حقيقة جوهرية تتعلق بجميع الانفعالات من دون استثناء"32. ولا يتوقف سولومون عند هذا فقط، بل يذهب إلى حد القول بالتماهي Identification بين الانفعال والحكم. إذ يقول: "شعوري بالغضب هو [نفسه] حُكمي بأنّ جون قد أوقع بي ظلمًا"33. ووفقًا للعنوان الذي اختارته نوسباوم لأحد كتبها، فإنّ الانفعالات ليست سوى "غليان أفكار"ٍ Thought of Upheavals34وفي موضعٍ آخر، نجد نوسباوم تماهي بين الإدراك والانفعال، مُعتبرةً أنّ الإنسان لا يحكم أولً بأنّه قد تعرض لخسارة كبيرة، ثم بعد ذلك بقليل يشعر بالحزن "بل إنّ الإدراك الحقيقي والكامل للمصاب، هو نفسه ذلك الغليان"35. ولا ينبغي الظن أنّ الانفعال أو كما تنعته نوسباوم ب "الغليان الفكري"، يتعلق بأي حُكمٍ أو إدراك كيفما اتفق، بل إنّ الانفعال يتعلق فقط بتلك الأحكام والإدراكات التي نجدها مهمة بالنسبة إلى الواحد منا. فالإنسان يشعر بالخوف الشديد ("ينفعل" بهذه الطريقة)، في ظلِ وجودِ خطرٍ داهمٍ، يلحق به أو بمن يكترث بشأنهم شخصيًا: "أنا في خطر شديد"، هكذا يحكم الإنسان، وإدراكه الحقيقي والكامل لهذه "الفكرة" هو شعوره بالخوف. وكذلك يشعر الإنسان بالحزن، ليس بصفته نتيجة تترتب على سببٍ يكمن في إدراكه أنّ عزيزًا قد فارق الحياة، بل إن هذا الإدراك نفسه هو الشعور بالحزن. تعبّر نوسباوم عن ذلك بالقول، مشيرةً إلى النظرية الرواقية لانفعالات، والتي تعتمدها في كتاباتها، معتبرةً إيّاها ليست إلا "أنواعًا من الأحكام التقييمية judgments evaluative التي تنسب أهمية بالغة لأمور [...]
خارجة عن سيطرتنا"36. ويقودها ذلك إلى القول إنه ليس في وسع الإنسان أن يُقرّ أو يدرك حقًا Affirm, Judge، تعرّضه لخسارة فادحة، من دون أن يختبر انفعال الحزن. لذا، تطرح سؤ لً إنشائيًا: "هل يمكنني أن أعترف [أدرك حقًا] أنّ شخصًا أكنّ له حبًا عميقًا قد فارق الحياة وإلى الأبد، ومع ذلك أحتفظ بهدوئي الفكري؟"37. ومن هذا المنطلق، يمكننا أن نفهم ترددنا في التفريق مثا بين حنق التونسي على النظام السياسي الظالم، واعتقاده التقييمي الذي يحكم بظلم النظام. فحنقه ههنا ليس مجرد إحساس أو شعور، كما هو حال من يصاب بصداع نصفي أو يحس بوخز دبوس. إنّ للحنق محتوى إدراكيًا، لا يمكن فهمه من دون إشارة إلى الموضوع الذي يدور حوله الشعور، وما يمنحه هويته المحددة، بصفته "حنقًا على ظلم النظام". ليس من الواضح أنّ هناك فرقًا هائا بين القول إنّ الفرد التونسي يشعر بأنّ النظام ظالم أو يعتقد أنّ النظام ظالم. إذا نظرنا إلى الثقافة في أبعادها الإدراكية، والانفعالية، والتقييمية المقترحة، من قبل آلموند وفيربا، من وجهة النظر التي تتبناها نوسباوم، وكثير من الفاسفة المعاصرين، ف بد أن تراودنا بعض الشكوك في صابة التمييز المقترح بين الانفعال والتقييم. فكما رأينا من قبل، لا يكترث آلموند وفيربا بالتمييز بين الانفعالي والتقييمي، عندما يتعلق الأمر بمدخات النظام ومخرجاته، بل يدمجان التوجهين في سؤال واحد عن شعور المواطن وتقييمه لهذا الأمر أو ذلك. وها نحن نجد في النظرية الإدراكية في الانفعال، ما يبرر التردد في الفصل بين مواقف الفرد الانفعالية وتقييماته. فالتقييم يتعلق بإعطاء قيمة لأمر ما رديء أم حسن، كريه أم محبَّب، مهم أم محتقَر، عقاني أم أحمق، فاشل أم ناجح، يدعو لاعتزاز أو يدعو للتذلل، وهكذا. ولكن إذا كانت الانفعالات ليست إلّ أنواعًا من الأحكام التقييمية، فليس هناك من مبرر لعزل الانفعالات والتقييمات في قالبين منفصلين. كما أنه ليس هناك من مبررٍ لتنحية البعد الإدراكي الذي نعرف من خاله أن أمرًا ما قد حصل، أو سوف يحصل، وأنه يتسم بهذه الصفة أو بتلك، والتي نكره أو نحب أن تتحقق. فمن دون هذا الإدراك، لن يكون التقييم ممكنًا، كما لن يكون الانفعال أيضًا ممكنًا، كأن تتخيل مثا شخصًا يشعر بالخوف الشديد، ولكن من دون أي إدراك لما يثير خوفه، فهو لا يدرك أنّ خطرًا ما يهدده. لا يواجه آلموند وفيربا صعوبة في الالتزام بالتمييز بين التوجهين، الانفعالي والتقييمي فقط، بل نجدهما يقرّان صراحةً، في تعريفهما للثقافة السياسية، بأنّ التوجه التقييمي يشتمل على تلك الأحكام
التي "تجمع ما بين معايير القيمة والمعارف والمشاعر"38، من دون محاولة تفسير طريقة اجتماع المشاعر، ومعايير القيم والمعارف. وتتضح الصعوبة هنا في طريقة تعامل المؤلفين مع التحزب أو روح الحزبية، التي تشكل جزءًا من الحياة السياسية والثقافة السياسية أيضًا. وفي مرحلة ما، يطرح آلموند وفيربا على المستجيبين أسئلة "إدراكية"، تتعلق بمعتقداتهم حول الأفراد الذين ينتمون إلى الأحزاب المنافسة: أهم عقانيون، أم حمقى، أم مضللون؟ أهم فاشيون، أم خونة لقضية الحرية؟ أهم أنانيون أم وطنيون شرفاء، ومحبون لخير الوطن؟ يعترف آلموند وفيربا بأن هذه الأسئلة إدراكية، في حين أنّ الجواب عنها انفعالي بامتياز. يقول المؤلفان: "هذا السؤال إدراكي المحتوى. يُطلب من المستجيبين اختيار حكم Statement، ينعت أنصار الأحزاب الرئيسة في بلدانهم. وفي الوقت ذاته، معظم تلك الأحكام تعكس بوضوح التوجهات الانفعالية لدى المستجيبين تجاه تلك الأحزاب. وعندما نفسر الاستجوابات من منطلق كونها سلبية [هم خونة]، أو إيجابية [هم وطنيون أحرار]، أو محايدة، فإننا بالطبع، نقوم باستخاص استنتاجات حول انفعالاتهم"39. ليس الفصل بين الإدراكي والانفعالي والتقييمي بالأمر الهين. فماذا نحن صانعون بتعريف آلموند وفيربا للثقافة السياسية؟ بالطبع، في وسعنا أن نتحفظ بصدقية النتائج التي تُستخلص من استبيانات وعمليات إحصائية، تفترض تفريقًا حادًا بين عناصر لا يبدو أنه من الممكن الفصل بينها. وهذه مسألة تحتاج إلى بحث منفصل. ولكن هل نقول ههنا إنّ تعريف آلموند وفيربا لا قيمة له؟ من الواضح أنّ التعريف لا يبدي اهتمامًا شديدًا برسم الحدود بين المفاهيم، ولا يدرك الصعوبة المتمخضة عن عدم الفصل بينها، إن أمكن ذلك. ولكن من الواضح أيضًا أنّ أي محاولة تسعى لتقديم تصور دقيق للثقافة السياسية، ينبغي أن تشير إلى معارف الأفراد ومعتقداتهم المتعلقة بمجتمعهم وأمتهم ونظامهم السياسي القائم. كما أنه ينبغي الإشارة إلى توجهات الأفراد الانفعالية تجاه الشأن السياسي بمختلف جوانبه. وهذه كما رأينا لا تنفصل عن التقييم (إضفاء القيمة على شيء ما)، الذي لا ينفصل بدوره عن الإدراك. في وسعنا في هذه المرحلة أن نضيف أنه إذا أخذنا في الاعتبار إدراكات الإنسان، والقيم التي يضفيها على الأشياء، فإننا مضطرون إلى الحديث عن مفهوم الرغبة؛ تحديدًا رغبة الإنسان في تحقيق الأشياء التي يشعر أنها مهمة وذات قيمة، أو الأشياء التي يسرّه تحققُها ويحزنه عدمُ تحققها. في وسعنا، مع البقاء في الفضاء السياسي أن نؤكد، مثا، أن الفرد المثقف سياسيًا والذي يكره (في الأحوال العادية) أن توصف دولته بالفشل، يرغب ألّ تكون دولته كذلك. وفي حالة شعوره بهذه الرغبة، قد يشكل هذا له حافزًا يدفعه إلى العمل على تغيير أوضاع بلده، ونظامه السياسي، من خال الانخراط في نشاط أو أكثر، مما يصب في المجرى السياسي. فقد ينخرط في حزب ما، أو عمل إعامي، أو يتبرع بماله أو وقته أو مواهبه في سبيل أي نشاط جمعوي، يعتقد أنه يشكل مساهمة في تحقيق الهدف.
في وسعنا، إذًا، أن نغني وعاء المفاهيم – إن صح هذا التعبير – التي يستخدمها آلموند وفيربا، في سبيل تعريف الثقافة السياسية، عن طريق إضافة مفهوم الرغبة أو تحديدًا الرغبة التي تتعلق بموضوع سياسي. ولا يضيرنا في ذلك أن يكون مفهوم الرغبة في حالة تداخل مع مفهوم الانفعال، والتقييم، والإدراك، فجميعها في حالة تداخل في الأصل، كما توضّح لنا فيما سبق. ولكن ماذا عن مفهوم العمل أو الممارسة؟ ونقصد بالطبع العمل أو الممارسة من النوع الذي تربطه بالسياسة عاقة ما (لنقل باختصار إن مقصدنا هو الفعل السياسي أو الممارسة التي قد يُنظر إليها بأنها ممارسة سياسية). لا يتطرق آلموند وفيربا إلى هذا الجانب من الحياة السياسية، فهل هناك ما يمنع من احتساب الفعل أو الممارسة، الحامل للتبعات السياسية عنصرًا من عناصر الثقافة السياسية؟ هناك ما يشجعنا ويحتّم علينا احتساب الفعل السياسي عنصرًا من عناصر الثقافة السياسية. فالفعل ليس أقل أثرًا أو أهمية من الفكرة. وفي واقع الأمر، يمكن النظر إلى الفعل السياسي بصفته تعبيرًا عن الأفكار، والقيم، والانفعالات، التي يحسبها آلموند وفيربا من عناصر الثقافة السياسية. ويمكن النظر إلى الأفعال بصفتها تجسيدًا Embodiment للأفكار، والمشاعر، والقيم. فمن دون الفعل، تبقى هذه الأمور حبيسة الذهن الفردي، ولا تخرج منه إلى حيز الواقع. يستحيل علينا استثناء الأفعال من الثقافة السياسية، إلّ إذا كان في مقدورنا استثناء الكام والحجاج وكتابات الشعارات على الجدران من الثقافة السياسية، فهذه أيضًا ضرب من ضروب الفعل. وفي الواقع، ليس هناك من سبب لاستثناء الأفعال من الثقافة السياسية، إلّ إذا أصرّ الإنسان على النظر إلى الثقافة السياسية والثقافة كشيء سيكولوجي محض، وعلى نحو ما يوحي به قول آلموند وفيربا إنّ الثقافة "توجه سيكولوجي (تجاه الأشياء الاجتماعية"40. وبالطبع لا نشك في كون الثقافة توجه سيكولوجي، ولكن من الخطأ الاعتقاد أنّ هذا كل شيء. فالإنسان ليس كائنًا سيكولوجيًا فحسب، بل هو كائن مادي يعيش في عالم مادي، ويفكر ويعمل ويجسِّد مشاعره من خال أفعاله، والأثر الذي يتركه في الطبيعية المادية من حوله. ونستكمل ههنا ما قلناه سابقًا، في كون الثقافة ليست بالكامل شيئًا سيكولوجيًا. وليست الأعمال الفنية والتكنولوجيا جزءًا من الثقافة فحسب، بل إنّ أفعال الإنسان نفسه ينبغي أن نعتبرها جزءًا من الثقافة. وفي وسعنا في هذه المرحلة تنقيح التعريف الذي يقدمه آلموند وفيربا، بصورة تستجيب إلى بعض الانتقادات التي عرضناها في هذا القسم من الدراسة. لنقل، إذًا، إنّ الثقافة السياسية تحمل، أولً وقبل كل شيء، عنصرًا إدراكيًا يتعلق بمعارف الفرد ومعتقداته، حول "الأشياء السياسية" – بعبارة آلموند وفيربا – لكننا نشترط أن يُؤخذ الإدراك حرفيًا، وبصورة تجعله قريبًا من أحكام العلم، وخُلوه من أحكام القيمة أيًّا كان نوعها. فإدراكات الثقافة السياسية تتعلق بمعارفنا ومعتقداتنا التي لا يقترن بها أيّ انفعال أو تقييم. وثانيًا، تشتمل الثقافة على عنصر انفعالي/ تقييمي، متعلق بمشاعر الفرد إزاء الأشياء السياسية، معبرًا عنها من خال أحكام تقييمية (بحيث تزود المفاهيم القيمية، مثل: "دولة فاشلة"، "عمل وطني"، أو "توزيع عادل"، وغيرها كثير، بالمشاعر في محتواها). كما نقرّ بأنّ الإدراك
يؤدّي دورًا في الانفعال، كما تقول النظرية الإدراكية. ولكن مع ذلك، لا نقول إنّ الأحكام ههنا إدراكية (علمية/ موضوعية). ذلك أننا نشترط في الحكم الإدراكي أن يخلو من أي عنصر انفعالي أو تقييمي. ونلحق الرغبة بهذا الجانب الانفعالي/ التقييمي، مفترضين أنّه من المرجَّح أنّ الإنسان الذي يحتضن مشاعر وتقييمات سلبية إزاء أمر ما، سيكون لديه الرغبة في تغييره، إذا كان هذا ممكنًا. ثالثًا، وأخيرًا، هناك عنصر سلوكي Behavioral يتعلق بالأفعال والممارسات التي يقوم بها الأفراد، والتي تعبر عن مشاعرهم وتقييماتهم ورغباتهم؛ ونذكر من هذه الأفعال: المشاركة في الانتخابات، والانتماء إلى جماعات سياسية، ومتابعة الأخبار والحوارات حول قضايا السياسة والمجتمع، والمشاركة في المظاهرات أو الحركات الاحتجاجية، والتعبير عن الرأي في الفضاء العمومي. لا نزيد في تعريفنا، على ما جاء به آلموند وفيربا، سوى عنصرَي: "الرغبة" و"السلوك المتعلق بالأفعال والممارسات". ونستند في هذه الإضافات إلى اعتبارات ثاثة: الأول، حدسي نابع من الحس السليم الذي يقتضي ألّ نفصل بين الإدراك والانفعال/ التقييم من جهة، والأفعال من جهة أخرى. كما لا نود تقسيم الإنسان إلى قسمين: نفس تدرك وتنفعل وتقيّم، وجسد يتحرك محدثًا آثارًا محددة في عالم مادي. لم يعد لهذه الثَّنَويَّة Dualism البائدة، من وجودٍ في الفلسفة الحديثة حتى نعيد إنتاجها في الثقافة السياسية، من خال الفصل بين ما يشعر به الناس ويعتقدونه، وما يفعلونه41. أما الاعتبار الثاني، فيتعلق بحقيقة أنّ إلحاق عنصر الفعل (السلوك) بالعنصرين الإدراكي والانفعالي/ التقييمي يُوائم أحد أكثر نظريات الفعل Action of Theories شيوعًا في الوقت الحاضر؛ نقصد نظرية الفيلسوف الأميركي هربرت دونالد ديفيدسون Herbert Donald Davidson (2003–1917) التي يعود بعض أصولها إلى أرسطو، وفق ما يُقرّ به ديفيدسون نفسه. وتنصّ هذه النظرية على أن أفعال الإنسان هي نتيجة سببية، تترتب على وجود إدراكات (معارف ومعتقدات، تشتمل على معرفة بالغايات والوسائل)، يُضاف إليها رغبات في تحقيق الغايات المنشودة42. أما الاعتبار الثالث، فينبع من الممارسة المتبعة في رابطة مسح القيم العالمية World Survey Value الذي شرع في تنفيذه إنغلهارت عام 1981، والذي نعته عالم السياسة النمساوي أرنو تاوش بأنه: "أكبر مسح غير تجاري وعابر للشعوب، جرى القيام به حتى الآن لمعتقدات البشر وقيمهم"43. ونُاحظ ههنا أنّ تاوش يقول إنّ هذا المسح لا يقتصر على القيم بل يمسُّ أيضًا المعتقدات، مع أن عنوان المسح لا يذكرها. كما نجد في هذا المسح عددًا لا يستهان به من الأسئلة المتعلقة بسلوكيات سياسية، أو ذات عاقة ممكنة بالسياسة. ونجد أسئلة من قبيل: هل يمارس المستجيب الشعائر الدينية؟ وهل يشارك في الانتخابات؟ وهل هو عضو في أحزاب أو
منظمات المجتمع المدني؟ وكيف يحصل على الأخبار السياسية؟ وهل يشارك أيضًا في مناقشات سياسية؟44. لا ينبغي الاعتقاد أن مثل هذه الأسئلة يخرج عن سياق مسح متعلق بالقيم والمعايير (والتي تشكل محتوى التوجه الثالث عند آلموند وفيربا). إن لم تكن السلوكيات التي يسأل عنها هذا المسح العالمي تعبيرًا عن قيم الفرد ومعتقداته، فما عساها أن تكون؟ هل هي مجرد حركات عشوائية؟ وإن لم تلق المعتقدات والقيم، تعبيرًا عنها من خال السلوك، فماذا عساها تكون تلك المعتقدات والقيم؟ أهي مجرد أفكار ذات وجودٍ محض ذاتي، تخطر بالذهن أو تجوب المشاعر التي تطفو على سطح الوعي الذهني؟ من المؤكد أن للأفعال دورًا أكبر من غيرها في التعبير عن القيم والمعتقدات والمشاعر التي يُعرِّف آلموند وفيربا الثقافة السياسية من خالها. لذلك لا نجد في الأمر من حرج في اعتبارها توجهًا رئيسًا يضاف إلى التوجهين الإدراكي والانفعالي/ التقييمي.
ثالثًا: التوجهات الانفعالية في الثقافة السياسية
تناقش نوسباوم، في كتابها التوجهات الانفعالية السياسية: أهمية الحب بالنسبة للعدالة (2013)، مجموعة متنوعة من الانفعالات؛ تشتمل على القرف، والتلوث، والنرجسية، والشعور بالعجز، والوطنية، والحب، والشفقة (التعاطف)، والخوف، والحسد، والخجل. وهذه هي الانفعالات التي ذكرتها في عناوين فصول الكتاب45. لكنّ هناك كثيرًا غيرها تُذكر في ثناياه، مثل: الغيرة، وكراهية الأجنبي، وعدم الاكتراث. فهل جميع هذه التوجهات الانفعالية سياسية؟ يصعب على المرء أن يعتقد أنّ "انفعال القرف" المألوف، والذي نشعر به عندما نشمّ رائحة طبق معين، أو الرائحة المنبعثة من فم شخص تناول ذلك الطبق، هو عبارة عن "انفعال سياسي". ولكن في وسعنا، في المقابل من ذلك، أن نتخيل كيف يمكن أن يمتزج القرف بالسياسة، إذا تحدثنا عن عادات تجدها الأغلبية "مقرفة" (أو تتسم "بالنجاسة") عند أقلية عرقية لم تتمكن من الاندماج مع الأغلبية التي حولها أو لا ترغب فيه. من المتوقع والحالة هذه أن تُشرِّع الأغلبية لفصل عنصري يحول دون الاختاط بهؤلاء الناس. فنوسباوم تشتكي من أنّ "القرف العرقي، والخوف من التلوث الجسدي، ليست أمورًا يمكن معالجتها، من خال القوانين وحدها، وليس من خال الدعوة لإقصاء القرف من المجال السياسي"46. إن القرف الذي تستثيره جماعة عرقية في جماعة أخرى هو أمر سياسي. هكذا كان الحال في الهند قرونًا طويلة، حين كان أفراد الطبقة العليا يشعرون بالاشمئزاز من أفراد الطبقات الدنيا الذين "لا يجوز لمسهم
Untouchables The "47. فإذا كان هذا حال توجه انفعالي معتاد مثل القرف، فكيف هو الحال مع التوجهات الانفعالية الأخرى؟ يمكن نسج رواية سياسية حول كل توجه انفعالي يمكن تخيله، كرواية مؤلفة من تاريخ، وظروف، ومزيج من الحقائق والإسقاطات، بحيث يظهر التوجه الانفعالي سياسيًا، أو قابا لحمل تبعات سياسية من نوع أو آخر. لذلك، ربما وجب القول إنّ الانفعالات في حد ذاتها هي مشاعر، وأحاسيس، تكتسي لبوس المناسبة أو الظروف التي تنشط فيها، والتي ربما تكون السبب في حصولها. فعلى سبيل المثال، يحصل الشعور بالخوف عند صعود سلم الطائرة، أو أثناء ركوبها، فنسمي هذا الانفعال "فوبيا الطيران"، ويحصل الشعور نفسه لدى بعض الناس من الأماكن المغلقة، فننعته ب "رهاب الأماكن المغلقة" Claustrophobia، أو يغضب الموظف العادي بسبب قرار اتخذه رئيسه في مسألة روتينية تتعلق بإجراءات العمل، ف نرى شيئًا سياسيًا في هذه الحالة. ولكن إذا غضب الموظف نفسه بسبب قرارٍ اتخذه بلد آخر ضد بلده، فسوف نكون بصدد شعور "وطني" أو غضب ذي طابع سياسي. ومن ثم، قد يقول قائل إنه: "[ليس] هناك انفعالات سياسية حصريًا، بل فقط سيناريوهات من النشاط السياسي والانفعال، سيناريوهات ذات تشكات مختلفة، بحيث يمكن أي انفعال أن يكتسب معنى سياسيًا"48. إنّ في هذا القول بعض الصدق، ولكن ليس في وسعنا القبول به، إذا فُسِّر بطريقة معيّنة. وتحديدًا، لا يمكننا القبول به، إذا اعتقدنا أنّ هناك انفع لً معينًا، كالحب أو الخوف مثا، وفقَ طبيعة محددة تبقى هي عينها، بغض النظر عن السياق الذي تنشط فيه، بحيث إن الخوف الذي نشعر به في هذا السياق هو نفسه الخوف الذي نشعر به في ذلك السياق المختلف. أو بعبارات أخرى، تتغير السياقات، بينما يبقى شعور الخوف أو الحب واحدًا. ولا يبدو هذا التفسير معقولً، ويكفي الإشارة إلى مثَلٍ أو مثلين لبيان تهافته. فما هذا الشعور المشترك الذي نسميه "الحب"؟ والذي نشعر به تجاه ربنا (محبة الإله)، وتجاه وطننا (محبة الوطن، الشعور الوطني)؟ وما القاسم المشترك بين محبة الإله ومحبة الوطن؟ وأصعب من ذلك، ما الذي يجمع بينهما وبين الحب الرومانسي، حيث الانجذاب الجنسي لا محالة وارد؟ وما الذي يجمع بين محبة الفيلسوف للحقيقة ومحبة الإنسان لأمه؟ من الواضح أنه لا شيء يجمع بين هذه الأنواع من الحب سوى كلمة "الحب" نفسها. وسوف يقول الرجل المؤمن إن محبة الإله تختلف عن محبة الوطن، وأنّ محبة الأم تختلف عن محبة الزوجة. فما قلناه في السابق، وما ينبغي أن يبقى حاضرًا في الذهن، هو أنه لا ينبغي التفكير في الخوف من ركوب الطائرة على أنه شعور بالخوف مضافًا إليه "تعلق" بركوب الطائرة، كما لو أن ذلك الخوف سيبقى هو نفسه في حالة قمنا بإزالة الطائرة وسلَّمها. فمثا نقول: "لون السطح أحمر"، لكن هذا لا يعني أن للسطح خاصيتين مختلفتين، خاصية كونه ملونًا يُضاف إليها الحُمرة. فلو أزلنا هذه الصفة وجعلنا السطح أزرق مثا، لما أصبح هذا يعني أنّ الشيء بقي "ملونًا" لبُرهَةٍ، إلى حين أن أضيفت الزرقة إليه. وكذلك الأمر في حالة انفعال الرهاب الذي
يشعر به الشخص الآن، فهناك دومًا ماهية من نوعٍ أو آخر، تَمنحُ الشعور هويته المحددة، وتجعله رُهابًا من الطيران أو رُهابًا من الأماكن المغلقة أو من هذا الخطر الداهم الذي يتهدد الشخص. وكذلك الأمر في الانفعالات السياسية، نحن لا نريد أن نفكر فيها من خال إضافة عنصر "تعلّق" بشأن سياسي، إلى شعور موجود ومحدد سلفًا. لذلك، نميّز جديًا بين شعور القرف العنصري الذي يشعر به أفراد عرقٍ تجاه عرق آخر، وشعور القرف الذي نشعر به عندما نشمّ رائحةً ما. لهذا، نحن مضطرون إلى مخالفة الرأي الذي يقول بعدم وجود "عواطف سياسية" حصريًا "بل سيناريوهات [...] مختلفة، فحسب، بحيث يمكن أي انفعال أن يكتسب معنى سياسيًا"49. بالنسبة إلينا، "حب الوطن" هو توجه انفعالي سياسي حصريًا، وليس حالة حب "عائمة" بطبيعتها، تكتسب معنى سياسيًا، عندما تقترن بموضوع اسمه الوطن، ومعنى رومانسيًا عندما تتعلق بحبيب. ومع ذلك، لا نمانع في القول إنّ التوجهات الانفعالية السياسية "تتعلق" بموضوعات وأشياء السياسة المختلفة التي يذكرها آلموند وفيربا، بشرط أن يُفهم هذا كما اقترحنا، أي من خال القول إنّ التوجهات الانفعالية تتعدد وتتفرَّد، وفق تعدد موضوعاتها السياسية (وغير السياسية بالطبع) وتفردها. ما التوجهات الانفعالية السياسية التي ينبغي أن تكون لافتة لنظر المشتغلين بموضوع الثقافة السياسية؟ أوْمَأنا إلى بعضها، كحب الوطن والقرف العنصري، ويمكن الاسترسال في التعداد بكل يسر، فهناك محبة الشعب (الشعور القومي)، وكراهية الأجانب، وشعور الولاء/ الانتماء الطائفي أو القبلي، أو الطبقي. وهناك أيضًا توجهات انفعالية تتخذ من مفاهيم أخاقية/ سياسية مثل المساواة والحرية، موضوعًا لها، بحيث نستطيع الحديث عن محبة المساواة والحرية. وهناك توجهات كثيرة أخرى يمكن ذكرها، تتراوح بين توجه الاكتراث أو عدم الاكتراث بالمشاركة في الانتخابات السياسية، إلى شعور الموظف العمومي في أجهزة الدولة نحو الرشوة، والمهنية في عمله. كثيرة هي التوجهات الانفعالية السياسية، بقدر ما أنّ موضوعات السياسة كثيرة. ولكن كيف يمكننا تصنيفها؟ من الجدير بالذكر أن آلموند وفيربا لا يحاولان تصنيف التوجهات الانفعالية السياسية، مع أنهما يقومان بتصنيف الثقافات السياسية نفسها على أساس مزيج من التوجهات الإدراكية، والانفعالية، والتقييمية50. وسنحاول ههنا تصنيف التوجهات الانفعالية بالاستعانة بنظام المحاور الذي يطرحه آلموند وفيربا، ولكن من دون الالتزام بعدد المحاور وتوصيفاتها51. وبناء عليه، نقول إذًا إنّ هناك، أولً، توجهات انفعالية سياسية
للأفراد تجاه الدولة والنظام السياسي. وثانيًا، هناك توجهات انفعالية سياسية للأفراد تجاه العملية السياسية، والتفاعل بين الأفراد والدولة. وثالثًا وأخيرًا، هناك توجهات انفعالية، يشعر بها الأفراد بعضهم تجاه بعض، بصفتهم كائنات سياسية في مجتمع يتميز من الدولة. لا نزعم أنّ هذا التصنيف يستثني غيره من التصنيفات، ولا نقول أيضًا إنه يوفر مظلة لجميع الانفعالات السياسية الممكنة، ولا نقول إنه يمكن وضع كل توجه انفعالي في هذه الخانة أو تلك. ومع ذلك، سوف نقدم من خال عينة من التوجهات الانفعالية، في المحاور الثاثة التي ذكرناها للتو، ما من شأنه أن يوضح التناسق الداخلي بين التوجهات الانفعالية داخل كل محورٍ، ويظهر أنّ التوجهات الانفعالية المرصودة في المحاور المختلفة توفر تغطية شاملة قدر الإمكان للتوجهات الانفعالية المهمة. وسوف نرى، من خال هذا التصنيف، أن التوجهات الانفعالية السياسية، شأنها في ذلك شأن التوجهات الإدراكية والتوجهات السلوكية، مرتبطة مفاهيميًا (لا نقول سببيًا، لأن هذا يقع خارج حدود هذا البحث)، بجوانب مختلفة من الحياة السياسية، على صعيد الدولة والفرد (والمجتمع، والطبقة، وغير ذلك)، وعلى صعيد العمليات السياسية والتفاعل بين الدولة والأفراد. لنشرع في الحديث عن التوجهات الانفعالية للأفراد نحو الدولة والنظام السياسي. قد لا يكون هناك ما هو أفضل من مصطلح "الدولة"، وفق التعريف التقليدي للتعبير عن المقصود، فنحن نقصد الحديث عن التوجهات الانفعالية للأفراد تجاه شعب في وسعه أن يكون موضوع شعور قومي، وتجاه بقعة جغرافية محددة، ينعتها الأفراد ب "أرض الوطن"، يُضاف إليهما سلطة أو نظام سياسي ذو سيادة على ذلك الشعب في تلك البقعة الجغرافية. بالطبع، لا نقصد بالسلطة أو النظام السياسي الحكومة الحالية أو العائلة الحاكمة فقط، بل نقصد الدولة بمجمل أجهزتها وأنظمتها، التي تتكفل بإدارة شؤون الشعب، على مختلف الصّعد. ومن ثم نعتبر جهاز الخدمة العسكرية والأمنية (الجيش والشرطة)، إضافة إلى جهاز الخدمة المدنية (سلك الوظيفة العامة)، والجهاز القضائي، جزءًا مما نرصد التوجهات الانفعالية نحوه، تحت بند "التوجهات الانفعالية للأفراد نحو الدولة والنظام السياسي". كما نود أيضًا أن نجد مكانًا للحديث عن التوجهات الانفعالية المتعلقة بدستور الباد (إذا كان هناك دستور)، أو عن القوانين العامة، التي يفهم الأفراد أنها تسري عليهم جميعًا. فهي أيضًا جزء من الدولة، على الرغم من أنها ليست شيئًا يمكن معاينته حسيًّا. ليس المشترك الأهم بين هذه هو "الأشياء السياسية" – وهنا نجد أنفسنا مضطرين إلى استخدام مصطلح آلموند وفيربا Objects Political – كونها كيانات غير فردية، وهذا ينطبق على كيانات اجتماعية، مثل نادٍ أو مدرسة أو نقابة عمالية أو طبقة اقتصادية. وترتبط الكيانات التي نود الحديث عنها هنا بالجانب السيادي في الدولة، والذي يتعلق بتطبيق السياسات والقوانين، بحيث "العنصر الإكراهي" في متناول اليد على الدوام (تصدر الأحكام باسم الملك، أو الشعب، أو الدستور، أو المحكمة، أو "الحق العام"، وتقوم الأجهزة التنفيذية في الدولة بتطبيقها). ويشعر الفرد بوجود هذه الأشياء السياسية، على الدوام في حياته اليومية، وتتبلور في نفسه تجاهها توجهات انفعالية من أنواع مختلفة، بعضها مستقر دائم وبعضها الآخر زائل بزوال الظروف.
قد يطول بنا المقام إذا أردنا عرض الأمثلة، ولكن لا مناص من ذلك. فمن أوضح الأمثلة الشعور الوطني أو القومي، الذي نراه في مباريات كرة القدم، حين يشجع الناس فرق بلدانهم ويرتدون ألوان منتخباتها. ويفترض أن يكون حب الوطن أو الشعب قويًا، بحيث يحول دون خيانة الفرد وطنه مقابل دراهم معدودات أو عاقة غرامية، وما إلى ذلك. ومث لً عن توجه آخر، يمكن ذكر "رهاب الأجانب" Zenophobia والشعور الذي يكنّه الفرد الفاشي تجاه جماعته القومية. فمن الممكن أن تتطور محبة الإنسان لشعبه، إلى درجة تؤدي به إلى رفض وجود الأجنبي في باده، حتى لو قَد م لأجل السياحة أو العمل. وقد يُعجب الإنسان بشعبه، ويرى أنه أنقى معدنًا وأكثر عبقرية من جميع الشعوب الأخرى، فيصبح فاشيًّا. وتمثل الوطنية الدستورية Patriotism Constitutional، التي قال بها الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، مث لً آخر عن توجه انفعالي ممكن، يتجه أساسًا نحو دستور يرى فيه الإنسانَ قيمة عليا، وليس نحو وطن أو شعب52. فبعض الشعوب ينظر إلى دستوره نظرة مشوبة بالتقديس (وهذا نوع من التوجه الانفعالي لم نذكره سابقًا)، وما من بلد إلّ يطلب من الزعماء أداء قسمٍ يتعهدون فيه صيانة الدستور. وهناك بالطبع أفراد مستعدون لإحراق وثيقة الدستور في كل مناسبة، وشعوب تنتظر بفارغ الصبر تغيير دساتير لا تجد فيها تعبيرًا عن قيمها أو عمّا تحب وتكره. وإضافة إلى الشعب والوطن، تحظى أجهزة الدولة المختلفة بنصيب وافرٍ من التوجهات الانفعالية الإيجابية والسلبية. ذلك أنّ الأفرادَ يمكنهم، مثا، النظر إلى الجيش باحترام وإجال، لأنه حامي الوطن، ولأنه لم يخلق إمبراطورية اقتصادية لمصلحة ضباطه ومنتسبيه، ولأنه اختار أن يكف يده عن التدخل في السياسة، تاركًا الأمر في يد المدنيين. وفي كثير من الأحيان، يرتبط اسم الشرطة والجيش بالخوف، بسبب البطش الذي يمارسونه ضد المحتجين، والمعارضين، ولعدم احترامهم أبسط حقوق الإنسان. وقد يكافئ الفرد الجهاز البيروقراطي، بثقته وتقديره، لأنه يرى فيه جهازًا فع لً يحترم المواطن. وقد يحتقره، لأنه لا يرى فيه سوى الفوضى وغياب المهنية، والاستعداد لقبول الرشاوى. وقد يطيع المواطن القوانين، نتيجةً لمحبته لها ولاقتناعه بها، واحترامًا منه للمواطنين الآخرين الذين يطيعونها. وقد يعصي القوانين ب حرج، في كل مناسبة يأمن فيها على نفسه من العقوبة. وقد يتساءل القارئ عن سبب غياب أي ذكر للبرلمان أو المجالس المنتخبة في ما سبق. أليس البرلمان جزءًا من النظام السياسي أو السلطة السياسية؟ هناك ما يسوّغ هذا التساؤل، ولكننا نرى مسوغات أخرى لاحتساب البرلمان مكونًا مركزيًا في محور العملية السياسية، والتفاعات التي تجري بين الدولة والأفراد، أي المحور الثاني، لرصد التوجهات الانفعالية السياسية. وبتبسيط شديد، يمكن القول: إنّ البرلمان هو "شيء" سياسي، يأتي إلى الوجود نتيجة سيرورة سياسية، تكمن في ذهاب الأفراد إلى صناديق الاقتراع. وهو الطريقة التي يعبر بها الشعب عن نفسه، والطريقة التي يوصل جمهور الأفراد من خالها مطالبهم إلى الدولة. ويناقش البرلمانيون السياسات ويسنُّون القوانين ويدرسون المشاريع، وهم في كل هذا يعبرون عن الشعب أو أصواته. إنهم ليسوا جهازًا سياديًا وليس لهم قدرة أو سلطة لتنفيذ
القوانين، بل تقتصر سلطتهم المباشرة في مساءلة الحكومات، ومنحها الثقة أو سحبها منهم. ويمكن النظر إلى البرلمان، على أنه تعبير عن مشاركة الأفراد في الحياة السياسية، أي طريقة من الطرائق التي يتفاعل الأفراد من خالها مع الدولة. لهذا السبب، نرى أنه من الأفضل الحديث عن البرلمان في سياق الحديث عن العملية السياسية والتفاعل بين الأفراد والدولة. إنّ للعملية السياسية والتفاعل الذي يجري بين الدولة والأفراد مظاهر وجوانب كثيرة، ربما كان أهمها "المشاركة" Participation، من حيث وجودها وغيابها ومقدارها وأشكالها وأساليبها، وإن كانت سليمة أم مختلة في التحليل الأخير. ذكرنا للتو البرلمان، وذهاب المواطنين إلى صناديق الاقتراع. ولكن بالطبع، لا يمكن اختزال الطرائق التي يشارك بها المواطنون في العملية السياسية في البرلمان أو الانتخابات. فهناك أيضًا النشاط الحزبي، والدعوات التي تفرز في النهاية أحزابًا سياسية. وهناك نشاطات، ودعوات دينية ونقابية وثقافية، من أنواع مختلفة، قد تسفر عن تجمعات وتشكيات سياسية، ترسم في المجتمع جغرافيا سياسية، تساهم في تحديد طبيعة الدولة وقدراتها، وينعكس ذلك في طرائق تعاملها مع الأفراد. وهناك أيضًا النقاشات العلنية التي تجري في الفضاء العمومي، والصحف، والمهرجانات السياسية، والجامعات ومراكز الأبحاث. ففي مجال الفضاء العمومي، تبرز النخب، وتُصنع القيادات المرشحة لتسلم مقاليد الحكم في المستقبل. وههنا أيضًا يتبلور إجماع الشعب أو الرأي العام، أو قد تتكرس انقسامات عميقة، على صعيد المجتمع بما يوثّر في النظام السياسي. كما أنّ هناك عددًا وافرًا من التوجهات الانفعالية تجاه ما يجري في فضاء العاقات بين الدولة والأفراد. وأول ما يتبادر إلى الذهن ههنا، وما ينبثق منه أمور أخرى، هو التوجه الانفعالي تجاه الشأن السياسي في المجمل. هل يكترث الفرد بما يجري حوله سياسيًا؟ ثم أيرغب في أن يكون عضوًا فاعا في عملية سياسية، يُسهم من خالها في صنع القرارات، وفي حكم نفسه بنفسه، أم أنه غير معني بأي من هذا؟ بالطبع، يتطلب الاكتراث بالشأن السياسي، والرغبة في المشاركة في السياسة، وجود معارف ومعتقدات سياسية؛ أيْ بعد إدراكي في الثقافة السياسية. ولكن حتى في ظل وجود درجة جيدة من المعرفة السياسية، قد لا يكترث الفرد بما يجري حوله على صعيد إدارة الشأن العام. وفي بعض الحالات، يمكن تفسير الامبالاة بالإشارة إلى الجهل، ولكن قد يكون هناك أسباب أخرى في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، يحصل العزوف عن المشاركة في الانتخابات، بسبب شعور الفرد بأنّ العملية الانتخابية ليس لها أي معنى، سواء كان الأمر يتعلق بالنتائج التي قد تكون محسومة سلفًا، لصالح نظام استبدادي، يستخدم البرلمان ديكورًا Décor سياسيًا لا أكثر، أو لأن الفرد يعتقد أن طبقة السياسيين المرشحين لا تستحق التكريم عن طريق الذهاب إلى صناديق الاقتراع. ويقابل هذا الشعور بالعجز واليأس، في حالات، شعورٌ بالقدرة على تغيير الأوضاع من خال الانتخابات، فترى الأفراد يشاركون في حشد الأصوات والدعاية للمرشحين. وفي مثل هذه الحالات، ينظر الفرد إلى المشاركة في الانتخابات على أنها تعبير عن حريته في الاختيار وعن قراره المستقل. ولا تؤدّي التوجهات الانفعالية دورًا في دفع الفرد إلى المشاركة في العملية السياسية فقط، بل تُسهم أيضًا في تحديد طبيعة تلك المشاركة. ففي حالة الانتخابات، أيصوت مع الفقراء أم مع أصحاب رؤوس الأموال،
أم مع بني طائفته أو الجهة الجغرافية التي ينتمي إليها؟ وهل يتوجه إلى أحزاب لا تقدم نفسها بصفة فئوية، بل تخاطب مصلحة الشعب والوطن ككل؟ وتحدد توجهات الفرد الانفعالية الطريقة التي يشارك بها في العملية السياسية. فهو قد يشارك، وقد ينسحب، وقد يتوجه نحو الانخراط مع آخرين في نشاطات سياسية غير تلك التي يسمح بها النظام القائم، فتراوح بين التظاهر والعصيان المدني أو الثورة المسلحة. وأخيرًا، ينبغي ذكر مشاعر الأفراد وتوجهاتهم الانفعالية نحو جانب مهم، لم نذكره حتى الآن، وهو التوجه الانفعالي نحو حرية الفكر والتعبير والعمل. ذلك لأن هذا التوجه الانفعالي يوجد ضمنيًّا في جميع ما ذكرنا سالفًا. فمن دون حرية التعبير، والتواصل الفكري الحر بين الأفراد والمرشحين، والوصول إلى المعلومات، تفقد الانتخابات كثيرًا من معناها. ومن دون حرية العمل، لا يكون هناك مجال للعمل الحزبي، وتكوين أحزاب متنافسة، تطرح بدائل مختلفة أمام المواطنين. وبعبارة أخرى، من دون حرية الفكر والتعبير والعمل، لا يغدو هناك مجال للحديث عن المشاركة بصورة جدية، أو حتى عاقات قوية بين الدولة والأفراد. ولكن ما عساها تكون التوجهات الانفعالية للأفراد حول هذه الحريات؟ تتعدد الأجوبة هنا. فبعض الأفراد قد يؤيدون حرية الفكر والتعبير ب تحفظ، بينما قد يبدي غيرهم الحذرَ من الانفتاح غير المقيد، وقد يخشى آخرون الحرية ويرون أن شرها أعظم من خيرها. وتمنح هذه الأجوبة المختلفة الثقافة السياسية ألوانًا مختلفة، بحسب درجة انتشار التوجهات المختلفة بين الأفراد، وتُسهم مع غيرها من التوجهات في رسم معالم الثقافة السياسية في المجتمع. في ختام هذا القسم، نقدم بعض الأمثلة عن التوجهات الانفعالية للأفراد بعضهم تجاه بعض، بصفتهم كائنات سياسية (عن طريق الوجود بالقوة، إن لم يكن عن طريق الوجود بالفعل، وفق التعبير الأرسطي المعروف). وتربط بين الأفراد في المجتمع عاقات من أنواع لا حصر لها، بدءًا بالمستوى العائلي وانتهاءً بالمستوى السياسي: منها الشخصي كعاقات القرابة، والصداقة، والزواج؛ ومنها ما هو غير الشخصي، كعاقة العمل، والتعليم، والصحة، أو تبادل المصالح المشتركة؛ ومنها ما يبدأ بالاقتراب مما هو سياسي كعضوية النقابات العمالية؛ ومنها ما هو سياسي بصورة واضحة، مثل عضوية الأحزاب السياسية، والعمل السياسي المنظم، في مجالات الدعوة والتعبئة السياسية والإعام. وقد لا يبدو أنّ هذه الأنواع من العاقات، ما عدا السياسية منها، تشكل حقا غنيًّا لتوجهات انفعالية ذات عاقة بالسياسة، ولكن الأمر ليس كذلك، كما يتبين لنا. لنبدأ بشعور الثقة المتبادلة بين الأفراد في البلدان الخاضعة لنظم استبدادية، يكثر فيها المخبرون والجواسيس بين أفراد الشعب. ومن المعروف أنه من الصعب في مثل هذه البلدان أن تجد فضاءات للنقاش المفتوح، أو نقدًا لأي جانب من جوانب الحياة، إلّ في حلقات ضيقة، مثل العائلة أو الجماعة الحزبية المنضبطة، حيث يثق الناس بعضهم ببعض. أما النقاش الذي قد يجري في الفضاء العمومي، فهو مشوب بعناصر الشك والحذر والخوف، لأنّ الفرد لا يدري إن كان المستمع سوف يفشي توجهاته للغير. وهنا إذًا توجه انفعالي بالغ الأهمية، يمكن رصده على صعيد العاقات بين الأفراد. أهناك شعور بالثقة بين الواحد منهم والآخر، أم إنّ هناك الكثير من الشكوك، بحيث لا يسمح الحال بخلق أجواء مفتوحة للنقاش وتبادل المعلومات؟
هذا الشعور بالثقة أو بعدمها ليس دائمًا مسألة فردية، تعني كل فرد على حدة، بل قد يشمل الأمر طبقات بأكملها مثل الطبقة السياسية في مجتمع ما. وقد يشعر الأفراد بأن الطبقة السياسية طبقة فاسدة، لا يوثق بها، لأن همّها في نهاية المطاف هو خدمة مصالحها الخاصة، أو خدمة النظام السياسي القائم. وقد يشمل الأمر أيضًا طبقة رجال الدين، فضا عن طبقة رجال الأعمال والإعاميين المأجورين. وفي مثل هذه الحالات، ليس من الهيِّن أن يكترث الفرد بالمشاركة السياسية، إذا كان يشعر بأنّ المشتغلين بالشأن العام ليسوا أها للثقة. فيضطر الفرد في هذه الأحوال إلى الاستماع للكثير من الكذب، وربما مزاولة الكذب أيضًا. وهناك جوانب أخرى من العاقات بين الأفراد تشكّل حقا للتوجهات الانفعالية، منها عاقة الاعتراف والاعتراف المتبادل. أينظر الفرد إلى الآخرين عمومًا، وعلى نحو مطلق، على أنهم متساوون في القيمة وأنهم أنداد له، أم يرى أنه أفضل منهم ويستحق ما لا يستحقون؟ لو أن مؤيدًا للعلمانية وآخر يعارضها بناءً على تفسيرات دينية بحتة اختلفا، هل ينعت ثانيهما الأول بالكفر؟ أو هل يحكم أولهما على ثانيهما بالخروج عن النطاق السياسي بالمطلق؟ تتطلب الثقافة السياسية عاقة اعتراف متبادل، ومثل هذه العاقة يقوم على أساس توجه انفعالي، جوهره احترام الفرد للآخر، وهي عاقة أشمل مما يوحي به المثال الحالي. فهي تتطلب توجهات انفعالية، من نوع مناسب تجاه التمييز والحط من المنزلة، على أساس الدين والمعتقد والجنس والطبقة الاجتماعية، وغير ذلك من الأساليب التي يتبعها البشر. وهذه الأنواع من الاعتراف الاجتماعي توصلنا في النهاية إلى اعتراف من نوع سياسي واضح. وعلى المستوى السياسي، يترجم الاعتراف إلى مواطنة متساوية، كما يُترجم عدم الاعتراف إلى مواطنة غير متساوية أو درجات من المواطنة. وأخيرًا، يقودنا الحديث عن التوجهات الانفعالية المتعلقة بالثقة والاعتراف المتبادل بين الأفراد إلى التوجهات الانفعالية المتعلقة بالتعاون والعمل المشترك. ههنا ونتيجةً متوقعة لوجود الثقة أو عدمها، ولوجود الاعتراف أو عدمه، والشعور بالندّية، نجد أن لدى بعض الأفراد توجهات انفعالية ضد القيام بأعمال مشتركة مع أفراد آخرين، كعمل الرجال مع النساء مثا، أو عمل السود مع البيض، أو العمل المشترك بين المختلفين دينيًا. وفي المقابل من ذلك، قد نجد مجتمعًا يحترم فيه الناس بعضهم بعضًا، ويقرون مبدأ المساواة بين البشر، ولا يشعرون أنّ هناك فروقًا بين الناس على أساس الجنس والدين واللون. لا يخفى بالطبع ما لهذه التوجهات الانفعالية المتفاوتة من تأثير سلبي أو إيجابي في روح التضامن الاجتماعي والسياسي، ومن ثم في قدرة المجتمع على حشد الطاقات والنجاح في مواجهة التحديات.
رابعًا: التوجهات الانفعالية في الثقافة السياسية الديمقراطية
يستخدم آلموند وفيربا مصطلح Congruent , Congruence، من أجل التعبير عن فكرة مفادها أنّ بناءً سياسيًا معينًا Structure Political، أو لنقل "النظام السياسي برمته" في حالة توافق وتواؤم وتناسق وتناسب أو تناغم مع الثقافة السياسية السائدة (ليس هناك مصطلح عربي متفق عليه. لذا سوف نستخدم
تعبير "تواؤم" فيما يلي)، يقول المؤلفان: إنّ البناء السياسي يكون متوائمًا Congruent (مع الثقافة السياسية) "عندما يكون ذلك البناء مناسبًا للثقافة، أي عندما تتسم الإدراكات المعرفية للشعب بالدقة، وعندما تكون التوجهات الانفعالية، والتقييمية مؤيِدة Favorable لذلك البناء"53. ونريد في هذا القسم من الدراسة الوقوف على التوجهات الانفعالية في الثقافة السياسية، التي في وسعها أن تكون في حالة تواؤم مع النظام السياسي الديمقراطي. فمن الطبيعي أن نطلق تسمية الثقافة السياسية الديمقراطية على مثل هذه الثقافة. لدينا معرفة مسبقة بمفهوم التوجهات الانفعالية، ومفهوم الثقافة السياسية، ويبقى لنا أن نتعرف إلى مفهوم الديمقراطية، حتى يكون في وسعنا فهم المقصود بالثقافة السياسية الديمقراطية. فقد رأينا في قسم سابق من هذه الدراسة أنّ التوجهات الانفعالية هي في ذاتها تقييمية، واقتبسنا من نوسباوم إشارتها إلى المدرسة الرواقية التي قال أصحابها: إنّ الانفعالات ليست إلا "أنواعًا من الأحكام التقييمية evaluative judgments، التي تَنسِبُ أهمية بالغة إلى أمور [...] خارجة عن سيطرتنا"54. من ثم، إذا كانت الثقافة السياسية الديمقراطية تشتمل على توجهات انفعالية، فيجب أن تشتمل الديمقراطية على قيم وتقييمات وأحكام "تنسب أهمية بالغة" إلى بعض الأمور. فهل في الديمقراطية شيء من هذا؟ لنرصد "قيم الديمقراطية" أولً؛ فمن شأن هذا أن يسهل علينا تحديد الانفعالات السياسية الديمقراطية نفسها. من المعروف أنّ مفهوم الديمقراطية من أكثر المفاهيم إثارةً للجدل في الفكر السياسي المعاصر. لذا، لا يمكننا مناقشة التصورات المختلفة، والحسم بينها في هذا البحث. وما في وسعنا القيام به ههنا هو رسم معالم تصور عام، أو لنقلْ: "تصور حد أدنى"، يمكن الجميع الموافقة عليه. فمفهوم الديمقراطية بالطبع قديم قدم الفكر اليوناني نفسه. ومع أنّ الديمقراطية لم تلق في الفكر اليوناني الترحاب الذي تلقته في الفكر الحديث والمعاصر، فإنّ ذلك الفكر ترك لنا تعريفًا للديمقراطية، يحتوي على عناصر لا يسعنا التنكر لها ما دمنا نتحدث عنها. وما زلنا ندرك أن الديمقراطية (باليونانية: dēmokratía lδημοκρατία)، والتي تعني حرفيًا "حكم الشعب لنفسه"، كما نحفظ قول أفاطون Plato (347–427 ق. م.): "في الديمقراطية يكون الجميع أحرارًا، وتنتشر حرية الكام في كل مكان"55، وقول أرسطو الأدقّ: "بما أنّ الحرية والمساوة تتحققان في الديمقراطية على وجه الخصوص، لذا يغدو الأمر هكذا، عندما يشارك الجميع بالشكل الأكمل في الدستور"56. والمقصود بالعناصر التي لا يسعنا التنكر لها: الحرية، والمساواة، والمشاركة في الحكم. وهذه العناصر الثاثة هي عناصر قيمية، وسوف نعود إليها، عندما نستعد للحديث عن التوجهات الانفعالية في الثقافة السياسية الديمقراطية. وما نحتاجه الآن هو اكتشاف قيم أخرى في الديمقراطية، في ضوء فهمنا لعاقة هذه الأخيرة بمفهوم حقوق الإنسان. ونقصد على وجه الخصوص: "الحق في المواطنة".
يقول لنا الفكر اليوناني: إنّ المواطنين في المدينة – الدولة (أثينا مثا)، أحرار ومتساوون، يحكمون أنفسهم بأنفسهم، ويشاركون في الحكم. ولكن "النظرية اليونانية" – إن جاز هذا التعبير – حول الديمقراطية، لا تحدد شروط المواطنة على نحو صريح. نعرف أنه لم يكن في وسع النّساء المشاركة في الحكم، ولم يكن أيضًا في قدرة العبيد، والعمال الضيوف، أو عابري السبيل، القيام بذلك. لا تنبع هذه الاستثناءات، ولا ينبع الجواب عن الأسئلة التي تثيرها (على أي أساس يكون الاستثناء؟ ومن له الحق في تشريع الاستثناء؟)، منطقيًا، من الفكر اليوناني حول الديمقراطية. لذلك في وسعنا القول: إنّ مفهوم الديمقراطية الذي ورثناه عن اليونان صامت تجاه ما بات يعرف لاحقًا ب "مشكلة الشمول" Inclusion of Problem، والتي تتمثل في الإجابة عن سؤال: "من الذين تشملهم المواطنة في نظام الحكم الديمقراطي؟." بقيت مشكلة الشمول مهملة لعصورٍ طويلة، كان فيها الفكر الديمقراطي نفسه في حالة موات، إلى أن دبّت فيه الحياة في الأزمنة الحديثة. ونحن ندين لجوزيف ألويس شومبيتر (1950–1883)، في خمسينيات القرن العشرين، في إثارة مشكلة الشمول على نحوٍ صريح في كتابه الرأسمالية، الاشتراكية، والديمقراطية (1942)؛ إذ ارتأى أنه لا مفرّ من السّماح لكل شعب أو جماعة سياسية بأن تحدد نفسها كما تشاء، وتستثني من تشاء، وتشمل من تشاء57. ومن الأسباب التي دعت المؤلف إلى اتخاذ هذا الموقف من الحقيقة التاريخية، هو أنه ما من نظام سياسي على مر العصور إلا قد استثنى من المواطنة أصنافًا من الناس. وقد اعتقد شومبيتر أنّ الأسس المستخدمة لتسويغ الاستثناء، مثل الجنس واللون والدين واللغة والبلوغ والعقل وغيرها، كانت دومًا نسبية، وأن المنطق المستخدم فيها لم يكن ليخرج عن حدود الثقافات المحلية58. تعرض شومبيتر لنقد لاذع من عالم الاجتماع والسياسة الأميركي روبرت آلان دال (2014–1915) الذي قال: إنه إذا تركنا عضوية الجماعة السياسية عرضةً لأهواء المجموعة التي "تختار نفسها كما تشاء"، فقد تقوم جماعة سياسية تلتزم بالحرية والمساواة بين أعضائها (فتكون إذًا جماعة سياسية "ديمقراطية")، بفرض سيطرتها على بقعة جغرافية كبيرة، وتطبيق قانونها على سكان تلك البقعة الذين ترفض تلك الجماعة انضمامهم إليها بوصفهم مواطنين59. وكما نعرف، هذا ما حصل في فترة الحكم العنصري في جنوب أفريقيا، حين تحكّمت أقلية بيضاء، لم تتجاوز 13 في المئة من السكان، في مصائر مايين من السكان الأصليين، وفرضت عليهم قوانين لم يكن لهم يد في صنعها. وهو ما يحصل حاليًا في الضفة الغربية في فلسطين، التي تخضع للقانون الإسرائيلي في أمور مصيرية، تتعلق بالمصادر الطبيعية والحدود والديموغرافيا، مند أكثر من نصف قرن، من دون أن يكون للسكان دور في صنع تلك القوانين. مع ذلك، قال ويقول كثير من الناس بديمقراطية جنوب أفريقيا العنصرية وإسرائيل، ومن المرجح أن شومبيتر يتفق معهم في ذلك.
يرى روبرت دال في المقابل أنّ المواطنة يجب أن تشمل كل إنسان بالغٍ وعاقلٍ، يخضع لقوانين النظام السياسي60. ولا يحتاج الإنسان إلى فحص معمّق لكتاب دال المعنون الديمقراطية ونقادها، حتى يدرك أنّ السبب الذي حدا به إلى توسيع دائرة المواطنة هو مبدأ أخاقي، مفاده أنه من غير العادل أن يُكرَه الفرد العاقل البالغ على الخضوع لقوانين لم يكن له يد في صنعها؛ لأنّ في ذلك إخلً بحقه بصفته إنسانًا في المعاملة المتساوية مع أقرانه من البشر. فالحق في المواطنة يمليه في نهاية المطاف مبدأ المساواة الجوهرية Equality Intrinsic بين البشر61، تلك العقيدة التي تكرسها الأديان، وقوانين حقوق الإنسان. ولهذا الأمر تبعات أهمها: أنّ وجود المواطن في وضع أقلية، من نوع آو آخر (سياسية، أو دينية، أو عرقية، مؤقتة، أو دائمة)، لا يجب في أي حال من الأحوال أن يخرج بالمواطن عن دائرة المواطنة، أو أن ينتقص من حقوقه بصفته مواطنًا. في هذه المرحلة، نجد أنّ الديمقراطية باتت تطرق باب حقوق الإنسان، أو أنّ حقوق الإنسان باتت تطرق باب الديمقراطية، ولا فرق. والأهم في هذا كلّه أنه ليس في وسعنا التفكير في الديمقراطية الآن، بمعزل عن تفكيرنا في حقوق الإنسان، والعكس صحيح. وليس هذا، فحسب، لأن المادة 21 من الإعان العالمي لحقوق الإنسان Rights Human of Declaration Universal The، تجعل الديمقراطية حقًا من حقوق الإنسان "إرادةُ الشعب هي مناطُ سلطة الحكم، ويجب أن تتجلّى هذه الإرادة من خال انتخابات نزيهة تجرى دوريًّا بالاقتراع العام وعلى قدم المساواة بين الناخبين"62، وإنما أيضًا لأن المفاهيم المركزية في الديمقراطية (الحرية والمساواة) هي أيضًا مشمولة في حقوق الإنسان بموجب المادة 1 من الإعان، والتي تقول: " يولد جميع الناس أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق. وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضًا بروح الإخاء"63. هذا يعني أنّ الديمقراطية ليست خُلوًا من المفاهيم القيمية. وهكذا، ينبغي للنظام السياسي، الذي يجوز لنا أن ننعته بالديمقراطي، أنْ يُكرِّس من خال مؤسساته، وعملياته السياسية، زُمرةَ قيمٍ أساسية أهمها: الحرية، والمساواة، والمشاركة السياسية، والمواطنة الشاملة، لكلّ من تنطبق عليه القوانين. فمثا، يُفترض أن يمثّل شعار "مواطن واحد، صوت واحد"، في الانتخابات الدورية، الحرة والنزيهة، فكرة أنّ المواطنين متساوون، على الأقل سياسيًا. كما يُفترض ألّ يعكس البرلمان (حيث تسنّ القوانين، ويتابع أمر تنفيذها) مصالح المواطنين وطموحاتهم فحسب، بل ينبغي أن يتمتع بصاحيات تعني فعا أنّ
الشعب يحكم نفسه بنفسه، وليس من خال سلطة خارجة عن إرادته. وكذلك الدستور الذي يرسم صورة النظام السياسي، بمؤسساته المختلفة، ويحدد العاقات بين السلطات والمؤسسات الكبرى في الدولة. يجب أن يكون الدستور ديمقراطيًا، يفصل بين السلطات، ويبيّن الحقوق والالتزامات المتبادلة بين الدولة بأجهزتها الكبرى والمواطنين. فمثا، يطرح الدستور قائمة من الحريات والحقوق المضمونة للأفراد ومكونات المجتمع الأخرى، بحيث يجري إغاق الباب أمام الاستبداد، واحتكار السلطة حتى من جانب الأغلبية الشعبية أو البرلمانية. نكتفي بهذه التفاصيل المقتضبة عن النظام السياسي الديمقراطي، الذي رأينا في العصور الحديثة كثيرًا من أشكاله، في سياق ثقافات ومجتمعات مختلفة، وصرنا نفهم الكثير من التحديات التي تواجهه في سبيل التوفيق بين قيم متنافسة ومصالح متناقضة. وأصبح هذا النظام مألوفًا لدى غالبية الناس، ولكن ما هو مفهوم بدرجة أقل هو العاقة بين ذلك النظام والبيئة الثقافية التي تحتضنه. أهي عاقة سببية، أم هي عاقة أضعف من عاقة السبب بالنتيجة، عاقة توافق، تناغم، تناسب، أو تواؤم، كما أسلفنا في بداية هذا القسم؟ طبعًا ليس هناك ما يمنع من وجود عاقات سببية، هي أيضًا في الوقت ذاته عاقات تواؤم، ولكن كما ذكرنا، لن نقوم بمناقشة العاقة السببية ههنا. سنكتفي بمناقشة عاقة التواؤم فقط. هناك فكرة تبدو ساذجة شيئًا ما، يمكننا أن ننطلق منها. وقد تكون هذه الفكرة مبتذلة أيضًا، لأنها جرت على ألسُنٍ كثيرةٍ. وتتخذ هذه الفكرة شكل "تجربة ذهنية " Experiment Thought، يدعونا فيها المجرّب إلى أن نستحضر في مخيالنا مجتمعًا (في وسع القارئ أن يختار مثاله المفضل هنا) تقليديًا، كان إلى وقت قريبٍ مجتمعًا زراعيًا أو بدويًا قبَلِيًا بسيطًا، لا يعرف من التعليم أو الحياة الحضرية العصرية إلّ القليل، بل لم يعرف معنى الدولة المركزية إلى عهدٍ قريب. تخيل هذا المجتمع بمعارفه المتواضعة وعاداته المتحجرة وحياته البسيطة، ثم تخيل في المقابل مجتمعًا غربيًا حديثًا يمارس الديمقراطية منذ قرون. والآن حاول إسقاط النظام السياسي للمجتمع الثاني على الأول، بما في ذلك من أفكار وممارسات، مثل: المساواة بين الأفراد، والانتخابات الحرة، والتنافس على السلطة، والمساءلة، والتعاقب على الحكم، والأحزاب السياسية... إلخ. ويقول لنا صاحب هذه التجربة الذهنية: إنّ في هذا الأمر استحالة؛ إذ من غير الممكن أن يعيش المجتمع "المتأخر" تحت نظام سياسي يشبه نظام المجتمع "المتقدم". ويقول المجرب: إن ثقافة المجتمع المتأخر لا توائم بتاتًا نظامًا سياسيًا يشبه نظام المجتمع الثاني. ويحصل أمر مشابه إذا تخيّلنا المجتمع "المتقدم"، وقد صار يعيش بموجب النظام السياسي السائد في المجتمع الأول. تخيل مثا أنّ أهل الفن (والناس عمومًا)، في فرنسا أو ألمانيا يشعرون، بل يعتقدون بضرورة تأليف أغانٍ وأهازيج "وطنية" تمجد الرئيس الفرنسي أو المستشار الألماني، وتُذاع على التلفزيون أو الإذاعة الرسمية في فرنسا وألمانيا كل يوم (هذا بالطبع، في حالة الافتراض أنه لا يوجد في فرنسا وألمانيا إعام مستقل أصا، وأنّ الناس لا يمانعون في ذلك). يشبه الأمر مشروع من يريد بناء قصر شاهق مترامي الأطراف، على أساسات تصلح لبناء كوخ خشبي صغير. لنقل إذًا: إنّ ما يوائم ثقافة سياسية ما قد لا يوائم ثقافة سياسية أخرى. وينطبق هذا على وجود الحاكم المستبد وعدمه، بقدر ما ينطبق على ممارسة تأليه الحكام وعدمها. لنتفحص الآن الثقافة السياسية
الديمقراطية؛ أيْ تلك التي توائم نظام الحكم الديمقراطي. وسينصب اهتمامنا ههنا على التوجهات الانفعالية في ثاثة محاور، هي: • توجهات نحو الدولة والنظام السياسي الديمقراطي. • توجهات نحو العملية السياسية الديمقراطية. • توجهات نحو أفراد المجتمع السياسي الديمقراطي (المواطنون). ولا نزعم أنّ التوجهات الانفعالية التي سوف نتحدث عنها تشتمل على جميع التوجهات التي يمكن أن يخبرها المواطن الديمقراطي، في أي وقت من الأوقات. ولكننا نأمل ألّ نغفل التوجهات الانفعالية المهمة، التي تنشط في الثقافة السياسية الديمقراطية أكثر من غيرها. في المحور الأول، إنّ من أبرز المسائل التي يمكن التوقف عندها الوطنية والدستور، والمؤسسات، والحكومة، والمعارضة. فمن الطبيعي أنّ المواطن الذي يعيش في كنَفِ دولةٍ توفر له الأمن والاستقرار، وتُهيئ له كل ظروف الحياة الكريمة، سيشعر بالمحبة تجاه هذه الدولة، أرضًا وشعبًا ومؤسساتٍ ونظامَ حكمٍ. ومثل هذا النوع من المحبة يُشكِّل استمرارًا لما يشعر به الفرد على مستوى العائلة، أو القرية، أو الحي الذي نشأ فيه، حيث كان يشعر بالأمان والمحبة المتبادلة. وبحسب ما يرى جون رولز (–1921 2002)، يوجد لدى الإنسان استعداد فطريٌّ لمحبة الآخرين، ويتحقق ذلك لمَّا يشعر الفرد أنّ مَن حوله يحبونه ويريدون له الخير. ويجري ذلك في البداية على مستوى العائلة، ثم يمتد إلى المجتمعات العادلة، على هيئة "شعور بالثقة والصداقة تجاه الآخرين، وذلك عندما يرى الفرد أنهم يعملون، بحسن نية، على القيام بواجباتهم، وفق متطلبات مواقعهم الاجتماعية"64. وأخيرًا، لا تلبث هذه المشاعر الإيجابية أن تتعلق بالمؤسسات، حين يدرك الفرد أنّ المؤسسات والترتيبات القائمة في المجتمع، تعود بالخير عليه وعلى من يحب65. من الطبيعي إذًا، أن يشعر الإنسان بالمحبة تجاه الوطن والشعب والمؤسسات، خصوصًا عندما تبادله حبًا بحبٍ كما يوحي كام رولز. ولكن محبة الإنسان، حامل الثقافة الديمقراطية، تختلف عن أنواع أخرى من المحبة تجاه الوطن. فالثقافة الديمقراطية، التي تتحدد هويتها بالإشارة إلى الديمقراطية نفسها، لا تسمح بأن يختلط الشعور الوطني بمشاعر عنصرية مثل: الفوقية أو الاعتقاد بأنّ هذا الشعب أسمى من الشعوب الأخرى وأشرف منها، أو أنّ مصالحه فوق كل المصالح. فالديمقراطية، التي تنطلق من الاعتقاد بالمساواة بين الأفراد، لا يمكن أن تتوافق مع الاعتقاد بأنّ بعض الشعوب أعظم قيمة من
شعوب أخرى. وما ينطبق على الأفراد ينطبق على الشعوب، فهذه الأخيرة ليست أكثر من جموعِ أفراد. وبعبارة أخرى، لا ينبغي للثقافة السياسية الديمقراطية أن تسمح بالتعبير عن حب الوطن من خال انفعالات من نوع الفاشية أو الإمبريالية أو الكاره للأجانب. لكن مع ذلك، لا يمكن الثقافة السياسية الديمقراطية أن تعيش وتزدهر، على أساس مشاعر لا ترى في الوطن والشعب ونظام الحكم، سوى تجسيدٍ لمُثل ومبادئ أخاقية وسياسية عليا، ينبغي أن تكون موضوع حبنا في المقام الأول. هذا ما يراه البعض في الوطنية الدستورية، التي طرحها هابرماس. نعم، في وسع المواطن الديمقراطي أن يحب الدستور والمبادئ التي يكرسها، ويحقُّ له أن يشعر باغترابٍ شديد لو أنّ دستور الباد قد تغير في أعقاب انقاب سياسي جذري. ولكن، كما تقول نوسباوم: "لا يقول لنا هابرماس ما الانفعالات؟ وكيف تعمل؟ كما أنه يقدم رؤية بالغة التجريد، وذات طابع أخاقي مفرط، بصورة تشككنا في إمكانية تطبيقها على أرض الواقع"66. حال هابرماس ههنا من حال رولز الذي تعتقد نوسباوم أنه لا يعير اهتمامًا كافيًا لخصوصية العاقة العاطفية بين الفرد والوطن وحميميتها. ولا تنكر نوسباوم إمكانية، بل وجوب، أن تكون الدساتير والمبادئ الديمقراطية مواضيع للحب، ولكنها تقول أيضًا: إنّ "الناس لا يقعون في غرام الأفكار المجردة، من دون مساعدة تأتي من خال اللغة المجازية، والرموز، والإيقاعات الموسيقية، وتضاريس جغرافيا الباد"67. ونضيف ههنا أيضًا الذكريات التاريخية الخاصة بالشعب، والانتصارات، والإنجازات، التي ساهمت في صنع الهوية الوطنية الخاصة. لا مفر للوطني إذًا من أن يرى في الوطن شيئًا خاصًا ليس له مثيل، ولا مفر للوطنية الديمقراطية – إن صح هذا التعبير – أن تُقر بذلك. فالمشكلة الصعبة تكمن في الحيلولة دون الذهاب بعيدًا في هذا الاتجاه، الأمر الذي ينبغي أن يكون موضوعًا للتربية الوطنية الديمقراطية. هذا فيما يتعلق بحب الوطن، والشعب، والدولة بصفة عامة. فحامل الثقافة السياسية الديمقراطية يشعر بالولاء لبلده وشعبه، ونظامه الديمقراطي. ولكن مشاعره لا تتسم بالتشدد أو التعصب. أما بالنسبة إلى المعارضة، والمتوقع وجودها في أغلب الأوقات، ولا سيما أنّ من جوهر النظام الديمقراطي سماحَه بحرية الفكر والتعبير، والعمل، فالأمر الجدير بالذكر هنا هو أنّ صاحب الثقافة الديمقراطية لا يتعجل في تخوين المعارضة، لا لسببٍ إلّ لأنها تعارض سياسة الحكومة، وتنتقدها على الدوام. فمثل هذا المواطن يميِّز بين الولاء للدولة والوطن والشعب والولاء للحكومات التي تأتي وتذهب دوريًا وفق مشيئة الناخبين. وبالطبع، لا يُستبعد أن يحتوي النظام الديمقراطي على جماعات معارضة لا تؤمن بالديمقراطية، وتنوي تغيير نظام الحكم والدستور. وههنا يطرح السؤال نفسه عن موقف الثقافة السياسية الديمقراطية من هذه المعارضة. وهل من سمات حامل الثقافة الديمقراطية أن يصنف هؤلاء ضمن الخونة؟ قد يكون مثل هؤلاء الناس ممن يحبون شعوبهم وبلدانهم ويبتغون الخير لها، من خال تغييرات جذرية في نظام
الحكم وقطاع الاقتصاد وأمور أخرى. وتقتضي حرية الفكر والتعبير والعمل ألا يُقصى أمثال هؤلاء، ما لم يُقْدموا على اقتراف جرائم صريحة في حق الدولة ونظامها السياسي الديمقراطي، وما داموا لا يمارسون العنف والقهر في نشاطهم السياسي. ومن سمات الثقافة الديمقراطية أيضًا أنها تسمح بنشوء ثقافة غير ديمقراطية داخلها، تمامًا كما يسمح النظام الانتخابي الديمقراطي بفوز أحزاب تحمل ميولً غير ديمقراطية، من شأنها أن تضعف النظام الديمقراطي، أو ربما تقضي عليه ح لً أو بعد حين. وهنا لا بد من القول إنّ الانفعالات السياسية الديمقراطية ينبغي أن تكون انفعالات مشبعة بالمنطق والمعارف والمعلومات التي يُؤمَلُ أن تقود المواطنين إلى بر الأمان في حياتهم السياسية (هذا يعني أنّ علينا أن لا نلِحّ على الفصل بين التوجهات المعرفية والتوجهات الانفعالية). ننتقل الآن إلى الحديث عن التوجهات الانفعالية للأفراد تجاه العملية السياسية. بالطبع، ليس لمفهوم العملية السياسية Process Political The حدود ومعالم واضحة. وكيف يكون ذلك، وقد حاجّ البعض بأنّ كل ما هو شخصي فهو سياسي68Political is Personal The؟ مع ذلك، في وسعنا القول، من دون محاولة لتعريف السياسي في هذه المرحلة من البحث، إنّ أحد الشروط التي ترتقي بحدثٍ معين أو ظاهرة معينة إلى المستوى السياسي هو شرط العمومية؛ بمعنى أن يكون الحدث أو الظاهرة من النوع الذي يمكن أن يؤثر في جميع المواطنين، و/ أو الذي "ينبغي" أن يكون محطَّ اهتمامهم وعنايتهم وتدخلهم الفعلي، بالطريقة المائمة. ومن باب تقديم مثَلٍ بسيط نقول: كلما كانت الانتخابات محلية أكثر، كانت سياسيةً أقل. ولكن لا أحد يشك في أنّ الانتخابات البرلمانية، أو الرئاسية، أو تعيين قضاةٍ للمحكمة الدستورية، هي عمليات سياسية بامتياز. فقد لا يقال الشيء نفسه عن ظاهرة الانتحار، لأنها لا تؤثر في الجميع، ولأنها كذلك، لا تتطلب من جميع المواطنين المساهمة في صنع قرارات بشأنها. وكذلك الحال في شأن العنف المنزلي ضد النساء. ويمكننا ههنا أن نتفهم موقف من يقول إنّ الشخصي سياسي، ولكن هذا يعود إلى كون الظاهرة تدخل الحقل السياسي من باب انتهاكات حقوق الإنسان. ومن الجلي بالطبع أنّ انتهاكات حقوق الإنسان تتعارض مع الديمقراطية، والدستور الديمقراطي الذي يحمي المواطنين من العنف غير المشروع. في وسعنا الآن التطرّق إلى بعض التوجهات الانفعالية للأفراد تجاه العملية السياسية، بما تعنيه من تفاعل يجري على صعيد العاقات بين الدولة والأفراد. فنقول أولً، إنّ حامل الثقافة السياسية الديمقراطية يفهم السياسة فهمًا سليمًا، بأنها انشغال بالشأن العام وليس المحلي أو الخاص. لذلك نرى أنّ قضايا الشأن العام، أي الأمور العامة التي تعني الجميع، هي محطّ توجهاته الانفعالية. وهو في هذا على طرفي نقيض مع الفرد المحلي Parochial، بمصطلح آلموند وفيربا69، حامل الثقافة المحلية Culture Political Parochial، الذي لا تتجاوز اهتماماته "العامة" حدود قريته أو الحي الذي يقطن فيه. ونقول ثانيًا، إنّ التوجهات الانفعالية لحامل الثقافة الديمقراطية تنحو نحو المشاركة في العملية
السياسية. إنه لا يرضى بالوقوف، ينظر إلى الدولة تفعل ما تشاء في المجتمع. وهو في هذا يقف على طرفي نقيض مع الرعايا subjects بمصطلح آلموند وفيربا70 من حملة الثقافة السياسية الرعوية Culture Political Subject. ومن منطلق اهتمامه بالشأن العام، نجده مهتمًا بالعملية السياسية، من حيث حيويتها، وانفتاحها، ونظافتها. لذلك يثير وجود الفساد في الحقل السياسي لديه أشدَّ المشاعر السلبية، لأنه يدرك أنّ العملية السياسة النظيفة والفعالة هي ما يضمن أن يبقى نظام الحكم والدولة تعبيرًا مخلصًا عن إرادة الأفراد مجتمعين. كما نجد مزيدًا من الانفعالات السياسية التي تتميز بها الثقافة السياسية الديمقراطية، عندما نلتفت إلى واحدة من أهم العمليات السياسية التي تجري في النظام الديمقراطي، وهي الانتخابات. فحامل الثقافة السياسية الديمقراطية إنسان لا يضيره التنافس، كما أنه يتمتع بروح رياضية تجعله قادرًا على تهنئة منافسيه عند فوزهم عليه في المعركة الانتخابية. وهذا على خاف ما نشهده في كثيرٍ من البلدان التي لا تُمارس فيها الديمقراطية، مع أنه تجري فيها انتخابات في بعض الأحيان. وكثيرة هي الأمثلة عن تجارب انتخابية، يُقرّ فيها المنافسون بأنّ الانتخابات نزيهة، فقط في حال فاز فريقهم. ومثل هؤلاء المتنافسين، ينظرون إلى الانتخابات على أنها طريقة للوصول إلى السلطة، لذا تراهم يقاطعونها، أو يحاولون تأخيرها ما أمكنهم ذلك، إذا شعروا أنّ احتمالات فوزهم ضئيلة. ومثل هذه التوجهات الانفعالية تتسم بنوع من الخُبث وسوء النّية، وتنمُّ عن نفسية إقصائية، لا ترى مكانًا للآخر في العملية السياسية، فهو هناك لكي يُهزم مرة واحدة وإلى الأبد في انتخابات قد لا تتكرر. وحامل الثقافة الديمقراطية لا ينظر إلى الانتخابات على أنها فرصة لإقصاء الآخر عند الوصول إلى السلطة. قد ينتمي الإنسان الديمقراطي إلى حزب سياسي معيّن، ولكنه لا ينظر إلى حزبه على أنه مخلص وحيد للأمة، ولا يرى في وصول الأحزاب الأخرى إلى السلطة خرابًا للباد. فحامل الثقافة الديمقراطية مستعد لقبول الهزيمة السياسية، كما أنه مستعد للتفاوض مع خصومه السياسيين حول الحلول الوسطية. وفيما عدا هذا، يوجد لديه من الاستقرار النفسي ما يجعله قادرًا على الانتظار إلى فترة الانتخابات المقبلة. ومن المهم أن نعرف في أي تربة تنمو هذه المشاعر، الحسن منها والرديء. هناك تفسيرات معقولة لهذه المشاعر، يمكن طرحها في سياق الحديث (أخيرًا) عن التوجهات الانفعالية الديمقراطية للأفراد، بعضهم تجاه بعض. لنبدأ من حيث انتهينا للتو، من أين ينبع الخبث وسوء النية وإقصاء الخصم السياسي، كلما أمكن ذلك؟ ومن أين تأتي القدرة على تحمل الهزيمة بروح رياضية، وعلى انتظار الانتخابات المقبلة؟ يمكن تلخيص هذا الجواب ببضع كلمات، هي: الثقة أو الشعور بالثقة تجاه الآخرين. وفي حالة انعدام الثقة، تجد الحزب الخاسر في الانتخابات لا ينتظر طويا قبل رفض النتائج. فيقول أعضاء الحزب الخاسر لأنفسهم: إن مُكِّنَ لهذا الحزب "المنافس" في السلطة، فلن يرحل عنها طوعًا؛ لأنه يطمع فيها ولأن نياته الحقيقية ليست وطنية. ولا يمكن الثقة بأمثال هؤلاء. وهكذا، لا يمكن التعاون معهم، وإذًا، يكمن الحل الوحيد في التخلص منهم بطريقة ما، إما بالانتخابات أو بغيرها، لكي نبقى مخلصين لمصالح هذا الشعب في الحكم.
أما في حالة وجود شعور متبادل بالثقة، فإن كل فرد ينظر إلى الآخر كما ينظر إلى نفسه، أنه سويٌّ نفسيًا وأخاقيًا، وليس شريرًا، خائنًا للوطن. ويعبر الأفراد عن آرائهم في العلن، فيختلفون، ويفترقون على اختاف، من دون أن يظن أحدهم أن الآخر يكذب، أو يُنافق، كأن يكون بصدد تنفيذ برنامج سري لاستحواذ على السلطة، ومن ثم القيام بتعديات جذرية في نظام الحكم، تضمن بقاءه في السلطة إلى أمد غير محدود. وهذا بالطبع، أمر مطمئن بالنسبة إلى الحزب الخاسر الذي يدرك أنّ في وسعه تشكيل معارضة قوية للحزب المنتصر، من دون أن يخشى أعضاؤه على حياتهم أو حريتهم. وعندها يمكنهم الانتظار، وترقب الانتخابات المقبلة، واثقين أنّ الشعب سوف يختبرهم، ليرى ما في وسعهم القيام به، من أجل الصالح العام، إن لم يكن في هذه الانتخابات، فربما في الانتخابات المقبلة. ويبقى الوجه الآخر للشعور بالثقة تجاه المواطنين الآخرين، هو الشعور بالأمان في حضرتهم، حتى لو كانوا أناسًا لم يلتق بهم المرء من قبل (أي أفراد من خارج العائلة والأطر الحميمية الأخرى). وأن تشعر بالأمان في حضرة مواطن من المواطنين معناه أن تشعر بإمكانية مناقشة الأمور السياسية معه بكل صراحة، من دون أن تخشى من إمكانية أن يقوم بإباغ السلطات عن أفكارك. يقول آلموند وفيربا عن أهمية التواصل حول الأمور السياسية: "إذا مُكِّنَ للناس العاديين المشاركة في عملية سياسية ديمقراطية، فيجب أن يتوافر لديهم شعور بأن لا خطر يهددهم جراء ذلك، وأن تعبيرهم عن آرائهم السياسية لا ينطوي على مجازفات كبيرة، وأنهم نسبيًا يملكون بعض الحرية للتحدث مع أي كان. وبقدر ما تكون هذه التوقعات غير متحققة، فإن دوافع الناس للتواصل السياسي تُكبت، وما تبقَّى من تواصلٍ سياسي يغدو سرِّيًا ومحصورًا في نطاق العائلة، والجماعات الأيديولوجية التي يثق بها الفرد"71. بالطبع، لا يقتصر الأمر على الأمور السياسية فحسب. فليس هناك من داعٍ لأن يفقد الإنسان شعوره بالأمان في حضرة الآخر، عند الشروع في حوار يقود في منتصفه إلى الحديث عن أمور دينية، أو اجتماعية، أو اقتصادية، أو عرقية أو غيرها. فالإنسان لا يخشى ماحقة السلطات السياسية وحسب، بل يخشى كذلك المقاطعة الاجتماعية، وفقدان الأصدقاء. والشعور بهذا الأمان المتعدد الجوانب يتطلب وجود مواطنين يحملون توجهات انفعالية/ قيمية، تجمع بين الأخاقي والسياسي، أخاق مساواتية، تقوم على الاعتقاد أنّ البشر أنداد متساوون في القيمة (ف يرضى الإنسان لغيره ما لا يرضاه لنفسه)، وأخاق ليبرالية ترى في الحرية، بما في ذلك حرية الضمير، وحرية الفكر والتعبير، قيمًا عليا. ولا ينبغي أن تبقى الحرية والمساواة والإنسانية موضوعًا للدرس الفلسفي والجدال النظري وحسب. وفي مرحلة ما، يلزم أن تشكّل هذه المفاهيم محتوى انفعالات أخاقية/ سياسية من نوع محدد، كمحبة المساواة والحرية والإنسانية والديمقراطية. ليس هذا بالأمر الهين، كما لاحظنا مع نوسباوم سابقًا، في معرضِ نقدها لموقف الفيلسوفين هابرماس ورولز المتعلق بمحبة المبادئ. ولكننا في نهاية المطاف، نجد أنفسنا في حالة اتفاق، ولو جزئيًا، مع هذين الكاتبين، فمن الأفضل أن نسعى لتنمية توجهات انفعالية سياسية، تتعلق بالمبادئ السياسية المجردة، ولا نكتفي فقط بما هو عيني.
في المحصلة الأخيرة، في وسعنا القول إنّ الثقافة السياسية الديمقراطية، في جانبها الانفعالي، تتطلب أن ينظر الأفراد بعضهم إلى بعض، انطاقًا من المفاهيم الديمقراطية التي يجسدها النظام السياسي الديمقراطي، والتي ينبغي أن تشكل محتوى توجهاتهم الانفعالية بعضهم تجاه بعض. فعلى مستوى النظام السياسي، يكون الأفراد أحرارًا ومتساوين في القيمة، يحكمون أنفسهم بأنفسهم، ويسعون لما فيه خيرهم العام. وعلى المستوى السياسي الثقافي، يعيشون في حالة ثقة متبادلة، وصداقة مدنية، على نحو ما يقوله رولز عن تمدد مشاعر الحب انطاقًا من العائلة وصولً إلى المجتمع والمؤسسات72.
خاتمة واستشراف
استُهلّت هذه الدراسة بمحاولة توضيح مفهوم الثقافة السياسية، انطاقًا من التعريف الذي أدلى به آلموند وفيربا في كتابهما الكاسيكي الثقافة المدنية: التوجهات السياسية والديمقراطية في خمس دول (1963)، حيث قاما بالتمييز بين مكونات إدراكية وانفعالية وتقييمية في الثقافة السياسية. عمدنا إلى انتقاد تعريفهما؛ بسبب عجزهما عن التمييز على نحوٍ مقنع ومثمر بين الجانبين الانفعالي والتقييمي، وتجاهلهما عناصر الرغبة والسلوك في الثقافة السياسية. وناقشنا بعد ذلك المكون الانفعالي في الثقافة السياسية، فاستعرضنا التجليات الممكنة لهذا المكون على ثاثة مستويات، هي: 1. التوجهات الانفعالية للأفراد تجاه الدولة والنظام السياسي، 2. التوجهات الانفعالية للأفراد تجاه العملية السياسية، 3. التوجهات الانفعالية للأفراد بعضهم تجاه بعض. وأخيرًا، حددنا مفهوم الثقافة السياسية الديمقراطية، والتوجهات الانفعالية في تلك الثقافة، وناقشنا بعض نماذج التوجهات الانفعالية، في المستويات الثاثة السالفة الذكر. كما أنّ هناك ثاث مسائل، تطرقنا إليها بدرجات مختلفة من التفصيل، وينبغي أن تُدرس على نحو أعمق. وهي: 1. هل هناك عاقات سببية بين الثقافة السياسية والنظام السياسي؟ أي إن كان الواحد منها سببًا للآخر، وإن كانت العاقات السببية تجري في اتجاهين، 2. إلى أي درجة يمكن حقًا الفصل بين مكونات مختلفة في الثقافة السياسية؟ وتحديدًا، هل يمكن الفصل بين الإدراك والانفعال والتقييم والسلوك؟ 3. ما أثر الالتباسات المفاهيمية، وعدم وضوح معنى المصطلحات، في النتائج التي يُتوصل إليها في الأبحاث التجريبية المتعلقة بالثقافة السياسية؟
References
المراجع
العربية
الأمم المتحدة. "الإعان العالمي لحقوق الإنسان". في: ifXm 0 P /2 ly. bit:// https بشارة، عزمي. في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي. ط 4. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018
________. الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020
التميمي، محمود كاظم محمود وميثم عبد الكاظم هاشم الساعدي. علم النفس والسياسة. عمان: دار الصفاء للنشر،.2016
بهلول، رجا. خطاب الكرامة وحقوق الإنسان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017.
________. أنطولوجيا الفعل ومشكلة البينذاتية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019.
زهران، حامد عبد السام. قاموس علم النفس، إنجليزي – عربي. القاهرة: عالم الكتب،.1987
هوتون، دافيد باتريك. علم النفس السياسي: أوضاع وأفراد وحالات. ترجمة ياسمين حداد ومراجعة سامي الخصاونة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات،.2015
الأجنبية
A. Almond, Gabriel & Sideny Verba. The Civic Culture: Political Attitudes and
Democracy in Five Nation s. Princeton: Princeton University Press, 1963.
Aristotle. Politics. London: Penguin Books, 1962.
Bahlul, Raja. "Emotion as Patheception." Philosophical Explorations, An International
Journal for the Philosophy of Mind and Action. vol. 18, no. 1 (2015).
Dahl, Robert. Democracy and Its Critics. New Haven: Yale University Press, 1989.
Davidson, Donald. "Actions, Reasons, and Causes." The Journal of Philosophy. vol. 60,
no. 23 (1963).
Deonna, Julien & Fabrice Teroni. The Emotions, a Philosophical Introduction.
New York: Routledge, 2012.
Habermas, Jürgen. "Citizenship and National Identity: Some Reflections on the Future
of Europe." Praxis International. vol. 12, no. 1 (1992).
Houghton, David P. Political Psychology: Situation, Individuals, and Cases. London:
Routledge, 2009.
Inglehart, Ronald. "The Renaissance of Political Culture." The American Political
Science Review. vol. 82, no. 4 (1988).
Koziak, Barbara. Retrieving Political Emotion: Thumos, Aristotle, and Gender.
University Park: The Pennsylvania University Press, 2000.
Larmore, Charles. The Autonomy of Morality. Cambridge: Cambridge University Press,
Lasswell, Harold. Power and Personality. New York: W.W. Norton and Company, 1948.
Nesbitt–Larking, Paul et al. (eds.). The Palgrave Handbook of Global Political
Psychology. New York: Palgrave Macmillan, 2014.
Nussbaum, Martha. Political Emotions: Why Love Matters for Justice. Cambridge:
Harvard University Press, 2013.
Plato. The Republic. Oxford: Oxford University Press, 1941.
Rawls, John. A Theory of Justice. Cambridge, MA: Harvard University Press, [1971]
Rawls, John. Political Liberalism. New York: Columbia University Press, 1993.
Rorty, Amilie Oksenberg (ed.). Explaining Emotions. Berkeley: University of California
Press, 1980.
Schumpeter, Joseph. Capitalism, Socialism, and Democracy. New York: Harper and
Row, 1976.
Snow, C.P. The Two Cultures and the Scientific Revolution. New York: Cambridge
University Press, 1961.
Solomon, Robert (ed.). Thinking about Feeling: Contemporary Philosophers on
Emotions. Oxford: Oxford University Press, 2004.
________. What is an Emotion? Oxford: Oxford University Press, 2003.
Tausch, Arono. "The Civic Culture of the Arab World: A Comparative Analysis Based
on World Survey Data. " Middle East Review of International Affairs. vol. 20, no. 1
"The Ronald F. Inglehart Best Book Award on Political Culture and Values." World
Values Survey. 10/11/2022. at: https://bit.ly/3M7QWHY