كبرياء المدينة وجرأة الفيلسوف
The Pride of the City and the Audacity of the Philosopher
الملخّص
تستهدف هذه الدراسة النظر في العلاقة النزاعية بين "الفيلسوف" و"مدينته" من زاوية نظر مخصوصة، تتعلق بتصادم هُويتين: هوية يحركها العقل وهاجسها البحث عن الحقيقة وسياستها؛ وهوية سلطة سياسية. يتعلق الأمر ههنا بوضع الفلسفة ذاتها في مدينة تتنكر أهواؤها ومصالحها في صورة معايير اجتماعية ورموز دينية. ولمعالجة هذه الإشكالية، سنتوقف في لحظةٍ أولى عند تصادم "الفكر الفلسفي" و"الفعل السلطوي" في الفضاء العمومي، من خلال قراءة كتاب في السياسةِ وعدًا لحنة أرندت. وسنبين أن الخصومة بين "الفلسفة" و"السياسة"، كانت بين من "يسوس الفكرة" و"يتدبر الفعل" في المدينة. أما اللحظة الثانية، فسنتحدث فيها عن الالتزام الفلسفي ومقتضياته عند الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر، ونتابع علاقته بالحرية. وفي خاتمة الدراسة، نزلنا المشكل في حاضر مُدننا اليوم التي تنهار أمام أعيننا، لننتهي إلى نتيجة مفادها أن التزام الفيلسوف في أزمنتنا أكثر عُسرًا من التزام أسلافه؛ لأنه يواجه أشكالًا جديدة وما بعد حداثية من التحكم والضبط والعنف، ويبقى معرضًا للخطر حتى وهو في أبعد عزلة ممكنة. وفي الدراسة رهانٌ مفاده أن قدر الفيلسوف أن يبدأ مجددًا، رغم ما يُرافق استئناف قوله من آلام ومحن.
Abstract
Abstract: This research paper aims to examine the conflictual relationship between the philosopher and the city (state) from a specific point of view related to the collision of two identities: an identity driven by the mind and obsessed with the search for truth and its politics, and the identity of a political authority. It is about placing the same philosophy in a city whose whims and interests are disguised as social norms and religious symbols. In order to address this problem, we will stop at the first moment, at the collision of philosophical thought and authoritarian action in the public space, by reading Hannah Arendt’s book On Politics and Promi se. And we will show that the rivalry between philosophy and politics is a dispute over who governs the idea and manages the action in the city. As for the second moment, we will talk about Sartre’s philosophical commitment and its requirements, and we will follow up on his free relationship. In conclusion, we analyze the problem in
- فلسفة
- مدينة
- سلطة
- التزام
- عنف
- إقصاء
- حرية
- Philosophy
- City
- Power
- Commitment
- Violence
- Exclusion
- Freedom
the present of our cities today, which are collapsing before our eyes, to conclude that the commitment of the philosopher in our times is more difficult than the commitment of his predecessors, because he faces new and postmodern forms of control, regulation, and violence, and remains exposed to danger even when he is in the furthest possible isolation. In the present discussion, there is a bet that the philosopher is destined to begin again, despite the pains, and tribulations that accompany the resumption of his discourse.
مقدمة
"المدنُ تصنعها أقدام من يمشون فيها وخطواتهم، ويُحركون طاقتها الإيجابية"1في الجمهورية الهيلينية، في أقصى مدينة أثينا، سلك سقراط Socrates (399–470 ق. م.) سبيله تجاه البحر، تاركًا المدينة خلفه. وبعد تهكمه من آرائها في العدالة، بدأ حواره الحالم مع مدينة أخرى، يحكمها الفاسفة ويتفلسف حكامها. هكذا كان "سقراط يتجول خارج المدينة الظالمة ليحلم بمدينةٍ أخرى في الكام"2. هو لا يذهب إلى تُخوم أثينا إلا ليعود منها حاما وِزر أحامه، فهي أجمل مدن العالم رغم صلفها وغطرسة حكامها وسوء طباع سكانها. لكن أي شجاعة تشد الفيلسوف إلى أرض لا مناخات فلسفية فيها غير بعض الأصوات في وِهادها؟ أي فكر هذا الذي يجعل صاحبه يمشي على نصلٍ حاد؟ ما مصير فلسفة لن يقرأها أحد سوى أهل الصَنْعَة في المدينة3؟ ما سبيلنا إلى تلك المواقف التي تُوجع أصحابها قبل أن تُوجع الآخرين؟ لماذا تعلن الفلسفة دائمًا ولادتها من جديد كلما حاكمتها المدينة؟ هل يبحث الفيلسوف فعا عن "مدينةٍ فاضلةٍ، تحقق في الخيال ما عجزت القوى الاجتماعية النامية عن كشفه في الواقع"4؟ ألا تكون محنة الفلسفة مرتبطة بأولئك الذين يكافحون من أجل الحق في إعمال واستعمال العقل بحرية، وحسب؟ ربما لم تُقرأ عاقة الفيلسوف بالمدينة كما ينبغي، أو لعلها مهمة لم تُنجز بعد، ونحن ههنا لا نزعم إنجازها، وإنما سنعمل جينيالوجيًا على تقصي هذه العاقة النزاعية في أوضاعها التاريخية
من زاوية نظر مخصوصة تتعلق بتصادم هويتين: هوية يحركها العقل وهاجس البحث عن الحقيقة، وهوية سلطة مدفوعة بالأهواء والمصالح المتنكرة بلباس السياسي والمقدس الديني. إن الفلسفة، منذ أوجاعها الأولى المرافقة لمحاكمة سقراط، لم تغيّر من نبرة احتجاجها ومقاومتها، وإن غيرت أساليب مناوراتها وطرائق حجاجها. أما المدينة، فمن أثينا وصولً إلى مدن هذا العصر، لم تفعل شيئًا سوى تغيير مابس كهنتها الذين تورطوا طوال قرون في المآسي التي لحقت ببعض العقول العظيمة. وما تقنيات التعذيب والحصار والنفي والعزل والتشريد إلا دليل على "ذاكرة صامتة"، تعبر عن تصادم السياسات المختلفة حول ماهية الحقيقة، لكنها على أي حال من الأحوال، تبقى ذاكرة تحتفظ بفظاعة ما ترتب على الوضع النزاعي بين "الفلسفة" و"سلطة المدينة".
أولا: الفلسفة والسياسة، تصادم الفكر والفعل
تُعدّ الفيلسوفة الألمانية حنة أرندت Arendt Hannah)1975–1906(5 من الذين فككوا عاقة الفيلسوف بالمدينة، وقضايا الحداثة السياسية، ووضع الإنسان المعاصر، ومشكات الفضاء العمومي. وتميز فكرها بطابع مركّب، تُشكله طبقات متداخلة من الأفاطونية والأرسطية والسبينوزية والكانطية والهيغلية والماركسية. وفي كتابها في السياسة وعْدًا6 تتناول العاقة الإشكالية بين "الفلسفة" و"السياسة" منذ اليونان إلى ما بعد ماركس، انطاقًا من سؤال مركزي وموجه: هل يمكن أن نفكر فلسفيًا بعيدًا عن الشأن السياسي؟ تذهب أرندت في الفصل الأول من هذا الكتاب الذي جاء بعنوان: "سقراط" إلى اعتبار محاكمة هذا الفيلسوف بمنزلة اللحظة الحاسمة التي فتحت شرخًا بين الفلسفة والسياسة. كما تعتبر أيضًا أن تقليد الفلسفة السياسية بدأت إرهاصاته الأولى مع "يأس أفاطون" من العيش داخل المدينة التي أعدمت أستاذه وأسكتت صوت اللوغوس Logos الذي كان يحمله، بل لم يشفع له الحجاج، في تلك اللحظة الفارقة، لإقناع الآخرين ببراءته. تقول أرندت مُشيرةً إلى كبرياء المدينة التي لا تحتمل حتى ظل الفيلسوف: "كان سقراط، حينما أخفق في إقناع المدينة، قد بين لنا أن المدينة ليست مكانًا آمنًا للفيلسوف، لا بمعنى أن حياته غير آمنةٍ وحسب، جراء الحقيقة التي يمتلكها، ولكن بالمعنى الأكثر أهميةً، المتمثل في أن المدينة لا يمكن أن تكون محل ثقةٍ لاحتفاظ بذاكرة الفيلسوف"7.
هكذا هي المدينة في صورتها الإغريقية، لم تكتف بسحق حرية الفكر فحسب، وإنما سعت أيضًا للقضاء على إمكانات انبثاقه في الفضاء العمومي. لكن هذه المدينة التي نكلت بسقراط – وفقًا لأرندت – ليست نموذجًا للسياسة، وإنما هي بمنزلة المرجع المحبذ لها فقط؛ إذ فيها تنبثق السياسة، وهي لا ترى فيها سوى فضاء مشترك للكام والأفعال. تتقدم أرندت أبعد من ذلك، لتعتبر أن الصراع بين سقراط وأثينا يعود إلى رفض الفيلسوف تأدية أي دور سياسي في مدينة لا تتاءم مع الفلسفة، وأن القطيعة بين "السياسي" و"الفلسفي"، ستكون عنوانًا لفلسفة أرسطو Aristotle (322–384 ق. م.) فيما بعد، والتي لم يعد يشعر فيها الفيلسوف أنه مسؤول عن المدينة. لكن أرسطو كتب في السياسة وعرف الإنسان ب "الحيوان السياسي"، وكأن المدينة هي نفسها التي أعدمت سقراط وأججت يأس أفاطون منها، وهي نفسها الأرض التي يطؤها والسماء التي يشخص إليها بصره، فهل فشل أرسطو في تحقيق هدف أسافه؟ مثلما "فشل أفاطون في تحقيقه حتى عندما توجه خارج أثينا بحثًا عن مدينةٍ جديدةٍ من شأنها أن تقبل سلطان ملكٍ–فيلسوف"8. أيكمن قدر الفيلسوف في النجاة في الابتعاد عن المدينة، أم أن الأمر يتعلق بالفلسفة ذاتها وسياستها المضادة A–politia؟ ثم "هل في مقدور الإنسان، إذا كان عليه أن يعيش خارج المدينة، أن يحيا خارج أفق السياسة؟"9، وهل "على الفيلسوف أن يصير لا فيلسوفًا حتى تصير الافلسفة أرض الفلسفة وشعبها"؟10 مثلما يقول جيل دولوز Gilles Deleuze (1995–1925)، وهل يعود حقًا تصادم الفكر والفعل في مدينة طاغية أو ديمقراطية إلى "عجز الفيلسوف عن أقلمة أسلوب عيشه واهتماماته الخاصة مع الفضاء السياسي العمومي"؟11 وهل يتحدد شرط الفيلسوف في المدينة ب "العقل الافلسفي الذي يهَبُ الفلسفة فضاء هو لها إمكانٌ أساسيٌ للخطاب وخارطة للتخييل لما تستطيعه وما لا تستطيعه الحقيقة"؟12إن البعد المقلق لهذه الأسئلة، الكامن وسط النقاشات التي تدور حول المدينة، هو أن الفلسفة لا توجد إلا وهي متهمة بزعزعة النظام (نظام الأفكار والآراء والمعتقدات). كما لا تظهر إلا بصفتها سياسة مضادة تهدد الإجماع والتوافق، وتمزق نسيج الاطمئنان في المدينة؛ فهي سياسة فكر، والمدينة سياسة فعل. سياسة الفكر ترنو ولا ريب إلى الفعل – لكن ليس أي فعل – وإنما الذي يُسهم في بناء الإنسان، وسياسة المدينة تسعى إلى تطويع الفكر. كما أن الفلسفة تطلب الحقيقة التي تتعين في الحاضر صيغةً للمقبل à–venir ذلك أن "مشكلة الفلسفة ليس الحاضر، وإنما الإمكانيات التي تُكسر منطق الحاضر وتربكه، لأنها مفتوحة على المستقبل على الدوام"13. إن الخصومة بين الفلسفة والسياسة ليست إلا نزاعًا حول من يسوس الفكرة ويتدبر الفعل وفق منطقه الخاص. وعلى ذلك النحو، ترتسم الخطوط
الخافية لسياسة الحقيقة عبر استعمالين للعقل، وقد فصّل في آثارهما بدقة الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط Kant Immanuel (1804–1724) في معرض حديثه عن "الاستعمال الخصوصي" و"الاستعمال العمومي" للعقل14. وربما، ذلك ما يؤكد أن المقام في هذه العاقة يضعها في أزمة دائمة بين نمطين من السلطة: الفلسفة تتحول إلى سلطة مؤسسة تُخرب السلطة المؤسسة وتدك حصون المدينة التي تراها فاسدة، "أما السياسة فما إن تتعلق بالسلطة حتى تصبح أخاقًا متنكرة، تلتبس برغبات البشر وتخياتهم وأوهامهم"15. تستشعر أرندت مجموعة مَخاطِر لعل أهمها اختفاء المعاني الأصيلة للسياسة من العالم، وترصد مظاهر ما يضادها من رعب ووحشية. وفي هذا السياق، تطرح سؤالها الذي تصفه بالعنيف والمتشائم: "هل ما زال للسياسة في النهاية معنى؟"16. وهذا السؤال مرتبط، في حقيقة الأمر، بالتعريف الذي انطلقت منه حين اعتبرت أن معنى السياسة هو الحرية، وهو ما يعني أن غياب الحرية – وهذا أمر واقع – يؤدي بالضرورة إلى تعطل السياسة أو غيابها، ولعل هذا ما يفسر كثرة الشكوك في ما تدعيه السياسة من سعي إلى تحرير البشر والحفاظ على حياتهم. ونجد أرندت، في إطار متابعتها لهذا السؤال، تقترح التخلص من مثل هذه سياسة قبل أن تُهلك البشر، لكن ما العمل إذا كنا لا نستطيع التخلص من السياسة؟ وكيف يمكن الفيلسوف أن يواجه عنف الامعنى الذي بلغته السياسة اليوم؟ فسؤال: "ما معنى السياسة؟" بالنسبة إلى أرندت تغير اليوم، بينما يكون السؤال الذي يتوافق مع عصرنا الحالي، وبالنظر إلى مَخاطِر التقدم العلمي المحدقة بالإنسان هو "هل ما زال للسياسة معنى في نهاية المطاف؟". وفي صلب هذا الرعب الذي يخترق مدننا اليوم، يبزغ الأمل في عودة الإنسانية إلى العقل؛ لأن "من يتخلى عن مدينته، أو هو منفي منها، يفقد ليس فقط موطنه أو أرض أجداده، لكن يفقد أيضًا الفضاء الوحيد حيث يمكنه أن يكون حرًا، يفقد مجتمع أنداده"17. يتعلق الأمر، في ظل فقدان الفعل السياسي للمبادئ، بحماية الفعل نفسه ضد الخطر المتزايد والمازم له دائمًا، حين لا نفرق فيه بين الغايات والأهداف لحظة تناقضها داخل الفعل ذاته. فالأهداف قد تأخذنا إلى عالم الوسائل التي يتسلل منها العنف تحت أسماء مختلفة، تتحول فيها السياسة إلى سلطة آثمة تمزق الوجود المشترك للبشر في المدينة. ينبثق تصادُم الفكر والفعل من هذه الزاوية التي تتشكل فيها هذه العاقة؛ وهو ما يسمح للفيلسوف بالنظر إلى حاضر الناس المحكوم ب "انضباطات مظلمة وصامتة وبكماء تعمل في الأعماق، في
الظام، وتُشكل الأرضية التحتية الصامتة للآلة الكبيرة للسلطة"18. ففي المدينة، يعتبر مفهوم السلطة، كما يقول عالم الدراسات المستقبلية الأميركي آلفين توفلر Toffler Alvin (2016–1928)، أقل جوانب حياتنا حظًّا من الفهم19. ويصير الأمر أكثر تعقيدًا لمّا يتعلق بالمنحى الفلسفي والسياسي؛ لذلك سنتوقف عند بعض ما يشير إليه هذا المفهوم، عسى أن يتيسر لنا تقليب هذه العاقة. تقترن السلطة في المعاجم العربية بمعاني الحكم والنفوذ والملك والقدرة والسلطان ف "السلطة هي القدرة والملك"20و"قدرة من جُعِل ذلك له وإن لم يكن ملِكًا"21. والسلطة مرادفة لمفاهيم الاستطاعة والقدرة والقوة والسلطان عند آندريه لالاند Lalande André)1963–1876(22 و"غالبًا في الاستعمال الشائع للمصطلحات لا نميز السلطة عن الحكم، الذي ليس إلا شكا محدودًا ومعقلنًا من السلطة. لكن السلطة حين تكون منظمة فإنها تخترق وتُشكل الجماعة الإنسانية برمتها: هي تُكون تحت كيفيات مختلفة آلة الفعل الاجتماعي ذاتها"23. وهي كذلك "ليست خيرًا ولا شرًا. إنها بعد من أبعاد العاقات الإنسانية كلها تقريبًا"24. ويذهب ناصيف نصار إلى القول إن "السلطة بمعناها العام هي الحق في الأمر، فهي، إذًا، عاقة بين طرفين"25. بناءً على هذه التحديدات المعجمية، وانطاقًا منها، ناحظ رغم اختاف السجات اقتران مفهوم السلطة بمفاهيم الحكم والسيادة والقوة والنفوذ والسيطرة والإخضاع والتأثير والتوجيه؛ وهي دلالات تدفعنا إلى فهم السلطة بصفتها عاقة اجتماعية وتجاوزًا عند اختزالها في الشكل السياسي الذي يتمظهر في التناظر بين سيطرة الحاكم وهيمنته، وطاعة المحكوم وخضوعه. وبهذا، ستكون عاقة السلطة بالمنحى الفلسفي أكثر عنفًا؛ لأن الفيلسوف يستهدف إبطال مفعولها وكشف ألاعيبها. إن كبرياء المدينة ومؤسساتها تُواجهها دائمًا جسارة الفكر وشجاعته حتى وإن كانت الحياة أحيانًا موضوع هذا الصراع، وربما تكون مأساوية هذه العاقة التاريخية بين الفلسفة والمدينة هي التي دفعت عبد الله بن المقفع (142–106 ه/ 759–724 م) إلى القول: "إن الفيلسوف لحقيقٌ أن تكون همته مصروفة إلى ما يُحصن به نفسه من نوازل المكروه ولواحق المحذور"26. ولعل ذلك ما يفسر التجاء بعض الفاسفة في عصور
مختلفة إلى التخفي وراء أسماء مستعارة ولم تُلحق بهم أسماؤهم الحقيقية إلا بعد وفاتهم، وقصة مدينة أمستردام مع الفيلسوف الهولندي، باروخ سبينوزا Spinoza Baruch (1677–1632)، تروي تاريخًا صامتًا للمعاناة والآلام التي لحقت واحدًا من الذين سيؤثرون لاحقًا في مجرى الفكر الإنساني.
ثانيًا: الالتزام الفلسفي وجرأة الفيلسوف
يسكن الفيلسوف المدينة على نحو ما يسكنها الغريب، ولم تزل تلك قناعة قائمة بحيث لا يكون فيلسوفًا بالمعنى الحقيق إلا إذا كان مستعدًا للمخاطرة. فالشجاعة، التي هي أولى الفضائل في الفلسفة والسياسة، تتعين في تلك اللحظة التي يُواجه فيها الفكرُ الفعلَ السياسي في المدينة الفاسدة، وأيضًا حين يسعى إلى تطويع المواطنين وترويضهم وترويعهم أولً، عبر الإقصاء والقسر والقهر والتهجير، وثانيًا، عن طريق إيقاظ الآمال المكذوبة وتضليل الوعي بُغية صناعة إنسان هجين27، يدافع طوعًا عن الأكاذيب السياسية كما لو كانت بمنزلة الأقانيم الثاثة المقدسة في المسيحية لا يجوز مساءلتها أو التشكيك في مدى صاحيتها. ونجد سقراط نفسه لم يفعل شيئًا غير دفعه أهل المدينة إلى مغادرة كهف أوهامهم، فلقد "أراد سقراط أن يجعل المدينة أكثر حقيقية وذلك بتحرير كل مواطن من حقيقته"28، وفضح شراسة المدينة في تخريب عقول مواطنيها وتحنيطها. إن الفيلسوف وحده من يدرك أن المدينة عبر فساد سلطتها تحوّل الأفراد إلى حيوانات وآلات صماء، بل ويستشعر أنها تكسر مرايا الفلسفة حين لا ترى فيها انعكاسًا لصورة سلطتها. الفيلسوف أعلم من غيره بأن "للفلسفة إمكانًا مدنيًا لا ينبغى أنْ تُفوت فيه إلى الرأي العامي"29، وهو أمر أشار إليه دولوز وفليكس غتاري Guattari Félix –1930(1992). فحين تواجه الفلسفة خيبات الأمل التي يعانيها العقل "تغدو دعوةً إلى أرضٍ جديدةٍ أو شعبٍ جديدٍ"30، فالتفلسف يستدعي "في حد ذاته شكا مستقبليًا وأرضًا جديدة وشعبًا لم يُوجد بعد "ُ31. تتجه السياسة، وفق تعبير الفيلسوف والناقد الثقافي السلوفيني، سافوي جيجيك Žižek Slavoj32، إلى الاهتمام بقضايا الشأن العام بُغية إيجاد حلول لمشكات الناس، بينما تتجه الفلسفة إلى إثارة المشكات التي تعترضهم، وهذه الدلالة تنطبق على طبيعة الفكر الفلسفي الذي يظهر دائمًا في وضع إشكالي. وضمن هذا السياق، يكون الالتزام مضادًّا لتعالي الفكر، فالفيلسوف الملتزم بقضايا مدينته يشعر أنه معنيٌّ بها، ومواقفه تعكس انخراطًا في مجريات الأحداث التي تدور فيها، وأفعاله تُترجم بأعلى اقتصاد لغوي ممكن، هو "مفهوم الالتزام" Commitment، وسياقات هذا المفهوم معجميًا
وفلسفيًا تُؤكد ذلك. يرتبط إذًا مفهوم الالتزام بمجال الممارسة، ويشير في دلالته الأكثر شيوعًا إلى الانخراط الواعي الحر والمسؤول في فعل معين، انتصارًا لقضية محددة. وفي الأزمنة نفسها التي تحدثت فيها أرندت عن عاقة الفيلسوف بالمدينة، استأنف الفيلسوف الوجودي الفرنسي، جان بول سارتر Jean–Paul Sartre (1980–1905)، التفكير في مسألة الالتزام. فبلور في كتابه: ما الأدب؟ Qu’est–ce que la littérature (1947) مفهومه عن الالتزام في سياق إجابته عن سؤال: ما الأدب؟ في طرح فلسفي أصبح فيما بعد إحدى أهم الأطروحات التي تناولت هذه القضية. ورغم أن مفهوم الالتزام ليس مفهومًا أدبيًا محضًا، فإنه وجد تفسيره الدقيق عند سارتر في حقل الأدب، حيث سيُفصل القول في مقتضياته، معتبرًا أن كل المشاريع التي يمكن أن نتحدث عنها تعود في الأساس إلى مشروع واحد، هو صناعة التاريخ وبناء الإنسان. إذ تفرض علينا هذه المهمة "ترك أدب القول لنُنتج أدب العمل"33. وأدب العمل يقتضي أن يواجه المرء عصره ويتدبره حتى إن كان مغبونًا فيه. على الفيلسوف أو المبدع عمومًا أن يكتب ويفعل ليتجاوز عطالة أزمنته وعنفها وتسلطها، أو بعبارة أخرى، عليه أن يتوجه نحو بناء المستقبل. "وحين يفهم ذلك كله يكتب للجميع ومع الجميع، لأن المسألة التي يبحث عن حلها بوسائله الخاصة هي مسألة الجميع"34. إن المشكل عند سارتر لا يتعلق بقضية اختيار العصر أو المدينة التي يعيش فيها الفيلسوف، بل اختيار: كيف يكون حاله في هذا العصر؟ فالهروب منه ومن الواقع الاجتماعي يُمثل خيانة الإنسان لقضيته؛ هذا هو الدرس المهم الذي أراد توضيحه. فإذا كانت الحرية هي جوهر السياسة في المعنى الذي وضعته أرندت، فإن الحرية عند سارتر ليست ماهية السياسي فحسب، بل وقدَرُ هذا الكائن الذي لا سند له غير حريته. لا ينشأ الالتزام من الضغط الذي قد يُوقِعه المجتمع على الإنسان، ولا يصدر أيضًا عن خوف من سلطة آثمة تعاقب من لا يمتثل لمعاييرها، وإنما ينشأ من أعماق الفكر المتيقظ والإرادة المتبصرة. إن الالتزام مثلما يحدده سارتر هو انخراط في الممارسة، وتحرير للإنسان من سطوة الحتميات الخارجية، ومن قوى الإكراه التي تصادر وجوده في المدينة، والفيلسوف لا يكون ملتزمًا إلا حينما ينقل لنفسه وللآخرين ذلك الالتزام، لأنه حينئذ يُكونُ ضميرًا حيًّا قادرًا على مواجهة ما يحدث. الالتزام بالحرية يجعل الإنسان "مسؤولً عن كل شيءٍ، عن الحروب الخاسرة أو الرابحة، عن التمرد والقمع"35. فالحرية التزام الحاضر ببناء المستقبل، وهذا الالتزام يتمظهر في وجهين: الأول معياري متعلق بالمستقبل، والثاني واقعي مشدود إلى الحاضر. وهو ليس مجرد ترف فكري/ نظري، وإنما سعي دؤوب لتحقيق الآمال. مع سارتر، تتجلى جسارة الفيلسوف الذي يدير وجهَ الفلسفة نحو الإنسان، بل أكثر من ذلك، نحو الحياة العادية للناس. وعلى هذا النحو، يتجسد الالتزام وتتعين المسؤولية قيمةً إتيقيةً تفتح أبواب الأمل، حتى وإن كان الثمن الذي يُدفَع هو الحياة، وما أقسى أن يُدفع بالحياة ثمنًا
من أجل الحرية. لذلك، فمهمة الفيلسوف عويصة، ب ريب، وصعوبتها تشتد حينما يتوجه بأفكاره إلى الآخرين الذين يشاركونه الوجود السياسي ولا يفلح في تغيير أوهامهم، يقول سارتر: "عندما يستحيل علينا أن نجعل غيرنا يقتسم معنا أنواع اليقين التي نتمتع بها، فلن يبقى لنا سوى الضرب والإحراق والشنق"36، في إشارة واضحة إلى ذاك القدَر الذي لازم الفيلسوف في كل عصر. إن الفلسفة، أيًّا كان أسلوبها أو شكلها أو سجلها، لا تستمد قيمتها إلا من خال "رابطة الالتزام" التي تجعل الفيلسوف يقف دائمًا أمام "مسؤوليةٍ لا يمكن التنازل عنها أو الهروب منها في إقبالها الإتيقي"37. وتلك صيغة جعلت من الفيلسوف كائنًا يسعى، من خال لغته الدقيقة وفكره الثاقب وسداد بصيرته، إلى فضح مظاهر التضليل في المدينة. يحدثنا الفيلسوف الفينومينولوجي الفرنسي موريس مرلو–بونتي Maurice Merleau–Ponty (1961–1908) عن سقراط والتزامه الأخاقي تجاه ذاته والآخرين، بما في ذلك قُضَاته، ويُفصل القول في تلك العاقة المتوترة ونهايتها التراجيدية، "فنفس الفلسفة هي التي تجبره على المثول أمام القضاة، وهي التي تجعله مختلفًا عنهم، نفس الحرية التي تحمله على أن يكون بينهم تُحصنه ضد أحكامهم المسبقة"38، "وإذا كانت المدينة هي حقًّا ما يدافع عنه سقراط، فإن الأمر لا يمكن أن يتعلق فقط بمدينة يحملها في نفسه، وإنما بتلك المدينة الموجودة من حوله"39، بحيث يحمل همومها وآمالها إلى تخوم الممكن من الحلول. فالالتزام الفلسفي ليس مهمة يختارها الفيلسوف، وإنما هو شرط توليدي للفلسفة ذاتها وأمر جسدته الممارسة السقراطية التي تحولت إلى ما يشبه التقليد الذي سيرافق تاريخ الفلسفة برمته، باستثناء فاسفة البهرج والزور والباطل الذين حدثنا عنهم أبو نصر الفارابي (339–260 ه/ 950–874 م) في كتابه تحصيل السعادة40. وبناء عليه، حتى لو طاردت المدن فاسفتها وشردتهم وأحرقت كتبهم وألّبت الدهماء عليهم، فسيبقى صوت الفيلسوف و"يمكن سماعه من خال الأسلوب، ومن خال إيقاع الكتابة، في نفَسِها، وفي فواصلها وفي كبواتها"41.
خاتمة: الحرية ومسالكها الوعرة
يعاصر الفكر اليوم حالة من التردي والفراغ، تتشابه كثيرًا مع الأزمنة التي عاينها الفاسفة القدماء. هذا الفراغ الذي يُبتلع فيه الاجتماعي والسياسي، يجعل الحديث عن وضع الفيلسوف والدور الذي يمكن أن يؤديه بليغ المعنى والدلالة. فالوجه الثوري للفلسفة لا يحتاج إلى إعمال عقل فحسب، بل يتطلب نزوعًا ثوريًا يطالب بالتحرر. والطريق إلى الفلسفة يبدأ بالشجاعة وينتهي بالتضحية. جسارة الفيلسوف
وجرأته في التفكير على نحو مغاير لمنطق الملة، هما ما يفسران صلف المدينة وغطرسة ساستها وتواطؤ أهلها وصمتهم على جرائمها، فمحاكمة ابن رشد الحفيد (595–520 ه/ 1198–1126 م) مثا، لم تكن بسبب ما نعتته العرب في العصر الوسيط ب "العلوم الدخيلة"، ولم تكن محاكمةً للفلسفة اليونانية، بل للعقل المتحرر من قبضة العقل الفقهي المغلق42. هذه المحاكمة، وغيرها، وضعت خطًا فاصا بين الالتزام الديني والالتزام الفلسفي. فالأول يأخذ طابع الإكراه، والثاني يتخذ من الحرية منطلقًا وغايةً؛ إذ الحرية والمساواة "هي المبادئ الملهمة التي هيأت العقول لأولئك الذين فعلوا آنئذٍ ما لم يكونوا قد توقعوا فعله قط، والذين كانوا في الغالب مضطرين للقيام بأفعالٍ لم يكن لديهم ميل سابق للقيام بها"43. ذلك أن أصل السياسة هو الحرية، والحرية هي المساواة في حق الكام، بل الحقل السياسي "هو الميدان الوحيد الذي يمكن فيه للناس أن يكونوا أحرارًا حقًا"44. إن الفكرة المركزية للفلسفة هي تأسيس بداية جديدة تقود بدورها إلى "تأسيس كيانٍ سياسي يضمن المجال الذي يُمكن للحرية أن تظهر فيه"45. لقد اخترع الفيلسوف فكرة البداية بما هي فكرة إبداع تجربة حياة جديدة قوامها الحكمة، غير أن هذا الطريق لم يكن موحشًا فقط، بل كان دائمًا لصيقًا بالمواجع والمغامرة وتحدي الذات؛ إذ ليس ثمة من حكمة تتراكم دونما نقد للذات وإعادة نظر في العاقات التي تقيمها في عالم الآخرين. الحكمة تعبر عن قدرة الفيلسوف في البدءِ مجددًا، عبر الكلمة والفعل، وفي خلق فضاءات عامة وحية، حتى وإن تعطلت إمكانات قيام سياسة أصيلة في المدينة فستمنحه الحكمة، رغم ما يرافقها من آلام ومحن، منافذ أخرى للفعل الإنساني. لكن سؤال الحاضر الذي يُطرح ههنا هو: "ما هي الصيغ الرئيسية لالتزام الفلسفي؟"46. لا ريب أنه لا محيد عن الانطاق من عالم المدينة اليوم. لقد أصبحت جميع فضاءاتها ملحقة بأنظمة لم تعد تنتظم من خال القوة والعنف، وإنما عبر "ديمقراطية ليبرالية متوحشة"، تذكرنا بعبارة مهمة للفيلسوف البراغماتي الأميركي ريتشارد رورتي Rorty Richard (2007–1931) يقول فيها: "الديمقراطية، في النهاية، أكثر أهمية من الفلسفة"47. فهي تُعبر عن موقف يتضمن محتوى قمعيًا "إذْ تهدف إلى منع الفلسفة من السؤال عن الجوهر الحقيقي للأمر الذي يندرج اليوم تحت اسم 'الديمقراطية"'48. فعا، الفيلسوف في المدينة ما بعد الحداثية Postmodern يواجه شكا جديدًا من أشكال التحكم الاجتماعي المتحرر من الأساليب القديمة في التنكيل والاضطهاد، ففي مدن اليوم اختفى المخيال الصارم حول الحرية وحلت محله ديمقراطية هجينة/ غير جذرية. لقد كان العصر الحداثي مسكونًا بالإنتاج والثورة،
بينما العصر ما بعد الحداثي مسكون بالإعام والديمقراطية. إننا نشهد اليوم حرية محمولة على ظهر دمَقْرَطة غير مسبوقة للكام والتعبير والاحتجاج، "ففي عمق الصحراء الاجتماعية يقف الفرد السيادي بعلمٍ وحريةٍ يُنظم حياته بحذر"ٍ49 في مدينة عملت على تطهير الواقع من الفلسفة، وجردته من وسائل مقاومته الأخيرة عن طريق جعله فضاءً مفتوحًا، يبقى فيه الفيلسوف معرضًا للخطر حتى وهو في أبعد عزلة ممكنة، وتلك صيغة عبرت عنها أرندت بجمالية استثنائية. في خاتمة كتابها فيالسياسةِ وعدًا استعملت أرندت لفظ "الصحراء" استعارةً تعبر عن خسارتنا المستمرة للعالم والمدن لمبدعيها، فحينما يتوغل عالم الصحراء يدمر الذوات والمدن/ الواحات، وحتى أولئك الفارون من الصحراء إلى الواحات، يخربون واحات الفلسفة والفن والحب والصداقة في قفار هذا العالم. يتعلق الأمر عند أرندت بجعل السياسة مطلبًا يتحقق بتحقق الحرية، تلك الكلمة التي حركت الأفراد والجماعات. الفيلسوف حر ويتوجه إلى أناس أحرار، وهو مسؤول، ومسؤوليته هي التي تجعله يتخذ موقفًا محددًا. ولمّا كان محكومًا عليه بالحرية – وفق توصيف سارتر – فإنه يحمل على عاتقه عبء العالم كله.
References
المراجع
العربية
أرنت، حنة. في الثورة. ترجمة عطا عبد الوهاب. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2018
________. في السياسةِ وعدًا. تقديم جيروم كوهن. ترجمة معز مديوني. بيروت/ بغداد: منشورات الجمل،.2018
________. ما السياسة؟ ترجمة وتحقيق زهير الخويلدي وسلمى بالحاج مبروك. الرباط: دار الأمان؛ الجزائر: منشورات الاختاف؛ بيروت: منشورات ضفاف،.2014
باديو، آلان وساڤوي جيجك. الفَلسفَةُ في الحَاضِر. بيتر إنغلمان (محرر). ترجمة وتقديم يزن الحاج. بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر،.2013
بيدبا. كليلة ودمنة. ترجمة عبد الله بن المقفع. بيروت: دار الكتب العلمية،.1989
توفلر، ألفين. تحول السلطة، المعرفة والثورة والعنف على أعتاب القرن الحادي والعشرين. ترجمة لبنى الريدى. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.1995
الجابري، محمد عابد. نحن والتراث، قراءة معاصرة في تراثنا الفلسفي. ط 6. الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي،.1993
دولوز، جيل وفليكس غتاري. ما هي الفلسفة. ترجمة وتقديم مطاع صفدي. بيروت/ الدار البيضاء: مركز الإنماء القومي؛ المركز الثقافي العربي،.1997
سارتر، چان پول. الأدب الملتزم. ترجمة جورج طرابيشي. ط 2. بيروت: منشورات دار الآداب،.1967 ________. ما الأدب؟ ترجمة وتقديم وتعليق محمد غنيمي هال. القاهرة: نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع،.1990
الفارابي، أبو نصر. كتاب تحصيل السعادة. تقديم وشرح علي بو ملحم. بيروت: دار ومكتبة الهال، فوكو، ميشيل. يَجبُ الدفاع عَنِ المجتمع: دُروسٌ ألقيَت في الكوليج دي فرانس لسنَةِ1976. ترجمة وتقديم وتعليق الزواوي بغورة. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر،.2003
كانط، إيمانويل. "إجابة عن السؤال: ما التنوير؟". ترجمة إسماعيل مصدق. فكر ونقد. العدد).1997(4 لالاند، أندريه. موسوعة لالاند الفَلسفية. ترجمة خليل أحمد خليل. بيروت/ باريس: منشورات عويدات،.2001
المسكيني، فتحي. فَلسَفة النوَابت. بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر،.1997
نصار، ناصيف. منطق السلطة، مدخل إلى فلسفة الأمر. ط 2. بيروت: أمواج للنشر والتوزيع؛ الفرات للنشر والتوزيع،.2001
الأجنبية
De Certeau, Michel. L’invention du quotidien. vol. 1: Arts de faire. Paris: Union générale
d’éditions, 1980.
Dorra, Max. Heidegger, Primo Levi et le sequoia. Paris: Gallimard, 2001.
Encyclopaedia universalis. Corpus 18. at: https://bit.ly/3Lv4zQO
Levinas, Emmanuel. Ethique et infini. Paris: Fayard, 1982.
Merleau–Ponty, Maurice. Éloge de la philosophie. Paris: Gallimard, 1953.
Simon, Critchley. The Faith of the Faithless. London/ New York: Verso, 2012.